← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 30178

تحفة السائل في بيان ما في عمدة الأحكام من المسائل

أبو بكر الحمادي

Полный текст (8 095 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

وقوله: «مَنْ تَصَبَّحَ بِسَبْعِ تَمَرَاتٍ عَجْوَةً لَمْ يَضُرَّهُ ذَلِكَ الْيَوْمَ سُمٌّ وَلَا سِحْرٌ». أخرجه البخاري (٥٧٦٩، ٥٧٦٨، ٥٤٤٥)، ومسلم (٥٣٠٦، ٥٣٠٧) من حديث سعد ابن أبي وقاص. قلت: لا يمنع أن يقال: إنَّ الغسل من أجل النجاسة، والتسبيع من أجل ما في لعابه من الميكروبات التي لا تزول إلَّا بالتسبيع مع التتريب، كما ثبت هذا طبياً والله أعلم. ١٢ - احتج بهذا الحديث القائلون بنجاسة عين الكلب وذلك أنَّه إذا ثبتت نجاسة فمه من نجاسة لعابه، -باعتبار أنَّه جزء من فمه، وفمه أشرف ما فيه-، فبقية بدنه أولى. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كما في [مجموع الفتاوى] (٢١/ ٦١٦ - ٦١٨): «أمَّا الكلب فللعلماء فيه ثلاثة أقوال معروفة: أحدها: أنَّه نجس كله حتى شعره، كقول الشافعي، وأحمد في إحدى الروايتين عنه. والثاني: أنَّه طاهر حتى ريقه، كقول مالك في المشهور عنه. والثالث: أنَّ ريقه نجس، وأن شعره طاهر، وهذا مذهب أبي حنيفة المشهور عنه، وهذه هي الرواية المنصورة عند أكثر أصحابه، وهو الرواية الأخرى عن أحمد، وهذا أرجح الأقوال. فإذا أصاب الثوب، أو البدن رطوبة شعره لم ينجس بذلك، وإذا ولغ في الماء أريق، وإذا ولغ في اللبن ونحوه فمن العلماء من يقول يؤكل ذلك الطعام كقول مالك وغيره، ومنهم من يقول يراق كمذهب أبي حنيفة،

стр. 107

والشافعي، وأحمد، فأمَّا إن كان اللبن كثيراً، فالصحيح أنَّه لا ينجس، وله في الشعور النابت على محل نجس ثلاث روايات: إحداها: أنَّ جميعها طاهر حتى شعر الكلب، والخنزير، وهو اختيار أبي بكر عبد العزيز. والثانية: أنَّ جميعها نجس كقول الشافعي. والثالثة: أنَّ شعر الميتة إن كانت طاهرة في الحياة كان طاهراً، كالشاة، والفأرة، وشعر ما هو نجس في حال الحياة نجس، كالكلب، والخنزير، وهذه هي المنصوصة عند أكثر أصحابه. والقول الراجح هو طهارة الشعور كلها شعر الكلب، والخنزير، وغيرهما بخلاف الريق، وعلى هذا فإذا كان شعر الكلب رطباً، وأصاب ثوب الإنسان فلا شيء عليه كما هو مذهب جمهور الفقهاء كأبي حنيفة، ومالك، وأحمد في إحدى الروايتين عنه، وذلك لأن الأصل في الأعيان الطهارة فلا يجوز تنجيس شيء، ولا تحريمه إلاَّ بدليل كما قال تعالى: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ (١١٩)﴾، وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١١٥)﴾، وقال النبي ﷺ في الحديث الصحيح: "إنَّ من أعظم المسلمين بالمسلمين جرماً من سأل عن شيء لم يحرم فحرم من أجل مسألته".

стр. 108

وفي السنن عن سلمان الفارسي مرفوعاً، ومنهم من يجعله موقوفاً أنَّه قال: "الحلال ما أحل الله في كتابه، والحرام ما حرم الله في كتابه، وما سكت عنه فهو مما عفا عنه". وإذا كان كذلك فالنبي ﷺ قال: "طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسله سبعاً أولاهن بالتراب". وفي الحديث الآخر: "إذا ولغ الكلب". فأحاديثه كلها ليس فيها إلَّا ذكر الولوغ، ولم يذكر سائر الأجزاء فتنجيسها إنَّما هو بالقياس، فإذا قيل: إنَّ البول أعظم من الريق كان هذا متوجهاً. وأمَّا إلحاق الشعر بالريق فلا يمكن لأنَّ الريق متحلل من باطن الكلب بخلاف الشعر فإنَّه نابت على ظهره، والفقهاء كلهم يفرقون بين هذا، وهذا، فإنَّ جمهورهم يقولون: إنَّ شعر الميتة طاهر بخلاف ريقها. والشافعي وأكثرهم يقولون: إنَّ الزرع النابت في الأرض النجسة طاهر، فغاية شعر الكلب أن يكون نابتاً في منبت نجس، كالزرع النابت في الأرض النجسة، فإذا كان الزرع طاهراً، فالشعر أولى بالطهارة لأنَّ الزرع فيه رطوبة ولين يظهر فيه أثر النجاسة، بخلاف الشعر فإنَّ فيه من اليبوسة، والجمود ما يمنع ظهور ذلك فمن قال من أصحاب أحمد كابن عقيل، وغيره: إنَّ الزرع طاهر فالشعر أولى، ومن قال: إنَّ الزرع نجس فإنَّ الفرق بينهما ما ذكر، فإنَّ الزرع يلحق بالجلالة التي تأكل النجاسة، وهذا أيضاً حجة في المسألة، فإنَّ الجلالة التي تأكل النجاسة قد نهى النبي ﷺ عن لبنها، فإذا حبست حتى تطيب كانت حلالاً باتفاق المسلمين لأنَّها قبل ذلك يظهر أثر النجاسة في لبنها وبيضها وعرقها فيظهر نتن النجاسة، وخبثها، فإذا زال ذلك عادت طاهرة، فإنَّ الحكم إذا ثبت بعلة زال

стр. 109

بزوالها، والشعر لا يظهر فيه شيء من آثار النجاسة أصلاً، فلم يكن لتنجيسه معنى». ١٣ - الحديث نص صريح في وجوب تسبيع الإناء الذي ولغ فيه الكلب، وهو حجة على أبي حنيفة، في قوله: يغسل ثلاثاً. قال الحافظ ابن حجر ﵀ في [الفتح] (١/ ٣٣٢ - ٣٣٣): «وأمَّا الحنفية فلم يقولوا بوجوب السبع ولا التتريب، واعتذر الطحاوي وغيره عنهم بأمور، منها كون أبي هريرة راويه أفتى بثلاث غسلات فثبت بذلك نسخ السبع، وتعقب بأنَّه يحتمل أن يكون أفتى بذلك لاعتقاده ندبية السبع لا وجوبها، أو كان نسي ما رواه، ومع الاحتمال لا يثبت النسخ، وأيضاً فقد ثبت أنَّه أفتى بالغسل سبعاً، ورواية من روى عنه موافقة فتياه لروايته أرجح من رواية من روى عنه مخالفتها من حيث الإسناد، ومن حيث النظر، أمَّا النظر فظاهر، وأمَّا الإسناد فالموافقة وردت من رواية حماد بن زيد عن أيوب عن ابن سيرين عنه وهذا من أصح الأسانيد، وأمَّا المخالفة فمن رواية عبد الملك بن أبي سليمان عن عطاء عنه وهو دون الأول في القوة بكثير، ومنها أنَّ العذرة أشد في النجاسة من سؤر الكلب، ولم يقيد بالسبع فيكون الولوغ كذلك من باب الأولى. وأجيب بأنَّه لا يلزم من كونها أشد منه في الاستقذار أن لا يكون أشد منها في تغليظ الحكم، وبأنَّه قياس في مقابلة النص وهو فاسد الاعتبار. ومنها دعوى أنَّ الأمر بذلك كان عند الأمر بقتل الكلاب، فلما نهي عن قتلها نسخ الأمر بالغسل. وتعقب بأنَّ الأمر بقتلها كان في أوائل الهجرة، والأمر بالغسل متأخر جداً؛ لأنَّه من رواية أبي هريرة، وعبد

стр. 110

الله بن مغفل، وقد ذكر ابن مغفل أنَّه سمع ﷺ يأمر بالغسل وكان إسلامه سنة سبع كأبي هريرة، بل سياق مسلم ظاهر في أنَّ الأمر بالغسل كان بعد الأمر بقتل الكلاب» اهـ. قلت: لفظ مسلم (٦٥١) عن ابن المغفل ﵁ قال: «أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِقَتْلِ الْكِلَابِ ثُمَّ قَالَ: "مَا بَالُهُمْ وَبَالُ الْكِلَابِ" ثُمَّ رَخَّصَ فِي كَلْبِ الصَّيْدِ وَكَلْبِ الْغَنَمِ وَقَالَ: "إِذَا وَلَغَ الْكَلْبُ فِي الْإِنَاءِ فَاغْسِلُوهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ وَعَفِّرُوهُ الثَّامِنَةَ فِي التُّرَابِ"». وقال العراقي ﵀ في [طرح التثريب] (٢/ ١٣٨): «وحكي عن أبي حنيفة أيضاً، والثوري، والليث بن سعد أنَّه يغسل بلا حد، واحتجوا بقوله في بعض طرق حديث أبي هريرة مرفوعاً في الكلب يلغ في الإناء: "يغسله ثلاثاً، أو خمساً، أو سبعاً". قالوا: فلو كان التسبيع واجباً لم يخير بينها وبين الخمس، والثلاث، والحديث ضعيف؛ لأنَّه من رواية عبد الوهاب بن الضحاك أحد الضعفاء عن إسماعيل بن عياش عن هشام بن عروة، ورواية إسماعيل عن الحجازيين ضعيفة عند الجمهور». ١٤ - ألحق الإمام أحمد ﵀ بالتسبيع في نجاسة الكلب، التسبيع في سائر النجاسات، والصحيح عدم اشتراط ذلك، فقد أباح النَّبي ﷺ الاستجمار بثلاثة أحجار، ولم يأمر بالتسبيع في الاستنجاء بالماء، ولا بغير ذلك من النجاسات. وفي وجوب التتريب في نجاسة غير لعاب الكلب نزاع. وللحنابلة وجهان في ذلك.

