← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 30178

تحفة السائل في بيان ما في عمدة الأحكام من المسائل

أبو بكر الحمادي

Полный текст (8 095 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.

стр. 1121

«هَذَا الْحَدِيث ظَاهِر فِي أَنَّ الْمُرَاد بِالسَّجْدَتَيْنِ رَكْعَتَانِ هُمَا سُنَّة الْعَصْر قَبْلهَا، وَقَالَ الْقَاضِي: يَنْبَغِي أَنْ تُحْمَل عَلَى سُنَّة الظُّهْر كَمَا فِي حَدِيث أُمّ سَلَمَة لِيَتَّفِق الْحَدِيثَانِ، وَسُنَّة الظُّهْر تَصِحّ تَسْمِيَتهَا أَنَّهَا قَبْل الْعَصْر» اهـ. قلت: ويدل على ذلك ما رواه البخاري (١٢٣٣)، ومسلم (٨٣٤) عَنْ كُرَيْبٍ، أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ، وَالمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ، وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَزْهَرَ ﵃، أَرْسَلُوهُ إِلَى عَائِشَةَ ﵂، فَقَالُوا: اقْرَأْ عَلَيْهَا¬ السَّلَامَ مِنَّا جَمِيعًا، وَسَلْهَا عَنِ الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ صَلَاةِ العَصْرِ، وَقُلْ لَهَا: إِنَّا أُخْبِرْنَا عَنْكِ أَنَّكِ تُصَلِّينَهُمَا، وَقَدْ بَلَغَنَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْهَا، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَكُنْتُ أَضْرِبُ النَّاسَ مَعَ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ عَنْهَا، فَقَالَ كُرَيْبٌ: فَدَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ ﵂، فَبَلَّغْتُهَا مَا أَرْسَلُونِي، فَقَالَتْ: سَلْ أُمَّ سَلَمَةَ، فَخَرَجْتُ إِلَيْهِمْ، فَأَخْبَرْتُهُمْ بِقَوْلِهَا، فَرَدُّونِي إِلَى أُمِّ سَلَمَةَ بِمِثْلِ مَا أَرْسَلُونِي بِهِ إِلَى عَائِشَةَ، فَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ ﵂: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَنْهَى عَنْهَا، ثُمَّ رَأَيْتُهُ يُصَلِّيهِمَا حِينَ صَلَّى العَصْرَ، ثُمَّ دَخَلَ عَلَيَّ وَعِنْدِي نِسْوَةٌ مِنْ بَنِي حَرَامٍ مِنَ الأَنْصَارِ، فَأَرْسَلْتُ إِلَيْهِ الجَارِيَةَ، فَقُلْتُ: قُومِي بِجَنْبِهِ فَقُولِي لَهُ: تَقُولُ لَكَ أُمُّ سَلَمَةَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، سَمِعْتُكَ تَنْهَى عَنْ هَاتَيْنِ، وَأَرَاكَ تُصَلِّيهِمَا، فَإِنْ أَشَارَ بِيَدِهِ، فَاسْتَأْخِرِي عَنْهُ، فَفَعَلَتِ الجَارِيَةُ، فَأَشَارَ بِيَدِهِ، فَاسْتَأْخَرَتْ عَنْهُ، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ: «يَا بِنْتَ أَبِي أُمَيَّةَ، سَأَلْتِ عَنِ الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ العَصْرِ، وَإِنَّهُ أَتَانِي نَاسٌ مِنْ عَبْدِ القَيْسِ، فَشَغَلُونِي عَنِ الرَّكْعَتَيْنِ اللَّتَيْنِ بَعْدَ الظُّهْرِ فَهُمَا هَاتَانِ». ١٠ - وفي الحديث تخفيف سنة الفجر. وقد روى البخاري (١١٦٥)، ومسلم (٧٢٤) عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا كَانَتْ تَقُولُ:

стр. 1122

«كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ فَيُخَفِّفُ حَتَّى إِنِّي أَقُولُ: هَلْ قَرَأَ فِيهِمَا بِأُمِّ الْقُرْآنِ». قال العلامة الطحاوي ﵀ كما في [مختصر اختلاف العلماء] (١/ ٢٢٣ - ٢٢٤) اختصار الجصاص: «الْحسن بن زِيَاد عَنْ أبي حنيفَة رُبمَا قَرَأت فِي رَكْعَتي الْفجْر حزبي من الْقُرْآن قَالَ أَبُو جَعْفَر وَهَذَا مِمَّا لَا اخْتِلَاف فِيهِ عَنْ أبي حنيفَة وَلَا عَنْ أحد من أَصْحَابه وروى ابْن الْقَاسِم عَنْ مَالك أَنَّه قَالَ: أمَّا أَنا فَلَا أَزِيد على أم الْقُرْآن وَحدهَا لقَوْل عَائِشَة أَنْ النَّبِي ﷺ كَانَ يُخَفف رَكْعَتي الْفجْر حَتَّى أَقُول أَقرَأ فيهمَا بِأم الْقُرْآن أم لَا. وَذكر عَنهُ ابْن الْقَاسِم أَيْضاً أَنه يقْرَأ فِي كل رَكْعَة مِنْهَا بِأم الْقُرْآن وَسورَة من قصار الْمفصل. وَإِنْ قَرَأَ بِأم الْقُرْآن وَحدهَا فِي كل رَكْعَة أَجْزَأَ وَذكر عَنهُ ابْن وهب فِي رِوَايَة أَنَّه لَا يقْرَأ فيهمَا بِأم الْقُرْآن. وَقَالَ الثَّوْريّ: يُخَفف فَإِنْ فَاتَهُ شَيْء من اللَّيْل فَلَا بَأْس بِأَنْ يطول. وَقَالَ الشَّافِعِي يُخَفف. قَالَ أَبُو جَعْفَر وروى الْأَعْمَش عَنْ أبي سُفْيَان عَنْ جَابر عَنْ النَّبِي ﷺ أفضل الصَّلَاة طول الْقُنُوت» اهـ. وقال العلامة ابن بطال ﵀ في [شرح البخاري] (٣/ ١٥٩ - ١٦٠):

стр. 1123

«واحتج لهم الطحاوى، فقال: لما كانت ركعتا الفجر من أشرف التطوع، لقوله ﷺ : "ركعتا الفجر خيرٌ من الدنيا وما فيها". كان أولى أن يفعل فيها أشرف ما يفعل فى التطوع من إطالة القراءة فيهما، وهو عندنا أفضل من التقصير، لأنَّه من طول القنوت الذى فضله رسول الله ﷺ في التطوع على غيره» اهـ. وقال الحافظ ابن عبد البر ﵀ في [التمهيد] (٢٤/ ٤٦): «وَأَمَّا أَقَاوِيلُ الْفُقَهَاءِ فِي الْقِرَاءَةِ فِي رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ فَقَالَ مَالِكٌ: أَمَّا أَنَا فَلَا أَزِيدُ فِيهِمَا عَلَى أُمِّ الْقُرْآنِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ لِحَدِيثِ عَائِشَةَ الْمَذْكُورِ فِي هَذَا الْبَابِ. رَوَاهُ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْهُ. وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ عَنْهُ: لَا يَقْرَأُ فِيهِمَا إِلَّا بِأُمِّ الْقُرْآنِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يُخَفِّفُ فِيهِمَا وَلَا بَأْسَ أَنْ يَقْرَأَ مَعَ أُمِّ الْقُرْآنِ سُورَةً قَصِيرَةً. وَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ أَيْضًا مِثْلَهُ. وَقَالَ الثَّوْرِيُّ: يُخَفِّفُ فَإِنْ فَاتَهُ شَيْءٌ مِنْ حِزْبِهِ بِاللَّيْلِ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَقْرَأَهُ فِيهِمَا وَيَطُولُ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: رُبَّمَا قَرَأْتُ فِي رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ حزبي مِنَ الْقُرْآنِ وَهُوَ مَذْهَبُ أَصْحَابِهِ. قَالَ أَبُو عُمَرَ: السُّنَّةُ تَشْهَدُ لِقَوْلِ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ فِي هَذَا الْبَابِ وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ لِلصَّوَابِ» اهـ.

стр. 1124

قلت: والقول ما قاله ابن عبد البر ﵀، وسيأتي ذكر ما يقرأ في سنة الفجر في شرح الحديث الآتي. ١١ - وفيه إطلاق السجدة على الركعة، وهذا مما يدل على ركنية السجود في الصلاة، وذلك أنَّ إطلاق الجزء على الكل دليل على ركنية ذلك الجزء. ١٢ - وفيه تبليغ أزواج النبي ﷺ لما يعلمنه من هدي رسول الله ﷺ في بيته، وهذا من امتثال قول الله تعالى: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ [الأحزاب: ٣٤]. * * *

стр. 1125

قال المؤلف رحمه الله تعالى: ٦١ - عنْ عائِشَةَ ﵂ قالَتْ: «لَمْ يَكُنِ النَّبِيُّ ﷺ على شيءٍ منَ النَّوافِلِ تَعاهُدَاً منْهُ عَلَى رَكْعَتَي الفَجْرِ». وَفِي لَفْظٍ لِمُسْلِمٍ: «رَكْعَتا الفَجْرِ خَيرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيْهَا». وفي الحديث مسائل منها: ١ - شدة تعاهد النبي ﷺ لركعتي الفجر. ولشدة تعاهده لهما أنَّه كان يصليهما في السفر، بل لما نام في السفر عن صلاة الفجر حتى طلعت الشمس قضاها مع الفريضة. فروى مسلم (٦٨١) عَنْ أَبِي قَتَادَةَ قَالَ: «خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: "إِنَّكُمْ تَسِيرُونَ عَشِيَّتَكُمْ وَلَيْلَتَكُمْ وَتَأْتُونَ الْمَاءَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ غَدًا". فَانْطَلَقَ النَّاسُ لَا يَلْوِي أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ قَالَ أَبُو قَتَادَةَ: فَبَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَسِيرُ حَتَّى ابْهَارَّ اللَّيْلُ وَأَنَا إِلَى جَنْبِهِ قَالَ فَنَعَسَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَمَالَ عَنْ رَاحِلَتِهِ فَأَتَيْتُهُ فَدَعَمْتُهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ أُوقِظَهُ حَتَّى اعْتَدَلَ عَلَى رَاحِلَتِهِ. قَالَ: ثُمَّ سَارَ حَتَّى تَهَوَّرَ اللَّيْلُ مَالَ عَنْ رَاحِلَتِهِ. قَالَ: فَدَعَمْتُهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ أُوقِظَهُ حَتَّى اعْتَدَلَ عَلَى رَاحِلَتِهِ. قَالَ: ثُمَّ سَارَ حَتَّى إِذَا كَانَ مِنْ آخِرِ السَّحَرِ مَالَ مَيْلَةً هِيَ أَشَدُّ مِنْ الْمَيْلَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ حَتَّى كَادَ يَنْجَفِلُ فَأَتَيْتُهُ فَدَعَمْتُهُ فَرَفَعَ رَأْسَهُ. فَقَالَ: "مَنْ هَذَا". قُلْتُ: أَبُو قَتَادَةَ. قَالَ: "مَتَى كَانَ هَذَا مَسِيرَكَ مِنِّي". قُلْتُ: مَا زَالَ هَذَا مَسِيرِي مُنْذُ اللَّيْلَةِ. قَالَ: "حَفِظَكَ اللَّهُ بِمَا حَفِظْتَ بِهِ نَبِيَّهُ". ثُمَّ قَالَ: "هَلْ تَرَانَا نَخْفَى عَلَى النَّاسِ". ثُمَّ قَالَ: "هَلْ تَرَى مِنْ أَحَدٍ". قُلْتُ: هَذَا رَاكِبٌ، ثُمَّ قُلْتُ: هَذَا

