Полный текст (8 095 стр.). Показаны 1506–1545 · переход к 1511.
стр. 1506
وراء الضعيف والكبير وذو الحاجة وقد أمرنا بالتخفيف لأجلهم فالذي كان يفعله هو التخفيف إذ من المحال أن يأمر بأمر ويعلله بعلة ثم يفعل خلافه مع وجود تلك العلة إلَّا أن يكون منسوخاً.
وفي صحيح مسلم عن عمار بن ياسر قال: قال رسول الله ﷺ : "إنَّ طول صلاة الرجل وقصر خطبته مئنة من فقهه فأطيلوا الصلاة وأقصروا الخطبة وإنَّ من البيان سحراً".
فجعل طول الصلاة علامة على فقه الرجل وأمر بإطالتها وهذا الأمر إمَّا أن يكون عاماً في جميع الصلوات وإمَّا أن يكون المراد به صلاة الجمعة فإن كان عاماً فظاهر وإن كان خاصاً بالجمعة مع كون الجمع فيها يكون عظيماً وفيه الضعيف والكبير وذو الحاجة وتفعل في شدة الحر ويتقدمها خطبتان ومع هذا فقد أمر بإطالتها فما الظن بالفجر ونحوها التي تفعل وقت البرد والراحة مع قلة الجمع.
وقد روى النسائي في سننه أنَّ النبي ﷺ قرأ في الفجر بالروم. وفي سنن أبي داود عن جابر بن سمرة: "أن النبي ﷺ كان إذا دحضت الشمس صلى الظهر وقرأ بنحو من والليل إذا يغشى والعصر كذلك والصلوات كلها كذلك إلا الصبح فإنه كان يطيلها" وقد روى الإمام أحمد والنسائي بإسناد على شرط مسلم عن سليمان ابن يسار عن أبي هريرة قال: "ما صليت وراء أحد أشبه صلاة برسول الله ﷺ من فلان" قال سليمان: كان يطيل الركعتين الأوليين من الظهر ويخفف الأخريين ويخفف العصر ويقرأ في المغرب بقصار المفصل ويقرأ في العشاء بوسط المفصل ويقرأ في الصبح
стр. 1507
بطوال المفصل. وفي الصحيحين عن أبي برزة قال: "كان رسول الله ﷺ يصلي الصبح فينصرف الرجل فيعرف جليسه وكان يقرأ في الركعتين أو إحداهما ما بين الستين إلى المائة" لفظ البخاري وهذا يدل على أمرين شدة التغليس بها وإطالتها.
فإن قيل: ما ذكرتموه من الأحاديث معارض بما يدل على نقضه وأنَّ السنة هي التخفيف فروى أبو داود في سننه من حديث ابن وهب أخبرني سعيد بن عبد الرحمن بن أبي العمياء أن سهل بن أبي أمامة حدثه أنه دخل هو وأبوه علي أنس بن مالك بالمدينة في زمن عمر بن عبد العزيز وهو أمير المدينة فإذا هو يصلي صلاة خفيفة كأنها صلاة مسافر أو قريباً منها فلما سلم قال: يرحمك الله أرأيت هذه الصلاة المكتوبة أم شيء تنفله؟! قال: إنَّها للمكتوبة وإنَّها لصلاة رسول الله ﷺ كان يقول:
"لا تشددوا على أنفسكم فيشدد عليكم فإن قوماً شددوا على أنفسكم فشدد عليهم فتلك بقاياهم في الصوامع والديار رهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم" وسهل بن أبي أمامة وثقه يحيى بن معين وغيره.
وروى له مسلم وفي الصحيحين عن أنس قال: "كان رسول الله ﷺ يوجز الصلاة ويكلمها".
وفي الصحيحين أيضاً عنه قال: "ما صليت وراء إمام قط أخف صلاة ولا أتم من صلاة النبي ﷺ " زاد البخاري: "وإن كان ليسمع بكاء الصبي فيخفف مخافة أن تفتن أمه" وفي سنن أبي داود عن رجل من جهينة: "أنه سمع النبي ﷺ يقرأ في الصبح إذا زلزلت في الركعتين كلتيهما فلا
стр. 1508
أدري أنسي رسول الله ﷺ أم عمداً فعل ذلك". وفي صحيح مسلم عن جابر بن سمرة: "أنَّ النبي ﷺ كان يقرأ في الظهر بالليل إذا يغشى وفي العصر نحو ذلك".
وفي سنن ابن ماجه عن ابن عمر قال: "كان النبي ﷺ يقرأ في المغرب ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ "
وفي سنن ابن ماجه عن عمرو بن حريث قال: "كأني أسمع صوت رسول الله ﷺ يقرأ في صلاة الغداة ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (١٥) الْجَوَارِ الْكُنَّسِ﴾ ".
وفي سنن أبي داود عن جابر بن سمرة قال: كان رسول الله ﷺ يقرأ في الظهر والعصر بالسماء ذات البروج والسماء والطارق وشبههما".
وفي صحيح مسلم عنه أيضاً قال: "كان النبي ﷺ يقرأ في الظهر بالليل إذا يغشى وفي العصر نحو ذلك وفي الصبح أطول من ذلك".
وفي الصحيحين عن البراء: "أن النبي ﷺ قرأ في العشاء بالتين والزيتون في السفر ".
وفي بعض السنن "عن النبي ﷺ أنه قرأ في الصبح بالمعوذتين" وفي الصحيحين عن جابر: "أن النبي ﷺ قال لمعاذ أفتان أنت يا معاذ هلا صليت بسبح اسم ربك الأعلى والشمس وضحاها والليل إذا يغشى ".
стр. 1509
وفي الصحيحين عن أبي هريرة: "أنَّ النبي ﷺ قال: إذا صلى أحدكم للناس فليخفف فإن فيهم الضعيف والسقيم والكبير وإذا صلى أحدكم لنفسه فليطول ما شاء" ورواه ابن ماجه من حديث عثمان بن أبي العاص.
وفي صحيح مسلم عن أنس قال: "كان رسول الله ﷺ يسمع بكاء الصبي مع أمه وهو في الصلاة فيقرأ بالسورة الخفيفة أو بالسورة القصيرة".
فالجواب: أنَّه لا تعارض بحمد الله بين هذه الأحاديث بل هي أحاديث يصدق بعضها بعضاً وأنَّ ما وصفه أنس من تخفيف النبي ﷺ صلاته هو مقرون بوصفه إياها بالتمام كما تقدم وهو الذي وصف تطويله ركني الاعتدال حتى كانوا يقولون قد أوهم ووصف صلاة عمر بن عبد العزيز بأنَّها تشبه صلاة النبي ﷺ مع أنَّهم قدروها بعشر تسبيحات والتخفيف الذي أشار إليه أنس هو تخفيف القيام مع تطويل الركوع والسجود كما جاء مصرحاً به فيما رواه النسائي عن قتيبة عن العطاف بن خالد عن زيد بن أسلم قال: دخلنا على أنس بن مالك فقال: "صليتم" قلنا نعم قال: "يا جارية هلمي لنا وضوءاً ما صليت وراء إمام أشبه بصلاة رسول الله ﷺ من إمامكم هذا" قال زيد وكان عمر بن عبد العزيز يتم الركوع والسجود ويخفف القيام والقعود وهذا حديث صحيح فإن العطاف بن خالد المخزومي وثقه ابن معين وقال أحمد ثقة صحيح الحديث.
وقد جاء هذا صريحاً في حديث عمران بن حصين لما صلى خلف علي بالبصرة قال: لقد ذكرني هذا صلاة رسول الله ﷺ وكانت صلاة رسول الله ﷺ معتدلة كان يخفف القيام والقعود ويطيل الركوع
стр. 1510
والسجود وقد تقدم قول أنس كانت صلاة رسول الله ﷺ متقاربة، وحديث البراء بن عازب أن قيامه ﷺ وركوعه وسجوده كان قريباً من السواء.
فهذه الأحاديث كلها تدل على معنى واحد وهو أنَّه كان يطيل الركوع والسجود ويخفف القيام وهذا بخلاف ما كان يفعله بعض الأمراء الذين أنكر الصحابة صلاتهم من إطالة القيام على ما كان النبي ﷺ يفعله غالباً وتخفيف الركوع والسجود والاعتدالين.
ولهذا أنكر ثابت عليهم تخفيف الاعتدالين، وقال كان أنس يصنع شيئاً لا أراكم تصنعونه وحديث ابن أبي العمياء إنما فيه أن صلاة أنس كانت خفيفة وأنس فقد وصف خفة صلاة النبي ﷺ وأنها أشبه شيء بصلاة عمر بن عبد العزيز مع تطويل الركوع والسجود والاعتدالين وأحاديثه لا تتناقض والتخفيف أمر نسبي إضافي فعشر تسبيحات وعشرون آية أخف من مائة تسبيحة ومائتي آية فأي معارضة في هذا لما تقدم من الأحاديث الصحيحة الصريحة.
وأمَّا تخفيف النبي ﷺ عند بكاء الصبي فلا يعارض ما ثبت عنه من صفة صلاته بل قد قال في الحديث نفسه إني أدخل في الصلاة وأنا أريد أن أطليها فأسمع بكاء الصبي فأتجوز.
فهذا تخفيف لعارض وهو من السنة كما يخفف صلاة السفر وصلاة الخوف وكل ما ثبت عنه من التخفيف فهو لعارض كما ثبت عنه أنَّه قرأ في السفر في العشاء بالتين والزيتون وكذلك قراءته في الصبح بالمعوذتين فإنِّه كان في السفر
стр. 1511
ولذلك رفع الله تعالى الجناح عن الأمة في قصر الصلاة في السفر والخوف والقصر قصران قصر الأركان وقصر العدد فإن اجتمع السفر والخوف اجتمع القصران وإن انفرد السفر وحده شرع قصر العدد وإن انفرد الخوف وحده شرع قصر الأركان.
وبهذا يعلم سر تقييد القصر المطلق في القرآن بالخوف والسفر فإنَّ القصر المطلق الذي يتناول القصرين إنَّما يشرع عند الخوف والسفر فإن انفرد أحدهما بقي مطلق القصر إمَّا في العدد وإمَّا في القدر ولو قدر أنَّه ﷺ خفف الصلاة لا لعذر كان في ذلك بيان الجواز وإن الاقتصار على ذلك للعذر ونحوه يكفي في أداء الواجب فأمَّا أن يكون هو السنة وغيره مكروه مع أنَّه فعل النبي ﷺ في أغلب أوقاته فحاشى وكلا ولهذا رواته عنه أكثر من رواة التخفيف والذين رووا التخفيف رووه أيضاً فلا تضرب سنن رسول الله ﷺ بعضها ببعض بل يستعمل كل منها في موضعه وتخفيفه إمَّا لبيان الجواز وتطويله لبيان الأفضل وقد يكون تخفيفه لبيان الأفضل إذا عرض ما يقتضي التخفيف فيكون التخفيف في موضعه أفضل والتطويل في موضعه أفضل ففي الحالتين ما خرج عن الأفضل وهذا اللائق بحاله ﷺ وجزاه عنا أفضل ما جزى نبياً عن أمته وهو اللائق بمن اقتدى به وأتم به ﷺ .
