Полный текст (8 095 стр.). Показаны 1681–1720 · переход к 1686.
стр. 1681
قلت: والأظهر خلاف ذلك. والله أعلم.
٢ - ويدل الحديث على وجوب السجود على الأنف مع الجبهة.
قَالَ الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٦/ ٤٨ - ٥٠):
«واستدل بهذا من يقول: أنَّه يجب السجود على الأنف مع الجبهة، وهو قول مالك وأحمد -في رواية عنهما - وإسحاق، وأختار هذه الرواية عن أحمد أبو بكر عبد العزيز وغيره من أصحابنا -وأبي خيثمة وأبي بكر بن أبي شيبة.
وحكي قولاً للشافعي، رجحه بعض المتأخرين من أصحابه، إلَّا أنَّه خصه بحال الذكر.
وروي معناه عن طاووس والنخعي وسعيد بن جبير.
وروي عن ابن عمر، قَالَ: السجود على الأنف تحقيق السجود.
وسئل طاووس: الأنف من الجبين؟ قَالَ: هو خيره.
وروى عاصم، عن عكرمة، قَالَ: رأى النبي ﷺ رجلاً يصلي لا يمس أنفه الأرض، قَالَ: "لا تقبل صلاة لا يمس فيها الأنف ما يمس الجبين".
وخرّجه الدارقطني والحاكم -موصولاً-، عن ابن عباس، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ .
стр. 1682
وصحح الحاكم وصله، وصحح الأكثرون إرساله، منهم: أبو داود في "مراسيله" والترمذي في "علله" والدارقطني وغيرهم. وإلى ذلك يميل الإمام أحمد، وهو مرسل حسن.
ولو اقتصر على السجود على أنفه دون جبهته، لم يجزئه عند أحد من العلماء ممن أوجب السجود على الأنف، غير أبي حنيفة، وهي رواية عن الثوري، رواها عنه حسان بن إبراهيم.
وقَالَ كثير من العلماء: السجود على الأنف مستحب غير واجب، وروي عن الحسن والشعبي والقاسم وسالم، وهو قول الشافعي وسفيان وأحمد -في الرواية الثانية عنهما.
وحمل من قَالَ بذلك حديث ابن عباس على الاستحباب دون الوجوب، قَالَوا: لأنَّه عد الأعضاء المأمور بالسجود عليها سبعاً، ولو كان الأنف معها لكانت ثمانياً.
وهذا مردود، فإنَّ الأنف من الجبهة، كما قَالَ طاووس: هو خيرها.
وروي عنه، أنَّه كان يعد الأنف والجبهة واحداً.
فان قيل: فالجبهة لا يجب السجود على جميعها بالإجماع، ولو وجب السجود على الأنف لوجب استيعابها بالسجود عليها.
قيل: هذا الإجماع غير صحيح، وقد سبق قول من قَالَ بوجوب استيعابها بالسجود عليها.
стр. 1683
ولكن؛ قد قيل: إنَّ ذكر الأنف منها إنَّما هو من كلام طاووس -: قَالَه البيهقي وغيره.
وفي "سنن ابن ماجه" من رواية ابن عيينة، عن ابن طاووس هذا الحديث، وفيه: قَالَ ابن طاووس: وكان أبي يقول: الركبتين واليدين والقدمين، وكان يعد الجبهة والأنف واحداً.
كذا خرّجه عن هشام بن عمار، عن سفيان.
وخرّجه النسائي مِنْ طَرِيقِ سفيان -أيضاً -، وعنده: قَالَ سفيان: قَالَ لنا ابن طاووس: وضع يديه على جبهته، وأمرها على أنفه، وقَالَ: هذا واحد.
ورواه - أيضاً - الشافعي وابن المديني، عن ابن عيينة، عن ابن طاووس، عن أبيه - بمعناه.
خرّجه البيهقي.
وقَالَ: في حديث سفيان ما دل على أنَّ ذكر الأنف في الحديث من تفسير طاووس.
وخرّجه -أيضاً - مِنْ طَرِيقِ إبراهيم بن ميسرة، عن طاووس، عن ابن عباس، قَالَ: أمر النبي ﷺ أن يسجد منه على سبع، قَالَ ابن ميسرة: فقلت لطاووس: أرأيت الأنف؟ قَالَ: هو خيره.
وأيضاً؛ فقد قَالَ: "سبعة أعظم"، وطرف الأنف المسجود عليه ليس عظماً، فعلم أنَّه تابع لعظم الجبهة، وليس عضواً مستقلاً. فلو تعذر السجود على الجبهة لعذر،
стр. 1684
وقدر على السجود على أنفه، فهل يلزمه عند من لا يوجب السجود عليه؟ فيه قولان:
أحدهما: نعم، وينتقل الفرض إليه، وهو قول أبي حنيفة وصاحبيه والشافعي.
والثاني: لا ينتقل الفرض إليه، بل يومي بجبهته، ولا يلزمه السجود على أنفه، وهو قول مالك وأصحابنا، كما لا ينتقل فرض غسل اليدين والرجلين في الوضوء إلى موضع الحلية، إذا قدر على غسله، وعجز عن غسل اليدين والرجلين» اهـ.
٣ - قَالَ الحافظ ابن دقيق العيد ﵀ في [إحكام الأحكام] (١/ ١٥٤):
«قد يستدل بهذا على أنَّه لا يجب كشف شيء من هذه الأعضاء فإنَّ مسمى السجود يحصل بالوضع فمن وضعها فقد أتى بما أمر به فوجب أن يخرج عن العدة» اهـ.
قَالَ العلامة النووي ﵀ في [المجموع] (٣/ ٤٢٥ - ٤٢٦):
«"فرع" في مذاهب العلماء في السجود علي كمه وذيله ويده وكور عمامته وغير ذلك مما هو متصل به: قد ذكرنا أنَّ مذهبنا أنَّه لا يصح سجوده علي شيء من ذلك وبه قَالَ داود وأحمد في رواية وقَالَ مالك وأبو حنيفة والأوزاعي وإسحق وأحمد في الرواية الأخرى يصح قَالَ صاحب التهذيب وبه قَالَ أكثر العلماء» اهـ.
قلت: الصحيح كراهة السجود على كور العمامة ونحو ذلك من الثياب المتصلة بالمصلي ولا يصل الأمر إلى بطلان صلاة من فعل ذلك.
والدليل على الكراهة عدة أدلة منها:
стр. 1685
الدليل الأول قول الله تعالى: ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾. ومما ذكر من معناها:
أنَّه ما يتعلق من التراب بموضع السجود.
قلت: وهذا لا يكون إذا سجد الإنسان على حائل متصل به.
الدليل الثاني: ما رواه البخاري (١٢٠٨)، ومسلم (٦٢٠) عَنْ أَنَسٍ بْنِ مَالِكٍ، ﵁، قَالَ: «كُنَّا نُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي شِدَّةِ الْحَرِّ فَإِذَا لَمْ يَسْتَطِعْ أَحَدُنَا أَنْ يُمَكِّنَ وَجْهَهُ مِنَ الأَرْضِ بَسَطَ ثَوْبَهُ فَسَجَدَ عَلَيْهِ».
قلت: وهذا يدل على أنَّهم كانوا لا يسترون جباهم عند السجود إلَّا عند المشقة في كشفها.
الدليل الثالث: ما رواه البخاري (٨١٣)، ومسلم (١١٦٧) عن أبي سعيد الخدري ﵁ قَالَ: «اعْتَكَفَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَشْرَ الأُوَلِ مِنْ رَمَضَانَ وَاعْتَكَفْنَا مَعَهُ فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ فَقَالَ: إِنَّ الَّذِي تَطْلُبُ أَمَامَكَ فَاعْتَكَفَ الْعَشْرَ الأَوْسَطَ فَاعْتَكَفْنَا مَعَهُ فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ فَقَالَ إِنَّ الَّذِي تَطْلُبُ أَمَامَكَ فَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ خَطِيبًا صَبِيحَةَ عِشْرِينَ مِنْ رَمَضَانَ فَقَالَ: "مَنْ كَانَ اعْتَكَفَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فَلْيَرْجِعْ فَإِنِّي أُرِيتُ لَيْلَةَ الْقَدْرِ وَإِنِّي نُسِّيتُهَا وَإِنَّهَا فِي الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ فِي وِتْرٍ وَإِنِّي رَأَيْتُ كَأَنِّي أَسْجُدُ فِي طِينٍ وَمَاءٍ"، وَكَانَ سَقْفُ الْمَسْجِدِ جَرِيدَ النَّخْلِ وَمَا نَرَى فِي السَّمَاءِ شَيْئًا فَجَاءَتْ قَزْعَةٌ فَأُمْطِرْنَا فَصَلَّى بِنَا النَّبِيُّ صلى الله
стр. 1686
عليه وسلم حَتَّى رَأَيْتُ أَثَرَ الطِّينِ وَالْمَاءِ عَلَى جَبْهَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَأَرْنَبَتِهِ تَصْدِيقَ رُؤْيَاهُ».
قلت: وهذا مما يدل على أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه لم يكن يسجد على حائل يحول بينه وبين الأرض. وقد قَالَ النبي ﷺ : «وَصَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي». رواه البخاري (٦٣١) عن مالك بن الحويرث.
قلت: واختلف العلماء في كشف اليدين والصحيح عدم الوجوب.
قَالَ العلامة الشيرازي ﵀ كما في [المجموع] (٣/ ٤٢٦):
«فإذا قلنا بهذا - يعني وجوب السجود على الأعظم السبعة- لم يجب كشف القدمين والركبتين لأنَّ كشف الركبة يفضى إلى كشف العورة فتبطل صلاته والقدم قد يكون في الخف فكشفها يبطل السمح والصلاة وأمَّا اليد ففيه قولان» اهـ.