стр. 1126

رَاكِبٌ آخَرُ حَتَّى اجْتَمَعْنَا فَكُنَّا سَبْعَةَ رَكْبٍ قَالَ فَمَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ الطَّرِيقِ فَوَضَعَ رَأْسَهُ ثُمَّ قَالَ: "احْفَظُوا عَلَيْنَا صَلَاتَنَا". فَكَانَ أَوَّلَ مَنْ اسْتَيْقَظَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَالشَّمْسُ فِي ظَهْرِهِ قَالَ فَقُمْنَا فَزِعِينَ ثُمَّ قَالَ: "ارْكَبُوا". فَرَكِبْنَا فَسِرْنَا حَتَّى إِذَا ارْتَفَعَتْ الشَّمْسُ نَزَلَ ثُمَّ دَعَا بِمِيضَأَةٍ كَانَتْ مَعِي فِيهَا شَيْءٌ مَنْ مَاءٍ قَالَ: فَتَوَضَّأَ مِنْهَا وُضُوءًا دُونَ وُضُوءٍ قَالَ: وَبَقِيَ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ مَاءٍ ثُمَّ قَالَ لِأَبِي قَتَادَةَ: "احْفَظْ عَلَيْنَا مِيضَأَتَكَ فَسَيَكُونُ لَهَا نَبَأٌ". ثُمَّ أَذَّنَ بِلَالٌ بِالصَّلَاةِ فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ صَلَّى الْغَدَاةَ فَصَنَعَ كَمَا كَانَ يَصْنَعُ كُلَّ يَوْمٍ قَالَ: وَرَكِبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَرَكِبْنَا مَعَهُ قَالَ: فَجَعَلَ بَعْضُنَا يَهْمِسُ إِلَى بَعْضٍ مَا كَفَّارَةُ مَا صَنَعْنَا بِتَفْرِيطِنَا فِي صَلَاتِنَا ثُمَّ قَالَ: أَمَا لَكُمْ فِيَّ أُسْوَةٌ ثُمَّ قَالَ: "أَمَا إِنَّهُ لَيْسَ فِي النَّوْمِ تَفْرِيطٌ إِنَّمَا التَّفْرِيطُ عَلَى مَنْ لَمْ يُصَلِّ الصَّلَاةَ حَتَّى يَجِيءَ وَقْتُ الصَّلَاةِ الْأُخْرَى فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَلْيُصَلِّهَا حِينَ يَنْتَبِهُ لَهَا فَإِذَا كَانَ الْغَدُ فَلْيُصَلِّهَا عِنْدَ وَقْتِهَا". ثُمَّ قَالَ: "مَا تَرَوْنَ النَّاسَ صَنَعُوا". قَالَ ثُمَّ قَالَ: أَصْبَحَ النَّاسُ فَقَدُوا نَبِيَّهُمْ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَعْدَكُمْ لَمْ يَكُنْ لِيُخَلِّفَكُمْ، وَقَالَ النَّاسُ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ أَيْدِيكُمْ "فَإِنْ يُطِيعُوا أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ يَرْشُدُوا" قَالَ: فَانْتَهَيْنَا إِلَى النَّاسِ حِينَ امْتَدَّ النَّهَارُ وَحَمِيَ كُلُّ شَيْءٍ وَهُمْ يَقُولُونَ يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلَكْنَا عَطِشْنَا فَقَالَ: "لَا هُلْكَ عَلَيْكُمْ" ثُمَّ قَالَ: "أَطْلِقُوا لِي غُمَرِي". قَالَ: وَدَعَا بِالْمِيضَأَةِ فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَصُبُّ وَأَبُو قَتَادَةَ يَسْقِيهِمْ فَلَمْ يَعْدُ أَنْ رَأَى النَّاسُ مَاءً فِي الْمِيضَأَةِ تَكَابُّوا عَلَيْهَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " أَحْسِنُوا الْمَلَأَ كُلُّكُمْ

стр. 1127

سَيَرْوَى". قَالَ: فَفَعَلُوا فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَصُبُّ وَأَسْقِيهِمْ حَتَّى مَا بَقِيَ غَيْرِي وَغَيْرُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ثُمَّ صَبَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . فَقَالَ لِي: "اشْرَبْ". فَقُلْتُ: لَا أَشْرَبُ حَتَّى تَشْرَبَ يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: "إِنَّ سَاقِيَ الْقَوْمِ آخِرُهُمْ شُرْبًا". قَالَ: فَشَرِبْتُ وَشَرِبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ فَأَتَى النَّاسُ الْمَاءَ جَامِّينَ رِوَاءً». ٢ - بيان ما لركعتي الفجر من الفضل. ٣ - أنَّ ركعتي الفجر أفضل السنن الرواتب. وقد اختلف في تسميتها سُنة فالأكثر على تسميتها بذلك، وخالف الإمام مالك فلم يسمها سنة. قال العلامة الباجي ﵀ في [المنتقى] (١/ ٢٢٦): «وَعِنْدَ مَالِكٍ أَنَّ السُّنَنَ مِنْ النَّافِلَةِ مَا تَكَرَّرَ فِعْلُ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْجَمَاعَةِ كَصَلَاةِ الْعِيدَيْنِ وَالِاسْتِسْقَاءِ وَمَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ هَذَا الْحُكْمُ فَقَصَرَ عَنْ رُتْبَةِ السُّنَنِ وَإِنَّمَا يُوصَفُ بِأَنَّهُ مِنْ الرَّغَائِبِ قَالَ مَالِكٌ فِي الْمُخْتَصَرِ لَيْسَتْ رَكْعَتَا الْفَجْرِ بِسُنَّةٍ وَلَا يَنْبَغِي تَرْكُهَا وَقَالَ أَصَبْغُ وَابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ فِي الْمَوَّازِيَّةِ لَيْسَتْ بِسُنَّةٍ وَهِيَ مِنْ الرَّغَائِبِ وَهَذِهِ كُلُّهَا عِبَارَاتُ اصْطِلَاحٍ بَيْنَ أَهْلِ الصِّنَاعَةِ وَلَا خِلَافَ فِي تَأَكُّدِ رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ» اهـ. قلت: قد جاء تسميتها بالسنة فيما رواه البخاري (١١٦١) عَنْ عَائِشَةَ، ﵂: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا صَلَّى سُنَّةَ الْفَجْرِ فَإِنْ كُنْتُ مُسْتَيْقِظَةً، حَدَّثَنِي وَإِلَّا اضْطَجَعَ حَتَّى يُؤْذَنَ بِالصَّلَاةِ».

стр. 1128

قلت: والسنة فيها الإسرار، ويدل على ذلك ما البخاري (١١٦٥)، ومسلم (٧٢٤) عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا كَانَتْ تَقُولُ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ فَيُخَفِّفُ حَتَّى إِنِّي أَقُولُ: هَلْ قَرَأَ فِيهِمَا بِأُمِّ الْقُرْآنِ». وما جاء في ذكر ما كان يقرؤه فيهما محمول على أنَّ النبي ﷺ أعلم أصحابه بما يقرأ أو جهر في بعض الأوقات للتعليم. وأمَّا ما رواه أحمد (٥٦٩١)، والترمذي (٤١٧)، وابن ماجه (١١٤٩) من طريق أَبِي أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: «رَمَقْتُ النَّبِيَّ ﷺ شَهْرًا فَكَانَ يَقْرَأُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ قَبْلَ الْفَجْرِ ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، وَ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾». ورواه النسائي (٩٩٢) أَخْبَرَنَا الْفَضْلُ بْنُ سَهْلٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو الْجَوَّابِ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَمَّارُ بْنُ رُزَيْقٍ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنُ مُهَاجِرٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: «رَمَقْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ عِشْرِينَ مَرَّةً، يَقْرَأُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ وَفِي الرَّكْعَتَيْنِ قَبْلَ الْفَجْرِ: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، وَ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾». فهو حديث معل عند علماء الحديث. قال الإمام مسلم ﵀ في [التمييز] برقم (٨٦): «ثنا أبوبكر بن أبي شيبة، ثنا أبو الأحوص، عن أبي إسحاق، عن مجاهد، عن ابن عمر قال: سمعت رسول الله ﷺ أكثر من عشرين مرة يقرأ في

стр. 1129

الركعتين بعد المغرب والركعتين قبل الفجر بـ: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الكَافِرُونَ﴾، و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾. وإبراهيم النخعي، عن مجاهد، عن ابن عمر بهذا. وهذا الخبر وهم عن ابن عمر. والدليل على ذلك الروايات الثابتة عن ابن عمر أنَّه ذكر ما حفظ عن النبي ﷺ من تطوع صلاته بالليل والنهار فذكر عشر ركعات ثم قال: وركعتي الفجر، أخبرتني حفصة أنَّ النبي ﷺ كان يصلى ركعتين خفيفتين إذا طلع الفجر وكانت ساعة لا أدخل على النبي ﷺ فيها. فكيف سمع منه أكثر من عشرين مرة قراءته فيها وهو يخبر أنَّه حفظ الركعتين من حفصة عن النبي ﷺ . وسنذكر إن شاء الله ما ثبت عن ابن عمر في الرواية في ذلك» إلخ. وقال العلامة ابن أبي حاتم ﵀ في [العلل] (١/ ١٠٥): «وسألت أبي عن حديث؛ رواه أبو الأحوص، عن أبي إسحاق، عن مجاهد، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ : أنَّه كان يقرأ في الركعتين قبل الفجر، والركعتين بعد المغرب بـ: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الكَافِرُونَ﴾، و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾. قال أبي: ليس هذا الحديث بصحيح، وهو عن أبي إسحاق مضطرب، وإنَّما روى هذا الحديث نفيع الأعمى، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ » اهـ.

стр. 1130

وقال الحافظ الدارقطني ﵀ في [العلل] (١٣/ ١١٥ - ١١٨): «روي عن سالم، وعن مجاهد، ونافع، ووبرة، ووقع فيه وهم. فأمَّا حديث سالم، فرواه عبد العزيز بن عمران، عن ابن أخي الزهري، عن عمه، عن سالم، عن أبيه بذلك. وهذا حديث ضعيف. والمحفوظ عن سالم، عن ابن عمر: أنَّه عد صلاة النبي ﷺ : التطوع، فلما ذكر ركعتي الفجر، قال: وأمَّا ركعتي الفجر، فإنَّه كان يصليها في ساعة لا يدخل عليه أحد، وأخبرتني حفصة: أنَّه كان يصلي ركعتي الفجر.، وعبد العزيز بن عمران هذا ضعيف. وروى أبو إسحاق السبيعي هذا الحديث، واختلف عنه؛ فرواه إسرائيل بن يونس، وسفيان الثوري، وعمرو بن أبي قيس، وأبو الأحوص سلام بن سليم، ومعمر بن راشد، رووه عن أبي إسحاق، عن مجاهد، عن ابن عمر: رمقت النبي ﷺ يقرأ في الركعتين قبل الفجر، والركعتين بعد المغرب. وخالفهم عمار بن رزيق، رواه عن أبي إسحاق، عن إبراهيم، عن مجاهد، عن ابن عمر. وإبراهيم لم ينسب فقال بعضهم: هو النخعي، وقال بعضهم: هو ابن مهاجر. وليس ذلك بمحفوظ. ورواه شريك عن أبي إسحاق، عن رجل، لم يسمه، عن ابن عمر.

