Полный текст (8 095 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
مَأْثُورٌ عَنْ أَكْثَرِ الصَّحَابَةِ وَفِيهِ حَدِيثَانِ مُرْسَلَانِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ وَالْمُرْسَلُ إذَا عَمِلَ بِهِ جُمْهُورُ الصَّحَابَةِ يَحْتَجُّ بِهِ الشَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ. وَأَيْضًا فَإِذَا سَلَّمَ مِنْ صَلَاتِهِ سَاهِيًا - كَمَا فَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ فِي حَدِيثِ ذِي الْيَدَيْنِ؛ وَفَصَلَ بَيْنَ أَبْعَاضِ الصَّلَاةِ بِالْقِيَامِ إلَى الْخَشَبَةِ وَالِاتِّكَاءِ عَلَيْهَا؛ وَتَشْبِيكِ أَصَابِعِهِ؛ وَوَضْعِ خَدِّهِ عَلَيْهَا؛ وَالْكَلَامِ مِنْهُ وَمِنْ الْمُنَبِّهِ لَهُ السَّائِلِ لَهُ الْمُخْبِرِ لَهُ أَنَّهُ لَمْ يَنْسَ وَلَمْ تُقْصَرْ؛ وَالْمُجِيبِينَ لَهُ الْمُوَافِقِينَ لِلْمُنَبِّهِ - ثُمَّ أَتَمَّ الصَّلَاةَ: لَمْ يَكُنْ هَذَا التَّفْرِيقُ وَالْفَصْلُ مَانِعًا مِنْ الْإِتْمَامِ. وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَوْ فَعَلَ ذَلِكَ عَمْدًا لَأَبْطَلَ الصَّلَاةَ بِلَا نِزَاعٍ فَإِذَا كَانَتْ الصَّلَاةُ الَّتِي لَمْ تُشْرَعْ إلَّا مُتَّصِلَةً لَا يَسْتَوِي تَفْرِيقُهَا فِي حَالِ الْعُذْرِ وَعَدَمِهِ: فَكَيْفَ يَسْتَوِي تَفْرِيقُ الْوُضُوءِ فِي حَالِ الْعُذْرِ وَعَدَمِهِ؟ مَعَ أَنَّ الْوُضُوءَ أَفْعَالٌ مُنْفَصِلَةٌ لَا يَجِبُ اتِّصَالُهَا بِالِاتِّفَاقِ وَلَيْسَ لِقَائِلِ أَنْ يَقُولَ: إذَا عَمِلَ عَمَلًا كَثِيرًا لِعُذْرِ كَمَا فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ؛ وَالسَّاهِي إذَا سَلَّمَ فَإِنَّهُ فِي حُكْمِ الْمُصَلِّي؛ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ تَعَمَّدَ حِينَئِذٍ الْحَدِيثَ أَوْ الْكَلَامَ الْمُبْطِلَ؛ أَوْ الْعَمَلَ الْكَثِيرَ الَّذِي لَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ أَوْ اسْتِدْبَارَ الْقِبْلَةِ الَّذِي لَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ أَوْ كَشَفَ الْعَوْرَةَ: بَطَلَتْ صَلَاتُهُ. وَلَوْ كَانَ فِي غَيْرِ صَلَاةٍ لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ بِذَلِكَ فَلَا يَكُونُ هَذَا تَرْكًا لِلْمُوَالَاةِ الْوَاجِبَةِ لِأَنَّهُ يُقَالُ: بَلْ هَذَا مِنْ أَوْكَدِ الْأَدِلَّةِ عَلَى مَا قُلْنَاهُ فَإِنَّهُ مِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ هَذِهِ الْأَفْعَالَ وَالْفَصْلَ الطَّوِيلَ الْمَعْفُوَّ لَهُ عَنْهُ - مِثْلُ الذَّهَابِ إلَى الْعَدُوِّ ثُمَّ الرُّجُوعُ إلَى مَوْقِفِهِ وَمِثْلَ قِيَامِ الْمُسَلِّمِ سَهْوًا إلَى نَاحِيَةِ الْمَسْجِدِ وَاتِّكَائِهِ عَلَيْهِ - لَيْسَ هُوَ مِنْ أَفْعَالِ الصَّلَاةِ الْوَاجِبَةِ وَلَا الْمُسْتَحَبَّةِ وَلَا دَاخِلًا فِي ذَلِكَ كَمَا يَدْخُلُ مَا يَدْخُلُ فِي تَطْوِيلِ الْقِيَامِ وَالرُّكُوعِ
стр. 177
وَالسُّجُودِ وَالْقُعُودِ فَإِنَّ هَذِهِ الْأَرْبَعَةَ مِنْ جِنْسِ أَفْعَالِ الصَّلَاةِ فَإِذَا أَطَالَهَا أَوْ أَدْخَلَ فِيهَا مَا لَا يُشْرَعُ فِي الصَّلَاةِ مِنْ الْعَمَلِ الْيَسِيرِ: لَمْ يَمْنَعْ أَنْ تَكُونَ هِيَ مِنْ الصَّلَاةِ. وَأَمَّا تِلْكَ فَلَيْسَتْ مِنْ أَفْعَالِ الصَّلَاةِ وَإِنَّمَا أُمِرَ الْمُصَلِّي بِالْعَمَلِ الْكَثِيرِ فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ لِأَجْلِ الْجِهَادِ وَغُفِرَ لَهُ عَنْ نَحْوِ ذَلِكَ مِنْ السَّهْوِ لِأَنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ عَنْ الْخَطَأِ وَالنِّسْيَانِ فَصَارَ الْفَصْلُ بَيْنَ أَبْعَاضِ الصَّلَاةِ الْمُتَابِعِ تَارَةً بِفِعْلِ يُوجِبُ تَغْيِيرَهَا وَتَارَةً بِفِعْلِ لَا جُنَاحَ عَلَى فَاعِلِهِ لِكَوْنِهِ لَيْسَ مُكَلَّفًا بِتَرْكِهِ يُشْبِهُهُ الْفَصْلُ بَيْنَ الصِّيَامِ الْمُتَتَابِعِ: تَارَةً بِصَوْمِ أَوْ فِطْرٍ وَاجِبٍ وَتَارَةً بِحَيْضِ أَوْ نِفَاسٍ أَوْ مَرَضٍ يَعْجِزُ مَعَهُ عَنْ الصَّوْمِ. وَلِهَذَا طَرَدَ أَحْمَد ذَلِكَ؛ وَلَوْ وَقَعَ هَذَا التَّفْرِيقُ لِغَيْرِ عُذْرٍ أَبْطَلَ الصَّلَاةَ بِالِاتِّفَاقِ فَالْوُضُوءُ أَوْلَى أَنْ لَا يُسَوَّى بَيْنَ تَفْرِيقِهِ لِعُذْرِ وَلِغَيْرِ عُذْرٍ. وَأَمَّا كَوْنُهُ فِي حُكْمِ الْمُصَلِّي فَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُفَرِّقَ الصَّلَاةَ إلَّا بِمَا يُعْفَى عَنْهُ فِيهِ فَإِذَا أَتَى بِمَا يُنَافِيهَا - مِنْ كَلَامٍ عَمْدٍ أَوْ عَمَلٍ كَثِيرٍ؛ أَوْ اسْتِدْبَارِ قِبْلَةٍ لِغَيْرِ عُذْرٍ - كَانَ قَدْ فَصَلَ بَيْنَ أَبْعَاضِهَا وَفَرَّقَ بَيْنَهَا بِمَا يُنَافِيهَا لِغَيْرِ عُذْرٍ؛ فَتَبْطُلُ صَلَاتُهُ؛ كَمَا لَوْ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ فَسَلَّمَ عَمْدًا؛ فَإِنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالرَّكْعَتَيْنِ الْأَخِيرَتَيْنِ بَلْ يَسْتَأْنِفُ الصَّلَاةَ وَلَوْ سَلَّمَ سَهْوًا بَنَى عَلَى الْأَوَّلِ بِالسُّنَّةِ الْمُتَوَاتِرَةِ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ وَاتِّفَاقِهِمْ عَلَى ذَلِكَ وَالْمُسْلِمُ إنَّمَا هُوَ خَارِجٌ مِنْ الصَّلَاةِ وَزَائِدٌ عَلَى الْفِعْلِ الْمَأْمُورِ بِهِ فَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ عَمْدًا لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ وَلَا مَحْذُورَ فِي ذَلِكَ إلَّا قَطْعُ الصَّلَاةِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْوِتْرِ بِثَلَاثِ مُتَّصِلَةٍ وَثَلَاثٍ يُفْصَلُ فِيهَا بَيْنَ الشَّفْعِ وَالْوِتْرِ: إلَّا بِمُجَرَّدِ الْفَصْلِ؟
стр. 178
وَلِهَذَا يَقُولُونَ: يُفْصَلُ بَيْنَ الشَّفْعِ وَالْوَتْرِ بِتَسْلِيمَةٍ؛ أَوْ لَا يُفْصَلُ بِتَسْلِيمَةٍ. فَمِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ مَنْ لَا يُسَوِّغُ الْفَصْلَ كَالْمَغْرِبِ. وَيَجْعَلُ وَتْرَ اللَّيْلِ لَا يَكُونُ إلَّا كَوِتْرِ النَّهَارِ مُتَّصِلًا غَيْرَ مُنْفَصِلٍ. وَمِنْ أَهْلِ الْحِجَازِ مَنْ لَا يُسَوِّغُ إلَّا الْفَصْلَ؛ لِقَوْلِهِ ﷺ : "صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى فَإِذَا خَشِيت الصُّبْحَ فَأَوْتِرْ بِرَكْعَةِ". وَفُقَهَاءُ أَهْلِ الْحَدِيثِ يَخْتَارُونَ الْفَصْلَ لِصِحَّةِ الْآثَارِ وَكَثْرَتِهَا بِهِ وَإِنْ جَوَّزُوا الْوَصْلَ. وَالْمَقْصُودُ هُنَا: أَنَّهُمْ لَا يَذْكُرُونَ بَيْنَ صُورَتَيْ الْوِتْرِ فَرْقًا: إلَّا كَوْنَ هَذَا مُتَّصِلًا وَهَذَا مُنْفَصِلًا. وَهَذَا هُوَ الْمُوَالَاةُ وَالتَّفْرِيقُ؛ فَتُبَيِّنُ أَنَّ السَّلَامَ الْعَمْدَ إنَّمَا أَبْطَلَ الصَّلَاةَ الْمَكْتُوبَةَ وَنَحْوَهَا مِمَّا سُنَّتُهُ الِاتِّصَالُ: لِأَجْلِ تَفْرِيقِ بَعْضِ الصَّلَاةِ عَنْ بَعْضٍ وَهُوَ إذَا فَعَلَ ذَلِكَ سَهْوًا لَمْ تَبْطُلْ وَكُلُّ مَا يُنَافِي الصَّلَاةَ مِنْ فِعْلٍ أَوْ عَمَلٍ كَثِيرٍ؛ أَوْ تَعَمُّدِ كَلَامٍ وَتَرْكِ شَرْطٍ مِنْ شُرُوطِهَا - مِنْ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ أَوْ سَتْرِ عَوْرَتِهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ - فَإِنَّهُ مَعَ مُنَافَاتِهِ بِفَرْقِ بَيْنَ أَبْعَاضِ الصَّلَاةِ وَيُمْكِنُ أَنْ يَخْرُجَ مِنْهَا كَمَا يَخْرُجُ بِالسَّلَامِ؛ وَلِهَذَا ذَهَبَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِرَاقِ إلَى أَنَّهُ يَخْرُجُ مِنْهَا بِكُلِّ مَا يُنَافِيهَا كَمَا يَخْرُجُ بِالسَّلَامِ لَكِنَّ فُقَهَاءَ الْحَدِيثِ وَأَهْلَ الْحِجَازِ مَنَعُوا ذَلِكَ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ :
"مِفْتَاحُ الصَّلَاةِ الطَّهُورُ وَتَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ وَتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ" وَلِغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأُمُورِ الَّتِي يَتَبَيَّنُ أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ فِيهَا إلَّا بِالْمَشْرُوعِ؛ وَلَا يَخْرُجُ إلَّا بِالْمَشْرُوعِ» إلخ. ما ذكره ﵀ فقد أطال في ذلك النفس وبسط القول.