وقَالَ العلامة النووي ﵀ في [المجموع] (٣/ ٤٢٩):
«قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ: وَإِذَا أَوْجَبْنَا وَضْعَ هَذِهِ الْأَعْضَاءِ لَمْ يَجِبْ كَشْفُ الرُّكْبَتَيْنِ وَالْقَدَمَيْنِ لَكِنْ يُسْتَحَبُّ كَشْفُ الْقَدَمَيْنِ وَيَلْزَمُهُ عَدَمُ كَشْفِ الرُّكْبَتَيْنِ وَقَدْ سَبَقَ دَلِيلُ الْجَمِيعِ وَفِي وُجُوبِ كَشْفِ الْيَدَيْنِ قَوْلَانِ: الصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَجِبُ وَهُوَ الْمَنْصُوصُ فِي عَامَّةِ كُتُبِ الشَّافِعِيِّ كَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ.
وَالثَّانِي: يَجِبُ كَشْفُ أَدْنَى جُزْءٍ مِنْ بَاطِنِ كُلِّ كَفٍّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ» اهـ.
стр. 1687
٤ - الأمر بالسجود على اليدين، وأطراف القدمين هل يشمل ذلك إجزاء السجود على ظهر كفيه، وقدميه فيه نزاع.
قَالَ العلامة ابن قدامة ﵀ في [المغني] (١/ ٥٩٥):
«وإن جعل ظهور كفيه إلى الأرض وسجد عليهما أو سجد على أطراف أصابع يده فظاهر الخبر أنَّه يجزئه لأنَّه أمر بالسجود على اليدين وقد سجد عليهما وكذلك لو سجد على ظهور قدميه فإنَّه قد سجد على القدمين ولا يخلو من إصابة بعض أطراف قدميه الأرض فيكون ساجداً على أطراف قدميه ولكنه يكون تاركاً للأفضل الأحسن لما ذكرنا من الأحاديث في ذلك» اهـ.
وقَالَ العلامة النووي ﵀ في [المجموع] (٣/ ٤٢٨):
«وإن سجد علي ظهر كفيه لم يجزئه وَكَذَا إنْ سَجَدَ عَلَى حُرُوفِهَا وَإِنْ مَاسَّ الأرض ببعض يديه أصابعهما أو بعضها أو راحتيه أو بعضها أو سجد على ما عدا جبهته متغطياً أجزأه وهكذا فِي الرُّكْبَتَيْنِ وَالْقَدَمَيْنِ» اهـ.
وقَالَ ﵀ في [المجموع] (٣/ ٤٢٨ - ٤٢٩):
«وَالِاعْتِبَارُ فِي القدمين ببطون الأصابع فلو وضع غيرذلك لَمْ يُجْزِئْهُ وَنَقَلَ صَاحِبُ الْبَيَانِ عَنْ صَاحِبِ الْفُرُوعِ أَنَّهُ إنْ سَجَدَ عَلَى ظَاهِرِ قَدَمِهِ أَجْزَأَهُ وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ وَبِهِ قَطَعَ الرَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ وَالِاعْتِبَارُ فِي الْيَدَيْنِ بِبَاطِنِ الْكَفِّ سَوَاءٌ فِيهِ بَاطِنُ الْأَصَابِعِ وَبَاطِنُ الرَّاحَةِ فَإِنْ اقْتَصَرَ عَلَى بعض باطن الرَّاحَةِ أَوْ بَعْضِ بَاطِنِ الْأَصَابِعِ أَجْزَأَهُ
стр. 1688
وَإِنْ اقْتَصَرَ عَلَى ظَاهِرِ الْكَفَّيْنِ أَوْ حَرْفِهِمَا لَمْ يُجْزِئْهُ هَكَذَا نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ ﵀ فِي الْأُمِّ كما سبق بيانه وكذا قَطَعَ بِهِ الْجُمْهُورُ مِنْهُمْ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَالْمُتَوَلِّي وَخَالَفَهُمْ الْمَحَامِلِيُّ فِي التَّجْرِيدِ فَقَالَ الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِهِ السُّجُودُ هُوَ الرَّاحَتَانِ وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ وَأَنَّهُ يُجْزِيهِ بُطُونُ الْأَصَابِعِ كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ وَالْجُمْهُورُ لِأَنَّهُ يُسَمَّى سَاجِدًا عَلَى يَدَيْهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ» اهـ.
قلت: الأظهر ما ذهب إليه الشافعية من عدم إجزاء السجود على ظهر القدمين واليدين.
والسجود على بطون أصابع القدمين هي السنة الثابتة عن رسول الله ﷺ ويدل على ذلك ما رواه البخاري (٨٢٨) من حديث أبي حميد الساعدي وفيه: «فَإِذَا سَجَدَ وَضَعَ يَدَيْهِ غَيْرَ مُفْتَرِشٍ، وَلَا قَابِضِهِمَا وَاسْتَقْبَلَ بِأَطْرَافِ أَصَابِعِ رِجْلَيْهِ».
٥ - ولا يدخل في الحديث ما خرج عن موضع الفرض في السجود كمقطوع الكف أو القدم.
قَالَ العلامة النووي ﵀ في [المجموع] (٣/ ٤٢٩):
«لَوْ تَعَذَّرَ وَضْعُ أَحَدِ الْكَفَّيْنِ أَوْ أَحَدِ الْقَدَمَيْنِ لِقَطْعٍ أَوْ غَيْرِهِ فَحُكْمُ الْمَسْأَلَةِ كَمَا سَبَقَ وَلَا فَرْضَ فِي الْمُتَعَذِّرَةِ وَلَا يَجِبُ وَضْعُ طَرَفِ الزَّنْدِ مِنْ الْمَقْطُوعَةِ لِأَنَّ مَحَلَّ الْفَرْضِ فَاتَ فَلَا يَجِبُ غَيْرُهُ كَمَا لَوْ قُطِعَتْ مِنْ فَوْقِ الْمِرْفَقِ لَا يَجِبُ غَسْلُ الْعَضُدِ» اهـ.
стр. 1689
٦ - ولا يجزئ وضع الجبهة على اليدين عند السجود لما فيه من تداخل أعضاء السجود.
قَالَ العلامة النووي ﵀ في [المغني] (١/ ٣٧٢):
«وَإِنْ سَجَدَ عَلَى يَدَيْهِ لَمْ يَصِحَّ، رِوَايَةً وَاحِدَةً؛ لِأَنَّهُ سَجَدَ عَلَى عُضْوٍ مِنْ أَعْضَاءِ السُّجُودِ، فَالسُّجُودُ يُؤَدِّي إلَى تَدَاخُلِ السُّجُودِ» اهـ.
٧ - ولا يقوم غير الجبهة مقامها لأنَّ الحديث فيه الأمر بالسجود على الجبهة.
قَالَ العلامة النووي ﵀ في [المجموع] (٣/ ٤٢٣)
«وَلَوْ سَجَدَ عَلَى الْجَبِينِ وَهُوَ الَّذِي فِي جَانِبِ الْجَبْهَةِ أَوْ عَلَى خَدِّهِ أَوْ صُدْغِهِ أَوْ مُقَدَّمِ رَأْسِهِ أَوْ عَلَى أَنْفِهِ وَلَمْ يَضَعْ شَيْئًا مِنْ جَبْهَتِهِ عَلَى الْأَرْضِ لَمْ يُجْزِئْهُ بِلَا خِلَافٍ» اهـ.
وقَالَ الحافظ ابن رجب ﵀ [فتح الباري] (٧/ ٢٥٩ - ٢٦٠):
«فلو تعذر السجود على الجبهة لعذر، وقدر على السجود على أنفه، فهل يلزمه عند من لا يوجب السجود عليه؟ فيه قولان:
أحدهما: نعم، وينتقل الفرض إليه، وهو قول أبي حنيفة وصاحبيه والشافعي.
والثاني: لا ينتقل الفرض إليه، بل يومي بجبهته، ولا يلزمه السجود على أنفه، وهو قول مالك وأصحابنا، كما لا ينتقل فرض غسل اليدين والرجلين في الوضوء إلى موضع الحلية، إذا قدر على غسله، وعجز عن غسل اليدين والرجلين» اهـ.
стр. 1690
وجاء في [مجموع فتاوى ورسائل العثيمين] (١٣/ ١٨٦ - ١٨٧):
«وسئل فضيلة الشيخ - حفظه الله تعالى-: عمن يلبس نظارات كبيرة جداً، لا تمكنه من السجود كاملاً على الأعضاء السبعة فقد تحول دون الأنف، كما أنَّ البعض قد يلبس عقَالَاً سميكاً لا تتمكن جبهته من السجود، ويقولون: إنَّ مجرد ملامسة النظارة والعقَالَ للأرض كافيان عن ملامسة الأنف أو الجبهة للأرض لأنَّهما ملتصقان بهما، فما قولكم - وفقكم الله تعالى-؟
فأجاب فضيلته بقوله: أمَّا العقَالَ: فإن كان نازلاً إلى الجبهة فإنَّ السجود عليه كاف، لكنه مكروه للحيلولة دون اتصال جبهته بمكان السجود.
وأمَّا إذا كان العقَالَ ليس على الجبهة كما هو الغالب، ولكنه على أسفل الرأس، أو على المنحنى من الجبهة وارتفعت الجبهة على الأرض فإن ذلك لا يجزئه، لأنَّ الجبهة لم تمس الأرض ولا ما اتصل بالأرض.
أمَّا بالنسبة للنظارة فإن كانت تمنع من وصول طرف الأنف إلى الأرض فإنَّ السجود لا يجزئ، وذلك لأنَّ الذي يحمل الوجه هما النظارتان، وهما ليستا على طرف الأنف بل هما بحذاء العينين وعلى هذا فلا يصح السجود، ويجب على من عليه نظارة تمنعه من وصول أنفه إلى مكان السجود أن ينزعها في حال السجود» اهـ.
قلت: إذا كان لابس النظارة تمس جبهته الأرض فذالك كاف على الصحيح، وذلك أنَّ وضع الأنف في الأرض مما يستحب ولا يجب.
