Полный текст (8 095 стр.). Показаны 1716–1755 · переход к 1721.
стр. 1716
فَقَالَ النَّبِىُّ ﷺ "إِنَّهُ لَا تَتِمُّ صَلَاةٌ لأَحَدٍ مِنَ النَّاسِ حَتَّى يَتَوَضَّأَ فَيَضَعَ الْوُضُوءَ". يَعْنِى مَوَاضِعَهُ: "ثُمَّ يُكَبِّرُ وَيَحْمَدُ اللَّهَ جَلَّ وَعَزَّ وَيُثْنِى عَلَيْهِ وَيَقْرَأُ بِمَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ ثُمَّ يَقُولُ اللَّهُ أَكْبَرُ ثُمَّ يَرْكَعُ حَتَّى تَطْمَئِنَّ مَفَاصِلُهُ ثُمَّ يَقُولُ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ حَتَّى يَسْتَوِىَ قَائِمًا ثُمَّ يَقُولُ اللَّهُ أَكْبَرُ ثُمَّ يَسْجُدُ حَتَّى تَطْمَئِنَّ مَفَاصِلُهُ ثُمَّ يَقُولُ اللَّهُ أَكْبَرُ وَيَرْفَعُ رَأْسَهُ حَتَّى يَسْتَوِىَ قَاعِدًا ثُمَّ يَقُولُ اللَّهُ أَكْبَرُ ثُمَّ يَسْجُدُ حَتَّى تَطْمَئِنَّ مَفَاصِلُهُ ثُمَّ يَرْفَعُ رَأْسَهُ فَيُكَبِّرُ فَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدْ تَمَّتْ صَلَاتُهُ"».
ورواه النسائي (١١٣٥) أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ الْمُقْرِئُ أَبُو يَحْيَى بِمَكَّةَ وَهُوَ بَصْرِيٌّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْحَقُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، أَنَّ عَلِيَّ بْنَ يَحْيَى بْنِ خَلَّادِ بْنِ مَالِكِ بْنِ رَافِعِ بْنِ مَالِكٍ حَدَّثَهُ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَمِّهِ رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعٍ قَالَ: بَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ جَالِسٌ وَنَحْنُ حَوْلَهُ إِذْ دَخَلَ رَجُلٌ فَأَتَى الْقِبْلَةَ فَصَلَّى، فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ جَاءَ فَسَلَّمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَعَلَى الْقَوْمِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «وَعَلَيْكَ، اذْهَبْ فَصَلِّ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ»، فَذَهَبَ فَصَلَّى فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَرْمُقُ صَلَاتَهُ، وَلَا يَدْرِي مَا يَعِيبُ مِنْهَا، فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ جَاءَ فَسَلَّمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَعَلَى الْقَوْمِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «وَعَلَيْكَ، اذْهَبْ فَصَلِّ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ»، فَأَعَادَهَا مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، فَقَالَ الرَّجُلُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا عِبْتَ مِنْ صَلَاتِي؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّهَا لَمْ تَتِمَّ صَلَاةُ أَحَدِكُمْ حَتَّى يُسْبِغَ الْوُضُوءَ كَمَا أَمَرَهُ اللَّهُ ، فَيَغْسِلَ
стр. 1717
وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ، وَيَمْسَحَ بِرَأْسِهِ وَرِجْلَيْهِ إِلَى الْكَعْبَيْنِ، ثُمَّ يُكَبِّرَ اللَّهَ وَيَحْمَدَهُ وَيُمَجِّدَهُ» - قَالَ هَمَّامٌ: وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: «وَيَحْمَدَ اللَّهَ، وَيُمَجِّدَهُ، وَيُكَبِّرَهُ» قَالَ: فَكِلَاهُمَا قَدْ سَمِعْتُهُ يَقُولُ - قَالَ: «وَيَقْرَأَ مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ مِمَّا عَلَّمَهُ اللَّهُ وَأَذِنَ لَهُ فِيهِ، ثُمَّ يُكَبِّرَ وَيَرْكَعَ حَتَّى تَطْمَئِنَّ مَفَاصِلُهُ وَتَسْتَرْخِيَ، ثُمَّ يَقُولَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، ثُمَّ يَسْتَوِيَ قَائِمًا حَتَّى يُقِيمَ صُلْبَهُ، ثُمَّ يُكَبِّرَ وَيَسْجُدَ حَتَّى يُمَكِّنَ وَجْهَهُ»، وَقَدْ سَمِعْتُهُ يَقُولُ: «جَبْهَتَهُ حَتَّى تَطْمَئِنَّ مَفَاصِلُهُ، وَتَسْتَرْخِيَ، وَيُكَبِّرَ فَيَرْفَعَ حَتَّى يَسْتَوِيَ قَاعِدًا عَلَى مَقْعَدَتِهِ وَيُقِيمَ صُلْبَهُ، ثُمَّ يُكَبِّرَ فَيَسْجُدَ حَتَّى يُمَكِّنَ وَجْهَهُ وَيَسْتَرْخِيَ، فَإِذَا لَمْ يَفْعَلْ هَكَذَا لَمْ تَتِمَّ صَلَاتُهُ».
قلت: هذا حديث صحيح.
ومما يدل على وجوب التكبير ما رواه مسلم (١١٩٩) من حديث معاوية بن الحكم ﵁ وفيه أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ لَا يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ إِنَّمَا هُوَ التَّسْبِيحُ وَالتَّكْبِيرُ وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ».
قَالَ الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٦/ ١٤):
«فدل على أنَّ الصلاة لا تخلو من التكبير، كما لا تخلو من قراءة القرآن، وكذلك التسبيح» اهـ.
قلت: فالصحيح هو ما ذهب إليه الإمام أحمد من وجوب تكبيرات الانتقَالَ والله أعلم.
стр. 1718
٢ - وفيه أنَّ تكبيرة الإحرام تكون عن قيام.
قَالَ العلامة النووي ﵀ في [المجموع] (٣/ ٢٩٦):
«يجب أن يكبر للإحرام قائماً حيث يجب القيام وكذا المسبوق الذي يدرك الإمام راكعاً يجب أن تقع تكبيرة الإحرام بجميع حروفها في حال قيامه فإن أتى بحرف منها في غير حال القيام لم تنعقد صلاته فرضاً بلا خلاف وفي انعقادها نفلاً الخلاف السابق قريباً في فصل النية هذا مذهبنا وهو رواية عن مالك والأشهر عنه أنَّه تنعقد صلاته فرضاً إذا كبر وهو مسبوق وهو نصه في "الموطأ" و"المدونة" قَالَ الشيخ أبو محمد في كتابه "التبصرة" فلو شك هل وقعت تكبيرته كلها في القيام أم وقع حرف منها في غير القيام لم تنعقد صلاته فرضاً لأنَّ الأصل عدم التكبير في القيام.