стр. 1131

فاضطرب هذا الحديث من رواية أبي إسحاق، لكثرة الخلاف عليه فيه. وقال أبو هانئ إسماعيل بن خليفة: عن شريك، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، ووهم فيه على شريك. والمحفوظ عن شريك: عن أبي إسحاق، عن رجل، لم يسمه، عن ابن عمر. كذلك رواه عبد المنعم بن نعيم، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر بذلك. وحدث به أحمد بن بديل، عن حفص بن غياث، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر. وقال فيه: إنَّ النبي ﷺ كان يقرأ في المغرب .. ، وليس هذا من الحديث بسبيل. ورواه يعقوب القمي، عن أبي سيف، لا نعرفه إلَّا كذلك، عن الأعمش عن مجاهد، عن ابن عمر. ويعقوب وأبو سيف ضعيفان، ولا يصح هذا عن الأعمش. ورواه ليث بن أبي سليم، واختلف عنه؛ فرواه عبيد الله بن زحر، وعبد العزيز بن مسلم القسملي، عن ليث، عن مجاهد، عن ابن عمر. وخالفهم الحسن بن الحر، وزائدة، روياه عن ليث، عن نافع، عن ابن عمر. وكذلك قال أسباط بن محمد، عن ليث. وقال عبد الواحد بن غياث، عن ليث: حدثني أبو محمد، عن ابن عمر، وأبو محمد هذا مجهول. وقال زفر بن الهذيل: عن ليث: عن جدته، عن ابن عمر.

стр. 1132

كلها مضطربة، وليث مضطرب الحديث. ورواه يوسف بن ميمون الصباغ، وكان ضعيفاً، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عمر. ورواه مندل بن علي، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن ابن عمر. وجعفر هذا هو جعفر بن أبي جعفر الأشجعي، وهو ضعيف، وأبوه أيضاً مثله. ورواه نفيع بن الحارث، أبو داود، عن ابن عمر. وهو متروك الحديث. حدث به زيد بن أبي أنيسة، وسفيان الثوري. وهذا الحديث إنَّما حدث به ابن عمر، عن أخته حفصة، عن النبي ﷺ . وكل من رواه عن ابن عمر أنَّه حفظه من النبي ﷺ ، فقد وهم عليه فيه» إلخ. وقال العلامة محمد بن نصر المروزي ﵀ كما في [مختصر قيام الليل] (ص ٨٤): «وهذا غير محفوظ عندي لأنَّ المعروف عن ابن عمر ﵁ أنَّه روى عن حفصة ﵂: أنَّ النبي ﷺ كان يصلي الركعتين قبل الفجر، وقال تلك ساعة لم أكن أدخل على النبي ﷺ فيها» اهـ.

стр. 1133

قال العلامة الباجي ﵀ في [المنتقى] (١/ ٢٢٧): «وَمِنْ سُنَّةِ الْقِرَاءَةِ فِيهَا الْإِسْرَارُ قَالَهُ عَلِيُّ بْنُ زِيَادٍ عَنْ مَالِكٍ يُبَيِّنُ ذَلِكَ حَدِيثُ عَائِشَةَ ﵂ حَتَّى إنِّي لَأَقُولُ أَقْرَأَ فِيهَا بِأُمِّ الْقُرْآنِ أَمْ لَا وَلَوْ جَهَرَ بِالْقِرَاءَةِ لَمْ تَحْتَجْ إلَى تَغْرِيرِ قِرَاءَتِهِ وَلَعَلِمَتْ مَاذَا قَرَأَ بِهِ فِيهِمَا» اهـ. قلت: ولا تصلى سنة الفجر عند إقامة الصلاة. فقد روى البخاري (٦٦٣) عن حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَجُلاً مِنَ الأَزْدِ يُقَالُ لَهُ مَالِكٌ ابْنُ بُحَيْنَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ رَأَى رَجُلاً وَقَدْ أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ فَلَمَّا انْصَرَفَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لَاثَ بِهِ النَّاسُ وَقَالَ لَه رَسُولُ اللهِ ﷺ : «الصُّبْحَ أَرْبَعًا الصُّبْحَ أَرْبَعًا». ورواه مسلم (٧١١) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَالِكٍ ابْنِ بُحَيْنَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَرَّ بِرَجُلٍ يُصَلِّي وَقَدْ أُقِيمَتْ صَلَاةُ الصُّبْحِ فَكَلَّمَهُ بِشَيْءٍ لَا نَدْرِي مَا هُوَ فَلَمَّا انْصَرَفْنَا أَحَطْنَا نَقُولُ مَاذَا قَالَ لَكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ قَالَ لِي: «يُوشِكُ أَنْ يُصَلِّيَ أَحَدُكُمْ الصُّبْحَ أَرْبَعًا». قلت: والنهي وارد فيمن صلاهما بعد إقامة الصلاة في المسجد. فقد روى ابن أبي شيبة في [شرح معاني الآثار] (٢٢٠٤) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ شَيْبَةَ، قَالَ: ثنا الْحَسَنُ بْنُ مُوسَى، قَالَ: ثنا شَيْبَانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، ﵄.

стр. 1134

«أَنَّهُ جَاءَ وَالْإِمَامُ يُصَلِّي الصُّبْحَ، وَلَمْ يَكُنْ صَلَّى الرَّكْعَتَيْنِ قَبْلَ صَلَاةِ الصُّبْحِ، فَصَلَّاهُمَا فِي حُجْرَةِ حَفْصَةَ ﵂، ثُمَّ إِنَّهُ صَلَّى مَعَ الْإِمَامِ». قلت: إسناده حسن، وعلي بن شيبة هو أخو يعقوب بن شيبة له ترجمة في [تاريخ بغداد] (٦٣٣٢). وروى عبد الرزاق في [مصنفه] (٤٠١٩) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ نَافِعٍ، أَنَّ ابْنَ عُمَرَ، بَيْنَا هُوَ يَلْبَسُ لِلصُّبْحِ إِذْ سَمِعَ الْإِقَامَةَ، فَصَلَّى فِي الْحُجْرَةِ رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ، ثُمَّ خَرَجَ فَصَلَّى مَعَ النَّاسِ قَالَ: «وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ إِذَا وَجَدَ الْإِمَامَ يُصَلِّي وَلَمْ يَكُنْ رَكَعَهُمَا، دَخَلَ مَعَ الْإِمَامِ، ثُمَّ يُصَلِّيهِمَا بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ». قلت: عبد الله بن عمر هو العمري الضعيف لكن يشهد له ما سبق. قلت: والأحسن في حق من فاتته سنة الفجر أن يقضيها في وقت الضحى. فقد روى عبد الرزاق في [مصنفه] (٤٠١٧) عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: «دَخَلَ الْمَسْجِدَ وَالْقَوْمُ فِي الصَّلَاةِ، وَلَمْ يَكُنْ صَلَّى رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ، فَدَخَلَ مَعَ الْقَوْمِ فِي صَلَاتِهِمْ، ثُمَّ قَعَدَ، حَتَّى إِذَا أَشْرَقَتْ لَهُ الشَّمْسُ قَضَاهَا قَالَ: وَكَانَ إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ وَهُوَ فِي الطُّرُقِ صَلَّاهُمَا فِي الطَّرِيقِ». قلت: هذا أثر صحيح. قلت: ومن السنة أن يقرأ فيهما بسورتي الإخلاص. فروى مسلم (٧٢٦) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَرَأَ فِي رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ، وَقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ».

стр. 1135

ومما يقرأ فيهما ما رواه مسلم (٧٢٧) وحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا الْفَزَارِيُّ يَعْنِي مَرْوَانَ بْنَ مُعَاوِيَةَ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ حَكِيمٍ الْأَنْصَارِيِّ قَالَ أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ يَسَارٍ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ أَخْبَرَهُ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَقْرَأُ فِي رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ فِي الْأُولَى مِنْهُمَا ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾ الْآيَةَ الَّتِي فِي الْبَقَرَةِ وَفِي الْآخِرَةِ مِنْهُمَا: ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾». وقال ﵀: وحدثني علي بن خشرم أخبرنا عيسى بن يونس عن عثمان بن حكيم في هذا الإسناد بمثل حديث مروان الفزاري اهـ. قلت: وهذه متابعة من عيسى بن يونس لمروان الفزاري. وتابعهم: زهير بن معاوية، وحديثه عند أبي داود (١٢٥٩). وعبد الله بن نمير عند أحمد (٢٠٣٨). ويعلى بن عبيد عند أحمد (٢٠٤٥). فهؤلاء خمسة من الرواة. وخالفهم أبو خالد الأحمر فروى مسلم (٧٢٧) فقال: وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ الْأَحْمَرُ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ حَكِيمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقْرَأُ فِي رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾ وَالَّتِي فِي آلِ عِمْرَانَ ﴿تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾». قلت: أبو خالد الأحمر سليمان بن أحيان له بعض الأخطاء والأوهام ولا يبعد أن يكون أخطأ في الآية للتشابه في آخر الآيتين فإنَّ ختام الآية الأولى: ﴿وَاشْهَدْ

стр. 1136

بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٥٢]، وختام الثانية: ﴿اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٦٤]. وعلى كل حال لم أقف على من أعل حديث أبي خالد، والأصل صحة ما في الصحيح. فائدة: ذهب الحسن البصري إلى وجوب هاتين الركعتين وخالفه سائر العلماء وهذا هو الصواب فإنَّه لا دليل على وجوبهما وقد دلت الأدلة على أنَّه لا يجب في اليوم والليلة غير الصلوات الخمس. والله أعلم. والاحتجاج على وجوبها بقول الله تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ﴾ [الطور: ٤٩]- وقد فسرها أكثر السلف بركعتي الفجر - ليس بظاهر لأمرين: الأول: أنَّ هنالك من فسرها بصلاة الفرض. والآخر: أنَّ الأدلة قد دلت على أنَّه لا واجب في اليوم والليلة غير الخمس الصلوات. قال العلامة النووي ﵀ في [المجموع] (٤/ ٢٦ - ٢٩): «يستحب تخفيف سنة الفجر وقد سبق في باب صفة الصلاة في فصل قراءة السورة أنه يسن أن يقرأ فيهما بعد الفاتحة ﴿قُولُوا آَمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾ الآية وفى الثانية ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا﴾ الآية أو ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ وذكرنا هناك أحاديث صحيحة في هذا.

