← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 30178

تحفة السائل في بيان ما في عمدة الأحكام من المسائل

أبو بكر الحمادي

Полный текст (8 095 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

بَعْضِهِ، وَالْأَوْلَى مَسْحُهُمَا مَعَهُ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَسَحَهُمَا مَعَ رَأْسِهِ، فَرَوَتْ "الرُّبَيِّعُ، أَنَّهَا رَأَتْ النَّبِيَّ ﷺ مَسَحَ رَأْسَهُ، مَا أَقْبَلَ مِنْهُ وَمَا أَدْبَرَ وَصُدْغَيْهِ وَأُذُنَيْهِ مَرَّةً وَاحِدَةً". وَرَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ، "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَسَحَ رَأْسَهُ وَأُذُنَيْهِ ظَاهِرَهُمَا وَبَاطِنَهُمَا. " وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَحَدِيثُ الرُّبَيِّعِ صَحِيحَانِ. وَرَوَى الْمِقْدَامُ بْنُ مَعْدِي كَرِبَ. "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَسَحَ بِرَأْسِهِ وَأُذُنَيْهِ، وَأَدْخَلَ إصْبَعَيْهِ فِي صِمَاخَيْ أُذُنَيْهِ. " رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. فَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُدْخِلَ سَبَّابَتَيْهِ فِي صِمَاخَيْ أُذُنَيْهِ، وَيَمْسَحَ ظَاهِرَ أُذُنَيْهِ بِإِبْهَامَيْهِ. وَلَا يَجِبُ مَسْحُ مَا اسْتَتَرَ بِالْغَضَارِيفِ؛ لِأَنَّ الرَّأْسَ الَّذِي هُوَ الْأَصْلُ لَا يَجِبُ مَسْحُ مَا اسْتَتَرَ مِنْهُ بِالشَّعْرِ، وَالْأُذُنُ أَوْلَى» اهـ. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في [شرح العمدة] (١/ ١٩٠ - ١٩٢): «ولأنَّ الذين وصفوا وضوء رسول الله ﷺ ذكروا أنَّه مسح رأسه وأذنيه، قال ابن عباس: بغرفة واحدة ولم يذكروا أنه أخذ لهما ماء جديداً. قال ابن المنذر: "مسحهما بماء جديد غير موجود في الأخبار عن النبي ﷺ ". ولأنَّ الله سبحانه إنَّما أمر بمسح الرأس وفعله ﷺ خرج امتثالاً للأمر وتفسيراً للمجمل فعلم أنَّ الرأس المذكور في القرآن هو ما مسحه صلى الله

стр. 142

عليه وسلم يريد بذلك أنهما عضوان متصلان بالرأس إيصال خلقة فكانا منه كالنزعتين؛ وذلك لأنَّ البياض الذي فوق الأذن هو من الرأس؛ لأنَّ الموضحة يثبت حكمها فيه، وهي لا تكون إلَّا في رأس أو وجه وليس من الوجه فتكون من الرأس، لكن هل الأفضل أن يمسحها بماء الرأس أو يأخذ لهما ماء جديداً؟ على روايتين؛ إحداهما أنَّ الأفضل مسحهما بماء جديد؛ لأنَّ عبد الله بن عمر ﵄ كان يأخذ الماء بأصبعيه لأذنيه. رواه مالك في الموطأ؛ ولأنَّهما لا يشبهان الرأس خلقة ولا يدخلان في مطلقه؛ فأفردا عنه بماء وإن كانا منه كداخل الفم والأنف، ومعنى هذا ألا يمسحا إلَّا بماء جديد. وذكر القاضي عبد الوهاب وابن حامد أنهما يمسحان بماء جديد بعد أن يمسحا بماء الرأس وليس بشيء؛ لأنَّ فيه تفضيلاً لهما على الرأس؛ ولأنَّ ذلك خلاف المأثور عن النبي ﷺ وأصحابه. والثانية: مسحهما بماء الرأس أفضل؛ لأنَّ الذين وصفوا وضوء رسول الله ﷺ ذكروا أنَّه مسح رأسه وأذنيه بماء واحد، وما نقل خلاف ذلك محمول على أنَّ اليد لم يبق فيها بلل، وحينئذ يستحب أخذ ماء جديد لهما، ويفارق الفم والأنف؛ لأنهما يغسلان قبله ولا يكفيهما مع الوجه ماء واحد، والسنة مسح ظاهرهما وباطنهما وأن يدخل سباحتيه في صماخهما ويمسح بإبهاميه ظاهرهما؛ لأن ذلك منقول عن النبي ﷺ » اهـ. قلت: ويسقط مسح الأذنين عند المسح على العمامة.

стр. 143

قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في [شرح العمدة] (١/ ٢٦٥): «ولايجب مسح الأذنين على الروايتين لأنَّه لم ينقل عنه مع مسح العمامة ولأنَّهما من الأصل تبعاً وقد انتقل الفرض عنه إلى غيره، ولأنَّه عضو يسقط في التيمم وجاء طهوره في القرآن بلفظ المسح فشرع المسح على لباسه كالرجلين وأولى لأنَّ السمح إلى المسح أقرب من المسح على الغسل ولأنَّ الغالب أنَّه مستور بلباسه واستيعابه يشق، ولأنَّ العمامة محل لتكميل وظيفة المسح فكانت محلاً للمسح المجزئ كجوانب الرأس وعكسه مسح باطن الخف» اهـ. قلت: والعنق ليس من الرأس فلا يستحب مسحه على الصحيح. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في [شرح العمدة] (١/ ١٩٣ - ١٩٤): «ويستحب مسح العنق في إحدى الروايتين؛ لما روى الإمام أحمد في المسند عن طلحة بن مصرف عن أبيه عن جده أنه رأى النبي ﷺ «يمسح رأسه حتى بلغ القذال وما يليه من مقدم العنق». وحكى الإمام أحمد عن أبي هريرة أنه مسح وقال: "هو موضع الغل". والثانية: لا يستحب وهو أظهر؛ لأنَّ الذين وصفوا وضوء رسول الله ﷺ لم يذكروه، ولو كان مسنوناً لتكرر منه فنقلوه؛ ولأنَّه ليس من الرأس حقيقة ولا حكماً، والحديث قد طعن فيه سفيان بن عيينة وأحمد، وغيرهما، ولعله قد فعل ذلك مرة لغرض؛ إذ لو داوم عليه لنقله مثل عثمان وعلي» اهـ.

стр. 144

وقال العلامة ابن القيم ﵀ في [زاد المعاد] (١/ ١٨٧): «وَلَمْ يَثْبُتْ عَنْهُ أَنَّهُ أَخَذَ لَهُمَا مَاءً جَدِيدًا، وَإِنَّمَا صَحَّ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ. وَلَمْ يَصِحَّ عَنْهُ فِي مَسْحِ الْعُنُقِ حَدِيثٌ الْبَتَّةَ» اهـ. وقال العلامة النووي ﵀ في [روضة الطالبين] (١/ ٦١): «الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: مَسْحُ الرَّقَبَةِ. وَهَلْ هُوَ سُنَّةٌ، أَمْ أَدَبٌ؟ فِيهِ وَجْهَانِ. وَالسُّنَّةُ وَالْأَدَبُ يَشْتَرِكَانِ فِي أَصْلِ الِاسْتِحْبَابِ، لَكِنَّ السُّنَّةَ يَتَأَكَّدُ شَأْنُهَا، وَالْأَدَبُ دُونَ ذَلِكَ. ثُمَّ الْأَكْثَرُونَ، عَلَى أَنَّهُ يَمْسَحُ بِبَاقِي بَلَلِ الرَّأْسِ، أَوِ الْأُذُنِ، وَقِيلَ: بِمَاءٍ جَدِيدٍ. قُلْتُ: وَذَهَبَ كَثِيرُونَ مِنْ أَصْحَابِنَا، إِلَى أَنَّهَا لَا تُمْسَحُ، لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ فِيهَا شَيْءٌ أَصْلًا، وَلِهَذَا لَمْ يَذْكُرْهُ الشَّافِعِيُّ وَمُتَقَدِّمُو الْأَصْحَابِ. وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ» اهـ. ٩ - قوله: (ثُمَّ غَسَلَ كِلْتَا رِجْلَيْهِ ثَلاثًا) فيه استحباب التثليث في غسل الرجلين. ومنتهى غسل الرجلين إلى الكعبين، ويدخل الكعبان في الغسل لأنَّ النبي ﷺ توضأ حتى شرع في الساق. ويستحب تخليل أصابع الرجلين إذا كان الماء يصل إلى ما بين الأصابع وإلَّا فيجب. وقد جاء في التخليل ما رواه أحمد (١٨٠٣٩)، وأبو داود (١٤٨)، والترمذي (٤٠)، وابن ماجه (٤٤٦) من طريق ابْنِ لَهِيعَةَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي عَبْدِ

стр. 145

الرَّحْمَنِ الْحُبُلِيِّ، عَنِ الْمُسْتَوْرِدِ بْنِ شَدَّادٍ، قَالَ: «رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ إِذَا تَوَضَّأَ يَدْلُكُ أَصَابِعَ رِجْلَيْهِ بِخِنْصَرِهِ». قلت: ابن لهيعة متابع تابعه الليث بن سعد، وعمرو بن الحارث عند البيهقي في [الكبرى] (٣٦٤) فالحديث صحيح. وروى أبو داود (١٤٢)، والترمذي (٧٨٨)، والنسائي (١١٤)، وابن ماجه (٤٤٨) عَنْ لَقِيطِ بْنِ صَبْرَةَ، قَالَ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَخْبِرْنِي، عَنِ الْوُضُوءِ، قَالَ: «أَسْبِغِ الْوُضُوءَ، وَخَلِّلْ بَيْنَ الأَصَابِعِ، وَبَالِغْ فِي الاِسْتِنْشَاقِ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ صَائِمًا». ويستحب أيضاً تخليل أصابع اليدين لما رواه أحمد (٢٦٠٤)، والترمذي (٣٩)، وابن ماجه (٤٤٧) من طريق عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ صَالِحٍ مَوْلَى التَّوْأَمَةِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «إِذَا تَوَضَّأْتَ فَخَلِّلْ بَيْنَ أَصَابِعِ يَدَيْكَ وَرِجْلَيْكَ». قلت: هذ حديث حسن. قال الترمذي في [العلل الكبير] (ص: ٣٤): «سَأَلْتُ مُحَمَّدًا عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ فَقَالَ: هُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ، وَمُوسَى بْنُ عُقْبَةَ سَمِعَ مِنَ صَالِحٍ مَوْلَى التَّوْأَمَةِ قَدِيمًا وَكَانَ أَحْمَدُ يَقُولُ: مَنْ سَمِعَ مِنْ صَالِحٍ قَدِيمًا فَسَمَاعُهُ حَسَنٌ، وَمَنْ سَمِعَ مِنْهُ أَخِيرًا فَكَأَنَّهُ يُضَعِّفُ سَمَاعَهُ» اهـ.

