Полный текст (8 095 стр.). Показаны 1576–1615 · переход к 1581.
стр. 1576
ليس للرجال التشبه بهن فيها والأمور التي من خصائص الرجال ليس للنساء التشبه بهم فيها: فالأمور التي هي من خصائص البهائم لا يجوز للآدمي التشبه بالبهائم فيها بطريق الأولى والأحرى. وذلك لأن الإنسان بينه وبين الحيوان قدر جامع مشترك وقدر فارق مختص ثم الأمر المشترك: كالأكل والشرب والنكاح والأصوات والحركات؛ لما اقترنت بالوصف المختص كان للإنسان فيها أحكام تخصه؛ ليس له أن يتشبه بما يفعله الحيوان فيها. فالأمور المختصة به أولى؛ مع أنه في الحقيقة لا مشترك بينه وبينها؛ ولكن فيه أوصاف تشبه أوصافها من بعض الوجوه. والقدر المشترك إنما وجوده في الذهن؛ لا في الخارج. وإذا كان كذلك فالله تعالى قد جعل الإنسان مخالفاً بالحقيقة للحيوان وجعل كماله وصلاحه في الأمور التي تناسبه وهي جميعها لا يماثل فها الحيوان؛ فإذا تعمد مماثلة الحيوان وتغيير خلق الله: فقد دخل في فساد الفطرة والشرعة وذلك محرم. والله أعلم» اهـ.
وقَالَ العلامة ابن القيم ﵀ في [الفروسية] ص (١٢٢):
«جاءت الشريعة بالمنع من التشبه بالكفار والحيوانات والشياطين والنساء والأعراب وكل ناقص حتى نهى في الصلاة عن التشبه بشبه أنواع من الحيوان يفعلها أو كثيراً منها الجهال نهى عن نقر كنقر الغراب، والتفات كالتفات الثعلب، وإقعاء كإقعاء الكلب، وافتراش كافتراش السبع، وبروك كبروك الجمل ورفع الأيدي يميناً وشمالاً عند السلام كأذناب الخيل» اهـ.
стр. 1577
قلت: وقد جاءت السنة في هذا الموطن برفع المرفقين ومجافاة العضدين واستقبال القبلة بأصابع اليدين مع ضمهما وجعلهما إمَّا في محاذاة الكتفين أو الأذنين.
١٢ - وفيه أنَّ الصلاة تختم بالتسليم خلافاً لأبي حنيفة فقد ذهب إلى أنَّ الصلاة يخرج منها بأي مبطل من مبطلاتها.
قَالَ العلامة النووي ﵀ في [شرح مسلم] (٤/ ٢١٥ - ٢١٦):
«واختلف العلماء فيه فقَالَ مالك والشافعي وأحمد رحمهم الله تعالى وجمهور العلماء من السلف والخلف السلام فرض ولا تصح الصلاة إلَّا به. قَالَ أبو حنيفة والثوري والأوزاعي ﵃ هو سنة لو تركه صحت صلاته» اهـ.
إلى أن قَالَ ﵀: «والجمهور أنَّ المشروع تسليمتان ومذهب مالك رحمه الله تعالى في طائفة المشروع تسليمة، وهو قول ضعيف عن الشافعي رحمه الله تعالى ومن قَالَ بالتسليمة الثانية فهي عنده سنة وشذ بعض الظاهرية والمالكية فأوجبها وهو ضعيف مخالف لإجماع من قبله والله أعلم» اهـ.
قَالَ الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٦/ ٩١ - ٩٤):
«وقد روي عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، أنَّه كان يسلم تسليمة واحدة من وجوه لا يصح منها شيء -: قَالَه ابن المديني والأثرم والعقيلي وغيرهم.
стр. 1578
وقَالَ الإمام أحمد: لا نعرف عَنِ النَّبِيِّ ﷺ في التسليمة الواحدة إلَّا حديثاً مرسلاً لابن شهاب الزهري، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . انتهى.
ومراسيل ابن شهاب من أوهى المراسيل وأضعفها.
ومن أشهرها: حديث زهير بن محمد، عن هشام بن عروة، عن أبيه عن عائشة، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كان يسلم في الصلاة تسليمة واحدة تلقاء وجهه، ثم يميل إلى الشق الأيمن شيئاً.
خرجه الترمذي من رواية عمرو بن أبي سلمة التنيسي، عن زهير، به.
وقَالَ: لا نعرفه مرفوعاً إلَّا من هذا الوجه. قَالَ محمد بن إسماعيل: زهير بن محمد أهل الشام يروون عنه مناكير، ورواية أهل العراق عنه أشبه.
وخرجه ابن ماجه مِنْ طَرِيقِ عبد الملك بن محمد الصنعاني، عن زهير، به، مختصراً.
وخرجه الحاكم، وقَالَ: صحيح على شرطهما.
وأخطأ فيما قَالَ؛ فإنَّ روايات الشاميين عن زهير مناكير عند أحمد ويحيى بن معين والبخاري وغيرهم.
قَالَ أحمد -في رواية الأثرم-: أحاديث التنيسي عن زهير بواطيل. قَالَ: وأظنه قَالَ: موضوعة. قَالَ: فذكرت له هذا الحديث في التسليمة الواحدة. فقَالَ: مثل هذا.
وذكر ابن عبد البر: أن يحيى بن معين سئل عن هذا الحديث، فضعفه.
стр. 1579
وقَالَ أبو حاتم الرازي: هو منكر، إنَّما هو عن عائشة -موقوف.
وكذا رواه وهيب بن خالد، عن هشام.
وكذا رواه الوليد بن مسلم عن زهير بن محمد، عن هشام، عن أبيه -موقوفاً.
قَالَ الوليد: فقلت لزهير: فهل بلغك عن رسول الله ﷺ فيه شيء؟ قَالَ: نعم، أخبرني يحيى بن سعيد الأنصاري، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سلم تسليمة واحدة.
قَالَ العقيلي: حديث الوليد أولى. يعني: من حديث عمرو بن أبي سلمة.
قَالَ: وعمرو في حديثه وهم.
قَالَ الدارقطني: الصحيح وقفه، ومن رفعه فقد وهم.
وخرج النسائي من حديث سعد بن هشام، عن عائشة في صفة صلاة النبي ﷺ بالليل، أنَّه كان يسلم تسليمة يسمعنا.
وخرجه الإمام أحمد، ولفظه: يسلم تسليمة واحدة: "السلام عليكم" يرفع بها صوته، حتى يوقظنا.
وقد حمله الإمام أحمد على أنَّه كان يجهر بالواحدة، ويسر الثانية.
وروي عبد الوهاب الثقفي، عن حميد، عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كان يسلم تسليمة واحدة.
خرجه الطبراني والبيهقي.
стр. 1580
ورفعه خطأ، إنَّما هو موقوف، كذا رواه أصحاب حميد، عنه، عَنْ أَنَسٍ، من فعله.
وروى جرير بن حازم، عن أيوب، عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وأبا بكر وعمر كانوا يسلمون تسليمة واحدة. خرجه البزار في "مسنده".
وأيوب، رأى أنساً، ولم يسمع منه-: قَالَه أبو حاتم.
وقَالَ الأثرم: هذا حديث مرسل، وهو منكر، وسمعت أبا عبد الله يقول: جرير بن حازم يروي عن أيوب عجائب.
وروى روح بن عطاء بن أبي ميمونة: ثنا أبي، عن الحسن، عن سمرة: كأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ- ﷺ يسلم في الصلاة تسليمة واحدة قبالة وجهه، فإذا سلم عن يمينه سلم عن يساره.
خرجه الدارقطني والعقيلي والبيهقي وغيرهم، وخرجه بقي بن مخلد مختصراً.
وروح هذا، ضعفه ابن معين وغيره، وقَالَ الأثرم: لا يحتج به.
وفي الباب أحاديث أخر لا تقوم بها حجة، لضعف أسانيدها.
وقد اختلف الصحابة ومن بعدهم في ذلك: فمنهم من كان يسلم ثنتين، ومنهم من كان يسلم واحدة.
قَالَ عمار بن أبي عمار: كان مسجد الأنصار يسلمون تسليمتين، ومسجد المهاجرين يسلمون تسليمة واحدة.
وأكثر أهل العلم على التسليمتين.
стр. 1581
وممن روي عنه ذلك من الصحابة: أبو بكر وعمر وعلي وابن مسعود وعمار وسهل بن سعد ونافع بن عبد الحارث.
وروي عن عطاء والشعبي وعلقمة ومسروق وعبد الرحمن بن أبي ليلى وعمرو بن ميمون وأبي وائل وأبي عبد الرحمن السلمي.
وهو قول النخعي والثوري وأبي حنيفة والشافعي وأحمد وإسحاق وأبي عبيد وأبي ثور، وحكي عن الأوزاعي.
وروي التسليمة الواحدة عن ابن عمر وأنس وعائشة وسلمة بن الأكوع، وروى عن عثمان وعلي -أيضاً-، وعن الحسن وابن سيرين وعطاء -أيضاً - وعمر بن عبد العزيز والزهري، وهو قول مالك والأوزاعي والليث. وهو قول قديم للشافعي.
وحكاه أحمد عن أهل المدينة، وقَالَ: ما كانوا يسلمون إلَّا واحدة. قَالَ: وإنَّما حدثت التسليمتان في زمن بني هاشم. يعني: في ولاية بني العباس.
وقَالَ الليث: أدركت الناس يسلمون تسليمة واحدة.
وقد اختلف على كثير من السلف في ذلك، فروى عنهم التسليمتان، وروي عنهم التسليمة الواحدة، وهو دليل على أنَّ ذلك كان عندهم سائغاً، وإن كان بعضه أفضل من بعض، وكان الأغلب على أهل المدينة التسليمة الواحدة، وعلى أهل العراق التسليمتان.