стр. 1691
وما ذكره ﵀ في السجود على العقَالَ صحيح، ويشبه ذلك صلاة الغوَّاص في قعر البحر، فإنَّ جهاز التنفس إذا كان لا يمنعه من وضع الجبهة على الأرض فلا إشكال في صحة صلاته، ولا يشترط أن تباشر جبهته الأرض فإنَّه إذا كان شيء من جهاز التنفس على الجبهة بحيث أنَّه إذا سجد باشرت جبهته ذلك الحائل فيكفي في صحة الصلاة كالسجود على كور العمامة.
٨ - وفي إمامة أقطع اليد أو القدم الذي يفوته بعض السجود نزاع والأظهر الصحة.
قَالَ العلامة ابن قدامة ﵀ في [المغني] (٢/ ١٤٤):
«فَصْلٌ: فَأَمَّا أَقْطَعُ الْيَدَيْنِ، فَقَالَ أَحْمَدُ ﵀: لَمْ أَسْمَعْ فِيهِ شَيْئًا. وَذَكَرَ الْآمِدِيُّ فِيهِ رِوَايَتَيْنِ؛ إحْدَاهُمَا: تَصِحُّ إمَامَتُهُ. اخْتَارَهَا الْقَاضِي؛ لِأَنَّهُ عَجْزٌ لَا يُخِلُّ بِرُكْنٍ فِي الصَّلَاةِ. فَلَمْ يَمْنَعْ صِحَّةَ إمَامَتِهِ، كَأَقْطَعِ أَحَدِ الرِّجْلَيْنِ وَالْأَنْفِ.
وَالثَّانِيَةُ: لَا تَصِحُّ. اخْتَارَهَا أَبُو بَكْرٍ؛ لِأَنَّهُ يُخِلُّ بِالسُّجُودِ عَلَى بَعْضِ أَعْضَاءِ السُّجُودِ، أَشْبَهَ الْعَاجِزَ عَنْ السُّجُودِ عَلَى جَبْهَتِهِ. وَحُكْمُ أَقْطَعِ الْيَدِ الْوَاحِدَةِ كَالْحُكْمِ فِي قَطْعِهِمَا جَمِيعًا.
وَأَمَّا أَقْطَعُ الرِّجْلَيْنِ فَلَا يَصِحُّ الِائْتِمَامُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ مَأْيُوسٌ مِنْ قِيَامِهِ، فَلَمْ تَصِحَّ إمَامَتُهُ كَالزَّمِنِ. وَإِنْ كَانَ مَقْطُوعَ إحْدَى الرِّجْلَيْنِ، وَيُمْكِنُهُ الْقِيَامُ، صَحَّتْ إمَامَتُهُ.
стр. 1692
وَيَتَخَرَّجُ عَلَى قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ أَنْ لَا تَصِحَّ إمَامَتُهُ؛ لِإِخْلَالِهِ بِالسُّجُودِ عَلَى عُضْوٍ. وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ؛ لِأَنَّهُ يَسْجُدُ عَلَى الْبَاقِي مِنْ رِجْلِهِ أَوْ حَائِلِهَا» اهـ.
٩ - من عجز عن السجود بالجبهة فلا يستحب له السجود على بقية الأعضاء.
وسبق ما قَالَه قَالَ العلامة ابن قدامة ﵀ في [المغني] (١/ ٥٨٩):
«وإن عجز عن السجود على بعض هذه الأعضاء سجد على بقيتها وقرب العضو المريض من الأرض غاية ما يمكنه ولم يجب عليه أن يرفع إليه شيئاً لأنَّ السجود هو الهبوط ولا يحصل ذلك برفع المسجود عليه وأن سقط السجود على الجبهة لعارض من مرض أو غيره سقط عنه السجود على غيره لأنَّه الأصل وغيره تبع له فإذا سقط الأصل سقط التبع» اهـ.
ونازع في ذلك العلامة ابن عثيمين ﵀ فقَالَ في [الشَّرْحُ الممتع] (٤/ ٣٣٧):
«مسألة: إذا كان لا يستطيعُ السُّجودَ على الجبهة فقط؛ لأنَّ فيها جروحاً لا يتمكَّنُ أن يمسَّ بها الأرض، لكن يقدِرُ باليدين وبالركبتين فماذا يصنع؟
الجواب: نأخذ بالقاعدة: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦] فيضعُ يديه على الأرضِ ويدنو مِنْ الأرضِ بقَدْرِ استطاعتِه؛ لقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ وأما قولُ مَنْ قَالَ مِنْ العلماءِ: إنَّه إذا عَجَزَ عن السُّجودِ بالجبهة لم يلزمه بغيرِها، فهذا قول ضعيفٌ؛ لأننا إذا طبَّقنا الآية الكريمة ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا
стр. 1693
اسْتَطَعْتُمْ﴾ كانت دالةً على أنَّه يجب أن يسجدَ على الأرضِ بما استطاعَ مِنْ أعضائِه، فإذا كان يستطيعُ أن يسجدَ على الكفين وَجَبَ.
ولو فَرَضْنا أنه لا يستطيعُ أن يسجدَ أبداً، بمعنى: لا يستطيعُ أن يحني ظهرَه إطلاقاً فحينئذ لا يلزمه أن يضعَ يديه على الأرضِ؛ لأنه لا يقرب مِنْ هيئةِ السُّجودِ، أما لو كان يستطيعُ أنْ يدنوَ مِنْ الأرضِ حتى يكون كهيئة السَّاجدِ، فهنا يجب عليه أنْ يسجدَ، ويُقرِّبَ جبهتَه مِنْ الأرضِ ما استطاعَ» اهـ.
قلت: الصحيح هو القول الأول، وذلك أنَّ وضع اليدين من غير وضع الجبهة لا يدخل في مسمى السجود، ومن وضع يديه على الأرض من غير أن يضع جبهته فلا يعد ساجداً لغة ولا شرعاً ولا عرفاً، ومثل ذلك وضع الركبتين، والقدمين.
١٠ - يجب أن توضع الجبهة على موضع يستطيع أن يمكن جبهته عليه إلَّا لعذر كالغريق فإنَّه يسجد على متن الماء للعذر كما هو مذكور في مذهب أحمد.
قَالَ العلامة ابن مفلح ﵀ في [الفروع] (٢/ ١١٦):
«فَلَوْ وَضَعَ جَبْهَتَهُ عَلَى قُطْنٍ مُنْتَفِشٍ وَنَحْوِهِ لَمْ تَصِحَّ» اهـ.
قلت: ولا يسجد على شيء لا يستقر عليه إلَّا من عذر.
قَالَ العلامة ابن مفلح ﵀ في [الفروع] (٢/ ١١٥):
стр. 1694
«لَا تَصِحُّ فِي أُرْجُوحَةٍ أَوْ مُعَلَّقٍ فِي الْهَوَاءِ أَوْ سَاجِدٍ عَلَى هَوَاءٍ مَا قُدَّامَهُ، أَوْ عَلَى حَشِيشٍ، أَوْ قُطْنٍ أَوْ ثَلْجٍ وَلَمْ يَجِدْ حَجْمَهُ، وَنَحْوُ ذَلِكَ، لِعَدَمِ الْمَكَانِ المستقر عليه» اهـ.
وقَالَ العلامة أبو بكر الحسيني الشافعي ﵀ في [كفاية الأخيار] (ص: ١٠٨)
«ثمَّ أقل السُّجُود أَنْ يضع على الأَرْض من الْجَبْهَة مَا يَقع عَلَيْهِ الِاسْم وَلَا بُد من تحامل فَلَا يَكْفِي الْوَضع حَتَّى تَسْتَقِر جَبهته فَلَو سجد على حشيش أَوْ شَيْء محشو وَجب أَنْ يتحامل حَتَّى ينكبس وَيظْهر أَثَره وَحجَّة ذَلِك قَوْله ﷺ : "إِذا سجدت فمكن جبهتك من الأَرْض وَلَا تنقر نقراً"» اهـ.
وقَالَ العلامة النووي ﵀ في [المجموع] (٣/ ٤٢٣):
«وَالصَّحِيحُ مِنْ الْوَجْهَيْنِ أَنَّهُ لَا يَكْفِي فِي وَضْعِ الْجَبْهَةِ الْإِمْسَاسُ بَلْ يَجِبُ أَنْ يَتَحَامَلَ عَلَى مَوْضِعِ سُجُودِهِ بِثِقَلِ رَأْسِهِ وَعُنُقِهِ حَتَّى تَسْتَقِرَّ جَبْهَتُهُ فَلَوْ سَجَدَ عَلَى قُطْنٍ أَوْ حشيش أو شئ مَحْشُوٍّ بِهِمَا وَجَبَ أَنْ يَتَحَامَلَ حَتَّى يَنْكَبِسَ ويظهر أثره علي يدٍ لو فُرِضَتْ تَحْتَ ذَلِكَ الْمَحْشُوِّ فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ لَمْ يُجْزِئْهُ وَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ عِنْدِي أَنَّهُ يَكْفِي إرْخَاءُ رَأْسِهِ وَلَا حَاجَةَ إلَى التَّحَامُلِ كَيْفَ فُرِضَ مَحَلُّ السُّجُودِ وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ وَبِهِ قَطَعَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْجُوَيْنِيُّ وَصَاحِبُ التَّتِمَّةِ وَالتَّهْذِيبِ» اهـ.