стр. 146

قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في [شرح العمدة] (١/ ١٩٨) ولأنَّها تضم غالباً عند أخذه الماء» اهـ. وقال العلامة الماوردي ﵀ في [الحاوي الكبير] (١/ ١٢٩): «وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَإِنْ كَانَتْ أَصَابِعُهُ مُتَضَايِقَةً أَوْ مُتَرَاكِبَةً لَا يَصِلُ الْمَاءُ إِلَى مَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالتَّخْلِيلِ فَالتَّخْلِيلُ وَاجِبٌ، وَإِنْ كَانَتْ مُتَفَرِّقَةً يَصِلُ الْمَاءُ إِلَى مَا بَيْنَهَا بِغَيْرِ تَخْلِيلٍ فَالتَّخْلِيلُ سُنَّةٌ فَيَبْدَأُ فِي تَخْلِيلِ أَصَابِعِهِ الْيُمْنَى مِنْ خِنْصَرِهِ إِلَى إِبْهَامِهِ ثُمَّ بِالْيُسْرَى مِنْ إِبْهَامِهِ إِلَى خِنْصَرِهِ لِيَكُونَ تَخْلِيلُهَا نَسَقًا عَلَى الْوَلَاءِ وَكَيْفَمَا خَلَّلَهُمَا وَأَوْصَلَ الْمَاءَ إِلَيْهِمَا أَجْزَأَهُ» اهـ. وقال العلامة النووي ﵀ في [المجموع] (١/ ٤٢٥): «وأمَّا كيفية التخليل فقال الخراسانيون يخلل بخنصر يده اليسرى ويكون من أسفل القدم مبتدئاً بخنصر رجله اليمنى ويختم بخنصر اليسرى ممن ذكره هكذا القاضي حسين والغزالي والبغوي والمتولي وصاحب العدة وغيرهم وقال القاضي ابو الطيب في "تعليه": يستحب أن يخلل بخنصر يده اليمنى من تحت الرجل. وقال إمام الحرمين: لست أرى لتعيين اليد اليمنى أو اليسرى في ذلك أصلاً إلَّا النهي عن الاستنجاء باليمين وليس تخليل الأصابع مشابهاً له فلا حجر على المتوضئ في استعمال اليمين أو اليسار فإنَّ الأمر كذلك في غسل الرجلين وخلل الأصابع جزء منها ولم يثبت عندي في تعيين إحدى اليدين شئ وذكر الغزالي في البسيط أن مستند الأصحاب في تعيين اليسرى الاستنجاء ثم ذكر قول إمام

стр. 147

الحرمين وذكر الرافعي هذا المشهور عن الخراسانيين من استحباب خنصر اليسرى ونقله عن معظم الأئمة ثم حكي عن أبي ظاهر الزيادي أنَّه قال: يخلل ما بين كل أصبعين من أصابع رجليه بأصبع من أصابع يده ليكون بماء جديد ويترك الإبهامين فلا يخلل بهنا لما فيه من العسر. فحصل من مجموع هذا أنَّ التخليل من أسفل الرجل ويبدأ من خنصر اليمين وفي الأصبع التي يخلل بها أوجه الأشهر أنَّها خنصر اليسرى، والثاني خنصر اليمنى قال القاضي أبو الطيب. الثالث: قول أبي طاهر. الرابع: قول الإمام أنَّه لا يتعين في استحباب ذلك يد وهو الراجح المختار هذا حكم تخليل أصابع الرجلين. وأمَّا أصابع اليدين فلم يتعرض له الجمهور وجاء فيه حديث ابن عباس الذي قد مناه ونقل الترمذي استحباب تخليلهما عن إسحاق بن راهويه قال الرافعي سكت الجمهور عنه وقال ابن كج يستحب لحديث لقيط فإن الأصابع تشملها وحديث ابن عباس قال وعلى هذا يكون تخليلهما بالتشبيك بينهما والله أعلم» اهـ. قلت: الأظهر مشروعية التخليل باليمنى واليسرى، وذلك أنَّ اليد اليمنى تستعمل في غسل الحدث كغسل الوجه واليدين ومسح الرأس، وإنَّما تستعمل اليسرى في إزالة الأنجاس والأقذار. والله أعلم.

стр. 148

ويلزم إدخال المال إلى شقوق الرجل لأنَّ ذلك في حكم الظاهر، وهذا في الشقوق اليسيرة التي لا تتجاوز الجلد إلى اللحم، وما تجاوز ذلك فهو في حكم الباطن، وما كان عازلاً من وصول الماء إلى البشرة وجب إزالته، وما كان من الشحم الذي يمنع من وصول الماء إلى العضو فيزال، وما لا يمنع فلا تجب إزالته. قال العلامة النووي ﵀ في [المجموع] (١/ ٤٢٦ - ٤٢٧): «قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵁ فِي "الْأُمِّ" وَالْأَصْحَابُ: إنْ كَانَتْ أَصَابِعُهُ مُلْتَحِمَةً بَعْضُهَا فِي بَعْضٍ لَا يَلْزَمُهُ شَقُّهَا بَلْ لَا يَجُوزُ لَكِنْ يَغْسِلُ مَا ظَهَرَ. قَالَ أَصْحَابُنَا: فَإِنْ كَانَ عَلَى رِجْلِهِ شُقُوقٌ وَجَبَ إيصَالُ الْمَاءِ بَاطِنَ تِلْكَ الشُّقُوقِ وَقَدْ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ مِثْلَهُ فِي فَصْلِ غَسْلِ الْيَدَيْنِ فَإِنْ شَكَّ فِي وُصُولِ الْمَاءِ إلَى بَاطِنِهَا أَوْ بَاطِنِ الْأَصَابِعِ لَزِمَهُ الْغَسْلُ ثَانِيًا حَتَّى يَتَحَقَّقَ الْوُصُولُ هَذَا إذا كان بعد فِي أَثْنَاءِ الْوُضُوءِ: فَأَمَّا إذَا شَكَّ بَعْدَ الْفَرَاغِ فَفِيهِ خِلَافٌ نَذْكُرُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي آخِرِ الْبَابِ فِي الْمَسَائِلِ الزَّائِدَةِ. قَالَ أَصْحَابُنَا: فَلَوْ أَذَابَ فِي شُقُوقِ رِجْلَيْهِ شَحْمًا أَوْ شَمْعًا أَوْ عَجِينًا أَوْ خَضَّبَهُمَا بِحِنَّاءٍ وَبَقِيَ جِرْمُهُ لَزِمَهُ إزَالَةُ عَيْنِهِ لِأَنَّهُ يَمْنَعُ وُصُولَ الْمَاءِ إلَى الْبَشَرَةِ فَلَوْ بَقِيَ لَوْنُ الْحِنَّاءَ دُونَ عَيْنِهِ لَمْ يَضُرَّهُ وَيَصِحُّ وُضُوءُهُ وَلَوْ كَانَ عَلَى أَعْضَائِهِ أَثَرُ دُهْنٍ مائع فتوضأ وأمس بالماء البشرة وجرى عليها ولم يثبت صح وضؤه لِأَنَّ ثُبُوتَ الْمَاءِ لَيْسَ بِشَرْطٍ صَرَّحَ بِهِ الْمُتَوَلِّي وَصَاحِبَا الْعُدَّةِ وَالْبَحْرِ وَغَيْرُهُمْ» اهـ. وقال ابن حجر الهيتمي ﵀ في [تحفة المحتاج] (١/ ٢١١):

стр. 149

«وَفِي "تَبْصِرَةِ" الْجُوَيْنِيِّ إنَّ شُقُوقَ الرِّجْلِ إذَا كَانَتْ يَسِيرَةً لَا تُجَاوِزُ الْجِلْدَ إلَى اللَّحْمِ وَالظَّاهِرَ إلَى الْبَاطِنِ وَجَبَ إيصَالُ الْمَاءِ إلَى جَمِيعِهَا، وَإِنْ فَحَشَتْ حَتَّى اتَّصَلَتْ بِالْبَاطِنِ لَمْ يَلْزَمْهُ إيصَالُ الْمَاءِ لِذَلِكَ الْبَاطِنِ، وَإِنَّمَا يَلْزَمُهُ مَا كَانَ فِي حَدِّ الظَّاهِرِ». قلت: والأظهر أنَّ الوسخ الذي يكون تحت الأظفار لا يمنع من صحة الوضوء لأنَّ ذلك الموضع ليس بموضع غسل. وفي ذلك نزاع بين العلماء. قال العلامة النووي ﵀ في [المجموع] (١/ ٤٦٨): «وَلَوْ كَانَ تَحْتَ أَظْفَارِهِ وَسَخٌ يَمْنَعُ وُصُولَ الْمَاءِ إلَى الْبَشَرَةِ لَمْ يَصِحَّ وُضُوءُهُ عَلَى الْأَصَحِّ» اهـ. وقال العلامة ابن قدامة ﵀ في [المغني] (١/ ٩٢): «فَصْلٌ: إذَا كَانَ تَحْتَ أَظْفَارِهِ وَسَخٌ يَمْنَعُ وُصُولَ الْمَاءِ إلَى مَا تَحْتَهُ، فَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ لَا تَصِحُّ طَهَارَتُهُ حَتَّى يُزِيلَهُ؛ لِأَنَّهُ مَحَلٌّ مِنْ الْيَدِ اسْتَتَرَ بِمَا لَيْسَ مِنْ خِلْقَةِ الْأَصْلِ سَتْرًا مَنَعَ إيصَالَ الْمَاءِ إلَيْهِ، مَعَ إمْكَانِ إيصَالِهِ وَعَدَمِ الضَّرَرِ بِهِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ كَانَ عَلَيْهِ شَمْعٌ أَوْ غَيْرُهُ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَلْزَمَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ هَذَا يَسْتُرُ عَادَةً، فَلَوْ كَانَ غَسْلُهُ وَاجِبًا لَبَيَّنَهُ النَّبِيُّ ﷺ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ تَأْخِيرُ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ، وَقَدْ

стр. 150

عَابَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَيْهِمْ كَوْنَهُمْ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِ قُلْحًا، وَرَفَعَ أَحَدِهِمْ بَيْن أُنْمُلَتِهِ وَظُفْرِهِ. يَعْنِي أَنَّ وَسَخَ أَرْفَاغِهِمْ تَحْت أَظْفَارِهِمْ يَصِلُ إلَيْهِ رَائِحَةُ نَتِنهَا، فَعَابَ عَلَيْهِمْ نَتِن رِيحِهَا، لَا بُطْلَانَ طَهَارَتهمْ، وَلَوْ كَانَ مُبْطِلًا لِلطَّهَارَةِ كَانَ ذَلِكَ أَهَمَّ مِنْ نَتْنِ الرِّيحِ، فَكَانَ أَحَقَّ بِالْبَيَانِ؛ وَلِأَنَّ هَذَا يَسْتَتِرُ عَادَةً، أَشْبَهَ مَا يَسْتُرُهُ الشَّعْرُ مِنْ الْوَجْهِ» اهـ. ٩ - فيه استحباب صلاة ركعتين عقب الوضوء. ١٠ - وقوله ﷺ : (لا يُحَدِّثُ فِيهِمَا نَفْسَهُ)، فالمراد لا يحدث نفسه بشيء من أمور الدنيا، وما لا يتعلق بالصلاة. ١١ - قوله: (غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ) ظاهره يعم الكبائر والصغائر؛ لكن خصه كثير من العلماء بالصغائر. قال الحافظ ابن رجب ﵀ في [جامع العلوم والحكم] ص (٣٩): «وقد اختلف الناس في مسألتين: إحداهما: هل تكفر الأعمال الصالحة الكبائر والصغائر أم لا تكفر سوى الصغائر؟ فمنهم من قال: لا تكفر سوى الصغائر، وقد روي هذا عن عطاء، وغيره من السلف في الوضوء أنَّه يكفر الصغائر، وقال سلمان الفارسي في الوضوء: إنَّه يكفر الجراحات الصغار، والمشي إلى المسجد يكفر أكبر من ذلك، والصلاة تكفر أكبر من ذلك. خرجه محمد بن نصر المروزي.

стр. 151

وأمَّا الكبائر، فلابد لها من التوبة؛ لأنَّ الله أمر العباد بالتوبة، وجعل من لم يتب ظالماً، واتفقت الأمة على أنَّ التوبة فرض، والفرائض لا تؤدى إلَّا بنية وقصد، ولو كانت الكبائر تقع مكفرة بالوضوء والصلاة، وأداء بقية أركان الإسلام، لم يحتج إلى التوبة، وهذا باطل بالإجماع. وأيضاً فلو كفرت الكبائر بفعل الفرائض لم يبق لأحد ذنب يدخل به النار إذا أتى بالفرائض، وهذا يشبه قول المرجئة وهو باطل، هذا ما ذكره ابن عبد البر في كتابه " التمهيد " وحكى إجماع المسلمين على ذلك، واستدل عليه بأحاديث: منها: قول النبي ﷺ : "الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهن ما اجتنبت الكبائر". وهو مخرج في الصحيحين من حديث أبي هريرة، وهذا يدل على أنَّ الكبائر لا تكفرها هذه الفرائض. وقد حكى ابن عطية في "تفسيره" في معنى هذا الحديث قولين: أحدهما: - وحكاه عن جمهور أهل السنة -: أنَّ اجتناب الكبائر شرط لتكفير هذه الفرائض للصغائر، فإن لم تجتنب، لم تكفر هذه الفرائض شيئاً بالكلية. والثاني: أنها تكفر الصغائر مطلقاً، ولا تكفر الكبائر وإن وجدت، لكن بشرط التوبة من الصغائر، وعدم الإصرار عليها، ورجح هذا القول، وحكاه عن الحذاق.

стр. 152

وقوله: بشرط التوبة من الصغائر، وعدم الإصرار عليها، مراده أنَّه إذا أصر عليها، صارت كبيرة، فلم تكفرها الأعمال. والقول الأول الذي حكاه غريب، مع أنَّه قد حكي عن أبي بكر عبد العزيز بن جعفر من أصحابنا مثله. وفي صحيح مسلم عن عثمان، عن النبي ﷺ قال: "ما من امرئ مسلم تحضره صلاة مكتوبة، فيحسن وضوءها وخشوعها وركوعها إلاَّ كانت كفارة لما قبلها من الذنوب ما لم يؤت كبيرة، وذلك الدهر كله". وفي "مسند" الإمام أحمد عن سلمان، عن النَّبي ﷺ قال: "لا يتطهر الرجل -يعني: يوم الجمعة- فيحسن طهوره، ثم يأتي الجمعة فينصت حتى يقضي الإمام صلاته، إلاَّ كان كفارة ما بينه وبين الجمعة المقبلة ما اجتنبت الكبائر المقتلة". وخرج النسائي، وابن حبان، والحاكم من حديث أبي سعيد وأبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "والذي نفسي بيده ما من عبد يصلي الصلوات الخمس، ويصوم رمضان، ويخرج الزكاة، ويجتنب الكبائر السبع، إلاَّ فتحت له أبواب الجنة، ثم قيل له: ادخل بسلام". وخرج الإمام أحمد، والنسائي من حديث أبي أيوب، عن النبي ﷺ معناه أيضاً. وخرج الحاكم معناه من حديث عبيد بن عمير، عن أبيه، عن النبي ﷺ .