стр. 111

قال العلامة ابن قدامة ﵀ في [المغني] (١/ ٨٧): «مَسْأَلَةٌ قَالَ: "وَكُلُّ إنَاءٍ حَلَّتْ فِيهِ نَجَاسَةٌ؛ مِنْ وُلُوغِ كَلْبٍ، أَوْ بَوْلٍ، أَوْ غَيْرِهِ، فَإِنَّهُ يُغْسَلُ سَبْعَ مَرَّاتٍ إحْدَاهُنَّ بِالتُّرَابِ". النَّجَاسَةُ تَنْقَسِمُ قِسْمَيْنِ: أَحَدُهُمَا؛ نَجَاسَةُ الْكَلْبِ وَالْخِنْزِيرِ وَالْمُتَوَلِّدِ مِنْهُمَا، فَهَذَا لَا يَخْتَلِفُ الْمَذْهَبُ فِي أَنَّهُ يَجِبُ غَسْلُهَا سَبْعًا، إحْدَاهُنَّ بِالتُّرَابِ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ. وَعَنْ أَحْمَدَ: أَنَّهُ يَجِبُ غَسْلُهَا ثَمَانِيًا، إحْدَاهُنَّ بِالتُّرَابِ، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ الْحَسَنِ؛ لِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُغَفَّلِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إذَا وَلَغَ الْكَلْبُ فِي الْإِنَاءِ فَاغْسِلُوهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ، وَعَفِّرُوهُ الثَّامِنَةَ بِالتُّرَابِ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَالرِّوَايَةُ الْأُولَى أَصَحُّ، وَيُحْمَلُ هَذَا الْحَدِيثُ عَلَى أَنَّهُ عَدَّ التُّرَابَ ثَامِنَةً؛ لِأَنَّهُ وَإِنْ وُجِدَ مَعَ إحْدَى الْغَسَلَاتِ فَهُوَ جِنْسٌ آخَرُ، فَيُجْمَعُ بَيْنَ الْخَبَرَيْنِ» اهـ. إلى أن قال (١/ ٩٠): «وَإِنْ قُلْنَا بِوُجُوبِ السَّبْعِ، فَفِي وُجُوبِ التُّرَابِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا يَجِبُ؛ قِيَاسًا عَلَى الْوُلُوغِ. وَالثَّانِي لَا يَجِبُ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ بِالْغَسْلِ لِلدَّمِ وَغَيْرِهِ، وَلَمْ يَأْمُرْ بِالتُّرَابِ إلَّا فِي نَجَاسَةِ الْوُلُوغِ، فَوَجَبَ أَنْ يُقْتَصَرَ عَلَيْهِ؛ وَلِأَنَّ التُّرَابَ إنْ أُمِرَ بِهِ تَعَبُّدًا وَجَبَ قَصْرُهُ عَلَى مَحَلِّهِ، وَإِنْ أُمِرَ بِهِ لِمَعْنًى فِي الْوُلُوغِ لِلزَّوْجَةِ فِيهِ لَا تَنْقَلِعُ إلَّا بِالتُّرَابِ، فَلَا يُوجَدُ ذَلِكَ فِي غَيْرِهِ». ١٥ - الرواية الأولى من حديث أبي هريرة احتج بها أبو حنيفة ومالك في أنَّه لا يجب التتريب في الغسل من الولوغ إذ لم يذكره مالك في روايته لهذا الحديث، وليس فيه حجة فقد حفظه غيره من الثقات ومن حفظ حجة على من لم يحفظ.

стр. 112

١٦ - الرواية الأخرى من حديث أبي هريرة تدل على وجوب تتريب الإناء الذي ولغ فيه الكلب، وقد ذهب إلى ذلك الشافعي، وأحمد، وخالف في ذلك أبو حنيفة، ومالك، وهما محجوجان بالسنة. ١٧ - وقوله: «أولاهن بالتراب». يدل على أنَّ التتريب يكون في الغسلة الأولى. وقد اختلفت في ذلك الروايات وأقواها رواية «أولاهن» كما بين ذلك الحافظ العراقي في بحث له نفيس في [طرح التثريب] (٢/ ١٥١ - ١٥٤) قال فيه: «اختلفت الروايات في المرة التي تجعل فيها التراب فعند مسلم كما تقدم: "أولاهن، أو قال: أخراهن بالتراب"، وفي رواية لأبي بكر البزار في "مسنده" "إحداهن" بالحاء، والدال المهملتين، ومن ذكر من المصنفين أنَّها لم ترد من حديث أبي هريرة فمردود عليه بذكر البزار لها في "مسنده". وقد رواها الدارقطني هكذا أيضاً من حديث علي فقال فيه "إحداهن بالبطحاء"، وذكر النووي في "الفتاوى" أنَّها رواية ثابتة. ولمسلم من حديث عبد الله بن مغفل: "إذا ولغ الكلب في الإناء، فاغسلوه سبع مرات، وعفروه الثامنة بالتراب". وقد اختلف كلام الشارحين في الجمع بينها، فجمع النووي بينها بأنَّ التقييد بالأولى، وبغيرها ليس على الاشتراط بل المراد إحداهن قال: وأمَّا رواية: "وعفروه الثامنة بالتراب" فمذهبنا، ومذهب الجماهير أنَّ المراد اغسلوه سبعاً واحدة منهن بتراب مع الماء فكأنَّ التراب قائم مقام غسلة فسميت ثامنة لهذا. وأشار ابن دقيق العيد إلى تضعيف هذا الجواب بأنَّه تأويل فيه استكراه.

стр. 113

وهكذا يدل كلام البيهقي في "السنن" على تعذر الجمع بين رواية الثامنة بالتراب، وبين ما تقدم، فإنَّه صار إلى الترجيح دون الجمع، فقال - بعد ذكر حديث ابن مغفل في الثامنة ما صورته -: وأبو هريرة أحفظ من روى الحديث في دهره فروايته أولى. فرجح البيهقي روايته بكونه أحفظ، وهو أحد وجوه الترجيح عند المعارضة. وقد استشكل ابن دقيق العيد إجزاء الترتيب في أي غسلة شاء من الغسلات السبع بأنَّ رواية "إحداهن". على تقدير ثبوتها مطلقة، وقد قيدت في بعضها بأولاهن، وفي بعضها بالسابعة، فلا يجزئ التتريب في غيرهما لاتفاق القيدين على نفيه، وما ذكره استشكالاً، وبحثاً قد نصَّ عليه الشافعي في "مختصر البويطي" فقال: وإذا ولغ الكلب في الإناء غسل سبعاً أولاهن أو أخراهن بالتراب، ولا يطهره غير ذلك، وكذلك روي عن النبي ﷺ . هذا لفظه بحروفه، وعبارته في "الأم" قريبة من ذلك، وقد تبعه من أصحابه على تقييد ذلك بالأولى، أو الأخرى الزبيري في "الكافي" والمرعشي في كتاب "ترتيب الأقسام" ونقله الدارمي أيضاً في "الاستذكار" عن ابن جابر، وقد ضعف بعض مصنفي الحنفية الرواية التي ذكر فيها التراب بهذا الاضطراب من كونها: أولاهن، أو أخراهن، أو إحداهن، أو السابعة، أو الثامنة فقال: إنَّ هذا الاضطراب يقتضي طرح ذكر التراب رأساً، وكذا قال صاحب "المفهم" إنَّّ هذه الزيادة مضطربة، وفيما قالاه نظر، فإنَّ الحديث المضطرب إنَّما تتساقط الروايات إذا تساوت وجوه

стр. 114

الاضطراب، أمَّا إذا ترجح بعض الوجوه فالحكم للرواية الراجحة فلا يقدح فيها رواية من خالفها كما هو معروف في علوم الحديث. وإذا تقرر ذلك فلا شك أنَّ رواية "أولاهن" أرجح من سائر الروايات، فإنَّه رواها عن محمد بن سيرين ثلاثة، هشام بن حسان، وحبيب بن الشهيد، وأيوب السختياني، وأخرجها مسلم في صحيحه من رواية هشام فتترجح بأمرين: كثرة الرواة، وتخريج أحد الشيخين لها، وهما من وجوه الترجيح عند التعارض. وأمَّا رواية أخراهن بالخاء المعجمة، والراء فلا توجد منفردة مسندة في شيء من كتب الحديث إلاَّ أنَّ ابن عبد البر ذكر في "التمهيد" أنَّه رواها خلاس عن أبي هريرة كما سيأتي في الوجه الذي يليه، إلاَّ أنَّها رويت مضمومة مع أولاهن كما سيأتي. وأمَّا رواية "السابعة بالتراب" فهي، وإن كانت بمعناها، فإنَّه تفرد بها عن محمد بن سيرين قتادة وانفرد بها أبو داود، وقد اختلف فيها على قتادة فقال إبان عنه هكذا، وهي رواية أبي داود، وقال سعيد بن بشير عنه: "الأولى بالتراب"، فوافق الجماعة. رواه كذلك الدارقطني في "سننه"، والبيهقي من طريقه، وهذا يقتضي ترجيح رواية أولاهن لموافقته للجماعة. وأمَّا رواية: "إحداهن" بالحاء المهملة، والدال فليست في شيء من الكتب الستة، وإنَّما رواها البزار كما تقدم. وأمَّا رواية "أولاهن، أو أخراهن"، فقد رواها الشافعي، والبيهقي من طريقه بإسناد صحيح، وفيه بحث أذكره، وهو أنَّ قوله: "أولاهن، أو أخراهن" لا تخلو إمَّا أن تكون مجموعة من كلام الشارع، أو هو شك من بعض رواة الحديث، فإن

стр. 115

كانت مجموعة من كلام النبي ﷺ فهو دال على التخيير بينهما، ويترجح حينئذ ما نص عليه الشافعي ﵀ من التقييد بهما، وذلك؛ لأنَّ من جمع بينهما معه زيادة علم على من اقتصر على الأولى، أو السابعة؛ لأنَّ كلاً منهم حفظ مرة فاقتصر عليها وحفظ هذا الجمع بين الأولى، والأخرى فكان أولى. وإن كان ذلك شكاً من بعض الرواة فالتعارض قائم، ويرجع إلى الترجيح فترجح الأولى كما تقدم، ومما يدل على أنَّ ذلك شك من بعض الرواة لا من كلام الشارع قول الترمذي في روايته "أولاهن، أو قال أخراهن بالتراب"، فهذا يدل على أنَّ بعض الرواة شك فيه، فيترجح حينئذ تعيين الأولى، ولها شاهد أيضاً من رواية خلاس عن أبي رافع عن أبي هريرة كما سيأتي في الوجه الذي يليه. وإذا كان ذكر الأولى أرجح ففيه حجة لما ذكر أصحابنا من كون التتريب في المرة الأولى أولى وذكروا له معنى آخر، وهو أنه إذا قدم التتريب في الأولى فتناثر من بعض الغسلات رشاش إلى غير الموضع المتلوث بالنجاسة الكلبية لم يجب تتريبه بخلاف ما إذا أخر فكان هذا أرفق لكن حمله على الأولوية متقاصر عما دلت عليه الرواية الصحيحة فينبغي حمله على تعيين المرة الأولى والله أعلم». قلت: رواية «السابعة بالتراب» شذ بها أبان بن يزيد العطار في روايته عن قتادة. وقد أخرج الحديث النسائي (١/ ١٧٧ - ١٧٨)، وأحمد (١٠٣٤٨) من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن ابن سيرين عن أبي هريرة عن النبي صلى الله

стр. 116

عليه وسلم قال: «إِذَا وَلَغَ الْكَلْبُ فِي إِنَاءِ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْسِلْهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ أُولَاهُنَّ بِالتُّرَابِ». قلت: وسعيد ابن أبي عروبة من أوثق الناس في قتادة. وقد تابع سعيداً متابعة قاصرة في ابن سيرين كل من: ١ - هشام ابن حسان، وحديثه أخرجه مسلم (٦٤٩)، وأحمد (١٠٥٤٤، ٩٤٧٩)، وأبو داود (٧١). ٢ - قرة بن خالد، وحديثه أخرجه الحاكم (٥٧٢)، و البيهقي في [الكبرى] (١١٠٢). ٣ - الأوزاعي، وحديثه عند البيهقي في [الكبرى] (١٠٧٨)، والدارقطني (١٨٢). ٤ - أيوب بن أبي تميمة، وحديثه عند البيهقي في [المعرفة] (٣٦٤). ٥ - يونس بن عبيد، وحديثه عند الطبراني في [الأوسط] (١٣٢٦). ٦ - سعيد بن بشير الأزدي، وحديثه عند الدارقطني (١٨٦). قلت: وكل هذا مما يدل على شذوذ حديث أبان بن يزيد العطار. قلت: رواية «إحداهنَّ» أخرجها أيضاً النسائي في [الكبرى] (٦٩) فقال: أخبرنا إسحاق بن إبراهيم قال: أنبأ معاذ بن هشام قال: حدثنا أبي عن قتادة عن خلاس عن أبي رافع عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ : «إِذَا وَلَغَ الْكَلْبُ فِي إِنَاءِ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْسِلْهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ إِحْدَاهُنَّ بِالتُّرَابِ». وأخرجه في [المجتبى] (٣٣٨) بهذا الإسناد بلفظ: «أُولَاهُنَّ بِالتُّرَابِ».