* * *
стр. 179
قال المؤلف رحمه الله تعالى:
٨ - عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى الْمَازِنِيِّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: «شَهِدْتُ عَمْرَو بْنَ أَبِي حَسَنٍ سَأَلَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ زَيْدٍ عَنْ وُضُوءِ النَّبِيِّ ﷺ ؟ فَدَعَا بِتَوْرٍ مِنْ مَاءٍ، فَتَوَضَّأَ لَهُمْ وُضُوءَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَكْفَأَ عَلَى يَدَيْهِ مِنْ التَّوْرِ، فَغَسَلَ يَدَيْهِ ثَلاثاً، ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فِي التَّوْرِ، فَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ وَاسْتَنْثَرَ ثَلاثاً بِثَلاثِ غَرَفَاتٍ، ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فَغَسَلَ وَجْهَهُ ثَلاثاً، ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فِي التَّوْرِ، فَغَسَلَهُمَا مَرَّتَيْنِ إلَى الْمِرْفَقَيْنِ ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فِي التَّوْرِ، فَمَسَحَ رَأْسَهُ، فَأَقْبَلَ بِهِمَا وَأَدْبَرَ مَرَّةً وَاحِدَةً، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ».
وَفِي رِوَايَةٍ: «بَدَأَ بِمُقَدَّمِ رَأْسِهِ، حَتَّى ذَهَبَ بِهِمَا إلَى قَفَاهُ، ثُمَّ رَدَّهُمَا حَتَّى رَجَعَ إلَى الْمَكَانِ الَّذِي بَدَأَ مِنْهُ». وَفِي رِوَايَةٍ «أَتَانَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأَخْرَجْنَا لَهُ مَاءً فِي تَوْرٍ مِنْ صُفْرٍ». التَّوْرُ: شِبْهُ الطَّسْتِ. اهـ
قوله: «فَدَعَا بِتَوْرٍ مِنْ مَاءٍ» التور قيل أنَّه: قدح، وقيل: إناء يشرب منه. وقيل هو الطست، وقيل يشبه الطست، وقيل هو مثل القدر يكون من صفر أو حجارة.
وقوله: «فِي تَوْرٍ مِنْ صُفْرٍ» الصُفْر النحاس، ويسمى أيضاً الشَبَه، قيل: إنَّه سمي بذلك لكونه يشبه الذهب.
وقوله: «غَرَفَاتٍ» الغَرفة بالفتح بمعنى المصدر، والغَرفة المرة الواحدة، وبالضم بمعنى المغروف وهي ملء الكف.
وفي الحديث عدة مسائل:
стр. 180
١ - جواز الوضوء في آنية الصفر.
والطهارة جائزة من الأواني الطاهرة كلها، إلَّا الذهب والفضة، على الصحيح قياساً على النهي من الشرب فيهما. وبه قال أكثر العلماء.
٢ - فيه دليل على استحباب الجمع بين المضمضة، الاستنشاق.
قال العلامة النووي ﵀ في [شرح المهذب] (١/ ٣٩٨): «وأمَّا الفصل، فلم يثبت فيه حديث أصلاً، وإنَّما جاء في حديث طلحة بن مصرف، وهو ضعيف» اهـ.
وقال العلامة الشوكاني ﵀ في [السيل الجرار] (١/ ٨٨٩): «وقد ورد الفصل بين المضمضة، والاستنشاق كما في حديث طلحة بن مصرف عن أبيه عن جده قال:
"رأيت النبي ﷺ يفصل بين المضمضة، والاستنشاق" وقد أعلوا هذا الحديث بجهالة مصرف والد طلحة، ولكنه قد حسن إسناده ابن الصلاح في كلامه على المهذب، وقد وثق ابنه طلحة ابن معين، وأبو حاتم، وكانوا يسمونه سيد القراء» اهـ.
قلت: الحديث رواه أبو داود (١٣٩).
قال العلامة البيهقي ﵀ في [السنن الكبرى] (١/ ٥١): «وقال أبو داود في حديث آخر لليث بن أبي سليم عن طلحة بن مصرف عن أبيه عن جده في الوضوء، قال مسدد: فحدثت به يحيى يعني القطان فأنكره، قال أبو داود: سمعت
стр. 181
أحمد يقول: أنَّ ابن عيينة كان ينكره، ويقول أيش هذا طلحة بن مصرف عن أبيه عن جده» اهـ.
وقال الحافظ ابن حجر ﵀ في [التلخيص الحبير] (١/ ٧٨ - ٧٩): «وفيه ليث بن أبي سليم وهو ضعيف، وقال ابن حبان: كان يقلب الأسانيد، ويرفع المراسيل، ويأتي عن الثقات بما ليس من حديثهم تركه يحيى بن القطان، وابن مهدي، وابن معين، وأحمد بن حنبل. وقال النووي في "تهذيب الأسماء": اتفق العلماء على ضعفه.
وللحديث علة أخرى ذكرها أبو داود عن أحمد قال: كان ابن عيينة ينكره، ويقول: إيش هذا طلحة بن مصرف عن أبيه عن جده. وكذلك حكى عثمان الدارمي عن علي بن المديني وزاد: وسألت عبد الرحمن بن مهدي عن اسم جده فقال: عمرو بن كعب، أو كعب بن عمرو، وكانت له صحبة.
وقال الدوري عن ابن معين: المحدثون يقولون: إنَّ جد طلحة رأى النبي ﷺ ، وأهل بيته يقولون: ليست له صحبة.
وقال الخلال عن أبي داود: سمعت رجلاً من ولد طلحة يقول: إنَّ لجده صحبة.
وقال ابن أبي حاتم: إنَّ لجده صحبة، وقال ابن أبي حاتم في "العلل": سألت أبي عنه فلم يثبته، وقال: طلحة هذا يقال أنَّه رجل من الأنصار، ومنهم من يقول طلحة بن مصرف، قال: ولو كان طلحة بن مصرف لم يختلف فيه.
وقال ابن القطان: علة الخبر عندي الجهل بحال مصرف بن عمرو والد طلحة.
стр. 182
وصرح بأنَّه طلحة بن مصرف ابن السكن، وابن مردويه في كتاب "أولاد المحدثين"، ويعقوب بن سفيان في "تاريخه"، وابن أبي خيثمة أيضاً، وخلق.
وأمَّا رواية علي، وعثمان للفصل فتبع فيه الرافعي الإمام في "النهاية"، وأنكره ابن الصلاح في كلامه على "الوسيط" فقال: لا يعرف، ولا يثبت، بل روى أبو داود عن علي ضده.
قلت: روى أبو علي ابن السكن في "صحاحه" من طريق أبي وائل شقيق بن سلمة قال: شهدت علي بن أبي طالب، وعثمان بن عفان توضأ ثلاثاً ثلاثاً، وأفردا المضمضة من الاستنشاق، ثم قالا: هكذا رأينا رسول الله ﷺ توضأ. فهذا صريح في الفصل فبطل إنكار بن الصلاح، وقد روي عن علي بن أبي طالب أيضاً الجمع، ففي "مسند" أحمد عن علي أنه دعا بماء فغسل وجهه، وكفيه ثلاثاً، وتمضمض، وأدخل بعض أصابعه في فيه، واستنشق ثلاثاً. بل في ابن ماجه ما هو أصرح من هذا بلفظ: توضأ فمضمض ثلاثاً، واستنشق ثلاثاً من كف واحد.
وروى أبو داود من طريق ابن أبي مليكة عن عثمان أنه رآه دعا بماء فأتي بميضأة فأصغاها على يده اليمنى، ثم أدخلها في الماء فتمضمض ثلاثاً، واستنثر ثلاثاً. الحديث. وفيه رفعه، وهو ظاهر في الفصل» اهـ.
قلت: رواية ابن السكن لم أقف عليها، ولم يسق الحافظ ﵀ إسنادها حتى ينظر فيه، ولم يحكم هو عليها بصحة، ولا بضعف.
стр. 183
قال المباركفوري في [تحفة الأحوذي] (١/ ٣٦): «قلت: ذكر الحافظ هذا الحديث في "التلخيص" لكنه لم يذكر سنده، ولم يبين أنَّه صحيح، أو حسن، فلا يعلم حال إسناده، فمتى لم يعلم أنَّه حسن، أو صحيح لا يصلح للاحتجاج» اهـ.
٣ - وفي الحديث بيان لكيفية الجمع بين المضمضة، والاستنشاق ثلاث مرات بثلاث غرفات.
وقد جاء في رواية عند البخاري ﵀ (١٩٩): «ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فِي التَّوْرِ فَمَضْمَضَ وَاسْتَنْثَرَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنْ غَرْفَةٍ وَاحِدَةٍ».
قال العلامة ابن قدامة ﵀ في [المغني] (١/ ١٥٣): «فإن شاء المتوضئ تمضمض، واستنشق من ثلاث غرفات، وإن شاء فعل ذلك ثلاثاً بغرفة واحدة» اهـ.
وقال العلامة الشوكاني ﵀ في [السيل الجرار] (١/ ٨٨ - ٨٨٩): «قوله: والجمع بين المضمضة والاستنشاق بغرفة.
أقول: كان ينبغي للمصنف ﵀ أن يزيد لفظ ثلاثاً فيقول: والجمع بين المضمضة، والاستنشاق ثلاثاً بغرفة، كما كان ينبغي له أن يقول: وسننه غسل اليدين ثلاثاً أولاً لما تقدم في غسل اليدين، وكذلك هنا لأنَّ الثابت من فعله ﷺ هو الجمع بين المضمضة، والاستنشاق ثلاثاً بغرفة، كما في صحيح البخاري من حديث عبد الله بن زيد في تعليمه لوضوء رسول الله ﷺ أنَّه تمضمض واستنشق ثلاث مرات من غرفة واحدة.
стр. 184
والروايات المطلقة عن لفظ ثلاثاً ينبغي أن تحمل على هذه الرواية المقيدة بالثلاث، فإن قلت: قد لا يتسع الكف للجميع بين المضمضة، والاستنشاق منه ثلاث مرات.
قلت: إذا لم يتمكن المتوضئ من ذلك إمَّا لضيق كفه، أو لعدم حفظها لما فيها، فذلك مما يسوغ له أن يكرر الغرفات جامعاً بين المضمضة، والاستنشاق من كل غرفة» اهـ.
وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى في [فتح الباري]: «قوله: "من غرفة واحدة" يتعلق بقوله
"فمضمض واستنثر" والمعنى: أنَّه جمع بينهما ثلاث مرات كل مرة من غرفة، ويحتمل أن يتعلق بقوله
"ثلاث مرات" والمعنى: أنَّه جمع بينهما ثلاث مرات من غرفة واحدة، والأول موافق لباقي الروايات فهو أولى» اهـ.
قلت: وهذا هو الذي يظهر لي أنَّه الصواب، والله أعلم.
٤ - قوله: «ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فِي التَّوْرِ، فَغَسَلَهُمَا مَرَّتَيْنِ إلَى الْمِرْفَقَيْنِ» يدل على مشروعية التفاوت في غسل أعضاء الوضوء، فتغسل بعض الأعضاء ثلاثاً، وبعضها مرتين.
قال الحافظ ابن حجر ﵀ في [الفتح] (١/ ٣٤٩): «قوله: "ثم غسل يديه مرتين مرتين" كذا بتكرار مرتين، ولم تختلف الروايات عن عمرو بن يحيى في غسل اليدين مرتين، لكن في رواية مسلم من طريق حبان بن واسع عن عبد الله بن زيد:
стр. 185
أنَّه رأى النبي ﷺ توضأ وفيه "ويده اليمنى ثلاثا ثم الأخرى ثلاثاً" فيحمل على أنَّه وضوء آخر لكون مخرج الحديثين غير متحد» اهـ.