стр. 153

ويروى من حديث ابن عمر مرفوعاً: "يقول الله : ابن آدم اذكرني من أول النهار ساعة، ومن آخر النهار ساعة، أغفر لك ما بين ذلك، إلاَّ الكبائر، أو تتوب منها". وقال ابن مسعود: الصلوات الخمس كفارات لما بينهن ما اجتنبت الكبائر. وقال سلمان: حافظوا على هذه الصلوات الخمس، فإنَّهن كفارات لهذه الجراح ما لم تصب المقتلة. قال ابن عمر لرجل: أتخاف النار أن تدخلها، وتحب الجنة أن تدخلها؟ قال: نعم، قال: بر أمك فو الله لئن ألنت لها الكلام، وأطعمتها الطعام، لتدخلن الجنة ما اجتنبت الموجبات. وقال قتادة: إنَّما وعد الله المغفرة لمن اجتنب الكبائر، وذكر لنا أنَّ النَّبي ﷺ قال: "اجتنبوا الكبائر، وسددوا وأبشروا". وذهب قوم من أهل الحديث وغيرهم إلى أنَّ هذه الأعمال تكفر الكبائر، ومنهم: ابن حزم الظاهري، وإياه عنى ابن عبد البر في كتاب "التمهيد" بالرد عليه وقال: قد كنت أرغب بنفسي عن الكلام في هذا الباب، لولا قول ذلك القائل، وخشيت أن يغتر به جاهل، فينهمك في الموبقات، اتكالاً على أنَّها تكفرها الصلوات دون الندم، والاستغفار والتوبة، والله نسأله العصمة والتوفيق».

стр. 154

وممن خالف في هذه المسألة شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ فقال كما [مجموع الفتاوى] (٧/ ٤٨٩ - ٤٩٣): «وسؤالهم على هذا الوجه أن يقولوا: الحسنات إنَّما تكفر الصغائر فقط، فأمَّا الكبائر فلا تغفر إلاَّ بالتوبة، كما قد جاء في بعض الأحاديث: "ما اجتنبت الكبائر"، فيجاب عن هذا بوجوه: أحدها: أنَّ هذا الشرط جاء في الفرائض، كالصلوات الخمس، والجمعة، وصيام رمضان، وذلك أنَّ الله تعالى يقول: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ (٣١)﴾ فالفرائض مع ترك الكبائر مقتضية لتكفير السيئات، وأمَّا الأعمال الزائدة من التطوعات، فلابد أن يكون لها ثواب آخر، فإنَّ الله سبحانه يقول: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)﴾. الثاني: أنَّه قد جاء التصريح في كثير من الأحاديث بأنَّ المغفرة قد تكون مع الكبائر كما في قوله: "غفر له وإن كان فر من الزحف"، وفي السنن: أتينا رسول الله في صاحب لنا قد أوجب فقال: "اعتقوا عنه يعتق الله بكل عضو منه عضواً منه من النار"، وفى الصحيحين في حديث أبي ذر: "وإن زنا وإن سرق". الثالث: أنَّ قوله لأهل بدر ونحوهم: "اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم" إن حمل على الصغائر، أو على المغفرة مع التوبة لم يكن فرق بينهم وبين غيرهم، فكما لا

стр. 155

يجوز حمل الحديث على الكفر لما قد علم أنَّ الكفر لا يغفر إلَّا بالتوبة لا يجوز حمله على مجرد الصغائر المكفرة باجتناب الكبائر. الرابع: أنَّه قد جاء في غير حديث أنَّ أول ما يحاسب عليه العبد من عمله يوم القيامة الصلاة فإن أكملها وإلَّا قيل: أنظروا هل له من تطوع فإن كان له تطوع أكملت به الفريضة، ثم يصنع بسائر أعماله، كذلك ومعلوم أن ذلك النقص المكمل لا يكون لترك مستحب فإنَّ ترك المستحب لا يحتاج إلى جبران، ولأنَّه حينئذ لا فرق بين ذلك المستحب المتروك، والمفعول، فعلم أنَّه يكمل نقص الفرائض من التطوعات وهذا لا ينافى من أنَّ الله لا يقبل النافلة حتى تؤدى الفريضة مع أنَّ هذا لو كان معارضاً للأول لوجب تقديم الأول لأنَّه أثبت، وأشهر، وهذا غريب رفعه، وإنَّما المعروف أنَّه في وصية أبي بكر لعمر، وقد ذكره أحمد في رسالته في "الصلاة". وذلك لأنَّ قبول النافلة يراد به الثواب عليها، ومعلوم أنَّه لا يثاب على النافلة حتى تؤدى الفريضة فإنَّه إذا فعل النافلة مع نقص الفريضة كانت جبراً لها وإكمالاً لها، فلم يكن فيها ثواب نافلة، ولهذا قال بعض السلف النافلة لا تكون إلاَّ لرسول الله لأنَّ الله قد غفر له ما تقدم من ذنبه، وما تأخر، وغيره يحتاج إلى المغفرة، وتأول على هذا قوله ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً (٧٩)﴾ [الإسراء: ٧٩]،

стр. 156

وليس إذا فعل نافلة وضيع فريضة تقوم النافلة مقام الفريضة مطلقاً، بل قد يكون عقوبته على ترك الفريضة أعظم من ثواب النافلة، فإن قيل العبد إذا نام عن صلاة، أو نسيها كان عليه أن يصليها إذا ذكرها بالنص، والإجماع، فلو كان لها بدل من التطوعات لم يجب القضاء. قيل: هذا خطأ، فإن قيل: هذا يقال في جميع مسقطات العقاب فيقال: إذا كان العبد يمكنه رفع العقوبة بالتوبة لم ينه عن الفعل، ومعلوم أنَّ العبد عليه أن يفعل المأمور ويترك المحظور، لأنَّ الإخلال بذلك سبب للذم والعقاب، وان جاز مع إخلاله أن يرتفع العقاب بهذه الأسباب، كما عليه أن يحتمي من السموم القاتلة وإن كان مع تناوله لها يمكن رفع ضررها بأسباب من الأدوية والله عليم حكيم رحيم، أمرهم بما يصلحهم، ونهاهم عمَّا يفسدهم، ثم إذا وقعوا في أسباب الهلاك لم يؤيسهم من رحمته، بل جعل لهم أسباباً يتوصلون بها إلى رفع الضرر عنهم، ولهذا قيل: إنَّ الفقيه كل الفقيه الذي لا يؤيس الناس من رحمة الله، ولا يجرئهم على معاصي الله، ولهذا يؤمر العبد بالتوبة كلما أذنب. قال بعضهم لشيخه: إني أذنب. قال: تب. قال: ثم أعود. قال: تب. قال: ثم أعود. قال: تب. قال: إلى متى؟ قال: إلى أن تحزن الشيطان. وفى المسند عن على عن النبي ﷺ أنَّه قال: "إنَّ الله يحب العبد المفتن التواب". وأيضاً فإنَّ من نام عن صلاة، أو نسيها فصلاته إذا استيقظ، أو ذكرها كفارة لها تبرأ بها الذمة من المطالبة ويرتفع عنه الذم، والعقاب، ويستوجب بذلك المدح،

стр. 157

والثواب، وأمَّا ما يفعله من التطوعات، فلا نعلم القدر الذي يقوم ثوابه مقام ذلك، ولو علم فقد لا يمكن فعله مع سائر الواجبات، ثم إذا قدر أنَّه أمر بما يقوم مقام ذلك صار واجباً، فلا يكون تطوعاً، والتطوعات شُرعت لمزيد التقرب الى الله كما قال تعالى فى الحديث الصحيح: "ما تقرب إلى عبدي بمثل أداء ما افترضت عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلى بالنوافل حتى أحبه" الحديث، فإذا لم يكن العبد قد أدى الفرائض كما أمر لم يحصل له مقصود النوافل، ولا يظلمه الله، فإنَّ الله لا يظلم مثقال ذرة بل يقيمها مقام نظيرها من الفرائض كمن عليه ديون لأناس يريد أن يتطوع لهم بأشياء، فإن وفاهم، وتطوع لهم كان عادلاً محسناً، وإن وفاهم، ولم يتطوع كان عادلاً، وإن أعطاهم ما يقوم مقام دينهم، وجعل ذلك تطوعاً كان غالطاً في جعله بل يكون من الواجب الذي يستحقونه». قلت: الحديث الذي أورده شيخ الإسلام بلفظ «غُفِرَ لَهُ وَإِنْ كَانَ فَرَّ مِنَ الزَّحْفِ». أخرجه أبو داود (١٥١٧)، والترمذي (٣٥٧٧) من طريق موسى بن إسماعيل حدثنا حفص بن عمر الشني حدثني أبي عمر بن مرة قال: سمعت بلال بن يسار بن زيد مولى النبي ﷺ حدثني أبي عن جدي- وهو زيد بن حارثة-.

стр. 158

سمع النبي ﷺ يقول: «مَنْ قَالَ أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ الَّذِى لَا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَىُّ الْقَيُّومُ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ غُفِرَ لَهُ وَإِنْ كَانَ فَرَّ مِنَ الزَّحْفِ». قال أبو عيسى: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه قلت: بلال، وأبوه مجهولان. والحديث حسن بشواهده. ورواه ابن أبي شيبة في [مصنفه] (ج ٦/ ص ٥٧) برقم (٢٩٤٤٩) فقال: حدثنا معاوية بن هشام حدثنا شريك عن أبي إسحاق عن معاذ بن جبل قال: «مَنْ قَالَ أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ الَّذِي لَا إلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ وَأَتُوبُ إلَيْهِ ثَلاثًا غُفِرَ لَهُ، وَإِنْ كَانَ فَرَّ مِنَ الزَّحْفِ». قلت: هذا إسناد ضعيف لضعف شريك وهو النخعي القاضي، وأبو إسحاق لم يدرك معاذاً فحديثه عنه مرسل. ورواه أيضاً (٢٩٤٥٠) فقال: حدثنا ابن نمير عن إسماعيل عن أبي سنان عن أبي الأحوص عن عبد الله بن مسعود قال: «مَنْ قَالَ أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ الَّذِي لَا إلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ وَأَتُوبُ إلَيْهِ ثَلاثًا غُفِرَ لَهُ، وَإِنْ كَانَ فَرَّ مِنَ الزَّحْفِ». قلت: هذا إسناد صحيح، وله حكم الرفع، ابن نمير هو: عبد الله بن نمير، وإسماعيل هو: ابن أبي خالد، وأبو سنان هو: ضرار بن مرة، وأبو الأحوص هو: عوف بن مالك بن نضلة. وأخرجه الطبراني في [المعجم الكبير] (ج ٩/ ص ١٠٣) برقم (٨٥٤١) فقال:

стр. 159

حدثنا محمد بن الصَّائغ ثنا سعيد بن منصور ثنا حُدَيْجُ بن معاوية عن أبي إسحاق عن عبد الرحمن بن عبد اللَّه عن عبد اللَّه بن مسعود قال. فذكره. قلت: حديج ضعيف الحديث. وروى الطبراني في [المعجم الصغير] (٨٣٩)، [والأوسط] (٧٩٥٤) فقال: حدثنا محمد بن يعقوب الأهوازي الخطيب، حدثنا يعقوب أبو يوسف القلوسي، حدثنا علي بن حميد الذهلي، حدثنا عمر بن فرقد البزار، عن عبد الله بن المختار، عن أبي إسحاق، عن البراء بن عازب قال: قال رسول الله ﷺ : «مَنْ قَالَ دُبُرَ كُلِّ صَلاةٍ: أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ الَّذِي لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ، وَأَتُوبُ إِلَيْهِ، غُفِرَ لَهُ، وَإِنْ كَانَ فَرَّ مِنَ الزَّحْفِ». لم يروه عن أبي إسحاق إلاَّ عبد الله بن المختار البصري ولا عن عبد الله إلَّا عمر بن فرقد تفرد به علي بن حميد اهـ. قلت: عمر بن فرقد هذا قال فيه الإمام البخاري ﵀ في [التاريخ الكبير] (٦/ ١٨٦): «فيه نظر». وفي [الميزان] للحافظ الذهبي ﵀: «قال البخاري منكر الحديث فيه نظر». وقال الإمام أبو حاتم الرازي ﵀ كما في [الجرح والتعديل] لابنه (٦/ ١٢٩): «منكر الحديث». قلت: أورد هذا الحديث الحافظ ابن عدي ﵀ في [الكامل] (٥/ ٥٩) وقال: «ولا أعرف لعمر بن فرقد غير هذا من الحديث، وفي حديثه نظر».

