← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 30178

تحفة السائل في بيان ما في عمدة الأحكام من المسائل

أبو بكر الحمادي

Полный текст (8 095 стр.). Показаны 1541–1580 · переход к 1546.

стр. 1541

وروى البخاري (٣٧٢٠)، ومسلم (٢٤١٦) عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ: «كُنْتُ يَوْمَ الأَحْزَابِ جُعِلْتُ أَنَا وَعُمَرُ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ فِي النِّسَاءِ فَنَظَرْتُ فَإِذَا أَنَا بِالزُّبَيْرِ عَلَى فَرَسِهِ يَخْتَلِفُ إِلَى بَنِي قُرَيْظَةَ مَرَّتَيْنِ، أَوْ ثَلَاثًا فَلَمَّا رَجَعْتُ قُلْتُ: يَا أَبَتِ رَأَيْتُكَ تَخْتَلِفُ قَالَ: أَوَهَلْ رَأَيْتَنِي يَا بُنَيَّ. قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: مَنْ يَأْتِ بَنِي قُرَيْظَةَ فَيَأْتِينِي بِخَبَرِهِمْ فَانْطَلَقْتُ فَلَمَّا رَجَعْتُ جَمَعَ لِي رَسُولُ اللهِ ﷺ أَبَوَيْهِ فَقَالَ: "فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي"». قَالَ العلامة النووي ﵀ في [شرح مسلم] (١٥/ ١٨٤): «فِيهِ جَوَازُ التَّفْدِيَةِ بِالْأَبَوَيْنِ وَبِهِ قَالَ جَمَاهِيرُ الْعُلَمَاءِ وَكَرِهَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ ﵄ وَكَرِهَهُ بَعْضُهُمْ فِي التَّفْدِيَةِ بِالْمُسْلِمِ مِنْ أَبَوَيْهِ وَالصَّحِيحُ الْجَوَازُ مُطْلَقًا لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ حَقِيقَةُ فِدَاءٍ وَإِنَّمَا هُوَ كَلَامٌ وَأَلْطَافٌ وَإِعْلَامٌ بِمَحَبَّتِهِ لَهُ وَمَنْزِلَتِهِ وَقَدْ وَرَدَتِ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ بِالتَّفْدِيَةِ مُطْلَقًا وَأَمَّا قَوْلُهُ مَا جَمَعَ أَبَوَيْهِ لِغَيْرِ سَعْدٍ وَذَكَرَ بَعْدُ أَنَّهُ جَمَعَهُمَا لِلزُّبَيْرِ وَقَدْ جَاءَ جَمْعُهُمَا لِغَيْرِهِمَا أَيْضًا فَيُحْمَلُ قَوْلُ عَلِيٍّ ﵁ عَلَى نَفْيِ عِلْمِ نَفْسِهِ أَيْ لَا أَعْلَمُهُ جَمَعَهُمَا إِلَّا لِسَعْدِ بْنِ أبي وقاص» اهـ. ونقل العلامة ابن القيم ﵀ في [بدائع الفوائد] (٤/ ٨٠) عن إسحاق بن منصور في سؤالاته للإمام أحمد أنَّه قَالَ:

стр. 1542

«قلت: يكره أن يقول الرجل للرجل فداك أبي وأمي؟ قَالَ: "يكره أن تقول جعلني الله فداك ولا بأس أن يقول فداك أبي وأمي". قَالَ ابن منصور كما قَالَ» اهـ. قلت: الأظهر عدم الكراهة فقد روى البخاري (٦١٨٥) عَنْ أَنَسٍ بْنِ مَالِكٍ: أَنَّهُ أَقْبَلَ هُوَ وَأَبُو طَلْحَةَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ، وَمَعَ النَّبِيِّ ﷺ صَفِيَّةُ، مُرْدِفُهَا عَلَى رَاحِلَتِهِ، فَلَمَّا كَانُوا بِبَعْضِ الطَّرِيقِ عَثَرَتِ النَّاقَةُ، فَصُرِعَ النَّبِيُّ ﷺ وَالمَرْأَةُ، وَأَنَّ أَبَا طَلْحَةَ - قَالَ: أَحْسِبُ - اقْتَحَمَ عَنْ بَعِيرِهِ، فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاكَ، هَلْ أَصَابَكَ مِنْ شَيْءٍ؟ قَالَ: «لَا، وَلَكِنْ عَلَيْكَ بِالْمَرْأَةِ» فَأَلْقَى أَبُو طَلْحَةَ ثَوْبَهُ عَلَى وَجْهِهِ فَقَصَدَ قَصْدَهَا، فَأَلْقَى ثَوْبَهُ عَلَيْهَا، فَقَامَتِ المَرْأَةُ، فَشَدَّ لَهُمَا عَلَى رَاحِلَتِهِمَا فَرَكِبَا، فَسَارُوا حَتَّى إِذَا كَانُوا بِظَهْرِ المَدِينَةِ - أَوْ قَالَ: أَشْرَفُوا عَلَى المَدِينَةِ - قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «آيِبُونَ تَائِبُونَ عَابِدُونَ، لِرَبِّنَا حَامِدُونَ» فَلَمْ يَزَلْ يَقُولُهَا حَتَّى دَخَلَ المَدِينَةَ. وروى مسلم (١٨) عن أَبَي سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ: «أَنَّ وَفْدَ عَبْدِ الْقَيْسِ لَمَّا أَتَوْا نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ قَالَوا: يَا نَبِيَّ اللَّهِ جَعَلَنَا اللَّهُ فِدَاءَكَ مَاذَا يَصْلُحُ لَنَا مِنْ الْأَشْرِبَةِ فَقَالَ: "لَا تَشْرَبُوا فِي النَّقِيرِ" قَالَوا: يَا نَبِيَّ اللَّهِ جَعَلَنَا اللَّهُ فِدَاءَكَ أَوَ تَدْرِي مَا النَّقِيرُ. قَالَ: "نَعَمْ الْجِذْعُ يُنْقَرُ وَسَطُهُ. وَلَا فِي الدُّبَّاءِ وَلَا فِي الْحَنْتَمَةِ وَعَلَيْكُمْ بِالْمُوكَى"».

стр. 1543

٩ - حمل بعض العلماء السكوت الذي كان يسكته النبي ﷺ أنَّه من أجل قراءة المأمومين. وهذا ضعيف من وجوه: الأول: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قد بيَّن السبب في سكوته قبل القراءة وأنَّه من أجل قراءة الاستفتاح، ولو كان ذلك من أجل قراءة المأمومين للفاتحة لبيَّن ذلك. والثاني: أنَّ الصحيح عدم قراءة المأمومين للفاتحة ولا لغيرها في حال جهر الإمام، وأنَّ قراءة الإمام قراءة لمأمومين. الثالث: أنَّ سكوته لو كان من أجل قراءة المأمومين للفاتحة فإنَّ الأنسب أن يكون بعد قراءته للفاتحة لا قبلها فإنَّ المؤتم تابع للإمامه. قَالَ الحافظ ابن حجر ﵀ في [فتح الباري] (٢/ ٢٢٩ - ٢٣٠): «وَنقل ابن بَطَّالٍ عَنِ الشَّافِعِيِّ أَنَّ سَبَبَ هَذِهِ السَّكْتَةِ لِلْإِمَامِ أَنْ يَقْرَأَ الْمَأْمُومُ فِيهَا الْفَاتِحَةَ ثُمَّ اعْتَرَضَهُ بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَقَالَ فِي الْجَوَابِ أَسْكُتُ لِكَيْ يقْرَأ من خَلْفي ورده ابن الْمُنِيرِ بِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِهِ أَخْبَرَهُ بِصِفَةِ مَا يَقُولُ أَنْ لَا يَكُونَ سَبَبُ السُّكُوتِ مَا ذَكَرَ انْتَهَى. وَهَذَا النَّقْلُ مِنْ أَصْلِهِ غَيْرُ مَعْرُوفٍ عَنِ الشَّافِعِيِّ وَلَا عَنْ أَصْحَابِهِ إِلَّا أَنَّ الْغَزَالِيَّ قَالَ فِي "الْإِحْيَاءِ" إِنَّ الْمَأْمُومَ يَقْرَأُ الْفَاتِحَةَ إِذَا اشْتَغَلَ الْإِمَامُ بِدُعَاءِ الِافْتِتَاحِ