قلت: جاء الأمر بتمكين الوجه فيما رواه أبو داود (٨٥٩) حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ بَقِيَّةَ عَنْ خَالِدٍ عَنْ مُحَمَّدٍ - يَعْنِى ابْنَ عَمْرٍو - عَنْ عَلِىِّ بْنِ يَحْيَى بْنِ خَلاَّدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعٍ بِهَذِهِ الْقِصَّةِ قَالَ: «إِذَا قُمْتَ فَتَوَجَّهْتَ إِلَى الْقِبْلَةِ فَكَبِّرْ ثُمَّ اقْرَأْ بِأُمِّ
стр. 1695
الْقُرْآنِ وَبِمَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ تَقْرَأَ وَإِذَا رَكَعْتَ فَضَعْ رَاحَتَيْكَ عَلَى رُكْبَتَيْكَ وَامْدُدْ ظَهْرَكَ». وَقَالَ «إِذَا سَجَدْتَ فَمَكِّنْ لِسُجُودِكَ فَإِذَا رَفَعْتَ فَاقْعُدْ عَلَى فَخِذِكَ الْيُسْرَى».
قلت: إسناده حسن.
ورواه ابن خزيمة في [صحيحه] (٦٣٨) حَدَّثَنَا مُؤَمَّلُ بْنُ هِشَامٍ، أنا إِسْمَاعِيلُ يَعْنِي ابْنَ عُلَيَّةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ يَحْيَى بْنِ خَلاَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَمِّهِ رِفَاعَةَ فِي الْحَدِيثِ الطَّوِيلِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِلرَّجُلِ الَّذِي صَلَّى وَأَمَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ بِإِعَادَةِ الصَّلَاةِ قَالَ: «ثُمَّ إِذَا أَنْتَ سَجَدْتَ فَأَثْبِتْ وَجْهَكَ وَيَدَيْكَ حَتَّى يَطْمَئِنَّ كُلُّ عَظْمٍ مِنْكَ إِلَى مَوْضِعِهِ».
قلت: إسناده حسن.
والأظهر مشروعية السجود على المفارش المبطنة بالإسفنج لإمكان تمكين الجبهة عند السجود عليها.
وقد جاء في "لقاء الباب المفتوح" للعلامة ابن عثيمين ﵀.
قَالَ السائل: سمعنا لك فتوى عن اللَّبَّاد أنَّه لا يجوز فرشُه في المسجد، وهو إسفنج يوضع تحت سِجَّاد المسجد.
فأجاب الشيخ: الإسفنج لا أقول: إنَّه حرام؛ لكن أقول: لا ينبغي أن يصل بنا الحد إلى هذا الترف، ثم إذا كان الإسفنج ليناً فإن وضعتَ عليه جبهتك وضعاً فقط دون أن تكبس عليه فهذا لا يجزئك في السجود، وقد ذكر ذلك أهل العلم في
стр. 1696
كتبهم، قَالَوا: إذا سجد الإنسان على عِهْنٍ منفوشٍ أو على قطن، واقتصر على مُمَاسَّة الجبهة لهذا فقط دون أن يكبس عليها فإنَّ سجوده لا يصح، وهذا حق، والدليل على ذلك حديث أنس بن مالك ﵁ قَالَ: "كنا نصلي مع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في شدة الحر، فإذا لم يستطع أحدنا أن يُمَكِّن جبهته من الأرض بسط ثوبه فسجد عليه".
وفي قوله: "يُمَكِّن جبهته" دليلٌ على أنَّه لابد من التمكين.
هذا هو الجواب؛ أنني لا أحبِّذ أن يصل بنا الترف إلى هذا الحد، وإذا كان الصحابة في عهد الرسول ﵊ يصلون على الحصباء -أي: الحصى-، وكما سمعتَ حديث أنس، إذا لم يستطع تمكين جبهته في الأرض بسط ثوبه فسجد عليه، فكيف يصل بنا الترف إلى أن نجعل مساجدنا كأنها فُرُش نوم؟! أمَّا أنَّه حرام فلا أستطيع أن أقول: إنَّه حرام، وذلك لأنَّه لا يحل لأحد أن يقول في شيء أنَّه حرام إلَّا بنص، واعلموا أن أئمتنا ﵏ كالإمام أحمد وغيره لا يقول بالحُرْمة إلا في الشيء الذي ورد فيه نص أنَّه حرام، حتى لو كانت هناك أدلة دلت على تحريمه، فإنَّه لا يستطيع، بل كان في إجاباته كثيراً ما يقول: لا أحب ذلك، أو أكره ذلك، أو هذا لا ينبغي، أو اترك هذا، أو تجنب هذا، وأحياناً يراجَع فيقَالَ له: هل هو حرام، فيقول: لا أدري، افعل كذا، فالتحريم شيء صعب جداً.
الآن نحن تَرِدُ إلينا أسئلة، فنقول: لا تفعل هذا، ثم يجيئك السائل فيقول: هل هذا حرام؟ فنقول: لا تفعل، وهل لا يتجنب الإنسانُ الشيءَ إلَّا إذا كان حراماً؟!
стр. 1697
فالمهم: أني ما قلتُ إن الإسفنج في المسجد حرام، وهذا الذي يُقَالَ عني كذب؛ لكن ستسمعون أشياء عجيبة، إنَّما الواجب عليكم إذا سمعتم مثل ذلك أن تتصلوا بي وتسألوني، فالحمد لله التليفونات موجودة، والسيارات موجودة، وكل شيء بحمد الله موجود اهـ.
قلت: وهناك من العلماء من لم يوجب تمكين الجبهة في الأرض، والصحيح ما سبق.
قَالَ العلامة ابن غنيم ﵀ في [الفواكه الدواني] (١/ ١٨١):
«فَيَحْصُلُ بِمَسِّ الْأَرْضِ بِالْجَبْهَةِ وَلَوْ مِنْ غَيْرِ تَمْكِينٍ» اهـ.
قلت: ويشرع السجود على كل ما يستقر عليه.
قَالَ العلامة ابن غنيم ﵀ في [الفواكه الدواني] (١/ ١٨١ - ١٨٢):
«وَالسُّجُودُ شَرْعًا أَقَلُّهُ الْوَاجِبُ لُصُوقُ الْأَرْضِ أَوْ مَا اتَّصَلَ بِهَا مِنْ سَطْحِ غُرْفَةٍ أَوْ سَرِيرِ خَشَبٍ أَوْ شَرِيطٍ لِلْمَرِيضِ الْعَاجِزِ عَنْ النُّزُولِ إلَى الْأَرْضِ كَائِنًا ذَلِكَ، وَاللُّصُوقُ عَلَى أَدْنَى جُزْءٍ مِنْ جَبْهَتِهِ وَهِيَ مُسْتَدِيرُ مَا بَيْنَ الْحَاجِبَيْنِ إلَى النَّاصِيَةِ، فَالْفَرْضُ يَحْصُلُ بِمَسِّ الْأَرْضِ بِأَدْنَى جُزْءٍ مِنْ جَبْهَتِهِ وَإِلْصَاقِ جَمِيعِهَا بِحَيْثُ تَسْتَقِرُّ مُنْبَسِطَةً مُسْتَحَبٌّ فَقَطْ، كَمَا يُسْتَحَبُّ السُّجُودُ عَلَى الْأَنْفِ، وَقِيلَ: يَجِبُ لَا عَلَى جِهَةِ الشَّرْطِيَّةِ فَيُعِيدُ الصَّلَاةَ لِتَرْكِهِ فِي الْوَقْتِ، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ خَلِيلٌ حَيْثُ قَالَ: وَسُجُودٌ عَلَى جَبْهَتِهِ وَأَعَادَ لِتَرْكِ أَنْفِهِ بِوَقْتٍ، وَبِمَا قَرَّرْنَا تَعْلَمُ أَنَّ مَا اتَّصَلَ بِالْأَرْضِ
стр. 1698
كَالْأَرْضِ، وَأَنَّ الْفَرْضَ السُّجُودُ بِالْجَبْهَةِ لَا بِالْأَنْفِ خِلَافًا لِمَا يُوهِمُهُ كَلَامُهُ، وَأَمَّا السُّجُودُ عَلَى نَحْوِ الْقُطْنِ وَالصُّوفِ وَالْحَشِيشِ الَّذِي لَا يَسْتَقِرُّ تَحْتَ جَبْهَةِ السَّاجِدِ فَلَا يَصِحُّ كَالسُّجُودِ عَلَى الْعِمَامَةِ إلَّا مَا كَانَ قَدْرَ الطَّاقَةِ وَالطَّاقَتَيْنِ اللَّطِيفَتَيْنِ، وَأَمَّا السُّجُودُ عَلَى السَّرِيرِ فَإِنْ كَانَ مِنْ الْخَشَبِ فَهُوَ كَسَقْفِ الْبَيْتِ يَصِحُّ السُّجُودُ عَلَيْهِ لِتَنَزُّلِهِ مَنْزِلَةَ الْأَرْضِ وَلَوْ لِلصَّحِيحِ، بِخِلَافِ مَا كَانَ مِنْ شَرِيطٍ أَوْ حَبْلٍ فَلَا يَصِحُّ السُّجُودُ عَلَيْهِ إلَّا لِمَنْ لَا يَسْتَطِيعُ النُّزُولَ عَلَى الْأَرْضِ، وَأَمَّا مَنْ لَا يَسْتَطِيعُ السُّجُودَ وَلَوْ عَلَى سَرِيرٍ فَيَكْفِيهِ الْإِيمَاءُ، وَلَوْ كَانَ يَسْتَطِيعُ عَلَى أَنْفِهِ فَقَطْ؛ لِأَنَّ السُّجُودَ عَلَى الْأَنْفِ إنَّمَا يُطْلَبُ تَبَعًا لِلسُّجُودِ عَلَى الْجَبْهَةِ فَحَيْثُ سَقَطَ فَرْضُهَا سَقَطَ تَابِعُهَا» اهـ.
قلت: السجود على ما كان المصلي عليه مستقراً وإن كان متحركاً في نفسه يصح على الصحيح كالصلاة في السفينة والطائرة.