стр. 160

وقال الحافظ الهيثمي ﵀ في [مجمع الزوائد] (١٠/ ١٣١): «رواه الطبراني في الصغير، والأوسط، وفيه عمر بن فرقد وهو ضعيف». قلت: فهذه الطريق شديدة الضعف، والعبرة بما تقدم والله أعلم. قلت: وهذا القول الذي نصره شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ هو الصواب، وبه تجتمع الأدلة في هذا الباب، ولا يعارض بعضها بعضاً والله أعلم. ١٢ - روى الحميدي في [مسنده] (٦٣): حدثني ابن أبي شيبة، قال: ثنا عبد الله بن نمير، قال: ثنا إسرائيل، عن عامر بن شقيق، عن أبي وائل، قال: «رَأَيْتُ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ يَتَوَضَّأُ فَغَسَلَ يَدَيْهِ ثَلَاثًا، وَغَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا، وَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ ثَلَاثًا، وَغَسَلَ ذِرَاعَيْهِ ثَلَاثًا، وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ وَأُذُنَيْهِ ظَاهِرِهِمَا وَبَاطِنِهِمَا، ثُمَّ غَسَلَ قَدَمَيْهِ ثَلَاثًا، ثُمَّ خَلَّلَ أَصَابِعَهُ، وَخَلَّلَ لِحْيَتَهُ ثَلَاثًا حِينَ غَسَلَ وَجْهَهُ، ثُمَّ

стр. 161

قَالَ: "رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَعَلَ كَالَّذِي رَأَيْتُمُونِي فَعَلْتُ"». ورواه الدارقطني في [سننه] (٢٨٢) حدثنا محمد بن القاسم بن زكريا، حدثنا أبو كريب، حدثنا مصعب بن المقدام عن إسرائيل. وحدثنا دعلج بن أحمد، حدثنا موسى بن هارون، حدثنا أبو بكر بن أبى شيبة، حدثنا عبد الله بن نمير، حدثنا إسرائيل، عن عامر بن شقيق، عن أبي وائل قال: «رَأَيْتُ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ يَتَوَضَّأُ فَغَسَلَ يَدَيْهِ ثَلَاثًا وَغَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا وَمَضْمَضَ ثَلَاثًا وَاسْتَنْشَقَ ثَلَاثًا وَغَسَلَ ذِرَاعَيْهِ ثَلَاثًا وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ وَأُذُنَيْهِ ظَاهِرَهُمَا وَبَاطِنَهُمَا، ثُمَّ غَسَلَ قَدَمَيْهِ ثَلَاثًا، ثُمَّ خَلَّلَ أَصَابِعَهُ وَخَلَّلَ لِحْيَتَهُ ثَلَاثًا حِينَ غَسَلَ وَجْهَهُ، ثُمَّ قَالَ رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَعَلَ كَالَّذِي رَأَيْتُمُونِي فَعَلْتُ». لَفْظُهُمَا سَوَاءٌ حَرْفًا بِحَرْفٍ. قال موسى بن هارون وفي هذا الحديث موضع فيه عندنا وهم لأنَّ فيه الابتداء بغسل الوجه قبل المضمضة والاستنشاق، وقد رواه عبد الرحمن بن مهدى عن إسرائيل بهذا الإسناد فبدأ فيه بالمضمضة، والاستنشاق قبل غسل الوجه. وهو الصواب اهـ. قلت: واحتج بذلك من لم ير وجوب الترتيب بين أعضاء الوضوء، ووجه الشاهد من ذلك تأخير النبي ﷺ للمضمضة والاستنشاق إلى بعد غسل الوجه. والجواب على ذلك من وجوه: الأول: أنَّ الترتيب الواجب إنَّما يكون بين أركان الوضوء والمضمضة والاستنشاق ليستا من الأركان. والثاني: أنَّ المضمضة والاستنشاق من أجزاء الوجه فلا يجب الترتيب بينهما وبين الوجه. والثالث: أنَّ هذه اللفظة معلة لا تثبت. والرابع: أنَّ ذلك محمول على النسيان. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كما في [مجموع الفتاوى] (٢١/ ٤٠٩)

стр. 162

«فَإِنَّ جَمِيعَ مَنْ نَقَلَ وُضُوءَ النَّبِيِّ ﷺ أَخْبَرُوا: أَنَّهُ بَدَأَ بِهِمَا. وَهَذَا حَكَى فِعْلًا وَاحِدًا. فَلَا يُمْكِنُ الْجَزْمُ بِأَنَّهُ كَانَ مُتَعَمِّدًا. وَحِينَئِذٍ فَلَيْسَ فِي تَأْخِيرِهِمَا عَمْدًا سُنَّةٌ بَلْ السُّنَّةُ فِي النِّسْيَانِ. فَإِنَّ النِّسْيَانَ مُتَيَقِّنٌ. فَإِنَّ الظَّاهِرَ: أَنَّهُ كَانَ نَاسِيًا» اهـ. قلت: وما رواه أحمد (١٧٣٢٠) حَدَّثَنَا أَبُو الْمُغِيرَةِ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَرِيزٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَيْسَرَةَ الْحَضْرَمِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ الْمِقْدَامَ بْنَ مَعْدِي كَرِبَ الْكِنْدِيَّ، قَالَ: «أُتِيَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِوَضُوءٍ، فَتَوَضَّأَ، فَغَسَلَ كَفَّيْهِ ثَلَاثًا، وَغَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا، ثُمَّ غَسَلَ ذِرَاعَيْهِ ثَلَاثًا ثَلَاثًا، ثُمَّ مَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ ثَلَاثًا، وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ وَأُذُنَيْهِ ظَاهِرِهِمَا وَبَاطِنِهِمَا، وَغَسَلَ رِجْلَيْهِ ثَلَاثًا ثَلَاثًا». قلت: الحديث رواه أبو داود (١٢١) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَنْبَلٍ حَدَّثَنَا أَبُو الْمُغِيرَةِ حَدَّثَنَا حَرِيزٌ حَدَّثَنِى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَيْسَرَةَ الْحَضْرَمِىُّ سَمِعْتُ الْمِقْدَامَ بْنَ مَعْدِ يكَرِبَ الْكِنْدِىَّ قَالَ: «أُتِىَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِوَضُوءٍ فَتَوَضَّأَ فَغَسَلَ كَفَّيْهِ ثَلَاثًا ثُمَّ تَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ ثَلَاثًا وَغَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا ثُمَّ غَسَلَ ذِرَاعَيْهِ ثَلَاثًا ثَلَاثًا ثُمَّ مَسَحَ بِرَأْسِهِ وَأُذُنَيْهِ ظَاهِرِهِمَا وَبَاطِنِهِمَا». قلت: وليس فيه تأخير المضمضة والاستنشاق. لكن رواه الطبراني في [المعجم الكبير] (١٧٠٤٥)، وفي [مسند الشاميين] (١٠٧٦) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بن عَبْدِ الْوَهَّابِ بن نَجْدَةَ، وَأَبُو زَيْدٍ الْحَوْطِيَّانِ، قَالا: ثنا أَبُو الْمُغِيرَةِ به. وفيه تأخير المضمضة والاستنشاق.

стр. 163

قلت: وفي إسناد الحديث عبد الرحمن بن ميسرة جهله علي بن المديني، وقول أبي داود: شيوخ حريز كلهم ثقات. يستثنى منه من صرَّح الحفاظ بجهالته. والله أعلم. وعلى كل لا تطمئن النفس إلى ثبوت هذه السنة الغريبة المخالفة للأدلة المتكاثرة بمثل حديث عبد الرحمن بن ميسرة. قلت: والصحيح وجوب الترتيب بين أركان الوضوء لأنَّ النبي ﷺ لم يتوضأ إلَّا مرتباً كما أنَّه لم يصل الصلوات الخمس إلَّا مرتبة، ولأنَّ الله تعالى ذكر في آية الوضوء ممسوحاً بين مغسولين، والفصل بين النضير ونضيرة يكون لفائدة وهي ها هنا الترتيب. قال العلامة ابن قدامة ﵀ في [المغني] (١/ ١٠٠ - ١٠١): «مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَيَأْتِي بِالطَّهَارَةِ عُضْوًا بَعْدَ عُضْوٍ، كَمَا أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى وَجُمْلَةُ ذَلِكَ: أَنَّ التَّرْتِيبَ فِي الْوُضُوءِ عَلَى مَا فِي الْآيَةِ وَاجِبٌ عِنْدَ أَحْمَدَ لَمْ أَرَ عَنْهُ فِيهِ اخْتِلَافًا، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَأَبِي ثَوْرٍ وَأَبِي عُبَيْدٍ وَحَكَى أَبُو الْخَطَّابِ رِوَايَةً أُخْرَى عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ غَيْرُ وَاجِبٍ. وَهَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ وَالثَّوْرِيِّ وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ. وَرُوِيَ أَيْضًا عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَعَطَاءٍ وَالْحَسَنِ وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ وَمَكْحُولٍ وَالنَّخَعِيِّ وَالزُّهْرِيِّ وَالْأَوْزَاعِيِّ فِيمَنْ نَسِيَ مَسْحَ رَأْسِهِ، فَرَأَى فِي لِحْيَتِهِ بَلَلًا: يَمْسَحُ رَأْسَهُ بِهِ، وَلَمْ يَأْمُرُوهُ بِإِعَادَةِ غَسْلِ رِجْلَيْهِ. وَاخْتَارَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ

стр. 164

بِغَسْلِ الْأَعْضَاءِ، وَعَطَفَ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ بِوَاوِ الْجَمْعِ، وَهِيَ لَا تَقْتَضِي التَّرْتِيبَ، فَكَيْفَمَا غَسَلَ كَانَ مُمْتَثِلًا. وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ: مَا أُبَالِي بِأَيِّ أَعْضَائِي بَدَأْت. وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: لَا بَأْسَ أَنْ تَبْدَأَ بِرِجْلَيْك قَبْلَ يَدَيْك فِي الْوُضُوءِ. وَلَنَا أَنَّ فِي الْآيَةِ قَرِينَةً تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ أُرِيدَ بِهَا التَّرْتِيبُ؛ فَإِنَّهُ أَدْخَلَ مَمْسُوحًا بَيْنَ مَغْسُولَيْنِ، وَالْعَرَبُ لَا تَقْطَعُ النَّظِيرَ عَنْ نَظِيرِهِ إلَّا لِفَائِدَةٍ، وَالْفَائِدَةُ هَاهُنَا التَّرْتِيبُ. فَإِنْ قِيلَ: فَائِدَتُهُ اسْتِحْبَابُ التَّرْتِيبِ. قُلْنَا: الْآيَةُ مَا سِيقَتْ إلَّا لِبَيَانِ الْوَاجِبِ؛ وَلِهَذَا لَمْ يَذْكُرْ فِيهَا شَيْئًا مِنْ السُّنَنِ؛ وَلِأَنَّهُ مَتَى اقْتَضَى اللَّفْظُ التَّرْتِيبَ كَانَ مَأْمُورًا بِهِ، وَالْأَمْرُ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ؛ وَلِأَنَّ كُلَّ مَنْ حَكَى وُضُوءَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَكَاهُ مُرَتَّبًا، وَهُوَ مُفَسِّرٌ لِمَا فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى، وَتَوَضَّأَ مُرَتِّبًا، وَقَالَ: "هَذَا وُضُوءٌ لَا يَقْبَلُ اللَّهُ الصَّلَاةَ إلَّا بِهِ". أَيْ بِمِثْلِهِ، وَمَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ أَحْمَدُ: إنَّمَا عَنَيَا بِهِ الْيُسْرَى قَبْلَ الْيُمْنَى؛ لِأَنَّ مَخْرَجَهُمَا مِنْ الْكِتَابِ وَاحِدٌ. ثُمَّ قَالَ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ قَابُوسَ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ عَلِيًّا سُئِلَ، فَقِيلَ لَهُ: أَحَدُنَا يَسْتَعْجِلُ، فَيَغْسِلُ شَيْئًا قَبْلَ شَيْءٍ؟ قَالَ: لَا. حَتَّى يَكُونَ كَمَا أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى، وَالرِّوَايَةُ الْأُخْرَى عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ وَلَا يُعْرَفُ لَهَا أَصْلٌ» اهـ. وقال العلامة ابن القيم ﵀ في [بدائع الفوائد] (١/ ٦٩ - ٧٠):