стр. 1544

وَخُولِفَ فِي ذَلِكَ بَلْ أَطْلَقَ الْمُتَوَلِّيُّ وَغَيْرُهُ كَرَاهَةَ تَقْدِيمِ الْمَأْمُومِ قِرَاءَةَ الْفَاتِحَةِ عَلَى الْإِمَامِ وَفِي وَجْهٍ إِنْ فَرَغَهَا قَبْلَهُ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ. وَالْمَعْرُوفُ أَنَّ الْمَأْمُومَ يَقْرَؤُهَا إِذَا سَكَتَ الْإِمَامُ بَيْنَ الْفَاتِحَةِ وَالسُّورَةِ وَهُوَ الَّذِي حَكَاهُ عِيَاضٌ وَغَيْرُهُ عَنِ الشَّافِعِيِّ وَقَدْ نَصَّ الشَّافِعِيُّ عَلَى أَنَّ الْمَأْمُومَ يَقُولُ دُعَاءَ الِافْتِتَاحِ كَمَا يَقُولُهُ الْإِمَامُ» اهـ. ١٠ - وفيه حرص أبي هريرة على العلم. ويدل على ذلك أيضاً ما رواه البخاري (٩٩، ٦٥٧٠) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، ﵁، أَنَّهُ قَالَ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللهِ مَنْ أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَقَالَ: «لَقَدْ ظَنَنْتُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ أَنْ لَا يَسْأَلَنِي عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ أَحَدٌ أَوَّلُ مِنْكَ لِمَا رَأَيْتُ مِنْ حِرْصِكَ عَلَى الْحَدِيثِ أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنْ قَالَ: لَاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ خَالِصًا مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ». ١١ - وفيه أنَّ الأنبياء غير معصومين من بعض الذنوب، وهي الصغائر التي ليست من صغائر الخسة، وهم مع ذلك لا يصرون عليها، ولا يقرهم الله تعالى عليها. ١٢ - وقوله: «اللَّهُمَّ اغْسِلْنِي مِنْ خَطَايَايَ بِالْمَاءِ وَالثَّلْجِ وَالْبَرَدِ». وَالْبَرَدُ بالتحريك حب الغمام، وفيه المبالغة في طلب التطهر من الذنوب فإنَّ اجتماع ثلاثة مطهرات أبلغ من انفراد واحد منها. ١٣ - وفيه مشروعية الدعاء بعد التكبير والقراءة لكنه يكون بما ورد. * * *

стр. 1545

٨١ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَسْتَفْتِحُ الصَّلاةَ بِالتَّكْبِيرِ، وَالْقِرَاءَةَ بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ وَكَانَ إذَا رَكَعَ لَمْ يُشْخِصْ رَأْسَهُ وَلَمْ يُصَوِّبْهُ وَلَكِنْ بَيْنَ ذَلِكَ، وَكَانَ إذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ الرُّكُوعِ لَمْ يَسْجُدْ حَتَّى يَسْتَوِيَ قَائِماً، وَكَانَ إذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ السَّجْدَةِ لَمْ يَسْجُدْ، حَتَّى يَسْتَوِيَ قَاعِداً، وَكَانَ يَقُولُ فِي كُلِّ رَكْعَتَيْنِ التَّحِيَّةَ، وَكَانَ يَفْرِشُ رِجْلَهُ الْيُسْرَى وَيَنْصِبُ رِجْلَهُ الْيُمْنَى، وَكَانَ يَنْهَى عَنْ عُقْبَةِ الشَّيْطَانِ، وَيَنْهَى أَنْ يَفْتَرِشَ الرَّجُلُ ذِرَاعَيْهِ افْتِرَاشَ السَّبُعِ، وَكَانَ يَخْتِمُ الصَّلاةَ بِالتَّسْلِيمِ». قلت: هذا الحديث من أفراد الإمام مسلم ولا وجود له في البخاري، فذكره في هذا الكتاب من أوهام المؤلف ﵀. قَالَ الحافظ ابن دقيق العيد ﵀ في [إحكام الأحكام] ص (١٤٨): «وقولها: "وكان إذا ركع لم يشخص رأسه" أي لم يرفعه ومادة اللفظ تدل على الارتفاع ومنه: أشخص بصره إذا رفعه نحو جهة العلو ومنه الشخص لارتفاعه للأبصار. ومنه: شخص المسافر: إذا خرج من منزله إلى غيره. ومنه ما جاء في بعض الآثار فشخص بي أي أتاني ما يقلقني كأنَّه رفع من الأرض لقلقه. وقولها: "ولم يصوبه" أي لم ينكسه ومن الصيب: المطر صاب يصوب إذا نزل قَالَ الشاعر:

стр. 1546

فلست لإنسي ولكن لملأك … تنزل من جو السماء يصوب» اهـ. وفي الحديث مسائل منها: ١ - استفتاح الصلاة بالتكبير دون غيره وبهذا قَالَ جمهور السلف وقَالَ أبو حنيفة يقوم غيره من ألفاظ التعظيم مقامه. قلت: وهذا خلاف ما دلت عليه الأدلة. وهنا مسائل: الأولى: أنَّ الواجب في افتتاح الصلاة التكبير. كما سبق الثانية: أنَّ لفظ التكبير هو: "الله أكبر" فلا يجوز استبداله بغيره. وهذا مذهب مالك وأحمد وهو الصحيح. وأجاز الشافعي: الله الأكبر، وأجاز أبو يوسف: الله الكبير. ولا يجوز استبدال لفظ الجلالة بغيره في قول جمهور العلماء. ولو أضاف بعد التكبير شيئاً من الثناء على الله تعالى كأن يقول: الله أكبر وأجل وأعظم، أو والله أكبر كبيراً، أو والله أكبر من كل شيء فإنَّ التكبير ينعقد باللفظة الأولى وما زاد فمن الإحداث في الدين. وفي الثناء بين التكبير نزاع قَالَ العلامة النووي ﵀ في [المجموع شرح المهذب] (٣/ ٢٩٢):

стр. 1547

«ولو قَالَ: الله الجليل أكبر أجزأه علي أصح الوجهين ويجريان فيما لو أدخل بين لفظتي التكبير لفظة أخرى من صفات الله بشرط أن لا يطول كقوله: الله أكبر فإن طال كقوله: الله الذى لا له إلَّا هو الملك القدوس أكبر لم يجزئه بلا خلاف لخروجه عن اسم التكبير» اهـ. الثالثة: أنَّ التكبير إنَّما يكون باللغة العربية. إلَّا لعاجز عن التلفظ بها باللغة العربية. وهذا مذهب جمهور العلماء، وشذ أبو حنيفة فقَالَ: تجوز الترجمة لمن يحسن العربية ولغيره. الرابعة: الواجب في التكبير التلفظ به فلا يجزئ إمراره على القلب إلَّا لعاجز عن النطق. وإذا صحح الحروف بلسانه وأداها على وجهها ولم يسمع أذنيه أجزأه على الصحيح وهو مذهب الإمام مالك وأحد القولين للحنفية. واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى. قَالَ العلامة ابن مفلح ﵀ في [الفروع] (٢/ ١٠٦): «واختار شيخنا الاكتفاء بالحروف وإن لم يسمعها، وذكره وجهاً» اهـ.

стр. 1548

وقَالَ العلامة ابن القيم ﵀ في [إعلام الموقعين] (٣/ ٣٧٠): «المثال الثاني والأربعون: إذا استحلف على شيء فاحب أن يحلف ولا يحنث فالحيلة أن يحرك لسانه بقول: إن شاء الله. وهل يشترط أن يسمعها نفسه فقيل: لا بد أن يسمع نفسه. وقَالَ شيخنا: هذا لا دليل عليه بل متى حرك لسانه بذلك كان متكلماً وإن لم يسمع نفسه وهكذا حكم الأقوال الواجبة والقراءة الواجبة» اهـ. وأوجب بعض العلماء أن يسمع نفسه إذا كان صحيح السمع ولا عارض فإن لم يكن كذلك رفع بحيث يسمع لو كان كذلك، وإلى هذا ذهب الشافعي وأحمد. الخامسة: والواجب في التكبير أن يكون عن قيام. قَالَ العلامة ابن قدامة ﵀ في [المغني] (٢/ ٣١٦): «فصل: وعليه أن يأتي بالتكبير قائماً. فإن انحنى إلى الركوع بحيث يصير راكعاً قبل إنهاء التكبير، لم تنعقد صلاته، إلَّا أن تكون نافلة؛ لسقوط القيام فيها. ويحتمل أن لا تنعقد أيضاً؛ لأنَّ صفة الركوع غير صفة القعود، ولم يأت التكبير قائماً ولا قاعداً.

стр. 1549

ولو كان ممن تصح صلاته قاعداً، كان عليه الإتيان بالتكبير قبل وجود الركوع منه. وقَالَ القاضي: إن كبر في الفريضة، في حال انحنائه إلى الركوع، انعقدت نفلاً؛ لأنَّها امتنع وقوعها فرضاً، وأمكن جعلها نفلاً، فأشبه من أحرم بفريضة، فبان أنَّه لم يدخل وقتها» اهـ. قلت: والذي يقوى عندي عدم صحة التكبير حال الركوع للمتنفل كما لا تصح قراءته للفاتحة راكعاً. والله أعلم. السادسة: تكبيرة الإحرام واحدة لا تجوز الزيادة عليها اتفاقاً، فإن زاد بطلت صلاته بالأشفاع ودخل فيها بالأوتار. قَالَ العلامة النووي ﵀ في [المجموع شرح المهذب] (٣/ ٢٩٨): «قَالَ صاحب التلخيص وتابعه القاضي أبو الطيب والبغوي والأصحاب ونقله البندنيجي وإمام الحرمين والغزالي في البسيط ومحمد بن يحيى عن الأصحاب كافة: لو كبر للإحرام أربع تكبيرات أو أكثر دخل في الصلاة بالأوتار وبطلت بالأشفاع وصورته أن ينوي بكل تكبيرة افتتاح الصلاة ولا ينوي الخروج من الصلاة بين كل تكبيرتين فبالأولى دخل في الصلاة وبالثانية خرج منها وبطلت