стр. 1582
وحكي للشافعي قول ثالث قديم -أيضاً-، وقيل: إنَّ الربيع نقله عنه، فيكون حينئذ جديداً -: أنَّه إن كان المصلي منفرداً أو في جماعة قليلة ولا لغط عندهم فتسليمة واحدة، وإلَّا فتسليمتان.
والقائلون بالتسليمتين أكثرهم على أنَّه لو اقتصر على تسليمة واحدة أجزأه، وصحت صلاته، وذكره ابن المنذر إجماعاً ممن يحفظ عنه من أهل العلم.
وذهب طائفة منهم إلى أنَّه لا يخرج من الصلاة إلَّا بالتسليمتين معاً، وهو قول الحسن بن حي وأحمد -في رواية عنه - وبعض المالكية وبعض أهل الظاهر.
واستدلوا بقوله ﵇: "تحليلها التسليم"، وقَالَوا: التسليم إلى ما عهد منه فعله، وهو التسليمتان، وبقوله: "صلوا كما رأيتموني أصلي"، وقد كان يسلم تسليمتين.
ومن ذهب إلى قول الجمهور، قَالَ: التسليم مصدر، والمصدر يصدق على القليل والكثير، ولا يقتضي عدداً، فيدخل فيه التسليمة الواحدة.
واستدلوا بأنَّ الصحابة قد كان منهم من يسلم تسليمتين، ومنهم من يسلم تسليمة واحدة، ولم ينكر هؤلاء على هؤلاء، بل قد روي عن جماعة منهم التسليمتان والتسليمة الواحدة، فدل على أنَّهم كانوا يفعلون أحياناً هذا وأحياناً هذا، وهذا إجماع منهم على أنَّ الواحدة تكفي.
стр. 1583
قَالَ أكثر أصحابنا: ومحل الخلاف عن أحمد في الصلاة المكتوبة، فأمَّا التطوع فيجزئ فيه تسليمة، واستدلوا بحديث عائشة في صلاة النبي ﷺ بالليل، وقد سبق ذكره.
وخرج الإمام أحمد من حديث إبراهيم الصائغ، عن نافع، عن ابن عمر، قَالَ: كأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ- ﷺ يفصل بين الشفع والوتر بتسليمة يسمعناها.
وقد تأول حديث عائشة في هذا المعنى على أنَّه كان يسمعهم واحدة ويخفي الثانية، وقد نص أحمد على ذلك، وأنَّ الأولى تكون أرفع من الثانية في الجهر.
وقد روى أبو رزين، قَالَ: سمعت علياً يسلم في الصلاة عن يمينه وعن شماله، والتي عن شماله أخفض.
ومن أصحابنا من قَالَ: يجهر بالثانية ويخفض بالأولى، وهو قول النخعي» اهـ.
قلت: والصحيح أنَّ السلام من الصلاة ينتهي إلى الرحمة.
وجاءت زيادة و"بركاته" في التسليمة الثانية وهي من الزيادات الواردة في بعض نسخ أبي داود وقد ذكرها غير واحد من العلماء المتقدمين وعزوها إلى أبي داود كالعلامة النووي ﵀ فقد قَالَ في [المجموع] (٣/ ٤٧٩) - بعد ذكره للحديث مع زيادة التكبير في التسليمة الثانية -: «هذا الحديث اسناده في سنن أبي داود إسناد صحيح» اهـ.
стр. 1584
وقَالَ ﵀ في [خلاصة الأحكام] (١٤٥٩): «وَعَنْ وَائِل بن حجر ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ : "كَانَ يسلم عَنْ يَمِينه: السَّلَام عَلَيْكُم وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته، وَعَنْ شِمَاله السَّلَام عَلَيْكُم وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته" رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِإِسْنَاد صَحِيح، وَأَشَارَ بَعضهم إِلَى تَضْعِيفه» اهـ.
والحافظ ابن حجر ﵀ فقد قَالَ في [بلوغ المرام] (٣٢٠): «وعن وائل بن حجر قَالَ "صليت مع النبي ﷺ فكان يسلم عن يمينه السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وعن شماله السلام عليكم ورحمة الله وبركاته" رواه أبو داود بإسناد صحيح» اهـ.
ومنهم العلامة مغلطاي الحنفي ﵀ فقد قَالَ في [شرح ابن ماجه] (ص: ١٥٥٣):
«وحديث وائل بن حجر قَالَ: "صليت مع النبي ﷺ فكان يسلِّم عن يمينه: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وعلى شماله: السلام عليكم ورحمه الله وبركاته". رواه أبو داود بسند صحيح "» اهـ.
ومنهم الحافظ ابن الصلاح قَالَ العلامة ابن الملقن ﵀ في [البدر المنير] (٤/ ٦٣):
«فائدة: وقع في كتاب "المدخل إلى المختصر" لزاهر السرخسي، و"نهاية إمام الحرمين" و"حلية الروياني" زيادة: "وبركاته" في السلام، قَالَ الشيخ تقي الدين بن الصلاح: هذا الذي ذكره هؤلاء لا يوثق به، وهو شاذ في نقل المذهب، و"أمَّا"
стр. 1585
من حيث الحديث فلم أجده في شيء من الأحاديث، إلَّا في حديث رواه أبو داود من رواية وائل بن حجر "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كان يسلم عن يمينه: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وعن شماله: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته"» اهـ.
ومنهم العلامة ابن عبد الهادي ﵀ فقد قَالَ في [المحرر] (ص: ٢٠٧):
«وَعَنْ وَائِل بن حجر قَالَ: "صليت مَعَ النَّبِي ﷺ فَكَانَ يسلم عَنْ يَمِينه السَّلَام عَلَيْكُم وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته، وَعَنْ شِمَاله السَّلَام عَلَيْكُم وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته" رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِإِسْنَاد صَحِيح» اهـ.
ومنهم العلامة ابن قدامة ﵀ فقد قَالَ في [المغني] (٢/ ٤٦٢):
«وقد روى وائل بن حجر، قَالَ: "صليت مع رسول الله ﷺ فكان يسلم عن يمينه: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وعن شماله: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته". رواه أبو داود» اهـ.
стр. 1586
وقَالَ العلامة ابن دقيق العيد ﵀ في [الإلمام بأحاديث الأحكام] (١/ ١٧٩):
«وَعَنْ وَائِل بن حُجْر ﵁، قَالَ "صليت مَعَ النَّبِي ﷺ فَكَانَ يسلم عَنْ يَمِينه: السَّلَام عَلَيْكُم وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته، حَتَّى يُرى بَيَاض خَدّه الْأَيْمن، وَعَنْ يسَاره: السَّلَام عَلَيْكُم وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته، حَتَّى يُرى بَيَاض خَدّه الْأَيْسَر ". أخرجه أَبُو دَاوُد» اهـ.
فجميع هؤلاء أثبتوا زيادة "وبركاته" في التسليمة الثانية في رواية أبي داود، وقد ثبتت هذه الزيادة في بعض نسخ أبي داود المطبوعة أيضاً.
لكن روى البغوي الحديث مِنْ طَرِيقِ أبي داود ولم يذكر "البركة" فقَالَ في [شرح السنة] (٣/ ٢٠٤) رقم (٦٩٦) أَخْبَرَنَا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، أَنَا الْقَاسِمُ بْنُ جَعْفَرٍ، أَنَا أَبُو عَلِيٍّ اللُّؤْلُئِيُّ، نَا أَبُو دَاوُدَ، نَا عَبْدَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، نَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، نَا مُوسَى بْنُ قَيْسٍ الْحَضْرَمِيُّ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وَائِلٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ:
«صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ، فَكَانَ يُسَلِّمُ عَنْ يَمِينِهِ: السَّلامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، وَعَنْ شِمَالِهِ: السَّلامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهُ».
ورواه الطبراني في [الكبير] (١٧٥٨١) مِنْ طَرِيقِ موسى بن قيس الحضرمي، وذكر زيادة "وبركاته" في الأولى وقَالَ:
«هكذا رواه موسى بن قيس، عن سلمة، قَالَ: عن علقمة بن وائل وزاد في السلام: وبركاته» اهـ.
قلت: إسناد أبي داود ظاهره الصحة، وأمَّا ما قَالَه الحافظ ابن معين: علقمة بن وائل عن أبيه مرسل اهـ ليس بصحيح فقد أثبت سماعه من أبيه الإمام مسلم في "صحيحه" وغيره.
لكن زيادة "وبركاته" في الحديث جاءت مِنْ طَرِيقِ موسى بن قيس الحضرمي عن سلمة بن كهيل عن علقمة بن وائل عن أبيه.
وقد أخطأ موسى بن قيس في إسناد الحديث ومتنه.
стр. 1587
أمَّا الإسناد فأكثر من روى الحديث عن سلمة بن كهيل لم يذكروا علقمة، وجعلوه من رواية سلمة بن كهيل عن حجر بن عنبس عن وائل بن حجر. ومن هؤلاء:
١ - علي بن صالح بن حي وحديثه عند أبي داود (٩٣٤).
٢ - سفيان الثوري، وحديثه عند أحمد (١٨٨٦٢، ١٨٨٧٧)، والترمذي (٢٤٨).
٣ - العلاء بن صالح الأسدي وحديثه عند الترمذي (٢٤٩).
وأمَّا المتن فزاد كلمة: "وبركاته" ولم يتابعه عليها أحد.
وقد جاءت زيادة "البركة" أيضاً في حديث ابن مسعود في بعض نسخ ابن ماجه (٩١٤) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ عُبَيْدٍ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، كَانَ يُسَلِّمُ عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ حَتَّى يُرَى بَيَاضُ خَدِّهِ، السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُه».