стр. 165

«وأمَّا تقديم غسل الوجه ثم اليد ثم مسح الرأس ثم الرجلين في الوضوء فمن يقول: إنَّ هذا الترتيب واجب وهو الشافعي وأحمد بن حنبل ﵄ ومن وافقهما فالآية عندهم اقتضت التقديم وجوباً لقرائن عديدة: أحدها: أنَّه أدخل ممسوحاً بين مغسولين وقطع النظير عن نظيره ولو أريد الجمع المطلق لكان المناسب أن يذكر المغسولات متسقة في النظم والممسوح بعدها فلما عدل إلى ذلك دل على وجوب ترتيبها على الوجه الذي ذكره الله. الثاني: أنَّ هذه الأفعال هي أجزاء فعل واحد مأمور به وهو الوضوء فدخلت الواو عاطفة لأجزائه بعضها على بعض والفعل الواحد يحصل من ارتباط أجزائه بعضها ببعض فدخلت الواو بين الأجزاء للربط فأفادت الترتيب إذا هو الربط المذكور في الآية ولا يلزمه من كونها لا تفيد الترتيب بين أفعال لا ارتباط بينها نحو أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة أن لا تفيده بين أجزاء فعل مرتبطة بعضها ببعض فتأمل هذا الموضع ولطفه وهذا أحد الأقوال الثلاثة في إفادة الواو للترتيب وأكثر الأصوليين لا يعرفونه ولا يحكونه وهو قول ابن أبي موسى من أصحاب أحمد ولعله أرجح الأقوال. الثالث: أنَّ لبداءة الرب تعالى بالوجه دون سائر الأعضاء خاصة فيجب مراعاتها وأن لا تلغى وتهدر فيهدر ما اعتبره الله تعالى ويؤخر ما قدمه الله وقد أشار النبي ﷺ إلى أن ما قدمه الله فإنَّه ينبغي تقديمه ولا يؤخر بل يقدم ما

стр. 166

قدمه الله ويؤخر ما أخره الله تعالى فلما طاف بين الصفا والمروة بدأ بالصفا وقال: "نبدأ بما بدأ الله تعالى به" رواه الترمذي ومالك وأخرج مسلم نحوه وفي رواية للنسائي: "ابدءوا بما بدأ الله به" صحيح على الأمر فتأمل بداءته بالصفا معللا ذلك بكون الله تعالى بدأبه فلا ينبغي تأخيره وهكذا يقول المرتبون للوضوء سواء نحن نبدأ بما بدأ الله به ولا يجوز تأخير ما قدمه الله تعالى ويتعين البداءة بما بدأ الله تعالى به وهذا هو الصواب لمواظبة المبين عن الله تعالى مراده ﷺ على الوضوء المرتب فاتفق جميع من ثقل عنه وضوءه كلهم على إيقاعه مرتباً ولم ينقل عنه أحد قط أنَّه أخل بالترتيب مرة واحدة فلو كان الوضوء المنكوس مشروعاً لفعله ولو في عمره مرة واحدة لتبين جوازه لأمته» اهـ. قلت: وهذا تحرير نفيس لا مزيد عليه. والأظهر سقوط الترتيب بالنسيان. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كما في [مجموع الفتاوى] (٢١/ ٤٠٩): «الْقَوْلُ الثَّالِثُ: وَهُوَ الْفَرْقُ بَيْنَ الْمُتَعَمِّدِ لِتَنْكِيسِ الْوُضُوءِ وَبَيْنَ الْمَعْذُورِ بِنِسْيَانِ أَوْ جَهْلٍ. وَهُوَ أَرْجَحُ الْأَقْوَالِ. وَعَلَيْهِ يَدُلُّ كَلَامُ الصَّحَابَةِ وَجُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ. وَهُوَ الْمُوَافِقُ لِأُصُولِ الْمَذْهَبِ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ» اهـ. ١٣ - ظاهر الحديث أنَّ النبي ﷺ توضأ متوالياً، وقد اختلف العلماء في وجوب الموالاة في الوضوء والصحيح وجوب ذلك لكنها تسقط لعذر كالنسيان وغيره.

стр. 167

ومما احتج به القائلون بوجوب الموالاة ما رواه أحمد (١٥٥٣٤)، وأبو داود (١٧٥) واللفظ له من طريق بَقِيَّةَ، عَنْ بَحِيرٍ هُوَ ابْنُ سَعْدٍ، عَنْ خَالِدٍ هو ابن معدان، عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ : «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأَى رَجُلاً يُصَلِّ وَفِي ظَهْرِ قَدَمِهِ لُمْعَةٌ قَدْرُ الدِّرْهَمِ، لَمْ يُصِبْهَا الْمَاءُ فَأَمَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يُعِيدَ الْوُضُوءَ وَالصَّلَاةَ». قلت: وفي إسناده عنعنة بقية. وروى مسلم (٢٤٣) عَنْ جَابِرٍ أَخْبَرَنِي عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: «أَنَّ رَجُلًا تَوَضَّأَ فَتَرَكَ مَوْضِعَ ظُفُرٍ عَلَى قَدَمِهِ فَأَبْصَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: "ارْجِعْ فَأَحْسِنْ وُضُوءَكَ" فَرَجَعَ ثُمَّ صَلَّى». قلت: لكن ليس فيها أنَّه أعاد الوضوء، وجاء ذلك فيما رواه أحمد (١٣٤) حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ دَاوُدَ، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، أَخْبَرَهُ: «أَنَّهُ رَأَى رَجُلاً تَوَضَّأَ لِلصَّلاةِ، فَتَرَكَ مَوْضِعَ ظُفُرٍ عَلَى ظَهْرِ قَدَمِهِ، فَأَبْصَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: ارْجِعْ فَأَحْسِنْ وُضُوءَكَ فَرَجَعَ فَتَوَضَّأَ ثُمَّ صَلَّى». وفي رواية ابن ماجه (٦٦٦) من طريق ابْنِ لَهِيعَةَ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، قَالَ: «رَأَى رَسُولُ اللهِ ﷺ رَجُلاً تَوَضَّأَ، فَتَرَكَ مَوْضِعَ الظُّفْرِ عَلَى قَدَمِهِ، فَأَمَرَهُ أَنْ يُعِيدَ الْوُضُوءَ وَالصَّلَاةَ، قَالَ: فَرَجَعَ».

стр. 168

لكن في إسناده ابن لهيعة ضعيف وهو متابع. فرواه البزار في [مسنده] (٢٣٢) وَحَدَّثَنَا سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَعْيَنَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَعْقِلٌ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، عَنْ عُمَرَ: «أَنَّ رَجُلاً تَوَضَّأَ لِصَلَاةِ الظُّهْرِ فَتَرَكَ مَوْضِعَ ظُفْرٍ عَلَى قَدَمِهِ لَمْ يُصِبْهُ الْمَاءُ، فَأَبْصَرَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقَالَ: "ارْجِعْ فَأَحْسِنْ وُضُوءَكَ" فَرَجَعَ فَتَوَضَّأَ وَصَلَّى». قَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَهَذَا الْحَدِيثُ لَا نَعْلَمُ أَحَدًا أَسْنَدَهُ عَنْ عُمَرَ إِلاَّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَقَدْ رَوَاهُ الأَعْمَشُ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ عُمَرَ مَوْقُوفًا اهـ. قلت: الموقوف رواه ابن أبي شيبة في [مصنفه] (٤٥٧) حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ جَابِرٍ: «أَنَّ عُمَرَ رَأَى فِي قَدَمِ رَجُلٍ مِثْلَ مَوْضِعِ الْفَلْسِ لَمْ يُصِبْهُ الْمَاءُ، فَأَمَرَهُ أَنْ يُعِيدَ الْوُضُوءَ وَيُعِيدَ الصَّلَاةَ». قلت: إسناده حسن وأبو سفيان هو طلحة بن نافع لا بأس به. ورواه عبد الرزاق في [مصنفه] (١١٨) عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، «رَأَى رَجُلًا يُصَلِّي، وَقَدْ تَرَكَ مِنْ رِجْلَيْهِ مَوْضِعَ ظُفْرَةٍ، فَأَمَرَهُ أَنْ يُعِيدَ الْوُضُوءَ وَالصَّلَاةَ». قلت: إسناده منقطع بين أبي قلابة وعمر ﵁. والذي يظهر لي ثبوت الموقوف والمرفوع، وهما يدلان على وجوب الموالاة في الوضوء. وأقوى حجة لمن ذهب إلى عدم وجوب الموالاة ما رواه مالك في [الموطأ] (٨١).

стр. 169

عَنْ نَافِعٍ: «أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ بَالَ فِي السُّوقِ. ثُمَّ تَوَضَّأَ، فَغَسَلَ وَجْهَهُ، وَيَدَيْهِ، وَمَسَحَ رَأْسَهُ. ثُمَّ دُعِيَ لِجَنَازَةٍ لِيُصَلِّيَ عَلَيْهَا حِينَ دَخَلَ الْمَسْجِدَ، فَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ، ثُمَّ صَلَّى عَلَيْهَا». والجواب عن ذلك من ثلاثة وجوه: الأول: أن يكون السوق بقرب المسجد بحيث أنَّ الفصل لم يطل بين مسح الرأس والمسح على الخفيين. والثاني: أنَّه محجوج بالسنة، وبأثر أبيه عمر الموقوف عليه. والثالث: أن يكون الفصل حصل منه لعذر. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كما في [مجموع الفتاوى] (٢١/ ١٣٥ - ١٤٦): «فَصْلٌ: الْمُوَالَاةُ فِي الْوُضُوءِ فِيهَا ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا: الْوُجُوبُ مُطْلَقًا كَمَا يَذْكُرُهُ أَصْحَابُ الْإِمَامِ أَحْمَد ظَاهِرُ مَذْهَبِهِ وَهُوَ الْقَوْلُ الْقَدِيمُ لِلشَّافِعِيِّ وَهُوَ قَوْلٌ فِي مَذْهَبِ مَالِك. وَالثَّانِي: عَدَمُ الْوُجُوبِ مُطْلَقًا كَمَا هُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَرِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَد وَالْقَوْلُ الْجَدِيدُ لِلشَّافِعِيِّ. وَالثَّالِثُ: الْوُجُوبُ إلَّا إذَا تَرَكَهَا لِعُذْرِ مِثْلُ عَدَمِ تَمَامِ الْمَاءِ كَمَا هُوَ الْمَشْهُورُ فِي مَذْهَبِ مَالِكٍ وَهُوَ قَوْلٌ فِي مَذْهَبِ أَحْمَد.

стр. 170

قُلْت: هَذَا الْقَوْلُ الثَّالِثُ هُوَ الْأَظْهَرُ وَالْأَشْبَهُ بِأُصُولِ الشَّرِيعَةِ وَبِأُصُولِ مَذْهَبِ أَحْمَد وَغَيْرِهِ؛ وَذَلِكَ أَنَّ أَدِلَّةَ الْوُجُوبِ لَا تَتَنَاوَلُ إلَّا الْمُفَرِّطَ لَا تَتَنَاوَلُ الْعَاجِزَ عَنْ الْمُوَالَاةِ فَالْحَدِيثُ الَّذِي هُوَ عُمْدَةُ الْمَسْأَلَةِ الَّذِي رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ عَنْ خَالِدِ بْنِ معدان عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ : أَنَّهُ رَأَى رَجُلًا يُصَلِّي وَفِي ظَهْرِ قَدَمِهِ لُمْعَةٌ قَدْرَ الدِّرْهَمِ لَمْ يُصِبْهَا الْمَاءُ فَأَمَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يُعِيدَ الْوُضُوءَ وَالصَّلَاةَ. فَهَذِهِ قَضِيَّةُ عَيْنٍ وَالْمَأْمُورُ بِالْإِعَادَةِ مُفَرِّطٌ لِأَنَّهُ كَانَ قَادِرًا عَلَى غَسْلِ تِلْكَ اللَّمْعَةِ كَمَا هُوَ قَادِرٌ عَلَى غَسْلِ غَيْرِهَا وَإِنَّمَا بِإِهْمَالِهَا وَعَدَمِ تَعَاهُدِهِ لِجَمِيعِ الْوُضُوءِ بَقِيَتْ اللُّمْعَةُ نَظِيرَ الَّذِينَ كَانُوا يَتَوَضَّئُونَ وَأَعْقَابُهُمْ تَلُوحُ فَنَادَاهُمْ بِأَعْلَى صَوْتِهِ: "وَيْلٌ لِلْأَعْقَابِ مِنْ النَّارِ". وَكَذَلِكَ الْحَدِيثُ الَّذِي فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ عُمَرَ: أَنَّ رَجُلًا تَوَضَّأَ فَتَرَكَ مَوْضِعَ ظُفْرٍ عَلَى قَدَمِهِ فَأَبْصَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: ارْجِعْ فَأَحْسِنْ وُضُوءَك فَرَجَعَ ثُمَّ صَلَّى. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. فَالْقَدَمُ كَثِيرًا مَا يُفَرِّطُ الْمُتَوَضِّئُ بِتَرْكِ اسْتِيعَابِهَا حَتَّى قَدْ اعْتَقَدَ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الضَّلَالِ أَنَّهَا لَا تُغْسَلُ بَلْ فَرْضُهَا مَسْحُ ظَهْرِهَا عِنْدَ طَائِفَةٍ مِنْ الشِّيعَةِ وَالتَّخْيِيرُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْغَسْلِ عِنْدَ طَائِفَةٍ مِنْ الْمُعْتَزِلَةِ». إلى أن قال ﵀ «وَأُصُولُ الشَّرِيعَةِ تَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَالَ تَعَالَى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]، وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "إذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرِ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ". وَاَلَّذِي لَمْ يُمْكِنْهُ الْمُوَالَاةُ - لِقِلَّةِ الْمَاءِ أَوْ انْصِبَابِهِ أَوْ اغْتِصَابِهِ