стр. 117

وأخرجه سفيان بن عيينة في [مسنده] (٣٩) أخبرنا معاذ بن هشام صاحب الدستوائي حدثني أبي عن قتادة عن خلاس عن أبي رافع عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ : «إِذَا وَلَغَ الْكَلْبُ فِي إِنَاءِ أَحَدِكُمْ فَاغْسِلُوهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ إِحْدَاهُنَّ بِالتُّرَابِ». وأخرجه البيهقي في [الكبرى] (١٠٨٢))، والدارقطني في [سننه] (١٨٧) من طريق يزيد بن سنان ثنا معاذ بن هشام حدثني أبي عن قتادة عن خلاس عن أبي رافع عن أبي هريرة عن النبي الله ﷺ قال: «إِذَا وَلَغَ الْكَلْبُ فِي الإِنَاءِ فَاغْسِلُوهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ أُولَاهُنَّ بِالتُّرَابِ». قلت: فهذه اللفظة لا تخلوا من اختلاف فيها كما ترى. والجمع بين رواية: «أولاهن»، ورواية: «الثامنة بالتراب» الذي ضعفه الحافظ ابن دقيق العيد، لا يظهر لي تضعيفه بل الذي يظهر لي أنه جمع قوي، والله أعلم. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في [شرح العمدة] (١/ ٨٦): «والصحيح أنَّه عد التراب ثامنة وإن لم تكن غسله، كما قال تعالى: ﴿ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ (٢٢)﴾، يحقق ذلك أن أهل اللغة قالوا: إذا كان اسم فاعل على العدد من غير جنس المفعول يجعله زائداً، كما قال الله تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾، وإن كان من جنسه جعله أحدهم لقوله: ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ (٤٠)﴾، فلما قال: "سبع مرات" علم أنَّ التراب سماه ثامناً لأنَّه من غير الجنس، وإلاَّ قال: فاغسلوه ثمانياً، وعفروه الثامنة».

стр. 118

وقال العلامة ابن القيم ﵀ في [بدائع الفوائد] (٣/ ٧٦٨): «حمل المطلق على المقيد مشروط بأن لا يقيد بقيدين متنافيين فإن قيد بقيدين متنافيين امتنع الحمل وبقى على إطلاقه سبع مرات وعلم أنَّ القيدين تمثيل لا تقييد مثاله قوله في لوغ الكلب "فليغسله إحدهن بالتراب" مطلق وفي لفظ "أولاهن" وهذا مقيد بالأول. وفي لفظ "أخراهن" وهذا مقيد بالآخرة فلا يحمل على أحدهما بل يبقى على إطلاقه» اهـ. قلت: رواية «أُخْرَاهُنَّ بِالتُّرَابِ» جاءت مقترنة مع أولاهنَّ فقد جاء في الحديث «أُولَاهُنَّ أَوْ أُخْرَاهُنَّ بِالتُّرَابِ» وهذا شك من قبل بعض الرواة والصحيح رواية «أُولَاهُنَّ». فإذا تبيَّن هذا فلا اختلاف في القيود الواردة في الروايات الصحيحة. ١٨ - وذكر التراب في الحديث يدل على أنَّه لا يكفي الصابون، والأشنان، ونحوهما في طهارة لعاب الكلب، وهذا هو الصحيح وإن خالف ذلك بعض علماء الشافعية، والحنابلة في أحد الوجهين. ١٩ - ويدل أيضاً على أنَّه لو جعل في الثامنة ماءً بدل التراب أنَّه لا يحصل به التطهير، وهو الصحيح، ومن خالف في ذلك فخلافه شاذ مردود. قال العراقي ﵀ في [طرح التثريب] (٢/ ١٦١): «وأمَّا من قال من أصحابنا يكفي؛ لأنَّ الماء أبلغ في التطهير من التراب فمردود؛ لأنَّه لا يجوز أن يستنبط من النص معنى يعود عليه بالإبطال، ولو كان الماء أبلغ من التراب مطلقاً لجاز لمن وجد بعض ما يكفيه من الماء لأعضاء التيمم أن يقتصر على غسل

стр. 119

الوجه، واليدين دون التيمم؛ لأنَّ الماء أبلغ في التطهير، ولا قائل بذلك والله أعلم». وقال العلامة النووي في [شرح المهذب] (٢/ ٥٨٤): «والأصح أنَّه لا يكفى بل لابد من التراب، والله أعلم». ٢٠ - قلت: ظاهر الحديث أنَّه لا يكتفي بالرمل عن التراب في نجاسة الكلب، وإنَّما أجزنا ذلك في التيمم؛ لأنَّه من جملة الصعيد، والله أعلم. ٢١ - قوله: «وعفروه الثامنة بالتراب» احتج به الإمام أحمد في رواية على أنَّ الإناء يغسل من ولوغ الكلب ثمان غسلات. قال في [طرح التثريب] (٢/ ١٦٣): «فِيهِ حُجَّةٌ عَلَى مَنْ ذَهَبَ إلَى اشْتِرَاطِ الْغَسْلِ مِنْ نَجَاسَةِ الْكَلْبِ ثَمَانِيًا وَحَكَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ أَنَّهُ كَانَ يُفْتِي بِأَنَّهُ يُغْسَلُ سَبْعًا بِالْمَاءِ وَمَرَّةً ثَامِنَةً بِالتُّرَابِ قَالَ: وَلَا أَعْلَمُ أَحَدًا كَانَ يُفْتِي بِذَلِكَ غَيْرُهُ. قُلْت: قَدْ ذَهَبَ إلَيْهِ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ أَيْضًا كَمَا حَكَاهُ عَنْهُ صَاحِبُ الْمُفْهِمِ مِنْ الْمَالِكِيَّةِ وَحَكَاهُ عَنْهُ أَيْضًا الرَّافِعِيُّ وَحُجَّتُهُ فِي ذَلِكَ حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ: "فَاغْسِلُوهُ سَبْعًا وَعَفِّرُوهُ الثَّامِنَةَ بِالتُّرَابِ"، وَقَدْ تَقَدَّمَ. قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: وَالْحَدِيثُ قَوِيٌّ فِيهِ فَمَنْ لَمْ يَقُلْ بِهِ احْتَاجَ إلَى تَأْوِيلِهِ بِوَجْهٍ فِيهِ اسْتِكْرَاهٌ. وَقَالَ الطَّحْطَاوِيُّ: يَنْبَغِي لِهَذَا الْمُخَالِفِ لَنَا أَنْ يَقُولَ: لَا يَطْهُرُ الْإِنَاءُ حَتَّى يُغْسَلَ ثَمَانِيَ مَرَّاتٍ الثَّامِنَةُ بِالتُّرَابِ لِيَأْخُذَ بِالْحَدِيثَيْنِ جَمِيعًا، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْجَوَابُ عَنْ هَذَا فِي الْفَائِدَةِ السَّابِعَةِ وَفِي الْعَاشِرَةِ أَيْضًا مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ» اهـ.

стр. 120

قلت: سائر الأحاديث جاءت بذكر السبع، وسبق بيان أنَّ غسلة التراب سميت ثامنة لأنَّها من غير جنس الماء. وهل المراد بذلك أن يذر التراب في الإناء من غير أن يخلطه بالماء، أو لا بد من خلطه بالماء فيه احتمالان، والثاني أظهر الاحتمالين لقرينة ذكر الغسل فيما رواه مسلم (٦٤٩) من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «طَهُورُ إِنَاءِ أَحَدِكُمْ إِذَا وَلَغَ فِيهِ الْكَلْبُ أَنْ يَغْسِلَهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ أُولَاهُنَّ بِالتُّرَابِ». وذلك أنَّ الأولى التي فيها التراب سماها النبي ﷺ غُسلاً وحقيقة الغسل استعمال الماء. قال العلامة النووي ﵀ فقال في [شرح مسلم] (١/ ٤٤٨): «وَأَمَّا رِوَايَة (وَعَفِّرُوهُ الثَّامِنَة بِالتُّرَابِ) فَمَذْهَبنَا وَمَذْهَب الْجَمَاهِير: أَنَّ الْمُرَاد اِغْسِلُوهُ سَبْعًا وَاحِدَة مِنْهُنَّ بِالتُّرَابِ مَعَ الْمَاء، فَكَأَنَّ التُّرَاب قَائِم مَقَام غَسْلَة فَسُمِّيَتْ ثَامِنَة لِهَذَا. وَاَللَّه أَعْلَم». وقال في [طرح التثريب] (٢/ ١٥٧): «فِي قَوْلِهِ: "فَاغْسِلُوهُ سَبْعًا أُولَاهُنَّ بِالتُّرَابِ" مَا قَدْ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَكْتَفِي بِذَرِّ التُّرَابِ عَلَى الْمَحَلِّ بَلْ لَا بُدَّ أَنْ يَجْعَلَهُ فِي الْمَاءِ وَيُوَصِّلَهُ إلَى الْمَحَلِّ، وَهُوَ كَذَلِكَ كَمَا جَزَمَ بِهِ الرَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: وَوَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ أَنَّهُ جَعَلَ مَرَّةَ التَّتْرِيبِ دَاخِلَةً فِي مُسَمَّى الْغَسَلَاتِ، وَذَرُّ التُّرَابِ عَلَى الْمَحَلِّ لَا يُسَمَّى غَسْلًا وَهَذَا مُمْكِنٌ، وَفِيهِ احْتِمَالٌ؛ لِأَنَّهُ إذَا ذَرَّ التُّرَابَ عَلَى الْمَحَلِّ وَأَتْبَعَهُ الْمَاءَ يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ غَسَلَ بِالتُّرَابِ.