واعلم أنَّ جمهور الأصحاب أطلقوا أنَّ تكبيرة الإحرام إذا وقع بعضها في غير حال القيام لم تنعقد صلاته وكذا قَالَه الشيخ أبو محمد في: التبصرة" ثم قَالَ: إن وقع بعض تكبيرته في حال ركوعه لم تنعقد فرضاً وان وقع بعضها في انحنائه وتمت قبل بلوغه حد الراكعين انعقدت صلاته فرضاً لأنَّ ما قبل حد الركوع من جملة القيام ولا يضر الانحناء اليسير. قَالَ: والحد الفاصل بين حد الركوع وحد القيام أن تنال راحتاه ركبتيه لو مد يديه فهذا حد الركوع وما قبله حد القيام فإن كانت يداه أو إحداهما طويلة خارجة عن العادة اعتبر عادة مثله في الخلقة هذا كلام الشيخ أبي محمد وهو وجه ضعيف والأصح أنَّه متى انحنى بحيث يكون إلي
стр. 1719
حد الركوع أقرب لم يكن قائماً ولا تصح تكبيرته وقد سبق بيان هذا في فصل القيام» اهـ.
٣ - وفيه جمع الإمام بين التسميع والتحميد خلافاً لمن منع من ذلك. كأبي حنيفة ومالك رحمهما الله تعالى.
٤ - وفيه أنَّ التسميع هو ذكر الانتقَالَ من الركوع إلى الاعتدال، والتحميد هو ذكر الاعتدال وهذا في حق الإمام والمنفرد، وأمَّا المؤتم فالتحميد هو ذكر الانتقَالَ في حقه، وأمَّا في الاعتدال فيأتي بما زاد عليه من الأذكار الواردة في السنة.
٥ - وقوله: «ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَهْوِي». فيه أنَّ التكبير يكون عند الهوي إلى السجود فيكون بين الركنين فلا يبتدئ به في الركن الأول ولا ينتهي به إلى الركن الآخر.
قَالَ العلامة ابن عثيمين ﵀ في [الشَّرْحُ الممتع] (٣/ ٨٧ - ٨٨):
«وقوله: "مكبِّراً" حال من فاعل: "يركع" حال مقارنة، يعني: في حال هويه إلى الرُّكوعِ يكبِّرُ فلا يبدأ قبل، ولا يؤخِّره حتى يَصِل إلى الرُّكوعِ، أي: يجب أن يكون التَّكبيرُ فيما بين الانتقَالَ والانتهاءِ، حتى قَالَ الفقهاءُ ﵏: "لو بدأ بالتَّكبير قبل أن يهويَ، أو أتمَّهُ بعد أن يَصِلَ إلى الرُّكوع؛ فإنَّه لا يجزئه". لأنَّهم يقولون: إنَّ هذا تكبيرٌ في الانتقَالَ فمحلُّه ما بين الرُّكنين، فإنْ أدخلَه في الرُّكن الأول لم يصحَّ، وإن أدخله في الرُّكن الثاني لم يصحَّ؛ لأنَّه مكان لا يُشرع فيه هذا الذِّكرُ، فالقيامُ لا
стр. 1720
يُشرع فيه التَّكبيرُ، والرُّكوع لا يُشرع فيه التكبيرُ، إنَّما التكبيرُ بين القيام وبين الرُّكوعِ.
ولا شَكَّ أنَّ هذا القولَ له وجهة مِنْ النَّظر؛ لأنَّ التَّكبيرَ علامةٌ على الانتقَالَ؛ فينبغي أن يكون في حالِ الانتقَالَ.
ولكن؛ القول بأنَّه إن كمَّلَه بعد وصول الرُّكوع، أو بدأ به قبل الانحناء يُبطلُ الصَّلاةَ فيه مشقَّةٌ على النَّاس، لأنَّك لو تأملت أحوال الناس اليوم لوجدت كثيراً مِنْ النَّاسِ لا يعملون بهذا، فمنهم من يكبِّرُ قبل أن يتحرَّك بالهوي، ومنهم مَنْ يَصِلُ إلى الرُّكوعِ قبل أن يُكمل.
والغريب أنَّ بعض الأئمة الجُهَّالِ اجتهد اجتهاداً خاطئاً وقَالَ: لا أكبِّرُ حتى أصل إلى الرُّكوع، قَالَ: لأنَّني لو كبَّرت قبل أن أَصِلَ إلى الرُّكوع لسابقني المأمومون، فيهوُون قبل أن أَصِلَ إلى الرُّكوع، وربما وصلوا إلى الرُّكوع قبل أنْ أَصِلَ إليه، وهذا مِنْ غرائب الاجتهاد؛ أن تُفسد عبادتك على قول بعض العلماء؛ لتصحيح عبادة غيرك؛ الذي ليس مأموراً بأن يسابقك، بل أُمر بمتابعتك.
ولهذا نقول: هذا اجتهادٌ في غير محلِّه، ونُسمِّي المجتهدَ هذا الاجتهاد: "جاهلاً جهلاً مركَّباً"؛ لأنَه جَهِلَ، وجَهِلَ أنَّه جاهلٌ.
إذاً؛ نقول: كَبِّرْ مِنْ حين أن تهويَ، واحرصْ على أن ينتهي قبل أن تَصِلَ إلى الرُّكوع، ولكن لو وصلت إلى الرُّكوع قبل أن تنتهي فلا حرجَ عليك، والقولُ بأنَّ الصَّلاةَ تفسدُ بذلك حَرَج، ولا يمكن أن يُعملَ به إلَّا بمشقَّةٍ» اهـ.
стр. 1721
٦ - وقوله: «وَيُكَبِّرُ حِينَ يَقُومُ مِنَ الثِّنْتَيْنِ بَعْدَ الْجُلُوسِ» فيه أنَّه يشرع في التكبير من حين ابتداء القيام إلى الثالثة بعد التشهد الأول وهذا قول أبي حنيفة والثوري والشافعي وأحمد.
وقَالَ مالك-في أشهر الروايتين عنه -: لا يكبر إذا قام من الركعتين حتَّى يستوي قائماً.
وقد روى ابن حبان (١٨٦٥) بإسناد صحيح من حديث أبي حميد الساعدي وفيه أنَّه قَالَ: «وَإِذَا قَامَ مِنَ الرَّكْعَتَيْنِ، كَبَّرَ، ثُمَّ قَامَ».
وروى أبو يعلى (٦٠٢٩) حَدَّثَنَا كَامِلُ بْنُ طَلْحَةَ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَسْجُدَ كَبَّرَ ثُمَّ يَسْجُدُ، وَإِذَا قَامَ مِنَ الْقَعْدَةِ كَبَّرَ، ثُمَّ قَامَ».
قلت: هذا حديث حسن.
٧ - وقوله: «ثُمَّ يَفْعَلُ ذَلِكَ فِي صَلاتِهِ كُلِّهَا، حَتَّى يَقْضِيَهَا». يشمل ذلك بعمومه التكبير في سجود التلاوة في الصلاة.