стр. 1550

وبالثالثة دخل في الصلاة وبالرابعة خرج وبالخامسة دخل وبالسادسة خرج وهكذا أبداً لأنَّ من افتتح صلاة ثم افتتح أخرى بطلت صلاته لأنَّه يتضمن قطع الأولى فلو نوى بين كل تكبيرتين افتتاح الصلاة أو الخروج منها فبالنية يخرج من الصلاة وبالتكبير يدخل فلو لم ينو بالتكبيرة الثانية وما بعدها افتتاحاً ولا دخولاً ولا خروجاً صع دخوله بالأولى ويكون باقي التكبيرات ذكراً لا تبطل به الصلاة» اهـ. السابعة: ويجب الابتعاد عن الزيادة والمد في لفظ التكبير والوقف بين كلمتيه. قَالَ العلامة النووي ﵀ في [المجموع شرح المهذب] (٣/ ٢٩٢): «ويجب الاحتراز في التكبير عن الوقفة بين كلمتيه وعن زيادة تغير المعنى فإن وقف أو قَالَ الله أكبر بمد همزة الله أو بهمزتين أو قَالَ: الله أكبار، أو زاد واواً ساكنة أو متحركة بين الكلمتين لم يصح تكبيره. قَالَ الشيخ أبو محمد الجويني في "التبصرة": ولا يجوز المد إلَّا علي الألف التي بين اللام والهاء ولا يخرجها بالمد عن حد الاقتصاد للإفراط» اهـ. قلت: إذا مد همزة الله أو أكبر صارت استفهاماً وتغير المعنى، وهكذا إذا قرأ: الله بهمزتين صارت استفهاماً.

стр. 1551

وإذا قَالَ: الله أكبار فسد المعنى فإنَّ أكبار جمع كبر وهو الطبل، ولو كسر مع ذلك الهمزة صار إكبار وهو من أسماء الحيض. الثامنة: لا بد من الترتيب في التكبير فلا يصح أن يقول: أكبر الله ولا الأكبر الله، وصححه ذلك بعض الشافعية. التاسعة: لا يستحب للعاجز عن النطق أن يحرك لسانه لأنَّه من العبث. قَالَ العلامة ابن قدامة ﵀ في [المغني] (٢/ ٣١٥): «فصل: فإن كان أخرس أو عاجزاً عن التكبير بكل لسان، سقط عنه، وقَالَ القاضي: عليه تحريك لسانه؛ لأنَّ الصحيح يلزمه النطق بتحريك لسانه، فإذا عجز عن أحدهما لزمه الآخر. ولا يصح هذا؛ لأنَّه قول عجز عنه، فلم يلزمه تحريك لسانه في موضعه كالقراءة، وإنَّما لزمه تحريك لسانه بالتكبير مع القدرة عليه ضرورة يوقف التكبير عليها، فإذا سقط التكبير سقط ما هو من ضرورته، كمن سقط عنه القيام، سقط عنه النهوض إليه، وإن قدر عليه. ولأنَّ تحريك اللسان من غير نطق عبث لم يرد الشرع به، فلا يجوز في الصلاة، كالعبث بسائر جوارحه» اهـ.

стр. 1552

٢ - وفيه رد على من استحب استفتاح الصلاة بالتلفظ بالنية. ٣ - واحتج به الإمام مالك في قوله بأنَّ البسملة ليست من فاتحة الكتاب. وأجاب القائلون بأنَّها من فاتحة الكتاب بأنَّ معنى الحديث أنَّه يبتدئ القرآن بسورة الحمد لله رب العالمين لا بسورة أخرى فالمراد بيان السورة التي يبتدئ بها، وليس المراد أنَّه لا يتلفظ بشيء قبل الحمد. قلت: والصحيح في ذلك أنَّها ليست آية من الفاتحة ولا من غيرها بل هي آية مستقلة في القرآن يستفتح بها السور. قَالَ شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كما في [مجموع الفتاوى] (٢٢/ ٤٠٦): «وتوسط أكثر فقهاء الحديث كأحمد ومحققي أصحاب أبي حنيفة فقَالَوا: كتابتها في المصحف تقتضي أنَّها من القرآن للعلم بأنَّهم لم يكتبوا فيه ما ليس بقرآن لكن لا يقتضي ذلك أنَّها من السورة؛ بل تكون آية مفردة أنزلت في أول كل سورة كما كتبها الصحابة سطراً مفصولاً كما قَالَ ابن عباس: كان لا يعرف فصل السورة حتى ينزل: "بسم الله الرحمن الرحيم" فعند هؤلاء هي آية من كتاب الله في أول كل سورة كتبت فيه. وليست من السور. وهذا هو المنصوص عن أحمد في غير موضع. ولم يوجد عنه نقل صريح بخلاف ذلك وهو قول عبد الله بن المبارك وغيره. وهو أوسط الأقوال وأعدلها» اهـ.

стр. 1553

قلت: والدليل على أنَّها ليست من فاتحة الكتاب ما رواه مسلم (٣٩٥) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «" مَنْ صَلَّى صَلَاةً لَمْ يَقْرَأْ فِيهَا بِأُمِّ الْقُرْآنِ فَهِيَ خِدَاجٌ - ثَلَاثًا - غَيْرُ تَمَامٍ" فَقِيلَ لِأَبِي هُرَيْرَةَ إِنَّا نَكُونُ وَرَاءَ الْإِمَامِ فَقَالَ اقْرَأْ بِهَا فِي نَفْسِكَ فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ فَإِذَا قَالَ الْعَبْدُ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: حَمِدَنِي عَبْدِي. وَإِذَا قَالَ: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: أَثْنَى عَلَيَّ عَبْدِي. وَإِذَا قَالَ: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾. قَالَ: مَجَّدَنِي عَبْدِي. وَقَالَ مَرَّةً: فَوَّضَ إِلَيَّ عَبْدِي. فَإِذَا قَالَ: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾. قَالَ: هَذَا بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ. فَإِذَا قَالَ: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾.

стр. 1554

قَالَ: هَذَا لِعَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ». قَالَ شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كما في [مجموع الفتاوى] (٢٢/ ٢٧٧ - ٢٧٨): «فهذا الحديث صحيح صريح في أنَّها ليست من الفاتحة ولم يعارضه حديث صحيح صريح» اهـ. وقَالَ ﵀ (٢٢/ ٤٢٢ - ٤٢٣): «وقد روى عبد الله بن زياد بن سمعان - وهو كذاب - أنَّه قَالَ: في أوله فإذا قَالَ: بسم الله الرحمن الرحيم. قَالَ: ذكرني عبدي ولهذا اتفق أهل العلم على كذب هذه الزيادة وإنَّما كثر الكذب في أحاديث الجهر؛ لأنَّ الشيعة ترى الجهر وهم أكذب الطوائف فوضعوا في ذلك أحاديث لبسوا بها على الناس دينهم؛ ولهذا يوجد في كلام أئمة السنة من الكوفيين كسفيان الثوري أنَّهم يذكرون من السنة المسح على الخفين وترك الجهر بالبسملة كما يذكرون تقديم أبي بكر وعمر ونحو ذلك؛ لأنَّ هذا كان من شعار الرافضة. ولهذا ذهب أبو علي بن أبي هريرة أحد الأئمة من أصحاب الشافعي إلى ترك الجهر بها قَالَ: لأنَّ الجهر بها صار من شعار المخالفين كما ذهب من ذهب من أصحاب الشافعي إلى تسنمة القبور؛ لأنَّ التسطيح صار من شعار أهل البدع. فحديث أبي هريرة دليل على أنَّها ليست من القراءة الواجبة ولا من القراءة المقسومة» اهـ. وقَالَ العلامة ابن عثيمين ﵀ في [الشَّرْحُ الممتع] (٣/ ٤٣ - ٤٥): «والدليل على أنَّها ليست من الفاتحة ما ثبت في "الصحيح" من حديث أبي هريرة أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "قَالَ الله تعالى: قسمت الصلاة بيني وبين

стр. 1555

عبدي نصفين، ولعبدي ما سأل، فإذا قَالَ العبد: الحمد لله رب العالمين، قَالَ الله تعالى: حمدني عبدي … " الحديث. فإن قيل: إذا لم تكن من الفاتحة؛ فإنَّه من المعلوم أنَّ الفاتحة سبع آيات، فكيف توزع السبع الآيات على الفاتحة إذا أخرجنا البسملة منها؟ فالجواب: أنَّها توزع كالآتي: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. الأولى. ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾. الثانية. ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾. الثالثة. ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾. الرابعة. ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ الخامسة: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾. السادسة. ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ السابعة. هذا التوزيع هو المطابق للمعنى واللفظ. أمَّا مطابقته للفظ: فإننا إذا وزعنا الفاتحة على هذا الوجه صارت الآيات متناسبة ومتقاربة. لكن إذا قلنا: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ هذه الآية السادسة. ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ صارت السابعة طويلة لا تتناسب مع الآية السابقة، فهذا تناسب لفظي. وأمَّا التناسب المعنوي: فإنَّ الله تعالى قَالَ: "قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، ولعبدي ما سأل. فإذا قَالَ العبد: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. قَالَ الله

