Полный текст (8 095 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.
стр. 1156
بالقرآن وسماعه عن قرآن الشيطان وسماعه وهو الغناء والمعازف، وعوضهم بالمغالبة بالخيل والإبل والبهائم عن الغلابات الباطلة كالنرد والشطرنج والقمار، وعوضهم بيوم الجمعة عن السبت والأحد، وعوضهم الجهاد عن السياحة والرهبانية، وعوضهم بالنكاح عن السفاح، وعوضهم بأنواع المكاسب الحلال عن الربا، وعوضهم بإباحة الطيبات من المطاعم والمشارب عن الخبيث منها، وعوضهم بعيد الفطر والنحر عن أعياد المشركين، وعوضهم بالمساجد عن الكنائس والبيع والمشاهد، وعوضهم بالاعتكاف والصيام وقيام الليل عن رياضات أهل الباطل من الجوع والسهر والخلوة التي يعطل فيها دين الله، وعوضهم بما سنه لهم على لسان رسوله عن كل بدعة وضلالة» اهـ.
وللأذان فضائل كثيرة منها:
أ- أنَّه مطردة للشيطان.
فروى البخاري (٦٠٨)، ومسلم (٣٨٩) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ أَدْبَرَ الشَّيْطَانُ وَلَهُ ضُرَاطٌ حَتَّى لَا يَسْمَعَ التَّأْذِينَ».
وروى مسلم (٣٨٨) عَنْ جَابِرٍ قَالَ سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّ الشَّيْطَانَ إِذَا سَمِعَ النِّدَاءَ بِالصَّلَاةِ ذَهَبَ حَتَّى يَكُونَ مَكَانَ الرَّوْحَاءِ».
قَالَ سُلَيْمَانُ فَسَأَلْتُهُ عَنْ الرَّوْحَاءِ فَقَالَ هِيَ مِنْ الْمَدِينَةِ سِتَّةٌ وَثَلَاثُونَ مِيلًا.
ب- الاستهام عليه لعظيم فضله.
стр. 1157
فروى البخاري (٦١٥)، ومسلم (٤٣٧) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي النِّدَاءِ وَالصَّفِّ الأَوَّلِ ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا إِلاَّ أَنْ يَسْتَهِمُوا عَلَيْهِ لَاسْتَهَمُو».
ج- شهادة كل من سمع الأذان للمؤذن.
فروى البخاري (٦٠٩)، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ الأَنْصَارِيِّ ثُمَّ الْمَازِنِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ قَالَ لَهُ:
«إِنِّي أَرَاكَ تُحِبُّ الْغَنَمَ وَالْبَادِيَةَ فَإِذَا كُنْتَ فِي غَنَمِكَ، أَوْ بَادِيَتِكَ فَأَذَّنْتَ بِالصَّلَاةِ فَارْفَعْ صَوْتَكَ بِالنِّدَاءِ، فَإِنَّهُ لَا يَسْمَعُ مَدَى صَوْتِ الْمُؤَذِّنِ جِنٌّ، وَلَا إِنْسٌ، وَلَا شَيْءٌ إِلاَّ شَهِدَ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ قَالَ أَبُو سَعِيدٍ سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ».
د- طول أعناق المؤذنين يوم القيامة.
فروى مسلم (٣٨٧) عَنْ طَلْحَةَ بْنِ يَحْيَى عَنْ عَمِّهِ قَالَ كُنْتُ عِنْدَ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ فَجَاءَهُ الْمُؤَذِّنُ يَدْعُوهُ إِلَى الصَّلَاةِ فَقَالَ مُعَاوِيَةُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «الْمُؤَذِّنُونَ أَطْوَلُ النَّاسِ أَعْنَاقًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ».
هـ- ما يناله المؤذن من المغفرة العظيمة.
فروى أحمد (٩٥٣٧)، وأبو داود (٥١٥)، والنسائي (٦٤٥)، وابن ماجه (٧٢٤) حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ النَّمَرِىُّ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ مُوسَى بْنِ أَبِي عُثْمَانَ عَنْ أَبِي يَحْيَى عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ: «الْمُؤَذِّنُ يُغْفَرُ لَهُ مَدَى صَوْتِهِ وَيَشْهَدُ لَهُ كُلُّ رَطْبٍ وَيَابِسٍ وَشَاهِدُ الصَّلَاةِ يُكْتَبُ لَهُ خَمْسٌ وَعِشْرُونَ صَلَاةً وَيُكَفَّرُ عَنْهُ مَا بَيْنَهُمَا».
стр. 1158
قلت: فيه ضعف يسير.
وروى أحمد (٧٦٠٠) حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ أُنَيْسٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : «إِنَّ الْمُؤَذِّنَ يُغْفَرُ لَهُ مَدَى صَوْتِهِ، وَيُصَدِّقُهُ كُلُّ رَطْبٍ وَيَابِسٍ سَمِعَهُ، وَلِلشَّاهِدِ عَلَيْهِ خَمْسٌ وَعِشْرُونَ دَرَجَةً».
قلت: عباد لم يوثقه معتبر.
وقد أعلَّ أبو زرعة رواية معمر هذه فقال الحافظ ابن أبي حاتم ﵀ في [العلل] (١/ ١٩٣ - ١٩٤):
«وسئل أبو زرعة عن حديث؛ رواه أبو أسامة، عن الحسن بن الحكم، عن أبي هبيرة، يحيى بن عباد الأنصاري، عن شيخ من الأنصار.
عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ ، أنَّه قال: "إنَّ المؤذن يغفر له مدى صوته ويصدقه كل رطب ويابس".
وروى هذا الحديث وهيب، عن منصور، عن يحيى بن عباد، عن عطاء، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ .
وكذا رواه جرير، عن منصور، عن يحيى بن عباد، عن عطاء، رجل من أهل المدينة، عن أبي هريرة موقوفاً، ولم يرفعه.
فقال أبو زرعة: الصحيح حديث منصور.
قيل لأبي زرعة: قال عبد الرزاق: عن معمر، عن منصور، عن عباد بن أنيس، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ .
стр. 1159
قال أبو زرعة: حديث معمر وهم» اهـ.
وروى البيهقي في [الكبرى] (٢١١١) فقال وَرَوَاهُ حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ كَمَا أَخْبَرَنَاهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ حَدَّثَنَا أَبُو حَامِدٍ: أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ شُعَيْبٍ الْفَقِيهُ حَدَّثَنَا السَّرِىُّ بْنُ خُزَيْمَةَ حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْوَاسِطِىُّ حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «الْمُؤَذِّنُ يُغْفَرُ لَهُ مَدَى صَوْتَهُ، وَيَشْهَدُ لَهُ كُلُّ رَطْبٍ وَيَابِسٍ سَمِعَهُ».
قلت: إسناده محتمل للتحسين من أجل أبي حامد.
وروى أحمد (١٨٧٠٠)، والنسائي (٦٤٢) من طريق مُعَاذ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الْكُوفِيِّ، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، أَنَّ نَبِيَّ اللهِ ﷺ ، قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى الصَّفِّ الْمُقَدَّمِ، وَالْمُؤَذِّنُ يُغْفَرُ لَهُ مَدَّ صَوْتِهِ، وَيُصَدِّقُهُ مَنْ سَمِعَهُ مِنْ رَطْبٍ وَيَابِسٍ، وَلَهُ مِثْلُ أَجْرِ مَنْ صَلَّى مَعَهُ».
قلت: لا يصح سماع قتادة من أبي إسحاق.
ويشهد لآخره ما رواه مسلم (٢٦٧٤) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ دَعَا إِلَى هُدًى كَانَ لَهُ مِنْ الْأَجْرِ مِثْلُ أُجُورِ مَنْ تَبِعَهُ لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا وَمَنْ دَعَا إِلَى ضَلَالَةٍ كَانَ عَلَيْهِ مِنْ الْإِثْمِ مِثْلُ آثَامِ مَنْ تَبِعَهُ لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ آثَامِهِمْ شَيْئًا».
وروى الطبراني في [المعجم الكبير] (١٣٢٨٧) حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بن إِسْحَاقَ التُّسْتَرِيُّ، وَخَلَفُ بن عَمْرٍو الْعُكْبَرِيُّ، قَالا: حَدَّثَنَا دَاوُدُ بن رُشَيْدٍ، حَدَّثَنَا مُعْتَمِرُ بن سُلَيْمَانَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بن بِشْرٍ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ:
стр. 1160
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «الْمُؤَذِّنُ يُغْفَرُ لَهُ مَدَّ صَوْتِهِ، وَيَشْهَدُ لَهُ كُلُّ رَطْبٍ».
قلت: هذا حديث ظاهر إسناده الحسن، لكن رجح الحافظ الدارقطني ﵀ فيه الإرسال فقال في [العلل] (٨/ ٢٣٦):
«يرويه الأعمش، واختلف عنه؛ فرواه محمد بن عبيد الطنافسي، وعمرو بن عبد الغفار، عن الأعمش، عن مجاهد، عن أبي هريرة.
وقال عمار بن رزيق: عن الأعمش، عن مجاهد، عن ابن عمر.
وقال غيرهم: عن الأعمش، عن مجاهد مرسل، والمرسل أشبه» اهـ.
قلت: وثم اختلاف آخر فقد رواه أحمد (٦٢٠٢) حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ، حَدَّثَنَا زَائِدَةُ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ رَجُلٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ:
«يَغْفِرُ اللَّهُ لِلْمُؤَذِّنِ مُنْتَهَى أَذَانِهِ، وَيَسْتَغْفِرُ لَهُ كُلُّ رَطْبٍ وَيَابِسٍ سَمِعَ صَوْتَهُ».
قلت: أحاديث الباب يقوي بعضها بعضاً.
قال الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٣/ ٤٣٦):
«وأمَّا قوله في الحديث الآخر: "يغفر له مدى صوته".
فقيل: معناه: لو كانت ذنوبه أجساماً لغفر له منها قدر ما يملأ المسافة التي بينه وبين منتهى صوته.
وقيل: معناه: تمد له الرحمة بقدر مد الأذان.
وقال الخطأبي: معناه أنَّه يستكمل مغفرة الله تعالى إذا استوفى وسعه في رفع الصوت، فيبلغ الغاية من المغفرة إذا بلغ الغاية من الصوت» اهـ.
стр. 1161
و- الأذان من أسباب النجاة من النار.
فروى مسلم (٣٨٢) عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُغِيرُ إِذَا طَلَعَ الْفَجْرُ وَكَانَ يَسْتَمِعُ الْأَذَانَ فَإِنْ سَمِعَ أَذَانًا أَمْسَكَ وَإِلَّا أَغَارَ فَسَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "عَلَى الْفِطْرَةِ". ثُمَّ قَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "خَرَجْتَ مِنْ النَّارِ". فَنَظَرُوا فَإِذَا هُوَ رَاعِي مِعْزًى».
ز- ومن فضائلة أنَّه هو الدعوة التامة.
فروى البخاري (٦١٤) عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ قَالَ حِينَ يَسْمَعُ النِّدَاءَ اللَّهُمَّ رَبَّ هَذِهِ الدَّعْوَةِ التَّامَّةِ وَالصَّلَاةِ الْقَائِمَةِ آتِ مُحَمَّدًا الْوَسِيلَةَ وَالْفَضِيلَةَ وَابْعَثْهُ مَقَامًا مَحْمُودًا الَّذِي وَعَدْتَهُ حَلَّتْ لَهُ شَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ».
قال الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٣/ ٤٦٥):
«والمراد بالدعوة التامة: دعوة الأذان؛ فإنَّها دعاء إلى اشرف العبادات، والقيام في مقام القرب والمناجاة؛ فلذلك كانت دعوة تامة - أي: كاملة لا نقص فيها، بخلاف ما كانت دعوات أهل الجاهلية: إمَّا في استنصار على عدو، أو إلى نعي ميت، أو إلى طعام، ونحو ذلك مما هو ظاهره النقص والعيب» اهـ.