стр. 121

وَأَيْضًا فَقَوْلُهُ: وَعَفِّرُوهُ قَدْ يُشْعِرُ بِالِاكْتِفَاءِ بِالتَّتْرِيبِ بِطَرِيقِ ذَرِّ التُّرَابِ عَلَى الْمَحَلِّ، فَإِنْ كَانَ خَلْطُهُ بِالْمَاءِ لَا يُنَافِي كَوْنَهُ تَعْفِيرًا لُغَةً فَقَدْ ثَبَتَ مَا قَالُوهُ؛ لِأَنَّ لَفْظَ التَّعْفِيرِ حِينَئِذٍ يَنْطَلِقُ عَلَى ذَرِّ التُّرَابِ عَلَى الْمَحَلِّ وَعَلَى إيصَالِهِ بِالْمَاءِ إلَيْهِ، وَالْحَدِيثُ الَّذِي دَلَّ عَلَى اعْتِبَارِ مُسَمَّى الْغَسْلَةِ يَدُلُّ عَلَى خَلْطِهِ بِالْمَاءِ وَإِيصَالِهِ إلَى الْمَحَلِّ بِهِ، وَذَلِكَ أَمْرٌ زَائِدٌ عَلَى مُقْتَضَى مُطْلَقِ التَّعْفِيرِ عَلَى التَّقْدِيرِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ مِنْ شُمُولِ اسْمِ التَّعْفِيرِ لِلصُّورَتَيْنِ مَعًا أَعْنِي ذَرَّ التُّرَابِ وَإِيصَالَهُ بِالْمَاءِ انْتَهَى. وَمَا أَبْدَاهُ الشَّيْخُ مِنْ الِاحْتِمَالِ فِي إجْزَاءِ ذَرِّ التُّرَابِ وَإِتْبَاعِهِ بِالْمَاءِ قَدْ صَرَّحَ بِالِاكْتِفَاءِ بِهِ ابْنُ الرِّفْعَةِ وَرُدَّ عَلَيْهِ بِأَنَّ الشَّيْخَ أَبَا مُحَمَّدٍ الْجُوَيْنِيَّ صَرَّحَ فِي التَّبْصِرَةِ أَنَّهُ لَا يَكْفِي، وَهُوَ مُقْتَضَى كَلَامِ غَيْرِهِ مِنْ الْأَصْحَابِ» اهـ. * * *

стр. 122

قال المؤلف رحمه الله تعالى: ٧ - عَنْ حُمْرَانَ مَوْلَى عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ ﵄: «أَنَّهُ رَأَى عُثْمَانَ دَعَا بِوَضُوءٍ، فَأَفْرَغَ عَلَى يَدَيْهِ مِنْ إنَائِهِ، فَغَسَلَهُمَا ثَلاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ أَدْخَلَ يَمِينَهُ فِي الْوَضُوءِ، ثُمَّ تَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ وَاسْتَنْثَرَ، ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ ثَلاثاً، وَيَدَيْهِ إلَى الْمِرْفَقَيْنِ ثَلاثًا، ثُمَّ مَسَحَ بِرَأْسِهِ، ثُمَّ غَسَلَ كِلْتَا رِجْلَيْهِ ثَلاثًا، ثُمَّ قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَتَوَضَّأُ نَحْوَ وُضُوئِي هَذَا، وَقَالَ: «مَنْ تَوَضَّأَ نَحْوَ وُضُوئِي هَذَا، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، لا يُحَدِّثُ فِيهِمَا نَفْسَهُ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» قوله: (دَعَا بِوَضُوءٍ) وهو بفتح الواو اسم للماء المعد للوضوء وبالضم للفعل. قوله: (فَأَفْرَغَ) أي: صب. قوله: (ثُمَّ تَمَضْمَضَ) المضمضة: تحريك الماء في الفم. قلت: وقد اختلف العلماء في إدارة الماء في الفم هل تشترط أو لا؟ والصحيح اشتراط ذلك، لأنَّ معنى المضمضة يدل على ذلك. والله أعلم. وقد رجح ذلك العلامة الشوكاني في [شرح المنتقى] (١/ ١٧٢)، والشيخ ابن عثيمين في [الشَّرْحُ الممتع] (١/ ١٣٩)، وذهب إليه بعض علماء الشافعية، كما ذكر ذلك العلامة النووي في [شرح المهذب] (١/ ٣٩٥). قوله: (وَاسْتَنْشَقَ) الاستنشاق: هو إدخال الماء في الأنف.

стр. 123

قوله: (وَاسْتَنْثَرَ) سبق الكلام في الاستنثار عند شرحنا في للحديث الرابع. قوله: (ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ ثَلاثاً) وحد الوجه من مبدأ تسطيح الجبهة إلى منتهى الذقن طولاً، ومن الأذن إلى الأذن عرضاً، وليست النزعتان من الوجه، وهما: البياضان المكتنفان للناصية أعلى الجبينين اللذان ينحسر شعر الرأس عنهما في بعض الناس، ولا موضع الصلع، وهو: ما انحسر عنه الشعر فوق ابتداء التسطيح، وأمَّا الصدغان، وهما: في جانبي الأذن يتصلان بالعذارين من فوق فليسا من الوجه. قال العلامة ابن قدامة ﵀ في [المغني] (١/ ٨٦): «فَأَمَّا الصُّدْغُ، وَهُوَ الشَّعْرُ الَّذِي بَعْدُ انْتِهَاءِ الْعِذَارِ، وَهُوَ مَا يُحَاذِي رَأْسَ الْأُذُنِ وَيَنْزِلُ عَنْ رَأْسِهَا قَلِيلًا» اهـ. ويدخل في الوجه موضع الغمم وهو ما ينبت عليه الشعر من الجبهة. والغمم: أن يسيل الشعر حتى تضيق الجبهة والقفا. قال أحد الشعراء: ولا تنكحي إن فرق الدهر بيننا … أغم القفا والوجه ليس بأنزعا يقال: رجل أغم، وامرأة غماء، والعرب تذم بالغمم، وتمدح بالنزع، لأنَّ الغمم يدل على البلادة، والجبن، والبخل، والنزع يدل على ضد ذلك. وأمَّا موضع التحذيف ففيه نزاع فقيل: من الوجه، وقيل: من الرأس لاتصال شعره بشعر الرأس وهو: ما ينبت عليه الشعر الخفيف بين ابتداء العذار والنزعة،

стр. 124

سمي بذلك لأنَّ النساء والأشراف يحذفون الشعر عنه ليتسع الوجه. وضابطه كما أن يضع طرف خيط على رأس الأذن، والطرف الثاني على أعلى الجبهة، ويفرض هذا الخيط مستقيماً فما نزل عنه إلى جانب الوجه فهو موضع التحذيف. وهو موضع الشعر الخفيف الذي ينزل منبته إلى الجبين بين بياضين: أحدهما بياض النزعة، والثاني بياض الصدغ. قال العلامة ابن حجر الهيتمي ﵀ في [تحفة المحتاج] (١/ ٢٠٣): «الْمُرَادُ بِرَأْسِ الْأُذُنِ الْجُزْءُ الْمُحَاذِي لَا عَلَى الْعِذَارِ قَرِيبًا مِنْ الْوَتَدِ وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ أَعْلَى الْأُذُنِ مِنْ جِهَةِ الرَّأْسِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مُحَاذِيًا لِمَبْدَأِ الْعَذَارِ» اهـ. واختار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ أنَّه من الوجه فقال كما في [مجموع الفتاوى] (٢١/ ٤٠٨): «وَالصَّحِيحُ: أَنَّ النَّزْعَتَيْنِ مِنْ الرَّأْسِ وَالتَّحْذِيفُ مِنْ الْوَجْهِ». قلت: ويدخل في الوجه البياض الذي بين العذار والأذن، والعذار هو: الشعر النابت على العظم الناتئ المرتفع المحاذي لخرق الأذن. وقال مالك ليس من الوجه ولا يجب غسله، وخالفه في ذلك العلماء في سائر البلدان. وعن أبي يوسف يجب علي الأمرد غسله دون الملتحي، وحكي الماوردي هذا التفصيل عن مالك. ويجب غسل العذار مع الوجه لأنَّه من جملة الوجه.

стр. 125

ولا يجب غسل البشرة المغطاة باللحية الكثيفة، وقد اتفق الأئمة الأربعة على ذلك، وخالفهم إسحاق بن راهويه، والمزني، وأبو ثور، فذهبوا إلى وجوب تخليل اللحية، وإيصال الماء إلى البشرة. وهم محجوجون بحديث ابن عباس «أَنَّهُ تَوَضَّأَ فَغَسَلَ وَجْهَهُ أَخَذَ غَرْفَةً مِنْ مَاءٍ فَمَضْمَضَ بِهَا وَاسْتَنْشَقَ ثُمَّ أَخَذَ غَرْفَةً مِنْ مَاءٍ فَجَعَلَ بِهَا هَكَذَا أَضَافَهَا إِلَى يَدِهِ الْأُخْرَى فَغَسَلَ بِهِمَا وَجْهَهُ ثُمَّ أَخَذَ غَرْفَةً مِنْ مَاءٍ فَغَسَلَ بِهَا يَدَهُ الْيُمْنَى ثُمَّ أَخَذَ غَرْفَةً مِنْ مَاءٍ فَغَسَلَ بِهَا يَدَهُ الْيُسْرَى ثُمَّ مَسَحَ بِرَأْسِهِ ثُمَّ أَخَذَ غَرْفَةً مِنْ مَاءٍ فَرَشَّ عَلَى رِجْلِهِ الْيُمْنَى حَتَّى غَسَلَهَا ثُمَّ أَخَذَ غَرْفَةً أُخْرَى فَغَسَلَ بِهَا رِجْلَهُ يَعْنِي الْيُسْرَى ثُمَّ قَالَ هَكَذَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَتَوَضَّأُ». أخرجه البخاري (١٤٠)، وأحمد (٢٤١٦)، وأبو داود (١٣٧). وقد كان النبي ﷺ كث اللحية ولا شك أنَّ الغرفة الواحدة لا تكفي كث اللحية لغسل وجهه وتخليل لحيته. واللحية الكثيفة هي: ما سترت البشرة عن الناظر في مجلس التخاطب إلَّا فخفيف. ويجب في اللحية الخفيفة غسل البشرة التي تحتها في مذهب الجمهور، وقال أبو حنيفة: لا يجب.

стр. 126

واختلف العلماء في اللحية المسترسلة هل هي داخلة في مسمى الوجه فيجب غسلها في الوضوء، أم هي خارجه عن مسماه فلا يجب غسلها، على قولين: الأول: أنَّها داخلة في مسمى الوجه فيجب غسلها وهو مذهب الجمهور. الآخر: أنَّها خارجة عن مسماه فلا يجب غسلها، كالذؤابة النازلة عن الرأس. وهو مذهب أبي حنيفة، والمزني. وأجاب الجمهور على هذا القياس بأنَّ الرأس اسم لما ترأس، وعلا، وليست الذؤابة كذلك، والوجه ما حصلت به المواجهة وهى حاصلة بالمسترسل من اللحية. ولا يدخل في غسل الوجه المأمور به غسل داخل العينين لعدم ثبوت ذلك عن النبي ﷺ ولما فيه من الضرر على العينين، ولا يجب ذلك لا في الحدث الأصغر ولا الأكبر. قال العلامة ابن قدامة ﵀ في [المغني] (١/ ١٨٣): «فَصْلٌ: وَذَكَرَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا مِنْ سُنَنِ الْوُضُوءِ غَسْلَ دَاخِلِ الْعَيْنَيْنِ، وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ عَمِيَ مِنْ كَثْرَةِ إدْخَالِ الْمَاءِ فِي عَيْنَيْهِ. وَقَالَ الْقَاضِي: إنَّمَا يُسْتَحَبُّ ذَلِكَ فِي الْغُسْلِ، نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فِي مَوَاضِعَ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ غُسْلَ الْجَنَابَةِ أَبْلَغُ، فَإِنَّهُ يَعُمُّ جَمِيعَ الْبَدَنِ، وَتُغْسَلُ فِيهِ بَوَاطِنُ الشُّعُورِ الْكَثِيفَةِ، وَمَا تَحْتَ الْجَفْنَيْنِ وَنَحْوِهِمَا، وَدَاخِلُ الْعَيْنَيْنِ مِنْ جُمْلَةِ الْبَدَنِ الْمُمْكِنِ غَسْلُهُ فَإِذَا لَمْ تَجِبْ فَلَا أَقَلَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ مُسْتَحَبًّا.