стр. 1137

ومما يستدل به يستحب تخفيفها حديث عائشة ﵂ قالت "كان النبي ﷺ يخفف الركعتين اللتين قبل صلاة الصبح حتى أنى لأقول هل قرأ بأم الكتاب" رواه البخاري ومسلم. وعنها قالت "كان رسول الله ﷺ يصلي ركعتي الفجر إذا سمع الأذان ويخففهما" رواه البخاري ومسلم. (الثالثة) السنة أن يضطجع علي شقه الأيمن بعد صلاة سنة الفجر ويصليها في أول الوقت ولا يترك الاضطجاع ما أمكنه فإن تعذر عليه فصل بينهما وبين الفريضة بكلام. ودليل تقديمها حديث عائشة السابق في المسألة قبلها ودليل الاضطجاع أحاديث صحيحة منها حديث عائشة ﵂ قالت: "كان النبي ﷺ إذا صلي ركعتي الفجر اضطجع على شقه الأيمن" رواه البخاري وعنها قالت "كان رسول الله ﷺ يصلي فذكرت صلاة الليل ثم قالت فإذا سكت المؤذن من صلاة الفجر وتبين له الفجر قام فركع ركعتين خفيفتين ثم اضطجع علي شقه الأيمن حتى يأتيه المؤذن للإقامة" رواه مسلم وعن أبي هريرة ﵁ قال، قال رسول الله ﷺ : "إذا صلي أحدكم الركعتين قبل الصبح فليضطجع علي يمينه" فقال له مروان بن الحكم أما يجزى أحدنا ممشاه إلى المسجد حتى يضطجع على يمينه قال: "لا" حديث صحيح رواه أبو داود بإسناد صحيح علي شرط البخاري ومسلم ورواه الترمذي مختصراً عن أبي هريرة قال، قال رسول الله ﷺ : "إذا صلي أحدكم ركعتي الفجر فليضطجع على يمينه" قال الترمذي حديث حسن صحيح.

стр. 1138

وعن عائشة ﵂ قالت: "كان النبي ﷺ إذا صلى ركعتي الفجر فإن كنت مستيقظة حدثني وإلَّا اضطجع" رواه البخاري ومسلم. وقولها حدثني وإلَّا اضطجع يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون ﷺ يضطجع يسيراً ويحدثها وإلَّا فيضطجع كثيراً. والثاني: أنَّه ﷺ في بعض الأوقات القليلة كان يترك الاضطجاع بياناً لكونه ليس بواجب كما كان يترك كثيراً من المختارات في بعض الأوقات بياناً للجواز كالوضوء مرة، مرة ونظائره ولا يلزم من هذا أن يكون الاضطجاع وتركه سواء ولابد من أحد هذين التأويلين للجمع بين هذه الرواية وروايات عائشة السابقة وحديث أبى هريرة المصرح بالأمر بالاضطجاع والله أعلم. وقد نقل القاضي عياض في "شرح مسلم" استحباب الاضطجاع بعد سنة الفجر عن الشافعي وأصحابه ثم أنكره عليهم وقال قال مالك وجمهور العلماء وجماعة من الصحابة ليس هو سنة بل سموه بدعة واستدل بأنَّ أحاديث عائشة في بعضها الاضطجاع قبل ركعتي الفجر بعد صلاة الليل وفي بعضها بعد ركعتي الفجر وفى حديث ابن عباس قبل ركعتي الفجر فدل علي أنَّه لم يكن مقصوده وهذا الذي قاله مردود بحديث أبي هريرة الصريح في الأمر بها وكونه ﷺ اضطجع في بعض الأوقات أو أكثرها أو كلها بعد صلاة الليل لا يمنع أن يضطجع أيضاً بعد ركعتي الفجر وقد صح اضطجاعه بعدهما وأمره به فتعين المصير إليه ويكون سنة وتركه يجوز جمعاً بين الأدلة وقال البيهقي في "السنن

стр. 1139

الكبير" أشار الشافعي إلي أنَّ المراد بهذا الاضطجاع الفصل بين النافلة والفريضة فيحصل بالاضطجاع والتحدث أو التحول من ذلك المكان أو نحو ذلك ولا يتعين الاضطجاع هذا ما نقله البيهقي والمختار الاضطجاع لظاهر حديث أبي هريرة. وأمَّا ما رواه البيهقي عن ابن عمر أنه قال: "هي بدعة" فإسناده ضعيف ولأنَّه نفى فوجب تقديم الإثبات عليه والله أعلم» اهـ. قلت: وللعلامة ابن القيم ﵀ كلام حسن في الاضطجاع فقال في [زاد المعاد] (١/ ٣٠٨ - ٣١١): «فَصْلٌ: وَكَانَ ﷺ يَضْطَجِعُ بَعْدَ سُنَّةِ الْفَجْرِ عَلَى شِقِّهِ الْأَيْمَنِ، هَذَا الَّذِي ثَبَتَ عَنْهُ فِي "الصَّحِيحَيْنِ" مِنْ حَدِيثِ عائشة ﵂. وَذَكَرَ الترمذي مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمُ الرَّكْعَتَيْنِ قَبْلَ صَلَاةِ الصُّبْحِ، فَلْيَضْطَجِعْ عَلَى جَنْبِهِ الْأَيْمَنِ". قَالَ الترمذي: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ. وَسَمِعْتُ ابن تيمية يَقُولُ: هَذَا بَاطِلٌ، وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ، وَإِنَّمَا الصَّحِيحُ عَنْهُ الْفِعْلُ لَا الْأَمْرُ بِهَا، وَالْأَمْرُ تَفَرَّدَ بِهِ عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ وَغَلِطَ فِيهِ، وَأَمَّا ابْنُ حَزْمٍ وَمَنْ تَابَعَهُ، فَإِنَّهُمْ يُوجِبُونَ هَذِهِ الضَّجْعَةَ، وَيُبْطِلُ ابْنُ حَزْمٍ صَلَاةَ مَنْ لَمْ يَضْطَجِعْهَا بِهَذَا الْحَدِيثِ، وَهَذَا مِمَّا تَفَرَّدَ بِهِ عَنِ الْأُمَّةِ، وَرَأَيْتُ مُجَلَّدًا لِبَعْضِ أَصْحَابِهِ قَدْ نَصَرَ فِيهِ هَذَا الْمَذْهَبَ. وَقَدْ ذَكَرَ عبد الرزاق فِي "الْمُصَنَّفِ" عَنْ معمر، عَنْ أيوب، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، أَنَّ أبا موسى وَرَافِعَ بْنَ خَدِيجٍ، وَأَنَسَ بْنِ مَالِكٍ ﵃، كَانُوا يَضْطَجِعُونَ

стр. 1140

بَعْدَ رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ، وَيَأْمُرُونَ بِذَلِكَ. وَذُكِرَ عَنْ معمر، عَنْ أيوب، عَنْ نافع، أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ لَا يَفْعَلُهُ، وَيَقُولُ: كَفَانَا بِالتَّسْلِيمِ. وَذُكِرَ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ: أَخْبَرَنِي مَنْ أُصَدِّقُ أَنَّ عائشة ﵂ كَانَتْ تَقُولُ: "إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَكُنْ يَضْطَجِعُ لِسُنَّةٍ، وَلَكِنَّهُ كَانَ يَدْأَبُ لَيْلَهُ فَيَسْتَرِيحُ" قَالَ: وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَحْصِبُهُمْ إِذَا رَآهُمْ يَضْطَجِعُونَ عَلَى أَيْمَانِهِمْ. وَذَكَرَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ أبي الصديق الناجي، أَنَّ ابْنَ عُمَرَ رَأَى قَوْمًا اضْطَجَعُوا بَعْدَ رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ فَنَهَاهُمْ، فَقَالُوا: نُرِيدُ بِذَلِكَ السُّنَّةَ، فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: ارْجِعْ إِلَيْهِمْ وَأَخْبِرْهُمْ أَنَّهَا بِدْعَةٌ. وَقَالَ أبو مجلز: سَأَلْتُ ابْنَ عُمَرَ عَنْهَا فَقَالَ: يَلْعَبُ بِكُمُ الشَّيْطَانُ. قَالَ ابْنُ عُمَرَ ﵁: مَا بَالُ الرَّجُلِ إِذَا صَلَّى الرَّكْعَتَيْنِ يَفْعَلُ كَمَا يَفْعَلُ الْحِمَارُ إِذَا تَمَعَّكَ. وَقَدْ غَلَا فِي هَذِهِ الضَّجْعَةِ طَائِفَتَانِ، وَتَوَسَّطَ فِيهَا طَائِفَةٌ ثَالِثَةٌ، فَأَوْجَبَهَا جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الظَّاهِرِ، وَأَبْطَلُوا الصَّلَاةَ بِتَرْكِهَا كَابْنِ حَزْمٍ وَمَنْ وَافَقَهُ، وَكَرِهَهَا جَمَاعَةٌ مِنَ الْفُقَهَاءِ، وَسَمَّوْهَا بِدْعَةً، وَتَوَسَّطَ فِيهَا مالك وَغَيْرُهُ فَلَمْ يَرَوْا بِهَا بَأْسًا لِمَنْ فَعَلَهَا رَاحَةً، وَكَرِهُوهَا لِمَنْ فَعَلَهَا اسْتِنَانًا، وَاسْتَحَبَّهَا طَائِفَةٌ عَلَى الْإِطْلَاقِ، سَوَاءٌ اسْتَرَاحَ بِهَا أَمْ لَا، وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ. وَالَّذِينَ كَرِهُوهَا، مِنْهُمْ مَنِ احْتَجَّ بِآثَارِ الصَّحَابَةِ كابن عمر وَغَيْرِهِ، حَيْثُ كَانَ يَحْصِبُ مَنْ فَعَلَهَا، وَمِنْهُمْ مَنْ أَنْكَرَ فِعْلَ النَّبِيِّ ﷺ لَهَا، وَقَالَ: الصَّحِيحُ أَنَّ اضْطِجَاعَهُ كَانَ بَعْدَ الْوِتْرِ وَقَبْلَ رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ، كَمَا هُوَ مُصَرَّحٌ بِهِ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ.