وقد تكلم الحافظ ابن رجب ﵀ على معنى الربوبية للدعوة التامة وذكر أقوالاً منها قوله (٣/ ٤٦٨):
стр. 1162
«ومنها: أنَّ الرب ما يضاف إليه الشيء، وإن لم يكن خلقاً له، كرب الدار ونحوه، فالكلام يضاف إلى الله؛ لأنَّه هو المتكلم به، ومنه بدأ، وإليه يعود، فهذا بمعنى إضافته إلى ربوبية الله.
وقد صرح بهذا المعنى الاوزاعي، وقال فيمن قال: برب القران: إن لم يرد ما يريد الجهمية فلا بأس.
يعني: إذا لم يرد بربوبيته خلقه كما يريده الجهمية، بل أراد اضافة الكلام إلى المتكلم به» اهـ.
قلت: فمعنى رب الدعوة أي صاحبها وهذا نحو قول الله تعالى: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [الصافات: ١٨٠].
ومعنى الصلاة القائمة أي التي سوف تقوم أو بمعنى الدائمة من قولهم: قام على الشيء إذا داوم عليه.
وأمَّا الوسيلة فهي أعلى درجة في الجنة فروى مسلم (٣٨٤) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «إِذَا سَمِعْتُمْ الْمُؤَذِّنَ فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ ثُمَّ صَلُّوا عَلَيَّ فَإِنَّهُ مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلَاةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا ثُمَّ سَلُوا اللَّهَ لِي الْوَسِيلَةَ فَإِنَّهَا مَنْزِلَةٌ فِي الْجَنَّةِ لَا تَنْبَغِي إِلَّا لِعَبْدٍ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ وَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَنَا هُوَ فَمَنْ سَأَلَ لِي الْوَسِيلَةَ حَلَّتْ لَهُ الشَّفَاعَةُ».
وقال ﵀ (٣/ ٤٦٨): «وأمَّا "الفضيلة"، فالمراد - والله أعلم-: إظهار فضيلته على الخلق أجمعين يوم القيامة وبعده، واشهاد تفضيله عليهم في ذلك الموقف، كما قال: "أنا سيد ولد آدم يوم القيامة"» اهـ.
стр. 1163
للأذان فوائد كثيرة منها:
- الدعوة إلى الصلاة.
- ومنها: الإعلام بدخول الوقت.
- ومنها: الإعلان بشرائع الإسلام من التوحيد والتكبير والتهليل والشهادة بالوحدانية والرسالة.
قلت: واختلف العلماء هل الأذان أفضل أم الإمامة.
فمن فضل الأذان احتج بهذه الأدلة وغيرها.
ومن فضل الإقامة احتج بإمامة النبي ﷺ والخلفاء الراشدين.
وللشافعي وأحمد في ذلك قولان.
والأظهر هو أنَّ الأذان أفضل لكثرة الترغيب فيه، ومثل ذلك لم يأت في الإمامة، وترك النبي ﷺ وخلفاؤه للأذان بسبب انشغالهم بما هو أوكد عليهم منه.
ويدل على ذلك ما رواه عبد الرزاق في [مصنفه] (١٨٦٩)، وابن أبي شيبة في [مصنفه] (٢٣٣٤، ٢٣٤٥)، والبيهقي في [الكبرى] (٢٠٠٢، ٢٠٤١)، والطحاوي في [شرح مشكل الآثار] (٥/ ٤٤٤)، وأبو نعيم في [الصلاة] (١٩٣، ٢٩٦)، وابن المنذر في [الأوسط] (١١٥٥)، وابن سعد في [الطبقات] (٣٨٤٨) من طريق قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ قَالَ: قَالَ عُمَرُ: «لَوْ كُنْتُ أُطِيقُ الْأَذَانَ مَعَ الْخِلِّيفَا لَأَذَّنْتُ».
قلت: هذا أثر صحيح.
стр. 1164
قال الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٥/ ٢٩٥):
«وممن رأى الأذان أفضل من الإمامة: الشافعي في أصح قوليه، نص عليه في "الأم"، وعلى كراهة الإمامة؛ لما فيها من الضمان.
وهو - أيضاً - أصح الروايتين عن أحمد» اهـ.
قلت: وعند الحنفية أنَّ الإمامة أفضل من الأذان.
ولم يثبت عن النبي ﷺ أنَّه تولى الأذان بنفسه.
وأمَّا ما رواه الترمذي (٤١١) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مُوسَى قَالَ: حَدَّثَنَا شَبَابَةُ بْنُ سَوَّارٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ الرَّمَّاحِ، عَنْ كَثِيرِ بْنِ زِيَادٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ بْنِ يَعْلَى بْنِ مُرَّةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ: «أَنَّهُمْ كَانُوا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي سَفَرٍ، فَانْتَهَوْا إِلَى مَضِيقٍ، فَحَضَرَتِ الصَّلَاةُ، فَمُطِرُوا، السَّمَاءُ مِنْ فَوْقِهِمْ، وَالبِلَّةُ مِنْ أَسْفَلَ مِنْهُمْ، فَأَذَّنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ عَلَى رَاحِلَتِهِ، وَأَقَامَ، فَتَقَدَّمَ عَلَى رَاحِلَتِهِ، فَصَلَّى بِهِمْ يُومِئُ إِيمَاءً: يَجْعَلُ السُّجُودَ أَخْفَضَ مِنَ الرُّكُوعِ». هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ، تَفَرَّدَ بِهِ عُمَرُ بْنُ الرَّمَّاحِ البَلْخِيُّ لَا يُعْرَفُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِهِ، وَقَدْ رَوَى عَنْهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ اهـ.
قلت: وهذا حديث لا يثبت فعمرو بن عثمان بن يعلى بن مرة لا يعرف هو ولا أبوه.
وقد روى الحديث جماعة عن عمر بن الرماح، وليس في حديثهم أنَّ النبي ﷺ أذن، وإنَّما فيه أنَّه أمر المؤذن أن يؤذن منهم:
يحيى بن يحيى النيسابوري، وحديثه عند البيهقي في [الكبرى] (٢٢٢٤).
стр. 1165
وسريج بن النعمان، وحديثه عند أحمد في [المسند] (١٧٥٧٣).
والهيثم بن جميل، وحديثه عند الدولابي في [الكنى] (٤٥٤).
ويحيى بن أبي بكير الكرماني، وحديثه عند الطوسي في [مستخرجه] (٣٩٦).
والحسين بن موسى الأشيب، وحديثه عند الخطيب في [تاريخ بغداد] (١١/ ١٨٣).
قلت: وحديثهم هو المحفوظ. والله أعلم.
قال العلامة النووي ﵀ في [شرح مسلم] (٤/ ٧٨):
«وقوله: "أُمر بلال" هو بضم الهمزة وكسر الميم أي أمره رسول الله ﷺ هذا هو الصواب الذي عليه جمهور العلماء من الفقهاء وأصحاب الأصول وجميع المحدثين وشذ بعضهم فقال هذا اللفظ وشبهه موقوف لاحتمال أن يكون الآمر غير رسول الله ﷺ وهذا خطأ والصواب أنَّه مرفوع لأنَّ إطلاق ذلك إنَّما ينصرف إلى صاحب الأمر والنهي وهو رسول الله ﷺ ومثل هذا اللفظ قول الصحابي أمرنا بكذا ونهينا عن كذا أو أمر الناس بكذا ونحوه فكله مرفوع سواء قال الصحابي ذلك في حياة رسول الله ﷺ أم بعد وفاته والله أعلم» اهـ.
قلت: وقد روى النسائي (٦٢٦) أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: «إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمَرَ بِلَالًا أَنْ يَشْفَعَ الْأَذَانَ، وَأَنْ يُوتِرَ الْإِقَامَةَ».
لكن قال الحافظ ابن عبد البر ﵀ في [التمهيد] (١٨/ ٣١٥):
стр. 1166
«ذكر عباس عن يحيى بن معين قال: لم يرفع هذا الحديث غير عبد الوهاب قال وقد رواه إسماعيل ووهب ولم يرفعاه.
قال أبو عمر: يعني أنَّه لم يقل أحد في حديث أنس هذا "أن رسول الله ﷺ أمر بلالاً" غير عبد الوهاب من أصحاب أيوب وغيرهم يقولون أمر بلال ولا يذكرون النبي ﵇» اهـ.
قوله: " يشفع الأذان" أن يجعله شفعاً: مثنى مثنى.
و قوله: "يوتر الإقامة" أن يجعلها وتراً، أي: فرداً، فرداً. والشفع ضد الوتر: فالوتر: الفرد، والشفع الزوج.
وفي الحديث مسائل منها:
١ - أنَّ الأذان شفع.
قلت: الأذان شفع كما دلت عليه الأدلة وبه قال الأئمة لكنهم اختلفوا هل يربع التكبير في أوله أم يثنى. فذهب الجمهور ومنهم الأئمة الثلاثة إلى تربيعه وخالف الإمام مالك ﵀ فذهب إلى تثنية التكبير في أوله، واحتج بما جاء في بعض أحاديث أبي محذورة وعبد الله بن زيد من ذكر التثنية في أوله، ولا يصح ذلك في حديثيهما، والصحيح في حديثيهما تربيع التكبير.
وقد روى مسلم (٨٤٠) حَدَّثَنِي أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِيُّ مَالِكُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ أَبُو غَسَّانَ: حَدَّثَنَا مُعَاذٌ، وَقَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ، صَاحِبِ الدَّسْتُوَائِيِّ، وَحَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ عَامِرٍ الْأَحْوَلِ، عَنْ مَكْحُولٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُحَيْرِيزٍ، عَنْ أَبِي مَحْذُورَةَ، أَنَّ نَبِيَّ اللهِ ﷺ عَلَّمَهُ هَذَا
стр. 1167
الْأَذَانَ: «اللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ»، ثُمَّ يَعُودُ فَيَقُولُ: «أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ مَرَّتَيْنِ، حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ مَرَّتَيْنِ» زَادَ إِسْحَاقُ: «اللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ».
قلت: هكذا روى الحديث بتثنية التكبير في أوله.
قال العلامة النووي ﵀ في [شرح مسلم] (٤/ ٣٠٢):
«هكذا وقع هذا الحديث في صحيح مسلم في أكثر الأصول في أوله الله أكبر مرتين فقط ووقع في غير مسلم الله أكبر الله أكبر الله أكبر الله أكبر أربع مرات. قال القاضي عياض ﵀: ووقع في بعض طرق الفارسي في صحيح مسلم أربع مرات» اهـ.
قلت: وفي حديث أبي محذورة الترجيع، وهو سنة مشروعة.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كما في [مجموع الفتاوى] (٢٢/ ٦٨):
«وَالتَّرْجِيعُ فِي الْأَذَانِ اخْتِيَارُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ: لَكِنَّ مَالِكًا يَرَى التَّكْبِيرَ مَرَّتَيْنِ وَالشَّافِعِيَّ يَرَاهُ. أَرْبَعًا وَتَرْكُهُ اخْتِيَارُ أَبِي حَنِيفَةَ. وَأَمَّا أَحْمَد فَعِنْدَهُ كِلَاهُمَا سُنَّةٌ وَتَرْكُهُ أَحَبُّ إلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ أَذَانُ بِلَالٍ. وَالْإِقَامَةُ يَخْتَارُ إفْرَادُهَا مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَد وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ يَقُولُ: إنَّ تَثْنِيَتَهَا سُنَّةٌ وَالثَّلَاثَةُ: أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَد يَخْتَارُونَ تَكْرِيرَ لَفْظِ الْإِقَامَةِ دُونَ مَالِكٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ» اهـ.
قلت: والذي ينبغي للمؤذن إذا أذن بأذان بلال أن يقيم بإقامته، ومن أذن بأذان أبي محذورة أن يقيم بإقامته، وإن فعل خلاف ذلك شرع.