وأمَّا حديث معاذ فهو الذي فتن النقارين وسراق الصلاة لعدم علمهم بالقصة وسياقها فإنَّ معاذاً صلى مع النبي ﷺ عشاء الآخرة ثم ذهب إلى بني عمرو بن عوف بقباء فقرأ بهم سورة البقرة هكذا جاء في الصحيحين من
стр. 1512
حديث جابر أنَّه استفتح بهم بسورة البقرة فانفرد بعض القوم وصلى وحده فقيل نافق فلان فقال والله ما نافقت ولآتين رسول الله ﷺ فأتاه فأخبره فقال النبي ﷺ حينئذ: "أفتان أنت يا معاذ هلا صليت بسبح اسم ربك الأعلى والشمس وضحاها والليل إذا يغشى" وهكذا نقول إنَّه يستحب إن يصلي العشاء بهذه السور وأمثالها فأي متعلق في هذا للنقارين وسراق الصلاة ومن المعلوم أن النبي ﷺ كان يؤخر العشاء الآخرة وبعد ما بين بني عمرو بن عوف وبين المسجد ثم طول سورة البقرة فهذا الذي أنكره النبي صلى الله عليه و سلم وهو موضع الإنكار وعليه يحمل الحديث الآخر: "يا أيها الناس إن منكم منفرين" ومعلوم أنَّ الناس لم يكونوا ينفرون من صلاة رسول الله ﷺ ولا ممن يصلي بقدر صلاته وإنَّما ينفرون ممن يزيد في الطول على صلاته فهذا الذي ينفر.
وأمَّا إن قدر نفور كثير ممن لا يأتون الصلاة إلَّا وهم كسالى وكثير من الباطولية الذين يعتادون النقر كصلاة المنافقين وليس لهم في الصلاة ذوق ولا لهم فيها راحة بل يصليها أحدهم استراحة منها لا بها فهؤلاء لا عبرة بنفورهم فإنَّ أحدهم يقف بين يدي المخلوق معظم اليوم ويسعى في خدمته أعظم السعي فلا يشكو طول ذلك ولا يتبرم به فإذا وقف بين يدي ربه في خدمته جزءاً يسيراً من الزمان وهو أقل القليل بالنسبة إلى وقوفه في خدمة المخلوق استثقل ذلك الوقوف واستطال وشكا منه وكأنَّه واقف على الجمر يتلوى ويتقلى ومن كانت هذه كراهته لخدمة ربه والوقوف بين يديه فالله تعالى أكره لهذه الخدمة منه والله المستعان» اهـ.
стр. 1513
وقال الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٥/ ١١٥):
«فالصلاة التي كان النبي ﷺ يصليها بالناس هي التخفيف الذي أمر به غيره، وإنما أنكر على من طول تطويلاً زائداً على ذلك» اهـ.
٢ - قوله «إذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ لِلنَّاسِ فَلْيُخَفِّفْ» لم يخص ذلك بالفرائض فيناول الفرائض والنوافل التي يشرع لها الجماعة كالعيد والتراويح ونحوهما لكن يستثنى من ذلك صلاة الكسوف لمشروعية تطويل القراءة فيها.
ويستثنى من ذلك أيضاً ما إذا صلى الإنسان نافلة لنفسه فجاء من يأتم به كما فعل النبي ﷺ مع حذيفة في قيام الليل حيث صلى بالبقرة والنساء وآل عمران في ركعة واحدة.
٣ - أنَّه إذا صلى لنفسه منفرداً فليطول ما شاء وهذا يعم الفرض والنفل.
قلت: ويستثنى من النفل ما ثبت عن النبي ﷺ التخفيف فيه فإنَّ سنته في ذلك أكمل.
قال الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٥/ ١١٨):
«قال بعض أصحابنا: هذا فيما لم ينقل عن النبي ﷺ إطالته أو تخفيفه، فأمَّا ما نقل عنه إطالته أو تخفيفه فاتباعه فيه أفضل، فالأفضل في ركعتي الفجر والركعتين المفتتح بهما صلاة الليل تخفيفهما، وكذلك الركعتان للداخل - والإمام يخطب - يوم الجمعة» اهـ.
٤ - قال في [طرح التثريب] (٣/ ١١٥ - ١١٦):
«هذا الحكم وهو الأمر بالتخفيف مذكور مع علته وهو كون المأمومين فيهم السقيم والضعيف والكبير فإن انتفت هذه العلة فلم يكن في المأمومين أحد من
стр. 1514
هؤلاء وكانوا محصورين ورضوا بالتطويل طوَّل لانتفاء العلة وبذلك صرح أصحابنا وغيرهم. وقال ابن عبد البر قد بان في هذا الحديث العلة الموجبة للتخفيف وهي عندي غير مأمونة على أحد من أئمة الجماعة لأنَّه وإن علم قوة من خلفه فإنَّه لا يدري ما يحدث لهم من آفات بني آدم ولذلك قال: "فإذا صلى أحدكم لنفسه فليطول ما شاء" لأنَّه يعلم من نفسه ما لا يعلم من غيره وقد يحدث لظاهر القوة ومن يعرف منه الحرص على طول الصلاة حادث من شغل وعارض من حاجة وآفة من حدث وبول أو غيره انتهى.
وتبعه عليه ابن بطال فذكر مثل هذا الكلام وهو ضعيف فإنَّ الاحتمال الذي لم يقم عليه دليل لا يترتب عليه حكم فإذا انحصر المأمومون ورضوا بالتطويل لا نأمر إمامهم بالتخفيف لاحتمال عارض لا دليل عليه وحديث أبي قتادة يرد على ما ذكراه فإنَّه ﵊ قال: "إني لأقوم في الصلاة وأنا أريد أن أطول فيها فأسمع بكاء الصبي فأتجوز كراهية أن أشق على أمه".
فإرادته ﵊ أولا التطويل يدل على جواز مثل ذلك وما تركه إلَّا لدليل قام على تضرر بعض المأمومين به وهو بكاء الصبي الذي يشغل خاطر أمه والله أعلم» اهـ.
٥ - قوله: «وَإِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ لِنَفْسِهِ فَلْيُطَوِّلْ مَا شَاءَ». أمر استحباب لا إيجاب.
٦ - الأمر بالتخفيف يعم جميع من نوى الإمامة ولو لم يكن إماماً راتباً.
قال العلامة أبو زرعة العراقي ﵀ في [طرح التثريب] (٢/ ٣٤٨):
стр. 1515
«مَا الْمُرَادُ بِصَلَاتِهِ لِلنَّاسِ أَأَنْ يَكُونَ إمَامًا مَنْصُوبًا لِلْإِمَامَةِ مِنْ جِهَةِ الْإِمَامِ الْأَعْظَمِ أَوْ مِنْ جِهَةِ نَاظِرِ الْمَسْجِدِ الَّذِي يُصَلِّي بِهِ بِحَيْثُ لَا يَتَمَكَّنُ غَيْرُهُ مِنْ الْإِمَامَةِ فِي ذَلِكَ الْمَحَلِّ أَوْ أَعَمَّ مِنْ ذَلِكَ وَمِنْ كَوْنِ أَهْلِ الْمَحَلَّةِ نَصَبُوهُ لِلْإِمَامَةِ بِهِمْ بِحَيْثُ لَوْ شَاءُوا لَغَيَّرُوهُ وَأَقَامُوا غَيْرَهُ فِي ذَلِكَ أَوْ أَعَمَّ مِنْ ذَلِكَ وَمِنْ أَنْ يَتَقَدَّمَ لِلْإِمَامَةِ بِغَيْرِ تَقْدِيمِ أَحَدٍ أَوْ كَوْنُهُ صَارَ إمَامًا وَلَوْ لَمْ يَقْصِدْ التَّقْدِيمَ لِذَلِكَ مِنْ الْأَوَّلِ بَلْ تَقَدَّمَ لِيُصَلِّيَ مُنْفَرِدًا فَتَابَعَهُ غَيْرُهُ فَنَوَى الْإِمَامَةَ بِهِ أَوْ وَلَوْ لَمْ يَنْوِ الْإِمَامَةَ بِهِ بَلْ نَوَى الْمَأْمُومُ الِائْتِمَامَ فَقَطْ لِأَنَّهُ يَصِيرُ بِذَلِكَ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَجَمَاعَةٍ إمَامًا وَلَوْ لَمْ يَنْوِ هُوَ الْإِمَامَةَ غَايَتُهُ أَنَّهُ لَا يَحْصُلُ لَهُ فَضِيلَةُ الْجَمَاعَةِ إذَا لَمْ يَنْوِ الْإِمَامَةَ هَذِهِ احْتِمَالَاتٌ خَمْسَةٌ وَأَرْجَحُهَا عِنْدِي الرَّابِعُ فَمَتَى صَارَ إمَامًا بُنَيَّتِهِ لِلْإِمَامَةِ عَلَى أَيِّ وَجْهٍ تَقَدَّمَ يُسْتَحَبُّ لَهُ التَّخْفِيفُ وَأَمَّا إذَا لَمْ يَنْوِ هُوَ الْإِمَامَةَ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يُسْتَحَبُّ لَهُ التَّخْفِيفُ بِاقْتِدَاءِ غَيْرِهِ بِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ» اهـ.
* * *
стр. 1516
قال المؤلف رحمه الله تعالى:
٧٩ - عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الأَنْصَارِيِّ ﵁ قَالَ: «جَاءَ رَجُلٌ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: إنِّي لأَتَأَخَّرُ عَنْ صَلاةِ الصُّبْحِ مِنْ أَجْلِ فُلانٍ، مِمَّا يُطِيلُ بِنَا، قَالَ: فَمَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ غَضِبَ فِي مَوْعِظَةٍ قَطُّ أَشَدَّ مِمَّا غَضِبَ يَوْمَئِذٍ، فَقَالَ: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إنَّ مِنْكُمْ مُنَفِّرِينَ، فَأَيُّكُمْ أَمَّ النَّاسَ فَلْيُوجِزْ، فَإِنَّ مِنْ وَرَائِهِ الْكَبِيرَ وَالضَّعِيفَ وَذَا الْحَاجَةِ"».
قوله: «إنِّي لأَتَأَخَّرُ عَنْ صَلاةِ الصُّبْحِ». قد يكون تأخره عن حضور الجماعة بالكلية ويصلي في بيته، أو على معنى أنَّه يحضرها متأخراً، ولا يحضرها من أولها.
قال الحافظ ابن حجر ﵀ في [فتح الباري] (٢/ ١٩٨):
«قَوْلُهُ: "إِنِّي لَأَتَأَخَّرُ عَنْ صَلَاةِ الْغَدَاةِ". أَيْ فَلَا أَحْضُرُهَا مَعَ الْجَمَاعَةِ لِأَجْلِ التَّطْوِيلِ وَفِي رِوَايَة ابن الْمُبَارَكِ فِي الْأَحْكَامِ: وَاللَّهِ إِنِّي لَأَتَأَخَّرُ. بِزِيَادَةِ الْقَسَمِ وَفِيهِ جَوَازُ مِثْلِ ذَلِكَ لِأَنَّهُ لَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ وَتَقَدَّمَ فِي كِتَابِ الْعِلْمِ فِي بَابِ الْغَضَبِ فِي الْعِلْمِ بِلَفْظِ: إِنِّي لَا أَكَادُ أُدْرِكُ الصَّلَاةَ. وَتَقَدَّمَ تَوْجِيهُهُ وَيُحْتَمَلُ أَيْضًا أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ أَنَّ الَّذِي أَلِفَهُ مِنْ تَطْوِيلِهِ اقْتَضَى لَهُ أَنْ يَتَشَاغَلَ عَنِ الْمَجِيءِ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ وُثُوقًا بِتَطْوِيلِهِ بِخِلَافِ مَا إِذَا لَمْ يَكُنْ يُطَوِّلُ فَإِنَّهُ كَانَ يَحْتَاجُ إِلَى الْمُبَادَرَةِ إِلَيْهِ أَوَّلَ الْوَقْتِ وَكَأَنَّهُ يَعْتَمِدُ عَلَى تَطْوِيلِهِ فَيَتَشَاغَلُ بِبَعْضِ شُغْلِهِ ثُمَّ يَتَوَجَّهُ فَيُصَادِفُ أَنَّهُ تَارَةً يُدْرِكُهُ وَتَارَةً لَا يُدْرِكُهُ فَلِذَلِكَ قَالَ لَا أَكَادُ أُدْرِكُ مِمَّا يُطَوِّلُ بِنَا أَيْ بِسَبَبِ تَطْوِيلِهِ» اهـ.