قلت: الرواية التي أشار إليها الحافظ أخرجها مسلم في [صحيحه] (٥٥٨).
٥ - قوله: «ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فِي التَّوْرِ، فَمَسَحَ رَأْسَهُ»، يدل على أنَّ من السنة أخذ ماء جديد لمسح الرأس، وقد وردت رواية لحديث عبد الله بن زيد عند مسلم (٢٣٦) وفيها: «وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ بِمَاءٍ غَيْرِ فَضْلِ يَدِهِ».
وروى ابن ماجه (٣٩٠) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا الْهَيْثَمُ بْنُ جَمِيلٍ، حَدَّثَنَا شَرِيكٌ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ، عَنِ الرُّبَيِّعِ بِنْتِ مُعَوِّذٍ، قَالَتْ: «أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ بِمِيضَأَةٍ، فَقَالَ: "اسْكُبِي"، فَسَكَبْتُ، فَغَسَلَ وَجْهَهُ وَذِرَاعَيْهِ، وَأَخَذَ مَاءً جَدِيدًا، فَمَسَحَ بِهِ رَأْسَهُ، مُقَدَّمَهُ وَمُؤَخَّرَهُ، وَغَسَلَ قَدَمَيْهِ ثَلَاثًا ثَلَاثًا».
قلت: هذا حديث ضعيف لضعف كلاً من شريك، وهو ابن عبد الله بن أبي شريك النخعي، وابن عقيل.
ورواه الطيالسي (١٦٢٤) حَدَّثَنَا قَيْسُ بْنُ الرَّبِيعِ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ، قَالَ: أَرْسَلَنِي عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ إِلَى الرُّبَيِّعِ بِنْتِ مُعَوِّذٍ؛ أَسْأَلُهَا أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ كَثِيرًا مَا يَتَوَضَّأُ عِنْدَهُمْ، فَأَتَيْتُهَا، فَسَأَلْتُهَا، فَقَالَتْ:
«رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَتَوَضَّأُ فَأَخَذَ لِرَأْسِهِ مَاءً جَدِيدًا».
وروى الطبراني في [الكبير] (٢٠٩١): حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بن عَبْدِ اللَّهِ الْحَضْرَمِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ، حَدَّثَنَا أَسَدُ بن عَمْرٍو، عَنْ دَهْثَمٍ، عَنْ نِمْرَانَ بن جَارِيَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ :
стр. 186
«خُذُوا لِلرَّأْسِ مَاءً جَدِيدًا».
قلت: هذا حديث ضعيف جداً في إسناده دهثم، وهو ابن قران العكلي متروك الحديث، ونمران مجهول.
قلت: وفي الباب أحاديث أخرى، لا تخلوا من ضعف.
وروى أبو داود ﵀ (١٣٠): حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دَاوُدَ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ سَعِيدٍ عَنِ ابْنِ عَقِيلٍ عَنِ الرُّبَيِّعِ: «أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ مَسَحَ بِرَأْسِهِ مِنْ فَضْلِ مَاءٍ كَانَ فِي يَدِهِ».
قلت: هذا حديث ضعيف لضعف ابن عقيل. ولم أقف على حديث صحيح يدل على ذلك، فالسنة الصحيحة دلت على أخذ ماء جديد لمسح الرأس والله أعلم.
٦ - قوله: «فَمَسَحَ رَأْسَهُ» وفي رواية عند البخاري (١٩١، ١٩٢، ١٩٧)، ومسلم (٢٣٦):
«وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ».
وقد احتج بهذه اللفظة، وبقوله الله تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ (٦)﴾ [المائدة: ٦] من ذهب إلى مشروعية الاقتصار على مسح بعض الرأس، وهم الحنفية، والشافعية.
والدلالة على ذلك من وجهين:
الوجه الأول: أنَّ الباء للتبعيض.
والوجه الآخر: أنَّ المسح لغةً يقع على القليل، والكثير.
стр. 187
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى كما في [مجموع الفتاوى] (٢١/ ١٢٢ - ١٢٥):
«اتفق الأئمة كلهم على أنَّ السنة مسح جميع الرأس، كما ثبت في الأحاديث الصحيحة، والحسنة عن النبي ﷺ ، فإنَّ الذين نقلوا وضوءه لم ينقل عنه أحد منهم أنَّه اقتصر على مسح بعض رأسه، وما يذكره بعض الفقهاء كالقدوري في أول "مختصره"، وغيره أنَّه توضأ، ومسح على ناصيته، إنَّما هو بعض الحديث الذي في الصحيح من حديث المغيرة بن شعبة أنَّ النبي ﷺ توضأ عام تبوك ومسح على ناصيته.
ولهذا ذهب طائفة من العلماء إلى جواز مسح بعض الرأس، وهو مذهب أبي حنيفة، والشافعي، وقول في مذهب مالك، وأحمد، وذهب آخرون إلى وجوب مسح جميعه، وهو المشهور من مذهب مالك، وأحمد، وهذا القول هو الصحيح فإنَّ القرآن ليس فيه ما يدل على جواز مسح بعض الرأس، فإنَّ قوله تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ (٦)﴾ [المائدة: ٦] نظير قوله: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ (٦)﴾ [المائدة: ٦]. لفظ المسح في الآيتين، وحرف الباء في الآيتين، فإذا كانت آية التيمم لا تدل على مسح البعض مع أنَّه بدل عن الوضوء، وهو مسح بالتراب لا يشرع فيه تكرار فكيف تدل على ذلك آية الوضوء، مع كون الوضوء هو الأصل، والمسح فيه بالماء المشروع فيه التكرار هذا لا يقوله من يعقل ما يقول.
стр. 188
ومن ظن أنَّ من قال بإجزاء البعض لأنَّ الباء للتبعيض، أو دالة على القدر المشترك فهو خطأ أخطأه على الأئمة، وعلى اللغة، وعلى دلالة القرآن، والباء للإلصاق، وهي لا تدخل إلاَّ لفائدة فإذا دخلت على فعل يتعدى بنفسه أفادت قدراً زائداً كما في قوله: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا (٦)﴾ [الإنسان: ٦]. فإنَّه لو قيل: يشرب منها لم تدل على الري فضمن يشرب معنى يروي، فقيل: يشرب بها فأفاد ذلك أنَّه شرب يحصل معه الري.
وباب تضمين الفعل معنى فعل آخر حتى يتعدى بتعديته، كقوله: ﴿قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ (٢٤)﴾ [ص: ٢٤]، وقوله: ﴿وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا (٧٧)﴾ [الأنبياء: ٧٧]، وقوله: ﴿وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ (٤٩)﴾ [المائدة: ٤٩]، وأمثال ذلك كثير في القرآن، وهو يغني عند البصريين من النحاة عما يتكلفه الكوفيون من دعوى الاشتراك في الحروف.
وكذلك المسح في الوضوء، والتيمم لو قال: فامسحوا رؤوسكم، أو وجوهكم، لم تدل على ما يلتصق بالمسح، فإنَّك تقول: مسحت رأس فلان، وإن لم يكن بيدك بلل، فإذا قيل: فامسحوا برؤوسكم، وبوجوهكم ضمن المسح معنى الإلصاق، فأفاد: أنَّكم تلصقون برؤوسكم، وبوجوهكم شيئاً بهذا المسح، وهذا يفيد في آية التيمم أنَّه لا بد أن يلتصق الصعيد بالوجه واليد، ولهذا قال:
﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ (٦)﴾ [المائدة: ٦]، وإنَّما مأخذ من جوز البعض الحديث.
стр. 189
ثم تنازعوا فمنهم من قال: يجزئ قدر الناصية كرواية عن أحمد، وقول بعض الحنفية، ومنهم من قال: يجزئ الأكثر كرواية عن أحمد، وقول بعض المالكية، ومنهم من قال: يجزئ الربع، ومنهم من قال: قدر ثلاث أصابع، وهما قولان للحنفية، ومنهم من قال: ثلاث شعرات، أو بعضها، ومنهم من قال: شعرة، أو بعضها، وهما قولان للشافعية.
وأمَّا الذين أوجبوا الاستيعاب كمالك، وأحمد في المشهور من مذهبهما فحجتهم ظاهر القرآن، وإذا سلَّم لهم منازعوهم وجوب الاستيعاب في مسح التيمم كان في مسح الوضوء أولى وأحرى لفظاً، ومعنىً، ولا يقال: التيمم وجب فيه الاستيعاب لأنَّه بدل عن غسل الوجه، واستيعابه واجب، لأنَّ البدل إنَّما يقوم مقام المبدل في حكمه لا في وصفه، ولهذا المسح على الخفين بدل عن غسل الرجلين ولا يجب فيه الاستيعاب، مع وجوبه في الرجلين، وأيضاً للسنة المستفيضة من عمل رسول الله ﷺ .
وأمَّا حديث المغيرة بن شعبة، فعند أحمد، وغيره من فقهاء الحديث يجوز المسح على العمامة للأحاديث الصحيحة الثابتة في ذلك، وإذا مسح عنده بناصيته، وكمل الباقي بعمامته أجزأه ذلك عنده بلا ريب.
وأمَّا مالك فلا جواب له عن الحديث إلَّا أن يحمله على أنَّه كان معذوراً لا يمكنه كشف الرأس فتمم على العمامة للعذر، ومن فعل ما جاءت به السنة من المسح بناصيته، وعمامته أجزأه مع العذر بلا نزاع، وأجزأه بدون العذر عند الثلاثة.
стр. 190
ومسح الرأس مرة مرة يكفي بالاتفاق، كما يكفي تطهير سائر الأعضاء مرة» اهـ.
وقال الحافظ ابن عبد البر ﵀ في [التمهيد] (٢٠/ ١٣٠): «واحتج إسماعيل وغيره من أصحابنا على وجوب العموم في مسح الرأس بقوله تعالى:
﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ (٢٩)﴾ [الحج: ٢٩]، وقد أجمعوا أنَّه لا يجوز الطواف ببعضه فكذلك مسح الرأس» اهـ.
قلت: قال ابن برهان: "من زعم أنَّ الباء تفيد التبعيض فقد جاء أهل اللغة بما لا يعرفونه".
ومن جملة حجج من أجاز مسح بعض الرأس، ما رواه أبو داود (١٤٧)، وابن ماجه (٥٦٤) من طريق ابْنِ وَهْبٍ حَدَّثَنِى مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنِ أَبِي مَعْقِلٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: «رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَتَوَضَّأُ وَعَلَيْهِ عِمَامَةٌ قِطْرِيَّةٌ فَأَدْخَلَ يَدَهُ مِنْ تَحْتِ الْعِمَامَةِ فَمَسَحَ مُقَدَّمَ رَأْسِهِ وَلَمْ يَنْقُضِ الْعِمَامَةَ».
قلت: هذا حديث لا يصح لجهالة حال عبد العزيز بن مسلم، وجهالة عين أبي معقل.
ومن حججهم أيضاً ما رواه ابن أبي شيبة في [مصنفه] (٢٣٧، ١٨٤١) حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ إدْرِيسَ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ تَوَضَّأَ فَرَفَعَ الْعِمَامَةَ فَمَسَحَ مُقَدَّمَ رَأْسِهِ».
وأخرجه البيهقي في [الكبرى] (٢٨٥) من طريق ابن جريج، عن عطاء.
стр. 191
قلت: هذا حديث مرسل.
وقال الحافظ ابن حجر ﵀ في [فتح الباري] (١/ ٣٥١): «وفي الباب أيضاً عن عثمان في صفة الوضوء قال: "ومسح مقدم رأسه" أخرجه سعيد بن منصور، وفيه خالد بن يزيد بن أبي مالك مختلف فيه» اهـ.