стр. 1556

تعالى: حمدني عبدي. وإذا قَالَ: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾. قَالَ: أثنى علي عبدي. وإذا قَالَ: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾. قَالَ: مجدني عبدي. فهذه ثلاث آيات كلها لله. فإذا قَالَ: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾. قَالَ: هذا بيني وبين عبدي، ولعبدي ما سأل". فيقتضي أن تكون النصف هي: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾. وهي الرابعة. والخامسة، والسادسة والسابعة ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ فتكون الآيات الثلاث الأولى لله تعالى، والآيات الثلاث الأخيرة للعبد و ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾. الآية الوسطى، بين العبد وبين ربه. فإن قَالَ قائل: إذا قلتم ذلك فكيف الجواب عما نجده في المصاحف: أنَّ أول آية في الفاتحة هي البسملة؟ فالجواب: هذا الترقيم على قول بعض أهل العلم: أنَّ البسملة آية من الفاتحة. ولهذا في بقية السور لا تعد من آياتها ولا ترقم. والصحيح أنَّها ليست من الفاتحة، ولا من غير الفاتحة، بل هي آية مستقلة» اهـ. قلت: والدليل على أنَّها ليست بآية من مبادئ السور ما رواه أحمد (٧٩٦٢، ٨٢٥٩)، وأبو داود (١٤٠٢)، والترمذي (٢٨٩١) مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ أَخْبَرَنَا قَتَادَةُ عَنْ عَبَّاسٍ الْجُشَمِىِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ:

стр. 1557

«سُورَةٌ مِنَ الْقُرْآنِ ثَلَاثُونَ آيَةً تَشْفَعُ لِصَاحِبِهَا حَتَّى يُغْفَرَ لَهُ ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾». قلت: وفي إسناده عباس الجُشَمِي لم يوثقه معتبر. قَالَ الحافظ ابن حجر ﵀ في [التلخيص الحبير] (١/ ٤٥٩): «وأعله البخاري في "التاريخ الكبير" بأنَّ عباساً الجشمي لا يعرف سماعه من أبي هريرة، ولكن ذكره ابن حبان في الثقات، وله شاهد من حديث ثابت عَنْ أَنَسٍ، رواه الطبراني في الكبير بإسناد صحيح» اهـ. قلت: وهو ما رواه الطبراني في [المعجم الأوسط] (٣٦٥٤)، وفي [الصغير] (٤٩٠) حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ بْنِ يَحْيَى الطَّبِيبُ الْبَصْرِيُّ قَالَ: نا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخٍ قَالَ: نا سَلَّامُ بْنُ مِسْكِينٍ، عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ، عَنْ أَنَسٍ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «سُورَةٌ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هِيَ إِلَّا ثَلَاثُونَ آيَةً، خَاصَمَتْ عَنْ صَاحِبِهَا حَتَّى أَدْخَلَتْهُ الْجَنَّةَ، وَهِيَ سُورَةُ تَبَارَكَ». قلت: وإسناده صحيح كما قَالَ الحافظ ﵀. قلت: وسورة تبارك ثلاثون آية باتفاق العلماء من غير البسملة. وروى البخاري (٣)، ومسلم (١٦٠) عن عائشة أم المؤمنين أنها قَالَتْ: «أَوَّلُ مَا بُدِئَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ الوَحْيِ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ فِي النَّوْمِ، فَكَانَ لَا يَرَى رُؤْيَا إِلَّا جَاءَتْ مِثْلَ فَلَقِ الصُّبْحِ، ثُمَّ حُبِّبَ إِلَيْهِ الخَلَاءُ، وَكَانَ يَخْلُو بِغَارِ

стр. 1558

حِرَاءٍ فَيَتَحَنَّثُ فِيهِ - وَهُوَ التَّعَبُّدُ - اللَّيَالِيَ ذَوَاتِ العَدَدِ قَبْلَ أَنْ يَنْزِعَ إِلَى أَهْلِهِ، وَيَتَزَوَّدُ لِذَلِكَ، ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى خَدِيجَةَ فَيَتَزَوَّدُ لِمِثْلِهَا، حَتَّى جَاءَهُ الحَقُّ وَهُوَ فِي غَارِ حِرَاءٍ، فَجَاءَهُ المَلَكُ فَقَالَ: اقْرَأْ، قَالَ: "مَا أَنَا بِقَارِئٍ"، قَالَ: "فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الجَهْدَ ثُمَّ أَرْسَلَنِي، فَقَالَ: اقْرَأْ، قُلْتُ: مَا أَنَا بِقَارِئٍ، فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي الثَّانِيَةَ حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الجَهْدَ ثُمَّ أَرْسَلَنِي، فَقَالَ: اقْرَأْ، فَقُلْتُ: مَا أَنَا بِقَارِئٍ، فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي الثَّالِثَةَ ثُمَّ أَرْسَلَنِي، فَقَالَ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ. خَلَقَ الإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ. اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ﴾ [العلق: ٢] … » الحديث. قلت: والشاهد من الحديث أنَّ جبريل ﵇ لم يأمر نبينا بقراءة البسملة، ولو كانت من السورة لأمره بها. ٤ - واحتج به للإمام مالك ﵀ في قوله لا ذكر بين تكبيرة الإحرام وفاتحة الكتاب. قلت: والصحيح أنَّه لا ذكر يجهر به وإلَّا فقد دلت الأدلة على الاستفتاح والاستعاذة والبسملة بينهما، فعائشة ﵂ ذكرت في هذا الحديث ما كان يجهر به في أول صلاته دون ما كان يسر به. ٥ - وفيه أن السنة للراكع أن يسوي رأسه مع ظهره. وهذه التسوية مستحبة عند أكثر العلماء والركوع يحصل عندهم بالانحناء الذي يخرج به عن القيام وإن لم يأت بالصفة المذكورة في هذا الحديث.

стр. 1559

قَالَ العلامة النووي ﵀ في [المجموع] (٣/ ٤١٠): «"فرع" في مذاهب العلماء في حد الركوع: مذهبنا أنَّه يجب أن ينحني بحيث تنال راحتاه ركبته ولا يجب وضعهما علي الركبتين وتجب الطمأنينة في الركوع والسجود والاعتدال من الركوع والجلوس بين السجدتين وبهذا كله قَالَ مالك وأحمد وداود وقَالَ أبو حنيفة يكفيه في الركوع أدنى انحناء ولا تجب الطمأنينة في شيء من هذه الأركان» اهـ. قلت: وقد جاء في تسوية الظهر في الركوع ما رواه البخاري (٨٢٨) عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَطَاءٍ أَنَّهُ كَانَ جَالِسًا مَعَ نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ فَذَكَرْنَا صَلَاةَ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ أَبُو حُمَيْدٍ السَّاعِدِيُّ: «أَنَا كُنْتُ أَحْفَظَكُمْ لِصَلَاةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ رَأَيْتُهُ إِذَا كَبَّرَ جَعَلَ يَدَيْهِ حِذَاءَ مَنْكِبَيْهِ، وَإِذَا رَكَعَ أَمْكَنَ يَدَيْهِ مِنْ رُكْبَتَيْهِ ثُمَّ هَصَرَ ظَهْرَهُ … ». الحديث. قَالَ الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٦/ ٢٢): «ومعنى: "هصر ظهره": ثناه وأماله. ويقَالَ: الهصر عطف الشيء الرطب كالغصن إذا ثناه ولم يكسره، فشبه إمالة الظهر وانحناءه في الركوع بذلك ويظهر من تبويب البخاري تفسير الهصر بالاستواء والاعتدال، وكذا قَالَ الخطابي قَالَ: هصر ظهره: أي ثناه ثنياً شديداً في استواءٍ من رقبته ومتن ظهره لا يقوسه، ولا يتحادب فيه» اهـ.

стр. 1560

قلت: ومن السنن أيضاً في الركوع أن يقبض بكفيه على ركبتيه، ويجافي عن جنبيه. لما رواه أبو داود (٧٣٤)، والترمذي (٢٦٠) مِنْ طَرِيقِ فُلَيْحٍ حَدَّثَنِى عَبَّاسُ بْنُ سَهْلٍ قَالَ اجْتَمَعَ أَبُو حُمَيْدٍ وَأَبُو أُسَيْدٍ وَسَهْلُ بْنُ سَعْدٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ فَذَكَرُوا صَلَاةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ أَبُو حُمَيْدٍ: «أَنَا أَعْلَمُكُمْ بِصَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرَ بَعْضَ هَذَا قَالَ ثُمَّ رَكَعَ فَوَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى رُكْبَتَيْهِ كَأَنَّهُ قَابِضٌ عَلَيْهِمَا وَوَتَّرَ يَدَيْهِ فَتَجَافَى عَنْ جَنْبَيْهِ … ». الحديث. قلت: وهو حديث حسن من أجل فليح بن سليمان فإنَّه حسن الحديث. وقَالَ في [عون المعبود] (٢/ ٣٠٥): «"ووتر يديه" أي: عوجهما من التوتير وهو جعل الوتر على القوس "فتجافي عن جبينه" أي: نحي مرفقيه عن جنبيه حتى كأن يده كالوتر وجنبه كالقوس وفي النهاية: أي جعلهما كالوتر من قولك وترت القوس وأوترته شبه يد الراكع إذا مدها قابضاً على ركبتيه بالقوس إذا أوترت» اهـ. قلت: ومن السنن أيضاً في الركوع التفريج بين أصابع اليدين. لما رواه أبو داود (٧٣١) من حديث أبي حميد الساعدي وفيه: «فَإِذَا رَكَعَ أَمْكَنَ كَفَّيْهِ مِنْ رُكْبَتَيْهِ وَفَرَّجَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ ثُمَّ هَصَرَ ظَهْرَهُ غَيْرَ مُقْنِعٍ رَأْسَهُ وَلَا صَافِحٍ بِخَدِّهِ». قلت: وفي إسناده ابن لهيعة.