стр. 1168
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كما في [مجموع الفتاوى] (٢٢/ ٦٨)
«وَأَمَّا الْأَذَانُ الَّذِي هُوَ شِعَارُ الْإِسْلَامِ فَقَدْ اسْتَعْمَلَ فُقَهَاءُ الْحَدِيثِ - كَأَحْمَدَ - فِيهِ جَمِيعَ سُنَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ اسْتَحْسَنَ أَذَانَ بِلَالٍ وَإِقَامَتَهُ وَأَذَانَ أَبِي مَحْذُورَةَ وَإِقَامَتَهُ» اهـ.
٢ - وفيه أنَّ الإقامة تكون وتراً.
قال الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٤/ ١٩٤):
«واختلف العلماء في صفة الإقامة على أقوال:
أحدها: أنَّها فرادى سوى التكبير فإنَّه مرتين في أولها وآخرها، وهذا قول مالك والليث والشافعي في القديم.
وممن روي عنه الأمر بإفراد الإقامة: ابن عمر وسلمة بن الأكوع وعطاء والحسن وعمر بن عبد العزيز وعروة، ومكحول والزهري، وقالا: مضت السنة بذلك.
وقال بكير بن الأشج: أدركت أهل المدينة على ذلك.
والقول الثاني: أنَّه تفرد الإقامة سوى التكبير، وكلمة الإقامة فإنَّها تثنى، وهو المشهور من مذهب الشافعي وقول أحمد وإسحاق. وروي عن الحسن ومكحول والزهري والأوزاعي.
وللشافعية وجه- ومنهم من حكاه قولاً-: أنَّه يفرد التكبير- أيضاً- في أول الإقامة وآخرها، مع إفراد لفظ الإقامة.
ولهم قول آخر: أنَّه يفرد التكبير في آخرها خاصة، مع لفظ الإقامة.
стр. 1169
والثالث: أنَّ الإقامة كالأذان مثنى مثنى؛ لحديث أبي محذورة.
وروي- أيضاً- من حديث ابن أبي ليلى، عن معاذ وعن بلال وعن أصحاب محمد، كما سبق ذكر الاختلاف عنه.
وهو قول الكوفيين: النخعي والثوري والحسن بن صالح وأبي حنيفة وأصحابه وأبي بكر بن أبي شيبة، وهو قول مجاهد وابن المبارك. وروي عن علي، وذكره حجاج بن أرطاة، عن أبي إسحاق، عن أصحاب علي وابن مسعود. وروي- أيضاً- عن سلمة بن الأكوع.
وقال النخعي: لا بأس إذا بلغ "حي على الصلاة، حي على الفلاح" أن يقولها مرة مرة.
ولو أنَّ الأذان يؤذن فأقام، فقال النخعي والشعبي: يعيد الأذان.
وقال الثوري: يجعل إقامته إذا قام [٠٠٠].
ومذهب مالك: أنَّه يعيد الأذان؛ لكنه يرى الإقامة فرادى.
والرابع: أنَّه يجوز تثنية الإقامة وإفرادها، والإفراد أفضل، وهو قول أحمد وإسحاق وداود الظاهري وجماعة من فقهاء أهل الحديث؛ لورود الحديث بذلك كله.
وكذا قال ابن خزيمة؛ لكنَّه قال: يجوز الترجيع في الأذان مع تثنية الإقامة، وتثنية الأذان بغير ترجيع مع إفراد الإقامة.
فأمَّا تثنية الأذان من غير ترجيع وتثنية الإقامة، فلم يصح ذلك عن النبي ﷺ .
стр. 1170
والخامس: إن أذن وأقام أفرد الإقامة، وإن صلى وحده، وإن اقتصر على الإقامة ثناها لتكون له تأذيناً، روي ذلك عن أبي العالية وسليمان بن موسى، ونقله حرب عن إسحاق» اهـ.
قلت: قد ثبت الإفراد في إقامة بلال، وثبتت التثنية في إقامة أبي محذورة وكل سنة.
فروى أحمد (١٥٣٨١)، والترمذي (١٩٢)، والنسائي (٦٣٠، ٦٣١) من طريق هَمَّامٍ، عَنْ عَامِرٍ الْأَحْوَلِ، عَنْ مَكْحُولٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَيْرِيزٍ، عَنْ أَبِي مَحْذُورَةَ، «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ عَلَّمَهُ الأَذَانَ تِسْعَ عَشْرَةَ كَلِمَةً، وَالإِقَامَةَ سَبْعَ عَشْرَةَ كَلِمَةً».
٣ - واحتج به للإمام مالك ﵀ في قوله بإفراد لفظة "قد قامت الصلاة" في الإقامة.
قلت: وهذا القول مردود بما رواه البخاري (٦٠٥)، ومسلم (٣٧٨) عن أنس قال: «أُمِرَ بِلَالٌ أَنْ يَشْفَعَ الأَذَانَ، وَأَنْ يُوتِرَ الإِقَامَةَ إِلاَّ الإِقَامَة».
قال الحافظ ابن عبد البر ﵀ في [التمهيد] (١٨/ ٣١٦):
«يريد بقوله إلَّا الإقامة قوله قد قامت الصلاة فإنَّها لا تفرد وتثنى يقول أمر بلال أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة إلَّا قوله قد قامت الصلاة فإنَّه مثنى» اهـ.
٤ - ويدل الحديث على وجوب الأذان وهو من الواجبات الكفائية. وهذا هو الصحيح من أقوال أهل العلم وهو مذهب الإمام أحمد فإنَّه من الشعائر العظيمة التي يقاتل الناس على تركها.
стр. 1171
وقد روى مسلم مسلم (٣٨٢) عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُغِيرُ إِذَا طَلَعَ الْفَجْرُ وَكَانَ يَسْتَمِعُ الْأَذَانَ فَإِنْ سَمِعَ أَذَانًا أَمْسَكَ وَإِلَّا أَغَارَ فَسَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "عَلَى الْفِطْرَةِ". ثُمَّ قَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "خَرَجْتَ مِنْ النَّارِ". فَنَظَرُوا فَإِذَا هُوَ رَاعِي مِعْزًى».
قال العلامة النووي ﵀ في [المجموع] (٣/ ٨٢):
«فِي مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ فِي الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ: مَذْهَبُنَا الْمَشْهُورُ أَنَّهُمَا سُنَّةٌ لِكُلِّ الصَّلَوَاتِ فِي الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ لِلْجَمَاعَةِ وَالْمُنْفَرِدِ لَا يَجِبَانِ بِحَالٍ فَإِنْ تَرَكَهُمَا صَحَّتْ صَلَاةُ الْمُنْفَرِدِ وَالْجَمَاعَةِ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وأصحابه وإسحق بْنُ رَاهْوَيْهِ وَنَقَلَهُ السَّرَخْسِيُّ عَنْ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ، وقال أَبُو الْمُنْذِرِ: هُمَا فَرْضٌ فِي حَقِّ الْجَمَاعَةِ فِي الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ قَالَ وَقَالَ مَالِكٌ: تَجِبُ فِي مَسْجِدِ الْجَمَاعَةِ، وَقَالَ عَطَاءٌ وَالْأَوْزَاعِيُّ إنْ نَسِيَ الْإِقَامَةَ أَعَادَ الصَّلَاةَ وَعَنْ الْأَوْزَاعِيِّ رِوَايَةٌ أَنَّهُ يعيد مادام الْوَقْتُ بَاقِيًا قَالَ الْعَبْدَرِيُّ هُمَا سُنَّةٌ عِنْدَ مَالِكٍ وَفَرْضَا كِفَايَةٍ عِنْدَ أَحْمَدَ وَقَالَ دَاوُد هُمَا فَرْضٌ لِصَلَاةِ الْجَمَاعَةِ وَلَيْسَا بِشَرْطٍ لِصِحَّتِهَا وقال مجاهد: إن نَسِيَ الْإِقَامَةَ فِي السَّفَرِ أَعَادَ وَقَالَ الْمَحَامِلِيُّ قَالَ أَهْلُ الظَّاهِرِ هُمَا وَاجِبَانِ لِكُلِّ صَلَاةٍ واختلفوا في اشتراطهما لصحتها» اهـ.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كما في [الاختيارات الفقهية] (ص: ٤٠٥): «والصحيح أنَّهما فرض كفاية وهو ظاهر مذهب أحمد وغيره وقد أطلق طوائف من العلماء أنَّ الأذان سنة ثم مِنْ هؤلاء مَنْ يقول: إنَّه إذا اتفق أهل بلد
стр. 1172
على تركه قُوتلوا والنزاع مع هؤلاء قريب من النزاع اللفظي فإنَّ كثيراً من العلماء مَنْ يطلق القول بالسنة على ما يُذم تاركه ويعاقب تاركه شرعاً وأمَّا من زعم أنَّه سُنَّة لا إثم على تاركه فقد أخطأ» اهـ.
٥ - وفي الحديث المبالغة بالأذان لأنَّ المراد به الإعلان لمن كان بعيداً بعكس الإقامة فإنَّها إعلان للقريب.
٦ - أمر النبي ﷺ بلالاً بالأذان دون غيره لأنَّه أندى صوتاً وأرفع من غيره.
فقد روى أحمد (١٦٤٧٨)، وأبو داود (٤٩٩)، والترمذي (١٨٩)، وابن ماجه (٧٠٦) من طريق مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِثِ التَّيْمِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَبْدِ رَبِّهِ قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ زَيْدٍ، قَالَ: «لَمَّا أَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِالنَّاقُوسِ لِيُضْرَبَ بِهِ لِلنَّاسِ فِي الْجَمْعِ لِلصَّلَاةِ طَافَ بِي وَأَنَا نَائِمٌ رَجُلٌ يَحْمِلُ نَاقُوسًا فِي يَدِهِ، فَقُلْتُ لَهُ: يَا عَبْدَ اللهِ أَتَبِيعُ النَّاقُوسَ؟ قَالَ: مَا تَصْنَعُ بِهِ؟ قَالَ: فَقُلْتُ: نَدْعُو بِهِ إِلَى الصَّلَاةِ، قَالَ: أَفَلَا أَدُلُّكَ عَلَى مَا هُوَ خَيْرٌ مِنْ ذَلِكَ؟ قَالَ: فَقُلْتُ لَهُ: بَلَى، قَالَ: تَقُولُ اللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ، حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ، اللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، ثُمَّ اسْتَأْخَرَ غَيْرَ بَعِيدٍ ثُمَّ قَالَ: تَقُولُ: إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، اللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ، قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ، قَدْ قَامَتِ
стр. 1173
الصَّلَاةُ، اللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، فَلَمَّا أَصْبَحْتُ أَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَأَخْبَرْتُهُ بِمَا رَأَيْتُ، فَقَالَ: "إِنَّهَا لَرُؤْيَا حَقٌّ إِنْ شَاءَ اللهُ، فَقُمْ مَعَ بِلَالٍ فَأَلْقِ عَلَيْهِ مَا رَأَيْتَ فَلْيُؤَذِّنْ بِهِ، فَإِنَّهُ أَنْدَى صَوْتًا مِنْكَ"، قَالَ: فَقُمْتُ مَعَ بِلَالٍ فَجَعَلْتُ أُلْقِيهِ عَلَيْهِ وَيُؤَذِّنُ بِهِ، قَالَ: فَسَمِعَ بِذَلِكَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَهُوَ فِي بَيْتِهِ فَخَرَجَ يَجُرُّ رِدَاءَهُ يَقُولُ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ، لَقَدْ رَأَيْتُ مِثْلَ الَّذِي أُرِيَ، قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "فَلِلَّهِ الْحَمْدُ"».
قلت: هذا حديث حسن.