стр. 127

وَالصَّحِيحُ أَنَّ هَذَا لَيْسَ بِمَسْنُونٍ فِي وُضُوءٍ وَلَا غُسْلٍ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَفْعَلْهُ، وَلَا أَمَرَ بِهِ، وَفِيهِ ضَرَرٌ، وَمَا ذُكِرَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ فَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى كَرَاهَتِهِ؛ لِأَنَّهُ ذَهَبَ بِبَصَرِهِ، وَفِعْلُ مَا يُخَافُ مِنْهُ ذَهَابُ الْبَصَرِ أَوْ نَقْصُهُ مِنْ غَيْرِ وُرُودِ الشَّرْعِ بِهِ إذَا لَمْ يَكُنْ مُحَرَّمًا، فَلَا أَقَلَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ مَكْرُوهًا» اهـ. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في [شرح العمدة] (١/ ١٨٥): «ويستحب غسل داخل العين إذا أمن الضرر في أحد الوجهين لأنَّ ابن عمر كان يفعله ولا يستحب في الآخر وهو أشبه لأنَّه لم ينقل عن النبي صلى الله عليه و سلم ولأنَّه مظنة تخوف الضرر في الجملة مع تكرار الوضوء» اهـ. قلت: أثر ابن عمر رواه عبد الرزاق في [مصنفه] (٩٩١)، وابن أبي شيبة في [مصنفه] (١٠٧٥)، والبيهقي في [الكبرى] (٨٧٠) من طريق نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: «كَانَ إِذَا اغْتَسَلَ مِنَ الْجَنَابَةِ نَضَحَ الْمَاءَ فِى عَيْنَيْهِ وَأَدْخَلَ أَصْبَعَهُ فِى سُرَّتِهِ». قلت: هذا أثر صحيح. قوله: (إلَى الْمِرْفَقَيْنِ) المرفق بكسر الميم، وفتح الفاء، عكسه لغتان مشهورتان الأولى أفصحهما وهو: مجتمع العظمين المتداخلين، وهما طرفا عظم العضد، وطرف عظم الذراع، وهو الموضع الذي يتكئ عليه المتكئ إذا ألقم راحته رأسه واتكأ على ذراعه. سمي بذلك لأنَّه يرتفق به في الاتكاء ونحوه.

стр. 128

وقوله: (ثُمَّ مَسَحَ بِرَأْسِهِ) والرأس ما اشتملت عليه منابت الشعر، ومنه النزعتان، - وقد سبق بيانهما- ومنه الناصية: وهي الشعر الذي بين النزعتين. ومنه الصدغان وقد سبق بيانهما. قلت: وقد اختلف العلماء في النزعتين، والصدغين هل هما من الرأس، أم من الوجه؟ والصحيح أنَّهما من الرأس، وقد روى أحمد (٢٦٩٠١)، وأبو داود (١٢٩)، والترمذي (٣٤) من حديث الربيع بنت معوذ ﵂ قالت: «رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَتَوَضَّأُ قَالَتْ: فَمَسَحَ رَأْسَهُ وَمَسَحَ مَا أَقْبَلَ مِنْهُ وَمَا أَدْبَرَ، وَصُدْغَيْهِ وَأُذُنَيْهِ مَرَّةً وَاحِدَةً». لكن فيه عبد الله بن محمد بن عقيل والراجح فيه الضعف. وفي الحديث عدة مسائل منها: ١ - الاستعانة على إحضار ما يتوضأ به. ٢ - استحباب غسل اليدين قبل إدخالهما الإناء ولو لم يكن عقب نوم. ٣ - قوله: (فَأَفْرَغَ عَلَى يَدَيْهِ مِنْ إنَائِهِ، فَغَسَلَهُمَا ثَلاثَ مَرَّاتٍ) فيه دليل على أنَّ غسلهما في أول الوضوء ثلاثاً سنة، وهو كذلك باتفاق العلماء. ٤ - قوله: (ثُمَّ أَدْخَلَ يَمِينَهُ) فيه استحباب الاغتراف باليمين. وأنَّ الاغتراف يكون بيد واحدة لا بكلتا اليدين. ٥ - قوله: (ثُمَّ أَدْخَلَ يَمِينَهُ فِي الْوَضُوءِ، ثُمَّ تَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ وَاسْتَنْثَرَ) فيه: أنَّ السنة في المضمضة، والاستنشاق أن يأخذ الماء لهما بيمينه.

стр. 129

٦ - واحتج به من ذهب إلى أنَّ المضمضة، والاستنشاق يكونان بغرفة واحدة. ووجه الدلالة منه أنَّه ذكر تكرار غسل الكفين والوجه، وأطلق أخذ الماء للمضمضة. فدلَّ ذلك على أنَّ تكرار المضمضة، والاستنشاق يحصل بتلك الغرفة. قلت: وسوف يأتي الكلام على هذه المسألة بمشيئة الله عند شرحنا لحديث عبد الله بن زيد الآتي بعد هذا الحديث. ٧ - وقوله: (وَيَدَيْهِ إلَى الْمِرْفَقَيْنِ ثَلاثًا) يدل على أنَّ غسل اليدين إنَّما يكون إلى المرفقين، وقد تنازع العلماء في المرفقين هل يدخلان في الغسل، أو لا يدخلان. فذهب أكثر العلماء إلى دخولهما، وخالف في ذلك زفر، وأبو بكر بن داود فقالا: لا يجب غسل المرفقين، والكعبين. قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى في [فتح الباري] (١/ ٣٥٠): «وقد قال الشافعي في "الأم": لا أعلم مخالفاً في إيجاب دخول المرفقين في الوضوء. فعلى هذا فزفر محجوج بالإجماع قبله، وكذا من قال بذلك من أهل الظاهر بعده، ولم يثبت ذلك عن مالك صريحاً، وإنَّما حكى عنه أشهب كلاماً محتملاً». قلت: الصحيح دخولهما لحديث نُعيم بن عبد الله المجمِر قال: «رَأَيْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَتَوَضَّأُ فَغَسَلَ وَجْهَهُ فَأَسْبَغَ الْوُضُوءَ ثُمَّ غَسَلَ يَدَهُ الْيُمْنَى حَتَّى أَشْرَعَ فِي الْعَضُدِ ثُمَّ يَدَهُ الْيُسْرَى حَتَّى أَشْرَعَ فِي الْعَضُدِ ثُمَّ مَسَحَ رَأْسَهُ ثُمَّ غَسَلَ

стр. 130

رِجْلَهُ الْيُمْنَى حَتَّى أَشْرَعَ فِي السَّاقِ ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَهُ الْيُسْرَى حَتَّى أَشْرَعَ فِي السَّاقِ ثُمَّ قَالَ هَكَذَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَتَوَضَّأُ». رواه مسلم (٥٧٨). وروى الدارقطني (٢٧٠) حدثنا الحسين بن إسماعيل، نا عبيد الله بن سعد بن إبراهيم، نا عمي، نا أبي، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن إبراهيم، عن معاذ بن عبد الرحمن بن عثمان بن عبيد الله بن معمر التيمي، عن حمران مولى عثمان بن عفان أنَّه حدثه أنَّه سمع عثمان بن عفان قال: «هَلُمُّوا أَتَوَضَّأُ لَكُمْ وُضُوءَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَغَسَلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ حَتَّى مَسَّ أَطْرَافَ الْعَضُدَيْنِ، ثُمَّ مَسَحَ بِرَأْسِهِ، ثُمَّ أَمَرَّ يَدَيْهِ عَلَى أُذُنَيْهِ وَلِحْيَتِهِ، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ». قلت: ابن إسحاق مدلس وقد عنعن، ومحمد بن إبراهيم يحدث ببعض المناكير، وما أظن هذا الحديث إلَّا من مناكيره. قلت: ولا بد من غسل اليدين من أطراف الأصابع ولا يكتفى بغسل اليدين من الرسغ. قال العلامة القاري ﵀ في [عمدة القاري] (٣/ ٧٠) «الْخَامِس: فِيهِ غسل يَدَيْهِ مرَّتَيْنِ، وَجَاء فِي رِوَايَة مُسلم: ثَلَاثًا. فَإِنْ قلت: هَلْ هَذَا يغسل يَدَيْهِ هَهُنَا من أول الْأَصَابِع أَوْ يغسل ذِرَاعَيْهِ؟ قلت: ذكر فِي الأَصْل غسل ذِرَاعَيْهِ لَا غير لتقدم غسل الْيَدَيْنِ إِلَى الرسغ مرّة، وَفِي (الذَّخِيرَة): الْأَصَح عِنْدِي

стр. 131

أَنْ يُعِيد غسل الْيَدَيْنِ ظاهرهما وباطنهما، لِأَن الأول كَانَ سنة افْتِتَاح الْوضُوء، فَلَا يَنُوب عَنْ فرض الْوضُوء» اهـ. قلت: وهناك من الحنفية من قال بإجزاء الغسل المتقدم للكفين عن إعادة غسلهما مرة أخرى. فقال أبو بكر بن علي العبادي الزبيدي ﵀ في [الجوهرة النيرة] (١/ ٥) «"قَوْلُهُ: غَسْلُ الْيَدَيْنِ ثَلَاثًا" يَعْنِي إلَى الرُّسْغِ وَهُوَ مُنْتَهَى الْكَفِّ عِنْدَ الْمَفْصِلِ وَيَغْسِلُهُمَا قَبْلَ الِاسْتِنْجَاءِ وَبَعْدَهُ هُوَ الصَّحِيحُ وَهُوَ سُنَّةٌ تَنُوبُ عَنْ الْفَرْضِ حَتَّى إنَّهُ لَوْ غَسَلَ ذِرَاعَيْهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُعِيدَ غَسْلَ كَفَّيْهِ أَجْزَأَهُ» اهـ. وقال ابن عابدين في [حاشيته] (١/ ١١٢ - ١١٣): «وَاعْلَمْ أَنَّ مَا ذَكَرَهُ هُنَا مِنْ أَنَّهُ سُنَّةٌ تَنُوبُ عَنْ الْفَرْضِ هُوَ مَا اخْتَارَهُ فِي الْكَافِي وَتَبِعَهُ فِي الدُّرَرِ، وَهُوَ أَحَدُ أَقْوَالٍ ثَلَاثَةٍ لَكِنَّهُ مُخَالِفٌ لِمَا أَشَارَ إلَيْهِ صَدْرُ كَلَامِهِ حَيْثُ عَبَّرَ بِالْبُدَاءَةِ بِغَسْلِ يَدَيْهِ؛ فَإِنَّهُ ظَاهِرٌ فِي اخْتِيَارِ الْقَوْلِ بِأَنَّهُ فَرْضٌ، وَتَقْدِيمُهُ سُنَّةٌ كَمَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ ابْنِ كَمَالٍ، وَهَذَا مَا اخْتَارَهُ فِي الْفَتْحِ وَالْمِعْرَاجِ وَالْخَبَّازِيَّةِ وَالسِّرَاجِ؛ لِقَوْلِ مُحَمَّدٍ فِي الْأَصْلِ بَعْدَ غَسْلِ الْوَجْهِ، ثُمَّ يَغْسِلُ ذِرَاعَيْهِ وَلَمْ يَقُلْ يَدَيْهِ، فَلَا يَجِبُ غَسْلُهُمَا ثَانِيًا. قَالَ فِي الْبَحْرِ: وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمَشَايِخِ أَنَّهُ الْمَذْهَبُ. وَقَالَ السَّرَخْسِيُّ: الْأَصَحُّ عِنْدِي أَنَّهُ سُنَّةٌ لَا تَنُوبُ عَنْ الْفَرْضِ فَيُعِيدُ غَسْلَهُمَا. وَاسْتَشْكَلَهُ فِي الذَّخِيرَةِ بِأَنَّ الْمَقْصُودَ التَّطْهِيرُ وَقَدْ حَصَلَ. وَأَجَابَ الشَّيْخُ إسْمَاعِيلُ النَّابُلُسِيُّ بِأَنَّ الْمُرَادَ عَدَمُ