قلت: منهم من جرحه جرحاً شديداً، ومنهم من وثقه، وحديث عثمان الثابت عنه من رواية الثقات ليس فيها هذا.
وعلى فرض صحة هذه الأحاديث فهي محمولة على أنَّه مسح مقدم رأسه، ثم أكمل على العمامة.
فقد روى مسلم (٦٣٢) عن الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قال: «تَخَلَّفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَتَخَلَّفْتُ مَعَهُ فَلَمَّا قَضَى حَاجَتَهُ قَالَ أَمَعَكَ مَاءٌ فَأَتَيْتُهُ بِمِطْهَرَةٍ فَغَسَلَ كَفَّيْهِ وَوَجْهَهُ ثُمَّ ذَهَبَ يَحْسِرُ عَنْ ذِرَاعَيْهِ فَضَاقَ كُمُّ الْجُبَّةِ فَأَخْرَجَ يَدَهُ مِنْ تَحْتِ الْجُبَّةِ وَأَلْقَى الْجُبَّةَ عَلَى مَنْكِبَيْهِ وَغَسَلَ ذِرَاعَيْهِ وَمَسَحَ بِنَاصِيَتِهِ وَعَلَى الْعِمَامَةِ وَعَلَى خُفَّيْهِ».
٧ - ولا يستحب تكرار مسح الرأس والأذنين بل السنة مسحة واحدة يقبل بها ويدبر لأنَّ عبد الله بن زيد لما حكى وضوء رسول الله ﷺ قال: «فَمَسَحَ رَأْسَهُ، فَأَقْبَلَ بِهِمَا وَأَدْبَرَ مَرَّةً وَاحِدَةً»، مع ذكره التثليث في غسل جميع الأعضاء، وكذلك عامة الذين وصفوا وضوء رسول الله ﷺ مثل عثمان، وعلي، وابن عباس، وعائشة، وعبد الله بن أبي أوفى ﵃ في رواياتهم الصحاح ذكروا أنَّه مسح رأسه مرة واحدة، ومنهم من صرح بذلك، ومنهم من ذكر العدد ثلاثاً ثلاثًا، ولم يذكر في الرأس عدداً.
ولأنَّه مسح فلم يستحب تكراره كالتيمم ومسح الخف.
стр. 192
ولأنَّ المسح إذا ما كرر صار غسلاً.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى كما في [مجموع الفتاوى] (٢١/ ١٢٥ - ١٢٦): «وتنازعوا في مسحه ثلاثاً هل يستحب؟ فمذهب الجمهور أنَّه لا يستحب، كمالك، وأبي حنيفة، وأحمد في المشهور عنه، وقال الشافعي، وأحمد في رواية عنه يستحب لما في الصحيح أنَّه توضأ ثلاثاً ثلاثاً، وهذا عام، وفي سنن أبي داود: أنَّه مسح برأسه ثلاثاً، ولأنَّه عضو من أعضاء الوضوء فسن فيه الثلاث كسائر الأعضاء.
والأول أصح فإنَّ الأحاديث الصحيحة عن النبي ﷺ تبين أنَّه كان يمسح رأسه مرة واحدة، ولهذا قال أبو داود السجستاني: أحاديث عثمان الصحاح تدل على أنَّه مسح مرة واحدة، وبهذا يبطل ما رواه من مسحه ثلاثاً، فإنَّه يبين أنَّ الصحيح أنَّه مسح رأسه مرة، وهذا المفصل يقضي على المجمل وهو قوله: توضأ ثلاثاً ثلاثاً، كما أنَّه لما قال: "إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول"، كان هذا مجملاً، وفسره حديث ابن عمر أنَّه يقول عند الحيعلة لا حول ولا قوة إلاَّ بالله، فإنَّ الخاص المفسر يقضي على العام المجمل.
وأيضاً فإنَّ هذا مسح، والمسح لا يسن فيه التكرار كمسح الخف، والمسح في التيمم، ومسح الجبيرة، وإلحاق المسح بالمسح أولى من إلحاقه بالغسل لأنَّ المسح إذا كرر كان كالغسل» اهـ.
قلت: وقد جاء تكرار مسح الرأس في حديث علي بن أبي طالب ﵁.
стр. 193
قال الحافظ الدارقطني ﵀ في [السنن] (٢٩٨): حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَحْمُودٍ الْوَاسِطِيُّ، حَدَّثَنَا شُعَيْبُ بْنُ أَيُّوبَ، حَدَّثَنَا أَبُو يَحْيَى الْحِمَّانِيُّ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ (ح) وَحَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ يُوسُفَ الْمَرْوَرُّوذِيُّ قَالَ وَجَدْتُ فِي كِتَابِ جَدِّي، حَدَّثَنَا أَبُو يُوسُفَ الْقَاضِي، حَدَّثَنَا أَبُو حَنِيفَةَ عَنْ خَالِدِ بْنِ عَلْقَمَةَ عَنْ عَبْدِ خَيْرٍ عَنْ عَلِيٍّ ﵁: «أَنَّهُ تَوَضَّأَ فَغَسَلَ يَدَيْهِ ثَلَاثًا وَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ ثَلَاثًا وَغَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا وَذِرَاعَيْهِ ثَلَاثًا وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ ثَلَاثًا وَغَسَلَ رِجْلَيْهِ ثَلَاثًا، ثُمَّ قَالَ مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى وُضُوءِ رَسُولِ اللهِ ﷺ كَامِلاً فَلْيَنْظُرْ إِلَى هَذَا» وَقَالَ شُعَيْبٌ: «هَكَذَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَفْعَلُ كَذَا». رَوَاهُ أَبُو حَنِيفَةَ عَنْ خَالِدِ بْنِ عَلْقَمَةَ قَالَ فِيهِ وَمَسَحَ رَأْسَهُ ثَلَاثًا وَخَالَفَهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الْحُفَّاظِ الثِّقَاتِ مِنْهُمْ زَائِدَةُ بْنُ قُدَامَةَ وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَشُعْبَةُ وَأَبُو عَوَانَةَ وَشَرِيكٌ وَأَبُو الأَشْهَبِ جَعْفَرُ بْنُ الْحَارِثِ وَهَارُونُ بْنُ سَعْدٍ وَجَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ وَحَجَّاجُ بْنُ أَرْطَاةَ وَأَبَانُ بْنُ تَغْلِبَ وَعَلِيُّ بْنُ صَالِحِ بْنِ حُيَىٍّ وَحَازِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ وَجَعْفَرٌ الأَحْمَرُ فَرَوَوْهُ عَنْ خَالِدِ بْنِ عَلْقَمَةَ فَقَالُوا فِيهِ وَمَسَحَ رَأْسَهُ مَرَّةً إِلاَّ أَنَّ حَجَّاجًا جَعَلَ مِنْ بَيْنِهِمْ مَكَانَ عَبْدِ خَيْرٍ عَمْرًا ذَا مُرٍّ وَوَهِمَ فِيهِ، وَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا مِنْهُمْ قَالَ فِي حَدِيثِهِ إِنَّهُ مَسَحَ رَأْسَهُ ثَلَاثًا غَيْرَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَعَ خِلَافِ أَبِي حَنِيفَةَ فِيمَا رَوَى لِسَائِرِ مَنْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ فَقَدْ خَالَفَ فِي حُكْمِ الْمَسْحِ فِيمَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: «إِنَّ السُّنَّةَ فِي الْوُضُوءِ مَسْحُ الرَّأْسِ مَرَّةً وَاحِدَةً».
وَرَوَاهُ إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي يَحْيَى وَأَبُو يُوسُفَ عَنِ الْحَجَّاجِ عَنْ خَالِدٍ عَنْ عَبْدِ خَيْرٍ عَنْ عَلِيٍّ. اهـ.
стр. 194
وقال ﵀ في [العلل] (٤/ ٥١): «واتفقوا في الحديث على مسح الرأس مرة واحدة إلاَّ أبا حنيفة فإنَّه قال في روايته عن خالد بن علقمة عن عبد خير: أنَّه مسح رأسه ثلاثاً، ومع خلاف أبي حنيفة للجماعة وروايته أنَّ النبي ﷺ مسح رأسه ثلاثاً، قد خالف في هذا فزعم أنَّ السنة في مسح الرأس مرة واحدة، وكذلك رواه عبد الملك بن سلع عن عبد خير عن علي، وذكر فيه أنَّه غسل رجليه ثلاثاً، ثلاثاً، وتابعه أبو كيران الحسن بن عقبة، ورواه إسماعيل الرسدي، عن عبد خير، واختلف عليه في لفظه، فرواه الثوري، عن السدي، عن عبد خير، عن علي أنه توضأ، وضوءاً خفيفاً، ومسح على نعليه، ثم قال: هكذا وضوء رسول الله ﷺ للطاهرة ما لم يحدث» اهـ.
وقال الحافظ البيهقي ﵀ في [الكبرى] (١/ ٦٣ - ٦٤): «وقد روي من أوجه غريبة عن علي بن أبى طالب ﵁ والرواية المحفوظة عنه غيرها.
أخبرنا الحسين بن محمد بن محمد بن على الطوسي، ثنا عبد الله بن عمر بن أحمد بن شوذب، أنا شعيب بن أيوب، ثنا عبد الحميد أبو يحيى الحماني، عن أبي حنيفة، عن خالد بن علقمة، عن عبد خير الهمداني: أن علي بن أبي طالب ﵁ دعا بماء فتوضأ، فغسل كفيه ثلاثاً ثلاثاً، وتمضمض ثلاثاً، واستنشق ثلاثاً، وغسل وجهه ثلاثاً، وغسل يديه ثلاثاً ثلاثاً، ومسح برأسه ثلاثاً، وغسل قدميه ثلاثاً ثلاثاً، ثم قال: "هكذا رأيت رسول الله ﷺ فعل".
стр. 195
وهكذا رواه الحسن بن زياد اللؤلؤي، وأبو مطيع عن أبى حنيفة في مسح الرأس ثلاثاً، فرواه زائدة بن قدامة، وأبو عوانة، وغيرهما عن خالد بن علقمة دون ذكر التكرار في مسح الرأس، وكذلك رواه الجماعة عن علي إلاَّ ما شذ منها.
وأحسن ما روي عن علي فيه ما أخبرنا أبو الحسن على بن أحمد بن عبدان، أنا أحمد بن عبيد الصفار، ثنا عباس بن الفضل، ثنا إبراهيم بن المنذر، ثنا ابن وهب، عن ابن جريج، عن محمد بن على بن حسين، عن أبيه، عن جده عن على: أنه توضأ فغسل وجهه ثلاثاً، وغسل يديه ثلاثاً، ومسح برأسه ثلاثاً، وغسل رجليه ثلاثاً، وقال: "هكذا رأيت رسول الله ﷺ يتوضأ".
هكذا قال ابن وهب: ومسح برأسه ثلاثاً، وقال فيه حجاج، عن ابن جريج: ومسح برأسه مرة.
أخبرنا أبو بكر أحمد بن الحسن، أنا حاجب بن أحمد، ثنا محمد بن حماد، ثنا سفيان، عن عمرو بن يحيى، عن أبيه، عن عبد الله بن زيد: أنَّ النبي ﷺ توضأ فغسل وجهه ثلاثاً، ويديه مرتين، ومسح برأسه مرتين، وغسل رجليه مرتين.
وأخرجه أبو عبد الرحمن النسائي في كتاب "السنن" من حديث سفيان بن عيينة هكذا في مسح الرأس مرتين وقد خالفه مالك، ووهيب، وسليمان بن بلال، وخالد الواسطي، وغيرهم فرووه عن عمرو بن يحيى في مسح الرأس مرة إلاَّ أنه قال: أقبل، وأدبر» اهـ.
وقال الدارقطني ﵀ (٣٠٦) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْقَاسِمِ بْنِ زَكَرِيَّا، حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا مُسْهِرُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ سَلْعٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ خَيْرٍ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ
стр. 196
اللَّهُ عَنْهُ: «أَنَّهُ تَوَضَّأَ ثَلَاثًا ثَلَاثًا وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ، وَأُذُنَيْهِ ثَلَاثًا، وَقَالَ هَكَذَا وُضُوءُ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَحْبَبْتُ أَنْ أُرِيكُمُوهُ».