ويدل على ذلك أيضاً:
ما رواه البخاري (٧٨٤) عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ: «صَلَّى مَعَ عَلِيٍّ، ﵁، بِالْبَصْرَةِ فَقَالَ ذَكَّرَنَا هَذَا الرَّجُلُ صَلَاةً كُنَّا نُصَلِّيهَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَذَكَرَ أَنَّهُ كَانَ يُكَبِّرُ كُلَّمَا رَفَعَ وَكُلَّمَا وَضَعَ».
стр. 1722
وروى البخاري (٧٨٥)، ومسلم (٣٩٢) عن أبي هريرة: «أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي بِهِمْ فَيُكَبِّرُ كُلَّمَا خَفَضَ وَرَفَعَ فَإِذَا انْصَرَفَ قَالَ: إِنِّي لأَشْبَهُكُمْ صَلَاةً بِرَسُولِ اللهِ ﷺ ».
وروى البخاري (٧٨٧) عن عكرمة قَالَ: «رَأَيْتُ رَجُلاً عِنْدَ الْمَقَامِ يُكَبِّرُ فِي كُلِّ خَفْضٍ وَرَفْعٍ، وَإِذَا قَامَ، وَإِذَا وَضَعَ فَأَخْبَرْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ، ﵁، قَالَ: أَوَلَيْسَ تِلْكَ صَلَاةَ النَّبِيِّ ﷺ : لَا أُمَّ لَكَ».
وروى أبو داود (١٤١٥) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْفُرَاتِ أَبُو مَسْعُودٍ الرَّازِىُّ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقْرَأُ عَلَيْنَا الْقُرْآنَ فَإِذَا مَرَّ بِالسَّجْدَةِ كَبَّرَ وَسَجَدَ وَسَجَدْنَا».
قلت: هذا حديث ضعيف عبد الله بن عمر وهو العمري ضعيف الحديث.
وذكر التكبير في الحديث منكر فقد روى الحديث عبيد الله بن عمر العمري المكبر عن نافع عن ابن عمر ﵄ قَالَ: «كَانَّ النَّبِيُّ ﷺ يَقْرَأُ عَلَيْنَا السُّورَةَ فِيهَا السَّجْدَةُ فَيَسْجُدُ وَنَسْجُدُ حَتَّى مَا يَجِدُ أَحَدُنَا مَوْضِعَ جَبْهَتِهِ». وليس في حديثه ذكر التكبير.
رواه البخاري (١٠٧٥)، ومسلم (٥٧٥).
قَالَ العلامة ابن قدامة ﵀ في [المغني] (١/ ٦٨٦):
«وجملة ذلك أنَّه إذا سجد للتلاوة فعليه التكبير للسجود والرفع منه سواء كان في صلاة أو في غيرها وبه قَالَ ابن سيرين والحسن وأبو قلابة والنخعي ومسلم بن
стр. 1723
يسار وأبو عبد الرحمن السلمي والشافعي وإسحاق وأصحاب الرأي وقَالَ مالك: إذا كان في صلاة واختلف عنه إذا كان في غير صلاة» اهـ.
قَالَ الْعَلَّامَةُ أَبُو الضِّيَاءِ خَلِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ الْمَالِكِي ﵀ فِي [مُخْتَصَرِهِ مَعَ شَرحِ الْخَرَشِيُّ] (١/ ٣٥١):
«وَيُكَبِّرُ إذَا سَجَدَهَا وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْهَا وَهَذَا فِي الصَّلَاةِ اتِّفَاقًا وَفِي غَيْرِهَا اخْتِلَافٌ وَاَلَّذِي رَجَعَ إلَيْهِ مَالِكٌ التَّكْبِيرُ أَيْضًا ابْنُ يُونُسَ وَهُوَ أَحْسَنُ وَالظَّاهِرُ أَنَّ حُكْمَ التَّكْبِيرِ السُّنِّيَّةُ كَتَكْبِيرِ الصَّلَوَاتِ، وَإِذَا عَلِمْت مَا قَرَّرْنَا مِنْ أَنَّ التَّكْبِيرَ لِلسَّجْدَةِ رَفْعًا وَخَفْضًا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ فِي الصَّلَاةِ وَالْخِلَافُ فِي ذَلِكَ خَارِجُهَا كَمَا هُوَ صَرِيحُ الْمَوَّاقِ ظَهَرَ لَك صَوَابُ الْمُبَالَغَةِ وَبَطَلَ مَا قِيلَ مِنْ أَنَّ الْمُتَبَادَرَ لِلذِّهْنِ قَلْبُهَا» اهـ.
قلت: وذكره للاتفاق قد يقصد اتفاق العلماء مطلقاً أو الاتفاق في المذهب.
وهنالك خلاف ضعيف لبعض الشافعية.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [الْمَجْمُوْعِ] (٤/ ٦٣):
«قَالَ أَصْحَابُنَا فَإِنْ سَجَدَ لِلتِّلَاوَةِ فِي الصَّلَاةِ لَمْ يُكَبِّرْ لِلِافْتِتَاحِ لِأَنَّهُ مُتَحَرِّمٌ بِالصَّلَاةِ لَكِنْ يُسْتَحَبُّ أَنْ يُكَبِّرَ فِي الْهَوِيِّ إلَى السُّجُودِ وَلَا يَرْفَعُ الْيَدَ لِأَنَّ الْيَدَ لَا تُرْفَعُ فِي الْهُوِيِّ إلَى السُّجُودِ وَيُكَبِّرُ عِنْدَ رَفْعِهِ رَأْسَهُ مِنْ السُّجُودِ كَمَا يَفْعَلُ فِي سَجَدَاتِ الصَّلَاةِ وَهَذَا التَّكْبِيرُ سُنَّةٌ لَيْسَ بِشَرْطٍ وَفِيهِ وَجْهٌ لابي على ابن أَبِي هُرَيْرَةَ حَكَاهُ
стр. 1724
الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَسَائِرُ أَصْحَابِنَا عَنْهُ أَنَّهُ لَا يُسْتَحَبُّ التَّكْبِيرُ لِلْهَوِيِّ وَلَا لِلرَّفْعِ وَهُوَ شَاذٌّ ضَعِيفٌ» اهـ.
قلت: الصحيح هو استحباب التكبير إذا كان في صلاة، وأمَّا في غير الصلاة فلا يستحب له ذلك لعدم صحة الحديث.
٨ - وليس في الحديث ما يدل على مد التكبير، والصحيح أنَّه لا يستحب مده.
قَالَ العلامة النووي ﵀ في [المجموع] (٣/ ٣٩٦):
«وَيَمُدُّ التَّكْبِيرَ إلَى أَنْ يَصِلَ إلَى حَدِّ الراكعين هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ وَنُصَّ عَلَيْهِ فِي الْأُمِّ وَقَطَعَ بِهِ الْعِرَاقِيُّونَ وَغَيْرُهُمْ وَحَكَى جَمَاعَةٌ مِنْ الخراسانيين قولين:
أحدهما: هذا وهو الْجَدِيدُ.