стр. 1141

قَالَ: وَأَمَّا حَدِيثُ عائشة فَاخْتُلِفَ عَلَى ابْنِ شِهَابٍ فِيهِ، فَقَالَ مالك عَنْهُ: فَإِذَا فَرَغَ يَعْنِي مِنْ قِيَامِ اللَّيْلِ، اضْطَجَعَ عَلَى شِقِّهِ الْأَيْمَنِ حَتَّى يَأْتِيَهُ الْمُؤَذِّنُ فَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ، وَهَذَا صَرِيحٌ أَنَّ الضَّجْعَةَ قَبْلَ سُنَّةِ الْفَجْرِ، وَقَالَ غَيْرُهُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ: فَإِذَا سَكَتَ الْمُؤَذِّنُ مِنْ أَذَانِ الْفَجْرِ، وَتَبَيَّنَ لَهُ الْفَجْرُ، وَجَاءَهُ الْمُؤَذِّنُ، قَامَ فَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ، ثُمَّ اضْطَجَعَ عَلَى شِقِّهِ الْأَيْمَنِ. قَالُوا: وَإِذَا اخْتَلَفَ أَصْحَابُ ابْنِ شِهَابٍ، فَالْقَوْلُ مَا قَالَهُ مالك، لِأَنَّهُ أَثْبَتُهُمْ فِيهِ وَأَحْفَظُهُمْ. وَقَالَ الْآخَرُونَ: بَلِ الصَّوَابُ فِي هَذَا مَعَ مَنْ خَالَفَ مالكاً، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الْخَطِيبُ: رَوَى مالك عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عروة، عَنْ عائشة: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً، يُوتِرُ مِنْهَا بِوَاحِدَةٍ، فَإِذَا فَرَغَ مِنْهَا اضْطَجَعَ عَلَى شِقِّهِ الْأَيْمَنِ حَتَّى يَأْتِيَهُ الْمُؤَذِّنُ، فَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ". وَخَالَفَ مالكاً، عقيل، ويونس، وشعيب، وَابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَغَيْرُهُمْ، فَرَوَوْا عَنِ الزُّهْرِيِّ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ "كَانَ يَرْكَعُ الرَّكْعَتَيْنِ لِلْفَجْرِ، ثُمَّ يَضْطَجِعُ عَلَى شِقِّهِ الْأَيْمَنِ حَتَّى يَأْتِيَهُ الْمُؤَذِّنُ، فَيَخْرُجُ مَعَهُ" فَذَكَرَ مالك أَنَّ اضْطِجَاعَهُ كَانَ قَبْلَ رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ. وَفِي حَدِيثِ الْجَمَاعَةِ، أَنَّهُ اضْطَجَعَ بَعْدَهُمَا، فَحَكَمَ الْعُلَمَاءُ أَنَّ مالكاً أَخْطَأَ وَأَصَابَ غَيْرُهُ، انْتَهَى كَلَامُهُ. وَقَالَ أبو طالب: قُلْتُ لأحمد: حَدَّثَنَا أبو الصلت، عَنْ أبي كدينة، عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، "عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ اضْطَجَعَ بَعْدَ رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ"، قَالَ: شعبة لَا يَرْفَعُهُ. قُلْتُ: فَإِنْ لَمْ يَضْطَجِعْ، عَلَيْهِ شَيْءٌ؟ قَالَ: لَا، عائشة تَرْوِيهِ وَابْنُ عُمَرَ يُنْكِرُهُ. قَالَ الخلال: وَأَنْبَأَنَا المروزي أَنَّ أبا عبد الله قَالَ: حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ لَيْسَ بِذَاكَ. قُلْتُ: إِنَّ الْأَعْمَشَ يُحَدِّثُ بِهِ عَنْ أبي صالح،

стр. 1142

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. قَالَ: عبد الواحد وَحْدَهُ يُحَدِّثُ بِهِ. وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْحَارِثِ: إِنَّ أبا عبد الله سُئِلَ عَنِ الِاضْطِجَاعِ بَعْدَ رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ قَالَ: مَا أَفْعَلُهُ، وَإِنْ فَعَلَهُ رَجُلٌ، فَحَسَنٌ. انْتَهَى. فَلَوْ كَانَ حَدِيثُ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ زِيَادٍ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أبي صالح صَحِيحًا عِنْدَهُ، لَكَانَ أَقَلُّ دَرَجَاتِهِ عِنْدَهُ الِاسْتِحْبَابَ، وَقَدْ يُقَالُ: إِنَّ عائشة ﵂ رَوَتْ هَذَا، وَرَوَتْ هَذَا، فَكَانَ يَفْعَلُ هَذَا تَارَةً، وَهَذَا تَارَةً، فَلَيْسَ فِي ذَلِكَ خِلَافٌ، فَإِنَّهُ مِنَ الْمُبَاحِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَفِي اضْطِجَاعِهِ عَلَى شِقِّهِ الْأَيْمَنِ سِرٌّ، وَهُوَ أَنَّ الْقَلْبَ مُعَلَّقٌ فِي الْجَانِبِ الْأَيْسَرِ، فَإِذَا نَامَ الرَّجُلُ عَلَى الْجَنْبِ الْأَيْسَرِ، اسْتَثْقَلَ نَوْمًا، لِأَنَّهُ يَكُونُ فِي دَعَةٍ وَاسْتِرَاحَةٍ، فَيَثْقُلُ نَوْمُهُ، فَإِذَا نَامَ عَلَى شِقِّهِ الْأَيْمَنِ، فَإِنَّهُ يَقْلَقُ وَلَا يَسْتَغْرِقُ فِي النَّوْمِ، لِقَلَقِ الْقَلْبِ، وَطَلَبِهِ مُسْتَقَرَّهُ، وَمَيْلِهِ إِلَيْهِ، وَلِهَذَا اسْتَحَبَّ الْأَطِبَّاءُ النَّوْمَ عَلَى الْجَانِبِ الْأَيْسَرِ لِكَمَالِ الرَّاحَةِ وَطِيبِ الْمَنَامِ، وَصَاحِبُ الشَّرْعِ يَسْتَحِبُّ النَّوْمَ عَلَى الْجَانِبِ الْأَيْمَنِ، لِئَلَّا يَثْقُلَ نَوْمُهُ فَيَنَامَ عَنْ قِيَامِ اللَّيْلِ، فَالنَّوْمُ عَلَى الْجَانِبِ الْأَيْمَنِ أَنْفَعُ لِلْقَلْبِ، وَعَلَى الْجَانِبِ الْأَيْسَرِ أَنْفَعُ لِلْبَدَنِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ» اهـ. قلت: حديث أبي هريرة رواه أحمد (٩٣٦٨)، وأبو داود (١٢٦١)، والترمذي (٤٢٠) من طريق عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ زِيَادٍ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ الْأَعْمَشُ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمُ الرَّكْعَتَيْنِ قَبْلَ صَلَاةِ الصُّبْحِ، فَلْيَضْطَجِعْ عَلَى جَنْبِهِ الْأَيْمَنِ». قلت: هذا الحديث ضعفه الإمام أحمد.

стр. 1143

قال العلامة الأثرم ﵀ في [ناسخ الحديث ومنسوخه] (ص: ٧٠ - ٧١): «ولم يثبته أبو عبد الله» اهـ. قال الحافظ البيهقي ﵀ في [الكبرى] (٤٨٨٨) أَخْبَرَنَا أَبُو طَاهِرٍ الْفَقِيهُ، أنبأ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْقَطَّانُ، ثنا أَبُو الْأَزْهَرِ، ثنا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، ثنا أَبِي، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ السَّمَّانِ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يُحَدِّثُ مَرْوَانَ بْنَ الْحَكَمِ وَهُوَ عَلَى الْمَدِينَةِ: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَفْصِلُ بَيْنَ رَكْعَتَيْهِ مِنَ الْفَجْرِ وَبَيْنَ الصُّبْحِ بِضَجْعَةٍ عَلَى شِقِّهِ الْأَيْمَنِ». قَالَ الشَّيْخُ: وَهَذَا أَوْلَى أَنْ يَكُونَ مَحْفُوظًا لِمُوَافَقَتِهِ سَائِرَ الرِّوَايَاتِ عَنْ عَائِشَةَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ اهـ. وقال العلامة الزركشي ﵀ في [النكت] (٢/ ١٦٣): «قَالَ الْبَيْهَقِيّ خَالف عبد الْوَاحِد الْعدَد الْكثير فِي هَذَا الحَدِيث فَإِنْ النَّاس إِنَّمَا رَوَوْهُ من فعل النَّبِي ﷺ لَا من أمره وَانْفَرَدَ عبد الْوَاحِد من بَين ثِقَات أَصْحَاب الْأَعْمَش بِهَذَا اللَّفْظ انْتهى» اهـ. وقال الشيخ مقبل ﵀ في [أحاديث معلة] (٤٥٧) «إذا نظرت إلى رجال هذا السند وجدتهم رجال الصحيح، إلا بشر بن معاذ وقد قال أبو حاتم: صالح الحديث صدوق. ولكن رواية عبد الواحد بن زياد عن الأعمش ضعيفة، ففي"تهذيب التهذيب" في ترجمة عبد الواحد بن زياد: وقال صالح بن أحمد عن علي بن المديني: سمعت يحي بن سعيد يقول: ما رأيت عبد الواحد بن زياد يطلب حديثاً قط بالبصرة ولا بالكوفة، وكنا نجلس على بابه يوم الجمعة بعد الصلاة أذاكره حديث الأعمش فلا نعرف منه حرفاً.

стр. 1144

وفيه أيضاً: وقال أبو داود: ثقة عمد إلى أحاديث كان يرسلها الأعمش فوصلها. اهـ وذكر الحافظ الذهبي ﵀ في"الميزان"هذا الحديث مما أنكر على عبد الوحد. اهـ والحديث في"الصحيحين"عن عائشة من فعل رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعلى آله وَسَلَّمَ» اهـ. قلت: وقد احتج العلامة ابن حزم بهذا الحديث على شرطية هذه الضجعة في صحة صلاة الفجر في حق من صلى سنة الفجر، فقال في [المحلى] (٢/ ٢٢٧ - ٢٢٨): «مَسْأَلَةٌ: كُلُّ مَنْ رَكَعَ رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ لَمْ تُجْزِهِ صَلَاةُ الصُّبْحِ إلَّا بِأَنْ يَضْطَجِعَ عَلَى شِقِّهِ الْأَيْمَنِ بَيْنَ سَلَامِهِ مِنْ رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ، وَبَيْنَ تَكْبِيرِهِ لِصَلَاةِ الصُّبْحِ. وَسَوَاءٌ - عِنْدَنَا - تَرْكُ الضَّجْعَةِ عَمْدًا أَوْ نِسْيَانًا؛ وَسَوَاءٌ صَلَّاهَا فِي وَقْتِهَا أَوْ صَلَّاهَا قَاضِيًا لَهَا مِنْ نِسْيَانٍ، أَوْ عَمْدِ نَوْمٍ. فَإِنْ لَمْ يُصَلِّ رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ لَمْ يَلْزَمْهُ أَنْ يَضْطَجِعَ، فَإِنْ عَجَزَ عَنْ الضَّجْعَةِ عَلَى الْيَمِينِ لِخَوْفٍ، أَوْ مَرَضٍ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ أَشَارَ إلَى ذَلِكَ حَسْبَ طَاقَتِهِ فَقَطْ» اهـ. قلت: وأثر ابن عمر رواه ابن أبي شيبة في [مصنف] (٦٣٩٥) حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا مِسْعَرٌ، عَنْ زَيْدٍ الْعَمِّيِّ، عَنْ أَبِي الصِّدِّيقِ النَّاجِي، قَالَ: رَأَى ابْنُ عُمَرَ قَوْمًا اضْطَجَعُوا بَعْدَ رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ فَنَهَاهُمْ، فَقَالُوا: نُرِيدُ بِذَلِكَ السُّنَّةَ، فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: «ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّهَا بِدْعَةٌ».