قَالَ الحافظ ابن حجر ﵀ في [التلخيص الحبير] (١/ ٢٧١): «وقع في "صحيح ابن حبان" من حديث ابن مسعود زيادة: "وبركاته"، وهي عند ابن ماجه أيضاً» اهـ.
وقَالَ الأمير الصنعاني ﵀ في [سبل السلام] (١/ ١٩٦):
«قلت: راجعنا سنن ابن ماجه من نسخة صحيحة مقروءة فوجدنا فيه ما لفظه باب التسليم حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير حدثنا عمر بن عبيد عن ابن
стр. 1588
إسحاق عن الأحوص عن عبد الله "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كان يسلم عن يمينه وعن شماله حتى يرى بياض خده السلام عليكم ورحمة الله وبركاته" انتهى بلفظه» اهـ.
وقَالَ صاحب [عون المعبود] (٣/ ٢٩٧) ﵀:
«قَالَ مؤلف "غاية المقصود" لكن نسخة السنن لابن ماجه التي عند شيخنا نذير حسين المحدث أظنها بخط القاضي ثناء الله ﵀ والتي بأيدينا تؤيد كلام ابن رسلان فإنَّها خالية عن هذه الزيادة، لكن الاعتماد في ذلك الباب على نسخة صحيحة مقروءة على الحفاظ كما قَالَه الأمير اليماني في "السبل" فإنَّه رأى هذه الزيادة، وأيضاً قد أثبت هذه الزيادة من رواية ابن ماجه الحافظ في "التلخيص" وغيره من الكتب والله أعلم» اهـ.
قلت: ورواه ابن خزيمة في [صحيحه] (٧٢٨) نا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ حَبِيبِ بْنِ الشَّهِيدِ، وَزِيَادُ بْنُ أَيُّوبَ قَالَ إِسْحَاقُ: حَدَّثَنَا عُمَرُ، وَقَالَ زِيَادٌ: حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ عُبَيْدٍ الطَّنَافِسِيُّ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «يُسَلِّمُ عَنْ يَمِينِهِ حَتَّى يُرَى بَيَاضُ خَدِّهِ، السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، وَعَنْ شِمَالِهِ حَتَّى يَبْدُوَ بَيَاضُ خَدِّهِ، السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ».
قلت: وقد روى الحديث جماعة عن ابن مسعود ولم يذكروا البركة ومنهم:
١ - الأسود بن يزيد النخعي وحديثه عند النسائي (١١٤٢)، وأحمد (٣٧٣٦).
стр. 1589
٢ - الأسود بن هلال وحديثه عند الطبراني في [الكبير] (١٠٠٢٣)، وفي [الأوسط] (٦٨١١).
٣ - علقمة بن قيس النخعي وحديثه عند النسائي (١١٤٢)، وأحمد (٣٧٣٦)، والطبراني في [الأوسط] (٦١٢١).
٤ - مسروق بن الأجدع عند أحمد (٣٨٨٧)، والبزار (١٩٧٢، ١٩٧٤).
وقد اختلف على أبي إسحاق في هذا الحديث في ذكر زيادة "وبركاته" فذكرها عنه عمر بن عبيد كما سبق، وخالفه سفيان الثوري، وذلك فيما رواه أبو داود (٩٩٨) حدثنا محمد بن كثير أخبرنا سفيان به.
ورواه النسائي (١٣٢٤) أخبرنا عمرو بن علي قَالَ حدثنا عبد الرحمن عن سفيان عن أبي إسحاق به.
وأحمد (٣٦٩٩) ثنا وكيع ثنا سفيان عن أبي إسحاق به.
وتابع سفيان: علي بن صالح بن حي عند النسائي (١٣٢٢).
والحسين بن واقد عند النسائي (١٣٢٥).
وإسرائيل بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي عند أحمد (٣٨٤٩).
والحسن بن صالح بن حي عند أحمد (٣٨٧٩).
وزائدة بن قدامة عند ابن أبي شيبة في [مصنفه] (٣٠٦١).
стр. 1590
ورواية الجماعة أصح أضف إلى ذلك أنَّ الإمام أحمد روى (٤٢٨٠) عن عمر بن عبيد ولم يذكر في حديثه زيادة "البركة".
وتابع أحمد أبو بكر بن أبي شيبة وحديثه عند ابن أبي شيبة في [مصنفه] (٣٠٦٠)، ومِنْ طَرِيقِه ابن حبان (١٩٩٠).
وتابعهما يعلى بن عبيد أخو عمر بن عبيد وحديثه عند الطبراني في [الكبير] (١٠٠٢٠).
تنبيه/ روى الحديث ابن حبان في [صحيحه] (١٩٩٣) أَخْبَرَنَا الْفَضْلُ بْنُ الْحُبَابِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُسَلِّمُ عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ يَسَارِهِ، حَتَّى يُرَى بَيَاضُ خَدِّهِ، السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ، السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ».
أقول: زيادة و"بركاته" شاذة في حديث سفيان خالف فيها محمد بن كثير سائر الثقات الأثبات الذين رووا الحديث عن سفيان كعبد الرحمن بن مهدي، ووكيع بن الجراح، وأبي نعيم الفضل بن دكين، وعبد الرزاق بن همام، وأبو داود سليمان بن داود الطيالسي، وعبيد الله بن موسى العبسي، ومحمد بن الحسين الشيباني، وعبد الله بن الوليد وغيرهم.
وقد روى الحديث أبو داود (٩٩٦) عن محمد بن كثير ولم يذكر في حديثه زيادة "وبركاته" فلعل محمد بن كثير كان يرويها بالوجهين وهماً لا سيما وقد كان رحمه
стр. 1591
الله تؤخذ عليه بعض الألفاظ في الحديث فقد قَالَ الحافظ بن حجر ﵀ في [تهذيب التهذيب] (٩/ ٤١٨): «وقَالَ ابن الجنيد، عن ابن معين: كان في حديثه ألفاظ - كأنَّه ضعفه» اهـ.
وقد طعن شعبة في رفع حديث أبي إسحاق فقد قَالَ أبو داود (١/ ٣٧٨) بعد روايته للحديث: «شعبة كان ينكر هذا الحديث - حديث أبي إسحاق - أن يكون مرفوعاً» اهـ.
وأمَّا ما رواه الطيالسي (٢٨٤) دَّثَنَا هَمَّامٌ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْأَسْوَدِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ:
«أَنَّهُ كَانَ يُسَلِّمُ عَنْ يَمِينِهِ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، وَعَنْ يَسَارِهِ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ».
فلا يثبت فإنَّ عطاء بن السائب مختلط.
وروى الدارقطني (١٣٣٨) ثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَزِيدَ الزَّعْفَرَانِيُّ، ثنا عُثْمَانُ بْنُ صَالِحٍ الْخَيَّاطُ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ، ثنا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ مُجَاهِدٍ، حَدَّثَنِي مُجَاهِدٌ، حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي لَيْلَى، أَوْ أَبُو مَعْمَرٍ قَالَ: عَلَّمَنِي ابْنُ مَسْعُودٍ التَّشَهُّدَ وَقَالَ: «عَلَّمَنِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَمَا يُعَلِّمُنَا السُّورَةَ مِنَ الْقُرْآنِ: التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ وَالصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّبَاتُ، السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ،
стр. 1592
اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ بَيْتِهِ كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، اللَّهُمَّ بَارِكْ عَلَيْنَا مَعَهُمْ، صَلَوَاتُ اللَّهِ وَصَلَوَاتُ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ، السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ».
قَالَ: وَكَانَ مُجَاهِدٌ يَقُولُ: «إِذَا سَلَّمَ فَبَلَغَ وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ فَقَدْ سَلَّمَ عَلَى أَهْلِ السَّمَاءِ وَأَهْلِ الْأَرْضِ».
ابْنُ مُجَاهِدٍ ضَعِيفُ الْحَدِيثِ اهـ.
قلت: ابن مجاهد كذبه الثوري، ورماه الحاكم بالوضع.
وخلاصة ما سبق أنَّ زيادة "وبركاته" لا تثبت في التسليمة الأولى ولا الثانية في حديث وائل بن حجر ولا ابن مسعود ﵄.
فائدة: روى مسلم (٤٣١) عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: «كُنَّا إِذَا صَلَّيْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قُلْنَا: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى الْجَانِبَيْنِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "عَلَامَ تُومِئُونَ بِأَيْدِيكُمْ كَأَنَّهَا أَذْنَابُ خَيْلٍ شُمْسٍ إِنَّمَا يَكْفِي أَحَدَكُمْ أَنْ يَضَعَ يَدَهُ عَلَى فَخِذِهِ ثُمَّ يُسَلِّمُ عَلَى أَخِيهِ مَنْ عَلَى يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ"».
أقول: وهذا يدل على أنَّ المأموم إذا سلم من صلاته ينوي بذلك الخروج من الصلاة والسلام على من على يمينه ومن على يساره، وفي ذلك خلاف بين العلماء، وظاهره أيضاً أنَّ هذا السلام يقوم مقام الرد على من سلم عليه من المأمومين.
стр. 1593
بقى السلام على الإمام فهل يجزئ ما سبق من سلام المأموم عن يمينه ويساره أم يحتاج إلى سلام ثالث يخصه به، في ذلك نزاع بين العلماء، والصحيح الاكتفاء بما سبق.
وقد بوَّب البخاري في "صحيحه": «باب من لم يرد السلام على الإمام واكتفى بتسليم الصلاة» اهـ.
قَالَ الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٥/ ٢٢٤ - ٢٣٢):
«مراده بهذا الحديث في هذا الباب: أنَّ الذين صلوا مع النبي ﷺ في بيت عتبان سلموا مع النبي ﷺ حين سلم من الصلاة، ولم يوجد منهم سوى السلام من الصلاة كسلام النبي ﷺ منها، وفي ذلك رد على من قَالَ: إنَّ المأموم يرد على الإمام سلامه مع تسليمه من السلام إمَّا قبله أو بعده.