قال العلامة النووي ﵀ في [شرح مسلم] (٤/ ٧٧):
«وَأَمَّا السَّبَبُ فِي تَخْصِيصِ بِلَالٍ ﵁ بِالنِّدَاءِ وَالْإِعْلَامِ فَقَدْ جَاءَ مُبَيَّنًا فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيِّ وَغَيْرِهِمَا فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لَهُ أَلْقِهِ عَلَى بِلَالٍ فَإِنَّهُ أَنْدَى صَوْتًا مِنْكَ قِيلَ مَعْنَاهُ أَرْفَعُ صَوْتًا وَقِيلَ أَطْيَبُ فَيُؤْخَذُ مِنْهُ اسْتِحْبَابُ كَوْنِ الْمُؤَذِّنِ رَفِيعَ الصَّوْتِ وَحَسَنَهُ وَهَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ قَالَ أَصْحَابُنَا فَلَوْ وَجَدْنَا مُؤَذِّنًا حَسَنَ الصَّوْتِ يَطْلُبُ عَلَى أَذَانِهِ رِزْقًا وَآخَرَ يَتَبَرَّعُ بِالْأَذَانِ لَكِنَّهُ غَيْرُ حَسَنِ الصَّوْتِ فَأَيُّهُمَا يُؤْخَذُ فِيهِ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا يُرْزَقُ حَسَنُ الصَّوْتِ وَهُوَ قول بن شُرَيْحٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ» اهـ.
قلت: الأظهر أنَّ معنى "أندى صوتاً" أي أطيب صوتاً، ويدل على ذلك رواية الترمذي فإنَّ فيها: «إِنَّ هَذِهِ لَرُؤْيَا حَقٍّ، فَقُمْ مَعَ بِلَالٍ فَإِنَّهُ أَنْدَى وَأَمَدُّ صَوْتًا مِنْكَ». وذلك أنَّ النبي ﷺ عطف بين أندى صوتاً، وأمد صوتاً والعطف يقتضي المغايرة.
стр. 1174
والمراد بتحسين الصوت بالأذان هو تحسينه بغير تطريب ولا إفحاش في المد، ولا لحن.
قال العلامة النووي ﵀ في [المجموع] (٣/ ١٠٨):
«قَالَ الشَّاشِيُّ فِي "الْمُعْتَمَدِ": الصَّوَابُ أَنْ يَكُونَ صَوْتُهُ بِتَحْزِينٍ وترقيق ليس فيه جفاء كلام الأعراب ولا لين كَلَامِ الْمُتَمَاوِتِينَ» اهـ.
قلت: في التحزين نزاع وقد منعه جماعة من العلماء.
وأمَّا الأذان بالتطريب والألحان فمما ينهى عنه.
قال الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٥/ ٢١٩):
«وقال أحمد في التطريب في الأذان: هو محدث.
يعني: أنَّه لم يكن على عهد النبي ﷺ .
والقول في الأذان بالتطريب كالقول في قراءة القرآن بالتلحين. وكرهه مالك والشافعي - أيضاً.
وقال إسحاق: هو بدعة -: نقله عنه إسحاق بن منصور.
ونقل عنه حرب، قال: التسميح أحب إليَّ، فإن كان يؤذن بأجر فإنِّي أكرهه - يعني: التطريب -، وإن من كان بغير أجر، وكان أنشط للعامة فلا بأس.
وقد يستدل لذلك بقول ابن عمر: إني أبغضك في الله؛ إنَّك تحسن صوتك - يعني: في الأذان -؛ لأجل الدارهم» اهـ.
وقال العلامة سحنون ﵀ في [المدونة] (١/ ١٥٨):
«قلت: فما قوله في التطريب في الأذان؟
стр. 1175
قال: ينكره وما رأيت أحداً من مؤذني أهل المدينة يطربون» اهـ.
وقال العلامة القرافي ﵀ في [الذخيرة] (٢/ ٤٧ - ٤٨):
«وَالتَّطْرِيبُ مِنَ الِاضْطِرَابِ الَّذِي يُصِيب الْإِنْسَان من الْخَوْف أَوْ الْفَرح مشبه بتقطيع الصَّوْت وترعيده بِذَلِكَ وَكَرِهَهُ لِمَا فِيهِ مِنَ التَّشْبِيهِ بِالْغِنَاءِ الَّذِي ينزه التَّقَرُّبُ عَنْهُ وَفِي الْجَوَاهِرِ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ وَكَذَلِكَ التَّحْزِينُ بِغَيْرِ تَطْرِيبٍ وَلَا يُبَالِغُ فِي الْمَدِّ بَلْ يَكُونُ عَدْلًا قَالَ صَاحِبُ الطَّرَّازِ وَالسُّنَّةُ أَنْ يَكُونَ مُحَدَّدًا عَالِيًا» اهـ.
وقال العلامة ابن الحاج ﵀ في [المدخل] (٢/ ٢٤١):
«وَيُكْرَهُ لَهُ التَّطْرِيبُ فِي الْأَذَانِ وَكَذَلِكَ التَّحْزِينُ وَكَذَلِكَ يُكْرَهُ لَهُ إمَالَةُ حُرُوفِهِ وَإِفْرَاطُ الْمَدِّ وَغَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا ذَكَرَهُ الْفُقَهَاءُ» اهـ.
وقال العلامة الشيرازي ﵀ في [المهذب] (١/ ١١٢ - ١١٣):
«ويكره التمطيط وهو التمديد والتغني وهو الترطيب» اهـ.
وقال العلامة محمد بن إبراهيم آل الشيخ ﵀ كما في [فتاوى ورسائل سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم بن عبد اللطيف آل الشيخ] (٢/ ١٢٥):
«ثم التمديد الزائد عن المطلوب في الأَذان ما ينبغي، فإِن أَحال المعنى فإِنَّه يبطل الأَذان، حروف المد إِذا أُعطيت أَكثر من اللازم فلا ينبغي. حتى الحركات إِذا مدت إِنْ أَحالت المعنى لم يصح وإِلا كره. بعض المؤذنين يمد الواو من النوم. حرف المد هو الواو فتعطى حقها من المد ولا تمد كثيرًا. أَما النون فلا مد فيها. وكان يوجد في مكة تلحين كثير وهذا سببه جهل وعوائد وكونه لا يختار من هو أَفضل، وكأَنَّه في الآخر أَخف» اهـ.
وقال العلامة ابن عثيمين ﵀ في [الشَّرْحُ الممتع] (٢/ ٧٠ - ٧١):
стр. 1176
«قوله: "ولو مُلَحَّناً"، الملحن: المطرَّب به، أي: يؤذِّنُ على سبيل التطريب به كأنَّما يجرُّ ألفاظ أغنية، فإنه يجزئ لكنه يُكره.
وفي قوله "لو" إشارة إلى الخلاف، فإنَّ من العلماء من قال: لا يصحُّ الأذان الملحَّن؛ لأنَّ الأذان عبادة، والتَّلحين يخرجه عن ذلك، ويميل به إلى الطَّرب والأغاني.
قوله: "أو مَلْحُوناً"، الملحون: هو الذي يقع فيه اللَّحن، أي: مخالفة القواعد العربية. ولكن اللَّحن ينقسم إلى قسمين:
١ - قسم لا يصحُّ معه الأذان، وهو الذي يتغيَّر به المعنى.
٢ - وقسم يصحُّ به الأذان مع الكراهة، وهو الذي لا يتغيَّر به المعنى، فلو قال المؤذَّن: "الله أكبار" فهذا لا يصحُّ، لأنه يُحيل المعنى، فإنَّ "أكبار" جمع "كَبَر" كأسباب جمع "سبب" وهو الطَّبل.
ولو قال: "الله وكبر" فإنَّه يجوز في اللغة العربية إذا وقعت الهمزة مفتوحة بعد ضَمٍّ أن تَقلب واواً، ولو قال: "أشهد أن محمداً رسولَ الله" بنصب "رسول" فهو لا شكَّ أنَّه لَحْنٌ يُحيل المعنى على اللُّغة المشهورة؛ لأنه لم يأتِ بالخبر، لكن هناك لغة أن خبر "أن" يكون منصوباً فيُقبل هذا. قال عمر بن أبي ربيعة وهو من العرب العرباء: ذا اسْوَدَّ جُنْحُ اللَّيلِ فَلْتَأْتِ ولْتَكُنْ
خُطَاكَ خِفَافاً، إنَّ حُرَّاسنا أُسْدَا
وعلى هذه اللُّغة لا يضرُّ نصب "رسول" إذا اعتقد القائل أنَّها خبر "إن"، والمؤذِّنون يعتقدون أن "رسول الله" هو الخبر.
стр. 1177
ولو قال: "حيَّا على الصَّلاة" فعلى اللُّغة المشهورة - وهي أنَّ اسم الفعل لا تلحقه العلامات فهذا لا يتغيَّر به المعنى فيما يظهر، وحينئذ يكون الأذان صحيحاً؛ لأنَّ غايته أنه أشبع الفتحة حتى جعلها ألفاً» اهـ.
قلت: ومن اللحن المخل أيضاً مد الهمزة من أشهد فتصير بمعنى الاستفهام.
عدم النطق بالتاء المربوطة من الصلاة فتصير بمعنى الدعاء إلى التصلية بالنار.
قلت: ورفع الصوت المطلوب من المؤذن هو ما يحصل به الإسماع لجيران المسجد.
قال الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٥/ ٢٢٨ - ٢٣٠):
«ورفع الصوت بالأذان مستحب؛ ولهذا قال النبي ﷺ لعبد الله بن زيد لما رأى الأذان في منامه: "ألقه على بلال؛ فإنَّه أندى صوتاً منك".
خرجه أبو داود وغيره.
والمؤذن، إمَّا أن يؤذن لنفسه، أو يؤذن للجماعة؛ فإن أذن للجماعة فلا يحصل الإتيان بالأذان المشروع في حقهم حتى يسمعهم.
قال الإمام أحمد في رواية حنبل، في رجل ضعيف الصوت، لا يرفع صوته ولا يخرج من المسجد، فإذا كان يسمع أهل المسجد والجيران فلا بأس.
قال القاضي أبو يعلى: ظاهر هذا، أنَّه إذا لم يسمع الجيران لم يصب سنة الأذان؛ لأنَّ القصد ومن الأذان الإعلام، فإذا لم يسمع الجيران لم يوجد المقصود.
فأمَّا كمال السنة فهو: أن يرفع صوته نهاية جهده، ولا يزيد على ذلك حتى يخشى على نفسه ضرراً.
قال أحمد في رواية حنبل: يرفع صوته ما استطاع.
стр. 1178
وقال الميموني: رأيت أحمد وهو يؤذن، صوتاً بين الصوتين، وكان إلى خفض الصوت أقرب.
قال القاضي: ظاهر هذا، أنَّه لا يرفع صوته رفعاً يخرجه عن طبعه.
ومن الأصحاب من جعل هذه رواية ثانية؛ بأنَّ التوسط في رفع الصوت أفضل.
وفي " المراسيل" لأبي داود، عن ابن سيرين، أنَّ بلالاً جعل إصبعيه في أذنيه في بعض أذانه، أو في إقامته، بصوت ليس بالرفيع ولا بالوضيع.
ومتى خافت ببعضه فهو كمخافتته بكله عند أصحابنا.
وإن كان يؤذن لنفسه فله أن يسر به؛ لأنَّه لا يعلم غيره.
وقال أصحاب الشافعي: يستحب له أن يرفع صوته ما أمكنه، بحيث لا يلحقه ضرر، فإنَّ أسر به لم يصح على الصحيح عندهم.
ولهم وجه: أنَّه يصح، كما لو أسر بالقراءة في صلاة الجهر.
ووجه ثالث: يصح إن أسر بعضه خاصة، ونص عليه الشافعي في مكان.
قال الماوردي منهم: لو سمع واحداً من الجماعة أجزأه؛ لأنَّ الجماعة تحصل بهما.
وأمَّا من يؤذن لنفسه، فيجزئه أن يسمع نفسه على الصحيح عندهم. وقيل: يشترط إسماع من عنده. والمذهب: الأول.
ومتى رفع صوته رفعاً يخشى على نفسه الضرر منه كره» اهـ.