стр. 132

النِّيَابَةِ مِنْ حَيْثُ ثَوَابُ الْفَرْضِ لَوْ أَتَى بِهِ مُسْتَقِلًّا قَصْدًا إذْ السُّنَّةُ لَا تُؤَدِّيه وَيُؤَدِّيه اتِّفَاقُهُمْ عَلَى سُقُوطِ الْحَدَثِ بِلَا نِيَّةٍ. اهـ. حَاصِلُهُ أَنَّ الْفَرْضَ سَقَطَ لَكِنْ فِي ضِمْنِ الْغَسْلِ الْمَسْنُونِ لَا قَصْدًا، وَالْفَرْضُ إنَّمَا يُثَابُ عَلَيْهِ إذَا أَتَى بِهِ عَلَى قَصْدِ الْفَرْضِيَّةِ؛ كَمَنْ عَلَيْهِ جَنَابَةٌ قَدْ نَسِيَهَا وَاغْتَسَلَ لِلْجُمُعَةِ مَثَلًا فَإِنَّهُ يَرْتَفِعُ حَدَثُهُ ضِمْنًا وَلَا يُثَابُ ثَوَابَ الْفَرْضِ وَهُوَ غُسْلُ الْجَنَابَةِ مَا لَمْ يَنْوِهِ لِأَنَّهُ لَا ثَوَابَ إلَّا بِالنِّيَّةِ، وَحِينَئِذٍ فَيُسَنُّ أَنْ يُعِيدَ غَسْلَ الْيَدَيْنِ عِنْدَ غَسْلِ الذِّرَاعَيْنِ لِيَكُونَ آتِيًا بِالْفَرْضِ قَصْدًا، وَلَا يَنُوبُ الْغَسْلُ الْأَوَّلُ مَنَابَهُ مِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ وَإِنْ نَابَ مَنَابَهُ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ لَوْ لَمْ يُعِدْهُ سَقَطَ الْفَرْضُ كَمَا يَسْقُطُ لَوْ لَمْ يَنْوِ أَصْلًا. وَيَظْهَرُ لِي عَلَى هَذَا أَنَّهُ لَا مُخَالَفَةَ بَيْنَ الْأَقْوَالِ الثَّلَاثَةِ لِأَنَّ الْقَائِلَ بِالْفَرْضِيَّةِ أَرَادَ أَنَّهُ يُجْزِئُ عَنْ الْفَرْضِ، وَأَنَّ تَقْدِيمَ هَذَا الْغَسْلِ الْمُجْزِئِ عَنْ الْفَرْضِ سُنَّةٌ، وَهُوَ مَعْنَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُ سُنَّةٌ تَنُوبُ عَنْ الْفَرْضِ. وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ عَلَى هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ يُسَنُّ إعَادَةُ الْغَسْلِ لِمَا مَرَّ فَتَتَّحِدُ الْأَقْوَالُ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ (قَوْلُهُ: وَيُسَنُّ إلَخْ) نَقَلَهُ فِي النَّهْرِ عَنْ الذَّخَائِرِ الْأَشْرَفِيَّةِ. وَفِيهِ تَأْيِيدٌ لِمَا ذَكَرْنَاهُ آنِفًا حَيْثُ لَمْ يُقَيِّدْهُ بِأَحَدِ الْأَقْوَالِ، إذْ يَبْعُدُ الْقَوْلُ بِأَنَّ إعَادَةَ غَسْلِهِمَا عَبَثٌ وَإِسْرَافٌ فَافْهَمْ» اهـ. ٨ - وقوله: (ثُمَّ مَسَحَ بِرَأْسِهِ) احتج بها وبقول الله تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ (٦)﴾ [المائدة: ٦] من لم ير المسح على العمامة لأنَّ العمامة ليست برأس.

стр. 133

وهذه المسألة تنازع فيها العلماء فذهب أكثر الأئمة إلى عدم جواز الاقتصار على مسحها من غير مسح جزء من الرأس. وقالت طائفة: يجوز الاقتصار على العمامة قاله أبو بكر الصديق، وعمر، وأنس بن مالك، وإليه ذهب سفيان الثوري والأوزاعي، وأحمد، وأبو ثور، واسحق، ومحمد بن جرير، وداود. وهذا القول هو الصحيح لدلالة السنة عليه. فروى البخاري (٢٠٥) عن عمرو بن أمية الضَّمْرِيِّ قال: «رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَمْسَحُ عَلَى عِمَامَتِهِ وَخُفَّيْهِ». وروى الإمام مسلم في [صحيحه] (٦٣٦) من حديث بلال ﵁: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ وَالْخِمَارِ». وقوله: (وَالْخِمَارِ) يعني به العمامة لأنَّها تخمر الرأس أي تغطيه. وعن ثوبان ﵁ قال: «بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَرِيَّةً فَأَصَابَهُمُ الْبَرْدُ فَلَمَّا قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَمَرَهُمْ أَنْ يَمْسَحُوا عَلَى الْعَصَائِبِ وَالتَّسَاخِينِ». أخرجه أحمد (٢٢٢٨٣)، وأبو داود (١٤٦). وهو حديث صحيح. وقوله: (عَلَى الْعَصَائِبِ) قيل: المراد بالعصابة العمامة، وقيل: وهي ما يشد به الرأس من عمامة، أو منديل.

стр. 134

وقوله: (وَالتَّسَاخِينِ) هي كل ما يسخن به القدم من خف وجورب ونحوهما، وقيل: هما الخفان. قلت: وأمَّا قولهم: لأنَّ العمامة ليست برأس، فيجاب عنه بأنَّ السنة قد دلت على مشروعية ذلك، والواجب التسليم لها، وعدم معارضتها بالرأي، وبأنَّ الدليل قد جاء بمسح الشعر ولا يسمى رأساً، وجاء أيضاً بالمسح على الخفين، ولا يسمى الخف رجلاً. والله أعلم. فائدة: ذهب الإمام أحمد إلى أنَّ المسح على العمامة كالمسح على الخفين فيكون يوماً وليلة للمقيم وثلاثة أيام بلياليهن للمسافر. وقد جاء في ذلك ما رواه الطبراني في [الْكَبِيْرِ] (٧٥٥٨) حَدَّثَنَا أَبُو مُسْلِمٍ الْكَشِّيُّ، وعَبْدُ اللهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، قَالَا: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُقَدَّمِيُّ، ثنا عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَبْدِ الْوَارِثِ، ثنا مَرْوَانُ أَبُو سَلَمَةَ، ثنا شَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، ﵁ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَمْسَحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ وَالْعِمَامَةِ ثَلَاثًا فِي السَّفَرِ، وَيَوْمًا وَلَيْلَةً فِي الْحَضَرِ». قُلْتُ: مروان أبو سلمة قال فيه البخاري "منكر الحديث"، وشهر ضعيف. وله شاهد من حديث المغيرة. قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ فِي [شَرْحِ الْعُمْدَةِ] (١/ ٢٦٤): «الْخَامِسُ: أَنَّ أَبَا بَكْرٍ عَبْدَ الْعَزِيزِ رَوَى بِإِسْنَادِهِ عَنْ عُمَرَ بْنِ رُدَيْحٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي مَيْمُونَةَ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قَالَ: "غَزَوْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ

стр. 135

عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَمَرَنَا أَنْ نَمْسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ وَالْعِمَامَةِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهِنَّ فِي السَّفَرِ وَيَوْمًا وَلَيْلَةً لِلْمُقِيمِ"» اهـ. قُلْتُ: هَذَا إِسْنَادٌ مُحْتَمَلٌ لِلْتَحْسِيْنِ، للاختلاف في عمر بن رديح، فقد قال فيه ابن معين صالح، ووثقه ابن حبان والعجلي، وذكره ابن شاهين في "ثقاته" وضعفه أبو حاتم، لكن بقى النظر في مبدأ الإسناد، ولم يسقه شيخ الإسلام حتى ينظر فيه. ورواه الطبراني في [الْكَبِيْرِ] (١٠٠٥) حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ النَّسَوِيُّ، ثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مَهْدِيٍّ الْمِصِّيصِيُّ، ثَنَا عُمَرُ بْنُ رُدَيْحٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي مَيْمُونَةَ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنِ الْمُغِيرَةِ، قَالَ: آخِرُ غَزَاةٍ غَزَوْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَمَرَنَا أَنْ نَمْسَحَ عَلَى خِفَافِنَا: «لِلْمُسَافِرِ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهِنَّ، وَلِلْمُقِيمِ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ مَا لَمْ يَخْلَعْ». قُلْتُ: شيخ الطبراني لم أعرفه، وليس في الحديث ذكر العمامة. ورواه البيهقي في [الْكُبْرَى] (١٣٧٦) من طريق أخرى إلى عمر بن رديح كرواية الطبراني، وفي الإسناد من لم أعرفه. والأظهر أنَّه لا يشترط في مسح العمامة ما يشترط في المسح على الخفين لعدم ما يدل على ذلك من الأدلة الصحاح، ولو كان ذلك مما يجب لبينه النبي ﷺ كما بيَّن أحكام المسح على الخفين.

стр. 136

والحنابلة يشترطون ذلك ويشترط أكثرهم أن تكون محنكة وذات ذؤابة ولم يشترط بعضهم ذلك ومنهم شيخ الإسلام فأجاز المسح على العمامة الصماء التي لا حنك فيها ولا ذؤابه، وهذا هو الأظهر. ولا تمسح الأذنان عند مسح العمامة في قول أكثر العلماء، ومنهم من رأى المسح، والصحيح عدم المسح لأنَّه لم ينقل ذلك في السنة. وتستوعب العمامة في المسح كما يستوعب الرأس وقيل يكتفي بالمسح على أكوارها، والصحيح الأول لأنَّ المسح على العمامة بدل عن المسح على الرأس وهو بدل من الجنس فيقوم مقامه في الاستيعاب بعكس المسح على الخفين فلا يشترط الاستيعاب لأنَّه بدل عن غسل القدم فهو بدل عن غير الجنس ولا يشترط في غير الجنس المماثلة في الاستيعاب إلَّا إذا دلَّ الدليل عليه. ولا يجب مسح ما ظهر عادة من أطراف الرأس، وهل يستحب مسحه هنالك من علماء الحنابلة من استحب مسحه والأظهر الاقتصار على ما وردت به السنة من المسح على الناصية والعمامة. قُلْتُ: وفي وضع اليد المبللة على الرأس من غير مسح نزاع في إجزائه والأظهر عدم الإجزاء، وهكذا في غسله نزاع والأظهر الإجزاء لأنَّه أبلغ من المسح مع مخالفة السنة. قال العلامة الزركشي ﵀ في [شرحه لمختصر الخرقي] (١/ ٤١).