قلت: الرواية التي ذكرها ﵀ رواها البخاري (٩٠) عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الأَنْصَارِيِّ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللهِ لَا أَكَادُ أُدْرِكُ الصَّلَاةَ مِمَّا يُطَوِّلُ بِنَا فُلَانٌ فَمَا
стр. 1517
رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فِي مَوْعِظَةٍ أَشَدَّ غَضَبًا مِنْ يَوْمِئِذٍ فَقَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّكُمْ مُنَفِّرُونَ فَمَنْ صَلَّى بِالنَّاسِ فَلْيُخَفِّفْ فَإِنَّ فِيهِمُ الْمَرِيضَ».
وفي الحديث مسائل منها:
١ - أمر الإمام بالتخفيف إذا صلى بالناس. وقد سبق الكلام على ذلك في الحديث السابق.
٢ - وفيه الغضب لما ينكر من أمور الدين.
٣ - وفيه الغضب في الموعظة.
ويدل على ذلك أيضاً ما رواه مسلم (٨٦٧) عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ:
«كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا خَطَبَ احْمَرَّتْ عَيْنَاهُ وَعَلَا صَوْتُهُ وَاشْتَدَّ غَضَبُهُ حَتَّى كَأَنَّهُ مُنْذِرُ جَيْشٍ يَقُولُ صَبَّحَكُمْ وَمَسَّاكُمْ وَيَقُولُ: "بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَةُ كَهَاتَيْنِ". وَيَقْرُنُ بَيْنَ إِصْبَعَيْهِ السَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى وَيَقُولُ: "أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ خَيْرَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ وَخَيْرُ الْهُدَى هُدَى مُحَمَّدٍ وَشَرُّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ ثُمَّ يَقُولُ أَنَا أَوْلَى بِكُلِّ مُؤْمِنٍ مِنْ نَفْسِهِ مَنْ تَرَكَ مَالًا فَلِأَهْلِهِ وَمَنْ تَرَكَ دَيْنًا أَوْ ضَيَاعًا فَإِلَيَّ وَعَلَيَّ"».
قلت: والغضب في مثل ذلك من الغضب المحمود، وإنَّما يذم الغضب إذا كان من أجل النفس.
فقد روى البخاري (٦١١٦) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، ﵁، أَنَّ رَجُلاً قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ أَوْصِنِي قَالَ: «لَا تَغْضَبْ». فَرَدَّدَ مِرَارًا قَالَ: «لَا تَغْضَبْ».
стр. 1518
وروى أحمد في [المسند] (٢٣٢١٩) عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَوْصِنِي؟ قَالَ: "لَا تَغْضَبْ"، قَالَ: قَالَ الرَّجُلُ: فَفَكَّرْتُ حِينَ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ مَا قَالَ، فَإِذَا الْغَضَبُ يَجْمَعُ الشَّرَّ كُلَّهُ».
قلت: هذا حديث صحيح.
وقوله: «لَا تَغْضَبْ» ليس المراد به ترك الغضب بالكلية، وذلك أنَّ الغضب منه ما يحمد، ومنه ما يذم كما سيأتي بيان ذلك، وأيضاً فإنَّ الغضب مما جبل عليه الإنسان، ولو افترض أنَّ هنالك رجلين أحدهما يغضب مما يغضب منه، والآخر لا يغضب مما لا يغضب منه لكان الآخر أكمل الرجلين، وقد اتصف الله تعالى بالغضب على وجه الكمال، وإنَّما المراد لا تعمل بمقتضى الغضب بل عامل الناس بالحلم والعفو والصفح والصبر وكظم الغيض ونحو ذلك من الأخلاق الجميلة.
٤ - وفيه جواز ذكر الإنسان بهذا ونحوه في معرض الشكوى والاستفتاء.
٥ - قال العلامة النووي ﵀ في [شرح مسلم] (٤/ ١٨٤):
«قَوْلُهُ "إِنِّي لَأَتَأَخَّرُ عَنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ مِنْ أَجْلِ فُلَانٍ مِمَّا يُطِيلُ بِنَا" فِيهِ جَوَازُ التَّأَخُّرِ عَنْ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ إِذَا عُلِمَ مِنْ عَادَةِ الْإِمَامِ التَّطْوِيلُ الْكَثِيرُ» اهـ.
٦ - وفيه أنَّ ذكر الإنسان بما يكره في مقام الشكوى والاستفتاء لا يدخل في الغيبة المحرمة.
٧ - وفيه موعظة الناس عند حصول شيء من الأخطاء.
стр. 1519
٨ - وفيه عدم تسمية صاحب المنكر في الموعظة، وتشرع التسمية عند الحاجة لها. فمن ذلك ما رواه البخاري (٥٩٩٠)، ومسلم (٢١٥) عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ
قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ جِهَارًا غَيْرَ سِرٍّ يَقُولُ: «أَلَا إِنَّ آلَ أَبِي يَعْنِي فُلَانًا لَيْسُوا لِي بِأَوْلِيَاءَ إِنَّمَا وَلِيِّيَ اللَّهُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ».
ومن ذلك ذكر دعاة أهل البدع بأسمائهم.
٩ - وفيه النهي عن تنفير الناس عن دين الله تعالى.
وقد روى البخاري (٣٠٣٨)، ومسلم (١٧٣٢) عَنْ أَبِي مُوْسَى أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَ مُعَاذًا وَأَبَا مُوسَى إِلَى الْيَمَنِ قَالَ: «يَسِّرَا وَلَا تُعَسِّرَا، وَبَشِّرَا وَلَا تُنَفِّرَا، وَتَطَاوَعَا وَلَا تَخْتَلِفَا».
ومن أجل تأليف الناس وعدم تنفيرهم ترك النبي ﷺ هدم الكعبة وبنائها على أساس إبراهيم ﵊.
فروى البخاري (١٥٨٦)، واللفظ له، ومسلم (١٣٣٣) عَنْ عَائِشَةَ، ﵂: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَهَا: "يَا عَائِشَةُ لَوْلَا أَنَّ قَوْمَكِ حَدِيثُ عَهْدٍ بِجَاهِلِيَّةٍ لأَمَرْتُ بِالْبَيْتِ فَهُدِمَ فَأَدْخَلْتُ فِيهِ مَا أُخْرِجَ مِنْهُ وَأَلْزَقْتُهُ بِالأَرْضِ وَجَعَلْتُ لَهُ بَابَيْنِ بَابًا شَرْقِيًّا وَبَابًا غَرْبِيًّا فَبَلَغْتُ بِهِ أَسَاسَ إِبْرَاهِيمَ"».
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كما في [مجموع الفتاوى] (٢٤/ ١٩٥):
«فَتَرَكَ النَّبِيُّ ﷺ هَذَا الْأَمْرَ الَّذِي كَانَ عِنْدَهُ أَفْضَلُ الْأَمْرَيْنِ لِلْمُعَارِضِ الرَّاجِحِ وَهُوَ حِدْثَانُ عَهْدِ قُرَيْشٍ بِالْإِسْلَامِ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ التَّنْفِيرِ لَهُمْ فَكَانَتْ الْمَفْسَدَةُ رَاجِحَةً عَلَى الْمَصْلَحَةِ» اهـ.
стр. 1520
ومن أجل ذلك ترك النبي ﷺ قتل بعض المنافقين فروى مسلم (١٠٦٣) عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: «أَتَى رَجُلٌ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِالْجِعْرَانَةِ مُنْصَرَفَهُ مِنْ حُنَيْنٍ وَفِي ثَوْبِ بِلَالٍ فِضَّةٌ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقْبِضُ مِنْهَا يُعْطِي النَّاسَ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ اعْدِلْ. قَالَ: "وَيْلَكَ وَمَنْ يَعْدِلُ إِذَا لَمْ أَكُنْ أَعْدِلُ لَقَدْ خِبْتَ وَخَسِرْتَ إِنْ لَمْ أَكُنْ أَعْدِلُ". فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁: دَعْنِي يَا رَسُولَ اللَّهِ فَأَقْتُلَ هَذَا الْمُنَافِقَ. فَقَالَ: "مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ يَتَحَدَّثَ النَّاسُ أَنِّي أَقْتُلُ أَصْحَابِي إِنَّ هَذَا وَأَصْحَابَهُ يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ يَمْرُقُونَ مِنْهُ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنْ الرَّمِيَّةِ"».
وروى البخاري (٣٥١٨)، ومسلم (٢٥٨٤) عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ قَالَ: «غَزَوْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ وَقَدْ ثَابَ مَعَهُ نَاسٌ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ حَتَّى كَثُرُوا، وَكَانَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ رَجُلٌ لَعَّابٌ فَكَسَعَ أَنْصَارِيًّا فَغَضِبَ الأَنْصَارِيُّ غَضَبًا شَدِيدًا حَتَّى تَدَاعَوْا وَقَالَ الأَنْصَارِيُّ: يَا لَلأَنْصَارِ. وَقَالَ الْمُهَاجِرِيُّ: يَا لَلْمُهَاجِرِينَ فَخَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: "مَا بَالُ دَعْوَى أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ" ثُمَّ قَالَ: "مَا شَأْنُهُمْ". فَأُخْبِرَ بِكَسْعَةِ الْمُهَاجِرِيِّ الأَنْصَارِيَّ قَالَ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "دَعُوهَا فَإِنَّهَا خَبِيثَةٌ" وَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ: أَقَدْ تَدَاعَوْا عَلَيْنَا لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ. فَقَالَ عُمَرُ: أَلَا نَقْتُلُ يَا رَسُولَ اللهِ هَذَا الْخَبِيثَ لِعَبْدِ اللهِ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "لَا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ أَنَّهُ كَانَ يَقْتُلُ أَصْحَابَه"».
стр. 1521
ومن هذا الباب ما رواه البخاري (٢٢٠) عن أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: «قَامَ أَعْرَابِيٌّ فَبَالَ فِي الْمَسْجِدِ فَتَنَاوَلَهُ النَّاسُ فَقَالَ لَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ : "دَعُوهُ وَهَرِيقُوا عَلَى بَوْلِهِ سَجْلاً مِنْ مَاءٍ، أَوْ ذَنُوبًا مِنْ مَاءٍ فَإِنَّمَا بُعِثْتُمْ مُيَسِّرِينَ وَلَمْ تُبْعَثُوا مُعَسِّرِينَ».
قلت: بقية مسائل الحديث سبقت في الحديث الذي قبله.
فائدة/ قال الحافظ ابن حجر ﵀ في [فتح الباري] (٢/ ١٩٨):
«والذي يظهر لي أن البخاري أشار بالترجمة إلى بعض ما ورد في بعض طرق الحديث كعادته وأما قصة معاذ فمغايرة لحديث الباب لأن قصة معاذ كانت في العشاء وكان الإمام فيها معاذاً وكانت في مسجد بني سلمة وهذه كانت في الصبح وكانت في مسجد قباء ووهم من فسر الإمام المبهم هنا بمعاذ بل المراد به أبي بن كعب كما أخرجه أبو يعلى بإسناد حسن من رواية عيسى بن جارية وهو بالجيم عن جابر قال: "كان أبي بن كعب يصلي بأهل قباء فاستفتح سورة طويلة فدخل معه غلام من الأنصار في الصلاة فلما سمعه استفتحها انفتل من صلاته فغضب أبي فأتى النبي ﷺ يشكو الغلام وأتى الغلام يشكو أبياً فغضب النبي ﷺ حتى عرف الغضب في وجهه ثم قال: إن منكم منفرين فإذا صليتم فاوجزوا فإن خلفكم الضعيف والكبير والمريض وذا الحاجة" فأبان هذا الحديث أن المراد بقوله في حديث الباب "مما يطيل بنا فلان" أي: في القراءة واستفيد منه أيضاً تسمية الإمام وبأي موضع كان» اهـ.