стр. 1179
قلت: والمستحب للمؤذن أن يؤذن عن قيام، ويدل عليه ما رواه البخاري (٦٠٤)، ومسلم (٣٧٧) عن نَافِعٍ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يَقُولُ:
«كَانَ الْمُسْلِمُونَ حِينَ قَدِمُوا الْمَدِينَةَ يَجْتَمِعُونَ فَيَتَحَيَّنُونَ الصَّلَاةَ لَيْسَ يُنَادَى لَهَا فَتَكَلَّمُوا يَوْمًا فِي ذَلِكَ فَقَالَ بَعْضُهُمْ اتَّخِذُوا نَاقُوسًا مِثْلَ نَاقُوسِ النَّصَارَى وَقَالَ بَعْضُهُمْ بَلْ بُوقًا مِثْلَ قَرْنِ الْيَهُودِ فَقَالَ عُمَرُ أَوَلَا تَبْعَثُونَ رَجُلاً يُنَادِي بِالصَّلَاةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "يَا بِلَالُ قُمْ فَنَادِ بِالصَّلَاةِ"».
قال العلامة النووي ﵀ في [المجموع] (٣/ ١٠٦):
«السُّنَّةُ أَنْ يُؤَذِّنَ قَائِمًا مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ لِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فَلَوْ أَذَّنَ قَاعِدًا أَوْ مُضْطَجِعًا أَوْ إلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ كُرِهَ وَصَحَّ أَذَانُهُ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ الْإِعْلَامُ وَقَدْ حَصَلَ هَكَذَا صَرَّحَ بِهِ الْجُمْهُورُ وَقَطَعَ بِهِ الْعِرَاقِيُّونَ وَأَكْثَرُ الْخُرَاسَانِيِّينَ وَهُوَ الْمَنْصُوصُ وَذَكَرَ جَمَاعَاتٌ مِنْ الْخُرَاسَانِيِّينَ فِي اشْتِرَاطِ الْقِيَامِ وَاسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ فِي حَالِ الْقُدْرَةِ وَجْهَيْنِ وَحَكَى الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَجْهًا أَنَّهُ يَصِحُّ أَذَانُ الْقَاعِدِ دُونَ الْمُضْطَجِعِ وَالْمَذْهَبُ صِحَّةُ الْجَمِيعِ» اهـ.
وقال العلامة ابن قدامة ﵀ في [المغني] (١/ ٣٠٧ - ٣٠٨):
«فَصْلٌ: وَيَنْبَغِي أَنْ يُؤَذِّنَ قَائِمًا، قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ أَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، أَنَّ السُّنَّةَ أَنْ يُؤَذِّنَ قَائِمًا. وَفِي حَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ الَّذِي رَوَيْنَاهُ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "لِبِلَالٍ قُمْ فَأَذِّنْ". وَكَانَ مُؤَذِّنُو رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يُؤَذِّنُونَ قِيَامًا. وَإِنْ كَانَ لَهُ عُذْرٌ فَلَا بَأْسَ أَنْ يُؤَذِّنَ قَاعِدًا قَالَ الْحَسَنُ الْعَبْدِيُّ: رَأَيْت أَبَا زَيْدٍ صَاحِبَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَكَانَتْ رِجْلُهُ أُصِيبَتْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، يُؤَذِّنُ قَاعِدًا رَوَاهُ الْأَثْرَمُ.
стр. 1180
فَإِنْ أَذَّنَ قَاعِدًا لِغَيْرِ عُذْرٍ فَقَدْ كَرِهَهُ أَهْلُ الْعِلْمِ، وَيَصِحُّ؛ فَإِنَّهُ لَيْسَ بِآكَدَ مِنْ الْخُطْبَةِ، وَتَصِحُّ مِنْ الْقَاعِدِ. قَالَ الْأَثْرَمُ: وَسَمِعْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يُسْأَلُ عَنْ الْأَذَانِ عَلَى الرَّاحِلَةِ؟ فَسَهَّلَ فِيهِ، وَقَالَ: أَمْرُ الْأَذَانِ عِنْدِي سَهْلٌ. وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّهُ كَانَ يُؤَذِّنُ عَلَى الرَّاحِلَةِ، ثُمَّ يَنْزِلُ فَيُقِيمُ. وَإِذَا أُبِيحَ التَّنَفُّلُ عَلَى الرَّاحِلَةِ، فَالْأَذَانُ أَوْلَى» اهـ.
قلت: ويستحب أن يستقبل القبلة عند الأذان.
وجاء في استقبال المؤذن للقبلة:
ما رواه الحاكم في [المستدرك] (٦٥٥٤)، والطبراني في [الكبير] (٥٤٤٨)، وابن عدي في [الكامل] (٥/ ٥٠٧) من طريق عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَعْدٍ بْنِ عَمَّارِ بْنِ سَعْدِ الْقَرَظِ، مُؤَذِّنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ جَدِّي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ : «أَمَرَ بِلَالًا أَنْ يُدْخِلَ إِصْبَعَهُ فِي أُذُنِهِ، وَقَالَ: "إِنَّهُ أَرْفَعُ لِصَوْتِكَ"، وَإِنَّ أَذَانَ بِلَالٍ كَانَ مَثْنَى مَثْنَى، وَإِقَامَتَهُ مُفْرَدَةٌ، وَقَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ مَرَّةً مَرَّةً، وَإِنَّهُ كَانَ يُؤَذِّنُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِذَا كَانَ الْفَيْءُ مِثْلَ الشِّرَاكِ، وَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إِذَا خَرَجَ إِلَى الْعِيدَيْنِ سَلَكَ عَلَى دَارِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ﵁، ثُمَّ عَلَى أَصْحَابِ الْفَسَاطِيطِ، ثُمَّ يَبْدَأُ بِالصَّلَاةِ قَبْلَ الْخُطْبَةِ، ثُمَّ كَبَّرَ فِي الْأُولَى سَبْعًا قَبْلَ الْقِرَاءَةِ، وَفِي الْآخِرَةِ خَمْسًا قَبْلَ الْقِرَاءَةِ، ثُمَّ خَطَبَ النَّاسَ، ثُمَّ انْصَرَفَ مِنَ الطَّرِيقِ الْآخَرِ مِنْ طَرِيقِ بَنِي زُرَيْقٍ فَذَبَحَ أُضْحِيَّةً عِنْدَ طَرَفِ الرِّقَاقِ بِيَدِهِ بِشَفْرَةٍ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى دَارِ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ وَدَارِ أَبِي هُرَيْرَةَ بِالْبَلَاطِ، وَكَانَ يَخْرُجُ إِلَى الْعِيدَيْنِ مَاشِيًا وَيَرْجِعُ
стр. 1181
مَاشِيًا، وَكَانَ يُكَبِّرُ بَيْنَ أَضْعَافِ الْخُطْبَةِ وَيُكْثِرُ التَّكْبِيرَ فِي الْخُطْبَةِ وَيَخْطُبُ عَلَى عَصًا، وَإِنَّ بِلَالًا كَانَ إِذَا كَبَّرَ بِالْأَذَانِ اسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، ثُمَّ يَقُولُ: اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مَرَّتَيْنِ أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ مَرَّتَيْنِ وَيَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ، ثُمَّ يَنْحَرِفُ عَنِ الْقِبْلَةِ فَيَقُولُ: حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ مَرَّتَيْنِ، ثُمَّ يَنْحَرِفُ عَنْ يَسَارِ الْقِبْلَةِ فَيَقُولُ: حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ فَيَقُولُ: اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ».
قلت: عبد الرحمن بن سعد ضعيف الحديث، وأبوه مجهول، وجده عمار فيه جهالة.
وقال ابن أبي حاتم ﵀ في [الجرح والتعديل] (٥/ ١٥٧):
«أنا يعقوب بن إسحاق الهروي فيما كتب إلى نا عثمان بن سعيد قال قلت ليحيى بن معين: عبد الله بن محمد بن عمار بن سعد عن أبيه عن أجداده قال: ليس بشيء» اهـ.
ومن ذلك ما رواه الْإِمَامُ إسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ فِي مُسْنَدِهِ - كما في [نصب الراية] (١/ ٢٧٥) - أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ ثَنَا الْأَعْمَشُ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، قَالَ: جَاءَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدِ بْنِ عَبْدِ رَبِّهِ الْأَنْصَارِيُّ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: «يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي رَأَيْت رَجُلًا نَزَلَ مِنْ السَّمَاءِ، فَقَامَ عَلَى جَذْمِ حَائِطٍ فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، وَقَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ. اللَّهُ أَكْبَرُ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ مَرَّتَيْنِ أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ مَرَّتَيْنِ، ثُمَّ قَالَ عَنْ يَمِينِهِ: حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ مَرَّتَيْنِ، ثُمَّ قَالَ عَنْ يَسَارِهِ: حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ مَرَّتَيْنِ، ثُمَّ اسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، فَقَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ. اللَّهُ أَكْبَرُ، لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، ثُمَّ قَعَدَ قَعْدَةً، ثُمَّ قَامَ، فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ يَفْعَلُ مِثْلَ ذَلِكَ، وَقَالَ: قَدْ قَامَتْ الصَّلَاةُ، قَدْ قَامَتْ الصَّلَاةُ، وَجَاءَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، فَقَالَ:
стр. 1182
يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ رَأَيْت مِثْلَ مَا رَأَى عَبْدُ اللَّهِ، وَلَكِنَّهُ سَبَقَنِي، فَقَالَ: "عَلِّمْهَا بِلَالًا، فَإِنَّهُ أَنْدَى صَوْتًا مِنْك"».
قلت: هذا إسناد صحيح لكنه مرسل.
وهذا المرسل يقويه إجماع العلماء على استحباب استقبال المؤذن للقبلة.
قال العلامة ابن الأثير ﵀ في [النهاية] (١/ ٧١٦):
«الجِذْم: الأصْل أَراد بَقِيَّة حائط أو قِطْعَة من حائط» اهـ.
وروى السراج في [مسنده] (٦١) حَدَّثَنَا زِيَادُ بْنُ أَيُّوبَ ثَنَا يَعْلَى بْنُ عُبَيْدٍ، وَحَدَّثَنَا أَبُو عَوْفٍ ثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ قَالا: ثَنَا مجمع بَين يَحْيَى قَالَ: «كُنْتُ مَعَ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلٍ وَهُوَ مُسْتَقْبِلٌ الْمُؤَذِّنَ وَكَبَّرَ الْمُؤَذِّنُ وَهُوَ مُسْتَقْبِلٌ الْقِبْلَةَ وَقَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ اثْنَيْنِ فَكَبَّرَ أَبُو أُمَامَةَ اثْنَيْنِ وَشَهِدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلا اللَّهُ اثْنَيْنِ، وَشَهِدَ أَبُو أُمَامَةَ اثْنَيْنِ، وَشهد أَنْ مُحَمَّد رَسُولُ اللَّهِ اثْنَيْنِ، وَشَهِدَ أَبُو أُمَامَةَ اثْنَيْنِ ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَيْهِ فَقَالَ: هَكَذَا حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ».
قلت: إسناده صحيح، وهو في [المسند] (١٦٨٦٢) لأحمد من غير ذكر استقبال القبلة.
قال العلامة ابن قدامة ﵀ في [المغني] (١/ ٣٠٩):
«الْمُسْتَحَبُّ أَنْ يُؤَذِّنَ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ، لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا؛ فَإِنَّ مُؤَذِّنِي النَّبِيِّ ﷺ كَانُوا يُؤَذِّنُونَ مُسْتَقْبِلِي الْقِبْلَةِ» اهـ.
قلت: ولا تشترط الطهارة في الأذان وإنَّما تستحب، وهذا مذهب جمهور العلماء.