قلت: مسهر قال فيه البخاري: " فيه بعض النظر ".
الحديث رواه أحمد (١٠٠٨، ٩١٠)، والنسائي في [الكبرى] (١٦١) من طريق إِسْحَاقَ بْنِ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا مُسْهِرُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ سَلْعٍ، حَدَّثَنَا أَبِي عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ سَلْعٍ، عَنْ عَبْدِ خَيْرٍ، عَنْ عَلِيٍّ ﵁:
«أَنَّهُ غَسَلَ كَفَّيْهِ ثَلاثًا، وَمَضْمَضَ، وَاسْتَنْشَقَ ثَلاثًا، وَغَسَلَ وَجْهَهُ ثَلاثًا، وَقَالَ: هَذَا وُضُوءُ رَسُولِ اللهِ ﷺ ». هذا لفظ أحمد، ولفظ النسائي: «ثُمَّ أَدْخَلَ كَفَّهُ الْيُمْنَى فَبَسَطَ أَصَابِعَهُ فِي الْمَاءِ بَسْطًا، ثُمَّ رَفَعَهَا فَمَسَحَهَا عَلَى كَفِّهِ الْيُسْرَى كَمَسْحِكَ بِيَدَيْكَ بِالدُّهْنِ، ثُمَّ مَسَحَ بِهِمَا رَأْسَهُ وَأُذُنَيْهِ».
قلت: وليس فيه أنَّه مسح برأسه ثلاثاً.
وهذه الرواية هي الموافقة لحديث خالد بن علقمة عن عبد خير، ولرواية أبي حية عن علي ﵁، وهذا هو الصواب في حديث علي والله أعلم.
وجاء أيضاً في حديث عثمان ﵁.
قال الإمام أبو داود ﵀ في [سننه] (١٠٧): حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى حَدَّثَنَا الضَّحَّاكُ بْنُ مَخْلَدٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ وَرْدَانَ حَدَّثَنِى أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ حَدَّثَنِى حُمْرَانُ قَالَ رَأَيْتُ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ تَوَضَّأَ. فَذَكَرَ نَحْوَهُ وَلَمْ يَذْكُرِ الْمَضْمَضَةَ وَالاِسْتِنْشَاقَ وَقَالَ فِيهِ وَمَسَحَ رَأْسَهُ ثَلَاثًا ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ ثَلَاثًا ثُمَّ قَالَ رَأَيْتُ
стр. 197
رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَوَضَّأَ هَكَذَا وَقَالَ «مَنْ تَوَضَّأَ دُونَ هَذَا كَفَاهُ». وَلَمْ يَذْكُرْ أَمْرَ الصَّلَاةِ اهـ.
قال الإمام أبو داود ﵀: «أَحَادِيثُ عُثْمَانَ ﵁ الصِّحَاحُ كُلُّهَا تَدُلُّ عَلَى مَسْحِ الرَّأْسِ أَنَّهُ مَرَّةً، فَإِنَّهُمْ ذَكَرُوا الْوُضُوءَ ثَلَاثًا، وَقَالُوا فِيهَا: وَمَسَحَ رَأْسَهُ وَلَمْ يَذْكُرُوا عَدَدًا كَمَا ذَكَرُوا فِي غَيْرِهِ».
وقال ﵀ (١١٠): حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ عَامِرِ بْنِ شَقِيقِ بْنِ جَمْرَةَ، عَنْ شَقِيقِ بْنِ سَلَمَةَ، قَالَ: «رَأَيْتُ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ غَسَلَ ذِرَاعَيْهِ ثَلَاثًا ثَلَاثًا، وَمَسَحَ رَأْسَهُ ثَلَاثًا، ثُمَّ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَعَلَ هَذَا».
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ وَكِيعٌ، عَنْ إِسْرَائِيلَ قَالَ: «تَوَضَّأَ ثَلَاثًا فَقَطْ» اهـ.
وقال الحافظ الدارقطني ﵀ في [السنن] (٣٠١): حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ يُوسُفَ السُّلَمِيُّ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ بْنُ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ يَحْيَى عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ عَنْ أَبِيهِ عَبْدِ اللهِ بْنِ جَعْفَرٍ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ:
«أَنَّهُ تَوَضَّأَ فَغَسَلَ يَدَيْهِ ثَلَاثًا كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا وَاسْتَنْثَر ثَلَاثًا وَمَضْمَضَ ثَلَاثًا وَغَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا وَغَسَلَ ذِرَاعَيْهِ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا ثَلَاثًا ثَلَاثًا وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ ثَلَاثًا وَغَسَلَ رِجْلَيْهِ ثَلَاثًا ثَلَاثًا كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا، ثُمَّ قَالَ رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَتَوَضَّأُ هَكَذَا».
هذا إسناد لم يختلف فيه إلا أن إِسْحَاقُ بْنُ يَحْيَى ليس بالقوي اهـ.
قلت: إسحاق بن يحيى هو ابن طلحة بن عبيد الله متروك الحديث.
стр. 198
وقال الإمام أحمد ﵀ (٤١٠) حَدَّثَنَا صَفْوَانُ بْنُ عِيسَى، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ، قَالَ:
«دَخَلْتُ عَلَى ابْنِ دَارَةَ مَوْلَى عُثْمَانَ، قَالَ: فَسَمِعَنِي أُمَضْمِضُ، قَالَ: فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، قَالَ: قُلْتُ: لَبَّيْكَ، قَالَ: أَلَا أُخْبِرُكَ عَنْ وُضُوءِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، قَالَ: رَأَيْتُ عُثْمَانَ وَهُوَ بِالْمَقَاعِدِ دَعَا بِوَضُوءٍ فَمَضْمَضَ ثَلَاثًا، وَاسْتَنْشَقَ ثَلَاثًا، وَغَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا، وَذِرَاعَيْهِ ثَلاثًا ثَلَاثًا، وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ ثَلَاثًا، وَغَسَلَ قَدَمَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى وُضُوءِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَهَذَا وُضُوءُ رَسُولِ اللهِ ﷺ ».
ورواه البزار كما في [البحر الزخار] (٣٩١)، والدارقطني (٣٠٠)، والبيهقي في [السنن الكبرى] (١/ ٦٢ - ٦٣): من طريق صفوان بن عيسى، عن محمد بن عبد الله بن أبى مريم عن ابن دارة مولى عثمان به.
قلت: ابن دارة منهم من سماه عبد الله، ومنهم من سماه زيداً.
قال الحافظ ابن حجر في [تعجيل المنفعة] (١/ ٥٣٣): «ابن دارة مولى عثمان ﵁ عن أبي هريرة ﵁، وعنه العلاء بن عبد الرحمن، قلت له رواية أيضاً، عن عثمان، وهو عند أحمد أيضاً، وعن كعب الأحبار، روى عنه أيضاً محمد بن عبد الله بن أبي مريم، ومحمد بن كعب القرظي، واختلف في اسمه، فذكره بن مندة في الصحابة، فسماه عبد الله، ولم يذكر دليلاً على صحبته، بل قال: كان في زمن النبي ﷺ ، ولا يعرف له عنده رواية، وأخرج أبو نعيم بسند ضعيف من طريق محمد بن كعب عن عبد الله بن دارة حديثاً، وسماه
стр. 199
البخاري زيداً، وقال: روى عنه محمد بن عبد الله بن أبي مريم، وكذا ذكره ابن حبان في ثقات التابعين، ولما أخرج الدارقطني حديثه الذي أخرجه أحمد عن عثمان في صفة الوضوء قال: إسناده صالح» اهـ.
قلت: ابن دارة مجهول الحال، فلا يقاوم حديثه حديث حمران.
ورواه الدارقطني (٣٠٥): حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا شُعَيْبُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْحَضْرَمِيُّ بِمَكَّةَ، حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْحَضْرَمِيُّ، حَدَّثَنَا صَالِحُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، حَدَّثَنَا ابْنُ الْبَيْلَمَانِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ: «أَنَّهُ تَوَضَّأَ بِالْمَقَاعِدِ - وَالْمَقَاعِدُ بِالْمَدِينَةِ حَيْثُ يُصَلَّى عَلَى الْجَنَائِزِ عِنْدَ الْمَسْجِدِ - فَغَسَلَ كَفَّيْهِ ثَلَاثًا ثَلَاثًا وَاسْتَنْثَرَ ثَلَاثًا، ثُمَّ مَضْمَضَ ثَلَاثًا وَغَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا وَيَدَيْهِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ ثَلَاثًا وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ ثَلَاثًا وَغَسَلَ قَدَمَيْهِ ثَلَاثًا وَسَلَّمَ عَلَيْهِ رَجُلٌ وَهُوَ يَتَوَضَّأُ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ حَتَّى فَرَغَ فَلَمَّا فَرَغَ كَلَّمَهُ يَعْتَذِرُ إِلَيْهِ وَقَالَ لَمْ يَمْنَعْنِي أَنْ أَرُدَّ عَلَيْكَ إِلاَّ أَنَّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "مَنْ تَوَضَّأَ هَكَذَا وَلَمْ يَتَكَلَّمْ، ثُمَّ قَالَ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَ الْوُضُوءَيْنِ"».
قلت: هذا حديث ضعيف جداً ابن البيلماني هو: محمد بن عبد الرحمن بن البيلماني ضعيف جداً، وأبوه أيضاً ضعيف الحديث.
وقال الحافظ البيهقي في [السنن الكبرى] (١/ ٦٣): «وروي في ذلك عن عطاء بن أبي رباح عن عثمان، وهو مرسل».
وقال أيضاً في [السنن الكبرى] (١/ ٦٢): «وقد روى من أوجه غريبة عن عثمان ﵁ ذكر التكرار في مسح الرأس إلاَّ أنها مع خلاف الحفاظ الثقات ليست بحجة عند أهل المعرفة، وإن كان بعض أصحابنا يحتج بها».
стр. 200
وجاء أيضاً في حديث الربيع بنت معوذ ﵂.
رواه أبو داود (١٢٦)، والترمذي (٣٣)، وابن ماجه (٤٣٨) من طريق عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ عَنِ الرُّبَيِّعِ بِنْتِ مُعَوِّذِ ابْنِ عَفْرَاءَ قَالَتْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَأْتِينَا فَحَدَّثَتْنَا أَنَّهُ قَالَ «اسْكُبِى لِى وَضُوءًا».
فَذَكَرَتْ وُضُوءَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَتْ فِيهِ: «فَغَسَلَ كَفَّيْهِ ثَلَاثًا وَوَضَّأَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا وَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ مَرَّةً وَوَضَّأَ يَدَيْهِ ثَلَاثًا ثَلَاثًا وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ مَرَّتَيْنِ يَبْدَأُ بِمُؤَخَّرِ رَأْسِهِ ثُمَّ بِمُقَدَّمِهِ وَبِأُذُنَيْهِ كِلْتَيْهِمَا ظُهُورِهِمَا وَبُطُونِهِمَا وَوَضَّأَ رِجْلَيْهِ ثَلَاثًا ثَلَاثًا».
قلت: هذا حديث ضعيف ابن عقيل الراجح أنَّه ضعيف الحديث.
وجاء أيضاً في حديث ابن عمر.