وقد قَالَ بذلك طوائف من السلف منهم: ابن عمر وأبو هريرة:
فروي عن ابن عمر، أنَّه كان إذا سلم الإمام رد عليه، ثم سلم عن يمينه، فإن سلم عليه أحد عن يساره رد عليه وإلَّا سكت.
وروي عنه، أنَّه كان يسلم عن يمينه، ثم يرد على الإمام.
وعن أبي هريرة، أنَّه كان إذا سلم الإمام قَالَ: السلام عليك أيها القارئ.
وقَالَ عطاء: ابدأ بالإمام، ثم سلم على من عن يمينك، ثم على من عن شمالك.
стр. 1594
وعن الحسن وقتادة نحوه.
وقَالَ الشعبي: إذا سلم الإمام فرد عليه.
وكان سالم يفعله.
وقَالَه النخعي.
وقَالَ الزهري: هو سنة.
قَالَ مكحول: كان أصحاب النبي ﷺ يردون على الإمام إذا سلم عليهم.
وقَالَ عطاء - أيضاً -: حق عليك أن ترد على الإمام إذا سلم.
وقَالَ - مرة -: هو مخير، إن شاء رد عليه، وإن شاء صبر حتى يسلم لنفسه، وينوي به الإمام، ومن صلى على جانبيه.
وقَالَ في الرد على الإمام: يرد في نفسه، ولا يسمعه.
وكذا قَالَ حماد.
فإن كان مراد من قَالَ: يرد على الإمام: أنَّه يرد عليه¬ السلام في نفسه، ولا يتكلم به، فهذا الرد إذا فعله في الصلاة لا تبطل به الصلاة، وإن كان مراده: أنَّه يرد بلسانه، كما هو ظاهر أكثرهم، فإنَّه ينبني على أنَّ رد السلام في الصلاة لا يبطل الصلاة، وقد ذهب إلى ذلك طائفة من السلف، ويأتي ذكره في موضع آخر - إن شاء الله تعالى.
стр. 1595
وقد ينبني - أيضاً -، على أنَّ السلام ليس من فروض الصلاة، وأنَّه يخرج من الصلاة بكل مناف لها من الكلام ونحوه، كما قَالَ ذلك من ذكرنا قوله من قبل.
وأمَّا من قَالَ: إنَّ الرد على الإمام يكون بعد السلام من الصلاة، فهذا لا إشكال فيه؛ فإنَّه قد خرج من الصلاة بالسلام، وقد ذهب إلى ذلك غير واحد من الأئمة المشهورين.
قَالَ مالك، في المأموم: يسلم تسليمة عن يمينه، وأخرى عن يساره، ثم يرد على الإمام.
قَالَ ابن عبد البر: تحصيل قول مالك في ذلك: أنَّ الإمام يسلم واحدة تلقاء وجهه، ويتيامن بها قليلاً - وأنَّ المصلي لنفسه - يعني: منفرداً - يسلم اثنين - في رواية ابن القاسم، وأنَّ المأموم يسلم ثلاثاً إن كان عن يساره أحد.
واختلف قوله في موضع رد المأموم على الإمام: فمرة قَالَ: يسلم عن يمينه وعن يساره، ثم يرد على الإمام. ومرة قَالَ: يرد على الإمام بعد أن يسلم عن يمينه، ثم يسلم عن يساره.
وقد روى أهل المدينة عن مالك وبعض المصريين، أنَّ الإمام والمنفرد سواء، يسلم كل واحد منهما تسليمة واحدة تلقاء وجهه، ويتيامن بها قليلاً.
قَالَ: وكان الليث بن سعد يبدأ بالرد على الإمام، ثم يسلم عن يمينه وعن يساره.
ونقل أبو داود عن أحمد في الرد على الإمام قبل السلام، قَالَ: لا.
стр. 1596
قيل له: فبعده؟ قَالَ: نعم، وإن شاء نوى بالسلام الرد. قَالَ: وما أعرف فيه حديثاً عالياً يعتمد عليه.
قَالَ القاضي أبو يعلى: وظاهر هذا: أنَّه مخير في الرد على الإمام بالنية في حال سلامه، أو بالقول بعده، فيقول: السلام عليك أيها القارئ. قَالَ: ويسر به، ولا يجهر.
نقل المروذي عن أحمد في الرجل يرد السلام على الإمام، فقَالَ: إذا نوى بتسليمه الرد فقد رد عليه، فإن فعل رجل فليخفه.
قَالَ: ومعناه: إن رد عليه بالقول فليخفه.
وقَالَ إسحاق: لا اختلاف بين أهل العلم في الرد على الإمام إذا سلم كما سلم، ولكن اختلفوا: هل يبدأ بالرد عليه قبل السلام، أم يرد عليه بعد السلام؟ قَالَ: وأحب إلي أن يرد بعد السلام. قَالَ وإذا رفع صوته بالرد قدر ما يسمع الإمام والصف الذي يليه جاز، وإن أسره وأسمع أذنيه بالرد على الإمام أجزأه.
وكل من قَالَ: يرد على الإمام قَالَ: يرد عليه بلفظ السلام من غير زيادة، إلَّا ما روي عن أبي هريرة، أنَّه يقَالَ: السلام عليك أيها القارئ، كما سبق.
واختلفوا في المأموم: هل ينوي بسلامه من الصلاة الرد على إمامه، أم لا؟ وفيه قولان:
أحدهما: لا ينوي ذلك، ونص عليه أحمد في رواية مهنا وغيره، وهو اختيار ابن حامد من أصحابنا؛ لأنَّ السلام ركن من أركان الصلاة، لا يخرج منها بدونه، على
стр. 1597
ما تقدم، والصلاة لا يرد فيها السلام على أحد، بل هو مبطل للصلاة؛ لأنَّه خطاب آدمي، هذا مذهبنا، وقول جمهور العلماء.
وعلى هذا: فهل تبطل صلاته بذلك؟
قَالَ ابن حامد من أصحابنا: إن لم ينو سوى الرد بطلت صلاته، وإن نوى الرد والخروج من الصلاة ففي البطلان وجهان؛ لأنَّه لم يخلص النية لخطاب المخلوق، فأشبه ما لو قَالَ لمن دق عليه الباب: ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ﴾ [الحجر: ٤٦] ينوي به القراءة والإذن له؛ فإنَّ في بطلان الصلاة بذلك روايتين، أصحهما: لا تبطل.
قَالَ أحمد - في رواية جعفر بن محمد -: السلام على الإمام لا نعرف له موضعاً، وتسليم الإمام هو انقضاء الصلاة، ليس هو سلام على القوم، فيجب عليهم أن يردوا، ولكن ابن عمر شدد في هذا، يسلم الرجل وينوي به السلام من الصلاة والرد على الإمام، كأنَّه يقوله على وجه الإنكار لذلك. قيل له: إنَّهم يقولون: إنَّ رد السلام على الإمام واجب.
قَالَ: أرجو أن لا يكون واجباً، وإن رد فلا بأس.
والقول الثاني: أنَّه ينوي المأموم بسلامه الرد على إمامه، وهو قول عطاء والنخعي وحماد والثوري، ونص عليه أحمد في رواية جماعة من أصحابه.
стр. 1598
وهل هو مسنون مستحب، أو جائز؟ فيه روايتان - أيضاً - عن أحمد: قَالَ - في رواية يعقوب بن بختان -: ينوي بسلامه الرد.
وهو اختيار أبي حفص العكبري.
وقَالَ - في رواية غيره -: لا بأس به.
فظاهره: جوازه فقط، وهو اختيار القاضي أبي يعلى وغيره.
وقَالَ - في رواية ابن هانئ -: إذا نوى بتسليمه الرد على الإمام أجزأه.
وظاهر هذا: أنَّه واجب؛ لأنَّه رد سلام، فيكون فرض كفاية، إلَّا أن يقَالَ: إن المسلم في الصلاة لا يجب الرد عليه، أو يقَالَ: إنَّه يجوز تأخير الرد إلى بعد السلام. ولكن إذا جوزنا تأخيره وجب أحد أمرين: إما أن ينوي الرد بالسلام، أو أن يرد بعد ذلك، وهو قول عطاء كما تقدم.
وتبويب البخاري قد يشعر بذلك؛ لقوله: "واكتفى بتسليم الإمام"، ويحتمل أنَّه أراد أن تسليم الصلاة كاف عن الرد، وإن لم ينو به الرد، كما قَالَه أحمد في رواية.
وقَالَ يحيى بن سعيد الأنصاري: إذا سلمت عن يمينك أجزأك من الرد عليه.
وكذا قَالَ النخعي.
ولم يشترطا أن ينوي بسلامه الرد.
قَالَ أبو حفص العكبري: وينوي بالأولى الخروج من الصلاة، وبالثانية الرد على الإمام والحفظة.
وممن رأى أن ينوي بسلامة الرد على الإمام: أبو حنيفة والشافعي وأصحابهما.
стр. 1599
ثم قَالَ أصحاب الشافعي: إنَّ كان المأموم عن يمين الإمام نوى بتسليمه الأولى السلام على من عن يمينه من الملائكة والمسلمين من الإنس والجن، وينوي بالثانية ذلك مع الرد على إمامه، وإن كان المأموم عن يسار إمامه نواه في الأولى، وإن كان محاذياً له نواه في أيتهما شاء، والأولى أفضل -: نص عليه الشافعي في "الأم"، وينوي الإمام بسلامه من عن يمينه ويساره يمينه ويساره من الملائكة والمسلمين من المأمومين وغيرهم، وينوي بعض المأمومين الرد على من بعض. قَالَوا: وكل هذه النيات مستحبة، لا يجب منها شيء.