стр. 1145

قلت: العمي ضعيف. قلت: وقد جاء ما يدل على اضطجاعه بعد الوتر وهو ما رواه البخاري (١٣٨)، ومسلم (٧٦٣) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «بِتُّ عِنْدَ خَالَتِي مَيْمُونَةَ لَيْلَةً فَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ مِنَ اللَّيْلِ فَلَمَّا كَانَ فِي بَعْضِ اللَّيْلِ قَامَ النَّبِيُّ ﷺ فَتَوَضَّأَ مِنْ شَنٍّ مُعَلَّقٍ وُضُوءًا خَفِيفًا - يُخَفِّفُهُ عَمْرٌو وَيُقَلِّلُهُ - وَقَامَ يُصَلِّي فَتَوَضَّأْتُ نَحْوًا مِمَّا تَوَضَّأَ ثُمَّ جِئْتُ فَقُمْتُ عَنْ يَسَارِهِ، فَحَوَّلَنِي فَجَعَلَنِي عَنْ يَمِينِهِ ثُمَّ صَلَّى مَا شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ اضْطَجَعَ فَنَامَ حَتَّى نَفَخَ ثُمَّ أَتَاهُ الْمُنَادِي فَآذَنَهُ بِالصَّلَاةِ فَقَامَ مَعَهُ إِلَى الصَّلَاةِ فَصَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ». وما رواه البخاري (١١٣٣)، ومسلم (٧٤٢) عَنْ عَائِشَةَ، ﵂، قَالَتْ: «مَا أَلْفَاهُ السَّحَرُ عِنْدِي إِلَّا نَائِمًا تَعْنِي النَّبِيَّ ﷺ ». وروى البخاري (١١٤٦)، ومسلم (٧٣٩) عَنِ الأَسْوَدِ، قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ، ﵂، كَيْفَ صَلَاةُ النَّبِيِّ ﷺ بِاللَّيْلِ قَالَتْ: «كَانَ يَنَامُ أَوَّلَهُ وَيَقُومُ آخِرَهُ فَيُصَلِّي ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى فِرَاشِهِ فَإِذَا أَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ وَثَبَ فَإِنْ كَانَ بِهِ حَاجَةٌ اغْتَسَلَ وَإِلَّا تَوَضَّأَ وَخَرَجَ». هذا لفظ البخاري، ولفظ مسلم: «كَانَ يَنَامُ أَوَّلَ اللَّيْلِ وَيُحْيِ آخِرَهُ ثُمَّ إِنْ كَانَتْ لَهُ حَاجَةٌ إِلَى أَهْلِهِ قَضَى حَاجَتَهُ ثُمَّ يَنَامُ فَإِذَا كَانَ عِنْدَ النِّدَاءِ الْأَوَّلِ قَالَتْ وَثَبَ - وَلَا وَاللَّهِ مَا قَالَتْ قَامَ - فَأَفَاضَ عَلَيْهِ الْمَاءَ - وَلَا وَاللَّهِ مَا قَالَتْ اغْتَسَلَ وَأَنَا أَعْلَمُ مَا تُرِيدُ - وَإِنْ لَمْ يَكُنْ جُنُبًا تَوَضَّأَ وُضُوءَ الرَّجُلِ لِلصَّلَاةِ ثُمَّ صَلَّى الرَّكْعَتَيْنِ». وجاء ما يدل على نومه قبل الوتر.

стр. 1146

فروى البخاري (١١٤٧)، ومسلم (٧٣٨) عَنْ عَائِشَةَ، ﵂، قَالَتْ: «مَا كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَزِيدُ فِي رَمَضَانَ، وَلَا فِي غَيْرِهِ عَلَى إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً يُصَلِّي أَرْبَعًا فَلَا تَسَلْ عَنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ ثُمَّ يُصَلِّي أَرْبَعًا فَلَا تَسَلْ عَنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ ثُمَّ يُصَلِّي ثَلَاثًا قَالَتْ عَائِشَةُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ أَتَنَامُ قَبْلَ أَنْ تُوتِرَ فَقَالَ: "يَا عَائِشَةُ إِنَّ عَيْنَيَّ تَنَامَانِ، وَلَا يَنَامُ قَلْبِي"». قال العلامة الباجي ﵀ في [المنتقى] (١/ ٢١٦): «وَقَوْلُهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ أَتَنَامُ قَبْلَ أَنْ تُوتِرَ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ كَانَ يَنَامُ بِإِثْرِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ قَبْلَ أَنْ يُوتِرَ ثُمَّ يَقُومُ مِنْ اللَّيْلِ لِصَلَاتِهِ وَوِتْرِهِ فَقَالَتْ لَهُ كَيْفَ تَفْعَلُ ذَلِكَ وَرُبَّمَا ذَهَبَ بِك النَّوْمُ عَنْ وِتْرِك. وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ أَرَادَتْ أَنَّهُ صَلَّى أَرْبَعًا ثُمَّ نَامَ قَبْلَ أَنْ يُوتِرَ فَقَالَتْ لَهُ ذَلِكَ فَقَالَ يَا عَائِشَةُ إنَّ عَيْنَيَّ تَنَامَانِ وَلَا يَنَامُ قَلْبِي يَعْنِي وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يَنَامُ عَنْ مُرَاعَاةِ الْوَقْتِ. وَهَذَا مِمَّا خُصَّ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ أَمْرِ النُّبُوَّةِ وَالْعِصْمَةِ وَلِذَلِكَ كَانَ ﷺ لَا يَحْتَاجُ إلَى الْوُضُوءِ مِنْ النَّوْمِ لِعِلْمِهِ بِمَا يَكُونُ مِنْهُ» اهـ. قلت: والأظهر أنَّ الاضطجاع يفعله المرء إذا احتاج إليه لا أنَّه من السنن مطلقاً، ويدل عليه ما رواه البخاري (١١٦١)، ومسلم (٧٤٣) عَنْ عَائِشَةَ، ﵂: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا صَلَّى سُنَّةَ الْفَجْرِ فَإِنْ كُنْتُ مُسْتَيْقِظَةً، حَدَّثَنِي وَإِلَّا اضْطَجَعَ حَتَّى يُؤْذَنَ بِالصَّلَاةِ». قلت: وظاهر الأحاديث أنَّ محل الاضطجاع البيت دون المسجد.

стр. 1147

قال العلامة أبو زرعة العراقي ﵀ في [طرح التثريب] (٣/ ٥٨ - ٥٩): «قَالَ التِّرْمِذِيُّ فِي جَامِعِهِ رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إذَا صَلَّى رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ فِي بَيْتِهِ اضْطَجَعَ عَلَى يَمِينِهِ" انْتَهَى. وَقَوْلُهُ: "فِي بَيْتِهِ" لَمْ أَقِفْ عَلَى التَّصْرِيحِ بِهِ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ وَكَأَنَّهُ رَوَاهُ بِالْمَعْنَى فَإِنَّ سِيَاقَ حَدِيثِهَا دَالٌ عَلَى أَنَّ جَمِيعَ صَلَاتِهِ ﵊ فِي اللَّيْلِ كَانَتْ فِي الْبَيْتِ وَكَذَلِكَ رَكْعَتَا الْفَجْرِ كَمَا فِي حَدِيثِ حَفْصَةَ قَالَ وَالِدِي ﵀ فِي شَرْحِهِ وَلَعَلَّ التِّرْمِذِيَّ أَشَارَ بِهَذِهِ اللَّفْظَةِ إلَى أَنَّ الِاضْطِجَاعَ بَعْدَ رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ إنَّمَا يُشْرَعُ إذَا كَانَتْ صَلَاتُهُمَا فِي الْبَيْتِ لِأَنَّهُ مَحَلٌّ لِلِاسْتِرَاحَةِ بِخِلَافِ الِاضْطِجَاعِ فِي الْمَسْجِدِ خُصُوصًا مَعَ تَرْصِيصِ الصُّفُوفِ لِلصَّلَاةِ فَرُبَّمَا اُسْتُقْبِحَ ذَلِكَ فِي الْمَسْجِدِ وَلِذَلِكَ أَنْكَرَهُ ابْنُ عُمَرَ عَلَى مَنْ فَعَلَهُ فِي الْمَسْجِدِ وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ حَصَبَ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ قَالَ وَقَدْ رَأَيْت بَعْضَ الْعُلَمَاءِ يُنْكِرُ عَلَى بَعْضِ الْعُلَمَاءِ فِعْلَهُ لِذَلِكَ فِي الْمَسْجِدِ». إلى قوله: «قَالَ وَالِدِي ﵀ وَلَمْ يُنْقَلْ فِي شَيْءٍ مِنْ الْأَخْبَارِ فِيمَا عَلِمْت إنَّهُ كَانَ يَضْطَجِعُ بَعْدَ الرَّكْعَتَيْنِ فِي الْمَسْجِدِ انْتَهَى» اهـ. ٤ - فيه حقارة الدنيا، وفضل العمل الصالح. فائدة ذهب بعض العلماء إلى أنَّ الرواتب تصلى في السفر واحتج بما رواه أحمد (٥٦٣٤)، والترمذي (٥٥٢) من طريق عَنْ عَطِيَّةَ، وَنَافِعٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: «صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي الحَضَرِ وَالسَّفَرِ، فَصَلَّيْتُ مَعَهُ فِي الحَضَرِ الظُّهْرَ أَرْبَعًا وَبَعْدَهَا

стр. 1148

رَكْعَتَيْنِ، وَصَلَّيْتُ مَعَهُ فِي السَّفَرِ الظُّهْرَ رَكْعَتَيْنِ وَبَعْدَهَا رَكْعَتَيْنِ، وَالعَصْرَ رَكْعَتَيْنِ وَلَمْ يُصَلِّ بَعْدَهَا شَيْئًا، وَالمَغْرِبَ فِي الحَضَرِ وَالسَّفَرِ سَوَاءً، ثَلَاثَ رَكَعَاتٍ، لَا يُنْقِصُ فِي حَضَرٍ وَلَا سَفَرٍ، وَهِيَ وِتْرُ النَّهَارِ، وَبَعْدَهَا رَكْعَتَيْنِ». قلت: هذا حديث ضعيف منكر لا يثبت. وهو مخالف لما رواه البخاري (١١٠١) من طريق حفص بن عاصم عن ابن عمر ﵄ قال: «صَحِبْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَلَمْ أَرَهُ يُسَبِّحُ فِي السَّفَرِ وَقَالَ اللَّهُ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾». وروى مسلم (١٥٩٢) من طريق حفص بن عاصم عن ابن عمر قال: «صَلَّى النَّبِيُّ ﷺ بِمِنًى صَلَاةَ الْمُسَافِرِ وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ ثَمَانِيَ سِنِينَ أَوْ قَالَ سِتَّ سِنِينَ. قَالَ حَفْصٌ وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يُصَلِّي بِمِنًى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ يَأْتِي فِرَاشَهُ فَقُلْتُ أَيْ عَمِّ لَوْ صَلَّيْتَ بَعْدَهَا رَكْعَتَيْنِ قَالَ: لَوْ فَعَلْتُ لَأَتْمَمْتُ الصَّلَاةَ». قال العلامة ابن خزيمة ﵀ في [صحيحه] (٢/ ٢٤٤): «وقد روى الكوفيون أعجوبة عن ابن عمر إنِّي خائف أن لا تجوز روايتها إلَّا تبين علتها لا إنَّها أعجوبة في المتن إلَّا أنَّها أعجوبة في الإسناد في هذه القصة رووا عن نافع وعطية بن سعد العوفي عن ابن عمر قال: "صليت مع النبي ﷺ في الحضر والسفر فصليت معه في الحضر الظهر أربع ركعات وبعدها ركعتين والعصر أربع ركعات ليس بعدها شيء والمغرب ثلاثاً وبعدها ركعتين والعشاء أربعاً وبعدها ركعتين والغداة ركعتين وقبلها ركعتين وصليت معه في السفر الظهر ركعتين وبعدها ركعتين والعصر ركعتين وليس بعدها شيء والمغرب

стр. 1149

ثلاثاً وبعدها ركعتين وقال هي وتر النهار لا ينقص في حضر ولا سفر والعشاء ركعتين وبعدها ركعتين والغداة ركعتين وقبلها ركعتين" ناه أبو الخطاب نا مالك بن سعير نا ابن أبي ليلى عن نافع وعطية بن سعد العوفي عن ابن عمر. وروى هذا الخبر جماعة من الكوفيين عن عطية عن ابن عمر منهم أشعت بن سوار وفراس وحجاج بن أرطاة منهم من اختصر الحديث ومنهم من ذكره بطوله وهذا الخبر لا يخفى على عالم بالحديث أن هذا غلط وسهو عن ابن عمر قد كان ابن عمر ﵀ ينكر التطوع في السفر ويقول لو كنت متطوعا ما باليت أن أتم الصلاة وقال: رأيت رسول الله صلى الله عليه و سلم لا يصلي قبلها ولا بعدها في السفر» اهـ. وبما رواه أحمد (١٨٥٨٣) حَدَّثَنَا هَاشِمٌ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ، حَدَّثَنَا صَفْوَانُ بْنُ سُلَيْمٍ، عَنْ أَبِي بُسْرَةَ، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: «سَافَرْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ سَفَرًا، فَلَمْ أَرَهُ تَرَكَ الرَّكْعَتَيْنِ قَبْلَ الظُّهْرِ». ورواه أيضاً أبو داود (١٢٢٤)، والترمذي (٥٥٠) من طريق الليث به. قلت: هذا حديث ضعيف لجهالة أبي بسرة. وروى الطبراني في [المعجم الأوسط] (٢٨٦٥) حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ قَالَ: نا سَعْدٌ قَالَ: نا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُجَالِدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ، عَنْ تَطَوُّعِ النَّبِيِّ ﷺ فِي السَّفَرِ؟ فَقَالَتْ: «رَكْعَتَانِ دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ» لَمْ يَرْوِ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ مُجَالِدٍ إِلَّا ابْنُهُ اهـ.