قال الحافظ الدارقطني ﵀ (٣٠٧): حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا شُعَيْبُ بْنُ مُحَمَّدٍ بن سعيد الْحَضْرَمِيُّ أَبُو مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْحَضْرَمِيُّ، حَدَّثَنَا صَالِحُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ الْحَضْرَمِيُّ وَعَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ صُبَيْحٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْبَيْلَمَانِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ :
«مَنْ تَوَضَّأَ فَغَسَلَ كَفَّيْهِ ثَلَاثًا وَاسْتَنْثَرَ ثَلَاثًا وَمَضْمَضَ ثَلَاثًا وَغَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا وَيَدَيْهِ ثَلَاثًا ثَلَاثًا وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ ثَلَاثًا وَغَسَلَ رِجْلَيْهِ ثَلَاثًا ثَلَاثًا، ثُمَّ قَالَ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ قَبْلَ أَنْ يَتَكَلَّمَ غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْوُضُوءَيْنِ».
قلت: هذا حديث ضعيف جداً، وقد سبق القول في ابن البيلماني، وأبيه.
وخلاصة القول أنَّه لم يثبت عن النبي ﷺ تكرار مسح الرأس في الوضوء والله أعلم.
стр. 201
٨ - واحْتُج بقوله: «فَأَقْبَلَ بِهِمَا وَأَدْبَرَ» على من يرى ابتداء المسح من مؤخرة الرأس إلى مقدمه.
قال الحافظ ابن عبد البر ﵀ في [التمهيد] (٢٠/ ١٢٤): «وكان مالك يقول في مسح الرأس يبدأ بمقدم رأسه، ثم يذهب بيديه إلى مؤخره، ثم يردهما إلى مقدمه على حديث عبد الله بن زيد هذا، وبحديث عبد الله بن زيد هذا يقول أيضاً الشافعي، وأحمد، وكان الحسن بن حي يقول: يبدأ بمؤخر الرأس، وروي عن ابن عمر أنَّه كان يبدأ من وسط رأسه ولا يصح، وفي حديث عبد الله بن زيد بدأ بمقدم رأسه، وهذا هو النص الذي ينبغي أن يمتثل، ويحتمل عليه، وروى معاوية، والمقدام بن معدي كرب عن النبي ﷺ في مسح الرأس مثل رواية عبد الله بن زيد سواء.
وأمَّا قوله في حديث عبد الله بن زيد: "ثم سمح رأسه بيديه، فأقبل بهما وأدبر" فقد توهم بعض الناس أنه بدأ بمؤخر رأسه لقوله: "فأقبل بهما وأدبر"، وتوهم غيره أنَّه بدأ من وسط رأسه فأقبل بيديه وأدبر، وهذه كلها ظنون لا تصح.
وفي قوله: "بدأ بمقدم رأسه" ما يدفع الإشكال لمن فهم، وهو تفسير قوله: "فأقبل بهما وأدبر"، وتفسيره أنَّه كلام خرج على التقديم والتأخير، كأنَّه قال: فأدبر بهما، وأقبل لأنَّ الواو لا توجب الرتبة، وإذ احتمل الكلام التأويل كان قوله: "بمقدم رأسه ثم ذهب بهما إلى قفاه" تفسير ما أشكل من ذلك» اهـ.
وقال الحافظ ابن دقيق العيد ﵀ في [شرح العمدة] (١/ ٨٩): «وقوله: "فأقبل بهما وأدبر" اختلف الفقهاء في كيفية الإقبال، والإدبار على ثلاثة مذاهب.
стр. 202
أحدها: أن يبدأ بمقدم الرأس الذي يلي الوجه، ويذهب إلى القفا، ثم يردهما إلى المكان الذي بدأ منه، وهو مبدأ الشعر في حد الوجه، وعلى هذا يدل ظاهر قوله: "بدأ مقدم رأسه حتى ذهب بهما إلى قفاه ثم ردهما حتى رجع إلى المكان الذي بدأ منه" وهو مذهب مالك، والشافعي.
إلاَّ أنَّه ورد على هذا الإطلاق - أعني إطلاق قوله: فأقبل بهما وأدبر - إشكال من حيث إنَّ هذه الصيغة تقتضي أنَّه أدبر بهما وأقبل، لأنَّ ذهابه إلى جهة القفا إدبار، ورجوعه إلى جهة الوجه إقبال، فمن الناس من اعتقد أنَّ هذه الصيغة المتقدمة التي دل عليها ظاهر الحديث المفسر وهو قوله: "بدأ بمقدم رأسه" الخ،
وأجاب عن هذا السؤال: بأنَّ الواو لا تقتضي الترتيب فالتقدير: أدبر وأقبل.
وعندي فيه جواب آخر وهو: أنَّ الإقبال، والإدبار من الأمور الإضافية أعني: أنَّه ينسب إلى ما يقبل إليه، ويدبر عنه، فيمكنه حمله على هذا، ويحتمل أن يريد بالإقبال: الإقبال على الفعل لا غير، ويضعفه قوله:
"وأدبر مرة واحدة".
ومن الناس من قال: يبدأ بمؤخر رأسه، ويمر إلى جهة الوجه، ثم يرجع إلى المؤخر محافظة على ظاهر قوله: "أقبل وأدبر" وينسب الإقبال: إلى مقدم الوجه والإدبار: إلى ناحية المؤخر.
وهذا يعارضه الحديث المفسر لكيفية الإقبال، والإدبار، وإن كان يؤيده ما ورد في حديث الربيع: أنَّه ﷺ بدأ بمؤخر رأسه، فقد يحمل ذلك على حالة، أو وقت، ولا يعارض ذلك الرواية الأخرى لما ذكرناه من التفسير.
стр. 203
ومن الناس من قال: يبدأ بالناصية ويذهب إلى ناحية الوجه ثم يذهب إلى جهة مؤخر الرأس، ثم يعود إلى ما بدأ منه وهو الناصية.
وكأن هذا قد قصد المحافظة على قوله: "بدأ بمقدم الرأس" مع المحافظة على ظاهر: "أقبل و أدبر"، فإنَّه إذا بدأ بالناصية صدق أنَّه بدأ بمقدم رأسه، وصدق أنَّه أقبل أيضاً، فإنه ذهب إلى ناحية الوجه وهو القبل، إلاَّ أن قوله في الرواية المفسرة: "بدأ بمقدم رأسه حتى ذهب بهما إلى قفاه" قد يعارض هذا، فإنَّه جعله بادئاً بالمقدم إلى غاية الذهاب إلى قفاه، وهذه الصفة التي قالها هذا القائل تقتضي أنَّه بدأ بمقدم رأسه غير ذاهب إلى قفاه، بل إلى ناحية وجهه: وهو مقدم الرأس.
ويمكن أن يقول هذا القائل - الذي اختار الصفة الأخيرة -: إنَّ البداءة بمقدم الرأس ممتد إلى غاية الذهاب إلى المؤخر، وابتداء الذهاب من حيث الرجوع من منابت الشعر من ناحية الوجه إلى القفا، والحديث إنَّما جعل البداءة بمقدم الرأس ممتداً إلى غاية الذهاب إلى القفا، لا إلى غاية الوصول إلى القفا، وفرق بين الذهاب إلى القفا، وبين الوصول إليه، فإذا جعل هذا القائل الذهاب إلى القفا من حيث الرجوع من مبتدأ الشعر من ناحية الوجه إلى جهة القفا: صح أنَّه ابتدأ بمقدم الرأس ممتداً إلى غاية الذهاب إلى جهة القفا» اهـ.
قلت: جاء في رواية في البخاري (١٩٩) من طريق سليمان بن بلال قال عن عمرو بن يحيى عن أبيه، وفيه: «فَمَسَحَ رَأْسَهُ فَأَدْبَرَ بِهِ وَأَقْبَلَ».
قلت: وهذه الصفة مستحبة في مسح الرأس، وإذا كان الشخص كثير الشعر يتضرر بذلك فله أن يمسح بهيئة لا تضره.
قال العلامة ابن قدامة ﵀ في [المغني] (١/ ٩٤):
стр. 204
«فَإِنْ كَانَ ذَا شَعْرٍ يَخَافُ أَنْ يَنْتَفِشَ بِرَدِّ يَدَيْهِ لَمْ يَرُدَّهُمَا. نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فَإِنَّهُ قِيلَ لَهُ: مَنْ لَهُ شَعْرٌ إلَى مَنْكِبَيْهِ، كَيْفَ يَمْسَحُ فِي الْوُضُوءِ؟ فَأَقْبَلَ أَحْمَدُ بِيَدَيْهِ عَلَى رَأْسِهِ مَرَّةً، وَقَالَ: هَكَذَا كَرَاهِيَةَ أَنْ يَنْتَشِرَ شَعْرُهُ. يَعْنِي أَنَّهُ يَمْسَحُ إلَى قَفَاهُ وَلَا يَرُدُّ يَدَيْهِ.
قَالَ أَحْمَدُ حَدِيثُ عَلِيٍّ هَكَذَا. وَإِنْ شَاءَ مَسَحَ، كَمَا رُوِيَ عَنْ الرُّبَيِّعِ، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَوَضَّأَ عِنْدَهَا، فَمَسَحَ رَأْسَهُ كُلَّهُ مِنْ فَرْقِ الشَّعْرِ كُلَّ نَاحِيَةٍ لِمَصَبِّ الشَّعْرِ لَا يُحَرِّكُ الشَّعْرَ عَنْ هَيْئَتِهِ.» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
وَسُئِلَ أَحْمَدُ كَيْفَ تَمْسَحُ الْمَرْأَةُ؟ فَقَالَ: هَكَذَا. وَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى وَسَطِ رَأْسِهِ، ثُمَّ جَرَّهَا إلَى مُقَدَّمِهِ، ثُمَّ رَفَعَهَا فَوَضَعَهَا حَيْثُ مِنْهُ بَدَأَ، ثُمَّ جَرَّهَا إلَى مُؤَخَّرِهِ» اهـ.
قلت: حديث الربيع رواه أحمد (٢٧٠٦٩)، وأبو داود (١٢٨) من طريق اللَّيْثِ، عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ، عَنِ الرُّبَيِّعِ بِنْتِ مُعَوِّذٍ ابْنِ عَفْرَاءَ: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ تَوَضَّأَ عِنْدَهَا فَمَسَحَ الرَّأْسَ كُلَّهُ، مِنْ قَرْنِ الشَّعْرِ كُلِّ نَاحِيَةٍ، لِمُنْصَبِّ الشَّعْرِ، لَا يُحَرِّكُ الشَّعْرَ عَنْ هَيْئَتِهِ».
قلت: فيه ابن عقيل الراجح فيه الضعف.
وهل يختص الإقبال والإدبار بمن له شعر في ذلك احتمال وتردد.
قال الحافظ ابن حجر ﵀ في [فتح الباري] (١/ ٢٩٣):
«وَالْحِكْمَةُ فِي هَذَا الْإِقْبَالِ وَالْإِدْبَارِ اسْتِيعَابُ جِهَتَيِ الرَّأْسِ بِالْمَسْحِ فَعَلَى هَذَا يَخْتَصُّ ذَلِكَ بِمَنْ لَهُ شَعْرٌ وَالْمَشْهُورُ عَمَّنْ أَوْجَبَ التَّعْمِيمَ أَنَّ الْأُولَى وَاجِبَةٌ وَالثَّانِيَةَ سُنَّةٌ» اهـ.
تنبيه/ ذكر (التَّوْرِ» في حديث الباب انفرد به البخاري.
* * *
стр. 205
قال المؤلف رحمه الله تعالى:
٩ - عَنْ عَائِشَةَ، ﵂، قَالَتْ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُعْجِبُهُ التَّيَمُّنُ فِي تَنَعُّلِهِ وَتَرَجُّلِهِ وَطُهُورِهِ وَفِي شَأْنِهِ كُلِّهِ».
قولها ﵂: «يُعْجِبُهُ التَّيَمُّنُ» التيمن لفظ مشترك بين الابتداء باليمين، وتعاطي الشيء باليمين، وقصد اليمين.
قلت: وهو محمول على جميع هذه المعاني والله أعلم.
وقولها: «فِي تَنَعُّلِهِ» أي: في لبس نعله.
وقولها: «وَتَرَجُّلِهِ» أي: في ترجيل شعره وهو تسريحه ودهنه.