стр. 1183
قال العلامة النووي ﵀ في [المجموع] (٣/ ١٠٥):
«"فَرْعٌ" فِي مذاهب العلماء في الأذان بغير طهارة: قد ذَكَرْنَا أَنَّ مَذْهَبَنَا أَنَّ أَذَانَ الْجُنُبِ وَالْمُحْدِثِ وَإِقَامَتَهُمَا صَحِيحَانِ مَعَ الْكَرَاهَةِ وَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَقَتَادَةُ وَحَمَّادُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيُّ وَأَحْمَدُ وَأَبُو ثَوْرٍ وَدَاوُد وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَقَالَتْ طَائِفَةٌ لَا يَصِحُّ أَذَانُهُ وَلَا إقَامَتُهُ مِنْهُمْ عَطَاءٌ وَمُجَاهِدٌ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَإِسْحَاقُ وَقَالَ مَالِكٌ يَصِحُّ الْأَذَانُ وَلَا يُقِيمُ إلَّا مُتَوَضِّئًا وَأَصَحُّ مَا يُحْتَجُّ بِهِ فِي الْمَسْأَلَةِ حَدِيثُ الْمُهَاجِرُ بْنُ قُنْفُذٍ ﵁ قَالَ " أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ وَهُوَ ييول فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيَّ حَتَّى تَوَضَّأَ ثُمَّ اعْتَذَرَ إلَيَّ فَقَالَ: "إنِّي كَرِهْتُ أَنْ أَذْكُرَ اللَّهَ إلَّا عَلَى طُهْرٍ أَوْ قَالَ عَلَى طَهَارَةٍ" حديث صحيح رواه أحمد ابن حَنْبَلٍ وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَغَيْرُهُمْ بِأَسَانِيدَ صَحِيحَةٍ وَعَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ "لَا يُؤَذِّنُ إلَّا مُتَوَضِّئٌ" رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ هَكَذَا قَالَ وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَوْقُوفٌ عَلَيْهِ وَهُوَ مُنْقَطِعٌ فَإِنَّ الزُّهْرِيَّ لَمْ يُدْرِكْ أَبَا هُرَيْرَةَ» اهـ.
وقال العلامة ابن قدامة ﵀ في [المغني] (١/ ٣٠٠):
«وَإِنْ أَذَّنَ جُنُبًا، فَعَلَى رِوَايَتَيْنِ: إحْدَاهُمَا، لَا يُعْتَدُّ بِهِ. وَهُوَ قَوْلُ إِسْحَاقَ. وَالْأُخْرَى، يُعْتَدُّ بِهِ.
قَالَ أَبُو الْحَسَنِ الْآمِدِيُّ: هُوَ الْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ، وَقَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ لِأَنَّهُ أَحَدُ الْحَدَثَيْنِ، فَلَمْ يُمْنَعُ صِحَّتُهُ كَالْآخَرِ» اهـ.
والأحسن الأذان في موضع عال.
ويدل عليه ما رواه مسلم (١٠٩٢) عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ:
стр. 1184
«كَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُؤَذِّنَانِ بِلَالٌ وَابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ الْأَعْمَى فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ بِلَالًا يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُؤَذِّنَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ". قَالَ وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا إِلَّا أَنْ يَنْزِلَ هَذَا وَيَرْقَى هَذَا».
وروى البخاري (١٩١٨، ١٩١٩) حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ أَبِي أُسَامَةَ عَنْ عُبَيْدِ اللهِ عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ.
وَالْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَائِشَةَ، ﵂، أَنَّ بِلَالاً كَانَ يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «كُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُؤَذِّنَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ فَإِنَّهُ لَا يُؤَذِّنُ حَتَّى يَطْلُعَ الْفَجْرُ».
قَالَ الْقَاسِمُ: وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَ أَذَانِهِمَا إِلاَّ أَنْ يَرْقَى ذَا وَيَنْزِلَ ذَا اهـ.
روى أبو داود (٥١٩) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَيُّوبَ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنِ امْرَأَةٍ مِنْ بَنِى النَّجَّارِ قَالَتْ: «كَانَ بَيْتِي مِنْ أَطْوَلِ بَيْتٍ حَوْلَ الْمَسْجِدِ وَكَانَ بِلَالٌ يُؤَذِّنُ عَلَيْهِ الْفَجْرَ فَيَأْتِي بِسَحَرٍ فَيَجْلِسُ عَلَى الْبَيْتِ يَنْظُرُ إِلَى الْفَجْرِ، فَإِذَا رَآهُ تَمَطَّى، ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَحْمَدُكَ وَأَسْتَعِينُكَ عَلَى قُرَيْشٍ أَنْ يُقِيمُوا دِينَكَ قَالَتْ: ثُمَّ يُؤَذِّنُ، قَالَتْ: وَاللَّهِ مَا عَلِمْتُهُ كَانَ تَرَكَهَا لَيْلَةً وَاحِدَةً تَعْنِي هَذِهِ الْكَلِمَاتِ».
قلت: إسناده حسن، وابن إسحاق قد صرح بالتحديث كما في [السيرة لابن هشام] (٣/ ٤٢).
قلت: ووضع مكبرات الصوت في الأماكن العالية يقوم مقام ارتفاع المؤذن لحصول المقصود بذلك.
стр. 1185
ويشترط في المؤذن شروط وهي:
أن يكون مسلماً عاقلاً ذكراً.
قال العلامة ابن قدامة ﵀ في [المغني] (١/ ٣٠٠):
«فَصْلٌ: وَلَا يَصِحُّ الْأَذَانُ إلَّا مِنْ مُسْلِمٍ عَاقِلٍ ذَكَرٍ، فَأَمَّا الْكَافِرُ وَالْمَجْنُونُ، فَلَا يَصِحُّ مِنْهُمَا؛ لِأَنَّهُمَا لَيْسَا مِنْ أَهْلِ الْعِبَادَاتِ. وَلَا يُعْتَدُّ بِأَذَانِ الْمَرْأَةِ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مِمَّنْ يُشْرَعُ لَهُ الْأَذَانُ، فَأَشْبَهَتْ الْمَجْنُونَ، وَلَا الْخُنْثَى؛ لِأَنَّهُ لَا يُعْلَمُ كَوْنُهُ رَجُلًا. وَهَذَا كُلُّهُ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ. وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا.
وَهَلْ يُشْتَرَطُ الْعَدَالَةُ وَالْبُلُوغُ لِلِاعْتِدَادِ بِهِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ فِي الصَّبِيِّ، وَوَجْهَيْنِ فِي الْفَاسِقِ: إحْدَاهُمَا: يُشْتَرَطُ ذَلِكَ، وَلَا يُعْتَدُّ بِأَذَانِ صَبِيٍّ وَلَا فَاسِقٍ؛ لِأَنَّهُ مَشْرُوعٌ لِلْإِعْلَامِ، وَلَا يَحْصُلُ الْإِعْلَامُ بِقَوْلِهِمَا، لِأَنَّهُمَا مِمَّنْ لَا يُقْبَلُ خَبَرُهُ وَلَا رِوَايَتُهُ. وَلِأَنَّهُ قَدْ رُوِيَ: "لِيُؤَذِّنْ لَكُمْ خِيَارُكُمْ".
وَالثَّانِيَةُ: يُعْتَدُّ بِأَذَانِهِ. وَهُوَ قَوْلُ عَطَاءٍ وَالشَّعْبِيِّ، وَابْنِ أَبِي لَيْلَى، وَالشَّافِعِيِّ. وَرَوَى ابْنُ الْمُنْذِرِ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ عُمُومَتِي يَأْمُرُونَنِي أَنْ أُؤَذِّنَ لَهُمْ وَأَنَا غُلَامٌ، وَلَمْ أَحْتَلِمْ وَأَنَسُ بْنُ مَالِكٍ شَاهِدٌ لَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ. وَهَذَا مِمَّا يَظْهَرُ وَلَا يَخْفَى، وَلَمْ يُنْكَرْ، فَيَكُونُ إجْمَاعًا، وَلِأَنَّهُ ذَكَرٌ تَصِحُّ صَلَاتُهُ، فَاعْتُدَّ بِأَذَانِهِ، كَالْعَدْلِ الْبَالِغِ. وَلَا خِلَافَ فِي الِاعْتِدَادِ بِأَذَانِ مَنْ هُوَ مَسْتُورُ الْحَالِ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِيمَنْ هُوَ ظَاهِرُ الْفِسْقِ وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ الْمُؤَذِّنُ عَدْلًا أَمِينًا بَالِغًا لِأَنَّهُ مُؤْتَمَنٌ يُرْجَعُ إلَيْهِ فِي الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ، فَلَا يُؤْمَنُ أَنْ يَغُرَّهُمْ بِأَذَانِهِ إذَا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ، وَلِأَنَّهُ يُؤَذِّنُ عَلَى مَوْضِعٍ عَالٍ، فَلَا يُؤْمَنُ مِنْهُ النَّظَرُ إلَى الْعَوْرَاتِ» اهـ.
стр. 1186
قلت: أثر عبد الله بن أبي بكر ذكره ابن المنذر في [الأوسط] (٣/ ٤١)، ولم يسنده.
والأظهر صحة أذان الصبي المميز والفاسق كما تصح إمامتهما.
قال العلامة ابن قدامة ﵀ في [المغني] (١/ ٣٠١)
«فَصْلٌ: وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ الْمُؤَذِّنُ بَصِيرًا؛ لِأَنَّ الْأَعْمَى لَا يَعْرِفُ الْوَقْتَ، فَرُبَّمَا غَلِطَ، فَإِنْ أَذَّنَ الْأَعْمَى صَحَّ أَذَانُهُ فَإِنَّ ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ كَانَ يُؤَذِّنُ لِلنَّبِيِّ ﷺ قَالَ ابْنُ عَمْرٍو: كَانَ رَجُلًا أَعْمَى لَا يُنَادِي حَتَّى يُقَالَ لَهُ " أَصْبَحْتَ أَصْبَحْتَ " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ مَعَهُ بَصِيرٌ يُعَرِّفُهُ الْوَقْتَ، أَوْ يُؤَذِّنَ بَعْدَ مُؤَذِّنٍ بَصِيرٍ، كَمَا كَانَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ يُؤَذِّنُ بَعْدَ أَذَانِ بِلَالٍ وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ عَالِمًا بِالْأَوْقَاتِ؛ لِيَتَحَرَّاهَا، فَيُؤَذِّنَ فِي أَوَّلِهَا، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ عَالِمًا فَرُبَّمَا غَلِطَ وَأَخْطَأَ. فَإِنْ أَذَّنَ الْجَاهِلُ صَحَّ أَذَانُهُ، فَإِنَّهُ إذَا صَحَّ أَذَانُ الْأَعْمَى فَالْجَاهِلُ أَوْلَى» اهـ.
قلت: ويكون المؤذن متبرعاً لا يأخذ على أذانه أجراً.
لما رواه أحمد (١٦٣١٤، ١٦٣١٥، ١٦٣١٦، ١٧٩٣٦)، وأبو داود (٥٣١)، والنسائي (٦٧٢) من طريق حَمَّادٍ أَخْبَرَنَا سَعِيدٌ الْجُرَيْرِىُّ عَنْ أَبِي الْعَلَاءِ عَنْ مُطَرِّفِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ قَالَ قُلْتُ وَقَالَ مُوسَى فِى مَوْضِعٍ آخَرَ إِنَّ عُثْمَانَ بْنَ أَبِي الْعَاصِ قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ اجْعَلْنِى إِمَامَ قَوْمِى. قَالَ: «أَنْتَ إِمَامُهُمْ وَاقْتَدِ بِأَضْعَفِهِمْ وَاتَّخِذْ مُؤَذِّنًا لَا يَأْخُذُ عَلَى أَذَانِهِ أَجْرًا».
قلت: هذا حديث صحيح.
وأخرجه الترمذي (٢٠٩)، وابن ماجه (٧١٤) بإسناد ضعيف.
стр. 1187
قلت: وأمَّا أخذ الرزق للمحتاج فيشرع كما يشرع لغير المؤذنين.