وَالثَّانِي: وَهُوَ الْقَدِيمُ لَا يَمُدُّ التَّكْبِيرَ بَلْ يَشْرَعُ بِهِ قَالَوا وَالْقَوْلَانِ جَارِيَانِ فِي جَمِيعِ تَكْبِيرَاتِ الِانْتِقَالَاتِ وَهَلْ تُحْذَفُ أَمْ تُمَدُّ حَتَّى يَصِلَ إلَى الذِّكْرِ الَّذِي بَعْدَهَا الصَّحِيحُ الْمَدُّ وَلَوْ تَرَكَ التَّكْبِيرَ عَمْدًا أَوْ سَهْوًا حَتَّى رَكَعَ لَمْ يَأْتِ بِهِ لِفَوَاتِ مَحَلِّهِ» اهـ.
وقَالَ العلامة ابن أبي الخير ﵀ في [البيان] (٢/ ٢١٥):
«ويستحب أن يكون ابتداء التكبير مع ابتداء انحنائه إلى السجود، حتى يكون آخر التكبيرة مع أول السجود، هذا نقل أصحابنا البغداديين، وهو المشهور، وحكى صاحب "الإبانة" فيه قولين:
أحدهما: هذا، وهو قوله الجديد.
стр. 1725
والثاني: لا يمده، وبه قَالَ أبو حنيفة.
دليلنا: أنَّ الهوي إلى السجود فعل في الصلاة، فاستحب مد التكبير فيه؛ لئلا يخلو من ذكر، كسائر أفعال الصلاة» اهـ.
وقَالَ العلامة ابن قدامة ﵀ في [المغني] (١/ ٣٦٩):
«وَيَنْحَطُّ إلَى السُّجُودِ مُكَبِّرًا؛ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ الْأَخْبَارِ، وَلِأَنَّ الْهَوِيَّ إلَى السُّجُودِ رُكْنٌ، فَلَا يَخْلُو مِنْ ذِكْرٍ، كَسَائِرِ الْأَرْكَانِ، وَيَكُونُ ابْتِدَاءُ تَكْبِيرِهِ مَعَ ابْتِدَاءِ انْحِطَاطِهِ، وَانْتِهَاؤُهُ مَعَ انْتِهَائِهِ» اهـ.
وقَالَ العلامة ابن عثيمين ﵀ في [الشَّرْحُ الممتع] (٣/ ٢٤ - ٢٥):
«قَالَ العلماء: يُكره تمطيط التَّكبير، حتى في النهوض من السُّجود إلى القيام مع طول النُّهوضِ، وحتى في الهويِّ إلى السُّجود مع طول ما بين القيامِ والسُّجودِ. قَالَوا: لأنَّ هذا لم تَرِدْ به السُّنَّةُ، فيكون مكروهاً، هكذا نصَّ عليه الفقهاءُ ﵏.
ولكن؛ الظاهرُ - والله أعلم - أنَّ الأمرَ في هذا واسعٌ ما لم يُخِلَّ بالمعنى، ولكن ليس مدَّها بأفضل مِنْ قصرها كما يتوهَّمُه بعض الناس، فبعضُ النَّاسِ يقول: تجعل للرُّكوعِ هيئة في التكبير، وللسُّجودِ هيئة وللجلوس هيئة، وللتشهُّدِ هيئة، وبين السجدتين؛ لأجل أن يكون المأموم خلفك آلة متحرِّكة، لأنَّ المأموم إذا صارت التكبيرات تختلف فإنه يتابع هذا التكبير، حتى ولو كان سارحَ القلبِ إن كبَّرتَ تكبيرةَ السُّجودِ سَجَدَ، وإن كبَّرتَ
стр. 1726
تكبيرةَ النُّهوضِ نَهَضَ، لكن إذا قصرت التَّكبير كلَّه؛ ولم تميِّز بين التكبيرات؛ صار المأمومُ قد أحضر قلبَه وفِكرَه، يُخشى أن يقومَ في موضع الجلوس، أو أن يجلس في موضع القيام، وأمَّا المسبوق فقد يلتبس عليه الأمر إذا لم تميِّز بين التَّكبير. ولكن هذا محذورٌ يُمكن إزالتُه بأن يقَالَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لم يُنقل عنه أنَّه كان يفرِّقُ بين التَّكبيراتِ، بل إنَّ ظاهر صنيعه ﵊ أنه لا يُفرِّقُ؛ لأنَّه لما صُنع له المنبر صَلَّى عليه وقَالَ: "يا أيُّها النَّاسُ، إنَّما صنعتُ هذا لتأتمُّوا بي؛ ولتعلموا صلاتي"، فلو كان يخالفُ بين التَّكبير لكان النَّاسُ يأتمُّونَ به، ولو لم يكن على المنبر، ثم نقول: هذا المسبوقُ سيلي شخصاً آخر غير مسبوق فيقتدي به.
وأهمُّ شيءٍ هو اتِّباعُ السُّنَّةِ مع حصول الفائدة في كون المأموم يُحضِر قلبَه حتى يعرف عدد الرَّكعات.
وقَالَ بعضُ الفقهاءِ: يمدُّ التَّكبيرَ في الهويِّ إلى السُّجودِ، وفي القيامِ مِنْ السُّجودِ لطول ما بين الرُّكنين. ولكن لا دليل لذلك» اهـ.
وقَالَ العلامة النووي ﵀ في [المجموع] (٤/ ٦٣):
«قَالَ أَصْحَابُنَا فَإِنْ سَجَدَ لِلتِّلَاوَةِ فِي الصَّلَاةِ لَمْ يُكَبِّرْ لِلِافْتِتَاحِ لِأَنَّهُ مُتَحَرِّمٌ بِالصَّلَاةِ لَكِنْ يُسْتَحَبُّ أَنْ يُكَبِّرَ فِي الْهَوِيِّ إلَى السُّجُودِ وَلَا يَرْفَعُ الْيَدَ لِأَنَّ الْيَدَ لَا تُرْفَعُ فِي الْهُوِيِّ إلَى السُّجُودِ وَيُكَبِّرُ عِنْدَ رَفْعِهِ رَأْسَهُ مِنْ السُّجُودِ كَمَا يَفْعَلُ فِي سَجَدَاتِ الصَّلَاةِ وَهَذَا التَّكْبِيرُ سُنَّةٌ لَيْسَ بِشَرْطٍ وَفِيهِ وَجْهٌ لابي على ابن أَبِي هُرَيْرَةَ حَكَاهُ
стр. 1727
الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَسَائِرُ أَصْحَابِنَا عَنْهُ أَنَّهُ لَا يُسْتَحَبُّ التَّكْبِيرُ لِلْهَوِيِّ وَلَا لِلرَّفْعِ وَهُوَ شَاذٌّ ضَعِيفٌ وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ السُّجُودِ قَامَ وَلَا يَجْلِسُ لِلِاسْتِرَاحَةِ بِلَا خِلَافٍ صَرَّحَ بِهِ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُهُ فِي صِفَةِ الصَّلَاةِ قَالَ أَصْحَابُنَا فَإِذَا قَامَ اُسْتُحِبَّ أَنْ يَقْرَأَ شَيْئًا ثُمَّ يَرْكَعَ فَإِنْ انْتَصَبَ قَائِمًا ثُمَّ رَكَعَ بِلَا قِرَاءَةٍ جَازَ إذَا كَانَ قَدْ قَرَأَ الْفَاتِحَةَ قَبْلَ سُجُودِهِ وَلَا خِلَافَ فِي وُجُوبِ الِانْتِصَابِ قَائِمًا لِأَنَّ الْهَوِيَّ إلَى الرُّكُوعِ مِنْ القيام واجب» اهـ.