стр. 171

مِنْهُ بَعْدَ تَحْصِيلِهِ أَوْ لِكَوْنِ الْمَنْبَعِ أَوْ الْمَكَانِ الَّذِي يَأْخُذُ مِنْهُ هُوَ وَغَيْرُهُ - كَالْأُنْبُوبِ أَوْ الْبِئْرِ لَمْ يَحْصُلْ لَهُ مِنْهُ الْمَاءُ إلَّا مُتَفَرِّقًا تَفَرُّقًا كَثِيرًا وَنَحْوَ ذَلِكَ -: لَمْ يُمْكِنْهُ أَنْ يَفْعَلَ مَا أُمِرَ بِهِ إلَّا هَكَذَا بِأَنْ يَغْسِلَ مَا أَمْكَنَهُ بِالْمَاءِ الْحَاضِرِ. وَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ ثُمَّ غَسَلَ الْبَاقِيَ بِمَاءِ حَصَّلَهُ فَقَدْ اتَّقَى اللَّهَ مَا اسْتَطَاعَ وَفَعَلَ مَا اسْتَطَاعَ مِمَّا أُمِرَ بِهِ. يُبَيِّنُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَوْ عَجَزَ عَنْ غَسْلِ الْأَعْضَاءِ بِالْكُلِّيَّةِ لِعَدَمِ الْمَاءِ لَسَقَطَ عَنْهُ وَلَكَانَ فَرْضُهُ التَّيَمُّمَ وَلَوْ قَدَرَ عَلَى غَسْلِ بَعْضِهَا فَعَنْهُ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ: قِيلَ: يَتَيَمَّمُ فَقَطْ لِئَلَّا يَجْمَعَ بَيْنَ بَدَلٍ وَمُبْدَلٍ. وَقِيلَ: يَسْتَعْمِلُ مَا قَدَرَ عَلَيْهِ وَيَتَيَمَّمُ لِلْبَاقِي. وَهُوَ الْمَشْهُورُ فِي مَذْهَبِ أَحْمَد وَغَيْرِهِ. وَقِيلَ: بَلْ يَسْتَعْمِلُ ذَلِكَ فِي الْغُسْلِ دُونَ الْوُضُوءِ كَمَا يُذْكَرُ عَنْ أَبِي بَكْرٍ. وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى وُجُوبِ الْمُوَالَاةِ فِي الْوُضُوءِ دُونَ الْغُسْلِ. قَالَ صَاحِبُ هَذَا الْقَوْلِ: فَيَنْتَفِعُ بِاسْتِعْمَالِ الْبَعْضِ فِي الْغُسْلِ دُونَ التَّيَمُّمِ. وَضَعَّفُوا ذَلِكَ بِأَنَّهُ يَفْعَلُ الْمَقْدُورَ عَلَيْهِ فَعُلِمَ بِذَلِكَ أَنَّ هَذَا عِنْدَهُمْ طَهَارَةٌ نَافِعَةٌ عِنْدَ الْعَجْزِ فِي الْوُضُوءِ كَمَا هِيَ نَافِعَةٌ فِي الْغُسْلِ وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ عِنْدَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْمَاءِ إعَادَةُ مَا غَسَلَهُ مِنْ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ كَمَا لَا يَجِبُ عَلَيْهِ مَا صَلَّاهُ بِالتَّيَمُّمِ وَكَمَا لَا يَجِبُ عَلَيْهِ إعَادَةُ مَا غَسَلَ فِي الْغُسْلِ عَلَى الْمَشْهُورِ عِنْدَ أَصْحَابِ أَحْمَد مِنْ الْفَرْقِ بَيْنَ الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ كَمَا سَنَذْكُرُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ قَدْ فَعَلَ مَا أُمِرَ بِهِ كَمَا أُمِرَ وَمَنْ كَانَ مُمْتَثِلًا الْأَمْرَ أَجْزَأَ مِنْهُ فَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ.

стр. 172

يُوضِحُ هَذَا أَنَّهُ فِي حَالِ الْعَجْزِ لَمْ يَكُنْ مَأْمُورًا بِغَسْلِ الْعُضْوِ الثَّانِي وَإِنَّمَا يُؤْمَرُ بِتَحْصِيلِ الطَّهُورِ الَّذِي يَتَمَكَّنُ بِهِ مِنْ غَسْلِهِ أَوْ بِتَأَخُّرِهِ إلَى الْقُدْرَةِ وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى غَسْلِ الْعُضْوِ الْأَوَّلِ وَهُوَ الْمُسْتَطَاعُ مِنْ الْمَأْمُورِ فَعَلَيْهِ فِعْلُهُ كَمَا لَوْ قَدَرَ عَلَى غَسْلِ بَعْضِ الْأَعْضَاءِ أَوْ بَعْضِ الْعُضْوِ الْوَاحِدِ دُونَ بَعْضٍ فَإِنَّ عَلَيْهِ غَسْلَهُ كَالْمَقْطُوعِ يَدُهُ مِنْ بَعْضِ الذِّرَاعِ. وَطَرْدُ ذَلِكَ مَا ذَكَرْنَاهُ لَوْ كَانَ بِبَعْضِ أَعْضَائِهِ مَا يَمْنَعُ الْوُجُوبَ مِنْ جُرْحٍ أَوْ مَرَضٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ فَغَسَلَ الصَّحِيحَ ثُمَّ قُدِّرَ أَنَّ الْأَلَمَ زَالَ وَقَدْ نَشِفَ ذَلِكَ الْعُضْوُ: فَإِنَّهُ إذَا غَسَلَ الْبَاقِيَ فَقَدْ فَعَلَ الْمَقْدُورَ عَلَيْهِ. وَأَيْضًا فَالتَّرْتِيبُ وَاجِبٌ فِي صَوْمِ الشَّهْرَيْنِ بِنَصِّ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ ثُمَّ اتَّفَقَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّهُ إذَا قَطَعَ لِعُذْرِ لَا يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ مِنْهُ - كَالْحَيْضِ - فَإِنَّهُ لَا يَقْطَعُ التَّتَابُعَ الْوَاجِبَ. وَمَذْهَبُ أَحْمَد فِي هَذَا أَوْسَعُ مِنْ مَذْهَبِ غَيْرِهِ: فَعِنْدَهُ إذَا قَطَعَ التَّتَابُعَ لِعُذْرِ شَرْعِيٍّ لَا يُمْكِنُ مَعَ إمْكَانِ الِاحْتِرَازِ مِنْهُ - مِثْلُ أَنْ يَتَخَلَّلَ الشَّهْرَيْنِ صَوْمُ شَهْرِ رَمَضَانَ أَوْ يَوْمِ الْفِطْرِ أَوْ يَوْمِ النَّحْرِ أَوْ أَيَّامِ مِنًى أَوْ مَرَضٌ أَوْ نِفَاسٌ وَنَحْوُ ذَلِكَ - فَإِنَّهُ لَا يَمْنَعُ التَّتَابُعَ الْوَاجِبَ وَلَوْ أَفْطَرَ لِعُذْرِ مُبِيحٍ كَالسَّفَرِ فَعَلَى وَجْهَيْنِ. فَالْوُضُوءُ أَوْلَى إذَا تَرَكَ التَّتَابُعَ فِيهِ لِعُذْرِ شَرْعِيٍّ وَإِنْ أَمْكَنَ الِاحْتِرَازُ مِنْهُ. وَأَيْضًا فَالْمُوَالَاةُ وَاجِبَةٌ فِي قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ قَالُوا: إنَّهُ لَوْ قَرَأَ بَعْضَهَا وَسَكَتَ سُكُوتًا طَوِيلًا لِغَيْرِ عُذْرٍ: كَانَ عَلَيْهِ إعَادَةُ قِرَاءَتِهَا. وَلَوْ كَانَ السُّكُوتُ لِأَجْلِ اسْتِمَاعِ قِرَاءَةِ الْإِمَامِ أَوْ لَوْ فَصَلَ بِذِكْرِ مَشْرُوعٍ - كَالتَّأْمِينِ وَنَحْوِهِ - لَمْ تَبْطُلْ الْمُوَالَاةُ بَلْ يُتِمُّ

стр. 173

قِرَاءَتَهَا وَلَا يَبْتَدِئُهَا وَمَسْأَلَةُ الْوُضُوءِ كَذَلِكَ سَوَاءٌ فَإِنَّهُ فَرَّقَ الْوُضُوءَ لِعُذْرِ شَرْعِيٍّ. وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْمُوَالَاةَ فِي الْكَلَامِ أَوْكَدُ مِنْ الْمُوَالَاةِ فِي الْأَفْعَالِ. وَأَيْضًا فَالْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَد فِي الْعُقُودِ كَذَلِكَ فَإِنَّ الْمُوَالَاةَ بَيْنَ الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ وَاجِبَةٌ بِحَيْثُ لَوْ تَأَخَّرَ الْقَبُولُ عَنْ الْإِيجَابِ - حَتَّى خَرَجَا مِنْ ذَلِكَ الْكَلَامِ إلَى غَيْرِهِ أَوْ تَفَرَّقَا بِأَبْدَانِهِمَا - فَلَا بُدَّ مِنْ إيجَابٍ ثَانٍ وَقَدْ نَصَّ أَحْمَد عَلَى أَنَّهُ إذَا أُوجِبَ النِّكَاحُ لِغَائِبِ وَذَهَبَ إلَيْهِ الرَّسُولُ فَقَبِلَ فِي مَجْلِسِ الْبَلَاغِ: أَنَّهُ يَصِحُّ الْعَقْدُ فَظَنَّ طَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ أَنَّ ذَلِكَ قَوْلٌ مِنْهُ ثَانٍ: بِأَنَّهُ يَصِحُّ تَرَاخِي الْقَبُولِ مُطْلَقًا وَإِنْ كَانَا فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ بَعْدَ تَفَرُّقِهِمَا وَطُولِ الْفَصْلِ وَهِيَ الرِّوَايَةُ الَّتِي ذُكِرَتْ فِي مِثْلِ الْهِدَايَةِ وَالْمُقْنِعِ وَالْمُحَرَّرِ وَغَيْرِهَا: أَنَّهُ يَصِحُّ فِي النِّكَاحِ وَلَوْ بَعْدَ الْمَجْلِسِ. وَذَلِكَ خَطَأٌ كَمَا نَبَّهَ عَلَيْهِ الْجَدُّ - فِيمَا أَظُنُّ - فِي كِتَابِهِ الْكَبِيرِ وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ النِّكَاحِ وَالْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ وَالْفَرْقُ بَيْنَ الصُّورَتَيْنِ ظَاهِرٌ وَيَذْهَبُ إلَى الْفَرْقِ: غَيْرُهُ مِنْ الْفُقَهَاءِ كَأَبِي يُوسُفَ وَغَيْرِهِ. وَهَذَا التَّفْرِيقُ مِنْ أَحْسَنِ الْأَقْوَالِ وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ الْمَنْصُوصُ عَنْهُ فِي الْوُضُوءِ كَذَلِكَ لَكِنِّي لَمْ أَتَأَمَّلْ بَعْدُ نَصَّهُ فِي الْوُضُوءِ. فَإِنَّهُ كَثِيرًا مَا يُحْكَى عَنْهُ رِوَايَتَانِ فِي مِثْلِ ذَلِكَ وَيَكُونُ مَنْصُوصُهُ التَّفْرِيقَ بَيْنَ حَالٍ وَحَالٍ وَيَكُونُ هُوَ الصَّوَابَ كَمَسْأَلَةِ إخْرَاجِ الْقِيَمِ وَمَسْأَلَةِ قَتْلِ الْمُوصِي. وَأَيْضًا فَالْمُوَالَاةُ فِي الطَّوَافِ وَالسَّعْيِ أَوْكَدُ مِنْهُ فِي الْوُضُوءِ وَمَعَ هَذَا فَتَفْرِيقُ الطَّوَافِ لِمَكْتُوبَةٍ تُقَامُ أَوْ جِنَازَةٍ تُحْضَرُ ثُمَّ يَبْنِي عَلَى الطَّوَافِ وَلَا يَسْتَأْنِفُ: فَالْوُضُوءُ