стр. 1561

وله شاهد من حديث وائل بن حجر ﵁ رواه الحاكم في [مستدركه] (٨١٧)، وابن خزيمة في [صحيحه]، والبيهقي (٢/ ١١٢)، والدارقطني (١٢٦٨)، وابن حبان (١٩٢٠) والطبراني في [معجمه الكبير] (٢٦) مِنْ طَرِيقِ هُشَيْمٍ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ كُلَيْبٍ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وَائِلٍ، عَنْ أَبِيهِ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا رَكَعَ فَرَّجَ أَصَابِعَهُ». قَالَ الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه اهـ. قلت: هذا لفظ الحاكم وابن خزيمة وزاد الآخرون في حديثهم: «وَإِذَا سَجَدَ ضَمَّ أَصَابِعَهُ». قلت: هشيم مدلس وقد عنعن. وله شاهد من حديث ابن عمر أخرجه ابن حبان (١٨٨٧) مِنْ طَرِيقِ سِنَانِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ مُصَرِّفٍ، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ وفيه أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِلأَنْصِارِي: «فَإِذَا رَكَعْتَ فَضَعْ رَاحَتَيْكَ عَلَى رُكْبَتَيْكَ ثُمَّ فَرِّجْ بَيْنَ أَصَابِعِكَ». قلت: وسنان هذا لم يوثقه معتبر، فالحديث حسن بهذه الشواهد. وأوجب العلامة ابن حزم ﵀ في [المحلى] (٢/ ٢٨٦) وضع اليدين على الركبتين فقَالَ: «مسألة: والركوع في الصلاة فرض، والطمأنينة في الركوع حتى تعتدل جميع أعضائه ويضع فيه يديه على ركبتيه -: فرض، لا صلاة لمن ترك شيئاً

стр. 1562

من ذلك عامداً. ومن ترك ذلك ناسياً ألغاه وأتم صلاته كما أمر، ثم سجد للسهو» اهـ. وأوجب العلامة الألباني ﵀ وضع اليدين على الركبتين وغير ذلك مما تقدم فقَالَ في [تمام المنة] (ص: ١٨٩): «وبهذه المناسبة أقول: يجب أن يعلم أن الاطمئنان الواجب لا يحصل إلَّا بتحقيق ما يأتي: ١ - وضع اليدين على الركبتين. ٢ - تفريج أصابع الكفين. ٣ - مد الظهر. ٤ - التمكين للركوع والمكث فيه حتى يأخذ كل عضو مأخذه. وهذا كله ثابت في روايات عديدة لحديث المسيء صلاته وهو مخرج في "صفة الصلاة" ص ١٣٣ - ١٣٤ - طبع المكتب الإسلامي» اهـ. أقول: ولم يذكر ﵀ له سلفاً وجوب ذلك. ٦ - وفيه الاستواء قائماً بعد الرفع من الركوع وهو ركن من أركان الصلاة في مذهب أكثر العلماء. قَالَ العلامة ابن قدامة ﵀ في [المغني] (١/ ٥٨٢):

стр. 1563

«فصل: وهذا الرفع والاعتدال عنه واجب وبه قَالَ الشافعي وقَالَ أبو حنيفة وبعض أصحاب مالك لا يجب لأنَّ الله تعالى لم يأمر به وإنَّما أمر بالركوع والسجود والقيام فلا يجب غيره ولأنَّه لو كان واجباً لتضمن ذكراً واجباً كالقيام الأول. ولنا: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أمر به المسيء في صلاته وداوم على فعله فيدخل في عموم قوله: "صلوا كما رأيتموني أصلي" وقولهم لم يأمر الله به قلنا: قد أمر بالقيام وهذا قيام ثم أمر النبي صلى الله عليه و سلم يجب امتثاله وقد أمر به وقولهم لا يتضمن ذكراً واجباً ممنوع ثم هو باطل بالركوع والسجود فإنَّهما ركنان ولا ذكر فيهما واجب على قولهم» اهـ. ٧ - وفيه أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كان يفصل بين السجدتين بالجلوس بينهما. قَالَ العلامة النووي ﵀ كما في [المجموع] (٣/ ٤٤٠): «"فرع" في مذاهب العلماء في الجلوس بين السجدتين والطمأنينة فيه: مذهبنا أنَّهما واجبان لا تصح الصلاة إلَّا بهما وبه قَالَ جمهور العلماء وقَالَ أبو حنيفة لا تجب الطمأنينة ولا الجلوس بل يكفي أن يرفع رأسه عن الأرض أدني رفع ولو كحد السيف، وعنه وعن مالك أنَّهما قَالَا يجب أن يرتفع بحيث يكون إلي العقود أقرب منه وليس لهما دليل يصح التمسك به ودليلنا قوله ﷺ "ثم ارفع حتى تطمئن جالساً" رواه البخاري من رواية أبي هريرة ورواه أبو داود والترمذي

стр. 1564

من حديث رفاعة بن رافع وقد سبق بيان هذا وغيره من الأدلة في مسألة وجوب الاعتدال عن الركوع» اهـ. ٨ - واحتج به لأبي حنيفة في قوله بالافتراش في جميع الجلسات. قَالَ الحافظ ابن دقيق العيد ﵀ في [إحكام الأحكام] (١٤٩): «ومالك اختار التورك وهو أن يفضي بوركه إلى الأرض وينصب رجله اليمنى. والشافعي فرق بين التشهد الأول والتشهد الأخير ففي الأول اختار الافتراش على التورك وفي الثاني اختار التورك وقد ورد أيضاً هيئة التورك فجمع الشافعي بين الحديثين فحمل الافتراش على الأول وحمل التورك على الثاني وقد ورد ذلك مفصلاً في بعض الأحاديث ورجح من جهة المعنى بأمرين ليسا بالقويين. أحدهما: أنَّ المخالفة في الهيئة قد تكون سبباً للتذكر عند الشك في كونه في التشهد الأول أو في التشهد الأخير. والثاني: والثاني أن الافتراش هيئة استيفاز فناسب أن تكون في التشهد الأول لأن المصلي مستوفز للقيام والتورك هيئة اطمئنان فناسب الأخير والاعتماد على النقل أولى» اهـ. قلت: وذهب الإمام أحمد ﵀ إلى الافتراش في التشهد الأوسط، وهكذا الافتراش في الصلاة الثنائية، وذهب إلى التورك في التشهد الأخير في الصلاة ذات التشهدين كالثلاثية والرباعية، وأمَّا الشافعي ﵀ فإنَّه يرى التورك في التشهد

стр. 1565

الأخير من الصلاة ذات التشهد الواحد أو ذات التشهدين، وأمَّا الإمام مالك فذهب إلى التورك في كل تشهد، وقابله أبو حنيفة فرأى الافتراش في كل تشهد. قلت: والصحيح ما ذهب إليه الإمام أحمد ﵀ فإنَّ السنة قد دلت على الافتراش في التشهد الأول في الصلاة ذات التشهدين والتورك في التشهد الآخر. فروى البخاري (٨٢٨) عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَطَاءٍ أَنَّهُ كَانَ جَالِسًا مَعَ نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ فَذَكَرْنَا صَلَاةَ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ أَبُو حُمَيْدٍ السَّاعِدِيُّ: «أَنَا كُنْتُ أَحْفَظَكُمْ لِصَلَاةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ رَأَيْتُهُ إِذَا كَبَّرَ جَعَلَ يَدَيْهِ حِذَاءَ مَنْكِبَيْهِ، وَإِذَا رَكَعَ أَمْكَنَ يَدَيْهِ مِنْ رُكْبَتَيْهِ ثُمَّ هَصَرَ ظَهْرَهُ فَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ اسْتَوَى حَتَّى يَعُودَ كُلُّ فَقَارٍ مَكَانَهُ فَإِذَا سَجَدَ وَضَعَ يَدَيْهِ غَيْرَ مُفْتَرِشٍ، وَلَا قَابِضِهِمَا وَاسْتَقْبَلَ بِأَطْرَافِ أَصَابِعِ رِجْلَيْهِ الْقِبْلَةَ فَإِذَا جَلَسَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ جَلَسَ عَلَى رِجْلِهِ الْيُسْرَى وَنَصَبَ الْيُمْنَى، وَإِذَا جَلَسَ فِي الرَّكْعَةِ الآخِرَةِ قَدَّمَ رِجْلَهُ الْيُسْرَى وَنَصَبَ الأُخْرَى وَقَعَدَ عَلَى مَقْعَدَتِهِ». قَالَ الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٥/ ١٦٨): «وذكر الخلال، عن إسماعيل بن إسحاق الثقفي، قَالَ: سئل أحمد بن حنبل عن حديث أبي حميد الساعدي، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ في رفع الأيدي؟ فقَالَ: صحيح» اهـ.