стр. 137

«ويخرج من كلامه ما لو وضع يده على رأسه ولم يمرها، فإنَّه لا يجزئه، لعدم المسح، وبه قطع أبو البركات وغيره، ولأبي محمد فيه احتمال بالإجزاء، وما لو غسل رأسه بدل مسحه، وهو الصحيح من الروايتين، عند أبي البركات، وابن عقيل، نعم: أن أمّر يده أجزأه، على المعروف المشهور، وقيد ابن حمدان إجزاء الغسل عن المسح بما إذا نواه به، والله أعلم» اهـ. وقال العلامة ابن قدامة ﵀ في [المغني] (١/ ٩٦ - ٩٧): «فَصْلٌ: فَإِنْ غَسَلَ رَأْسَهُ بَدَلَ مَسْحِهِ، فَعَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: لَا يُجْزِئُهُ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ بِالْمَسْحِ، وَالنَّبِيُّ ﷺ مَسَحَ وَأَمَرَ بِالْمَسْحِ؛ وَلِأَنَّهُ أَحَدُ نَوْعَيْ الطَّهَارَةِ، فَلَمْ يُجْزِئْ عَنْ النَّوْعِ الْآخَرِ، كَالْمَسْحِ عَنْ الْغَسْلِ. وَالثَّانِي يُجْزِئُ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ جُنُبًا فَانْغَمَسَ فِي مَاءٍ يَنْوِي الطَّهَارَتَيْنِ، أَجْزَأهُ مَعَ عَدَمِ الْمَسْحِ، فَكَذَلِكَ إذَا كَانَ الْحَدَثُ الْأَصْغَرُ مُنْفَرِدًا؛ وَلِأَنَّ فِي صِفَةِ غَسْلِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ غَسَلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ، ثُمَّ أَفْرَغَ عَلَى رَأْسِهِ وَلَمْ يَذْكُرْ مَسْحًا؛ وَلِأَنَّ الْغَسْلَ أَبْلَغُ مِنْ الْمَسْحِ، فَإِذَا أَتَى بِهِ يَنْبَغِي أَنْ يُجْزِئَهُ، كَمَا لَوْ اغْتَسَلَ يَنْوِي بِهِ الْوُضُوءَ، وَهَذَا فِيمَا إذَا لَمْ يُمِرَّ يَدَهُ عَلَى رَأْسِهِ. فَأَمَّا إنْ أَمَرَّ يَدَهُ عَلَى رَأْسِهِ مَعَ الْغَسْلِ أَوْ بَعْدَهُ أَجْزَأَهُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ أَتَى بِالْمَسْحِ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ «مُعَاوِيَةَ، أَنَّهُ تَوَضَّأَ لِلنَّاسِ كَمَا رَأَى النَّبِيَّ ﷺ تَوَضَّأَ، فَلَمَّا بَلَغَ رَأْسَهُ غَرَفَ غَرْفَةً مِنْ مَاءٍ فَتَلَقَّاهَا بِشِمَالِهِ، حَتَّى وَضَعَهَا عَلَى وَسَطِ

стр. 138

رَأْسِهِ حَتَّى قَطَرَ الْمَاءُ أَوْ كَادَ يَقْطُرُ، ثُمَّ مَسَحَ مِنْ مُقَدَّمِهِ إلَى مُؤَخَّرِهِ، وَمِنْ مُؤَخَّرِهِ إلَى مُقَدَّمِهِ.» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. وَلَوْ حَصَلَ عَلَى رَأْسِهِ مَاءُ الْمَطَرِ، أَوْ صَبَّ عَلَيْهِ إنْسَانٌ، ثُمَّ مَسَحَ عَلَيْهِ يَقْصِدُ بِذَلِكَ الطَّهَارَةَ، أَوْ كَانَ قَدْ صَمَدَ لِلْمَطَرِ، أَجْزَأَهُ. وَإِنْ حَصَلَ الْمَاءُ عَلَى رَأْسِهِ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ أَجْزَأَهُ أَيْضًا؛ لِأَنَّ حُصُولَ الْمَاءِ عَلَى رَأْسِهِ بِغَيْرِ قَصْدٍ لَمْ يُؤَثِّرْ فِي الْمَاءِ، فَمَتَى وَضَعَ يَدَهُ عَلَى ذَلِكَ الْبَلَلِ وَمَسَحَ بِهِ فَقَدْ مَسَحَ بِمَاءٍ غَيْرِ مُسْتَعْمَلٍ، فَصَحَّتْ طَهَارَتُهُ، كَمَا لَوْ حَصَلَ بِقَصْدِهِ. فَإِنْ لَمْ يَمْسَحْ بِيَدِهِ، وَقُلْنَا إنَّ الْغَسْلَ يَقُومُ مَقَامَ الْمَسْحِ، نَظَرْنَا؛ فَإِنْ قَصَدَ حُصُولَ الْمَاءِ عَلَى رَأْسِهِ أَجْزَأَهُ إذَا جَرَى الْمَاءُ عَلَيْهِ، وَإِلَّا لَمْ يُجْزِئْهُ. وَإِنْ قُلْنَا لَمْ يُجْزِئْ الْغَسْلُ عَنْ الْمَسْحِ، لَمْ يُجْزِئْهُ بِحَالٍ» اهـ. قلت: حديث معاوية رواه أبو داود (١٢٤) حَدَّثَنَا مُؤَمَّلُ بْنُ الْفَضْلِ الْحَرَّانِيُّ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ الْعَلَاءِ، حَدَّثَنَا أَبُو الأَزْهَرِ الْمُغِيرَةُ بْنُ فَرْوَةَ، وَيَزِيدُ بْنُ أَبِي مَالِكٍ: «أَنَّ مُعَاوِيَةَ، تَوَضَّأَ لِلنَّاسِ كَمَا رَأَى رَسُولَ اللهِ ﷺ يَتَوَضَّأُ، فَلَمَّا بَلَغَ رَأْسَهُ غَرَفَ غَرْفَةً مِنْ مَاءٍ، فَتَلَقَّاهَا بِشِمَالِهِ حَتَّى وَضَعَهَا عَلَى وَسَطِ رَأْسِهِ حَتَّى قَطَرَ الْمَاءُ، أَوْ كَادَ يَقْطُرُ، ثُمَّ مَسَحَ مِنْ مُقَدَّمِهِ إِلَى مُؤَخَّرِهِ، وَمِنْ مُؤَخَّرِهِ إِلَى مُقَدَّمِهِ». قلت: وفي سماع أبي الأزهر ويزيد من معاوية نظر. وقال العلامة النووي ﵀ في [المجموع] (١/ ٤١٠):

стр. 139

«ولو قطر الماء على رأسه ولم يسل أو وضع عليه يده المبتلة ولم يمرها عليه أو غسل رأسه بدل مسحه أجزأه على الصحيح وبه قطع الأكثرون لأنَّه في معنى المسح وفيه وجه أنَّه لا يجزيه لأنَّه لا يسمى مسحاً حكاه المتولي والبغوي والروياني والشاشي وغيرهم ونقل إمام الحرمين الاتفاق على إجزاء الغسل قال لأنَّه فوق المسح فإجزاء المسح مبني على إجزاء الغسل من طريق الأولى فإذا قلنا بالمذهب وهو إجزاء الغسل فقد نقل إمام الحرمين والغزالي في "البسيط" اتفاق الأصحاب على أنَّه لا يستحب وهل يكره فيه وجهان: قال إمام الحرمين في "النهاية" قال الأكثرون وهو مكروه لأنَّه سرف كالغسلة الرابعة وبهذا قطع المحاملي في اللباب والجرجاني في "التحرير". والوجه الثاني: لا يكره وهو قول القفال ولم يذكر إمام الحرمين في الأساليب غيره وصححه الغزالي في الوجيز والرافعي» اهـ. قلت: ولا يشترط أن يباشر المسح بيده فيجوز أن يمسح رأسه بخرقة مبلولة ونحو ذلك. قال العلامة ابن قدامة ﵀ في [المغني] (١/ ٩٧): «فَصْلٌ: وَإِنْ مَسَحَ رَأْسَهُ بِخِرْقَةٍ مَبْلُولَةٍ، أَوْ خَشَبَةٍ، أَجْزَأَهُ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ بِالْمَسْحِ، وَقَدْ فَعَلَهُ، فَأَجْزَأْهُ، كَمَا لَوْ مَسَحَ بِيَدِهِ أَوْ بِيَدِ غَيْرِهِ؛ وَلِأَنَّ مَسْحَهُ بِيَدِهِ غَيْرُ مُشْتَرَطٍ، بِدَلِيلِ مَا لَوْ مَسَحَهُ بِيَدِ غَيْرِهِ.

стр. 140

وَالثَّانِي لَا يُجْزِئُهُ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَسَحَ بِيَدِهِ. وَإِنْ وَضَعَ عَلَى رَأْسِهِ خِرْقَةً مَبْلُولَةً فَابْتَلَّ بِهَا رَأْسُهُ، أَوْ وَضَعَ خِرْقَةً ثُمَّ بَلَّهَا حَتَّى ابْتَلَّ شَعْرُهُ، لَمْ يُجْزِئْهُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِمَسْحٍ وَلَا غَسْلٍ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُجْزِئَهُ؛ لِأَنَّهُ بَلَّ شَعْرَهُ قَاصِدًا لِلْوُضُوءِ، فَأَجْزَأْهُ، كَمَا لَوْ غَسَلَهُ. وَإِنْ مَسَحَ بِإِصْبَعٍ أَوْ إصْبَعَيْنِ أَجْزَأَهُ إذَا مَسَحَ بِهِمَا مَا يَجِبُ مَسْحُهُ كُلُّهُ. وَنَقَلَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَكَمِ، عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ لَا يُجْزِئُهُ. قَالَ الْقَاضِي: هَذَا مَحْمُولٌ عَلَى وُجُوبِ الِاسْتِيعَابِ، فَإِنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ اسْتِيعَابُ الرَّأْسِ بِإِصْبَعِهِ، فَأَمَّا إنْ اسْتَوْعَبَهُ أَجْزَأَهُ؛ لِأَنَّهُ مَسَحَ بِبَعْضِ يَدِهِ، أَشْبَهَ مَسْحَهُ بِكَفِّهِ» اهـ. قلت: والأذنان يمسحان مع الرأس بالماء الذي يمسح به الرأس، والأدلة في ذلك كثيرة ومنها ما رواه الترمذي (٣٦) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَسَحَ بِرَأْسِهِ وَأُذُنَيْهِ، ظَاهِرِهِمَا وَبَاطِنِهِمَا». قلت: هذا حديث حسن. وفي وجوب مسحهما نزاع والأكثر على استحباب مسحهما، وأوجب ذلك إسحاق بن راهوية، وهو الأظهر لأنَّهما من جملة الرأس. قال العلامة ابن قدامة ﵀ في [المغني] (١/ ٩٧): «فَصْلٌ: وَالْأُذُنَانِ مِنْ الرَّأْسِ، فَقِيَاسُ الْمَذْهَبِ وُجُوبُ مَسْحِهِمَا مَعَ مَسْحِهِ. وَقَالَ الْخَلَّالُ كُلُّهُمْ حَكَوْا عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ فِيمَنْ تَرَكَ مَسْحَهُمَا عَامِدًا أَوْ نَاسِيًا، أَنَّهُ يُجْزِئُهُ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّهُمَا تَبَعٌ لِلرَّأْسِ، لَا يُفْهَمُ مِنْ إطْلَاقِ اسْمِ الرَّأْسِ دُخُولُهُمَا فِيهِ، وَلَا يُشْبِهَانِ بَقِيَّةَ أَجْزَاءِ الرَّأْسِ، وَلِذَلِكَ لَمْ يُجْزِهِ مَسْحُهُمَا عَنْ مَسْحِهِ عِنْدَ مَنْ اجْتَزَأَ بِمَسْحِ