стр. 174

أَوْلَى بِذَلِكَ. وَعَلَى هَذَا فَلَوْ تَوَضَّأَ بَعْدَ الْوُضُوءِ ثُمَّ عَرَضَ أَمْرٌ وَاجِبٌ يَمْنَعُهُ عَنْ الْإِتْمَامِ - كَإِنْقَاذِ غَرِيقٍ أَوْ أَمْرٍ بِمَعْرُوفِ وَنَهْيٍ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلَهُ - ثُمَّ أَتَمَّ وُضُوءَهُ كَالطَّوَافِ وَأَوْلَى وَكَذَلِكَ لَوْ قُدِّرَ أَنَّهُ عَرَضَ لَهُ مَرَضٌ مَنَعَهُ مِنْ إتْمَامِ الْوُضُوءِ. وَأَيْضًا فَإِنَّ أُصُولَ الشَّرِيعَةِ تُفَرِّقُ فِي جَمِيعِ مَوَارِدِهَا بَيْنَ الْقَادِرِ وَالْعَاجِزِ؛ وَالْمُفَرِّطِ؛ وَالْمُعْتَدِي؛ وَمَنْ لَيْسَ بِمُفَرِّطٍ وَلَا مُعْتَدٍ. وَالتَّفْرِيقُ بَيْنَهُمَا أَصْلٌ عَظِيمٌ مُعْتَمِدٌ وَهُوَ الْوَسَطُ الَّذِي عَلَيْهِ الْأُمَّةُ الْوَسَطُ وَبِهِ يَظْهَرُ الْعَدْلُ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ الْمُتَبَايِنَيْنِ. وَقَدْ تَأَمَّلْت مَا شَاءَ اللَّهُ مِنْ الْمَسَائِلِ الَّتِي يَتَبَايَنُ فِيهَا النِّزَاعُ نَفْيًا وَإِثْبَاتًا حَتَّى تَصِيرَ مُشَابِهَةً لِمَسَائِلِ الْأَهْوَاءِ؛ وَمَا يَتَعَصَّبُ لَهُ الطَّوَائِفُ مِنْ الْأَقْوَالِ؛ كَمَسَائِلِ الطَّرَائِقِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْخِلَافِ بَيْنَ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ وَبَيْنَ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ؛ وَغَيْرِ هَذِهِ الْمَسَائِلِ: فَوَجَدْت كَثِيرًا مِنْهَا يَعُودُ الصَّوَابُ فِيهِ إلَى الْوَسَطِ؛ كَمَسْأَلَةِ إزَالَةِ النَّجَاسَةِ بِغَيْرِ الْمَاءِ وَمَسْأَلَةِ الْقَضَاءِ بِالنُّكُولِ؛ وَإِخْرَاجِ الْقِيَمِ فِي الزَّكَاةِ؛ وَالصَّلَاةِ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ؛ وَالْقِرَاءَةِ خَلْفَ الْإِمَامِ؛ وَمَسْأَلَةِ تَعْيِينِ النِّيَّةِ وَتَبْيِيتِهَا؛ وَبَيْعِ الْأَعْيَانِ الْغَائِبَةِ وَاجْتِنَابِ النَّجَاسَةِ فِي الصَّلَاةِ وَمَسَائِلِ الشَّرِكَةِ: كَشَرِكَةِ الْأَبْدَانِ وَالْوُجُوهِ وَالْمُفَاوَضَةِ وَمَسْأَلَةِ صِفَةِ الْقَاضِي. وَكَذَلِكَ هُوَ الْأَصْلُ الْمُعْتَمَدُ فِي الْمَسَائِلِ الْخَبَرِيَّةِ الْعِلْمِيَّةِ الَّتِي تُسَمَّى مَسَائِلَ الْأُصُولِ: أَوْ أُصُولَ الدِّينِ؛ أَوْ أُصُولَ الْكَلَامِ؛ يَقَعُ فِيهَا اتِّبَاعُ الظَّنِّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ. وَقَدْ قَرَّرْنَا أَيْضًا مَا دَلَّ عَلَيْهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ فِيهَا وَفِي غَيْرِهَا مِنْ الْفَرْقِ بَيْنَ الْمُؤْمِنِ بَاطِنًا وَظَاهِرًا؛ وَبَيْنَ الْمُنَافِقِ الزِّنْدِيقِ الْمُؤْمِنِ ظَاهِرًا لَا بَاطِنًا وَأَنَّ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ عُفِيَ لَهُمْ عَنْ الْخَطَأِ وَالنِّسْيَانِ ثُمَّ غَالِبُ الْخِلَافِ الْمُتَبَايِنِ

стр. 175

فِيهَا يَعُودُ الْحَقُّ فِيهِ إلَى الْقَوْلِ الْوَسَطِ فِي مَسَائِلِ التَّوْحِيدِ وَالصِّفَاتِ؛ وَمَسَائِلِ الْقَدَرِ وَالْعَدْلِ؛ وَمَسَائِلِ الْأَسْمَاءِ وَالْأَحْكَامِ؛ وَمَسَائِلِ الْإِيمَانِ وَالْإِسْلَامِ. وَمَسَائِلِ الْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ؛ وَمَسَائِلِ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ وَالْخُرُوجِ عَلَى الْأُمَرَاءِ وَمَذَاهِبِهِمْ أَوْ مُوَافَقَتِهِمْ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ؛ فَأَمْرُهُمْ وَنَهْيُهُمْ بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ وَالِامْتِنَاعِ عَنْ الْخُرُوجِ وَالْفِتَنِ. وَأَمْثَالِ هَذِهِ الْأَهْوَاءِ. وَأَيْضًا فَعُمْدَةُ الْقِيَاسِ فِي مَسْأَلَةِ التَّرْتِيبِ وَالْمُوَالَاةِ إنَّمَا هُوَ قِيَاسُ ذَلِكَ عَلَى الصَّلَاةِ؛ فَإِنَّ الصَّلَاةَ يَجِبُ فِيهَا التَّرْتِيبُ؛ فَلَا يَجُوزُ تَقْدِيمُ السُّجُودِ عَلَى الرُّكُوعِ. وَتَجِبُ فِيهَا الْمُوَالَاةُ؛ فَلَا يُفَرَّقُ بَيْنَ أَبْعَاضِهَا بِمَا يُنَافِيهَا؛ وَالصَّلَاةُ مَعَ هَذَا عِبَادَةٌ وَاحِدَةٌ مُتَّصِلَةُ الْأَجْزَاءِ؛ لَيْسَ بَيْنَ أَجْزَائِهَا فَصْلٌ أَصْلًا حَتَّى يُمْكِنَ فِي ذَلِكَ الْمُتَابَعَةُ أَوْ التَّفْرِيقُ ثُمَّ مَعَ ذَلِكَ إذَا فُرِّقَ بَيْنَهُمَا لِعُذْرِ كَالْعَمَلِ الْكَثِيرِ لِضَرُورَةِ كَمَا فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ الطَّائِفَةَ الْأُولَى بَعْدَ صَلَاةِ رَكْعَةٍ تَذْهَبُ وِجَاهَ الْعَدُوِّ؛ فَإِذَا صَلَّتْ الثَّانِيَةَ الرَّكْعَةَ الثَّانِيَةَ ذَهَبَتْ أَيْضًا إلَى وِجَاهِ الْعَدُوِّ ثُمَّ رَجَعَتْ الْأُولَى إلَى مَوْقِفِهَا فَأَتَمَّتْ الصَّلَاةَ ثُمَّ الثَّانِيَةَ. وَالصِّفَةُ فِي الصَّحِيحَيْنِ. وَهِيَ جَائِزَةٌ غَيْرُ مَكْرُوهَةٍ عِنْدَ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ كَأَحْمَدَ وَغَيْرِهِ وَهِيَ الصَّلَاةُ الْمُخْتَارَةُ فِي الْخَوْفِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ؛ إذْ لَيْسَ فِيهَا مُخَالَفَةٌ لِصَلَاةِ الْأَمْنِ إلَّا فِي اسْتِدْبَارِ الْقِبْلَةِ وَالْعَمَلِ الْكَثِيرِ؛ وَهَذَانِ يَجُوزَانِ لِلْعُذْرِ كَمَنْ سَبَقَهُ الْحَدَثُ؛ فَإِنَّهُ عِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ - كَأَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ؛ وَقَوْلِ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد فِي إحْدَى الرِّوَايَاتِ - يَقُولُ: إنَّهُ يَتَوَضَّأُ وَيَبْنِي عَلَى مَا مَضَى إذَا لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ بِكَلَامِ عَمْدٍ وَنَحْوِهِ وَهَذَا

стр. 176

مَأْثُورٌ عَنْ أَكْثَرِ الصَّحَابَةِ وَفِيهِ حَدِيثَانِ مُرْسَلَانِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ وَالْمُرْسَلُ إذَا عَمِلَ بِهِ جُمْهُورُ الصَّحَابَةِ يَحْتَجُّ بِهِ الشَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ. وَأَيْضًا فَإِذَا سَلَّمَ مِنْ صَلَاتِهِ سَاهِيًا - كَمَا فَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ فِي حَدِيثِ ذِي الْيَدَيْنِ؛ وَفَصَلَ بَيْنَ أَبْعَاضِ الصَّلَاةِ بِالْقِيَامِ إلَى الْخَشَبَةِ وَالِاتِّكَاءِ عَلَيْهَا؛ وَتَشْبِيكِ أَصَابِعِهِ؛ وَوَضْعِ خَدِّهِ عَلَيْهَا؛ وَالْكَلَامِ مِنْهُ وَمِنْ الْمُنَبِّهِ لَهُ السَّائِلِ لَهُ الْمُخْبِرِ لَهُ أَنَّهُ لَمْ يَنْسَ وَلَمْ تُقْصَرْ؛ وَالْمُجِيبِينَ لَهُ الْمُوَافِقِينَ لِلْمُنَبِّهِ - ثُمَّ أَتَمَّ الصَّلَاةَ: لَمْ يَكُنْ هَذَا التَّفْرِيقُ وَالْفَصْلُ مَانِعًا مِنْ الْإِتْمَامِ. وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَوْ فَعَلَ ذَلِكَ عَمْدًا لَأَبْطَلَ الصَّلَاةَ بِلَا نِزَاعٍ فَإِذَا كَانَتْ الصَّلَاةُ الَّتِي لَمْ تُشْرَعْ إلَّا مُتَّصِلَةً لَا يَسْتَوِي تَفْرِيقُهَا فِي حَالِ الْعُذْرِ وَعَدَمِهِ: فَكَيْفَ يَسْتَوِي تَفْرِيقُ الْوُضُوءِ فِي حَالِ الْعُذْرِ وَعَدَمِهِ؟ مَعَ أَنَّ الْوُضُوءَ أَفْعَالٌ مُنْفَصِلَةٌ لَا يَجِبُ اتِّصَالُهَا بِالِاتِّفَاقِ وَلَيْسَ لِقَائِلِ أَنْ يَقُولَ: إذَا عَمِلَ عَمَلًا كَثِيرًا لِعُذْرِ كَمَا فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ؛ وَالسَّاهِي إذَا سَلَّمَ فَإِنَّهُ فِي حُكْمِ الْمُصَلِّي؛ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ تَعَمَّدَ حِينَئِذٍ الْحَدِيثَ أَوْ الْكَلَامَ الْمُبْطِلَ؛ أَوْ الْعَمَلَ الْكَثِيرَ الَّذِي لَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ أَوْ اسْتِدْبَارَ الْقِبْلَةِ الَّذِي لَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ أَوْ كَشَفَ الْعَوْرَةَ: بَطَلَتْ صَلَاتُهُ. وَلَوْ كَانَ فِي غَيْرِ صَلَاةٍ لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ بِذَلِكَ فَلَا يَكُونُ هَذَا تَرْكًا لِلْمُوَالَاةِ الْوَاجِبَةِ لِأَنَّهُ يُقَالُ: بَلْ هَذَا مِنْ أَوْكَدِ الْأَدِلَّةِ عَلَى مَا قُلْنَاهُ فَإِنَّهُ مِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ هَذِهِ الْأَفْعَالَ وَالْفَصْلَ الطَّوِيلَ الْمَعْفُوَّ لَهُ عَنْهُ - مِثْلُ الذَّهَابِ إلَى الْعَدُوِّ ثُمَّ الرُّجُوعُ إلَى مَوْقِفِهِ وَمِثْلَ قِيَامِ الْمُسَلِّمِ سَهْوًا إلَى نَاحِيَةِ الْمَسْجِدِ وَاتِّكَائِهِ عَلَيْهِ - لَيْسَ هُوَ مِنْ أَفْعَالِ الصَّلَاةِ الْوَاجِبَةِ وَلَا الْمُسْتَحَبَّةِ وَلَا دَاخِلًا فِي ذَلِكَ كَمَا يَدْخُلُ مَا يَدْخُلُ فِي تَطْوِيلِ الْقِيَامِ وَالرُّكُوعِ