وقولها: «وَطُهُورِهِ» يشمل الوضوء، والغسل، فيبدأ باليد اليمنى، والرجل اليمنى في الوضوء، وبالشق الأيمن في الغسل.
وقولها: «وَفِي شَأْنِهِ كُلِّهِ»، قال الحافظ ابن حجر ﵀ في [الفتح] (١/ ٣٢٤): «كذا للأكثر من الرواة بغير واو، وفي رواية أبي الوقت بإثبات الواو، وهي التي اعتمدها صاحب "العمدة"».
قال العلامة النووي ﵀ في [شرح مسلم] (٣/ ١٥٢ - ١٥٣): «هذه قاعدة مستمرة في الشرع، وهي أنَّ ما كان من باب التكريم، والتشريف كلبس الثوب، والسراويل، والخف، ودخول المسجد، والسواك، والاكتحال، وتقليم الأظفار، وقص الشارب، وترجيل الشعر وهو مشطه، ونتف الإبط، وحلق الرأس، والسلام من الصلاة، وغسل أعضاء الطهارة، والخروج من الخلاء،
стр. 206
والأكل والشرب، والمصافحة، واستلام الحجر الأسود، وغير ذلك مما هو في معناه يستحب التيامن فيه.
وأمَّا ما كان بضده، كدخول الخلاء، والخروج من المسجد، والامتخاط، والاستنجاء، وخلع الثوب، والسراويل، والخف، وما أشبه ذلك، فيستحب التياسر فيه، وذلك كله بكرامة اليمين وشرفها.
والله أعلم.
وأجمع العلماء على أنَّ تقديم اليمين على اليسار من اليدين، والرجلين في الوضوء سنة، لو خالفها فاته الفضل، وصح وضوؤه، وقالت الشيعة: هو واجب، ولا اعتداد بخلاف الشيعة.
واعلم أنَّ الابتداء باليسار وإن كان مجزياً فهو مكروه، نص عليه الشافعي، وهو ظاهر.
وقد ثبت في سنن أبي داود، والترمذي، وغيرهما بأسانيد حميدة عن أبي هريرة ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ قال: "إذا لبستم أو توضأتم فابدءوا بأيامنكم". فهذا نص في الأمر بتقديم اليمين، ومخالفته مكروهة، أو محرمة، وقد انعقد إجماع العلماء على أنها ليست محرمة، فوجب أن تكون مكروهة.
ثم اعلم أنَّ من أعضاء الوضوء ما لا يستحب فيه التيامن، وهو الأذنان، والكفان، والخدان بل يطهران دفعة واحدة، فإن تعذر ذلك كما في حق الأقطع ونحوه؛ قدم اليمين. والله أعلم» اهـ.
стр. 207
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كما في [مجموع الفتاوى] (٣٢/ ٢٠٩): «ولو بدأ في الطهارة بمياسره قبل ميامنه كان تاركاً للاختيار، وكان وضوؤه صحيحاً من غير نزاع أعلمه بين الأئمة» اهـ.
قلت: وقد جاء عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «إِذَا لَبِسْتُمْ وَإِذَا تَوَضَّأْتُمْ فَابْدَءُوا بِأَيَامِنِكُمْ».
رواه أحمد (٨٢٩٨)، وأبو داود (٤١٤١) واللفظ له، وابن ماجه (٤٠٢)، من طريق زهير عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة به
قلت: هذا حديث صحيح، لكنه محمول على الاستحباب عند أهل العلم.
واستدل بالحديث على استحباب الصلاة عن يمين الإمام وفي ميمنة المسجد.
ويدل عليه ما رواه مسلم (٧٠٩) عَنْ الْبَرَاءِ قَالَ: «كُنَّا إِذَا صَلَّيْنَا خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَحْبَبْنَا أَنْ نَكُونَ عَنْ يَمِينِهِ يُقْبِلُ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ قَالَ فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: "رَبِّ قِنِي عَذَابَكَ يَوْمَ تَبْعَثُ أَوْ تَجْمَعُ عِبَادَكَ"».
قال العلامة النووي ﵀ في [شرح مسلم] (٣/ ٢٧):
«قَالَ الْقَاضِي: يَحْتَمِل أَنْ يَكُون التَّيَامُن عِنْد التَّسْلِيم وَهُوَ الْأَظْهَر؛ لِأَنَّ عَادَتَهُ ﷺ إِذَا اِنْصَرَفَ أَنْ يَسْتَقْبِل جَمِيعهمْ بِوَجْهِهِ. قَالَ: وَإِقْبَاله ﷺ يَحْتَمِل أَنْ يَكُون بَعْد قِيَامه مِنْ الصَّلَاة أَوْ يَكُون حِين يَنْفَتِل» اهـ.
وقال الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٥/ ٢٧٦):
«ولكن روي تفسير هذه اللفظة بالبداءة بالتفاته إلى جهة اليمين بالسلام.
стр. 208
خرجه الإسماعيلي في "حديث مسعر من جمعه"، ولفظه: "كان يعجبنا أن نصلي مما يلي يمين رسول الله ﷺ ، لأنَّه كان يبدأ بالسلام عن يمينه".
وفي رواية أخرى له: "أنَّه كان يبدأ بمن علي يمينه، فيسلم عليه"» اهـ.
واستدل بحديث الباب على استحباب الانصراف في الصلاة عن اليمين.
وقد جاء في ذلك ما رواه مسلم (٧٠٨) عَنْ السُّدِّيِّ قَالَ: سَأَلْتُ أَنَسًا كَيْفَ أَنْصَرِفُ إِذَا صَلَّيْتُ عَنْ يَمِينِي أَوْ عَنْ يَسَارِي قَالَ: «أَمَّا أَنَا فَأَكْثَرُ مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَنْصَرِفُ عَنْ يَمِينِهِ».
لكن يعارضه ما رواه البخاري (٨٥٢) عَنْ عَبْدُ اللهِ - وهو ابن مسعود- قَالَ: «لَا يَجْعَلْ أَحَدُكُمْ لِلشَّيْطَانِ شَيْئًا مِنْ صَلَاتِهِ يَرَى أَنَّ حَقًّا عَلَيْهِ أَنْ لَا يَنْصَرِفَ إِلاَّ عَنْ يَمِينِهِ لَقَدْ رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ كَثِيرًا يَنْصَرِفُ عَنْ يَسَارِهِ».
ورواه مسلم (٧٠٧) بلفظ: «لَا يَجْعَلَنَّ أَحَدُكُمْ لِلشَّيْطَانِ مِنْ نَفْسِهِ جُزْءًا لَا يَرَى إِلَّا أَنَّ حَقًّا عَلَيْهِ أَنْ لَا يَنْصَرِفَ إِلَّا عَنْ يَمِينِهِ أَكْثَرُ مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَنْصَرِفُ عَنْ شِمَالِهِ».
قال العلامة النووي ﵀ في [شرح مسلم] (٣/ ٢٤):
«قَوْله: فِي حَدِيث اِبْن مَسْعُود (لَا يَجْعَلَنَّ أَحَدكُمْ لِلشَّيْطَانِ مِنْ نَفْسه جُزْءًا: لَا يَرَى إِلَّا أَنَّ حَقًّا عَلَيْهِ أَلَّا يَنْصَرِف إِلَّا عَنْ يَمِينه، أَكْثَر مَا رَأَيْت رَسُول اللَّه ﷺ يَنْصَرِف عَنْ شِمَاله) وَفِي حَدِيث أَنَس: (أَكْثَر مَا رَأَيْت رَسُول اللَّه ﷺ يَنْصَرِف عَنْ يَمِينه). وَفِي رِوَايَة (كَانَ يَنْصَرِف عَنْ يَمِينه) وَجْه الْجَمْع بَيْنهمَا: أَنَّ النَّبِيّ ﷺ كَانَ يَفْعَل تَارَة هَذَا وَتَارَة هَذَا فَأَخْبَرَ كُلّ وَاحِد بِمَا اِعْتَقَدَ أَنَّهُ الْأَكْثَر فِيمَا يَعْلَمهُ؛ فَدَلَّ عَلَى جَوَازهمَا، وَلَا كَرَاهَة فِي وَاحِد
стр. 209
مِنْهُمَا. وَأَمَّا الْكَرَاهَة الَّتِي اِقْتَضَاهَا كَلَام اِبْن مَسْعُود فَلَيْسَتْ بِسَبَبِ أَصْل الِانْصِرَافِ عَنْ الْيَمِين أَوْ الشِّمَال، وَإِنَّمَا هِيَ فِي حَقّ مَنْ يَرَى أَنَّ ذَلِكَ لَا بُدّ مِنْهُ؛ فَإِنَّ مَنْ اِعْتَقَدَ وُجُوب وَاحِد مِنْ الْأَمْرَيْنِ مُخْطِئ، وَلِهَذَا قَالَ: يَرَى أَنَّ حَقًّا عَلَيْهِ، فَإِنَّمَا ذَمَّ مَنْ رَآهُ حَقًّا عَلَيْهِ. وَمَذْهَبنَا أَنَّهُ لَا كَرَاهَة فِي أَحَد مِنْ الْأَمْرَيْنِ، لَكِنْ يُسْتَحَبّ أَنْ يَنْصَرِف فِي جِهَة حَاجَته، سَوَاء كَانَتْ عَنْ يَمِينه أَوْ شِمَاله، فَإِنْ اِسْتَوَى الْجِهَتَانِ فِي الْحَاجَة وَعَدَمهَا فَالْيَمِين أَفْضَل لِعُمُومِ الْأَحَادِيث الْمُصَرِّحَة بِفَضْلِ الْيَمِين فِي بَاب الْمَكَارِم وَنَحْوهَا. هَذَا صَوَاب الْكَلَام فِي هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ وَقَدْ يُقَال فِيهِمَا خِلَاف الصَّوَاب. وَاَللَّه أَعْلَم» اهـ.
وقال الحافظ ابن حجر ﵀ في [فتح الباري] (٢/ ٣٣٨):
«وَيُمْكِنُ أَنْ يُجْمَعَ بَيْنَهُمَا بِوَجْهٍ آخَرَ وَهُوَ أَنْ يحمل حَدِيث بن مَسْعُودٍ عَلَى حَالَةِ الصَّلَاةِ فِي الْمَسْجِدِ لِأَنَّ حُجْرَةَ النَّبِيِّ ﷺ كَانَتْ مِنْ جِهَةِ يَسَارِهِ وَيُحْمَلَ حَدِيثُ أَنَسٍ عَلَى مَا سِوَى ذَلِكَ كَحَالِ السَّفَرِ ثُمَّ إِذَا تعَارض اعْتِقَاد بن مَسْعُود وَأنس رجح بن مَسْعُودٍ لِأَنَّهُ أَعْلَمُ وَأَسَنُّ وَأَجَلُّ وَأَكْثَرُ مُلَازَمَةً لِلنَّبِيِّ ﷺ وَأَقْرَبُ إِلَى مَوْقِفِهِ فِي الصَّلَاةِ مِنْ أَنَسٍ وَبَأنَ فِي إِسْنَادِ حَدِيثِ أَنَسٍ مَنْ تَكَلَّمَ فِيهِ وَهُوَ السُّدِّيُّ، وَبِأَنَّهُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بِخِلَافِ حَدِيثِ أَنَسٍ في الْأَمريْنِ وَبِأَنَّ رِوَايَة بن مَسْعُودٍ تُوَافِقُ ظَاهِرَ الْحَالِ لِأَنَّ حُجْرَةَ النَّبِيِّ ﷺ كَانَتْ عَلَى جِهَةِ يَسَارِهِ كَمَا تَقَدَّمَ.