стр. 1150

قلت: هذا حديث ضعيف مجالد ضعيف. قال العلامة ابن قدامة ﵀ في [المغني] (٢/ ١٤٠): «فأمَّا سائر السنن والتطوعات قبل الفرائض وبعدها فقال أحمد: أرجو أن لا يكون بالتطوع في السفر بأس وروي عن الحسن قال: كان أصحاب رسول الله ﷺ يسافرون فيتطوعون قبل المكتوبة وبعدها. وروي ذلك عن عمر وعلي وابن مسعود وجابر وأنس وابن عباس وأبي ذر وجماعة من التابعين كثير وهو قول مالك والشافعي وإسحق و أبي ثور و ابن المنذر وكان ابن عمر لا يتطوع مع الفريضة قبلها ولا بعدها إلَّا من جوف الليل ونقل ذلك عن سعيد بن المسيب وسعيد بن جبير وعلي بن الحسين» اهـ. قلت: الذي يظهر لي أنَّ ترك الراتبة في السفر هو الأفضل اقتداءً بالنبي ﷺ ، ولم يصح عن النبي ﷺ أنّه صلى الراتبة في السفر كما سبق، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه العلامة ابن القيم رحمهما الله تعالى. قال العلامة ابن مفلح ﵀ في [الفروع] (٣/ ١٢): «ويوتر ويركع سنة الفجر، ويخير في غيرهما (ش) في فعله، وعن الحنفية كقولنا وقوله، وعند شيخنا: يسن ترك غيرهما» اهـ. قال العلامة المرداوي ﵀ في [الإنصاف] (٣/ ٣٩٩): «وقال الشيخ تقي الدين: يسن ترك التطوع بغير الوتر، وسنة الفجر» اهـ. وقال العلامة ابن القيم ﵀ في [زاد المعاد] (١/ ٤٥٦):

стр. 1151

«وأمَّا ابن عمر فكان لا يتطوع قبل الفريضة ولا بعدها إلَّا من جوف الليل مع الوتر وهذا هو الظاهر من هدي النبي ﷺ أنَّه كان لا يصلي قبل الفريضة المقصورة ولا بعدها شيئاً ولكن لم يكن يمنع من التطوع قبلها ولا بعدها فهو كالتطوع المطلق لا أنَّه سنة راتبة للصلاة كسنة صلاة الإقامة ويؤيد هذا أنَّ الرباعية قد خففت إلى ركعتين تخفيفاً على المسافر فكيف يجعل لها سنة راتبة يحافظ عليها وقد خفف الفرض إلى ركعتين فلو لا قصد التخفيف على المسافر وإلَّا كان الإتمام أولى به ولهذا قال عبد الله بن عمر: لو كنت مسبحاً لأتممت، وقد ثبت عنه ﷺ أنَّه صلى يوم الفتح ثمان ركعات ضحى وهو إذ ذاك مسافر» اهـ. * * *

стр. 1152

قال المؤلف رحمه الله تعالى: باب الأذان ٦٢ - عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: «أُمِرَ بِلالٌ أَنْ يَشْفَعَ الأَذَانَ، وَيُوتِرَ الإِقَامَةَ». الأذان في اللغة: مصدر أذن يؤذن تأذيناً وأذاناً وإيذاناً وهو الإعلام الرفيع المدرك بالسمع، ومنه قول الله تعالى: ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الحج: ٢٧] أي إعلاماً. وأصله من الْأُذُنِ، وهو الاستماع، كَأَنَّهُ يُلْقِي فِي آذَانِ النَّاسِ بِصَوْتِهِ مَا يَدْعُوهُمْ إلَى الصَّلَاةِ. وشرعاً: هو الإعلام بدخول وقت الصلاة بذكر مخصوص. والإقامة لغة: مصدر أقام، وأقام بالمكان ثبت فيه، وإقامة الصلاة المداومة عليها. والإقامة شرعاً: إعلام الحاضرين للصلاة بالقيام إليها بأذكار معلومة. وسمي الأذان في كتاب الله تعالى بالنداء في قول الله تعالى: ﴿وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [المائدة: ٥٨].

стр. 1153

وفي قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الجمعة: ٩]. وسمى دعاءً، وذلك على أحد القولين في قول الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [فصلت: ٣٣]. قال الحافظ ابن كثير ﵀ في [تفسيره] (٧/ ١٨٠): «وقالت عائشة: ولهم هذه الآية: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ قالت: فهو المؤذن إذا قال: "حي على الصلاة" فقد دعا إلى الله. وهكذا قال ابن عمر، وعكرمة: إنَّها نزلت في المؤذنين. وقد ذكر البغوي عن أبي أمامة الباهلي، ﵁، أنه قال في قوله: ﴿وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ قال: يعني صلاة ركعتين بين الأذان والإقامة. ثم أورد البغوي حديث "عبد الله بن المغفل" قال: قال رسول الله ﷺ : "بين كل أذانين صلاة". ثم قال في الثالثة: "لمن شاء" وقد أخرجه الجماعة في كتبهم، من حديث عبد الله بن بريدة، عنه وحديث الثوري، عن زيد العمي، عن أبي إياس معاوية بن قرة، عن أنس بن مالك، ﵁، قال الثوري: لا أراه إلَّا وقد رفعه إلى النبي ﷺ : "الدعاء لا يرد بين الأذان والإقامة". ورواه أبو داود والترمذي، والنسائي في "اليوم والليلة" كلهم من حديث الثوري، به. وقال الترمذي: هذا حديث حسن.

стр. 1154

ورواه النسائي أيضاً من حديث سليمان التيمي، عن قتادة، عن أنس، به. والصحيح أنَّ الآية عامة في المؤذنين وفي غيرهم، فأما حال نزول هذه الآية فإنَّه لم يكن الأذان مشروعاً بالكلية؛ لأنَّها مكية، والأذان إنَّما شرع بالمدينة بعد الهجرة، حين أريه عبد الله بن زيد بن عبد ربه الأنصاري في منامه، فقصه على رسول الله ﷺ ، فأمره أن يلقيه على بلال فإنَّه أندى صوتاً، كما هو مقرر في موضعه، فالصحيح إذًا أنَّها عامة» اهـ. وقول الله تعالى: ﴿خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ﴾ [القلم: ٤٣]. قال العلامة القرطبي ﵀ في [تفسيره] (١٨/ ٢٥١): «قوله تعالى: ﴿وَقَدْ كانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ﴾ أي في الدنيا. ﴿وَهُمْ سالِمُونَ﴾ معافون أصحاء. قال إبراهيم التيمي: أي يدعون بالأذان والإقامة فيأبونه. وقال سعيد ابن جبير: كانوا يسمعون حي على الفلاح فلا يجيبون. وقال كعب الأحبار: والله ما نزلت هذه الآية إلا في الذين يتخلفون عن الجماعات» اهـ. وأمَّا مبدأ الأذان. فروى أبو داود (٤٩٨) عَنْ أَبِي عُمَيْرِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ عُمُومَةٍ لَهُ مِنَ الأَنْصَارِ قَالَ: «اهْتَمَّ النَّبِىُّ ﷺ لِلصَّلَاةِ كَيْفَ يَجْمَعُ النَّاسَ لَهَا فَقِيلَ لَهُ: انْصِبْ رَايَةً عِنْدَ حُضُورِ الصَّلَاةِ فَإِذَا رَأَوْهَا آذَنَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا فَلَمْ يُعْجِبْهُ ذَلِكَ قَالَ فَذُكِرَ لَهُ الْقُنْعُ - يَعْنِى الشَّبُّورَ - وَقَالَ زِيَادٌ شَبُّورَ الْيَهُودِ فَلَمْ يُعْجِبْهُ ذَلِكَ وَقَالَ: "هُوَ مِنْ أَمْرِ الْيَهُودِ". قَالَ فَذُكِرَ لَهُ النَّاقُوسُ فَقَالَ: "هُوَ مِنْ أَمْرِ النَّصَارَى".

стр. 1155

فَانْصَرَفَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدِ بْنِ عَبْدِ رَبِّهِ وَهُوَ مُهْتَمٌّ لِهَمِّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأُرِىَ الأَذَانَ فِى مَنَامِهِ - قَالَ - فَغَدَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَخْبَرَهُ فَقَالَ لَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّى لَبَيْنَ نَائِمٍ وَيَقْظَانَ إِذْ أَتَانِي آتٍ فَأَرَانِي الأَذَانَ. قَالَ وَكَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ قَدْ رَآهُ قَبْلَ ذَلِكَ فَكَتَمَهُ عِشْرِينَ يَوْمًا - قَالَ - ثُمَّ أَخْبَرَ النَّبِىَّ ﷺ فَقَالَ لَهُ: "مَا مَنَعَكَ أَنْ تُخْبِرَنِي". فَقَالَ: سَبَقَنِى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ فَاسْتَحْيَيْتُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "يَا بِلَالُ قُمْ فَانْظُرْ مَا يَأْمُرُكَ بِهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ فَافْعَلْهُ". قَالَ فَأَذَّنَ بِلَالٌ. قَالَ أَبُو بِشْرٍ فَأَخْبَرَنِى أَبُو عُمَيْرٍ أَنَّ الأَنْصَارَ تَزْعُمُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ زَيْدٍ لَوْلَا أَنَّهُ كَانَ يَوْمَئِذٍ مَرِيضًا لَجَعَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُؤَذِّنًا». وروى البخاري (٦٠٤)، ومسلم (٣٧٧) عن نَافِعٍ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يَقُولُ: «كَانَ الْمُسْلِمُونَ حِينَ قَدِمُوا الْمَدِينَةَ يَجْتَمِعُونَ فَيَتَحَيَّنُونَ الصَّلَاةَ لَيْسَ يُنَادَى لَهَا فَتَكَلَّمُوا يَوْمًا فِي ذَلِكَ فَقَالَ بَعْضُهُمْ اتَّخِذُوا نَاقُوسًا مِثْلَ نَاقُوسِ النَّصَارَى وَقَالَ بَعْضُهُمْ بَلْ بُوقًا مِثْلَ قَرْنِ الْيَهُودِ فَقَالَ عُمَرُ أَوَلَا تَبْعَثُونَ رَجُلاً يُنَادِي بِالصَّلَاةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "يَا بِلَالُ قُمْ فَنَادِ بِالصَّلَاةِ"». قال العلامة ابن القيم ﵀ في [أحكام أهل الذمة] (٣/ ١٢٣٩ - ١٢٣٤٠): «وقد أبطل الله سبحانه بالأذان ناقوس النصارى وبوق اليهود، فإنَّه دعوة إلى الله سبحانه وتوحيده وعبوديته، ورفع الصوت به إعلاء لكلمة الإسلام وإظهاراً لدعوة الحق وإخماداً لدعوة الكفر، فعوض عباده المؤمنين بالأذان عن الناقوس والطنبور كما عوضهم دعاء الاستخارة عن الاستقسام بالأزلام، وعوضهم