وقَالَ أصحاب أبي حنيفة: ينوي المصلي بكل تسليمة من في تلك الجهة من الناس والحفظة.
وهل يقدم الآدميين على الملائكة في النية؟ على روايتين عندهم:
أحدهما: يقدم الملائكة؛ لأنَّهم عندهم أفضل.
والثانية: يقدم الناس؛ لمشاهدتهم.
ويدخل المأموم الإمام في الجهة التي هو فيها. فإن كان بحذائه أدخله في اليمين؛ لأنَّهما أفضل.
وروى عبد الرزاق، عن معمر، عن حماد، قَالَ: إذا كان الإمام عن يمينك ثم سلمت عن يمينك، ونويت الإمام كفى ذلك، وإذا كان عن يسارك ثم سلمت
стр. 1600
عن يسارك ونويت الإمام كفى ذلك - أيضاً -، وإن كان بين يديك فسلم عليه في نفسك، ثم سلم عن يمينك وشمالك.
وأمَّا نية الخروج من الصلاة، فهل هي واجبة، تبطل الصلاة بتركها، أم لا؟ فيه وجهان لأصحابنا، اختار ابن حامد وجوبها، واختار الأكثرون عدم الوجوب، وهو ظاهر كلام أحمد.
وينوي الخروج بالأولى، سواء قلنا: يخرج بها من الصلاة، أو قلنا: لا يخرج إلَّا بالثانية؛ لأنَّ النية تستصحب إلى الثانية.
ومن الأصحاب من قَالَ: إن قلنا: الثانية سنة نوى بالأولى الخروج، وإن قلنا: الثانية فرض نوى الخروج بالثانية خاص. والصحيح: الأول.
ولأصحاب الشافعي في وجوب نية الخروج بالسلام وبطلان الصلاة بتركها وجهان - أيضاً.
ونص الشافعي على أن ينوي بالسلام الخروج.
ولكن اختلفوا: هل هو محمول على الاستحباب، أو الوجوب؟
وإنَّما ينوي الخروج عندهم بالأولى؛ لأنَّ الثانية ليست عندهم واجبة بغير خلاف.
واستدل من استحب أن ينوي بسلامه الحفظة والامام والمأمومين بما خرجه مسلم من حديث جابر بن سمرة، قَالَ: كنَّا إذا صلينا مع رسول الله ﷺ ، فقلنا: السلام عليكم ورحمة الله، السلام عليكم ورحمة الله، وأشار بيده إلى الجانبين، فقَالَ رسول الله ﷺ : "علام تومئون بأيديكم كأنها
стр. 1601
أذناب خيل شمس، وإنَّما يكفي أحدكم أن يضع يده على فخذه، فيسلم على أخيه من على يمينه وشماله".
وفي رواية له: فقَالَ: "ما شأنكم تشيرون بأيديكم، كأنها أذناب خيل شمس، إذا سلم أحدكم فليلتفت إلى صاحبه، ولا يومئ بيده".
وخرج أبو داود من حديث سمرة بن جندب، قَالَ: أمرنا رسول الله ﷺ أن نرد على الإمام، وأن نتحاب، وأن يسلم بعضنا على بعض.
وخرج أبو داود - أيضاً -، مِنْ طَرِيقِ آخر، عن سمرة، قَالَ: أمرنا رسول الله ﷺ ، فقَالَ: "ابدأوا قبل التسليم، فقولوا: التحيات الطيبات الصلوات، والملك لله، ثم سلموا على اليمين، ثم سلموا على قارئكم وعلى أنفسكم".
وخرجه ابن ماجه بمعناه.
وفي رواية له بإسناد فيه ضعف: "إذا سلم الإمام فردوا عليه".
وخرج الإمام أحمد والترمذي وابن ماجه من حديث عاصم بن ضمرة، عن علي، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كان يصلي قبل العصر أربعاً، يفصل بين كل ركعتين بالتسليم على الملائكة المقربين، والنبيين والمرسلين، ومن تبعهم من المؤمنين.
وقَالَ الترمذي: حديث حسن.
стр. 1602
وظاهره: يدل على أنَّه ﷺ كان ينوي بسلامه في صلاة التطوع السلام على الملائكة ومن ذكر معهم.
وتأوله إسحاق على أنَّه أراد بذلك التشهد؛ فإنَّه يسلم فيه على عباد الله الصالحين.
وهو خلاف الظاهر. والله أعلم» اهـ.
قلت: أثر ابن عمر رواه مالك في [الموطأ] (٥٠٠) عَنْ نَافِعٍ: «أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَتَشَهَّدُ فَيَقُولُ: بِسْمِ اللهِ، التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ، الصَّلَوَاتُ لِلَّهِ، الزَّاكِيَاتُ لِلَّهِ، السَّلَامُ عَلَى النَّبِيِّ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللهِ الصَّالِحِينَ، شَهِدْتُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، شَهِدْتُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، يَقُولُ هَذَا فِي الرَّكْعَتَيْنِ الأَولَيَيْنِ، وَيَدْعُو إِذَا قَضَى تَشَهُّدَهُ بِمَا بَدَا لَهُ، فَإِذَا جَلَسَ فِي آخِرِ صَلَاتِهِ تَشَهَّدَ كَذَلِكَ أَيْضًا، إِلاَّ أَنَّهُ يُقَدِّمُ التَّشَهُّدَ، ثُمَّ يَدْعُو بِمَا بَدَا لَهُ، فَإِذَا قَضَى تَشَهُّدَهُ، وَأَرَادَ أَنْ يُسَلِّمَ، قَالَ: السَّلَامُ عَلَى النَّبِيِّ وَرَحْمَةُ اللهِ، السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللهِ الصَّالِحِينَ، السَّلَامُ عَلَيْكُمْ عَلى يَمِينِهِ، ثُمَّ يَرُدُّ عَلَى الإِمَامِ، فَإِنْ سَلَّمَ عَلَيْهِ أَحَدٌ عَنْ يَسَارِهِ، رَدَّ عَلَيْهِ».
قلت: هذا أثر صحيح.
وروى ابن أبي شيبة في [مصنفه] (٣١٤٨) حَدَثَنَا أَبُو خَالِدٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، «أَنَّهُ كَانَ يَرُدُّ السَّلَامَ عَلَى الْإِمَامِ».
قلت: هذا أثر صحيح، وأبو خالد هو الأحمر.
стр. 1603
وأثر أبي هريرة رواه ابن المنذر في [الأوسط] (٢٠٥٣) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، قَالَ: ثنا حَجَّاجٌ، عَنْ حَمَّادٍ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ، أَوْ غَيْرِهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّهُ كَانَ إِذَا سَلَّمَ الْإِمَامُ، قَالَ: «السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا الْقَارِئُ».
قلت: رجاله ثقات لكنه لا يثبت لتردد حميد في شيخه الذي حدثه بذلك.
وعلي بن عبد العزيز هو البغوي، وحجاج هو ابن منهال، وحماد هو ابن سلمة، وحميد هو ابن هلال، وأبو رافع هو نفيع.
وأثر مكحول: «كان أصحاب النبي ﷺ يردون على الإمام إذا سلم عليهم». لم أقف عليه.
وحديث سمرة رواه أبو داود (١٠٠١) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُثْمَانَ أَبُو الْجَمَاهِرِ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ بَشِيرٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ سَمُرَةَ، قَالَ: «أَمَرَنَا النَّبِيُّ ﷺ أَنْ نَرُدَّ عَلَى الْإِمَامِ، وَأَنْ نَتَحَابَّ، وَأَنْ يُسَلِّمَ بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ».
ورواه ابن ماجه (٩٢٢) حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْقَاسِمِ قَالَ: أَنْبَأَنَا هَمَّامٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ، قَالَ: «أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ نُسَلِّمَ عَلَى أَئِمَّتِنَا، وَأَنْ يُسَلِّمَ بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ».
قلت: الحسن لم يسمع من قتادة غير حديث العقيقة.
стр. 1604
ورواه ابن ماجه (٩٢١) حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ الْهُذَلِيُّ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إِذَا سَلَّمَ الْإِمَامُ، فَرُدُّوا عَلَيْهِ».
قلت: أبو بكر الهذلي متروك الحديث.
وروى أبو داود (٩٧٥) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ دَاوُدَ بْنِ سُفْيَانَ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَسَّانَ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ مُوسَى أَبُو دَاوُدَ، حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ سَعْدِ بْنِ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ، حَدَّثَنِي خُبَيْبُ بْنُ سُلَيْمَانَ بْنِ سَمُرَةَ، عَنْ أَبِيهِ سُلَيْمَانَ بْنِ سَمُرَةَ، عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ، أَمَّا بَعْدُ، أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا كَانَ فِي وَسَطِ الصَّلَاةِ، أَوْ حِينَ انْقِضَائِهَا، فَابْدَءُوا قَبْلَ التَّسْلِيمِ، فَقُولُوا: «التَّحِيَّاتُ الطَّيِّبَاتُ، وَالصَّلَوَاتُ، وَالْمُلْكُ لِلَّهِ، ثُمَّ سَلِّمُوا عَلَى الْيَمِينِ، ثُمَّ سَلِّمُوا عَلَى قَارِئِكُمْ، وَعَلَى أَنْفُسِكُمْ».
قلت: هذا حديث مسلسل بالمجاهيل، جعفر بن سعد ومن فوقه مجاهيل.