стр. 177

وَالسُّجُودِ وَالْقُعُودِ فَإِنَّ هَذِهِ الْأَرْبَعَةَ مِنْ جِنْسِ أَفْعَالِ الصَّلَاةِ فَإِذَا أَطَالَهَا أَوْ أَدْخَلَ فِيهَا مَا لَا يُشْرَعُ فِي الصَّلَاةِ مِنْ الْعَمَلِ الْيَسِيرِ: لَمْ يَمْنَعْ أَنْ تَكُونَ هِيَ مِنْ الصَّلَاةِ. وَأَمَّا تِلْكَ فَلَيْسَتْ مِنْ أَفْعَالِ الصَّلَاةِ وَإِنَّمَا أُمِرَ الْمُصَلِّي بِالْعَمَلِ الْكَثِيرِ فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ لِأَجْلِ الْجِهَادِ وَغُفِرَ لَهُ عَنْ نَحْوِ ذَلِكَ مِنْ السَّهْوِ لِأَنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ عَنْ الْخَطَأِ وَالنِّسْيَانِ فَصَارَ الْفَصْلُ بَيْنَ أَبْعَاضِ الصَّلَاةِ الْمُتَابِعِ تَارَةً بِفِعْلِ يُوجِبُ تَغْيِيرَهَا وَتَارَةً بِفِعْلِ لَا جُنَاحَ عَلَى فَاعِلِهِ لِكَوْنِهِ لَيْسَ مُكَلَّفًا بِتَرْكِهِ يُشْبِهُهُ الْفَصْلُ بَيْنَ الصِّيَامِ الْمُتَتَابِعِ: تَارَةً بِصَوْمِ أَوْ فِطْرٍ وَاجِبٍ وَتَارَةً بِحَيْضِ أَوْ نِفَاسٍ أَوْ مَرَضٍ يَعْجِزُ مَعَهُ عَنْ الصَّوْمِ. وَلِهَذَا طَرَدَ أَحْمَد ذَلِكَ؛ وَلَوْ وَقَعَ هَذَا التَّفْرِيقُ لِغَيْرِ عُذْرٍ أَبْطَلَ الصَّلَاةَ بِالِاتِّفَاقِ فَالْوُضُوءُ أَوْلَى أَنْ لَا يُسَوَّى بَيْنَ تَفْرِيقِهِ لِعُذْرِ وَلِغَيْرِ عُذْرٍ. وَأَمَّا كَوْنُهُ فِي حُكْمِ الْمُصَلِّي فَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُفَرِّقَ الصَّلَاةَ إلَّا بِمَا يُعْفَى عَنْهُ فِيهِ فَإِذَا أَتَى بِمَا يُنَافِيهَا - مِنْ كَلَامٍ عَمْدٍ أَوْ عَمَلٍ كَثِيرٍ؛ أَوْ اسْتِدْبَارِ قِبْلَةٍ لِغَيْرِ عُذْرٍ - كَانَ قَدْ فَصَلَ بَيْنَ أَبْعَاضِهَا وَفَرَّقَ بَيْنَهَا بِمَا يُنَافِيهَا لِغَيْرِ عُذْرٍ؛ فَتَبْطُلُ صَلَاتُهُ؛ كَمَا لَوْ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ فَسَلَّمَ عَمْدًا؛ فَإِنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالرَّكْعَتَيْنِ الْأَخِيرَتَيْنِ بَلْ يَسْتَأْنِفُ الصَّلَاةَ وَلَوْ سَلَّمَ سَهْوًا بَنَى عَلَى الْأَوَّلِ بِالسُّنَّةِ الْمُتَوَاتِرَةِ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ وَاتِّفَاقِهِمْ عَلَى ذَلِكَ وَالْمُسْلِمُ إنَّمَا هُوَ خَارِجٌ مِنْ الصَّلَاةِ وَزَائِدٌ عَلَى الْفِعْلِ الْمَأْمُورِ بِهِ فَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ عَمْدًا لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ وَلَا مَحْذُورَ فِي ذَلِكَ إلَّا قَطْعُ الصَّلَاةِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْوِتْرِ بِثَلَاثِ مُتَّصِلَةٍ وَثَلَاثٍ يُفْصَلُ فِيهَا بَيْنَ الشَّفْعِ وَالْوِتْرِ: إلَّا بِمُجَرَّدِ الْفَصْلِ؟

стр. 178

وَلِهَذَا يَقُولُونَ: يُفْصَلُ بَيْنَ الشَّفْعِ وَالْوَتْرِ بِتَسْلِيمَةٍ؛ أَوْ لَا يُفْصَلُ بِتَسْلِيمَةٍ. فَمِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ مَنْ لَا يُسَوِّغُ الْفَصْلَ كَالْمَغْرِبِ. وَيَجْعَلُ وَتْرَ اللَّيْلِ لَا يَكُونُ إلَّا كَوِتْرِ النَّهَارِ مُتَّصِلًا غَيْرَ مُنْفَصِلٍ. وَمِنْ أَهْلِ الْحِجَازِ مَنْ لَا يُسَوِّغُ إلَّا الْفَصْلَ؛ لِقَوْلِهِ ﷺ : "صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى فَإِذَا خَشِيت الصُّبْحَ فَأَوْتِرْ بِرَكْعَةِ". وَفُقَهَاءُ أَهْلِ الْحَدِيثِ يَخْتَارُونَ الْفَصْلَ لِصِحَّةِ الْآثَارِ وَكَثْرَتِهَا بِهِ وَإِنْ جَوَّزُوا الْوَصْلَ. وَالْمَقْصُودُ هُنَا: أَنَّهُمْ لَا يَذْكُرُونَ بَيْنَ صُورَتَيْ الْوِتْرِ فَرْقًا: إلَّا كَوْنَ هَذَا مُتَّصِلًا وَهَذَا مُنْفَصِلًا. وَهَذَا هُوَ الْمُوَالَاةُ وَالتَّفْرِيقُ؛ فَتُبَيِّنُ أَنَّ السَّلَامَ الْعَمْدَ إنَّمَا أَبْطَلَ الصَّلَاةَ الْمَكْتُوبَةَ وَنَحْوَهَا مِمَّا سُنَّتُهُ الِاتِّصَالُ: لِأَجْلِ تَفْرِيقِ بَعْضِ الصَّلَاةِ عَنْ بَعْضٍ وَهُوَ إذَا فَعَلَ ذَلِكَ سَهْوًا لَمْ تَبْطُلْ وَكُلُّ مَا يُنَافِي الصَّلَاةَ مِنْ فِعْلٍ أَوْ عَمَلٍ كَثِيرٍ؛ أَوْ تَعَمُّدِ كَلَامٍ وَتَرْكِ شَرْطٍ مِنْ شُرُوطِهَا - مِنْ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ أَوْ سَتْرِ عَوْرَتِهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ - فَإِنَّهُ مَعَ مُنَافَاتِهِ بِفَرْقِ بَيْنَ أَبْعَاضِ الصَّلَاةِ وَيُمْكِنُ أَنْ يَخْرُجَ مِنْهَا كَمَا يَخْرُجُ بِالسَّلَامِ؛ وَلِهَذَا ذَهَبَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِرَاقِ إلَى أَنَّهُ يَخْرُجُ مِنْهَا بِكُلِّ مَا يُنَافِيهَا كَمَا يَخْرُجُ بِالسَّلَامِ لَكِنَّ فُقَهَاءَ الْحَدِيثِ وَأَهْلَ الْحِجَازِ مَنَعُوا ذَلِكَ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : "مِفْتَاحُ الصَّلَاةِ الطَّهُورُ وَتَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ وَتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ" وَلِغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأُمُورِ الَّتِي يَتَبَيَّنُ أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ فِيهَا إلَّا بِالْمَشْرُوعِ؛ وَلَا يَخْرُجُ إلَّا بِالْمَشْرُوعِ» إلخ. ما ذكره ﵀ فقد أطال في ذلك النفس وبسط القول. * * *

стр. 179

قال المؤلف رحمه الله تعالى: ٨ - عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى الْمَازِنِيِّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: «شَهِدْتُ عَمْرَو بْنَ أَبِي حَسَنٍ سَأَلَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ زَيْدٍ عَنْ وُضُوءِ النَّبِيِّ ﷺ ؟ فَدَعَا بِتَوْرٍ مِنْ مَاءٍ، فَتَوَضَّأَ لَهُمْ وُضُوءَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَكْفَأَ عَلَى يَدَيْهِ مِنْ التَّوْرِ، فَغَسَلَ يَدَيْهِ ثَلاثاً، ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فِي التَّوْرِ، فَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ وَاسْتَنْثَرَ ثَلاثاً بِثَلاثِ غَرَفَاتٍ، ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فَغَسَلَ وَجْهَهُ ثَلاثاً، ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فِي التَّوْرِ، فَغَسَلَهُمَا مَرَّتَيْنِ إلَى الْمِرْفَقَيْنِ ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فِي التَّوْرِ، فَمَسَحَ رَأْسَهُ، فَأَقْبَلَ بِهِمَا وَأَدْبَرَ مَرَّةً وَاحِدَةً، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ». وَفِي رِوَايَةٍ: «بَدَأَ بِمُقَدَّمِ رَأْسِهِ، حَتَّى ذَهَبَ بِهِمَا إلَى قَفَاهُ، ثُمَّ رَدَّهُمَا حَتَّى رَجَعَ إلَى الْمَكَانِ الَّذِي بَدَأَ مِنْهُ». وَفِي رِوَايَةٍ «أَتَانَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأَخْرَجْنَا لَهُ مَاءً فِي تَوْرٍ مِنْ صُفْرٍ». التَّوْرُ: شِبْهُ الطَّسْتِ. اهـ قوله: «فَدَعَا بِتَوْرٍ مِنْ مَاءٍ» التور قيل أنَّه: قدح، وقيل: إناء يشرب منه. وقيل هو الطست، وقيل يشبه الطست، وقيل هو مثل القدر يكون من صفر أو حجارة. وقوله: «فِي تَوْرٍ مِنْ صُفْرٍ» الصُفْر النحاس، ويسمى أيضاً الشَبَه، قيل: إنَّه سمي بذلك لكونه يشبه الذهب. وقوله: «غَرَفَاتٍ» الغَرفة بالفتح بمعنى المصدر، والغَرفة المرة الواحدة، وبالضم بمعنى المغروف وهي ملء الكف. وفي الحديث عدة مسائل:

стр. 180

١ - جواز الوضوء في آنية الصفر. والطهارة جائزة من الأواني الطاهرة كلها، إلَّا الذهب والفضة، على الصحيح قياساً على النهي من الشرب فيهما. وبه قال أكثر العلماء. ٢ - فيه دليل على استحباب الجمع بين المضمضة، الاستنشاق. قال العلامة النووي ﵀ في [شرح المهذب] (١/ ٣٩٨): «وأمَّا الفصل، فلم يثبت فيه حديث أصلاً، وإنَّما جاء في حديث طلحة بن مصرف، وهو ضعيف» اهـ. وقال العلامة الشوكاني ﵀ في [السيل الجرار] (١/ ٨٨٩): «وقد ورد الفصل بين المضمضة، والاستنشاق كما في حديث طلحة بن مصرف عن أبيه عن جده قال: "رأيت النبي ﷺ يفصل بين المضمضة، والاستنشاق" وقد أعلوا هذا الحديث بجهالة مصرف والد طلحة، ولكنه قد حسن إسناده ابن الصلاح في كلامه على المهذب، وقد وثق ابنه طلحة ابن معين، وأبو حاتم، وكانوا يسمونه سيد القراء» اهـ. قلت: الحديث رواه أبو داود (١٣٩). قال العلامة البيهقي ﵀ في [السنن الكبرى] (١/ ٥١): «وقال أبو داود في حديث آخر لليث بن أبي سليم عن طلحة بن مصرف عن أبيه عن جده في الوضوء، قال مسدد: فحدثت به يحيى يعني القطان فأنكره، قال أبو داود: سمعت
следующие страницы →