وقد جاء في ذلك ما رواه الحاكم في [المستدرك] (١٠٢١)، ومِنْ طَرِيقِه البيهقي في [الكبرى] (٥٢٧٧) أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عُقْبَةَ الشَّيْبَانِيُّ بِالْكُوفَةِ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ أَبِي الْحُسَيْنِ، ثنا الْفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ، ثنا جَعْفَرُ بْنُ بُرْقَانَ، عَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ عَنِ الصَّلَاةِ فِي السَّفِينَةِ، فَقَالَ: كَيْفَ أُصَلِّي فِي السَّفِينَةِ؟ قَالَ: «صَلِّ فِيهَا قَائِمًا إِلَّا أَنْ تَخَافَ الْغَرَقَ».
стр. 1699
قلت: إسناد ظاهره الصحة، وجعفر بن برقان ثقة في غير الزهري كما هاهنا. ومع ذلك حكم عليه الحاكم بالشذوذ وتابعه الحافظ الذهبي.
وأمَّا البيهقي ﵀ فقَالَ في [الكبرى] (٣/ ١٥٥): «وحديث أبي نعيم الفضل بن دكين حسن» اهـ.
وتجوز الصلاة في السفينة وإن كان قادراً على الصلاة على الشاطئ على الصحيح، ويدل على ذلك ما رواه عبد الرزاق في [مصنفه] (٤٥٥٧) عَنِ الثَّوْرِيِّ، عَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي عُتْبَةَ قَالَ: «كُنْتُ مَعَ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وَأَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، وَأَبِي الدَّرْدَاءِ، وَأُرَاهُ ذَكَرَ أَبَا هُرَيْرَةَ فِي سَفِينَةٍ، فَأَمَّنَا الَّذِي أَمَّنَا قَائِمًا، وَلَوْ شِئْنَا أَنْ نَخْرُجَ لَخَرَجْنَا».
قلت: هذا أثر صحيح.
ومثل الصلاة في السفينة الصلاة في المحمل الواسع على الدواب أو المراكب الواسعة الحديثة إذا كان يمكنه فيها القيام واستقبال القبلة، ويصح الصلاة فيها وإن كانت سائرة.
قَالَ شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في [شرح العمدة] (٤/ ٥١١ - ٥١٣):
стр. 1700
«فإن صلى في سفينة وأتى بجميع أركان الصلاة من القيام والاستقبال وغيرهما أو على راحلة بأن تكون معقولة وفوقها مقعد واسع أو يكون في محفة كبيرة أو محمل واسع فهل تصح صلاة الفرض لغير عذر على روايتين:
أشهرهما عند أصحابنا أنَّها تصح قَالَوا: وسواء كانت الدابة والسفينة سائرتين أو واقفتين.
وفي الأخرى لا تصح لأنَّ مكانه ليس بمستقر لأنَّها إن كانت سائرة فهو تابع لها في الحركة وإن لم يكن في نفسه متحركاً فهو كالمصلي في الأرجوحة، وإن كانت واقفة فهي في مظنة الحركة.
ومن أصحابنا من حكى الروايتين في السفينة وقَالَ في الراحلة لا تجوز الصلاة عليها رواية واحدة إلَّا لعذر كما سياتي إن شاء الله تعالى.
ووجه الأول ما روى عبد الله بن عتبة قَالَ: سافرت مع أبي الدرداء وأبي سعيد الخدري وجابر بن عبد الله وأبي هريرة وناس من أصحاب النبي ﷺ فصلوا من السفينة قياماً وأمهم بعضهم بمقدمهم قَالَ: ولو شئنا أن نخرج إلى الحد الآخر خرجنا، والحد هو الشاطئ رواه سعيد. ولأنَّه مكان معتاد للتمكن عليه أتى فيه بجميع الشرائط والأركان فصحت صلاته عليه كالسرير.
стр. 1701
وأمَّا كون المصلي متحركاً فليس بصحيح لأنَّه في نفسه ساكن مستقر وإنَّما يوصف بالحركة على سبيل التبع لأنَّ مستقره متحرك لكن تلك الحركة لا أثر لها في صلاته فإنَّه لا فرق بين الجلوس في السفينة والجلوس على الأرض.
وأمَّا الصلاة على العجلة فقَالَ ابن عقيل: لا تصح الصلاة على العجلة قَالَ: وهي خشبة على بكر تسير على تلك البكر لأنَّ ذلك ليس بمكان مستقر عليه فأشبه الأرجوحة وعد غيره من أصحابنا الصلاة فيها كالصلاة في السفينة تصح في ظاهر المذهب وهذا أجود» اهـ.
قلت: ولا تصح الصلاة على الأرجوحة على الصحيح لأنَّ المصلي عليها ليس بمستقر.
والسجود على الثلج المتماسك صحيح، وإن كان هشاً لا تستقر عليه الجبهة فلا يصح.
قَالَ العلامة ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٢/ ٤٤٧ - ٤٥٢):
«المسألة الثالثة:
إذا كان المستعلي على وجه الأرض مما لا يبقى على حاله كالثلج والجليد، فقد حكى عن الحسن جواز الصلاة على الجليد.
стр. 1702
ومعناه: إذا جمد النهر جازت الصلاة فوقه.
وقد صرح بجوازه أصحابنا وغيرهم من الفقهاء؛ فإنَّه يصير قراراً متمكناً
كالأرض، وليس بطريق مسلوك في العادة حتى تلحق الصلاة عليه بقارعة الطريق في الكراهة.
وحكى البخاري عن ابن عمر، أنَّه صلى على الثلج.
ونص أحمد على جواز الصلاة عليه والسجود عليه.
ونقل عنه حرب، قَالَ: يبسط عليه ثوباً ويصلي.
قلت: فإن لم يكن معه إلَّا الثوب الذي على جسده؟ قَالَ: إن أمكنه السجود عليه سجد، وإلَّا أومأ.
قَالَ وإذا كان الثلج بارداً فإنَّه عذر، وسهل فيه.
قَالَ: وسمعت إسحاق - يعني: ابن راهويه - يقول: إذا صليت في الثلج أو الرمضاء أو البرد أو الطين فآذاك فاسجد على ثوبك، وإذا اشتد عليك وضع اليدين على الأرض فضعهما على ثوبك، أو أدخلهما كميك، ثم اسجد كذلك.
стр. 1703
قَالَ: وسمعته - مرة أخرى - يقول: إن كنت في ردغة أو ماء أو الثلج، لا تستطيع أن تسجد، فاومئ إيماء، كذلك فعل أنس بن مالك وجابر بن زيد وغيرهما. انتهى.
وأنس إنَّما صلى على راحلته في الطين، لا على الأرض.
وحاصل الأمر: أنَّه يلزمه السجود على الثلج ما لم يكن عليه فيه ضرر، فإن كان عليه ضرر لم يلزمه، وأجزأه أن يومئ.
ولأصحابنا وجه آخر: أنَّه يلزمه السجود عليه بكل حال، ولا يجزئه الإيماء.
والثلج نوعان: تارة يكون متجلداً صلباً، فهذا حكمه حكم الجليد كما تقدم، وتارة يكون رخواً لا تستقر الأعضاء عليه، فيصير كالقطن والحشيش ونحوهما.
ومن سجد على ذلك لم يجزئه إلَّا من عذر، صرح بذلك طائفة من أصحابنا، وجعلوا استقرار الجبهة بالأرض شرطاً، واستدلوا بأنَّه لو علق بساطاً في الهواء وصلى عليه لم يجزئه، وكذا لو سجد على الهواء أو الماء.
وللشافعية في ذلك وجهان:
أصحابنا عندهم: أنَّه يلزمه أن يتحامل على ما يسجد عليه بثقل رأسه وعنقه حتى يستر جبهته، ولا تصح صلاة بدون ذلك.
стр. 1704
والثاني: لا يجب ذلك.
ولهم - أيضاً - في الصلاة على الأرجوحة، وعلى سرير تحمله الرجال وجهان، أصحهما: الصحة.
وروى عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن موسى بن عقبة، عن صالح مولى التوأمة، قَالَ: سمعت ابن عباس يقول: سأل رجل النبي ﷺ عن شيء من أمر الصلاة، فقَالَ له رسول الله ﷺ : "إذا سجدت فأمكن جبهتك من الأرض، حتى تجد حجم الأرض".
خرجه الإمام أحمد.
وفي إسناده لين.
وروى حرب الكرماني: ثنا إسحاق - هو: ابن راهويه -: ثنا سويد بن عبد العزيز، عن أبي جبيرة زيد بن جبيرة، عن داود بن حصين، عن نافع، عن ابن عمر، قَالَ: أصاب الناس الثلج على عهد عمر بن الخطاب، فبسط بساطاً ثم صلى
عليه، وقَالَ: إنَّ الثلج لا يتيمم به، ولا يصلي عليه.
واحتج إسحاق بهذا الحديث.
وإسناده ضعيف؛ فإنَّ زيد بن جبيرة وسويد بن عبد العزيز ضعيفان.
стр. 1705
وقد روى أبو عبيد في كتاب "الطهور" بإسناد آخر، وفيه ضعف - أيضاً -: أنَّ عمر أصابه الثلج بالجابية لما قدم الشام، فقَالَ: إنَّ الثلج لا يتيمم به.
ولم يذكر الصلاة.
واختلف الرواة عن أحمد في الغريق في الماء: هل يومي بالسجود، أم يلزمه أن يسجد بجبهته على الماء؟ على روايتين عنه.
وقَالَ القاضي أبو يعلى في بعض كتبه: لم يوجب أحمد السجود على الماء؛ لأنَّه ليس بقرار، وإنَّما أراد أنَّه يجب عليه أن يومي في الماء إلى قرب الأرض، وإن غاص وجهه في الماء.
وهذا الذي قَالَه بعيد جداً.
وحمل أبو بكر عبد العزيز الروايتين عن أحمد على حاليين: فإن أمكنه السجود على متن الماء سجد، وألَّا أومأ.
وقَالَ أبو بكر الخلال: قول أحمد: يومئ، يريد بالركوع. وقوله: يسجد على متن الماء، في السجود.
فلم يثبت عن أحمد في الإيماء بالسجود خلافاً.