стр. 1566

قلت: وقد جاءت السنة بصفة أخرى للتورك فروى مسلم (١٣٠٧) عن عبد الله بن الزبير قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا قَعَدَ فِي الصَّلَاةِ جَعَلَ قَدَمَهُ الْيُسْرَى بَيْنَ فَخِذِهِ وَسَاقِهِ وَفَرَشَ قَدَمَهُ الْيُمْنَى وَوَضَعَ يَدَهُ الْيُسْرَى عَلَى رُكْبَتِهِ الْيُسْرَى وَوَضَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى فَخِذِهِ الْيُمْنَى وَأَشَارَ بِإِصْبَعِهِ». قَالَ العلامة ابن القيم ﵀ في [زاد المعاد] (١/ ٢٤٥): «الوجه الثالث: ما ذكره مسلم في صحيحه من حديث عبد الله بن الزبير: أنه ﷺ كان يجعل قدمه اليسرى بين فخذه وساقه ويفرش قدمه اليمنى وهذه هي الصفة التي اختارها أبو القاسم الخرقي في "مختصره" وهذا مخالف للصفتين الأوليين في إخراج اليسرى من جانبه الأيمن وفي نصب اليمنى ولعله كان يفعل هذا تارة وهذا تارة وهذا أظهر» اهـ. قلت: وحديث عائشة هذا يدل على أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كان يفترش بعد كل ركعتين فيدخل في ذلك التشهد الأوسط في الصلاة ذات التشهدين، والتشهد الذي يعقب الركعتين في الصلاة الثنائية. والله أعلم. لكن قَالَ الحافظ ابن عبد البر ﵀ في [التمهيد] (٢٠/ ٢٠٥) - بعد ذكره لهذا الحديث -: «اسم أبي الجوزاء أوس بن عبد الله الربعي لم يسمع من عائشة وحديثه عنها مرسل» اهـ. قلت: قَالَ الحافظ الزيلعي ﵀ في [نصب الراية] (١/ ٣٣٤):

стр. 1567

«قلنا: يكفينا أنَّه حديث أودعه مسلم صحيحه، وأبو الجوزاء اسمه أوس بن عبد اللّه الربعي ثقة كبير لا ينكر سماعه من عائشة، وقد احتج به الجماعة، وبديل بن ميسرة تابعي صغير، مجمع على عدالته وثقته، وقد حدث بهذا الحديث عنه الأئمة الكبار، وتلقاه العلماء بالقبول ولم يتكلم فيه أحد منهم» اهـ. قلت: وقد رواه البيهقي في [السنن الكبرى] (٢/ ١٥) مِنْ طَرِيقِ عبد الله بن شقيق عَنْ عَائِشَةَ ﵂: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَفْتَتِحُ الصَّلَاةَ بِالتَّكْبِيرِ وَالْقِرَاءَةِ بِـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢]». ٩ - وفيه النهي عن عقبة الشيطان. وفي لفظ لمسلم (٤٩٨): «وَكَانَ يَنْهَى عَنْ عَقِبِ الشَّيْطَانِ». قَالَ العلامة ابن الأثير ﵀ في [النهاية] (٣/ ٢٦٨): «وَفِيهِ "أَنَّهُ نَهى عَنْ عَقِب الشَّيْطَانِ فِي الصَّلَاةِ" وَفِي رِوَايَةٍ "عَنْ عُقْبَةِ الشَّيْطَانِ" هُوَ أَنْ يَضَع ألْيتيه عَلَى عَقِبَيْه بَيْنَ السَّجدَتين، وَهُوَ الَّذِي يجعَلُه بعضُ النَّاسِ الإقْعاءِ. وَقِيلَ: هُوَ أَنْ يَتْرك عَقِبَيْه غَيْرَ مَغْسُولَين فِي الْوُضُوءِ» اهـ. وقَالَ العلامة النووي ﵀ كما في [شرح مسلم] (٤/ ٢١٤): «وفسره أبو عبيدة وغيره بالإقعاء المنهي عنه وهو أن يلصق ألييه بالأرض وينصب ساقيه ويضع يديه على الأرض كما يفرش الكلب وغيره من السباع» اهـ.

стр. 1568

قلت: تفسير ذلك بأن يلصق ألييه بالأرض وينصب ساقيه ويضع يديه على الأرض كما يفرش الكلب مشكل، وذلك أنَّ "عقب، وعقبة" مأخوذ من عقب القدم وهو مؤخره، وهذه الصفة المذكورة لا علاقة لها بالعقب. والأحسن في الجمع بين الحديثين أن يقَالَ ما ذكره الحافظ البيهقي ﵀ في [الكبرى] (٢/ ١٧٣): «وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي الْجَوْزَاءِ، عَنْ عَائِشَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ كَانَ "يَنْهَى عَنْ عَقِبِ الشَّيْطَانِ وَكَانَ يَفْرِشُ رِجْلَهُ الْيُسْرَى وَيَنْصِبُ رِجْلَهُ الْيُمْنَى" فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ وَارِدًا فِي الْجُلُوسِ لِلتَّشَهُّدِ الْأَخِيرِ، فَلَا يَكُونَ مُنَافِيًا لِمَا رُوِّينَا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَابْنِ عُمَرَ، وَفِي الْجُلُوسِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ وَاللهُ أَعْلَمُ» اهـ. وأمَّا تفسير إقعاء الكلب بما سبق فيستقيم، وقد جاء في ذلك ما ومن ذلك ما رواه أحمد (٨٠٩١) عن أبي هريرة قَالَ: «أَمَرَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ بِثَلَاثٍ، وَنَهَانِي عَنْ ثَلَاثٍ: أَمَرَنِي بِرَكْعَتَيِ الضُّحَى كُلَّ يَوْمٍ، وَالْوِتْرِ قَبْلَ النَّوْمِ، وَصِيَامِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، وَنَهَانِي عَنْ نَقْرَةٍ كَنَقْرَةِ الدِّيكِ، وَإِقْعَاءٍ كَإِقْعَاءِ الْكَلْبِ، وَالْتِفَاتٍ كَالْتِفَاتِ الثَّعْلَبِ». قلت: هذا حديث حسن بشواهده. وهناك إقعاء آخر يستحب فعله في بعض الأوقات وهو أن ينصب عقبيه ويجلس عليهما، لما رواه مسلم (٥٣٦) عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَمِعَ طَاوُسًا يَقُولُ:

стр. 1569

«قُلْنَا لِابْنِ عَبَّاسٍ فِي الْإِقْعَاءِ عَلَى الْقَدَمَيْنِ فَقَالَ هِيَ السُّنَّةُ فَقُلْنَا لَهُ إِنَّا لَنَرَاهُ جَفَاءً بِالرَّجُلِ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ بَلْ هِيَ سُنَّةُ نَبِيِّكَ ﷺ ». قَالَ الحافظ البيهقي ﵀ في [السنن الكبرى] (٢/ ١٢٠): «فهذا الإقعاء المرخص فيه أو المسنون على ما روينا عن ابن عباس وابن عمرو هو أن يضع أطراف أصابع رجليه على الأرض ويضع أليتيه على عقبيه ويضع ركبتيه بالأرض» اهـ. قلت: وقد فسره بعض العلماء بفرش القدمين والجلوس على القدمين. قَالَ العلامة ابن قدامة ﵀ في [المغني] (١/ ٥٩٨ - ٥٩٩): «فصل: ويكره الإقعاء وهو أن يفرش قدميه ويجلس على عقبيه بهذا وصفه أحمد. قَالَ أبو عبيد: هذا قول أهل الحديث، والإقعاء عند العرب جلوس الرجل على أليتيه ناصباً فخذيه مثل إقعاء الكلب والسبع ولا أعلم أحداً قَالَ باستحباب الإقعاء على هذه الصفة فأمَّا الأول فكرهه علي وأبو هريرة وقتادة ومالك والشافعي وأصحاب الرأي وعليه العمل عند أكثر أهل العلم وفعله ابن عمر وقَالَ: لا تقتدوا بي فإنِّي قد كبرت. وقد نقل مهنا عن أحمد أنَّه قَالَ: لا أفعله ولا أعيب من فعله وقَالَ: العبادلة كانوا يفعلونه. وقَالَ طاووس: رأيت العبادلة يفعلونه ابن عمر وابن عباس وابن الزبير. وعن ابن عباس أنَّه قَالَ: من السنة أن تمس إليتيك قدميك وقَالَ طاووس قلنا لابن عباس في الإقعاء على القدمين في

стр. 1570

السجود فقَالَ: هي السنة قَالَ: قلنا إنا لنراه جفاء بالرجل فقَالَ هي سنة نبيك رواه مسلم و أبو داود. ولنا: ما روى الحارث عن علي قَالَ: قَالَ رسول الله ﷺ : "لا تقع بين السجدتين". وعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ لي رسول الله صلى الله عليه و سلم: "إذا رفعت رأسك من السجود فلا تقع كما يقعي الكلب" رواهما ابن ماجه وفي صفة جلوس رسول الله ﷺ في حديث أبي حميد: "ثم ثنى رجله اليسرى وقعد عليها"، وفي حديث عائشة: "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كان يفترش رجله اليسرى وينصب اليمنى وينهى عن عقبة الشيطان". وهذه الأحاديث أكثر وأصح فتكون أولى: وأما ابن عمر فإنه كان يفعل ذلك لكبره ويقول: لا تقتدوا بي» اهـ. قلت: الصحيح أنَّ هذا الإقعاء يستحب ولا يكره لحديث ابن عباس السابق فإنَّه وإن كان موقوفاً فله حكم الرفع. وأمَّا حديث علي فرواه أحمد (١٢٤٣)، والترمذي (٢٨٢)، وابن ماجه (٨٩٤) مِنْ طَرِيقِ إِسْرَائِيلَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الْحَارِثِ، عَنْ عَلِيٍّ، قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ ﷺ : «يَا عَلِيُّ، أُحِبُّ لَكَ مَا أُحِبُّ لِنَفْسِي، وَأَكْرَهُ لَكَ مَا أَكْرَهُ لِنَفْسِي، لَا تُقْعِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ».