قلت: حديث أبي يعلى رواه في [مسنده] (١٧٩٨) حَدَّثَنَا أَبُو الرَّبِيعِ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ، أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ جَارِيَةَ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: كَانَ أُبَيٌّ يُصَلِّي بِأَهْلِ قُبَاءَ فَاسْتَفْتَحَ سُورَةً طَوِيلَةً وَدَخَلَ مَعَهُ غُلَامٌ مِنَ الْأَنْصَارِ فِي الصَّلَاةِ، فَلَمَّا سَمِعَهُ قَدِ
стр. 1522
اسْتَفْتَحَ بِسُورَةٍ طَوِيلَةٍ، انْفَتَلَ الْغُلَامُ مِنْ صَلَاتِهِ وَكَانَ يُرِيدُ أَنْ يُعَالِجَ نَاضِحًا لَهُ يَسْقِي عَلَيْهِ، فَلَمَّا انْفَتَلَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ قَالَ لَهُ الْقَوْمُ: إِنَّ فُلَانًا انْفَتَلَ مِنَ الصَّلَاةِ، فَغَضِبَ أُبَيٌّ، فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ يَشْكُو الْغُلَامَ، فَأَتَاهُ الْغُلَامُ يَشْكُوهُ إِلَيْهِ، فَغَضِبَ النَّبِيُّ ﷺ حَتَّى رُئِيَ الْغَضَبُ فِي وَجْهِهِ، ثُمَّ قَالَ: «إِنَّ مِنْكُمْ مُنَفِّرِينَ، فَإِذَا صَلَّيْتُمْ فَأَوْجِزُوا، فَإِنَّ خَلْفَكُمُ الضَّعِيفُ وَالْكَبِيرُ وَالْمَرِيضُ وَذَا الْحَاجَةِ».
قلت: أبو الربيع هو سليمان بن داود العتكي ثقة، ويعقوب هو بن عبد الله الأشعري لا بأس به، وعيسى بن جارية مختلف فيه. قال فيه أبو زرعة لا بأس به، وذكره ابن حبان في ثقاته، والأكثر على تضعيفه فقد قال فيه أبو داود: منكر الحديث، وقال النسائي: منكر، وعن النسائي أنَّه قال فيه: متروك. وذكره الساجي والعقيلي في الضعفاء، وقال ابن معين: ليس بذاك وعنده أحاديث مناكير.
والأظهر ضعفه. والله أعلم.
* * *
стр. 1523
قَالَ المؤلف رحمه الله تعالى:
كتاب الصلاة (باب صفة صلاة النبي ﷺ
٨٠ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذَا كَبَّرَ فِي الصَّلاةِ سَكَتَ هُنَيْهَةً قَبْلَ أَنْ يَقْرَأَ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، أَرَأَيْتَ سُكُوتَكَ بَيْنَ التَّكْبِيرِ وَالْقِرَاءَةِ: مَا تَقُولُ؟ قَالَ: أَقُولُ: «اللَّهُمَّ بَاعِدْ بَيْنِي وَبَيْنَ خَطَايَايَ كَمَا بَاعَدْتَ بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ. اللَّهُمَّ نَقِّنِي مِنْ خَطَايَايَ كَمَا يُنَقَّى الثَّوْبُ الأَبْيَضُ مِنْ الدَّنَسِ. اللَّهُمَّ اغْسِلْنِي مِنْ خَطَايَايَ بِالْمَاءِ وَالثَّلْجِ وَالْبَرَدِ».
قوله: «هُنَيْهَةً». هي كلمة يكنى بها عن الشيء، أي: شيئاً قليلاً من الزمان.
جاء الحديث في الصحيحين بلفظ: «هُنَيَةً». واللفظ الذي ذكره المصنف في بعض روايات البخاري.
قَالَ العلامة النووي ﵀ في [شرح مسلم] (٥/ ٩٦):
«وَهِيَ تَصْغِيرُ هَنَةٍ أَصْلُهَا هَنْوَةُ فَلَمَّا صُغِّرَتْ صَارَتْ هُنَيْوَةً فَاجْتَمَعَتْ وَاوٌ وَيَاءٌ وَسُبِقَتْ إِحْدَاهُمَا بِالسُّكُونِ فَوَجَبَ قَلْبُ الْوَاوِ يَاءً فَاجْتَمَعَتْ يَاآنِ فَأُدْغِمَتِ
стр. 1524
إِحْدَاهُمَا فِي الْأُخْرَى فَصَارَتْ هُنَيَّةً وَمَنْ هَمَزَهَا فَقَدْ أَخْطَأَ وَرَوَاهُ بَعْضُهُمْ هُنَيْهَةً وَهُوَ صَحِيحٌ أَيْضًا» اهـ.
وقَالَ الحافظ ابن حجر ﵀ في [فتح الباري] (٢/ ٢٢٩):
«قَوْلُهُ: "قَالَ أَحْسِبُهُ قَالَ هُنَيَّةً" هَذِهِ رِوَايَةُ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ زِيَادٍ بِالظَّنِّ وَرَوَاهُ جَرِيرٌ عِنْدَ مُسْلِمٍ وَغَيره وبن فُضَيْل عِنْد بن مَاجَهْ وَغَيْرِهِ بِلَفْظِ سَكَتَ هُنَيَّةً بِغَيْرِ تَرَدُّدٍ وَإِنَّمَا اخْتَارَ الْبُخَارِيُّ رِوَايَةَ عَبْدِ الْوَاحِدِ لِوُقُوعِ التَّصْرِيحِ بِالتَّحْدِيثِ فِيهَا فِي جَمِيعِ الْإِسْنَادِ.
وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ: الْمُرَادُ أَنَّهُ قَالَ بَدَلَ إِسْكَاتَةٍ هُنَيَّةً. قُلْتُ: وَلَيْسَ بِوَاضِحٍ بَلِ الظَّاهِرُ أَنَّهُ شَكَّ هَلْ وَصَفَ الْإِسْكَاتَةَ بِكَوْنِهَا هُنَيَّةً أَمْ لَا وَهُنَيَّةٌ بِالنُّونِ بِلَفْظِ التَّصْغِيرِ وَهُوَ عِنْدَ الْأَكْثَرِ بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ وَذَكَرَ عِيَاضٌ وَالْقُرْطُبِيُّ أَنَّ أَكْثَرَ رُوَاةِ مُسْلِمٍ قَالَوهُ بِالْهَمْزَةِ وَأَمَّا النَّوَوِيُّ فَقَالَ: الْهَمْزُ خَطَأٌ قَالَ وَأَصْلُهُ هَنْوَةٌ فَلَمَّا صُغِّرَ صَارَ هُنَيْوَةً فَاجْتَمَعَتْ وَاوٌ وَيَاءٌ وَسُبِقَتْ إِحْدَاهُمَا بِالسُّكُونِ فَقُلِبَتِ الْوَاوُ يَاءً ثُمَّ أُدْغِمَتْ قَالَ غَيْرُهُ لَا يَمْنَعُ ذَلِكَ إِجَازَةَ الْهَمْزِ فَقَدْ تُقْلَبُ الْيَاءُ هَمْزَةً وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ هُنَيْهَةً بِقَلْبِهَا هَاءً» اهـ.
قوله: «اللَّهُمَّ بَاعِدْ بَيْنِي وَبَيْنَ خَطَايَايَ». إلى آخر الحديث.
أي كما باعدت بين المشرق والمغرب فلا يجتمعان فباعد بيني وبين خطاياي فلا اجتمع بها أبداً.
وقَالَ الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٥/ ١٨٢):
стр. 1525
«والمراد: المباعدة من تأثيراتها وعقوباتها الدنيوية والأخروية.
وربما دخل فيه المباعدة بين ما قدر منها ولم يعلمه بعد، فطلب مباعدته منه، على نحو قوله: "أعوذ بك من شر ما عملت وما لم أعمل"» اهـ.
وقوله: «اللَّهُمَّ نَقِّنِي مِنْ خَطَايَايَ كَمَا يُنَقَّى الثَّوْبُ الْأَبْيَضُ مِنْ الدَّنَسِ». الدَّنَسُ بِفَتْحِ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ وَالنُّونِ فَسِينٌ مُهْمَلَةٌ؛ هو الْوَسَخُ. وذكر الثوب الأبيض باعتبار أنَّ الوسخ فيه أظهر، وتنقيته من الوسخ يكون بشدة المبالغة في ذلك.
وفي الحديث مسائل منها:
١ - استحباب دعاء الاستفتاح لأنَّه من هدي النبي ﷺ . خلافاً للمالكية.
قلت: وذهب بعض العلماء إلى وجوبه قَالَ الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٥/ ١٨٥):
«وذهبت طائفة قليلة: إلى أن من ترك الاستفتاح عمداً أعاد صلاته، منهم: ابن بطة وغيره من أصحابنا، وربما حكي رواية عن أحمد.
وقَالَ الحكم: إذا قَالَ: سبحان الله حين يفتتح الصلاة والحمد لله أجزأه. وهذا يشعر بوجوبه» اهـ.
قلت: وقد ذهب إلى وجوبه العلامة الألباني ﵀ في "صفة الصلاة" واحتج بما رواه أبو داود (٨٥٧) بإسناد صحيح من حديث رفاعة بن رافع في حديث
стр. 1526
المسيء في صلاته أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إِنَّهُ لَا تَتِمُّ صَلَاةٌ لأَحَدٍ مِنَ النَّاسِ حَتَّى يَتَوَضَّأَ فَيَضَعَ الْوُضُوءَ». يَعْنِى مَوَاضِعَهُ: «ثُمَّ يُكَبِّرُ وَيَحْمَدُ اللَّهَ جَلَّ وَعَزَّ وَيُثْنِى عَلَيْهِ وَيَقْرَأُ بِمَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ ثُمَّ يَقُولُ اللَّهُ أَكْبَرُ ثُمَّ يَرْكَعُ حَتَّى تَطْمَئِنَّ مَفَاصِلُهُ ثُمَّ يَقُولُ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ حَتَّى يَسْتَوِىَ قَائِمًا ثُمَّ يَقُولُ اللَّهُ أَكْبَرُ ثُمَّ يَسْجُدُ حَتَّى تَطْمَئِنَّ مَفَاصِلُهُ ثُمَّ يَقُولُ اللَّهُ أَكْبَرُ وَيَرْفَعُ رَأْسَهُ حَتَّى يَسْتَوِىَ قَاعِدًا ثُمَّ يَقُولُ اللَّهُ أَكْبَرُ ثُمَّ يَسْجُدُ حَتَّى تَطْمَئِنَّ مَفَاصِلُهُ ثُمَّ يَرْفَعُ رَأْسَهُ فَيُكَبِّرُ فَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدْ تَمَّتْ صَلَاتُهُ».
قلت: وقد حمل الحديث العلامة ابن حزم ﵀ هذا الحديث على قراءة الفاتحة فقَالَ ﵀ في [المحلى] (٣/ ٢٥٧):
«التحميد المذكور والتمجيد المذكور هو قراءة أم القرآن.