٩ - ظاهر الحديث أنَّ المصلي إذا رفع رأسه من السجود ولو كان الرفع لجلسة الاستراحة أنَّ التكبير يكون عند رفعه لرأسه ولا يؤخره إلى بعد جلسة الاستراحة.
وفي ذلك نزاع بين العلماء.
قَالَ العلامة النووي ﵀ في [المجموع] (٣/ ٤٤١ - ٤٤٢):
«وَفِي التَّكْبِيرِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ حَكَاهَا الْبَغَوِيّ وَالْمُتَوَلِّي وَصَاحِبُ الْبَيَانِ وَآخَرُونَ أَصَحُّهَا: عِنْدَ الْجُمْهُورِ وَبِهِ قَطَعَ الْمُصَنِّفُ هُنَا وَفِي التَّنْبِيهِ وَنَقَلَهُ أَبُو حَامِدٍ عَنْ نَصِّ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ يَرْفَعُ مُكَبِّرًا وَيَمُدُّهُ إلَى أَنْ يَسْتَوِيَ قَائِمًا وَيُخَفِّفُ الْجِلْسَةَ وَدَلِيلُهُ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَالْأَصْحَابُ أَنْ لَا يَخْلُوَ جُزْءٌ مِنْ الصَّلَاةِ عَنْ ذِكْرٍ.
الثَّانِي: يَرْفَعُ غَيْرَ مُكَبِّرٍ وَيَبْدَأُ بِالتَّكْبِيرِ جَالِسًا وَيَمُدُّهُ إلَى أَنْ يَقُومَ.
الثالث: يَرْفَعُ مُكَبِّرًا فَإِذَا جَلَسَ قَطَعَهُ ثُمَّ يَقُومُ بِلَا تَكْبِيرٍ نَقَلَهُ أَبُو حَامِدٍ عَنْ أَبِي
стр. 1728
اسحق الْمَرْوَزِيِّ وَقَطَعَ بِهِ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ قَالَ أَصْحَابُنَا وَلَا خِلَافَ أَنَّهُ لَا يَأْتِي بِتَكْبِيرَتَيْنِ مِمَّنْ صَرَّحَ بِذَلِكَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَالْبَغَوِيُّ» اهـ.
قلت: الوجه الثالث هو أصح الأوجه.
* * *
стр. 1729
٨٥ - عَنْ مُطَرِّفِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ، قَالَ: «صَلَّيْتُ أَنَا وَعِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ خَلْفَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ. فَكَانَ إذَا سَجَدَ كَبَّرَ، وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ كَبَّرَ، وَإِذَا نَهَضَ مِنْ الرَّكْعَتَيْنِ كَبَّرَ، فَلَمَّا قَضَى الصَّلاةَ أَخَذَ بِيَدِي عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ، وَقَالَ: قَدْ ذَكَّرَنِي هَذَا صَلاةَ مُحَمَّدٍ ﷺ أَوْ قَالَ: صَلَّى بِنَا صَلاةَ مُحَمَّدٍ ﷺ ».
وفي الحديث مسائل منها:
١ - أنَّ موقف الاثنين خلف الإمام.
٢ - التكبير في السجود والرفع منه، وعند القيام للثالثة.
٣ - بعض هذه المواضع كان لا يتم التكبير فيها بعض الناس حتى تذكرها عمران بصلاة علي رضي الله تعالى عنه.
وحمل شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ ذلك على أنَّهم كانوا لا يجهرون بالتكبير لا أنَّهم كانوا يتركون التكبير بالكلية فقَالَ كما في [مجموع الفتاوى] (٢٢/ ٥٨٦ - ٥٩٤):
«وَهَذَا كُلُّهُ مَعْنَاهُ جَهْرُ الْإِمَامِ بِالتَّكْبِيرِ. وَلِهَذَا كَانُوا يُسَمُّونَهُ إتْمَامَ التَّكْبِيرِ لِمَا فِيهِ مِنْ إتْمَامِهِ بِرَفْعِ الصَّوْتِ وَفِعْلِهِ فِي كُلِّ خَفْضٍ وَرَفْعٍ. يُبَيِّنُ ذَلِكَ: أَنَّ الْبُخَارِيَّ ذَكَرَ فِي "بَابِ التَّكْبِيرِ عِنْدَ النُّهُوضِ مِنْ الرَّكْعَتَيْنِ قَالَ: وَكَانَ ابْنُ الزُّبَيْرِ يُكَبِّرُ فِي نَهْضَتِهِ".
стр. 1730
ثُمَّ رَوَى الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ فليح بْنِ سُلَيْمَانَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْحَارِثِ. قَالَ: "صَلَّى لَنَا أَبُو سَعِيدٍ فَجَهَرَ بِالتَّكْبِيرِ حِينَ رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ السُّجُودِ وَحِينَ سَجَدَ وَحِينَ رَفَعَ وَحِينَ قَامَ مِنْ الرَّكْعَتَيْنِ. وَقَالَ: هَكَذَا رَأَيْت رَسُولَ. اللَّهِ ﷺ ". ثُمَّ أَرْدَفَهُ الْبُخَارِيُّ بِحَدِيثِ مُطَرِّفٍ: قَالَ: "صَلَّيْت أَنَا وَعِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ خَلْفَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁. فَكَانَ إذَا سَجَدَ كَبَّرَ وَإِذَا رَفَعَ كَبَّرَ وَإِذَا نَهَضَ مِنْ الرَّكْعَتَيْنِ كَبَّرَ فَلَمَّا سَلَّمَ. أَخَذَ عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ بِيَدِي. فَقَالَ: لَقَدْ صَلَّى بِنَا هَذَا صَلَاةَ مُحَمَّدٍ ﷺ أَوْ قَالَ: لَقَدْ ذَكَّرَنِي هَذَا صَلَاةَ مُحَمَّدٍ ﷺ ".