стр. 1571

فيه الحارث الأعور لا يعتمد عليه وقد كذبه غير واحد من العلماء. وهو محمول على فرض صحته على الإقعاء كإقعاء الكلب جمعاً بين الحديثين. وأمَّا حديث أنس فرواه ابن ماجه (٨٩٦) حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الصَّبَّاحِ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَخْبَرَنَا الْعَلَاءُ أَبُو مُحَمَّدٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: قَالَ لِي النَّبِيُّ ﷺ : «إِذَا رَفَعْتَ رَأْسَكَ مِنَ السُّجُودِ، فَلَا تُقْعِ كَمَا يُقْعِي الْكَلْبُ، ضَعْ أَلْيَتَيْكَ بَيْنَ قَدَمَيْكَ، وَأَلْزِقْ ظَاهِرَ قَدَمَيْكَ بِالأَرْضِ». قلت: العلاء هذا هو ابن زيد قَالَ فيه علي بن المديني: «كان يضع الحديث». وقَالَ الحاكم: «يروى عَنْ أَنَسٍ أحاديث موضوعة» اهـ. قلت: وهو على فرض صحته فإنَّما فيه النهي عن إقعاء كإقعاء الكلب. قَالَ العلامة النووي ﵀ في [المجموع] (٣/ ٤٣٩): «فالصواب الذي لا يجوز غيره أنَّ الإقعاء نوعان كما ذكره البيهقي وأبو عمرو. أحدهما مكروه. والثاني جائز أو سنة وأمَّا الجمع بين حديثي ابن عباس وابن عمر وأحاديث أبي حميد ووائل وغيرهما في صفة صلاة رسول الله ﷺ ووصفهم الافتراش علي قدمه اليسرى فهو أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانت له في الصلاة أحوال حال يفعل فيها هذا وحال يفعل فيها ذاك كما كانت له أحوال في تطويل القراءة وتخفيفها وغير ذلك من أنواعها وكما توضأ مرة مرة ومرتين مرتين وثلاثاً ثلاثاً وكما طاف راكباً وطاف ماشياً وكما أوتر أول الليل وآخره وأوسطه

стр. 1572

وانتهى وتره إلى الحسر وغير ذلك كما هو معلوم من أحواله صلي الله تعالي عليه وسلم وكان يفعل العبادة علي نوعين أو أنواع ليبين الرخصة والجواز بمرة أو مرات قليلة ويواظب على الأفضل بينهما على أنَّه المختار والأولي. فالحاصل أنَّ الإقعاء الذي رواه ابن عباس وابن عمر فعله النبي ﷺ علي التفسير المختار الذي ذكره البيهقي وفعل ﷺ ما رواه أبو حميد وموافقوه من جهة الافتراش وكلاهما سنة لكن إحدى السنتين أكثر وأشهر وهي رواية أبي حميد لأنَّه رواها وصدقه عشرة من الصحابة كما سبق ورواها وائل بن حجر وغيره وهذا يدل على مواظبته صلى الله تعالي عليه وسلم عليها وشهرتها عندهم فهي أفضل وأرجح مع أنَّ الإقعاء سنة أيضاً فهذا ما يسر الله الكريم من تحقيق أمر الإقعاء» اهـ. ١٠ - وفيه النهي أن يفترش الرجل ذراعيه افتراش السبع. ١١ - وفيه النهي عن التشبه بالحيوان. قلت: وذلك يكون ببسط الذراعين في الأرض. قَالَ شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كما في [مجموع الفتاوى] (٣٢/ ٢٥٦ - ٢٦٠): «فصل: "التشبه بالبهائم" في الأمور المذمومة في الشرع مذموم منهي عنه: في أصواتها وأفعالها؛ ونحو ذلك مثل: أن ينبح نبيح الكلاب؛ أو ينهق نهيق الحمير ونحو ذلك. وذلك لوجوه:

стр. 1573

أحدها: أنا قررنا في "اقتضاء الصراط المستقيم" نهي الشارع عن التشبه بالآدميين الذين جنسهم ناقص كالتشبه؛ بالأعراب وبالأعاجم وبأهل الكتاب ونحو ذلك: في أمور من خصائصهم وبينا أنَّ من أسباب ذلك أنَّ المشابهة تورث مشابهة الأخلاق؛ وذكرنا أن من أكثر عشرة بعض الدواب اكتسب من أخلاقها: كالكلابين والجمالين. وذكرنا ما في النصوص من ذم أهل الجفاء وقسوة القلوب: أهل الإبل ومن مدح أهل الغنم؛ فكيف يكون التشبه بنفس البهائم فيما هي مذمومة بل هذه القاعدة تقتضي بطريق التنبيه النهي عن التشبه بالبهائم مطلقاً فيما هو من خصائصها وإن لم يكن مذموماً بعينه؛ لأنَّ ذلك يدعو إلى فعل ما هو مذموم بعينه؛ إذ من المعلوم أن كون الشخص أعرابياً أو عجمياً خير من كونه كلباً أو حماراً أو خنزيراً فإذا وقع النهي عن التشبه بهذا الصنف من الآدميين في خصائصه؛ لكون ذلك تشبهاً فيما يستلزم النقص ويدعو إليه: فالتشبه بالبهائم فيما هو من خصائصها أولى أن يكون مذموماً ومنهياً عنه. الوجه الثاني: أن كون الإنسان مثل البهائم مذموم؛ قَالَ تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آَذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾. الوجه الثالث: أنَّ الله سبحانه إنَّما شبه الإنسان بالكلب والحمار ونحوهما في معرض الذم له كقوله:

стр. 1574

﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (١٧٦) سَاءَ مَثَلًا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا وَأَنْفُسَهُمْ كَانُوا يَظْلِمُونَ﴾. وقَالَ تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ الآية. وإذا كان التشبه بها إنَّما كان على وجه الذم من غير أن يقصد المذموم التشبه بها: فالقاصد أن يتشبه بها أولى أن يكون مذموماً؛ لكن إن كان تشبه بها في عين ما ذمه الشارع: صار مذموماً من وجهين. وإن كان فيما لم يذمه بعينه: صار مذموماً من جهة التشبه المستلزم للوقوع في المذموم بعينه. يؤيد هذا: الوجه الرابع: وهو قوله ﷺ في الصحيح: "العائد في هبته كالعائد في قيئه؛ ليس لنا مثل السوء". ولهذا يذكر: أنَّ الشافعي وأحمد تناظرا في هذه المسألة فقَالَ له الشافعي: الكلب ليس بمكلف. فقَالَ له أحمد: ليس لنا مثل السوء. وهذه الحجة في نفس الحديث؛ فأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لم يذكر هذا المثل إلَّا ليبين أنَّ الإنسان إذا شابه الكلب كان مذموماً وإن لم يكن الكلب مذموماً في ذلك من جهة التكليف؛ ولهذا ليس لنا مثل السوء. والله سبحانه قد بين بقوله: ﴿سَاءَ مَثَلًا الْقَوْمُ﴾ أنَّ التمثيل بالكلب مثل سوء والمؤمن منزه عن مثل السوء. فإذا كان له مثل سوء من الكلب كان مذموماً بقدر ذلك المثل السوء.