وقَالَ العلامة ابن قدامة ﵀ في [المغني] (١/ ٣٩٩ - ٤٠٠):
«فَصْلٌ: وَيَنْوِي بِسَلَامِهِ الْخُرُوجَ مِنْ الصَّلَاةِ. فَإِنْ لَمْ يَنْوِ؛ فَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ تَبْطُلُ صَلَاتُهُ. وَهُوَ ظَاهِرُ نَصِّ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُ نُطْقٌ فِي أَحَدِ طَرَفَيْ الصَّلَاةِ؛ فَاعْتُبِرَتْ لَهُ النِّيَّةُ، كَالتَّكْبِيرِ. وَالْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ ﵀ أَنَّهُ لَا تَبْطُلُ صَلَاتُهُ. وَهُوَ الصَّحِيحُ؛ لِأَنَّ نِيَّةَ الصَّلَاةِ قَدْ شَمِلَتْ جَمِيعَ الصَّلَاةِ، وَالسَّلَامُ مِنْ جُمْلَتِهَا، وَلِأَنَّهُ لَوْ وَجَبَتْ النِّيَّةُ فِي السَّلَامِ لَوَجَبَ تَعْيِينُهَا، كَتَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ، وَلِأَنَّهَا عِبَادَةٌ، فَلَمْ تَجِبْ النِّيَّةُ لِلْخُرُوجِ مِنْهَا، كَسَائِرِ الْعِبَادَاتِ، وَقِيَاسُ الطَّرَفِ الْأَخِيرِ عَلَى الطَّرَفِ الْأَوَّلِ
стр. 1605
غَيْرُ صَحِيحٍ؛ فَإِنَّ النِّيَّةَ اُعْتُبِرَتْ فِي الطَّرَفِ الْأَوَّلِ، لِيَنْسَحِبَ حُكْمُهَا عَلَى بَقِيَّةِ الْأَجْزَاءِ، بِخِلَافِ الْأَخِيرِ، وَلِذَلِكَ فُرِّقَ الطَّرَفَانِ فِي سَائِرِ الْعِبَادَاتِ.
قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: يَنْوِي بِالتَّسْلِيمَتَيْنِ مَعًا الْخُرُوجَ مِنْ الصَّلَاةِ. فَإِنْ نَوَى مَعَ ذَلِكَ الرَّدَّ عَلَى الْمَلَكَيْنِ، وَعَلَى مَنْ خَلْفَهُ إنْ كَانَ إمَامًا، أَوْ عَلَى الْإِمَامِ وَمَنْ مَعَهُ إنْ كَانَ مَأْمُومًا، فَلَا بَأْسَ. نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ، فَقَالَ: يُسَلِّمُ فِي الصَّلَاةِ، وَيَنْوِي بِسَلَامِهِ الرَّدَّ عَلَى الْإِمَامِ؛ لِمَا رَوَى مُسْلِمٌ، عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ، قَالَ: "كُنَّا إذَا صَلَّيْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ قُلْنَا: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ، فَنَظَرَ إلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: مَا شَأْنُكُمْ تُشِيرُونَ بِأَيْدِيكُمْ كَأَنَّهَا أَذْنَابُ خَيْلٍ شُمْسٍ، إذَا سَلَّمَ أَحَدُكُمْ فَلْيَلْتَفِتْ إلَى صَاحِبِهِ وَلَا يُومِئْ بِيَدِهِ"، وَفِي لَفْظٍ: "إنَّمَا يَكْفِي أَحَدَكُمْ أَنْ يَضَعَ يَدَهُ عَلَى فَخِذِهِ، ثُمَّ يُسَلِّمَ عَلَى أَخِيهِ مِنْ عَلَى يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ". وَرَوَى أَبُو دَاوُد. قَالَ: "أَمَرَنَا النَّبِيُّ ﷺ أَنْ نَرُدَّ عَلَى الْإِمَامِ، وَأَنْ يُسَلِّمَ بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ".
وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يُسَنُّ أَنْ يَنْوِيَ بِسَلَامِهِ عَلَى مَنْ مَعَهُ مِنْ الْمُصَلِّينً وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ.
وَقَالَ أَبُو حَفْصِ بْنُ الْمُسْلِمِ - مِنْ أَصْحَابِنَا -: يَنْوِي بِالْأُولَى الْخُرُوجَ مِنْ الصَّلَاةِ. وَيَنْوِي بِالثَّانِيَةِ السَّلَامَ عَلَى الْحَفَظَةِ وَالْمَأْمُومِينَ، إنْ كَانَ إمَامًا، وَالرَّدَّ عَلَى الْإِمَامِ
стр. 1606
وَالْحَفَظَةِ، إنْ كَانَ مَأْمُومًا. وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: إنْ نَوَى فِي السَّلَامِ الرَّدَّ عَلَى الْمَلَائِكَةِ أَوْ غَيْرِهِمْ مِنْ النَّاسِ مَعَ نِيَّةِ الْخُرُوجِ مِنْ الصَّلَاةِ، فَهَلْ تَبْطُلُ صَلَاتُهُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا تَبْطُلُ؛ لِأَنَّهُ نَوَى السَّلَامَ عَلَى آدَمِيٍّ، أَشْبَهَ مَا لَوْ سَلَّمَ عَلَى مَنْ لَا يُصَلِّي مَعَهُ وَالصَّحِيحُ مَا ذَكَرْنَاهُ؛ فَإِنَّ أَحْمَدَ ﵀، قَالَ فِي رِوَايَةِ يَعْقُوبَ: يُسَلِّمُ لِلصَّلَاةِ، وَيَنْوِي فِي سَلَامِهِ الرَّدَّ عَلَى الْإِمَامِ. رَوَاهَا أَبُو بَكْرٍ الْخَلَّالُ فِي كِتَابِهِ. وَقَالَ فِي رِوَايَةِ إِسْحَاقَ بْنِ هَانِئٍ: إذَا نَوَى بِتَسْلِيمِهِ الرَّدَّ عَلَى الْحَفَظَةِ أَجْزَأَهُ.
وَقَالَ: أَيْضًا: يَنْوِي بِسَلَامِهِ الْخُرُوجَ مِنْ الصَّلَاةِ. قِيلَ لَهُ: فَإِنْ نَوَى الْمَلَكَيْنِ، وَمَنْ خَلْفَهُ؟ قَالَ: لَا بَأْسَ، وَالْخُرُوجَ مِنْ الصَّلَاةِ نَخْتَارُ. وَقَدْ ذَكَرْنَا مِنْ الْحَدِيثِ مَا يَدُلُّ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ ذَلِكَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ» اهـ.
فائدة أخرى: روى مسلم (٥٨٢) عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ قَالَ:
«كُنْتُ أَرَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُسَلِّمُ عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ يَسَارِهِ حَتَّى أَرَى بَيَاضَ خَدِّهِ».
قَالَ العلامة النووي ﵀ في [شرح مسلم] (٥/ ٨٣):
«وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ الَّذِينَ يُعْتَدُّ بِهِمْ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ إِلَّا تَسْلِيمَةٌ وَاحِدَةٌ فَإِنْ سَلَّمَ وَاحِدَةً اسْتُحِبَّ لَهُ أَنْ يُسَلِّمَهَا تِلْقَاءَ وَجْهِهِ وَإِنْ سَلَّمَ تَسْلِيمَتَيْنِ جَعَلَ الْأُولَى عَنْ يَمِينِهِ وَالثَّانِيَةَ عَنْ يَسَارِهِ وَيَلْتَفِتُ فِي كُلِّ تَسْلِيمَةٍ حَتَّى يَرَى مَنْ عَنْ جَانِبِهِ خَدَّهُ هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: حَتَّى يَرَى خَدَّيْهِ مَنْ عَنْ جَانِبِهِ وَلَوْ سَلَّمَ
стр. 1607
التَّسْلِيمَتَيْنِ عَنْ يَمِينِهِ أَوْ عَنْ يَسَارِهِ أَوْ تِلْقَاءَ وَجْهِهِ أَوِ الْأُولَى عَنْ يَسَارِهِ وَالثَّانِيَةَ عَنْ يَمِينِهِ صَحَّتْ صَلَاتُهُ وَحَصَلَتْ تَسْلِيمَتَانِ وَلَكِنْ فَاتَتْهُ الْفَضِيلَةُ فِي كَيْفِيَّتِهِمَا.
وَاعْلَمْ أَنَّ السَّلَامَ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الصَّلَاةِ وَفَرْضٌ مِنْ فُرُوضِهَا لَا تَصِحُّ إِلَّا بِهِ هَذَا مَذْهَبُ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ فَمَنْ بَعْدَهُمْ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵁ هُوَ سُنَّةٌ وَيَحْصُلُ التَّحَلُّلُ مِنَ الصَّلَاةِ بِكُلِّ شَيْءٍ يُنَافِيهَا مِنْ سَلَامٍ أَوْ كَلَامٍ أَوْ حَدَثٍ أَوْ قِيَامٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ وَاحْتَجَّ الْجُمْهُورُ بِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُسَلِّمُ وَثَبَتَ فِي الْبُخَارِيِّ أَنَّهُ ﷺ قَالَ صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي وَبِالْحَدِيثِ الْآخَرِ تَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ وَتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ» اهـ.
قلت: وفي المسند (١٥٦٤) «حَتَّى يُرَى بَيَاضُ خَدَّيْهِ». بالتثنية، وهي محمولة على التسليمتين، والمعنى حتى يرى بياض خده الأيمن في التسليمة الأولى، ويرى بياض خده الأيسر في التسليمة الثانية.
ويدل على ذلك ما رواه أحمد (٣٨٤٩)، والنسائي (١٣٢٥)، واللفظ له، وأبو داود (٩٩٨)، والترمذي (٢٩٥) عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُسَلِّمُ عَنْ يَمِينِهِ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللهِ حَتَّى يُرَى بَيَاضُ خَدِّهِ الأَيْمَنِ، وَعَنْ يَسَارِهِ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللهِ حَتَّى يُرَى بَيَاضُ خَدِّهِ الأَيْسَرِ».