قال العلامة ابن قدامة ﵀ في [المغني] (١/ ٣٠١):
«فَصْلٌ: وَلَا يَجُوزُ أَخْذُ الْأُجْرَةِ عَلَى الْأَذَانِ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ وَكَرِهَهُ الْقَاسِمُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ وَابْنُ الْمُنْذِرِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِعُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ: "وَاتَّخِذْ مُؤَذِّنًا لَا يَأْخُذُ عَلَى أَذَانِهِ أَجْرًا". رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَابْنُ مَاجَهْ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ. وَلِأَنَّهُ قُرْبَةٌ لِفَاعِلِهِ، لَا يَصِحُّ إلَّا مِنْ مُسْلِمٍ، فَلَمْ يَسْتَأْجِرْهُ عَلَيْهِ كَالْإِمَامَةِ. وَحُكِيَ عَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ أُخْرَى: أَنَّهُ يَجُوزُ أَخْذُ الْأُجْرَةِ عَلَيْهِ. وَرَخَّصَ فِيهِ مَالِكٌ، وَبَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ؛ لِأَنَّهُ عَمَلٌ مَعْلُومٌ، يَجُوزُ أَخْذُ الرِّزْقِ عَلَيْهِ، فَجَازَ أَخْذُ الْأُجْرَةِ عَلَيْهِ، كَسَائِرِ الْأَعْمَالِ، وَلَا نَعْلَمُ خِلَافًا فِي جَوَازِ أَخْذِ الرِّزْقِ عَلَيْهِ.
وَهَذَا قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ وَالشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّ بِالْمُسْلِمِينَ حَاجَةً إلَيْهِ، وَقَدْ لَا يُوجَدُ مُتَطَوِّعٌ بِهِ، وَإِذَا لَمْ يُدْفَعْ الرِّزْقُ فِيهِ يُعَطَّلُ، وَيَرْزُقُهُ الْإِمَامُ مِنْ الْفَيْءِ؛ لِأَنَّهُ الْمُعَدُّ لِلْمَصَالِحِ، فَهُوَ كَأَرْزَاقِ الْقُضَاةِ وَالْغُزَاةِ، وَإِنْ وُجِدَ مُتَطَوِّعٌ بِهِ لَمْ يَرْزُقْ غَيْرَهُ؛ لِعَدَمِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ» اهـ.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كما في [مجموع الفتاوى] (٢٤/ ٣١٥ - ٣١٦): «فَإِنَّ الْعُلَمَاءَ إنَّمَا تَنَازَعُوا فِي جَوَازِ أَخْذِ الْأُجْرَةِ عَلَى تَعْلِيمِ الْقُرْآنِ وَالْأَذَانِ وَالْإِمَامَةِ وَالْحَجِّ عَنْ الْغَيْرِ؛ لِأَنَّ الْمُسْتَأْجِرَ يَسْتَوْفِي الْمَنْفَعَةَ، فَقِيلَ: يَصِحُّ لِذَلِكَ كَمَا هُوَ الْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ. وَقِيلَ: لَا يَجُوزُ لِأَنَّ هَذِهِ الْأَعْمَالَ يَخْتَصُّ فَاعِلُهَا أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ الْقُرْبَةِ فَإِنَّهَا إنَّمَا تَصِحُّ مِنْ الْمُسْلِمِ دُونَ الْكَافِرِ فَلَا يَجُوزُ إيقَاعُهَا إلَّا عَلَى وَجْهِ التَّقَرُّبِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى. وَإِذَا فُعِلَتْ بِعُرُوضٍ لَمْ
стр. 1188
يَكُنْ فِيهَا أَجْرٌ بِالِاتِّفَاقِ لِأَنَّ اللَّهَ إنَّمَا يَقْبَلُ مِنْ الْعَمَلِ مَا أُرِيدَ بِهِ وَجْهُهُ لَا مَا فُعِلَ لِأَجْلِ عُرُوضِ الدُّنْيَا وَقِيلَ يَجُوزُ أَخْذُ الْأُجْرَةِ عَلَيْهَا لِلْفَقِيرِ دُونَ الْغَنِيِّ، وَهُوَ الْقَوْلُ الثَّالِثُ فِي مَذْهَبِ أَحْمَد كَمَا أَذِنَ اللَّهُ لِوَلِيِّ الْيَتِيمِ أَنْ يَأْكُلَ مَعَ الْفَقْرِ وَيَسْتَغْنِيَ مَعَ الْغِنَى، وَهَذَا الْقَوْلُ أَقْوَى مِنْ غَيْرِهِ عَلَى هَذَا فَإِذَا فَعَلَهَا الْفَقِيرُ لِلَّهِ وَإِنَّمَا أَخَذَ الْأُجْرَةَ لِحَاجَتِهِ إلَى ذَلِكَ وَلِيَسْتَعِينَ بِذَلِكَ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ فَاَللَّهُ يَأْجُرُهُ عَلَى نِيَّتِهِ فَيَكُونُ قَدْ أَكَلَ طَيِّبًا وَعَمِلَ صَالِحًا» اهـ.
قلت: وهذا تفصيل حسن.
٧ - أمر النبي ﷺ لبلال بالأذان مخصوص بالصلوات الخمس.
ومن ذلك الجمعة فإنَّها قامت مقام الظهر. وقد ذكر الله تعالى النداء فيها في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الجمعة: ٩].
ولم يكن يؤذن للعيدين ولا للاستسقاء، ولا للكسوف، ولا للجنازة.
وروى البخاري (٩٦٠)، ومسلم (٨٨٦) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ قَالَا: «لَمْ يَكُنْ يُؤَذَّنُ يَوْمَ الْفِطْرِ، وَلَا يَوْمَ الأَضْحَى».
وروى مسلم (٨٨٧) عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: «صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْعِيدَيْنِ غَيْرَ مَرَّةٍ وَلَا مَرَّتَيْنِ بِغَيْرِ أَذَانٍ وَلَا إِقَامَةٍ».
وروى مسلم (٨٨٥) عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: «شَهِدْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الصَّلَاةَ يَوْمَ الْعِيدِ فَبَدَأَ بِالصَّلَاةِ قَبْلَ الْخُطْبَةِ بِغَيْرِ أَذَانٍ وَلَا إِقَامَةٍ».
стр. 1189
وأمَّا النداء بغير الأذان فورد في الكسوف.
فروى البخاري (١٠٤٥)، ومسلم (٩١٠) عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو، ﵄، قَالَ: «لَمَّا كَسَفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ نُودِيَ إِنَّ الصَّلَاةَ جَامِعَةٌ».
وروى البخاري (١٠٦٦)، ومسلم (٩٠١) عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ: «أَنَّ الشَّمْسَ خَسَفَتْ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَبَعَثَ مُنَادِيًا الصَّلَاةُ جَامِعَةٌ فَاجْتَمَعُوا وَتَقَدَّمَ فَكَبَّرَ وَصَلَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ فِي رَكْعَتَيْنِ وَأَرْبَعَ سَجَدَاتٍ».
٨ - الأمر بالأذان مختص بالنساء دون الرجال، وذلك أنَّ الغرض منه الإعلام بدخول الوقت فيحتاج إلى نداء رفيع وليس هذا من أمر النساء، ولأنَّ الأذان من أجل الجماعة وليس على النساء جماعة.
ولا يصح أذان المرأة للرجال.
قال العلامة ابن قدامة ﵀ في [المغني] (١/ ٣٠٠):
«فَصْلٌ: وَلَا يَصِحُّ الْأَذَانُ إلَّا مِنْ مُسْلِمٍ عَاقِلٍ ذَكَرٍ، فَأَمَّا الْكَافِرُ وَالْمَجْنُونُ، فَلَا يَصِحُّ مِنْهُمَا؛ لِأَنَّهُمَا لَيْسَا مِنْ أَهْلِ الْعِبَادَاتِ. وَلَا يُعْتَدُّ بِأَذَانِ الْمَرْأَةِ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مِمَّنْ يُشْرَعُ لَهُ الْأَذَانُ، فَأَشْبَهَتْ الْمَجْنُونَ، وَلَا الْخُنْثَى؛ لِأَنَّهُ لَا يُعْلَمُ كَوْنُهُ رَجُلًا. وَهَذَا كُلُّهُ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ. وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا» اهـ.
قلت: وهل للمرأة أن تؤذن لنفسها أو لمجموعة النساء؟ في ذلك نزاع بين العلماء.
قال العلامة النووي ﵀ في [المجموع] (٣/ ١٠٠):
стр. 1190
«"الرَّابِعَةُ" لَا يَصِحُّ أَذَانُ الْمَرْأَةِ لِلرِّجَالِ لِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ وَنُصَّ عَلَيْهِ فِي الْأُمِّ وَنَقَلَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ الِاتِّفَاقَ عَلَيْهِ وَفِيهِ وَجْهٌ حَكَاهُ الْمُتَوَلِّي أَنَّهُ يَصِحُّ كَمَا يَصِحُّ خَبَرُهَا وَأَمَّا إذَا أَرَادَ جَمَاعَةُ النِّسْوَةِ صَلَاةً فَفِيهَا ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ الْمَشْهُورُ الْمَنْصُوصُ فِي الْجَدِيدِ وَالْقَدِيمِ وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ يُسْتَحَبُّ لَهُنَّ الإقامة دون الأذان لما ذكره المصنف، والثاني لَا يُسْتَحَبَّانِ نُصَّ عَلَيْهِ فِي الْبُوَيْطِيِّ، وَالثَّالِثُ يُسْتَحَبَّانِ حَكَاهُمَا الْخُرَاسَانِيُّونَ فَعَلَى الْأَوَّلِ إذَا أَذَّنَتْ ولم ترفع الصوت لم يكره وكان ذكر الله تَعَالَى هَكَذَا نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ وَالْبُوَيْطِيِّ وَصَرَّحَ بِهِ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَالْمَحَامِلِيُّ فِي كِتَابَيْهِ وَصَاحِبُ الشَّامِلِ وَغَيْرُهُمْ وَشَذَّ الْمُصَنِّفُ وَالْجُرْجَانِيُّ فِي التَّحْرِيرِ فَقَالَا يُكْرَهُ لَهَا الْأَذَانُ وَالْمَذْهَبُ مَا سَبَقَ وَإِذَا قُلْنَا تُؤَذِّنُ فَلَا تَرْفَعُ الصَّوْتَ فَوْقَ مَا تَسْمَعُ صَوَاحِبُهَا اتَّفَقَ الْأَصْحَابُ عَلَيْهِ وَنُصَّ عَلَيْهِ فِي الْأُمِّ فَإِنْ رَفَعَتْ فَوْقَ ذَلِكَ حَرُمَ كما يحرم تكشفها بحضرة الرِّجَالِ لِأَنَّهُ يُفْتَتَنُ بِصَوْتِهَا كَمَا يُفْتَتَنُ بِوَجْهِهَا وَمِمَّنْ صَرَّحَ بِتَحْرِيمِهِ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيُّ وَالرَّافِعِيُّ وَأَشَارَ إلَيْهِ الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَقَالَ السَّرَخْسِيُّ فِي الْأَمَالِي رَفْعُ صَوْتِهَا مَكْرُوهٌ وَلَوْ أَرَادَتْ الصَّلَاةَ امْرَأَةٌ مُنْفَرِدَةٌ فَإِنْ قُلْنَا الرَّجُلُ الْمُنْفَرِدُ لَا يُؤَذِّنُ فَهِيَ أَوْلَى وَإِلَّا فَعَلَى الْأَقْوَالِ الثَّلَاثَةِ فِي جَمَاعَةِ النِّسَاءِ وَالْخُنْثَى الْمُشْكِلُ فِي هَذَا كُلِّهِ كَالْمَرْأَةِ ذَكَرَهُ أَبُو الْفُتُوحِ وَالْبَغَوِيُّ وَغَيْرُهُمَا وَقَالَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَدَاوُد يُسَنُّ لِلْمَرْأَةِ وَلِلنِّسَاءِ الْإِقَامَةُ دُونَ الْأَذَانِ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَا يسن الإقامة لهنَّ» اهـ.
стр. 1191
وروى ابن أبي شيبة في [مصنفه] (٢٣٢٤)، ومن طريقه ابن المنذر في [الأوسط] (١١٧٤) نا أَبُو خَالِدٍ، عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ، عَنْ وَهْبِ بْنِ كَيْسَانَ، قَالَ: سُئِلَ ابْنُ عُمَرَ، هَلْ عَلَى النِّسَاءِ أَذَانٌ، فَغَضِبَ، قَالَ: «أَنَا أُنْهِي عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ».