برهان ذلك قول رسول الله ﷺ : "إذا قَالَ العبد في صلاته، الحمد لله رب العالمين
يقول الله: حمدني عبدي، وإذا قَالَ، مالك يوم الدين، قَالَ الله: مجدني عبدي"» اهـ.
قلت: وعلى فرض أنَّ الحديث وارد في الاستفتاح فإنَّ حديث الباب يصرفه عن الوجوب، وذلك لأنَّه دعاء محض ليس فيه حمد ولا ثناء ولا تمجيد.
٢ - وفيه إطلاق السكوت على قول السر.
قَالَ شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كما في [مجموع الفتاوى] (٦/ ١٧٩):
стр. 1527
«لكن السكوت يكون تارة عن التكلم وتارة عن إظهار الكلام وإعلامه؛ كما قَالَ في الصحيحين عن أبي هريرة: يا رسول الله أرأيتك سكوتك بين التكبير والقراءة ماذا تقول؟ قَالَ: "أقول: اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب" إلى آخر الحديث. فقد أخبره أنه ساكت وسأله ماذا تقول؟ فأخبره أنه يقول في حال سكوته؛ أي سكوته عن الجهر والإعلان» اهـ.
قلت: ويطلق السكوت على ترك كلام معين مع التكلم بغيره.
٣ - وفيه استحباب الإسرار بدعاء الاستفتاح.
وما جاء عن عمر ﵁ من جهره بالاستفتاح فهو لأجل التعليم.
٤ - وفيه دعاء الإمام في الصلاة بصيغة الإفراد، وهذا في الدعاء الذي لا يؤمن فيه المأموم.
وأمَّا ما رواه أبو داود (٩٠)، والترمذي (٣٥٧) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى، حَدَّثَنَا ابْنُ عَيَّاشٍ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ صَالِحٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ شُرَيْحٍ الْحَضْرَمِيِّ، عَنْ أَبِي حَيٍّ الْمُؤَذِّنِ، عَنْ ثَوْبَانَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «ثَلَاثٌ لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يَفْعَلَهُنَّ: لَا يَؤُمُّ رَجُلٌ قَوْمًا فَيَخُصُّ نَفْسَهُ بِالدُّعَاءِ دُونَهُمْ، فَإِنْ فَعَلَ فَقَدْ خَانَهُمْ، وَلَا يَنْظُرُ فِي قَعْرِ بَيْتٍ قَبْلَ أَنْ يَسْتَأْذِنَ، فَإِنْ فَعَلَ فَقَدْ دَخَلَ، وَلَا يُصَلِّي وَهُوَ حَقِنٌ حَتَّى يَتَخَفَّفَ».
стр. 1528
وأخرجه ابن ماجه (٩٢٣) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُصَفَّى الْحِمْصِيُّ، حَدَّثَنَا بَقِيَّةُ بْنُ الْوَلِيدِ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ صَالِحٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ شُرَيْحٍ، عَنْ أَبِي حَيٍّ الْمُؤَذِّنِ، عَنْ ثَوْبَانَ.
وما رواه أحمد (٢٢٢٤١) حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الْحُبَابِ، حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ، حَدَّثَنِي السَّفْرُ بْنُ نُسَيْرٍ الْأَزْدِيُّ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ شُرَيْحٍ الْحَضْرَمِيِّ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «لَا يَأْتِي أَحَدُكُمُ الصَّلَاةَ وَهُوَ حَاقِنٌ، وَلَا يَؤُمَّنَّ أَحَدُكُمْ فَيَخُصَّ نَفْسَهُ بِالدُّعَاءِ دُونَهُمْ، فَمَنْ فَعَلَ فَقَدْ خَانَهُمْ».
ورواه أبو داود (٩١) حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ خَالِدٍ السُّلَمِيُّ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا ثَوْرٌ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ شُرَيْحٍ الْحَضْرَمِيِّ، عَنْ أَبِي حَيٍّ الْمُؤَذِّنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا يَحِلُّ لِرَجُلٍ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يُصَلِّيَ وَهُوَ حَقِنٌ حَتَّى يَتَخَفَّفَ» - ثُمَّ سَاقَ نَحْوَهُ عَلَى هَذَا اللَّفْظِ قَالَ: «وَلَا يَحِلُّ لِرَجُلٍ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يَؤُمَّ قَوْمًا إِلَّا بِإِذْنِهِمْ، وَلَا يَخْتَصُّ نَفْسَهُ بِدَعْوَةٍ دُونَهُمْ، فَإِنْ فَعَلَ فَقَدْ خَانَهُمْ»، قَالَ أَبُو دَاوُدَ: «هَذَا مِنْ سُنَنِ أَهْلِ الشَّامِ لَمْ يُشْرِكْهُمْ فِيهَا أَحَدٌ».
قلت: في ثبوت ذلك نظر، وقد حكم ابن خزيمة عليه بالوضع، وانظر "ضعيف أبي داود" (١٢) للعلامة الألباني ﵀.
وعلى فرض ثبوته فهو محمول على دعاء القنوت والله أعلم.
وجاء في [مجموع الفتاوى] (٢٣/ ١١٦ - ١١٩):
«وَسُئِلَ ﵀:
стр. 1529
عَنْ قَوْلِهِ ﷺ : "لَا يَحِلُّ لِرَجُلِ يَؤُمُّ قَوْمًا فَيَخُصُّ نَفْسَهُ بِالدُّعَاءِ دُونَهُمْ فَإِنْ فَعَلَ فَقَدْ خَانَهُمْ". فَهَلْ يُسْتَحَبُّ لِلْإِمَامِ أَنَّهُ كُلَّمَا دَعَا اللَّهَ أَنْ يَشْرَكَ الْمَأْمُومِينَ؟ وَهَلْ صَحَّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ كَانَ يَخُصُّ نَفْسَهُ بِدُعَائِهِ فِي صَلَاتِهِ دُونَهُمْ؟ فَكَيْفَ الْجَمْعُ بَيْنَ هَذَيْنِ؟.
فَأَجَابَ:
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، قَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. أَنَّهُ قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ أَرَأَيْت سُكُوتَك بَيْنَ التَّكْبِيرِ وَالْقِرَاءَةِ. مَا تَقُولُ؟ قَالَ: "أَقُولُ: اللَّهُمَّ بَاعِدْ بَيْنِي وَبَيْنَ خَطَايَايَ. كَمَا بَاعَدْت بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ اللَّهُمَّ نَقِّنِي مِنْ خَطَايَايَ كَمَا يُنَقَّى الثَّوْبُ الْأَبْيَضُ مِنْ الدَّنَسِ اللَّهُمَّ اغْسِلْنِي مِنْ خَطَايَايَ بِالْمَاءِ وَالثَّلْجِ وَالْبَرَدِ". فَهَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ صَرِيحٌ فِي أَنَّهُ دَعَا لِنَفْسِهِ خَاصَّةً وَكَانَ إمَامًا. وَكَذَلِكَ حَدِيثُ عَلِيٍّ فِي الِاسْتِفْتَاحِ الَّذِي أَوَّلُهُ: "وَجَّهْت وَجْهِي لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ - فِيهِ - فَاغْفِرْ لِي فَإِنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلَّا أَنْتَ وَاهْدِنِي لِأَحْسَنِ الْأَخْلَاقِ لَا يَهْدِي لِأَحْسَنِهَا إلَّا أَنْتَ وَاصْرِفْ عَنِّي سَيِّئَهَا فَإِنَّهُ لَا يَصْرِفُ عَنِّي سَيِّئَهَا إلَّا أَنْتَ". وَكَذَلِكَ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ بَعْدَ رَفْعِ رَأْسِهِ مِنْ الرُّكُوعِ بَعْدَ قَوْلِهِ: "لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْت وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْت اللَّهُمَّ طَهِّرْنِي مِنْ خَطَايَايَ بِالْمَاءِ وَالثَّلْجِ وَالْبَرَدِ اللَّهُمَّ نَقِّنِي مِنْ الْخَطَايَا كَمَا يُنَقَّى الثَّوْبُ الْأَبْيَضُ مِنْ الدَّنَسِ". وَجَمِيعُ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ الْمَأْثُورَةِ فِي دُعَائِهِ بَعْدَ التَّشَهُّدِ مِنْ فِعْلِهِ وَمِنْ أَمْرِهِ لَمْ يُنْقَلْ فِيهَا إلَّا
стр. 1530
لَفْظُ الْإِفْرَادِ. كَقَوْلِهِ: "اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِك مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ وَمِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ". وَكَذَا دُعَاؤُهُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ وَهُوَ فِي السُّنَنِ مِنْ حَدِيثِ حُذَيْفَةَ وَمِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَكِلَاهُمَا كَانَّ النَّبِيُّ ﷺ فِيهِ إمَامًا أَحَدُهُمَا بِحُذَيْفَةَ وَالْآخَرُ بِابْنِ عَبَّاسٍ. وَحَدِيثُ حُذَيْفَةَ: "رَبِّ اغْفِرْ لِي رَبِّ اغْفِرْ لِي"، وَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ فِيهِ: "اغْفِرْ لِي وَارْحَمْنِي وَاهْدِنِي وَعَافِنِي وَارْزُقْنِي". وَنَحْوُ هَذَا فَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ الَّتِي فِي الصِّحَاحِ وَالسُّنَنِ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْإِمَامَ يَدْعُو فِي هَذِهِ الْأَمْكِنَةِ بِصِيغَةِ الْإِفْرَادِ. وَكَذَلِكَ اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى مِثْلِ ذَلِكَ حَيْثُ يَرَوْنَ أَنَّهُ يَشْرَعُ مِثْلُ هَذِهِ الْأَدْعِيَةِ. وَإِذَا عُرِفَ ذَلِكَ تَبَيَّنَ أَنَّ الْحَدِيثَ الْمَذْكُورَ إنْ صَحَّ فَالْمُرَادُ بِهِ الدُّعَاءُ الَّذِي يُؤَمِّنُ عَلَيْهِ الْمَأْمُومُ: كَدُعَاءِ الْقُنُوتِ فَإِنَّ الْمَأْمُومَ إذَا أَمَّنَ كَانَ دَاعِيًا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى لِمُوسَى وَهَارُونَ: ﴿قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا﴾ وَكَانَ أَحَدُهُمَا يَدْعُو وَالْآخَرُ يُؤَمِّنُ. وَإِذَا كَانَ الْمَأْمُومُ مُؤَمِّنًا عَلَى دُعَاءِ الْإِمَامِ فَيَدْعُو بِصِيغَةِ الْجَمْعِ كَمَا فِي دُعَاءِ الْفَاتِحَةِ فِي قَوْلِهِ: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ فَإِنَّ الْمَأْمُومَ إنَّمَا أَمَّنَ لِاعْتِقَادِهِ. أَنَّ الْإِمَامَ يَدْعُو لَهُمَا جَمِيعًا فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَقَدْ خَانَ الْإِمَامُ الْمَأْمُومَ. فَأَمَّا الْمَوَاضِعُ الَّتِي يَدْعُو فِيهَا كُلُّ إنْسَانٍ لِنَفْسِهِ كَالِاسْتِفْتَاحِ وَمَا بَعْدَ التَّشَهُّدِ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَكَمَا أَنَّ الْمَأْمُومَ يَدْعُو لِنَفْسِهِ فَالْإِمَامُ يَدْعُو لِنَفْسِهِ. كَمَا يُسَبِّحُ الْمَأْمُومُ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ إذَا سَبَّحَ الْإِمَامُ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَكَمَا يَتَشَهَّدُ إذَا تَشَهَّدَ وَيُكَبِّرُ إذَا كَبَّرَ فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ الْمَأْمُومُ ذَلِكَ فَهُوَ الْمُفَرِّطُ. وَهَذَا الْحَدِيثُ لَوْ كَانَ
стр. 1531
صَحِيحًا صَرِيحًا مُعَارِضًا لِلْأَحَادِيثِ الْمُسْتَفِيضَةِ الْمُتَوَاتِرَةِ وَلِعَمَلِ الْأُمَّةِ وَالْأَئِمَّةِ لَمْ يُلْتَفَتْ إلَيْهِ فَكَيْفَ وَلَيْسَ مِنْ الصَّحِيحِ وَلَكِنْ قَدْ قِيلَ: إنَّهُ حَسَنٌ وَلَوْ كَانَ فِيهِ دَلَالَةٌ لَكَانَ عَامًّا وَتِلْكَ خَاصَّةٌ وَالْخَاصُّ يَقْضِي عَلَى الْعَامِّ. ثُمَّ لَفْظُهُ: "فَيَخُصُّ نَفْسَهُ بِدَعْوَةِ دُونَهُمْ". يُرَادُ بِمِثْلِ هَذَا إذَا لَمْ يَحْصُلْ لَهُمْ دُعَاءٌ وَهَذَا لَا يَكُونُ مَعَ تَأْمِينِهِمْ. وَأَمَّا مَعَ كَوْنِهِمْ مُؤَمِّنِينَ عَلَى الدُّعَاءِ كُلَّمَا دَعَا فَيَحْصُلُ لَهُمْ كَمَا حَصَلَ لَهُ بِفِعْلِهِمْ وَلِهَذَا جَاءَ دُعَاءُ الْقُنُوتِ بِصِيغَةِ الْجَمْعِ: "اللَّهُمَّ إنَّا نَسْتَعِينُك وَنَسْتَهْدِيك" إلَى آخِرِهِ. فَفِي مِثْلِ هَذَا يَأْتِي بِصِيغَةِ الْجَمْعِ وَيَتَّبِعُ السُّنَّةَ عَلَى وَجْهِهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ» اهـ.