стр. 141

بَعْضِهِ، وَالْأَوْلَى مَسْحُهُمَا مَعَهُ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَسَحَهُمَا مَعَ رَأْسِهِ، فَرَوَتْ "الرُّبَيِّعُ، أَنَّهَا رَأَتْ النَّبِيَّ ﷺ مَسَحَ رَأْسَهُ، مَا أَقْبَلَ مِنْهُ وَمَا أَدْبَرَ وَصُدْغَيْهِ وَأُذُنَيْهِ مَرَّةً وَاحِدَةً". وَرَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ، "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَسَحَ رَأْسَهُ وَأُذُنَيْهِ ظَاهِرَهُمَا وَبَاطِنَهُمَا. " وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَحَدِيثُ الرُّبَيِّعِ صَحِيحَانِ. وَرَوَى الْمِقْدَامُ بْنُ مَعْدِي كَرِبَ. "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَسَحَ بِرَأْسِهِ وَأُذُنَيْهِ، وَأَدْخَلَ إصْبَعَيْهِ فِي صِمَاخَيْ أُذُنَيْهِ. " رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. فَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُدْخِلَ سَبَّابَتَيْهِ فِي صِمَاخَيْ أُذُنَيْهِ، وَيَمْسَحَ ظَاهِرَ أُذُنَيْهِ بِإِبْهَامَيْهِ. وَلَا يَجِبُ مَسْحُ مَا اسْتَتَرَ بِالْغَضَارِيفِ؛ لِأَنَّ الرَّأْسَ الَّذِي هُوَ الْأَصْلُ لَا يَجِبُ مَسْحُ مَا اسْتَتَرَ مِنْهُ بِالشَّعْرِ، وَالْأُذُنُ أَوْلَى» اهـ. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في [شرح العمدة] (١/ ١٩٠ - ١٩٢): «ولأنَّ الذين وصفوا وضوء رسول الله ﷺ ذكروا أنَّه مسح رأسه وأذنيه، قال ابن عباس: بغرفة واحدة ولم يذكروا أنه أخذ لهما ماء جديداً. قال ابن المنذر: "مسحهما بماء جديد غير موجود في الأخبار عن النبي ﷺ ". ولأنَّ الله سبحانه إنَّما أمر بمسح الرأس وفعله ﷺ خرج امتثالاً للأمر وتفسيراً للمجمل فعلم أنَّ الرأس المذكور في القرآن هو ما مسحه صلى الله

стр. 142

عليه وسلم يريد بذلك أنهما عضوان متصلان بالرأس إيصال خلقة فكانا منه كالنزعتين؛ وذلك لأنَّ البياض الذي فوق الأذن هو من الرأس؛ لأنَّ الموضحة يثبت حكمها فيه، وهي لا تكون إلَّا في رأس أو وجه وليس من الوجه فتكون من الرأس، لكن هل الأفضل أن يمسحها بماء الرأس أو يأخذ لهما ماء جديداً؟ على روايتين؛ إحداهما أنَّ الأفضل مسحهما بماء جديد؛ لأنَّ عبد الله بن عمر ﵄ كان يأخذ الماء بأصبعيه لأذنيه. رواه مالك في الموطأ؛ ولأنَّهما لا يشبهان الرأس خلقة ولا يدخلان في مطلقه؛ فأفردا عنه بماء وإن كانا منه كداخل الفم والأنف، ومعنى هذا ألا يمسحا إلَّا بماء جديد. وذكر القاضي عبد الوهاب وابن حامد أنهما يمسحان بماء جديد بعد أن يمسحا بماء الرأس وليس بشيء؛ لأنَّ فيه تفضيلاً لهما على الرأس؛ ولأنَّ ذلك خلاف المأثور عن النبي ﷺ وأصحابه. والثانية: مسحهما بماء الرأس أفضل؛ لأنَّ الذين وصفوا وضوء رسول الله ﷺ ذكروا أنَّه مسح رأسه وأذنيه بماء واحد، وما نقل خلاف ذلك محمول على أنَّ اليد لم يبق فيها بلل، وحينئذ يستحب أخذ ماء جديد لهما، ويفارق الفم والأنف؛ لأنهما يغسلان قبله ولا يكفيهما مع الوجه ماء واحد، والسنة مسح ظاهرهما وباطنهما وأن يدخل سباحتيه في صماخهما ويمسح بإبهاميه ظاهرهما؛ لأن ذلك منقول عن النبي ﷺ » اهـ. قلت: ويسقط مسح الأذنين عند المسح على العمامة.

стр. 143

قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في [شرح العمدة] (١/ ٢٦٥): «ولايجب مسح الأذنين على الروايتين لأنَّه لم ينقل عنه مع مسح العمامة ولأنَّهما من الأصل تبعاً وقد انتقل الفرض عنه إلى غيره، ولأنَّه عضو يسقط في التيمم وجاء طهوره في القرآن بلفظ المسح فشرع المسح على لباسه كالرجلين وأولى لأنَّ السمح إلى المسح أقرب من المسح على الغسل ولأنَّ الغالب أنَّه مستور بلباسه واستيعابه يشق، ولأنَّ العمامة محل لتكميل وظيفة المسح فكانت محلاً للمسح المجزئ كجوانب الرأس وعكسه مسح باطن الخف» اهـ. قلت: والعنق ليس من الرأس فلا يستحب مسحه على الصحيح. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في [شرح العمدة] (١/ ١٩٣ - ١٩٤): «ويستحب مسح العنق في إحدى الروايتين؛ لما روى الإمام أحمد في المسند عن طلحة بن مصرف عن أبيه عن جده أنه رأى النبي ﷺ «يمسح رأسه حتى بلغ القذال وما يليه من مقدم العنق». وحكى الإمام أحمد عن أبي هريرة أنه مسح وقال: "هو موضع الغل". والثانية: لا يستحب وهو أظهر؛ لأنَّ الذين وصفوا وضوء رسول الله ﷺ لم يذكروه، ولو كان مسنوناً لتكرر منه فنقلوه؛ ولأنَّه ليس من الرأس حقيقة ولا حكماً، والحديث قد طعن فيه سفيان بن عيينة وأحمد، وغيرهما، ولعله قد فعل ذلك مرة لغرض؛ إذ لو داوم عليه لنقله مثل عثمان وعلي» اهـ.

стр. 144

وقال العلامة ابن القيم ﵀ في [زاد المعاد] (١/ ١٨٧): «وَلَمْ يَثْبُتْ عَنْهُ أَنَّهُ أَخَذَ لَهُمَا مَاءً جَدِيدًا، وَإِنَّمَا صَحَّ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ. وَلَمْ يَصِحَّ عَنْهُ فِي مَسْحِ الْعُنُقِ حَدِيثٌ الْبَتَّةَ» اهـ. وقال العلامة النووي ﵀ في [روضة الطالبين] (١/ ٦١): «الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: مَسْحُ الرَّقَبَةِ. وَهَلْ هُوَ سُنَّةٌ، أَمْ أَدَبٌ؟ فِيهِ وَجْهَانِ. وَالسُّنَّةُ وَالْأَدَبُ يَشْتَرِكَانِ فِي أَصْلِ الِاسْتِحْبَابِ، لَكِنَّ السُّنَّةَ يَتَأَكَّدُ شَأْنُهَا، وَالْأَدَبُ دُونَ ذَلِكَ. ثُمَّ الْأَكْثَرُونَ، عَلَى أَنَّهُ يَمْسَحُ بِبَاقِي بَلَلِ الرَّأْسِ، أَوِ الْأُذُنِ، وَقِيلَ: بِمَاءٍ جَدِيدٍ. قُلْتُ: وَذَهَبَ كَثِيرُونَ مِنْ أَصْحَابِنَا، إِلَى أَنَّهَا لَا تُمْسَحُ، لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ فِيهَا شَيْءٌ أَصْلًا، وَلِهَذَا لَمْ يَذْكُرْهُ الشَّافِعِيُّ وَمُتَقَدِّمُو الْأَصْحَابِ. وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ» اهـ. ٩ - قوله: (ثُمَّ غَسَلَ كِلْتَا رِجْلَيْهِ ثَلاثًا) فيه استحباب التثليث في غسل الرجلين. ومنتهى غسل الرجلين إلى الكعبين، ويدخل الكعبان في الغسل لأنَّ النبي ﷺ توضأ حتى شرع في الساق. ويستحب تخليل أصابع الرجلين إذا كان الماء يصل إلى ما بين الأصابع وإلَّا فيجب. وقد جاء في التخليل ما رواه أحمد (١٨٠٣٩)، وأبو داود (١٤٨)، والترمذي (٤٠)، وابن ماجه (٤٤٦) من طريق ابْنِ لَهِيعَةَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي عَبْدِ

стр. 145

الرَّحْمَنِ الْحُبُلِيِّ، عَنِ الْمُسْتَوْرِدِ بْنِ شَدَّادٍ، قَالَ: «رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ إِذَا تَوَضَّأَ يَدْلُكُ أَصَابِعَ رِجْلَيْهِ بِخِنْصَرِهِ». قلت: ابن لهيعة متابع تابعه الليث بن سعد، وعمرو بن الحارث عند البيهقي في [الكبرى] (٣٦٤) فالحديث صحيح. وروى أبو داود (١٤٢)، والترمذي (٧٨٨)، والنسائي (١١٤)، وابن ماجه (٤٤٨) عَنْ لَقِيطِ بْنِ صَبْرَةَ، قَالَ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَخْبِرْنِي، عَنِ الْوُضُوءِ، قَالَ: «أَسْبِغِ الْوُضُوءَ، وَخَلِّلْ بَيْنَ الأَصَابِعِ، وَبَالِغْ فِي الاِسْتِنْشَاقِ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ صَائِمًا». ويستحب أيضاً تخليل أصابع اليدين لما رواه أحمد (٢٦٠٤)، والترمذي (٣٩)، وابن ماجه (٤٤٧) من طريق عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ صَالِحٍ مَوْلَى التَّوْأَمَةِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «إِذَا تَوَضَّأْتَ فَخَلِّلْ بَيْنَ أَصَابِعِ يَدَيْكَ وَرِجْلَيْكَ». قلت: هذ حديث حسن. قال الترمذي في [العلل الكبير] (ص: ٣٤): «سَأَلْتُ مُحَمَّدًا عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ فَقَالَ: هُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ، وَمُوسَى بْنُ عُقْبَةَ سَمِعَ مِنَ صَالِحٍ مَوْلَى التَّوْأَمَةِ قَدِيمًا وَكَانَ أَحْمَدُ يَقُولُ: مَنْ سَمِعَ مِنْ صَالِحٍ قَدِيمًا فَسَمَاعُهُ حَسَنٌ، وَمَنْ سَمِعَ مِنْهُ أَخِيرًا فَكَأَنَّهُ يُضَعِّفُ سَمَاعَهُ» اهـ.
следующие страницы →