ثُمَّ ظَهَرَ لِي أَنَّهُ يُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ بِوَجْهٍ آخَرَ وَهُوَ أَنَّ مَنْ قَالَ كَانَ أَكْثَرُ انْصِرَافِهِ عَنْ يَسَارِهِ نَظَرَ إِلَى هَيْئَتِهِ فِي حَالِ الصَّلَاةِ وَمَنْ قَالَ كَانَ أَكْثَرُ انْصِرَافِهِ عَنْ
стр. 210
يَمِينِهِ نَظَرَ إِلَى هَيْئَتِهِ فِي حَالَةِ اسْتِقْبَالِهِ الْقَوْمَ بَعْدَ سَلَامِهِ مِنَ الصَّلَاةِ فَعَلَى هَذَا لَا يَخْتَصُّ الِانْصِرَافُ بِجِهَةٍ مُعَيَّنَةٍ وَمِنْ ثَمَّ قَالَ الْعُلَمَاءُ يُسْتَحَبُّ الِانْصِرَافُ إِلَى جِهَةِ حَاجَتِهِ لَكِنْ قَالُوا إِذَا اسْتَوَتِ الْجِهَتَانِ فِي حَقِّهِ فَالْيَمِينُ أَفْضَلُ لِعُمُومِ الْأَحَادِيثِ الْمُصَرِّحَةِ بِفَضْلِ التَّيَامُنِ كَحَدِيثِ عَائِشَة الْمُتَقَدّم فِي كتاب الطَّهَارَة» اهـ.
قلت: الأظهر أنَّ المصلي ينصرف إلى جهة مقصده، وإذا استوت الجهتان قدم اليمين. والله أعلم.
وهكذا انصراف الإمام من أجل الالتفات إلى المصلين يشرع بالجهتين اليمنى واليسرى.
فقد روى أحمد (٦٦٢٧)، واللفظ له وابن ماجه (٩٣١) منْ طَرِيْقِ حُسَيْنٍ الْمُعَلِّمِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: «رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يُصَلِّي ينفَتِلُ عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ، وَرَأَيْتُهُ يُصَلِّي حَافِيًا وَمُنْتَعِلاً، وَرَأَيْتُهُ يَشْرَبُ قَائِمًا وَقَاعِدًا».
قلت: هذا حديث حسن.
قال الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٥/ ٢٧٦):
«قال أبو داود: كان أبو عبد الله - يعني: أحمد - ينحرف عن يمينه.
قال ابن منصورٍ: كان أحمد يقعد ناحية اليسرى، ويتساند.
قال القاضي أبو يعلى: وهما متفقان؛ لأنَّه إذا انحرف عن يمينه حصل جلوسه ناحية يساره.
стр. 211
قال: وقال ابن أبي حاتمٍ: سمعت أبي يقول: تدبرت الأحاديث التي رويت في إستقبال النبي ﷺ الناس بوجهه، فوجدت انحرافه عن يمينه أثبت.
وقال ابن بطة من أصحابنا: يجلس عن يسرة القبلة.
ونقل حربٌ، عن إسحاق، أنَّه كان يخير في ذلك كالانصراف.
وللشافعية وجهان: أحدهما: التخيير كقول إسحاق. والثاني: أن الانفتال عن يمينه أفضل.
ثم لهم في كيفيته وجهان:
أحدهما - وحكوه عن أبي حنيفة -: أنَّه يدخل يمينه في المحراب ويساره إلى
الناس، ويجلس على يمين المحراب.
والثاني - وهو أصح عند البغوي وغيره -: بالعكس» اهـ.
قلت: ما ذكره البغوي هو الأظهر.
ويدخل في الحديث التيامن في حلق الرأس.
فقد روى مسلم (١٣٠٥) عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَتَى مِنًى فَأَتَى الْجَمْرَةَ فَرَمَاهَا ثُمَّ أَتَى مَنْزِلَهُ بِمِنًى وَنَحَرَ ثُمَّ قَالَ لِلْحَلَّاقِ خُذْ وَأَشَارَ إِلَى جَانِبِهِ الْأَيْمَنِ ثُمَّ الْأَيْسَرِ ثُمَّ جَعَلَ يُعْطِيهِ النَّاسَ».
قلت: المسائل التي يدخل في الحديث كثيرة جداً يعسر احصاؤها.
* * *
стр. 212
قال المؤلف رحمه الله تعالى:
١٠ - عَنْ نُعَيْمٍ الْمُجْمِرِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «إنَّ أُمَّتِي يُدْعَوْنَ يَوْمَ القِيَامَةِ غُرّاً مُحَجَّلِينَ مِنْ آثَارِ الْوُضُوءِ فَمَنْ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يُطِيلَ غُرَّتَهُ فَلْيَفْعَلْ».
فِي لَفْظٍ لِمُسْلِمٍ: «رَأَيْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَتَوَضَّأُ، فَغَسَلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ حَتَّى كَادَ يَبْلُغُ الْمَنْكِبَيْنِ، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ حَتَّى رَفَعَ إلَى السَّاقَيْنِ، ثُمَّ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "إنَّ أُمَّتِي يُدْعَوْنَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ غُرَّاً مُحَجَّلِينَ مِنْ آثَارِ الْوُضُوءِ فَمَنْ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يُطِيلَ غُرَّتَهُ وَتَحْجِيلَهُ فَلْيَفْعَلْ"».
وَفِي لَفْظٍ لِمُسْلِمٍ: سَمِعْتُ خَلِيلِي ﷺ يَقُولُ: «تَبْلُغُ الْحِلْيَةُ مِنْ الْمُؤْمِنِ حَيْثُ يَبْلُغُ الْوُضُوءُ».
قوله: «عَنْ نُعَيْمٍ الْمُجْمِرِ». قال الحافظ ابن حجر ﵀ في [الفتح] (١/ ٢٨٥):
«قوله: " عَنْ نُعَيْمٍ الْمُجْمِرِ " بضم الميم واسكان الجيم هو ابن عبد الله المدني، وصف هو وأبوه بذلك لكونهما كانا يبخران مسجد النبي ﷺ ، وزعم بعض العلماء أنَّ وصف عبد الله بذلك حقيقة، ووصف ابنه نعيم بذلك مجاز، وفيه نظر فقد جزم إبراهيم الحربي بأنَّ نعيماً كان يباشر ذلك» اهـ.
قوله: «إنَّ أُمَّتِي». قال الحافظ ابن حجر ﵀ في [الفتح] (١١/ ٤١١):
стр. 213
«فإنَّ أمته ﷺ على ثلاثة أقسام أحدها أخص من الآخر، أمَّة الإتباع، ثم أمة الإجابة، ثم أمَّة الدعوة، فالأولى أهل العمل الصالح، والثانية مطلق المسلمين، والثالثة من عداهم ممن بعث إليهم» اهـ.
قلت: استنكر الإمام أحمد إدخال اليهود والنصارى في أمة النبي ﷺ .
قال العلامة ابن القيم ﵀ في [بدائع الفوائد] (٤/ ٨٧٠):
«قال أبو طالب سألته عن اليهود والنصارى من أمة محمد: لا النبي يقول: "أمتى أمتى" يقع على اليهودي والنصاري» اهـ.
قلت: لعل مراد أحمد أنَّهم لا يدخلون في أمته عند الإضافة إليه، ويدخلون عند الإطلاق.
ومما يدل على دخولهم في أمته عند الإطلاق ما رواه مسلم (١٥٣) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَا يَسْمَعُ بِي أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ يَهُودِيٌّ وَلَا نَصْرَانِيٌّ ثُمَّ يَمُوتُ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَّا كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ».
وقوله: «يُدْعَوْنَ يَوْمَ القِيَامَةِ» أي ينادون يوم القيامة إلى موقف الحساب، أو إلى الحوض، أو إلى الميزان، أو إلى الصراط أو إلى الجنة حال كونهم «غُرَّاً مُحَجَّلِينَ».
وسميت القيامة قيامة لقيام الناس من قبورهم، أو لقيامهم لرب العالمين.
стр. 214
وقوله: «غُرَّاً مُحَجَّلِينَ» الغرة: أصلها بياض في وجه الفرس، والتحجيل: بياض يكون في ثلاث قوائم من قوائم الفرس، وأصله من الحِجل بكسر المهملة وهو الخلخال.
وفي هذا الحديث عدة مسائل:
١ - احتج به القائلون بكفر تارك الصلاة.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كما في [مجموع الفتاوى] (٧/ ٦١٢):
«وكذلك ثبت في الصحيح أنَّ النبي ﷺ يعرف أمته يوم القيامة غراً محجلين من آثار الوضوء، فدل على أنَّ من لم يكن غراً محجلاً لم يعرفه النبي ﷺ فلا يكون من أمته» اهـ.
٢ - واحتج به من قال من أهل العلم: إنَّ الوضوء من خصائص هذه الأمة.
قال الحافظ ابن عبد البر ﵀ في [التمهيد] (٢٠/ ٢٥٨): «وأمَّا قوله: "فإنَّهم يأتون يوم القيامة غراً محجلين من الوضوء"، ففيه دليل على أنَّ الأمم أتباع الأنبياء لا يتوضأون مثل وضوئنا على الوجه فاليدين فالرجلين لأنَّ الغرة في الوجه، والتحجيل في اليدين، والرجلين هذا ما لا مدفع فيه على هذا الحديث إلَّا أن يتأول متأول هذا الحديث أنَّ وضوء سائر الأمم لا يكسبها غرةً، ولا تحجيلاً، وأنَّ هذه الأمة بورك لها في وضوئها بما أعطيت من ذلك شرفاً دائماً ولنبيها ﷺ كسائر فضائلها على سائر الأمم، كما فضل نبيها بالمقام المحمود وغيره على سائر الأنبياء والله أعلم» اهـ.
وقال ﵀ (٢٠/ ٢٥٩ - ٢٦٠): «وقد قيل: إنَّ سائر الأمم كانوا يتوضوؤن والله أعلم، وهذا لا أعرفه من وجه صحيح، وأمَّا قوله صلى الله عليه
стр. 215
وسلم إذ توضأ ثلاثاً، ثلاثاً فقال: "هذا وضوئي ووضوء الأنبياء قبلي" فحديث ضعيف لا يجيئ من وجه صحيح، ولا يحتج بمثله، فكيف أن يتعارض به مثل هذا الحديث الذي قد روي من وجوه صحاح ثابتة من أحاديث الأئمة، وحديث: "هذا وضوئي ووضوء الأنبياء قبلي" فإنَّما يدور على زيد بن الحواري العمي والد عبد الرحيم بن زيد، وهو انفرد به، وهو ضعيف ليس بثقة، ولا ممن يحتج به، وقد اختلف عليه فيه أيضاً، فرواه عبد الله بن عرابة عن زيد بن الحواري العمي عن معاوية بن قرة عن عبيد بن عمير عن أبي بن كعب عن النبي ﷺ ، ورواه عبد الله بن عبد الوهاب الحجبي عن عبد الرحيم بن زيد عن أبيه عن معاوية بن قرة عن ابن عمر. وهو حديث لا أصل له، وعبد الرحيم، وأبوه زيد متروكان، والحديث حدثناه محمد بن خليفة قال: حدثنا محمد بن الحسين قال: حدثنا أبو بكر بن أبي داود قال: حدثنا أبو الطاهر أحمد بن عمرو بن السرح، ومحمد بن عبد الله بن عمرو الفربي قالا: حدثنا إسماعيل بن مسلمة بن قعنب قال: حدثنا عبد الله بن عرابة، عن زيد بن حواري، عن معاوية بن قرة، عن عبيد بن عمرو، عن أبي بن كعب أن رسول الله ﷺ توضأ فتوضأ مرة مرة، ثم قال: "هذا وظيفة الوضوء الذي لا يقبل الله صلاة إلَّا به" ثم توضأ مرتين مرتين، فقال: "هذا وضوئي ووضوء الأنبياء من قبلي".
وحدثنا عبد الرحمن بن يحيى قال: حدثنا أحمد بن محمد بكير الحداد قال: حدثنا إبراهيم بن عبد الله الكشي قال: حدثنا عبد الله بن عبد الوهاب قال: حدثني عبد الرحيم بن زيد العمي، عن أبيه عن معاوية بن قرة، عن ابن عمر قال: توضأ
следующие страницы →