وقَالَ العلامة ابن القيم ﵀ في [زاد المعاد] (١/ ٢٥٥ - ٢٥٦):
«فَصْلٌ:
وَالْمَحْفُوظُ فِي أَدْعِيَتِهِ ﷺ فِي الصَّلَاةِ كُلِّهَا بِلَفْظِ الْإِفْرَادِ كَقَوْلِهِ: "رَبِّ اغْفِرْ لِي وَارْحَمْنِي وَاهْدِنِي"، وَسَائِرِ الْأَدْعِيَةِ الْمَحْفُوظَةِ عَنْهُ، وَمِنْهَا قَوْلُهُ فِي دُعَاءِ الِاسْتِفْتَاحِ: "اللَّهُمَّ اغْسِلْنِي مِنْ خَطَايَايَ بِالثَّلْجِ وَالْمَاءِ وَالْبَرَدِ، اللَّهُمَّ بَاعِدْ بَيْنِي وَبَيْنَ خَطَايَايَ كَمَا بَاعَدْتَ بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ" … الْحَدِيثَ.
وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ ﵀ وَأَهْلُ " السُّنَنِ " مِنْ حَدِيثِ ثَوْبَانَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : "لَا يَؤُمُّ عَبْدٌ قَوْمًا فَيَخُصَّ
стр. 1532
نَفْسَهُ بِدَعْوَةٍ دُونَهُمْ، فَإِنْ فَعَلَ فَقَدْ خَانَهُمْ".
قَالَ ابْنُ خُزَيْمَةَ فِي " صَحِيحِهِ ": وَقَدْ ذَكَرَ حَدِيثَ "اللَّهُمَّ بَاعِدْ بَيْنِي وَبَيْنَ خَطَايَايَ" الْحَدِيثَ، قَالَ: فِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى رَدِّ الْحَدِيثِ الْمَوْضُوعِ: "لَا يَؤُمُّ عَبْدٌ قَوْمًا فَيَخُصَّ نَفْسَهُ بِدَعْوَةٍ دُونَهُمْ، فَإِنْ فَعَلَ فَقَدْ خَانَهُمْ". وَسَمِعْتُ شَيْخَ الْإِسْلَامِ ابن تيمية يَقُولُ: هَذَا الْحَدِيثُ عِنْدِي فِي الدُّعَاءِ الَّذِي يَدْعُو بِهِ الْإِمَامُ لِنَفْسِهِ وَلِلْمَأْمُومِينَ وَيَشْتَرِكُونَ فِيهِ، كَدُعَاءِ الْقُنُوتِ وَنَحْوِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ» اهـ.
٥ - وفيه استحباب هذا النوع من أنواع الاستفتاح. وقد اختار ذلك الإمام الشافعي ﵀ بعد حديث علي ﵁.
قَالَ العلامة النووي ﵀ في [المجموع] (٣/ ٣٢١):
«فهذه الأحاديث الواردة في الاستفتاح بأيتها استفتح حصل سنة الاستفتاح لكن أفضلها عند الشافعي والأصحاب حديث علي ﵁ ويليه حديث أبي هريرة ﵁» اهـ.
وقَالَ العلامة الشوكاني ﵀ في [السيل الجرار] (١/ ١٣٧):
«وثبت عنه توجهات أيها توجه به المصلي فقد فعل السنة ولكنه ينبغي للمتحري في دينه أن يحرص على فعل أصح ما ورد في التوجهات وأصحها حديث أبي هريرة في الصحيحين، وغيرهما، قَالَ: كأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إذا كبر في الصلاة سكت هنيهة قبل القراءة فقلت: يا رسول الله بأبي أنت وأمي أرأيت سكوتك بين التكبير والقراءة ما تقول؟ قَالَ: "أقول: اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب اللهم اغسلني من خطاياي بالثلج والماء والبرد اللهم نقني من خطاياي كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس" فهذا أصح ما ورد في التوجهات حتى قيل إنَّه قد تواتر لفظه فضلاً عن معناه ثم فيه التصريح
стр. 1533
بأنَّه كان يتوجه بهذا في صلاته ولم يقيد بصلاة الليل كما ورد في بعض التوجهات فالعمل عليه والاستمرار على فعله هو الذي ينشرح له الصدر وينثلج له القلب وإن كان جميع ما ورد من وجه صحيح يجوز العمل عليه ويصير فاعله عاملاً بالسنة مؤدياً لما شرع له» اهـ.
قلت: لكن قَالَ شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كما في [مجموع الفتاوى] (٢٢/ ٣٩٤ - ٣٩٧):
«إذا تبين هذا الأصل: فأفضل أنواع الاستفتاح ما كان ثناء محضاً مثل: "سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك. ولا إله غيرك" وقوله: "الله أكبر كبيراً والحمد لله كثيراً وسبحان الله بكرة وأصيلاً"، ولكن ذاك فيه من الثناء ما ليس في هذا فإنَّه تضمن ذكر "الباقيات الصالحات" التي هي أفضل الكلام بعد القرآن، وتضمن قوله: "تبارك اسمك وتعالى جدك". وهما من القرآن أيضاً. ولهذا كان أكثر السلف يستفتحون به وكان عمر بن الخطاب يجهر به يعلمه الناس.
وبعده النوع الثاني: وهو الخبر عن عبادة العبد. كقوله: "وجهت وجهي للذي فطر السموات " إلخ. وهو يتضمن الدعاء وإن استفتح العبد بهذا بعد ذلك فقد جمع بين الأنواع الثلاثة وهو أفضل الاستفتاحات. كما جاء ذلك في حديث مصرحاً به وهو اختيار أبي يوسف وابن هبيرة الوزير - من أصحاب أحمد صاحب "الإفصاح" وهكذا أستفتح أنا.
стр. 1534
وبعده النوع الثالث كقوله: "اللهم باعد بيني وبين خطاياي. كما باعدت بين المشرق والمغرب" إلخ وهكذا ذكر الركوع والسجود والتسبيح فيهما أفضل من قوله: "لك ركعت ولك سجدت". وهذا أفضل من الدعاء والترتيب هنا متفق عليه فيما أعلم فإني لم أعلم أحداً قَالَ: إن الدعاء فيهما أفضل من التسبيح كما قيل مثل ذلك في الاستفتاح. فإن قلت: هذا الترتيب عكس الأسانيد فإنه ليس في الصحيحين حديث عَنِ النَّبِيِّ ﷺ في استفتاح الفريضة إلَّا هذا الدعاء "اللهم باعد بيني وبين خطاياي". وقوله: "وجهت وجهي" في صحيح مسلم. وحديث: "سبحانك اللهم" في السنن. وقد تكلم فيه وقد روي أنَّ هذا كان في قيام الليل وكذلك قوله: "وجهت وجهي".
قلت: كون هذا مما بلغنا مِنْ طَرِيقِ أصح من هذا فهذا ليس في صفة الذكر نفسه فضيلة توجب فضله على الآخر لكنه طريق لعلمنا به والفضيلة كانت ثابتة عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وفي زمنه قبل أن يبلغنا الأمر. وقد ثبت في الصحيح عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه كان يجهر بسبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك. يعلمه الناس فلولا أنَّ هذا من السنن المشروعة لم يفعل هذا عمر ويقره المسلمون عليه. وحديث أبي هريرة دليل على أنَّ الاستفتاح لا يختص بسبحانك اللهم ووجهت وجهي وغيرهما بل يستفتح بكل ما روي؛ لكن فضل بعض الأنواع على بعض يكون بدليل آخر كما قدمنا. وأيضاً فإنَّ قوله: "سبحانك اللهم" إلخ. يتضمن الباقيات الصالحات التي هي
стр. 1535
أفضل الكلام بعد القرآن كما في صحيح مسلم عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنه قَالَ: "أفضل الكلام بعد القرآن أربع وهن من القرآن: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر". وأيضاً ففي صحيح مسلم أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سئل: أي الكلام أفضل؟ قَالَ: "ما اصطفى الله لملائكته؛ سبحان الله وبحمده" فهذه الكلمة هي أول ما في الاستفتاح وهي أفضل الكلام.
وأيضاً فالله قد أمر بالتسبيح بحمده وعبر بذلك عن الصلاة. بقوله: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ﴾ فكان ابتداء الامتثال بهذا الذكر أولى. وقد قَالَ طائفة. من المفسرين كالضحاك في تفسير هذه الآية: هو قول المصلي: سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك. وقد بسطت الكلام على معنى هذه الكلمة في غير هذا الموضع وبينت أنَّها تشتمل على التنزيه والتحميد والتعظيم بصفات البقاء والإثبات وأفعاله كلها سبحانه وبحمده» اهـ.
قلت: وكلامه هاهنا ﵀ من أنفس الكلام، لكن الجمع بين استفتاح عمر وعلي فيه نظر، ولا يظهر لي صحته.
ومثله قول العلامة ابن القيم ﵀ في [زاد المعاد] (١/ ١٩٨ - ١٩٩):
«وَإِنَّمَا اخْتَارَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ هَذَا لِعَشَرَةِ أَوْجُهٍ قَدْ ذَكَرْتُهَا فِي مَوَاضِعَ أُخْرَى.
مِنْهَا: جَهْرُ عمر بِهِ يُعَلِّمُهُ الصَّحَابَةَ.
стр. 1536
وَمِنْهَا: اشْتِمَالُهُ عَلَى أَفْضَلِ الْكَلَامِ بَعْدَ الْقُرْآنِ، فَإِنَّ أَفْضَلَ الْكَلَامِ بَعْدَ الْقُرْآنِ سُبْحَانَ اللَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ، وَقَدْ تَضَمَّنَهَا هَذَا الِاسْتِفْتَاحُ مَعَ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ.