стр. 1156

بالقرآن وسماعه عن قرآن الشيطان وسماعه وهو الغناء والمعازف، وعوضهم بالمغالبة بالخيل والإبل والبهائم عن الغلابات الباطلة كالنرد والشطرنج والقمار، وعوضهم بيوم الجمعة عن السبت والأحد، وعوضهم الجهاد عن السياحة والرهبانية، وعوضهم بالنكاح عن السفاح، وعوضهم بأنواع المكاسب الحلال عن الربا، وعوضهم بإباحة الطيبات من المطاعم والمشارب عن الخبيث منها، وعوضهم بعيد الفطر والنحر عن أعياد المشركين، وعوضهم بالمساجد عن الكنائس والبيع والمشاهد، وعوضهم بالاعتكاف والصيام وقيام الليل عن رياضات أهل الباطل من الجوع والسهر والخلوة التي يعطل فيها دين الله، وعوضهم بما سنه لهم على لسان رسوله عن كل بدعة وضلالة» اهـ. وللأذان فضائل كثيرة منها: أ- أنَّه مطردة للشيطان. فروى البخاري (٦٠٨)، ومسلم (٣٨٩) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ أَدْبَرَ الشَّيْطَانُ وَلَهُ ضُرَاطٌ حَتَّى لَا يَسْمَعَ التَّأْذِينَ». وروى مسلم (٣٨٨) عَنْ جَابِرٍ قَالَ سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّ الشَّيْطَانَ إِذَا سَمِعَ النِّدَاءَ بِالصَّلَاةِ ذَهَبَ حَتَّى يَكُونَ مَكَانَ الرَّوْحَاءِ». قَالَ سُلَيْمَانُ فَسَأَلْتُهُ عَنْ الرَّوْحَاءِ فَقَالَ هِيَ مِنْ الْمَدِينَةِ سِتَّةٌ وَثَلَاثُونَ مِيلًا. ب- الاستهام عليه لعظيم فضله.

стр. 1157

فروى البخاري (٦١٥)، ومسلم (٤٣٧) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي النِّدَاءِ وَالصَّفِّ الأَوَّلِ ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا إِلاَّ أَنْ يَسْتَهِمُوا عَلَيْهِ لَاسْتَهَمُو». ج- شهادة كل من سمع الأذان للمؤذن. فروى البخاري (٦٠٩)، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ الأَنْصَارِيِّ ثُمَّ الْمَازِنِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ قَالَ لَهُ: «إِنِّي أَرَاكَ تُحِبُّ الْغَنَمَ وَالْبَادِيَةَ فَإِذَا كُنْتَ فِي غَنَمِكَ، أَوْ بَادِيَتِكَ فَأَذَّنْتَ بِالصَّلَاةِ فَارْفَعْ صَوْتَكَ بِالنِّدَاءِ، فَإِنَّهُ لَا يَسْمَعُ مَدَى صَوْتِ الْمُؤَذِّنِ جِنٌّ، وَلَا إِنْسٌ، وَلَا شَيْءٌ إِلاَّ شَهِدَ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ قَالَ أَبُو سَعِيدٍ سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ». د- طول أعناق المؤذنين يوم القيامة. فروى مسلم (٣٨٧) عَنْ طَلْحَةَ بْنِ يَحْيَى عَنْ عَمِّهِ قَالَ كُنْتُ عِنْدَ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ فَجَاءَهُ الْمُؤَذِّنُ يَدْعُوهُ إِلَى الصَّلَاةِ فَقَالَ مُعَاوِيَةُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «الْمُؤَذِّنُونَ أَطْوَلُ النَّاسِ أَعْنَاقًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ». هـ- ما يناله المؤذن من المغفرة العظيمة. فروى أحمد (٩٥٣٧)، وأبو داود (٥١٥)، والنسائي (٦٤٥)، وابن ماجه (٧٢٤) حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ النَّمَرِىُّ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ مُوسَى بْنِ أَبِي عُثْمَانَ عَنْ أَبِي يَحْيَى عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ: «الْمُؤَذِّنُ يُغْفَرُ لَهُ مَدَى صَوْتِهِ وَيَشْهَدُ لَهُ كُلُّ رَطْبٍ وَيَابِسٍ وَشَاهِدُ الصَّلَاةِ يُكْتَبُ لَهُ خَمْسٌ وَعِشْرُونَ صَلَاةً وَيُكَفَّرُ عَنْهُ مَا بَيْنَهُمَا».

стр. 1158

قلت: فيه ضعف يسير. وروى أحمد (٧٦٠٠) حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ أُنَيْسٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : «إِنَّ الْمُؤَذِّنَ يُغْفَرُ لَهُ مَدَى صَوْتِهِ، وَيُصَدِّقُهُ كُلُّ رَطْبٍ وَيَابِسٍ سَمِعَهُ، وَلِلشَّاهِدِ عَلَيْهِ خَمْسٌ وَعِشْرُونَ دَرَجَةً». قلت: عباد لم يوثقه معتبر. وقد أعلَّ أبو زرعة رواية معمر هذه فقال الحافظ ابن أبي حاتم ﵀ في [العلل] (١/ ١٩٣ - ١٩٤): «وسئل أبو زرعة عن حديث؛ رواه أبو أسامة، عن الحسن بن الحكم، عن أبي هبيرة، يحيى بن عباد الأنصاري، عن شيخ من الأنصار. عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ ، أنَّه قال: "إنَّ المؤذن يغفر له مدى صوته ويصدقه كل رطب ويابس". وروى هذا الحديث وهيب، عن منصور، عن يحيى بن عباد، عن عطاء، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ . وكذا رواه جرير، عن منصور، عن يحيى بن عباد، عن عطاء، رجل من أهل المدينة، عن أبي هريرة موقوفاً، ولم يرفعه. فقال أبو زرعة: الصحيح حديث منصور. قيل لأبي زرعة: قال عبد الرزاق: عن معمر، عن منصور، عن عباد بن أنيس، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ .

стр. 1159

قال أبو زرعة: حديث معمر وهم» اهـ. وروى البيهقي في [الكبرى] (٢١١١) فقال وَرَوَاهُ حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ كَمَا أَخْبَرَنَاهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ حَدَّثَنَا أَبُو حَامِدٍ: أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ شُعَيْبٍ الْفَقِيهُ حَدَّثَنَا السَّرِىُّ بْنُ خُزَيْمَةَ حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْوَاسِطِىُّ حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «الْمُؤَذِّنُ يُغْفَرُ لَهُ مَدَى صَوْتَهُ، وَيَشْهَدُ لَهُ كُلُّ رَطْبٍ وَيَابِسٍ سَمِعَهُ». قلت: إسناده محتمل للتحسين من أجل أبي حامد. وروى أحمد (١٨٧٠٠)، والنسائي (٦٤٢) من طريق مُعَاذ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الْكُوفِيِّ، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، أَنَّ نَبِيَّ اللهِ ﷺ ، قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى الصَّفِّ الْمُقَدَّمِ، وَالْمُؤَذِّنُ يُغْفَرُ لَهُ مَدَّ صَوْتِهِ، وَيُصَدِّقُهُ مَنْ سَمِعَهُ مِنْ رَطْبٍ وَيَابِسٍ، وَلَهُ مِثْلُ أَجْرِ مَنْ صَلَّى مَعَهُ». قلت: لا يصح سماع قتادة من أبي إسحاق. ويشهد لآخره ما رواه مسلم (٢٦٧٤) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ دَعَا إِلَى هُدًى كَانَ لَهُ مِنْ الْأَجْرِ مِثْلُ أُجُورِ مَنْ تَبِعَهُ لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا وَمَنْ دَعَا إِلَى ضَلَالَةٍ كَانَ عَلَيْهِ مِنْ الْإِثْمِ مِثْلُ آثَامِ مَنْ تَبِعَهُ لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ آثَامِهِمْ شَيْئًا». وروى الطبراني في [المعجم الكبير] (١٣٢٨٧) حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بن إِسْحَاقَ التُّسْتَرِيُّ، وَخَلَفُ بن عَمْرٍو الْعُكْبَرِيُّ، قَالا: حَدَّثَنَا دَاوُدُ بن رُشَيْدٍ، حَدَّثَنَا مُعْتَمِرُ بن سُلَيْمَانَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بن بِشْرٍ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ:

стр. 1160

قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «الْمُؤَذِّنُ يُغْفَرُ لَهُ مَدَّ صَوْتِهِ، وَيَشْهَدُ لَهُ كُلُّ رَطْبٍ». قلت: هذا حديث ظاهر إسناده الحسن، لكن رجح الحافظ الدارقطني ﵀ فيه الإرسال فقال في [العلل] (٨/ ٢٣٦): «يرويه الأعمش، واختلف عنه؛ فرواه محمد بن عبيد الطنافسي، وعمرو بن عبد الغفار، عن الأعمش، عن مجاهد، عن أبي هريرة. وقال عمار بن رزيق: عن الأعمش، عن مجاهد، عن ابن عمر. وقال غيرهم: عن الأعمش، عن مجاهد مرسل، والمرسل أشبه» اهـ. قلت: وثم اختلاف آخر فقد رواه أحمد (٦٢٠٢) حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ، حَدَّثَنَا زَائِدَةُ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ رَجُلٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «يَغْفِرُ اللَّهُ لِلْمُؤَذِّنِ مُنْتَهَى أَذَانِهِ، وَيَسْتَغْفِرُ لَهُ كُلُّ رَطْبٍ وَيَابِسٍ سَمِعَ صَوْتَهُ». قلت: أحاديث الباب يقوي بعضها بعضاً. قال الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٣/ ٤٣٦): «وأمَّا قوله في الحديث الآخر: "يغفر له مدى صوته". فقيل: معناه: لو كانت ذنوبه أجساماً لغفر له منها قدر ما يملأ المسافة التي بينه وبين منتهى صوته. وقيل: معناه: تمد له الرحمة بقدر مد الأذان. وقال الخطأبي: معناه أنَّه يستكمل مغفرة الله تعالى إذا استوفى وسعه في رفع الصوت، فيبلغ الغاية من المغفرة إذا بلغ الغاية من الصوت» اهـ.
следующие страницы →