فَهَذَا يُبَيِّنُ أَنَّ الْكَلَامَ إنَّمَا هُوَ فِي الْجَهْرِ بِالتَّكْبِيرِ. وَأَمَّا أَصْلُ التَّكْبِيرِ: فَلَمْ يَكُنْ مِمَّا يَخْفَى عَلَى أَحَدٍ. وَلَيْسَ هَذَا أَيْضًا مِمَّا يُجْهَلُ هَلْ يَفْعَلُهُ الْإِمَامُ أَمْ لَا يَفْعَلُهُ؟ فَلَا يَصِحُّ لَهُمْ نَفْيُهُ عَنْ الْأَئِمَّةِ. كَمَا لَا يَصِحُّ نَفْيُ الْقِرَاءَةِ فِي صَلَاةِ الْمُخَافَتَةِ وَنَفْيُ التَّسْبِيحِ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَنَفْيُ الْقِرَاءَةِ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأَخِيرَتَيْنِ وَنَحْوِ ذَلِكَ. وَلِهَذَا اسْتَدَلَّ بَعْضُ مَنْ كَانَ لَا يُتِمُّ التَّكْبِيرَ وَلَا يَجْهَرُ بِهِ. بِمَا رُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى عَنْ أَبِيهِ: أَنَّهُ صَلَّى مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَكَانَ لَا يُتِمُّ التَّكْبِيرَ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالْبُخَارِيُّ فِي التَّارِيخِ الْكَبِيرِ. وَقَدْ حَكَى أَبُو دَاوُد الطَّيَالِسِى أَنَّهُ قَالَ: هَذَا عِنْدَنَا بَاطِلٌ. وَهَذَا إنْ كَانَ مَحْفُوظًا فَلَعَلَّ ابْنَ أَبْزَى صَلَّى خَلْفَ النَّبِيِّ ﷺ فِي مُؤَخَّرِ الْمَسْجِدِ. وَكَانَّ النَّبِيُّ ﷺ صَوْتُهُ ضَعِيفًا فَلَمْ يَسْمَعْ تَكْبِيرَهُ. فَاعْتَقَدَ أَنَّهُ لَمْ يُتِمَّ التَّكْبِيرَ وَإِلَّا فَالْأَحَادِيثُ الْمُتَوَاتِرَةُ عَنْهُ بِخِلَافِ
стр. 1731
ذَلِكَ. فَلَوْ خَالَفَهَا كَانَ شَاذًّا لَا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ وَمَعَ هَذَا فَإِنَّ كَثِيرًا مِنْ الْفُقَهَاءِ الْمُتَأَخِّرِينَ يَعْتَقِدُونَ أَنَّ إتْمَامَ التَّكْبِيرِ هُوَ نَفْسُ فِعْلِهِ وَلَوْ سِرًّا وأَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ وَأَبَا هُرَيْرَةَ وَغَيْرَهُمَا مِنْ الْأَئِمَّةِ إنَّمَا أَفَادُوا النَّاسَ نَفْسَ فِعْلِ التَّكْبِيرِ فِي الِانْتِقَالَاتِ. وَلَازَمَ هَذَا: أَنَّ عَامَّةَ الْمُسْلِمِينَ مَا كَانُوا يَعْرِفُونَ أَنَّ الصَّلَاةَ لَا يُكَبَّرُ فِي خَفْضِهَا وَلَا رَفْعِهَا. وَهَذَا غَلَطٌ بِلَا رَيْبٍ وَلَا نِزَاعَ بَيْنَ مَنْ يَعْرِفُ كَيْفَ كَانَتْ الْأَحْوَالُ وَلَوْ كَانَ الْمُرَادُ التَّكْبِيرَ سِرًّا: لَمْ يَصِحَّ نَفْيُ ذَلِكَ وَلَا إثْبَاتُهُ. فَإِنَّ الْمَأْمُومَ لَا يَعْرِفُ ذَلِكَ مِنْ إمَامِهِ وَلَا يُسَمَّى تَرْكُ التَّكْبِيرِ بِالْكُلِّيَّةِ تَرْكًا لِأَنَّ الْأَئِمَّةَ كَانُوا يُكَبِّرُونَ عِنْدَ الِافْتِتَاحِ دُونَ الِانْتِقَالَاتِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ السُّنَّةُ. بَلْ الْأَحَادِيثُ الْمَرْوِيَّةُ تُبَيِّنُ أَنَّ رَفْعَ الْإِمَامِ وَخَفْضَهُ كَانَ فِي جَمِيعِهَا التَّكْبِيرُ.
وَقَدْ قَالَ إسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ: قُلْت: لِأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ: مَا الَّذِي نَقَصُوا مِنْ التَّكْبِيرِ؟ قَالَ: إذَا انْحَطَّ إلَى السُّجُودِ مِنْ الرُّكُوعِ وَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَسْجُدَ السَّجْدَةَ الثَّانِيَةَ مِنْ كُلِّ رَكْعَةٍ. فَقَدْ بَيَّنَ الْإِمَامُ أَحْمَد أَنَّ الْأَئِمَّةَ لَمْ يَكُونُوا يُتِمُّونَ التَّكْبِيرَ. بَلْ نَقَصُوا التَّكْبِيرَ فِي الْخَفْضِ مِنْ الْقِيَامِ وَمِنْ الْقُعُودِ وَهُوَ كَذَلِكَ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - لِأَنَّ الْخَفْضَ يُشَاهَدُ بِالْأَبْصَارِ فَظَنُّوا لِذَلِكَ أَنَّ الْمَأْمُومَ لَا يَحْتَاجُ إلَى أَنْ يَسْمَعَ تَكْبِيرَةَ الْإِمَامِ لِأَنَّهُ يَرَى رُكُوعَهُ وَيَرَى سُجُودَهُ؛ بِخِلَافِ الرَّفْعِ مِنْ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ. فَإِنَّ الْمَأْمُومَ لَا يَرَى الْإِمَامَ فَيَحْتَاجُ أَنْ يَعْلَمَ رَفْعَهُ بِتَكْبِيرِهِ. وَيَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ مَا قَالَهُ أَحْمَد مِنْ حَدِيثِ ابْنِ أَبْزَى: أَنَّهُ صَلَّى خَلْفَ النَّبِيِّ ﷺ فَلَمْ يُتِمَّ التَّكْبِيرَ. وَكَانَ لَا
стр. 1732
يُكَبِّرُ إذَا خَفَضَ. هَكَذَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد الطَّيَالِسِى عَنْ شُعْبَةَ عَنْ الْحَسَنِ بْنِ عِمْرَانَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى عَنْ أَبِيهِ. وَقَدْ ظَنَّ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ - كَمَا ظَنَّ غَيْرُهُ - أَنَّ هَؤُلَاءِ السَّلَفَ مَا كَانُوا يُكَبِّرُونَ فِي الْخَفْضِ وَالرَّفْعِ. وَجُعِلَ ذَلِكَ حُجَّةٌ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِوَاجِبِ لِأَنَّهُمْ لَا يُقِرُّونَ الْأُمَّةَ عَلَى تَرْكِ وَاجِبٍ حَتَّى إنَّهُ قَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّهُ كَانَ يُكَبِّرُ إذَا صَلَّى وَحْدَهُ فِي الْفَرْضِ وَأَمَّا التَّطَوُّعُ فَلَا.