قلت: هذا حديث صحيح.
стр. 1608
تنبيه: قَالَ العلامة ابن قدامة ﵀ في [المغني] (١/ ٣٩٨ - ٣٩٩):
«وَيَكُونُ الْتِفَاتُهُ فِي الثَّانِيَةِ أَوْفَى؛ لِمَا رَوَى يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ صَاعِدٍ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَمَّارٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ "أَنَّهُ كَانَ يُسَلِّمُ عَنْ يَمِينِهِ، حَتَّى يُرَى بَيَاضُ خَدِّهِ الْأَيْمَنِ، وَإِذَا سَلَّمَ عَنْ يَسَارِهِ يُرَى بَيَاضُ خَدِّهِ الْأَيْمَنِ وَالْأَيْسَرِ". وَرَوَاهُ أَبُو بَكْرٍ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ .» اهـ.
قلت: حديث عمار رواه الدارقطني في [سننه] (١٣٤٧)، وأبو طاهر المُخَلِّص في [الملخصيات] (١٢٨٤) مِنْ طَرِيقِ أَبُي الْفَضْلِ فَضَالَةَ بْنِ الْفَضْلِ التَّمِيمِيُّ بِالْكُوفَةِ، ثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ صِلَةَ بْنِ زُفَرٍ، عَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ، قَالَ: «كَانَّ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا سَلَّمَ عَنْ يَمِينِهِ يُرَى بَيَاضُ خَدِّهِ الْأَيْمَنِ، وَإِذَا سَلَّمَ عَنْ شِمَالِهِ يُرَى بَيَاضَ خَدِّهِ الْأَيْمَنِ وَالْأَيْسَرِ، وَكَانَ تَسْلِيمُهُ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ، السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ».
ورواه ابن ماجه (٩١٦) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ صِلَةَ بْنِ زُفَرَ، عَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ، قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُسَلِّمُ عَنْ يَمِينِهِ، وَعَنْ يَسَارِهِ، حَتَّى يُرَى بَيَاضُ خَدِّهِ، السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللهِ، السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ».
قلت: ليس في حديث يحيى بن آدم ذكر الخدين "الْأَيْمَنِ وَالْأَيْسَرِ". ويحيى أوثق من فضالة.
стр. 1609
ورواه البزار في [مسنده] (١٣٩٥) وَحَدَّثَنَا فَضَالَةُ بْنُ الْفَضْلِ الْكُوفِيُّ، قَالَ: نا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ صِلَةَ يَعْنِي ابْنَ زُفَرَ، عَنْ عَمَّارٍ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُسَلِّمُ عَنْ يَمِينِهِ، وَعَنْ يَسَارِهِ فِي الصَّلَاةِ». وَهَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ حَارِثَةَ بْنِ مُضَرِّبٍ، عَنْ عَمَّارٍ مَوْقُوفًا، وَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا قَالَ عَنْ صِلَةَ، عَنْ عَمَّارٍ إِلَّا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ.
قلت: الصحيح في الحديث الوقف.
إذا تبيَّن هذا فالصحيح التسوية بين التسليمتين في الالتفات.
فائدة أخرى: قَالَ العلامة النووي ﵀ في [المجموع] (٣/ ٤٨٢):
«يُسْتَحَبُّ أَنْ يُدْرِجَ لَفْظَةَ السَّلَامِ وَلَا يَمُدَّهَا وَلَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا لِلْعُلَمَاءِ» اهـ.
فائدة أخرى: قَالَ العلامة النووي ﵀ في [المجموع] (٣/ ٤٨٣):
«يَنْبَغِي لِلْمَأْمُومِ أَنْ يُسَلِّمَ بَعْدَ سَلَامِ الْإِمَامِ قَالَ الْبَغَوِيّ: يُسْتَحَبُّ أَنْ لَا يَبْتَدِئَ السَّلَامَ حَتَّى يَفْرُغَ الْإِمَامُ مِنْ التَّسْلِيمَتَيْنِ. وَقَالَ الْمُتَوَلِّي: يُسْتَحَبُّ أَنْ يُسَلِّمَ بَعْدَ فَرَاغِ الْإِمَامِ مِنْ التَّسْلِيمَةِ الْأُولَى وَهُوَ ظَاهِرُ نَصِّ الشَّافِعِيِّ فِي الْبُوَيْطِيِّ كَمَا نَقَلَهُ الْبَغَوِيّ فَإِنَّهُ قَالَ: وَمَنْ كَانَ خَلْفَ إمَامٍ فَإِذَا فَرَغَ الْإِمَامُ مِنْ سَلَامِهِ سَلَّمَ عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ هَذَا نَصُّهُ وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُسَلِّمَ بَعْدَ فَرَاغِ الْإِمَامِ مِنْ الْأُولَى وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي الْأَفْضَلِ وَلَوْ قَارَنَهُ فِي السَّلَامِ فَوَجْهَانِ:
стр. 1610
أَحَدُهُمَا: تَبْطُلُ صَلَاتُهُ إنْ لَمْ يَنْوِ مفارقته كَمَا لَوْ قَارَنَهُ فِي بَاقِي الْأَرْكَانِ بِخِلَافِ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ فَإِنَّهُ لَا يَصِيرُ فِي صَلَاةٍ حتي يفرق مِنْهَا فَلَا يَرْبِطُ صَلَاتَهُ بِمَنْ لَيْسَ فِي صَلَاةٍ وَلَوْ سَلَّمَ قَبْلَ شُرُوعِ الْإِمَامِ فِي السَّلَامِ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ إنْ لَمْ يَنْوِ مُفَارَقَتَهُ فَإِنْ نَوَاهَا فَفِيهِ الْخِلَافُ فِيمَنْ نَوَى الْمُفَارَقَةَ وَلَا يَكُونُ مُسَلِّمًا بَعْدَهُ إلَّا أَنْ يَبْتَدِئَ بَعْدَ فَرَاغِ الْإِمَامِ مِنْ الْمِيمِ مِنْ قَوْلِهِ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ» اهـ.
قلت: الأظهر أنَّ تسليم المؤتم يكون بعد فراغ الإمام من التسليمتين.
والأظهر أيضاً أنَّ من قارن الإمام بالسلام بطلت صلاته. والله أعلم.
فائدة أخرى: قَالَ العلامة النووي ﵀ في [المجموع] (٣/ ٤٨٣ - ٤٨٤):
«اتَّفَقَ أَصْحَابُنَا عَلَى أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِلْمَسْبُوقِ أَنْ لَا يَقُومَ لِيَأْتِيَ بِمَا بَقِيَ عَلَيْهِ إلَّا بَعْدَ فَرَاغِ الْإِمَامِ مِنْ التَّسْلِيمَتَيْنِ وَمِمَّنْ صَرَّحَ بِهِ الْبَغَوِيّ وَالْمُتَوَلِّي وَآخَرُونَ وَنَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ ﵀ فِي مُخْتَصَرِ البويطي فقَالَ: ومن سبقه الامام بشيء مِنْ الصَّلَاةِ فَلَا يَقُومُ لِقَضَاءِ مَا عَلَيْهِ إلَّا بَعْدَ فَرَاغِ الْإِمَامِ مِنْ التَّسْلِيمَتَيْنِ قَالَ أصحابنا: فإن قام بعد فراغه من قوله: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ فِي الْأُولَى جَازَ لِأَنَّهُ خَرَجَ مِنْ الصَّلَاةِ فَإِنْ قَامَ قَبْلَ شُرُوعِ الْإِمَامِ فِي التَّسْلِيمَتَيْنِ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ إلَّا أَنْ يَنْوِيَ مفارقة الامام فيجيء فِيهِ الْخِلَافُ فِيمَنْ نَوَى الْمُفَارَقَةَ وَلَوْ قَامَ بَعْدَ شُرُوعِهِ فِي السَّلَامِ قَبْلَ أَنْ يَفْرُغَ مِنْ قَوْلِهِ: عَلَيْكُمْ فَهُوَ كَمَا لَوْ قَامَ قَبْلَ شُرُوعِهِ ذَكَرَهُ الْبَغَوِيّ. وَقَالَ الْمُتَوَلِّي: إذَا قام المسبوق مقارناً لِلتَّسْلِيمَةِ الْأُولَى فَإِنْ قُلْنَا لِلْمَأْمُومِ الْمُوَافِقِ أَنْ يُسَلِّمَ مُقَارِنًا لِلْإِمَامِ جَازَ قِيَامُ الْمَسْبُوقِ لِأَنَّ كُلَّ حَالٍ جَازَ لِلْمُوَافِقِ السَّلَامُ فِيهَا جَازَ لِلْمَسْبُوقِ الْمُفَارَقَةُ
стр. 1611
فِيهَا كَمَا بَعْدَ السَّلَامِ وَإِنْ قُلْنَا لَا يَجُوزُ لِلْمُوَافِقِ السَّلَامُ مُقَارِنًا لَهُ لَمْ يَجُزْ لِلْمَسْبُوقِ الْقِيَامُ مَعَ الْمُقَارَنَةِ وَتَبْطُلُ صَلَاتُهُ إلَّا أَنْ يَنْوِيَ الْمُفَارَقَةَ وَلَوْ سلم الامام فمكت الْمَسْبُوقُ بَعْدَ سَلَامِهِ جَالِسًا وَطَالَ جُلُوسُهُ قَالَ أَصْحَابُنَا إنْ كَانَ مَوْضِعَ تَشَهُّدِهِ الْأَوَّلِ جَازَ وَلَا تَبْطُلُ صَلَاتُهُ لِأَنَّهُ جُلُوسٌ مَحْسُوبٌ مِنْ صَلَاتِهِ وَقَدْ انْقَطَعَتْ الْقُدْوَةُ وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ التَّشَهُّدَ الْأَوَّلَ يَجُوزُ تَطْوِيلُهُ لَكِنَّهُ يُكْرَهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَوْضِعَ تَشَهُّدِهِ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَجْلِسَ بَعْدَ تَسْلِيمِهِ لِأَنَّ جُلُوسَهُ كَانَ لِلْمُتَابَعَةِ وقد زالت فان جلس متعمدا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ وَإِنْ كَانَ سَاهِيًا لَمْ تَبْطُلْ وَيَسْجُدُ لِلسَّهْوِ» اهـ.