قلت: هذا أثر حسن.
وروى ابن أبي شيبة في [مصنفه] (٢٣١٧)، ومن طريقه ابن المنذر في [الأوسط] (١٢٢١) قَالَ: نا مُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: كُنَّا نَسْأَلُ أَنَسًا، هَلْ عَلَى النِّسَاءِ أَذَانٌ وَإِقَامَةٌ؟ قَالَ: «لَا، وَإِنْ فَعَلْنَ فَهُوَ ذِكْرٌ».
قلت: هذا أثر صحيح.
والأظهر ما دلت عليه هذه الآثار عن الصحابة الكرام ﵃، وهو أنَّ المرأة ليس عليها أذان ولا إقامة فإن فعلنَّ ذلك لأنفسهنَّ أو لجماعة النساء فلا ينهينَّ عنهما.
* * *
стр. 1192
قال المؤلف رحمه الله تعالى:
٦٣ - عَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ وَهْبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ السُّوَائِيِّ قَالَ: «أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ وَهُوَ فِي قُبَّةٍ لَهُ حَمْرَاءَ مِنْ أَدَمٍ - قَالَ: فَخَرَجَ بِلالٌ بِوَضُوءٍ، فَمِنْ نَاضِحٍ وَنَائِلٍ، قَالَ: فَخَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَيْهِ حُلَّةٌ حَمْرَاءُ، كَأَنِّي أَنْظُرُ إلَى بَيَاضِ سَاقَيْهِ، قَالَ: فَتَوَضَّأَ وَأَذَّنَ بِلالٌ، قَالَ: فَجَعَلْتُ أَتَتَبَّعُ فَاهُ هَهُنَا وَهَهُنَا، يَقُولُ يَمِيناً وَشِمَالاً: حَيَّ عَلَى الصَّلاةِ; حَيَّ عَلَى الْفَلاحِ ثُمَّ رُكِزَتْ لَهُ عَنَزَةٌ، فَتَقَدَّمَ وَصَلَّى الظُّهْرَ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ نَزَلَ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ حَتَّى رَجَعَ إلَى الْمَدِينَةِ».
قوله: «فِي قُبَّةٍ» القُبَّة من الخِيام بيتٌ صغير مستدير وهو من بيوت العرب.
قوله: «حُلَّةٌ حَمْرَاءُ» الحلة إزار ورداء، لا يسمى حلة حتى تكون من ثوبين.
قوله: «مِنْ أَدَمٍ» الأديم الجلد ما كان، وقيل الأحمر، وقيل هو المدبوغ، وقيل هو بعد الأفيق وذلك إذا تم واحمر والأفيق هو الجلد الذي لم يتم دباغه وقيل هو ما دبغ بغير القرظ.
قال الحافظ ابن دقيق العيد ﵀ في [إحكام الأحكام] ص (١٢٦):
«وقوله: "فمن ناضح ونائل" النضح: الرش قيل معناه أنَّ بعضهم كان ينال منه ما لا يفضل منه شيء وبعضهم كان ينال منه ما ينضحه على غيره وتشهد له الرواية الأخرى في الحديث الصحيح: "فرأيت بلالاً أخرج وضوءاً فرأيت الناس يبتدرون ذلك الوضوء فمن أصاب منه شيئاً تمسح به ومن لم يصب منه أخذ من بلل يد صاحبه"» اهـ.
وقوله: «حَيَّ عَلَى الصَّلاةِ; حَيَّ عَلَى الْفَلاحِ».
стр. 1193
قال العلامة المرداوي ﵀ في [الحاوي] (٢/ ٤٤ - ٤٥):
«فَأَمَّا قَوْلُهُ حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ فَفِيهِ تَأْوِيلَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ مَعْنَاهُ يَا أَهْلَ الْحَيِّ هَلُمُّوا وَأَقْبِلُوا إِلَى الصَّلَاةِ.
وَالثَّانِي: أَنَّ مَعْنَاهُ بَادِرُوا وَأَسْرِعُوا إِلَى الصَّلَاةِ، وَمِنْهُ قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ: "إِذَا ذُكِرَ الصَّالِحُونَ فَحَيَّ هَلَّا بِعُمَرَ " أَيْ: فَبَادِرْ بِذِكْرِهِ فِي أَوَّلِهِمْ. وَقَالَ لَبِيدٌ:
يَتَمَارَى فِي الَّذِي قُلْتُ لَهُ … وَلَقَدْ يَسْمَعُ قَوْلَ حَيَّ هَلْ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ فَفِي الْفَلَاحِ تَأْوِيلَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ إِدْرَاكُ الطِّلْبَةِ وَالظَّفَرُ بِالْحَاجَةِ قَالَ لَبِيدٌ:
فَاعْقِلِي إِنْ كُنْتِ لَمَّا تَعْقِلِي … وَلَقَدْ أَفْلَحَ مَنْ كَانَ عَقَلْ
وَالثَّانِي: أَنَّهُ الْبَقَاءُ - يَعْنِي فِي الْجَنَّةِ قَالَ الْأَعْشَى:
وَلَئِنْ كُنَّا كَقَوْمٍ هَلَكُوا … مَا لِحَيٍّ يَا لَقَوْمِي مِنْ فلاح» اهـ.
وقال العلامة النووي ﵀ في [شرح مسلم] (٤/ ٨١ - ٨٢):
«قَوْلُهُ: "حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ" مَعْنَاهُ تَعَالَوْا إِلَى الصَّلَاةِ وَأَقْبِلُوا إِلَيْهَا قَالُوا وَفُتِحَتِ الْيَاءُ لِسُكُونِهَا وَسُكُونِ الْيَاءِ السَّابِقَةِ الْمُدْغَمَةِ وَمَعْنَى: "حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ" هَلُمَّ إِلَى الْفَوْزِ وَالنَّجَاةِ وَقِيلَ إِلَى الْبَقَاءِ أَيْ أقْبِلُوا عَلَى سَبَبِ الْبَقَاءِ فِي الْجَنَّةِ وَالْفَلَحُ بِفَتْحِ الْفَاءِ وَاللَّامِ لُغَةٌ فِي الْفَلَاحِ حَكَاهُمَا الْجَوْهَرِيُّ وَغَيْرُهُ وَيُقَالُ لِحَيَّ عَلَى كَذَا الْحَيْعَلَةُ قَالَ الْإِمَامُ أَبُو مَنْصُورٍ الْأَزْهَرِيُّ قَالَ الْخَلِيلُ بْنُ أَحْمَدَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى الْحَاءُ وَالْعَيْنُ لَا يَأْتَلِفَانِ فِي كَلِمَةٍ أَصْلِيَّةِ الْحُرُوفِ لِقُرْبِ مَخْرَجَيْهِمَا إِلَّا أَنْ يُؤَلَّفَ فِعْلٌ مِنْ كَلِمَتَيْنِ مِثْلَ حَيَّ عَلَى فَيُقَالُ مِنْهُ حَيْعَلَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ» اهـ.
وفي الحديث مسائل منها:
стр. 1194
١ - التفات المؤذن في الحيعلتين من أجل انتشار الأذان في أكثر الجهات، وهذا الالتفات يكون بالوجه، ولا يكون بلي العنق ولا بالاستدارة في مذهب الجمهور.
قال الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٤/ ٢٥٠):
«والذين رأوا الالتفات قال أكثرهم: يلتفت بوجهه، ولا يلوي عنقه، ولا يزيل قدميه، وهو قول الثوري، والأوزاعي، والشافعي، وأحمد في المشهور عنه، وأبي ثور، وحكاه ابن المنذر عن أبي حنيفة وأصحابه.
وحكي- أيضاً- عن الحسن والنخعي والليث بن سعد» اهـ.
قلت: روى عبد الرزاق (١٨٠٦) عَنِ الثَّوْرِيِّ، عَنْ عَوْنِ بْنِ أَبِي جُحَيْفَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: «رَأَيْتُ بِلَالًا يُؤَذِّنُ وَيَدُورُ، فَأَتَتَبَّعُ فَاهُ هَاهُنَا وَهَاهُنَا، وَإِصْبَعَاهُ فِي أُذُنَيْهِ قَالَ: وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي قُبَّةٍ لَهُ حَمْرَاءُ». قَالَ: «فَخَرَجَ بِلَالٌ بَيْنَ يَدَيْهِ بَالْعَنْزَةِ فَرَكَّزَهَا بِالْأَبْطَحِ، فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَيْهَا الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ يَمُرُّ بَيْنَ يَدَيْهِ الْكَلْبُ وَالْحِمَارُ وَالْمَرْأَةُ وَعَلَيْهِ حُلَّةٌ حَمْرَاءُ، كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى بَرِيقِ سَاقَيْهِ». قَالَ سُفْيَانُ: «نَرَى الْقُبَّةَ مِنْ أَدَمٍ، وَالْحُلَّةَ حِبَرَةً».
قلت: ومن طريقه رواه أحمد (١٨٧٨١)، والترمذي (١٩٧).
قلت: فزاد في الحديث ذكر الاستدارة، ووضع الأصبعين في الأذنين.
وقد تابع عبد الرزاق في ذلك مؤمل عند البزار كما في [البحر الزخار] (٤٢١٧)، وأبي عوانة (٧٤٣) من طريق مُؤَمَّلٍ قَالَ: ثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَوْنٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: «أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ وَهُوَ بِالْأَبْطَحِ فَخَرَجَ إِلَيْنَا بِلَالٌ بِفَضْلٍ
стр. 1195
وُضُوئِهِ، فَمِنْ بَيْنِ نَائِلٍ وَمُصِيبٍ، فَأَذَّنَ بِلَالٌ فَجَعَلَ يَتْبَعُ فَاهُ هَاهُنَا وَهَاهُنَا، وَوَضَعَ أُصْبُعَيْهِ فِي أُذُنَيْهِ، ثُمَّ خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ فَصَلَّى بِنَا إِلَى عَنَزَةٍ».
قلت: لكن ليس في حديثه الإدارة.
وخالفهما وكيع ولم يذكر في حديثه الاستدارة ولا وضع الأصبعين في الأذنين أخرج حديثه مسلم (١١١٩) وغيره.
وتابع وكيعاً في ذلك إسحاق الأزرق وحديثه عند النسائي في [المجتبى] (٥٣٩٣)، و [الكبرى] (٩٨٢٧).
ومحمد بن يوسف وحديثه في البخاري (٦٣٤).
وعبد الرحمن بن مهدي وحديثه في [مستخرج أبي عوانة] (٧٤٢)، وهو عند النسائي (٧٧١) من غير ذكر الالتفات.
ويحيى بن آدم وحديثه عند الطبراني في [الكبير] (٢٦١) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْحَضْرَمِيُّ، ثنا عَبْدُ الْأَعْلَى بْنُ وَاصِلٍ، ثنا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ عَوْنِ بْنِ أَبِي جُحَيْفَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: «رَأَيْتُ بِلَالًا أَذَّنَ فَأَتَتَبَّعُ فَاهُ هَهُنَا وَهَهُنَا وَالْتَفَتَ سُفْيَانُ يَمِينًا وَشِمَالًا» قَالَ يَحْيَى: قَالَ سُفْيَانُ: كَانَ حَجَّاجُ يَذْكُرُهُ عَنْ عَوْنٍ أَنَّهُ قَالَ: وَاسْتَدَارَ فِي أَذَانِهِ فَلَمَّا لَقِينَا عَوْنًا لَمْ يَذْكُرْ فِيهِ اسْتَدَارَ.
والحسين بن حفص وحديثه عند البيهقي في [الكبرى] (١٩٢٤)
ووردت الاستدارة عند ابن ماجه في حديث أبي جحيفة.
قال ابن ماجه ﵀ (٧١١) حَدَّثَنَا أَيُّوبُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْهَاشِمِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ، عَنْ حَجَّاجِ بْنِ أَرْطَاةَ، عَنْ عَوْنِ بْنِ أَبِي جُحَيْفَةَ، عَنْ أَبِيهِ،
следующие страницы →