وَمِنْهَا: أَنَّهُ اسْتِفْتَاحٌ أَخْلَصُ لِلثَّنَاءِ عَلَى اللَّهِ، وَغَيْرُهُ مُتَضَمِّنٌ لِلدُّعَاءِ، وَالثَّنَاءُ أَفْضَلُ مِنَ الدُّعَاءِ، وَلِهَذَا كَانَتْ سُورَةُ الْإِخْلَاصِ تَعْدِلُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ، لِأَنَّهَا أُخْلِصَتْ لِوَصْفِ الرَّحْمَنِ ﵎ وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ، وَلِهَذَا كَانَ " سُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاللَّهُ أَكْبَرُ " أَفْضَلَ الْكَلَامِ بَعْدَ الْقُرْآنِ، فَيَلْزَمُ أَنَّ مَا تَضَمَّنَهَا مِنَ الِاسْتِفْتَاحَاتِ أَفْضَلُ مِنْ غَيْرِهِ مِنَ الِاسْتِفْتَاحَاتِ.
وَمِنْهَا: أَنَّ غَيْرَهُ مِنَ الِاسْتِفْتَاحَاتِ عَامَّتُهَا إِنَّمَا هِيَ فِي قِيَامِ اللَّيْلِ فِي النَّافِلَةِ، وَهَذَا كَانَ عمر يَفْعَلُهُ وَيُعَلِّمُهُ النَّاسَ فِي الْفَرْضِ.
وَمِنْهَا: أَنَّ هَذَا الِاسْتِفْتَاحَ إِنْشَاءٌ لِلثَّنَاءِ عَلَى الرَّبِّ تَعَالَى مُتَضَمِّنٌ لِلْإِخْبَارِ عَنْ صِفَاتِ كَمَالِهِ وَنُعُوتِ جَلَالِهِ، وَالِاسْتِفْتَاحُ بِـ "وَجَّهْتُ وَجْهِيَ" إِخْبَارٌ عَنْ عُبُودِيَّةِ الْعَبْدِ، وَبَيْنَهُمَا مِنَ الْفَرْقِ مَا بَيْنَهُمَا.
وَمِنْهَا: أَنَّ مَنِ اخْتَارَ الِاسْتِفْتَاحَ بِـ "وَجَّهْتُ وَجْهِيَ " لَا يُكْمِلُهُ، وَإِنَّمَا يَأْخُذُ بِقِطْعَةٍ مِنَ الْحَدِيثِ وَيَذَرُ بَاقِيَهُ، بِخِلَافِ الِاسْتِفْتَاحِ بِـ "سُبْحَانِكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ" فَإِنَّ مَنْ ذَهَبَ إِلَيْهِ يَقُولُهُ كُلَّهُ إِلَى آخِرِهِ» اهـ.
стр. 1537
قلت: استفتاح عمر بن الخطاب ﵁ رواه مسلم (٣٩٩) مِنْ طَرِيقِ عَبْدَةَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ كَانَ يَجْهَرُ بِهَؤُلَاءِ الْكَلِمَاتِ يَقُولُ: «سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ تَبَارَكَ اسْمُكَ وَتَعَالَى جَدُّكَ وَلَا إِلَهَ غَيْرُكَ».
وحديث علي رواه مسلم (٧٧١) عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ كَانَ إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ قَالَ: «وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنْ الْمُشْرِكِينَ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا مِنْ الْمُسْلِمِينَ اللَّهُمَّ أَنْتَ الْمَلِكُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ أَنْتَ رَبِّي وَأَنَا عَبْدُكَ ظَلَمْتُ نَفْسِي وَاعْتَرَفْتُ بِذَنْبِي فَاغْفِرْ لِي ذُنُوبِي جَمِيعًا إِنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ وَاهْدِنِي لِأَحْسَنِ الْأَخْلَاقِ لَا يَهْدِي لِأَحْسَنِهَا إِلَّا أَنْتَ وَاصْرِفْ عَنِّي سَيِّئَهَا لَا يَصْرِفُ عَنِّي سَيِّئَهَا إِلَّا أَنْتَ لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ وَالْخَيْرُ كُلُّهُ فِي يَدَيْكَ وَالشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ أَنَا بِكَ وَإِلَيْكَ تَبَارَكْتَ وَتَعَالَيْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ وَإِذَا رَكَعَ قَالَ اللَّهُمَّ لَكَ رَكَعْتُ وَبِكَ آمَنْتُ وَلَكَ أَسْلَمْتُ خَشَعَ لَكَ سَمْعِي وَبَصَرِي وَمُخِّي وَعَظْمِي وَعَصَبِي وَإِذَا رَفَعَ قَالَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ مِلْءَ السَّمَاوَاتِ وَمِلْءَ الْأَرْضِ وَمِلْءَ مَا بَيْنَهُمَا وَمِلْءَ مَا شِئْتَ مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ وَإِذَا سَجَدَ قَالَ اللَّهُمَّ لَكَ سَجَدْتُ وَبِكَ آمَنْتُ وَلَكَ أَسْلَمْتُ سَجَدَ وَجْهِي لِلَّذِي خَلَقَهُ وَصَوَّرَهُ وَشَقَّ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ تَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ ثُمَّ يَكُونُ مِنْ آخِرِ مَا يَقُولُ بَيْنَ التَّشَهُّدِ
стр. 1538
وَالتَّسْلِيمِ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ وَمَا أَسْرَرْتُ وَمَا أَعْلَنْتُ وَمَا أَسْرَفْتُ وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي أَنْتَ الْمُقَدِّمُ وَأَنْتَ الْمُؤَخِّرُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ».
٦ - ويدل الحديث على جواز الدعاء في الصلاة بما ليس في القرآن خلافاً للحنفية.
٧ - قَالَ العلامة النووي ﵀ في [المجموع] (١/ ٨٢):
«استدلوا لجواز الطهارة بماء الثلج والبرد بما ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كان يسكت بين تكبيرة الإحرام والقراءة سكتة يقول: فيها أشياء منها: "اللهم اغسل خطاياي بالماء والثلج والبرد"» اهـ.
فائدة/ قَالَ الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٥/ ١٨٣):
«وإنَّما كان يدعو فِي افتتاح الصلاة المكتوبة بهذا - والله أعلم -؛ لأنَّ الصلوات الخمس تكفر الذنوب والخطايا، كما قَالَ تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾، فإقامة الصلوات المفروضات عَلَى وجهها يوجب مباعدة الذنوب، ويوجب - أيضاً - إنقاءها وتطهيرها … ».
إلى أن قَالَ ﵀:
«ولما كانت الصلاة صلة بين العبد وربه، وكان المصلي يناجي ربه، وربه يقربه منه، لم يصلح للدخول في الصلاة إلَّا من كان طاهراً في ظاهره وباطنه؛ ولذلك
стр. 1539
شرع للمصلي أن يتطهر بالماء، فيكفر ذنوبه بالوضوء، ثم يمشي إلى المساجد فيكفر ذنوبه بالمشي، فإن بقي من ذنوبه شيء كفرته الصلاة.
قَالَ سليمان الفارسي: الوضوء يكفر الجراحات الصغار، والمشي إلى المسجد يكفر أكثر من ذلك، والصلاة تكفر أكثر من ذلك.
خرجه محمد بن نصر المروزي وغيره.
فإذا قام المصلي بين يدي ربه في الصلاة وشرع في مناجاته، شرع له أول ما يناجي ربه أن يسأل ربه أن يباعد بينه وبين ما يوجب له البعد من ربه، وهو الذنوب، وأن يطهره منها؛ ليصلح حينئذ للتقريب والمناجاة، فيستكمل فوائد الصلاة وثمراتها من المعرفة والأنس والمحبة والخشية، فتصير صلاته ناهية له عن الفحشاء والمنكر، وهي الصلاة النافعة» اهـ.
فائدة/ قَالَ العلامة ابن القيم ﵀ في [إغاثة اللهفان] (١/ ٥٧):
«وسألت شيخ الإسلام عن معنى دعاء النبي ﷺ : "اللهم طهرني من خطاياي بالماء والثلج والبرد" كيف يطهر الخطايا بذلك وما فائدة التخصيص بذلك وقوله في لفظ آخر: والماء البارد والحار أبلغ في الإنقاء.
فقَالَ: الخطايا توجب للقلب حرارة ونجاسة وضعفاً فيرتخي القلب وتضطرم فيه نار الشهوة وتنجسه فإنَّ الخطايا والذنوب له بمنزلة الحطب الذي يمد النار ويوقدها ولهذا كلما كثرت الخطايا اشتدت نار القلب وضعفه والماء يغسل الخبث
стр. 1540
ويطفئ النار فإن كان بارداً أورث الجسم صلابة وقوة فإن كان معه ثلج وبرد كان أقوى في التبريد وصلابة الجسم وشدته فكان أذهب لأثر الخطايا هذا معنى كلامه. وهو محتاج إلى مزيد بيان وشرح.
فاعلم أنَّ هاهنا أربعة أمور: أمران حسيان وأمران معنويان فالنجاسة التي تزول بالماء هي ومزيلها حسيان وأثر الخطايا التي تزول بالتوبة والاستغفار هي ومزيلها معنويان وصلاح القلب وحياته ونعيمه لا يتم إلَّا بهذا وهذا فذكر النبي ﷺ من كل شطر قسماً نبه به على القسم الآخر فتضمن كلامه الأقسام الأربعة في غاية الاختصار وحسن البيان كما في حديث الدعاء بعد الوضوء: "اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين" فإنه يتضمن ذكر الأقسام الأربعة» اهـ.
٨ - وفيه مشروعية الفداء بالأبوين.
قَالَ الحافظ ابن حجر ﵀ في [فتح الباري] (٢/ ٢٢٩):
«قَوْلُهُ: "بِأَبِي وَأُمِّي" الْبَاءُ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفِ اسْمٍ أَوْ فِعْلٍ وَالتَّقْدِيرُ أَنْتَ مَفْدِيٌّ أَوْ أَفْدِيكَ وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى جَوَازِ قَوْلِ ذَلِكَ وَزَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ مِنْ خَصَائِصِهِ ﷺ » اهـ.
قلت: ويدل على مشروعية ذلك أيضاً ما رواه البخاري (٢٩٠٥)، ومسلم (٢٤١١) عَنْ عَلِيٍّ ﵁، قَالَ: «مَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يُفَدِّي رَجُلاً بَعْدَ سَعْدٍ سَمِعْتُهُ يَقُولُ: "ارْمِ فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي"».
стр. 1541
وروى البخاري (٣٧٢٠)، ومسلم (٢٤١٦) عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ: «كُنْتُ يَوْمَ الأَحْزَابِ جُعِلْتُ أَنَا وَعُمَرُ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ فِي النِّسَاءِ فَنَظَرْتُ فَإِذَا أَنَا بِالزُّبَيْرِ عَلَى فَرَسِهِ يَخْتَلِفُ إِلَى بَنِي قُرَيْظَةَ مَرَّتَيْنِ، أَوْ ثَلَاثًا فَلَمَّا رَجَعْتُ قُلْتُ: يَا أَبَتِ رَأَيْتُكَ تَخْتَلِفُ قَالَ: أَوَهَلْ رَأَيْتَنِي يَا بُنَيَّ. قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: مَنْ يَأْتِ بَنِي قُرَيْظَةَ فَيَأْتِينِي بِخَبَرِهِمْ فَانْطَلَقْتُ فَلَمَّا رَجَعْتُ جَمَعَ لِي رَسُولُ اللهِ ﷺ أَبَوَيْهِ فَقَالَ: "فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي"».