فائدة أخرى: قَالَ العلامة ابن قدامة ﵀ في [المغني] (١/ ٣٩٨):
«فَصْلٌ: فَإِنْ نَكَّسَ السَّلَامَ فَقَالَ: عَلَيْكُمْ السَّلَامُ. لَمْ يَجْزِهِ. قَالَ الْقَاضِي: فِيهِ وَجْهٌ آخَرُ، أَنَّهُ يُجْزِئُ. وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ يَحْصُلُ، وَلَيْسَ هُوَ بِقُرْآنٍ يُعْتَبَرُ فِيهِ النَّظْمُ. وَلَنَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَهُ مُرَتَّبًا، وَأَمَرَ بِهِ كَذَلِكَ. وَقَالَ لِأَبِي تَمِيمَةَ: "لَا تَقُلْ عَلَيْك السَّلَامُ. فَإِنَّ عَلَيْك السَّلَامُ تَحِيَّةُ الْمَوْتَى". رَوَاهُ أَحْمَدُ، فِي الْمُسْنَدِ، وَلِأَنَّهُ ذِكْرٌ يُؤْتَى بِهِ فِي أَحَدِ طَرَفَيْ الصَّلَاةِ، فَلَمْ يَجُزْ مُنَكَّسًا، كَالتَّكْبِيرِ» اهـ.
قلت: الأظهر عدم صحة التنكيس لما روى أحمد (١٦٠٥١) عَنْ أَبِي تَمِيمَةَ الْهُجَيْمِيِّ، قَالَ إِسْمَاعِيلُ مَرَّةً: عَنْ أَبِي تَمِيمَةَ الْهُجَيْمِيِّ، عَنْ رَجُلٍ، مِنْ قَوْمِهِ، قَالَ:
стр. 1612
«لَقِيتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ فِي بَعْضِ طُرُقِ الْمَدِينَةِ، وَعَلَيْهِ إِزَارٌ مِنْ قُطْنٍ مُنْبَتِرُ الْحَاشِيَةِ، فَقُلْتُ: عَلَيْكَ السَّلَامُ يَا رَسُولَ اللهِ، فَقَالَ: "إِنَّ عَلَيْكَ السَّلَامَ تَحِيَّةُ الْمَوْتَى، إِنَّ عَلَيْكَ السَّلَامَ تَحِيَّةُ الْمَوْتَى، إِنَّ عَلَيْكَ السَّلَامَ تَحِيَّةُ الْمَوْتَى، سَلَامٌ عَلَيْكُمْ، سَلَامٌ عَلَيْكُمْ مَرَّتَيْنِ" أَوْ ثَلَاثًا هَكَذَا قَالَ» الحديث.
ورواه أبو داود (٥٢١١) مختصراً.
قلت: هذا حديث صحيح. والرجل هو أَبِو جُرَىٍّ جَابِرِ بْنِ سُلَيْمٍ كما تدل عليه سائر الطرق والروايات.
قَالَ العلامة ابن القيم ﵀ في [زاد المعاد] (٢/ ٤٢١):
«وقد أشكل هذا الحديثُ على طائفة، وظنُّوهُ معارضاً لما ثبت عنه ﷺ فى السلام على الأموات بلفظ: "السَّلامُ عَلَيْكُم" بتقديم السلام، فظنوا أنَّ قوله: "فإنَّ عليكَ السلام تَحيَّةُ المَوْتَى" إخبار عن المشروع، وغلِطُوا في ذلك غلطاً أوجب لهم ظَنَّ التعارض، وإنَّما معنى قوله: "فإنَّ عَلَيْكَ السَّلامُ تَحيَّةُ المَوْتَى" إخبار عن الواقع، لا المشروعُ، أي: إنَّ الشعراء وغيرَهم يحيُّون الموتى بهذه اللفظة، كقول قائلهم:
عَلَيْكَ سَلَامُ اللهِ قَيْسَ بْنَ عَاصِمٍ … وَرَحْمَتُهُ مَا شاءَ أنْ يَتَرحَّما
فَمَا كَانَ قَيْسُ هُلْكُه هُلْكَ واحِدٍ … وَلَكنَّهُ بُنْيَانُ قَوْمٍ تهدَّمَا
فكره النبيُّ ﷺ أن يُحيَّى بتحية الأموات، ومِن كراهته لذلك لم يردَّ على المسلِّم بها» اهـ.
стр. 1613
فائدة أخرى: قَالَ العلامة ابن قدامة ﵀ في [المغني] (١/ ٣٩٨):
«فَصْلٌ: فَإِنْ قَالَ: سَلَامٌ عَلَيْكُمْ: مُنَكِّرًا مُنَوِّنًا، فَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا، يُجْزِئُهُ. وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّ التَّنْوِينَ قَامَ مَقَامَ الْأَلِفِ وَاللَّامِ، وَلِأَنَّ أَكْثَرَ مَا وَرَدَ فِي الْقُرْآنِ مِنْ السَّلَامِ بِغَيْرِ أَلِفٍ وَلَامٍ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ﴾ [الرعد: ٢٤]. وَقَوْلِهِ: ﴿يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمُ﴾ [النحل: ٣٢]. وَقَوْلِهِ: ﴿وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ [الزمر: ٧٣]. وَلِأَنَّا أَجَزْنَا التَّشَهُّدَ بِتَشَهُّدِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَأَبِي مُوسَى، وَفِيهِمَا: سَلَامٌ عَلَيْك. بِغَيْرِ أَلِفٍ وَلَامٍ، وَالتَّسْلِيمَتَانِ وَاحِدٌ. وَالْآخَرُ: لَا يُجْزِئُهُ؛ لِأَنَّهُ يُغَيِّرُ صِيغَةَ السَّلَامِ الْوَارِدِ، وَيُخِلُّ بِحَرْفٍ يَقْتَضِي الِاسْتِغْرَاقَ، فَيَتَغَيَّرُ الْمَعْنَى، فَلَمْ يُجْزِئْ، كَمَا لَوْ أَثْبَتَ اللَّامَ فِي التَّكْبِيرِ. وَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ الْآمِدِيُّ: لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يُنَوِّنَ التَّسْلِيمَ أَوْ لَا يُنَوِّنَهُ؛ لِأَنَّ حَذْفَ التَّنْوِينِ لَا يُخِلُّ بِالْمَعْنَى؛ بِدَلِيلِ مَا لَوْ وَقَفَ عَلَيْهِ» اهـ.
قلت: الإجزاء هو الأقوى. والله أعلم.
* * *
стр. 1614
٨٢ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ إذَا افْتَتَحَ الصَّلاةَ، وَإِذَا كَبَّرَ لِلرُّكُوعِ، وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ الرُّكُوعِ رَفَعَهُمَا كَذَلِكَ، وَقَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ. وَكَانَ لا يَفْعَلُ ذَلِكَ فِي السُّجُودِ».
وفي الحديث مسائل منها:
١ - استحباب رفع اليدين عند تكبيرة الإحرام، وإلى هذا ذهب عامة العلماء.
واختلف العلماء في وجوب ذلك واستحبابه.
قَالَ الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٥/ ١٦٢):
«والرفع في افتتاح الصلاة سنة مسنونة، وليس بركن ولا فرض عند جمهور العلماء، ولا تبطل الصلاة بتركه عند أحد منهم.
وحكي عن الحميدي وداود وأحمد بن يسار من الشافعية: أنَّه تبطل الصلاة بتركه. وروي عن علي بن المديني ما يشبهه، وأنَّ الرفع واجب، لا يحل تركه.
ونقل حرب، عن إسحاق ما يدل على بطلان الصلاة بترك الرفع عند تكبيرة الإحرام، وأنَّه واجب.
وهو قول أبي بكر بن أبي شيبة والجوزجاني.
стр. 1615
وقَالَ ابن خزيمة: هو ركن من أركان الصلاة، حكاه الحاكم في "تاريخ نيسابور" عن خاله أبي علي المؤذن -وأثنى عليه -، أنَّه سمع ابن خزيمة يقوله.
وحكاه ابن بد البر رواية عن الأوزاعي؛ لقوله فيمن ترك الرفع: نقصت صلاته. وهذا لا يدل؛ فإنَّ مراده: لم يتم سننها، كما قَالَ ابن سيرين: الرفع من تمام الصلاة.
ونص أحمد على أنَّ من ترك الرفع نقصت صلاته.
وفي تسميته: "من تمام الصلاة"، عنه روايتان. ولا خلاف أنَّه لا يبطل تركه عمداً ولا سهواً.
وتوقف إسحاق بن راهوية في تسميته: "ناقص الصلاة"، وقَالَ: لا أقول سفيان الثوري ناقص الصلاة.
واستدل الأكثرون على أنَّه غير واجب، بأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لم يعلمه المسيء في صلاته، كما علمه التكبير لافتتاح الصلاة، ولو كان حكم الرفع حكم التكبير لعلمه إياه معه.
وقد روى الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي: حدثني إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، قَالَ: بصر رسول الله ﷺ برجل يسيء في صلاته، فقَالَ له رسول الله ﷺ :
следующие страницы →