стр. 1575

الوجه الخامس: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "إن الملائكة لا تدخل بيتاً فيه كلب" وقَالَ: "إذا سمعتم صياح الديكة فاسألوا الله من فضله وإذا سمعتم نهيق الحمير فتعوذوا بالله من الشيطان فإنَّها رأت شيطاناً" فدل ذلك على أنَّ أصواتها مقارنة للشياطين وأنَّها منفرة للملائكة. ومعلوم أنَّ المشابه للشيء لا بد أن يتناوله من أحكامه بقدر المشابهة فإذا نبح نباحها كان في ذلك من مقارنة الشياطين وتنفير الملائكة بحسبه. وما يستدعي الشياطين وينفر الملائكة: لا يباح إلَّا لضرورة؛ ولهذا لم يبح اقتناء الكلب إلَّا لضرورة؛ لجلب منفعة: كالصيد. أو دفع مضرة عن الماشية والحرث حتى قَالَ ﷺ : "من اقتنى كلباً إلا كلب ماشية أو حرث أو صيد نقص من عمله كل يوم قيراط". وبالجملة: فالتشبه بالشيء يقتضي من الحمد والذم بحسب الشبه؛ لكن كون المشبه به غير مكلف لا ينفي التكليف عن المتشبه كما لو تشبه بالأطفال والمجانين. والله سبحانه أعلم. الوجه السادس: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لعن المتشبهين من الرجال بالنساء والمتشبهات من النساء بالرجال. وذلك لأن الله خلق كل نوع من الحيوان وجعل صلاحه وكماله في أمر مشترك بينه وبين غيره وبين أمر مختص به. فأما الأمور المشتركة فليست من خصائص أحد النوعين؛ ولهذا لم يكن من مواقع النهي؛ وإنما مواقع النهي الأمور المختصة. فإذا كانت الأمور التي هي من خصائص النساء

стр. 1576

ليس للرجال التشبه بهن فيها والأمور التي من خصائص الرجال ليس للنساء التشبه بهم فيها: فالأمور التي هي من خصائص البهائم لا يجوز للآدمي التشبه بالبهائم فيها بطريق الأولى والأحرى. وذلك لأن الإنسان بينه وبين الحيوان قدر جامع مشترك وقدر فارق مختص ثم الأمر المشترك: كالأكل والشرب والنكاح والأصوات والحركات؛ لما اقترنت بالوصف المختص كان للإنسان فيها أحكام تخصه؛ ليس له أن يتشبه بما يفعله الحيوان فيها. فالأمور المختصة به أولى؛ مع أنه في الحقيقة لا مشترك بينه وبينها؛ ولكن فيه أوصاف تشبه أوصافها من بعض الوجوه. والقدر المشترك إنما وجوده في الذهن؛ لا في الخارج. وإذا كان كذلك فالله تعالى قد جعل الإنسان مخالفاً بالحقيقة للحيوان وجعل كماله وصلاحه في الأمور التي تناسبه وهي جميعها لا يماثل فها الحيوان؛ فإذا تعمد مماثلة الحيوان وتغيير خلق الله: فقد دخل في فساد الفطرة والشرعة وذلك محرم. والله أعلم» اهـ. وقَالَ العلامة ابن القيم ﵀ في [الفروسية] ص (١٢٢): «جاءت الشريعة بالمنع من التشبه بالكفار والحيوانات والشياطين والنساء والأعراب وكل ناقص حتى نهى في الصلاة عن التشبه بشبه أنواع من الحيوان يفعلها أو كثيراً منها الجهال نهى عن نقر كنقر الغراب، والتفات كالتفات الثعلب، وإقعاء كإقعاء الكلب، وافتراش كافتراش السبع، وبروك كبروك الجمل ورفع الأيدي يميناً وشمالاً عند السلام كأذناب الخيل» اهـ.

стр. 1577

قلت: وقد جاءت السنة في هذا الموطن برفع المرفقين ومجافاة العضدين واستقبال القبلة بأصابع اليدين مع ضمهما وجعلهما إمَّا في محاذاة الكتفين أو الأذنين. ١٢ - وفيه أنَّ الصلاة تختم بالتسليم خلافاً لأبي حنيفة فقد ذهب إلى أنَّ الصلاة يخرج منها بأي مبطل من مبطلاتها. قَالَ العلامة النووي ﵀ في [شرح مسلم] (٤/ ٢١٥ - ٢١٦): «واختلف العلماء فيه فقَالَ مالك والشافعي وأحمد رحمهم الله تعالى وجمهور العلماء من السلف والخلف السلام فرض ولا تصح الصلاة إلَّا به. قَالَ أبو حنيفة والثوري والأوزاعي ﵃ هو سنة لو تركه صحت صلاته» اهـ. إلى أن قَالَ ﵀: «والجمهور أنَّ المشروع تسليمتان ومذهب مالك رحمه الله تعالى في طائفة المشروع تسليمة، وهو قول ضعيف عن الشافعي رحمه الله تعالى ومن قَالَ بالتسليمة الثانية فهي عنده سنة وشذ بعض الظاهرية والمالكية فأوجبها وهو ضعيف مخالف لإجماع من قبله والله أعلم» اهـ. قَالَ الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٦/ ٩١ - ٩٤): «وقد روي عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، أنَّه كان يسلم تسليمة واحدة من وجوه لا يصح منها شيء -: قَالَه ابن المديني والأثرم والعقيلي وغيرهم.

стр. 1578

وقَالَ الإمام أحمد: لا نعرف عَنِ النَّبِيِّ ﷺ في التسليمة الواحدة إلَّا حديثاً مرسلاً لابن شهاب الزهري، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . انتهى. ومراسيل ابن شهاب من أوهى المراسيل وأضعفها. ومن أشهرها: حديث زهير بن محمد، عن هشام بن عروة، عن أبيه عن عائشة، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كان يسلم في الصلاة تسليمة واحدة تلقاء وجهه، ثم يميل إلى الشق الأيمن شيئاً. خرجه الترمذي من رواية عمرو بن أبي سلمة التنيسي، عن زهير، به. وقَالَ: لا نعرفه مرفوعاً إلَّا من هذا الوجه. قَالَ محمد بن إسماعيل: زهير بن محمد أهل الشام يروون عنه مناكير، ورواية أهل العراق عنه أشبه. وخرجه ابن ماجه مِنْ طَرِيقِ عبد الملك بن محمد الصنعاني، عن زهير، به، مختصراً. وخرجه الحاكم، وقَالَ: صحيح على شرطهما. وأخطأ فيما قَالَ؛ فإنَّ روايات الشاميين عن زهير مناكير عند أحمد ويحيى بن معين والبخاري وغيرهم. قَالَ أحمد -في رواية الأثرم-: أحاديث التنيسي عن زهير بواطيل. قَالَ: وأظنه قَالَ: موضوعة. قَالَ: فذكرت له هذا الحديث في التسليمة الواحدة. فقَالَ: مثل هذا. وذكر ابن عبد البر: أن يحيى بن معين سئل عن هذا الحديث، فضعفه.

стр. 1579

وقَالَ أبو حاتم الرازي: هو منكر، إنَّما هو عن عائشة -موقوف. وكذا رواه وهيب بن خالد، عن هشام. وكذا رواه الوليد بن مسلم عن زهير بن محمد، عن هشام، عن أبيه -موقوفاً. قَالَ الوليد: فقلت لزهير: فهل بلغك عن رسول الله ﷺ فيه شيء؟ قَالَ: نعم، أخبرني يحيى بن سعيد الأنصاري، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سلم تسليمة واحدة. قَالَ العقيلي: حديث الوليد أولى. يعني: من حديث عمرو بن أبي سلمة. قَالَ: وعمرو في حديثه وهم. قَالَ الدارقطني: الصحيح وقفه، ومن رفعه فقد وهم. وخرج النسائي من حديث سعد بن هشام، عن عائشة في صفة صلاة النبي ﷺ بالليل، أنَّه كان يسلم تسليمة يسمعنا. وخرجه الإمام أحمد، ولفظه: يسلم تسليمة واحدة: "السلام عليكم" يرفع بها صوته، حتى يوقظنا. وقد حمله الإمام أحمد على أنَّه كان يجهر بالواحدة، ويسر الثانية. وروي عبد الوهاب الثقفي، عن حميد، عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كان يسلم تسليمة واحدة. خرجه الطبراني والبيهقي.

стр. 1580

ورفعه خطأ، إنَّما هو موقوف، كذا رواه أصحاب حميد، عنه، عَنْ أَنَسٍ، من فعله. وروى جرير بن حازم، عن أيوب، عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وأبا بكر وعمر كانوا يسلمون تسليمة واحدة. خرجه البزار في "مسنده". وأيوب، رأى أنساً، ولم يسمع منه-: قَالَه أبو حاتم. وقَالَ الأثرم: هذا حديث مرسل، وهو منكر، وسمعت أبا عبد الله يقول: جرير بن حازم يروي عن أيوب عجائب. وروى روح بن عطاء بن أبي ميمونة: ثنا أبي، عن الحسن، عن سمرة: كأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ- ﷺ يسلم في الصلاة تسليمة واحدة قبالة وجهه، فإذا سلم عن يمينه سلم عن يساره. خرجه الدارقطني والعقيلي والبيهقي وغيرهم، وخرجه بقي بن مخلد مختصراً. وروح هذا، ضعفه ابن معين وغيره، وقَالَ الأثرم: لا يحتج به. وفي الباب أحاديث أخر لا تقوم بها حجة، لضعف أسانيدها. وقد اختلف الصحابة ومن بعدهم في ذلك: فمنهم من كان يسلم ثنتين، ومنهم من كان يسلم واحدة. قَالَ عمار بن أبي عمار: كان مسجد الأنصار يسلمون تسليمتين، ومسجد المهاجرين يسلمون تسليمة واحدة. وأكثر أهل العلم على التسليمتين.
следующие страницы →