стр. 1706
ولو كان في وحل وطين لم يلزمه السجود عليه، وإنَّما عليه أن يومئ، ولم يحك أكثر الأصحاب فيه خلافاً، بل قَالَ ابن أبي موسى: لا يلزمه ذلك - قولاً واحداً.
ومنهم من خرج فيه وجهاً آخر: بوجوب السجود على الطين إذا قلنا: لا تجوز له الصلاة في الطين على راحلته، بل تلزمه الصلاة بالأرض، وهو رواية عن أحمد واختارها ابن أبي موسى.
وفرق ابن أبي موسى بين المسألتين، ووجه الفرق: أنَّ المانع من الصلاة على الراحلة امتناع القيام والاستقرار الأرض دون امتناع السجود بالأرض، ولأنَّ في السجود على الطين ضرراً؛ فإنَّه ربما دخل في عينيه وأنفه وفمه، وربما غاص فيه رأسه وشق عليه رفعه، فلا يلزمه، بخلاف السجود على متن الماء.
وممن قَالَ: يومئ بالسجود ولا يسجد على الطين: أبو الشعثاء وعمارة بن غزية.
وفيه حديث مرفوع:
خرجه الطبراني وابن عدي مِنْ طَرِيقِ محمد بن فضاء، عن أبيه، عن علقمة بن عبد الله، عن أبيه، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: "إذا لم يقدر أحدكم على الأرض، إذا كنتم في طين أو قصب أومئوا إيماءاً".
وفي رواية لابن عدي: "أو في ماء أو في ثلج".
стр. 1707
ومحمد بن فضاء، ضعيف؛ ضعفه يحيى والنسائي وغيرهما.
ومذهب مالك: أنَّه يصلي في الطين بالأرض، ولا يصلي على الراحلة.
واختلفت الرواية عنه في السجود في الطين: فروي عنه: أنَّه يسجد عليه. وروي عنه أنَّه يومئ.
وحمل ذلك طائفة من أصحابه على اختلاف حالين: فالحال التي يسجد عليه: إذا كان خفيفاً، كما سجد النبي ﷺ في اعتكافه في الماء والطين، وانصرف وعلى جبهته أثر الماء والطين. والحال التي يومئ: إذا كان كثيراً، يغرق فيه المصلي.
ونص أحمد على أنَّه إذا خشي أن تفسد ثيابه بالسجود على الطين أومأ، ولم يسجد عليه.
وكذا قَالَ أبو الشعثاء جابر بن زيد» اهـ.
قَالَ العلامة ابن قدامة ﵀ في [المغني] (٣/ ٤٩ - ٥٠):
«مسألة: قَالَ: "ومن كان في ماء وطين أومأ إيماء".
стр. 1708
وجملة ذلك، أنَّه إذا كان في الطين والمطر ولم يمكنه السجود على الأرض إلَّا بالتلوث بالطين والبلل بالماء، فله الصلاة على دابته، يومئ بالركوع والسجود، وإن كان راجلاً أومأ بالسجود أيضاً، ولم يلزمه السجود على الأرض.
قَالَ الترمذي: روي عَنْ أَنَسٍ بن مالك أنَّه صلى على دابته في ماء وطين.
وفعله جابر بن زيد، وأمر به طاووس، وعمارة بن غزية.
قَالَ الترمذي: والعمل على هذا عند أهل العلم، وبه يقول إسحاق.
وقَالَ أصحاب الشافعي: لا يجوز أن يصلي الفرد على الراحلة لأجل المطر؛ لحديث أبي سعيد، ولأنَّ السجود والقيام من أركان الصلاة فلم يسقط بالمطر، كبقية أركانها.
ولنا، ما روى يعلى بن أمية، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : أنَّه انتهى إلى مضيق، ومعه أصحابه، والسماء من فوقهم، والبلة من أسفل منهم، فصلى رسول الله ﷺ على راحلته، وأصحابه على ظهور دوابهم، يومئون إيماء، يجعلون السجود أخفض من الركوع. رواه الأثرم، والترمذي.
стр. 1709
وقَالَ: تفرد به عمر بن الرماح البلخي، وقد روى عنه غير واحد من أهل العلم، قَالَ القاضي أبو يعلى: سألت أبا عبد الله الدامغاني، فقَالَ: مذهب أبي حنيفة أن يصلي على الراحلة في المطر والمرض.
وقَالَ أصحاب الشافعي: لا يجوز أن يصلي الفرض على الراحلة لأجل المطر والمرض.
وعن مالك كالمذهبين.
واحتج من منع ذلك بحديث أبي سعيد الخدري: "فأبصرت عيناي رسول الله ﷺ انصرف وعلى جبهته وأنفه أثر الماء والطين" وهذا حديث صحيح.
ولنا، ما رويناه من الحديث، وفعل أنس. قَالَ أحمد، ﵀: قد صلى أنس وهو متوجه إلى سرابيط في يوم مطر المكتوبة على الدابة رواه الأثرم بإسناده، وذكره الإمام أحمد، ولم ينقل عن غيره خلافه، فيكون إجماعاً، ولأنَّ المطر عذر يبيح الجمع، فأثر في أفعال الصلاة كالسفر يؤثر في القصر.
وأمَّا حديث أبي سعيد فيحتمل أنَّ الطين كان يسيراً لا يؤثر في تلويث الثياب» اهـ.
стр. 1710
قلت: حديث يعلى بن مرة رواه أحمد (١٧٦٠٩)، والترمذي (٤١١) مِنْ طَرِيقِ عُمَرَ بْنِ مَيْمُونِ بْنِ الرَّمَّاحِ، عَنْ أَبِي سَهْلٍ كَثِيرِ بْنِ زِيَادٍ الْبَصْرِيِّ، عَنْ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ بْنِ يَعْلَى بْنِ مُرَّةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ انْتَهَى إِلَى مَضِيقٍ هُوَ وَأَصْحَابُهُ، وَهُوَ عَلَى رَاحِلَتِهِ، وَالسَّمَاءُ مِنْ فَوْقِهِمْ، وَالْبَلَّةُ مِنْ أَسْفَلَ مِنْهُمْ، فَحَضَرَتِ الصَّلَاةُ، فَأَمَرَ الْمُؤَذِّنَ، فَأَذَّنَ وَأَقَامَ، ثُمَّ تَقَدَّمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى رَاحِلَتِهِ، فَصَلَّى بِهِمْ يُومِئُ إِيمَاءً، يَجْعَلُ السُّجُودَ أَخْفَضَ مِنَ الرُّكُوعِ، أَوْ يَجْعَلُ سُجُودَهُ أَخْفَضَ مِنْ رُكُوعِهِ».
قلت: وهذا حديث لا يثبت فعمرو بن عثمان بن يعلى بن مرة لا يعرف هو ولا أبوه.
وأثر أنس رواه ابن أبي شيبة في [مصنفه] (٥٠٠٢)، وعبد الرزاق في [مصنفه] (٤٥١١)، والطبراني في [الكبير] (٦٧٩) مِنْ طَرِيقِ أَنَسِ بْنِ سِيرِينَ، قَالَ:
«أَقْبَلْتُ مَعَ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ مِنَ الْكُوفَةِ حَتَّى إِذَا كُنَّا بِأَطَطٍ وَقَدْ أَخَذَتْنَا السَّمَاءُ قَبْلَ ذَلِكَ وَالْأَرْضُ ضَخْضَاخٌ فَصَلَّى أَنَسٌ وَهُوَ عَلَى حِمَارٍ مُسْتَقْبِلٌ الْقِبْلَةَ وَأَوْمَأَ إِيمَاءً وَجَعَلَ السُّجُودَ أَخْفَضَ مِنَ الرُّكُوعِ».
قلت: هذا أثر صحيح.
وفي رواية عبد الرزاق أنَّها صلاة العصر.
وروى عبد الرزاق في [مصنفه] (٤٥١٢) عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ عَاصِمٍ الْأَحْوَلِ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: «إِنَّهُ كَانَ يَسِيرُ فِي مَاءٍ وَطِينٍ، فَحَضَرَتِ الصَّلَاةُ الْمَكْتُوبَةُ فَلَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَخْرُجَ مِنْ ذَلِكَ الْمَاءِ». قَالَ: «وَخَشِينَا أَنْ تَفُوتَنَا الصَّلَاةُ فَاسْتَخَرْنَا اللَّهَ وَاسْتَقْبَلْنَا الْقِبْلَةَ، فَأَوْمَأْنَا عَلَى دَوَابِّنَا إِيمَاءً».
قلت: هذا أثر صحيح.
стр. 1711
قَالَ شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في [شرح العمدة] (٤/ ٥١٩): «ولم ينقل عن صحابي خلافه» اهـ.
١١ - ولا بد عند السجود على الأعضاء السبعة أن تكون جبهته أهبط من عجيزته إلَّا لعذر.
قَالَ العلامة النووي ﵀ في [المجموع] (٣/ ٤٣٥ - ٤٣٦):
«قَالَ أَصْحَابُنَا الْخُرَاسَانِيُّونَ: التَّنَكُّسُ فِي السُّجُودِ شَرْطٌ لِصِحَّتِهِ قَالَوا وَلِلسَّاجِدِ ثَلَاثَةُ أَحْوَالٍ:
إحْدَاهَا: أَنْ تَكُونَ أَسَافِلُهُ أَعْلَى مِنْ أَعَالِيهِ فَتَكُونَ عَجِيزَتُهُ مُرْتَفِعَةً عَنْ رَأْسِهِ وَمَنْكِبَيْهِ فَهَذِهِ هَيْئَةُ التَّنَكُّسِ الْمَطْلُوبَةُ وَمَتَى كَانَ الْمَكَانُ مُسْتَوِيًا فَحُصُولُهَا هَيِّنٌ وَلَوْ
стр. 1712
كَانَ مَوْضِعُ الرَّأْسِ مُرْتَفِعًا قَلِيلًا فَقَدْ رَفَعَ أَسَافِلَهُ وَتَحْصُلُ هَذِهِ الْهَيْئَةُ أَيْضًا وَتَصِحُّ صَلَاتُهُ بِلَا شَكٍّ.