قَالَ العلامة النووي ﵀ في [شرح مسلم] (١٥/ ١٨٤):
«فِيهِ جَوَازُ التَّفْدِيَةِ بِالْأَبَوَيْنِ وَبِهِ قَالَ جَمَاهِيرُ الْعُلَمَاءِ وَكَرِهَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ ﵄ وَكَرِهَهُ بَعْضُهُمْ فِي التَّفْدِيَةِ بِالْمُسْلِمِ مِنْ أَبَوَيْهِ وَالصَّحِيحُ الْجَوَازُ مُطْلَقًا لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ حَقِيقَةُ فِدَاءٍ وَإِنَّمَا هُوَ كَلَامٌ وَأَلْطَافٌ وَإِعْلَامٌ بِمَحَبَّتِهِ لَهُ وَمَنْزِلَتِهِ وَقَدْ وَرَدَتِ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ بِالتَّفْدِيَةِ مُطْلَقًا وَأَمَّا قَوْلُهُ مَا جَمَعَ أَبَوَيْهِ لِغَيْرِ سَعْدٍ وَذَكَرَ بَعْدُ أَنَّهُ جَمَعَهُمَا لِلزُّبَيْرِ وَقَدْ جَاءَ جَمْعُهُمَا لِغَيْرِهِمَا أَيْضًا فَيُحْمَلُ قَوْلُ عَلِيٍّ ﵁ عَلَى نَفْيِ عِلْمِ نَفْسِهِ أَيْ لَا أَعْلَمُهُ جَمَعَهُمَا إِلَّا لِسَعْدِ بْنِ أبي وقاص» اهـ.
ونقل العلامة ابن القيم ﵀ في [بدائع الفوائد] (٤/ ٨٠) عن إسحاق بن منصور في سؤالاته للإمام أحمد أنَّه قَالَ:
стр. 1542
«قلت: يكره أن يقول الرجل للرجل فداك أبي وأمي؟ قَالَ: "يكره أن تقول جعلني الله فداك ولا بأس أن يقول فداك أبي وأمي". قَالَ ابن منصور كما قَالَ» اهـ.
قلت: الأظهر عدم الكراهة فقد روى البخاري (٦١٨٥) عَنْ أَنَسٍ بْنِ مَالِكٍ: أَنَّهُ أَقْبَلَ هُوَ وَأَبُو طَلْحَةَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ، وَمَعَ النَّبِيِّ ﷺ صَفِيَّةُ، مُرْدِفُهَا عَلَى رَاحِلَتِهِ، فَلَمَّا كَانُوا بِبَعْضِ الطَّرِيقِ عَثَرَتِ النَّاقَةُ، فَصُرِعَ النَّبِيُّ ﷺ وَالمَرْأَةُ، وَأَنَّ أَبَا طَلْحَةَ - قَالَ: أَحْسِبُ - اقْتَحَمَ عَنْ بَعِيرِهِ، فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاكَ، هَلْ أَصَابَكَ مِنْ شَيْءٍ؟ قَالَ: «لَا، وَلَكِنْ عَلَيْكَ بِالْمَرْأَةِ» فَأَلْقَى أَبُو طَلْحَةَ ثَوْبَهُ عَلَى وَجْهِهِ فَقَصَدَ قَصْدَهَا، فَأَلْقَى ثَوْبَهُ عَلَيْهَا، فَقَامَتِ المَرْأَةُ، فَشَدَّ لَهُمَا عَلَى رَاحِلَتِهِمَا فَرَكِبَا، فَسَارُوا حَتَّى إِذَا كَانُوا بِظَهْرِ المَدِينَةِ - أَوْ قَالَ: أَشْرَفُوا عَلَى المَدِينَةِ - قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «آيِبُونَ تَائِبُونَ عَابِدُونَ، لِرَبِّنَا حَامِدُونَ» فَلَمْ يَزَلْ يَقُولُهَا حَتَّى دَخَلَ المَدِينَةَ.
وروى مسلم (١٨) عن أَبَي سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ: «أَنَّ وَفْدَ عَبْدِ الْقَيْسِ لَمَّا أَتَوْا نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ قَالَوا: يَا نَبِيَّ اللَّهِ جَعَلَنَا اللَّهُ فِدَاءَكَ مَاذَا يَصْلُحُ لَنَا مِنْ الْأَشْرِبَةِ فَقَالَ: "لَا تَشْرَبُوا فِي النَّقِيرِ" قَالَوا: يَا نَبِيَّ اللَّهِ جَعَلَنَا اللَّهُ فِدَاءَكَ أَوَ تَدْرِي مَا النَّقِيرُ. قَالَ: "نَعَمْ الْجِذْعُ يُنْقَرُ وَسَطُهُ. وَلَا فِي الدُّبَّاءِ وَلَا فِي الْحَنْتَمَةِ وَعَلَيْكُمْ بِالْمُوكَى"».
стр. 1543
٩ - حمل بعض العلماء السكوت الذي كان يسكته النبي ﷺ أنَّه من أجل قراءة المأمومين.
وهذا ضعيف من وجوه:
الأول: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قد بيَّن السبب في سكوته قبل القراءة وأنَّه من أجل قراءة الاستفتاح، ولو كان ذلك من أجل قراءة المأمومين للفاتحة لبيَّن ذلك.
والثاني: أنَّ الصحيح عدم قراءة المأمومين للفاتحة ولا لغيرها في حال جهر الإمام، وأنَّ قراءة الإمام قراءة لمأمومين.
الثالث: أنَّ سكوته لو كان من أجل قراءة المأمومين للفاتحة فإنَّ الأنسب أن يكون بعد قراءته للفاتحة لا قبلها فإنَّ المؤتم تابع للإمامه.
قَالَ الحافظ ابن حجر ﵀ في [فتح الباري] (٢/ ٢٢٩ - ٢٣٠):
«وَنقل ابن بَطَّالٍ عَنِ الشَّافِعِيِّ أَنَّ سَبَبَ هَذِهِ السَّكْتَةِ لِلْإِمَامِ أَنْ يَقْرَأَ الْمَأْمُومُ فِيهَا الْفَاتِحَةَ ثُمَّ اعْتَرَضَهُ بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَقَالَ فِي الْجَوَابِ أَسْكُتُ لِكَيْ يقْرَأ من خَلْفي ورده ابن الْمُنِيرِ بِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِهِ أَخْبَرَهُ بِصِفَةِ مَا يَقُولُ أَنْ لَا يَكُونَ سَبَبُ السُّكُوتِ مَا ذَكَرَ انْتَهَى.
وَهَذَا النَّقْلُ مِنْ أَصْلِهِ غَيْرُ مَعْرُوفٍ عَنِ الشَّافِعِيِّ وَلَا عَنْ أَصْحَابِهِ إِلَّا أَنَّ الْغَزَالِيَّ قَالَ فِي "الْإِحْيَاءِ" إِنَّ الْمَأْمُومَ يَقْرَأُ الْفَاتِحَةَ إِذَا اشْتَغَلَ الْإِمَامُ بِدُعَاءِ الِافْتِتَاحِ
стр. 1544
وَخُولِفَ فِي ذَلِكَ بَلْ أَطْلَقَ الْمُتَوَلِّيُّ وَغَيْرُهُ كَرَاهَةَ تَقْدِيمِ الْمَأْمُومِ قِرَاءَةَ الْفَاتِحَةِ عَلَى الْإِمَامِ وَفِي وَجْهٍ إِنْ فَرَغَهَا قَبْلَهُ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ. وَالْمَعْرُوفُ أَنَّ الْمَأْمُومَ يَقْرَؤُهَا إِذَا سَكَتَ الْإِمَامُ بَيْنَ الْفَاتِحَةِ وَالسُّورَةِ وَهُوَ الَّذِي حَكَاهُ عِيَاضٌ وَغَيْرُهُ عَنِ الشَّافِعِيِّ وَقَدْ نَصَّ الشَّافِعِيُّ عَلَى أَنَّ الْمَأْمُومَ يَقُولُ دُعَاءَ الِافْتِتَاحِ كَمَا يَقُولُهُ الْإِمَامُ» اهـ.
١٠ - وفيه حرص أبي هريرة على العلم.
ويدل على ذلك أيضاً ما رواه البخاري (٩٩، ٦٥٧٠) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، ﵁، أَنَّهُ قَالَ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللهِ مَنْ أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَقَالَ: «لَقَدْ ظَنَنْتُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ أَنْ لَا يَسْأَلَنِي عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ أَحَدٌ أَوَّلُ مِنْكَ لِمَا رَأَيْتُ مِنْ حِرْصِكَ عَلَى الْحَدِيثِ أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنْ قَالَ: لَاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ خَالِصًا مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ».
١١ - وفيه أنَّ الأنبياء غير معصومين من بعض الذنوب، وهي الصغائر التي ليست من صغائر الخسة، وهم مع ذلك لا يصرون عليها، ولا يقرهم الله تعالى عليها.
١٢ - وقوله: «اللَّهُمَّ اغْسِلْنِي مِنْ خَطَايَايَ بِالْمَاءِ وَالثَّلْجِ وَالْبَرَدِ». وَالْبَرَدُ بالتحريك حب الغمام، وفيه المبالغة في طلب التطهر من الذنوب فإنَّ اجتماع ثلاثة مطهرات أبلغ من انفراد واحد منها.
١٣ - وفيه مشروعية الدعاء بعد التكبير والقراءة لكنه يكون بما ورد.
* * *
стр. 1545
٨١ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَسْتَفْتِحُ الصَّلاةَ بِالتَّكْبِيرِ، وَالْقِرَاءَةَ بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ وَكَانَ إذَا رَكَعَ لَمْ يُشْخِصْ رَأْسَهُ وَلَمْ يُصَوِّبْهُ وَلَكِنْ بَيْنَ ذَلِكَ، وَكَانَ إذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ الرُّكُوعِ لَمْ يَسْجُدْ حَتَّى يَسْتَوِيَ قَائِماً، وَكَانَ إذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ السَّجْدَةِ لَمْ يَسْجُدْ، حَتَّى يَسْتَوِيَ قَاعِداً، وَكَانَ يَقُولُ فِي كُلِّ رَكْعَتَيْنِ التَّحِيَّةَ، وَكَانَ يَفْرِشُ رِجْلَهُ الْيُسْرَى وَيَنْصِبُ رِجْلَهُ الْيُمْنَى، وَكَانَ يَنْهَى عَنْ عُقْبَةِ الشَّيْطَانِ، وَيَنْهَى أَنْ يَفْتَرِشَ الرَّجُلُ ذِرَاعَيْهِ افْتِرَاشَ السَّبُعِ، وَكَانَ يَخْتِمُ الصَّلاةَ بِالتَّسْلِيمِ».
قلت: هذا الحديث من أفراد الإمام مسلم ولا وجود له في البخاري، فذكره في هذا الكتاب من أوهام المؤلف ﵀.
قَالَ الحافظ ابن دقيق العيد ﵀ في [إحكام الأحكام] ص (١٤٨):
«وقولها: "وكان إذا ركع لم يشخص رأسه" أي لم يرفعه ومادة اللفظ تدل على الارتفاع ومنه: أشخص بصره إذا رفعه نحو جهة العلو ومنه الشخص لارتفاعه للأبصار. ومنه: شخص المسافر: إذا خرج من منزله إلى غيره. ومنه ما جاء في بعض الآثار فشخص بي أي أتاني ما يقلقني كأنَّه رفع من الأرض لقلقه.
وقولها: "ولم يصوبه" أي لم ينكسه ومن الصيب: المطر صاب يصوب إذا نزل قَالَ الشاعر:
следующие страницы →