الثَّانِيَةُ: ألَّا أَنْ تَكُونَ أَعَالِيهِ أَرْفَعَ مِنْ أَسَافِلِهِ بِأَنْ يَضَعَ رَأْسَهُ عَلَى ارْتِفَاعٍ فَيَصِيرَ رَأْسُهُ أَعْلَى مِنْ حِقْوَيْهِ فَلَا يُجْزِئُهُ لِعَدَمِ اسْمِ السُّجُودِ كَمَا لَوْ أَكَبَّ عَلَى وَجْهِهِ وَمَدَّ رِجْلَيْهِ فإنَّه لا يجزئه بِلَا شَكٍّ قَالَ صَاحِبُ التَّتِمَّةِ إلَّا أَنْ تَكُونَ بِهِ عِلَّةٌ لَا يُمْكِنُهُ السُّجُودُ إلَّا هَكَذَا فَيُجْزِئُهُ.
الثَّالِثَةُ: أَنْ يَسْتَوِيَ أَعَالِيهِ وَأَسَافِلُهُ لِارْتِفَاعِ مَوْضِعِ الْجَبْهَةِ وَعَدَمِ رَفْعِهِ الْأَسَافِلَ أَوْ لِغَيْرِ ذَلِكَ فَفِي صِحَّةِ صَلَاتِهِ وَجْهَانِ:
الصَّحِيحُ: أَنَّهَا لَا تَصِحُّ لِفَوَاتِ الْهَيْئَةِ الْمَطْلُوبَةِ وَبِهَذَا قَطَعَ الْغَزَالِيُّ فِي الْوَجِيزِ وَالْبَغَوِيُّ وَدَلِيلُ وُجُوبِ أصل التنكس أنَّه تثبت أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي" وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ ﷺ كَانَ يُنَكِّسُ وَعَنْ أَبِي اسحق السَّبِيعِيِّ قَالَ: "وَصَفَ لَنَا الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ ﵄ يَعْنِي السُّجُودَ - فَوَضَعَ يَدَيْهِ وَاعْتَمَدَ عَلَى رُكْبَتَيْهِ وَرَفَعَ عَجِيزَتَهُ وَقَالَ هَكَذَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَسْجُدُ" رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ وَأَبُو حَاتِمٍ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ وَهَذَا مَعَ قَوْلِهِ ﷺ : "صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي" يَقْتَضِي وُجُوبَهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَلَوْ تَعَذَّرَ التَّنَكُّسُ لِمَرَضٍ أَوْ لِغَيْرِهِ فَهَلْ يَجِبُ وَضْعُ وِسَادَةٍ وَنَحْوِهَا لِيَضَعَ الْجَبْهَةَ عَلَى شيء فِيهِ وَجْهَانِ حَكَاهُمَا إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيُّ وَمَنْ تابعه:
стр. 1713
أَظْهَرُهُمَا عِنْدَ الْغَزَالِيِّ الْوُجُوبُ لِأَنَّهُ يَجِبُ التَّنَكُّسُ ووضع الجبهة على شيء فَإِذَا تَعَذَّرَ أَحَدُهُمَا لَزِمَهُ الْآخَرُ.
وَأَصَحُّهُمَا عِنْدَ غَيْرِهِ لَا يَجِبُ بَلْ يَكْفِيهِ الْخَفْضُ الْمَذْكُورُ قَالَ الرَّافِعِيُّ هَذَا أَشْبَهُ بِكَلَامِ الْأَكْثَرِينَ لِأَنَّ هيئة السجود متعذرة فكيفيه الْخَفْضُ الْمُمْكِنُ قَالَ وَلَا خِلَافَ أَنَّهُ لَوْ عجز عن وضع الجهبة عَلَى الْأَرْضِ وَأَمْكَنَهُ وَضْعَهَا عَلَى وِسَادَةٍ مَعَ التنكيس لزمه ذلك» اهـ.
* * *
стр. 1714
٨٤ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذَا قَامَ إلَى الصَّلاةِ يُكَبِّرُ حِينَ يَقُومُ، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَرْكَعُ، ثُمَّ يَقُولُ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، حِينَ يَرْفَعُ صُلْبَهُ مِنْ الرَّكْعَةِ، ثُمَّ يَقُولُ وَهُوَ قَائِمٌ: رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَهْوِي، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَرْفَعُ رَأْسَهُ، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَسْجُدُ، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَرْفَع رَأْسَهُ، ثُمَّ يَفْعَلُ ذَلِكَ فِي صَلاتِهِ كُلِّهَا، حَتَّى يَقْضِيَهَا، وَيُكَبِّرُ حِينَ يَقُومُ مِنْ الثِّنْتَيْنِ بَعْدَ الْجُلُوسِ».
وفي الحديث مسائل منها:
١ - التكبير في جميع التنقلات في الصلاة ما عدا الرفع من الركوع فالسنة في ذلك التسميع في حق الإمام والمنفرد، والتحميد في حق المؤتم.
قَالَ العلامة ابن قدامة ﵀ في [المغني] (١/ ٥٧٣):
«وأكثر أهل العلم يرون أن يبتدئ الركوع بالتكبير وأن يكبر في كل خفض ورفع منهم ابن مسعود وابن عمر وجابر وأبو هريرة وقيس بن عباد ومالك والأوزاعي وابن جابر والشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي وعوام العلماء من الأمصار وروي عن عمر بن عبد العزيز وسالم والقاسم وسعيد بن جبير أنَّهم كانوا لا يتمون التكبير ولعلهم يحتجون بأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لم يعلمه المسيء في
стр. 1715
صلاته ولو كان منها لعلمه إياه ولم تبلغهم السنة عَنِ النَّبِيِّ ﷺ » اهـ.
قَالَ العلامة النووي ﵀ في [شرح مسلم] (٤/ ٩٨):
«وهذا مجمع عليه اليوم ومن الأعصار المتقدمة وقد كان فيه خلاف في زمن أبي هريرة وكان بعضهم لا يرى التكبير إلَّا للإحرام وبعضهم يزيد عليه بعض ما جاء في حديث أبي هريرة وكان هؤلاء لم يبلغهم فعل الرسول ﷺ ولهذا كان أبو هريرة يقول: "إني لأشبهكم صلاة برسول الله ﷺ " واستقر العمل على ما في حديث أبي هريرة هذا» اهـ.
إلى أن قَالَ ﵀ (٤/ ٩٨ - ٩٩):
«واعلم أنَّ تكبيرة الإحرام واجبة وما عداه سنة لو تركه صحت صلاته لكن فاتته الفضيلة وموافقة السنة هذا مذهب العلماء كافة إلَّا احمد بن حنبل ﵁ في إحدى الروايتين عنه أنَّ جميع التكبيرات واجبة. ودليل الجمهور أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ علم الأعرابي الصلاة فعلمه واجباتها فذكر منها تكبيرة الإحرام ولم يذكر ما زاد وهذا موضع البيان ووقته ولا يجوز التأخير عنه» اهـ.
قلت: قد جاء الأمر بتكبيرات الانتقَالَ في حديث المسيء فروى أبو داود (٨٥٧) حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا حَمَّادٌ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنْ عَلِىِّ بْنِ يَحْيَى بْنِ خَلاَّدٍ عَنْ عَمِّهِ: «أَنَّ رَجُلاً دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَذَكَرَ نَحْوَهُ قَالَ فِيهِ
стр. 1716
فَقَالَ النَّبِىُّ ﷺ "إِنَّهُ لَا تَتِمُّ صَلَاةٌ لأَحَدٍ مِنَ النَّاسِ حَتَّى يَتَوَضَّأَ فَيَضَعَ الْوُضُوءَ". يَعْنِى مَوَاضِعَهُ: "ثُمَّ يُكَبِّرُ وَيَحْمَدُ اللَّهَ جَلَّ وَعَزَّ وَيُثْنِى عَلَيْهِ وَيَقْرَأُ بِمَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ ثُمَّ يَقُولُ اللَّهُ أَكْبَرُ ثُمَّ يَرْكَعُ حَتَّى تَطْمَئِنَّ مَفَاصِلُهُ ثُمَّ يَقُولُ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ حَتَّى يَسْتَوِىَ قَائِمًا ثُمَّ يَقُولُ اللَّهُ أَكْبَرُ ثُمَّ يَسْجُدُ حَتَّى تَطْمَئِنَّ مَفَاصِلُهُ ثُمَّ يَقُولُ اللَّهُ أَكْبَرُ وَيَرْفَعُ رَأْسَهُ حَتَّى يَسْتَوِىَ قَاعِدًا ثُمَّ يَقُولُ اللَّهُ أَكْبَرُ ثُمَّ يَسْجُدُ حَتَّى تَطْمَئِنَّ مَفَاصِلُهُ ثُمَّ يَرْفَعُ رَأْسَهُ فَيُكَبِّرُ فَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدْ تَمَّتْ صَلَاتُهُ"».
ورواه النسائي (١١٣٥) أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ الْمُقْرِئُ أَبُو يَحْيَى بِمَكَّةَ وَهُوَ بَصْرِيٌّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْحَقُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، أَنَّ عَلِيَّ بْنَ يَحْيَى بْنِ خَلَّادِ بْنِ مَالِكِ بْنِ رَافِعِ بْنِ مَالِكٍ حَدَّثَهُ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَمِّهِ رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعٍ قَالَ: بَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ جَالِسٌ وَنَحْنُ حَوْلَهُ إِذْ دَخَلَ رَجُلٌ فَأَتَى الْقِبْلَةَ فَصَلَّى، فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ جَاءَ فَسَلَّمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَعَلَى الْقَوْمِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «وَعَلَيْكَ، اذْهَبْ فَصَلِّ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ»، فَذَهَبَ فَصَلَّى فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَرْمُقُ صَلَاتَهُ، وَلَا يَدْرِي مَا يَعِيبُ مِنْهَا، فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ جَاءَ فَسَلَّمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَعَلَى الْقَوْمِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «وَعَلَيْكَ، اذْهَبْ فَصَلِّ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ»، فَأَعَادَهَا مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، فَقَالَ الرَّجُلُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا عِبْتَ مِنْ صَلَاتِي؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّهَا لَمْ تَتِمَّ صَلَاةُ أَحَدِكُمْ حَتَّى يُسْبِغَ الْوُضُوءَ كَمَا أَمَرَهُ اللَّهُ ، فَيَغْسِلَ
стр. 1717
وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ، وَيَمْسَحَ بِرَأْسِهِ وَرِجْلَيْهِ إِلَى الْكَعْبَيْنِ، ثُمَّ يُكَبِّرَ اللَّهَ وَيَحْمَدَهُ وَيُمَجِّدَهُ» - قَالَ هَمَّامٌ: وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: «وَيَحْمَدَ اللَّهَ، وَيُمَجِّدَهُ، وَيُكَبِّرَهُ» قَالَ: فَكِلَاهُمَا قَدْ سَمِعْتُهُ يَقُولُ - قَالَ: «وَيَقْرَأَ مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ مِمَّا عَلَّمَهُ اللَّهُ وَأَذِنَ لَهُ فِيهِ، ثُمَّ يُكَبِّرَ وَيَرْكَعَ حَتَّى تَطْمَئِنَّ مَفَاصِلُهُ وَتَسْتَرْخِيَ، ثُمَّ يَقُولَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، ثُمَّ يَسْتَوِيَ قَائِمًا حَتَّى يُقِيمَ صُلْبَهُ، ثُمَّ يُكَبِّرَ وَيَسْجُدَ حَتَّى يُمَكِّنَ وَجْهَهُ»، وَقَدْ سَمِعْتُهُ يَقُولُ: «جَبْهَتَهُ حَتَّى تَطْمَئِنَّ مَفَاصِلُهُ، وَتَسْتَرْخِيَ، وَيُكَبِّرَ فَيَرْفَعَ حَتَّى يَسْتَوِيَ قَاعِدًا عَلَى مَقْعَدَتِهِ وَيُقِيمَ صُلْبَهُ، ثُمَّ يُكَبِّرَ فَيَسْجُدَ حَتَّى يُمَكِّنَ وَجْهَهُ وَيَسْتَرْخِيَ، فَإِذَا لَمْ يَفْعَلْ هَكَذَا لَمْ تَتِمَّ صَلَاتُهُ».
قلت: هذا حديث صحيح.
ومما يدل على وجوب التكبير ما رواه مسلم (١١٩٩) من حديث معاوية بن الحكم ﵁ وفيه أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ لَا يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ إِنَّمَا هُوَ التَّسْبِيحُ وَالتَّكْبِيرُ وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ».
قَالَ الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٦/ ١٤):
«فدل على أنَّ الصلاة لا تخلو من التكبير، كما لا تخلو من قراءة القرآن، وكذلك التسبيح» اهـ.
قلت: فالصحيح هو ما ذهب إليه الإمام أحمد من وجوب تكبيرات الانتقَالَ والله أعلم.
стр. 1718
٢ - وفيه أنَّ تكبيرة الإحرام تكون عن قيام.
قَالَ العلامة النووي ﵀ في [المجموع] (٣/ ٢٩٦):
«يجب أن يكبر للإحرام قائماً حيث يجب القيام وكذا المسبوق الذي يدرك الإمام راكعاً يجب أن تقع تكبيرة الإحرام بجميع حروفها في حال قيامه فإن أتى بحرف منها في غير حال القيام لم تنعقد صلاته فرضاً بلا خلاف وفي انعقادها نفلاً الخلاف السابق قريباً في فصل النية هذا مذهبنا وهو رواية عن مالك والأشهر عنه أنَّه تنعقد صلاته فرضاً إذا كبر وهو مسبوق وهو نصه في "الموطأ" و"المدونة" قَالَ الشيخ أبو محمد في كتابه "التبصرة" فلو شك هل وقعت تكبيرته كلها في القيام أم وقع حرف منها في غير القيام لم تنعقد صلاته فرضاً لأنَّ الأصل عدم التكبير في القيام.
واعلم أنَّ جمهور الأصحاب أطلقوا أنَّ تكبيرة الإحرام إذا وقع بعضها في غير حال القيام لم تنعقد صلاته وكذا قَالَه الشيخ أبو محمد في: التبصرة" ثم قَالَ: إن وقع بعض تكبيرته في حال ركوعه لم تنعقد فرضاً وان وقع بعضها في انحنائه وتمت قبل بلوغه حد الراكعين انعقدت صلاته فرضاً لأنَّ ما قبل حد الركوع من جملة القيام ولا يضر الانحناء اليسير. قَالَ: والحد الفاصل بين حد الركوع وحد القيام أن تنال راحتاه ركبتيه لو مد يديه فهذا حد الركوع وما قبله حد القيام فإن كانت يداه أو إحداهما طويلة خارجة عن العادة اعتبر عادة مثله في الخلقة هذا كلام الشيخ أبي محمد وهو وجه ضعيف والأصح أنَّه متى انحنى بحيث يكون إلي
стр. 1719
حد الركوع أقرب لم يكن قائماً ولا تصح تكبيرته وقد سبق بيان هذا في فصل القيام» اهـ.
٣ - وفيه جمع الإمام بين التسميع والتحميد خلافاً لمن منع من ذلك. كأبي حنيفة ومالك رحمهما الله تعالى.
٤ - وفيه أنَّ التسميع هو ذكر الانتقَالَ من الركوع إلى الاعتدال، والتحميد هو ذكر الاعتدال وهذا في حق الإمام والمنفرد، وأمَّا المؤتم فالتحميد هو ذكر الانتقَالَ في حقه، وأمَّا في الاعتدال فيأتي بما زاد عليه من الأذكار الواردة في السنة.
٥ - وقوله: «ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَهْوِي». فيه أنَّ التكبير يكون عند الهوي إلى السجود فيكون بين الركنين فلا يبتدئ به في الركن الأول ولا ينتهي به إلى الركن الآخر.
قَالَ العلامة ابن عثيمين ﵀ في [الشَّرْحُ الممتع] (٣/ ٨٧ - ٨٨):
«وقوله: "مكبِّراً" حال من فاعل: "يركع" حال مقارنة، يعني: في حال هويه إلى الرُّكوعِ يكبِّرُ فلا يبدأ قبل، ولا يؤخِّره حتى يَصِل إلى الرُّكوعِ، أي: يجب أن يكون التَّكبيرُ فيما بين الانتقَالَ والانتهاءِ، حتى قَالَ الفقهاءُ ﵏: "لو بدأ بالتَّكبير قبل أن يهويَ، أو أتمَّهُ بعد أن يَصِلَ إلى الرُّكوع؛ فإنَّه لا يجزئه". لأنَّهم يقولون: إنَّ هذا تكبيرٌ في الانتقَالَ فمحلُّه ما بين الرُّكنين، فإنْ أدخلَه في الرُّكن الأول لم يصحَّ، وإن أدخله في الرُّكن الثاني لم يصحَّ؛ لأنَّه مكان لا يُشرع فيه هذا الذِّكرُ، فالقيامُ لا
стр. 1720
يُشرع فيه التَّكبيرُ، والرُّكوع لا يُشرع فيه التكبيرُ، إنَّما التكبيرُ بين القيام وبين الرُّكوعِ.
ولا شَكَّ أنَّ هذا القولَ له وجهة مِنْ النَّظر؛ لأنَّ التَّكبيرَ علامةٌ على الانتقَالَ؛ فينبغي أن يكون في حالِ الانتقَالَ.
ولكن؛ القول بأنَّه إن كمَّلَه بعد وصول الرُّكوع، أو بدأ به قبل الانحناء يُبطلُ الصَّلاةَ فيه مشقَّةٌ على النَّاس، لأنَّك لو تأملت أحوال الناس اليوم لوجدت كثيراً مِنْ النَّاسِ لا يعملون بهذا، فمنهم من يكبِّرُ قبل أن يتحرَّك بالهوي، ومنهم مَنْ يَصِلُ إلى الرُّكوعِ قبل أن يُكمل.
والغريب أنَّ بعض الأئمة الجُهَّالِ اجتهد اجتهاداً خاطئاً وقَالَ: لا أكبِّرُ حتى أصل إلى الرُّكوع، قَالَ: لأنَّني لو كبَّرت قبل أن أَصِلَ إلى الرُّكوع لسابقني المأمومون، فيهوُون قبل أن أَصِلَ إلى الرُّكوع، وربما وصلوا إلى الرُّكوع قبل أنْ أَصِلَ إليه، وهذا مِنْ غرائب الاجتهاد؛ أن تُفسد عبادتك على قول بعض العلماء؛ لتصحيح عبادة غيرك؛ الذي ليس مأموراً بأن يسابقك، بل أُمر بمتابعتك.
ولهذا نقول: هذا اجتهادٌ في غير محلِّه، ونُسمِّي المجتهدَ هذا الاجتهاد: "جاهلاً جهلاً مركَّباً"؛ لأنَه جَهِلَ، وجَهِلَ أنَّه جاهلٌ.
إذاً؛ نقول: كَبِّرْ مِنْ حين أن تهويَ، واحرصْ على أن ينتهي قبل أن تَصِلَ إلى الرُّكوع، ولكن لو وصلت إلى الرُّكوع قبل أن تنتهي فلا حرجَ عليك، والقولُ بأنَّ الصَّلاةَ تفسدُ بذلك حَرَج، ولا يمكن أن يُعملَ به إلَّا بمشقَّةٍ» اهـ.
следующие страницы →