قَالَ أَبُو عُمَرَ: لَا يَحْكِي أَحْمَد عَنْ ابْنِ عُمَرَ إلَّا مَا صَحَّ عِنْدَهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ.
قَالَ: وَأَمَّا رِوَايَةُ مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ " أَنَّهُ كَانَ يُكَبِّرُ فِي الصَّلَاةِ كُلَّمَا خَفَضَ وَرَفَعَ". فَيَدُلُّ ظَاهِرُهَا: عَلَى أَنَّهُ كَذَلِكَ كَانَ يَفْعَلُ إمَامًا وَغَيْرَ إمَامٍ.
قُلْت: مَا رَوَى مَالِكٌ لَا رَيْبَ فِيهِ. وَاَلَّذِي ذَكَرَهُ أَحْمَد لَا يُخَالِفُ ذَلِكَ وَلَكِنْ غَلِطَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِيمَا فَهِمَ مِنْ كَلَامٍ أَحْمَد. فَإِنَّ كَلَامَهُ إنَّمَا كَانَ فِي التَّكْبِيرِ دُبُرَ الصَّلَاةِ أَيَّامَ الْعِيدِ الْأَكْبَرِ لَمْ يَكُنْ التَّكْبِيرُ فِي الصَّلَاةِ وَلِهَذَا فَرَّقَ أَحْمَد بَيْنَ الْفَرْضِ وَالنَّفْلِ فَقَالَ: أَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يُكَبِّرَ فِي الْفَرْضِ دُونَ النَّفْلِ. وَلَمْ يَكُنْ أَحْمَد وَلَا غَيْرُهُ يُفَرِّقُونَ فِي تَكْبِيرِ الصَّلَاةِ بَيْنَ الْفَرْضِ وَالنَّفْلِ: بَلْ ظَاهِرُ مَذْهَبِهِ: أَنَّ تَكْبِيرَ الصَّلَاةِ وَاجِبٌ فِي النَّفْلِ كَمَا أَنَّهُ وَاجِبٌ فِي الْفَرْضِ. وَإِنْ قِيلَ: هُوَ سُنَّةٌ فِي الْفَرْضِ قِيلَ: هُوَ سُنَّةٌ فِي النَّفْلِ. فَأَمَّا التَّفْرِيقُ بَيْنَهُمَا فَلَيْسَ قَوْلًا لَهُ وَلَا لِغَيْرِهِ. وَأَمَّا الَّذِي ذَكَرَهُ عَنْ ابْنِ عُمَرَ فِي تَكْبِيرِهِ دُبُرَ الصَّلَاةِ إذَا كَانَ مُنْفَرِدًا: فَهُوَ مَشْهُورٌ عَنْهُ. وَهِيَ مَسْأَلَةُ نِزَاعٍ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ مَشْهُورَةٌ. وَقَدْ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ لَمَّا ذَكَرَ حَدِيثَ أَبِي سَلَمَةَ: "أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ
стр. 1733
عَنْهُ. كَانَ يُصَلِّي لَهُمْ فَيُكَبِّرُ كُلَّمَا خَفَضَ وَرَفَعَ فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ: وَاَللَّهِ إنِّي لَأَشْبَهُكُمْ صَلَاةً بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ".
فَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: إنَّ النَّاسَ لَمْ يَكُونُوا كُلُّهُمْ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ؛ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ فِي مُوَطَّئِهِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ سَمْعَانَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: "ثَلَاثٌ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَفْعَلُهُنَّ وَتَرَكَهُنَّ النَّاسُ: كَانَ إذَا قَامَ إلَى الصَّلَاةِ رَفَعَ يَدَيْهِ مَدًّا وَكَانَ يَقِفُ قَبْلَ الْقِرَاءَةِ هُنَيْهَةً يَسْأَلُ اللَّهَ مَنْ فَضْلِهِ وَكَانَ يُكَبِّرُ كُلَّمَا رَفَعَ وَخَفَضَ".
قُلْت: هَذِهِ الثَّلَاثَةُ تَرَكَهَا طَائِفَةٌ مِنْ الْأَئِمَّةِ وَالْفُقَهَاءِ مِمَّنْ لَا يَرْفَعُ الْيَدَيْنِ وَلَا يُوجِبُ التَّكْبِيرَ وَمَنْ لَا يَسْتَحِبُّ الِاسْتِفْتَاحَ وَالِاسْتِعَاذَةَ وَمَنْ لَا يَجْهَرُ مِنْ الْأَئِمَّةِ بِتَكْبِيرِ الِانْتِقَالَ.
قَالَ: وَقَدْ قَالَ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ: إنَّ التَّكْبِيرَ إنَّمَا هُوَ إيذَانٌ بِحَرَكَاتِ الْإِمَامِ وَشِعَارٌ لِلصَّلَاةِ وَلَيْسَ بِسُنَّةِ إلَّا فِي الْجَمَاعَةِ. أَمَّا مَنْ صَلَّى وَحْدَهُ فَلَا بَأْسَ عَلَيْهِ أَنْ لَا يُكَبِّرَ. وَلِهَذَا ذَكَرَ مَالِكٌ هَذَا الْحَدِيثَ وَحَدِيثَ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُكَبِّرُ فِي الصَّلَاةِ كُلَّمَا خَفَضَ وَرَفَعَ فَلَمْ تَزَلْ تِلْكَ صَلَاتَهُ حَتَّى لَقِيَ اللَّهَ . وَحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ وَجَابِرٍ ﵃:
"أَنَّهُمَا كَانَا يُكَبِّرَانِ كُلَّمَا خَفَضَا وَرَفَعَا فِي الصَّلَاةِ فَكَانَ جَابِرٌ يُعَلِّمُهُمْ ذَلِكَ".
стр. 1734
قَالَ: فَذَكَرَ مَالِكٌ هَذِهِ الْأَحَادِيثَ كُلَّهَا لِيُبَيِّنَ لَك أَنَّ التَّكْبِيرَ مِنْ سُنَنِ الصَّلَاةِ. قُلْت: مَا ذَكَرَهُ مَالِكٌ: فَكَمَا ذَكَرَهُ وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ مِنْ الْخِلَافِ: فَلَمْ أَجِدْهُ ذَكَرَ لِذَلِكَ أَصْلًا إلَّا مَا ذَكَرَ. أَحْمَد عَنْ عُلَمَاءِ " الْمُسْلِمِينَ: أَنَّ التَّكْبِيرَ مَشْرُوعٌ فِي الصَّلَوَاتِ وَإِنَّمَا ذَكَرَ ذَلِكَ مَالِكٌ وَغَيْرُهُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - لِأَجْلِ مَا كَرِهَ مِنْ فِعْلِ الْأَئِمَّةِ الَّذِينَ كَانُوا لَا يُتِمُّونَ التَّكْبِيرَ. وَقَدْ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: رَوَى ابْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنِي عِيَاضُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الفهري أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَقُولُ: "لِكُلِّ شَيْءٍ زِينَةٌ وَزِينَةُ الصَّلَاةِ التَّكْبِيرُ وَرَفْعُ الْأَيْدِي فِيهَا" وَإِذَا كَانَ ابْنُ عُمَرَ يَقُولُ ذَلِكَ فَكَيْفَ يُظَنُّ بِهِ أَنَّهُ لَا يُكَبِّرُ إذَا صَلَّى وَحْدَهُ؟ هَذَا لَا يَظُنُّهُ عَاقِلٌ بِابْنِ عُمَرَ.
قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وقتادة وَغَيْرِهِمْ: " أَنَّهُمْ كَانُوا لَا يُتِمُّونَ التَّكْبِيرَ " وَذَكَرَ ذَلِكَ أَيْضًا عَنْهُ الْقَاسِمُ وَسَالِمٌ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ. وَرُوِيَ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ " أَنَّهُ كَانَ يُكَبِّرُ هَذَا التَّكْبِيرَ. وَيَقُولُ: إنَّهَا لَصَلَاةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ". قَالَ: وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ التَّكْبِيرَ فِي كُلِّ خَفْضٍ وَرَفْعٍ: كَانَ النَّاسُ قَدْ تَرَكُوهُ وَفِي تَرْكِ النَّاسِ لَهُ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ مِنْ وَاحِدٍ مِنْهُمْ: مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ مَحْمُولٌ عِنْدَهُمْ عَلَى الْإِبَاحَةِ.
قُلْت: لَا يُمْكِنُ أَنْ يُعْلَمَ إلَّا تَرْكُ الْجَهْرِ بِهِ. فَأَمَّا تَرْكُ الْإِمَامِ التَّكْبِيرَ سِرًّا: فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَدَّعِيَ تَرْكَهُ إنْ لَمْ يَصِلْ الْإِمَامُ إلَى فِعْلِهِ فَهَذَا لَمْ يَقُلْهُ أَحَدٌ مِنْ الْأَئِمَّةِ وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ أَنَّهُمْ كَانُوا يَتْرُكُونَ فِي كُلِّ خَفْضٍ وَرَفْعٍ بَلْ قَالَوا: كَانُوا لَا يُتِمُّونَهُ. وَمَعْنَى "لَا يُتِمُّونَهُ" يُنْقِصُونَهُ وَنَقْصُهُ: عَدَمُ فِعْلِهِ فِي حَالِ الْخَفْضِ كَمَا تَقَدَّمَ مِنْ كَلَامِهِ. وَهُوَ
стр. 1735
نَقْصٌ بِتَرْكِ رَفْعِ الصَّوْتِ بِهِ أَوْ نَقْصٌ لَهُ بِتَرْكِ ذَلِكَ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ. وَقَدْ رَوَى ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ أَنَسٍ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: صَلَّيْت خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ ﵃ فَكُلُّهُمْ كَانَ يُكَبِّرُ إذَا رَفَعَ رَأْسَهُ وَإِذَا خَفَضَ. قَالَ: وَهَذَا مُعَارِضٌ لِمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ: "أَنَّهُ كَانَ لَا يُتِمُّ التَّكْبِيرَ".
وَرُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ: قُلْت: لِعُمَرِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ "مَا مَنَعَك أَنْ تُتِمَّ التَّكْبِيرَ - وَهَذَا عَامِلُك عَبْدُ الْعَزِيزِ يُتِمُّهُ -؟ فَقَالَ: تِلْكَ صَلَاةُ الْأُوَلِ وَأَبَى أَنْ يَقْبَلَ مِنِّي".
قُلْت: وَإِنَّمَا خَفِيَ عَلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَعَلَى هَؤُلَاءِ الْجَهْرُ بِالتَّكْبِيرِ كَمَا خَفِيَ ذَلِكَ عَلَى طَوَائِفَ مِنْ أَهْلِ زَمَانِنَا وَقَبْلَهُ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ إبْرَاهِيمَ. قَالَ: "أَوَّلُ مَنْ قَصَّ التَّكْبِيرَ زِيَادٌ".
قُلْت: زِيَادٌ كَانَ أَمِيرًا فِي زَمَنِ عُمَرَ فَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ صَحِيحًا. وَيَكُونُ زِيَادٌ قَدْ سَنَّ ذَلِكَ حِينَ تَرَكَهُ غَيْرُهُ. وَرُوِيَ عَنْ الْأَسْوَدِ ابْنِ يَزِيدَ عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ قَالَ: لَقَدْ ذَكَّرَنَا عَلِيٌّ صَلَاةً كُنَّا نُصَلِّيهَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إمَّا نَسِينَاهَا وَإِمَّا تَرَكْنَاهَا عَمْدًا وَكَانَ يُكَبِّرُ كُلَّمَا رَفَعَ وَكُلَّمَا وَضَعَ وَكُلَّمَا سَجَدَ. وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْأُمَرَاءَ بِالْعِرَاقِ الَّذِينَ شَاهَدُوا مَا عَلَيْهِ أُمَرَاءُ الْبَلَدِ وَهُمْ أَئِمَّةٌ وَلَمْ يَبْلُغْهُمْ خِلَافُ ذَلِكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ رَأَوْا مَنْ شَاهَدُوهُمْ
стр. 1736
مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالدِّينِ لَا يَعْرِفُونَ غَيْرَ ذَلِكَ فَظَنُّوا أَنَّ ذَلِكَ هُوَ مِنْ أَصْلِ السُّنَّةِ. وَحَصَلَ بِذَلِكَ نُقْصَانٌ فِي وَقْتِ الصَّلَاةِ وَفِعْلِهَا. فَاعْتَقَدُوا أَنَّ تَأْخِيرَ الصَّلَاةِ أَفْضَلُ مِنْ تَقْدِيمِهَا؛ كَمَا كَانَ الْأَئِمَّةُ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ. وَكَذَلِكَ عَدَمُ إتْمَامِ التَّكْبِيرِ وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ الْأُمُورِ النَّاقِصَةِ عَمَّا كَانَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى كَانَ ابْنُ مَسْعُودٍ يَتَأَوَّلُ فِي بَعْضِ الْأُمَرَاءِ الَّذِينَ كَانُوا عَلَى عَهْدِهِ: أَنَّهُمْ مِنْ الْخَلْفِ الَّذِينَ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِمْ: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ فَكَانَ يَقُولُ: " كَيْفَ بِكُمْ إذَا لَبَسَتْكُمْ فِتْنَةٌ يَرْبُو فِيهَا الصَّغِيرُ وَيَهْرَمُ فِيهَا الْكَبِيرُ إذَا تُرِكَ فِيهَا شَيْءٌ قِيلَ: تَرَكْت السُّنَّةَ. فَقِيلَ: مَتَى ذَلِكَ يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ؟ فَقَالَ: ذَلِكَ إذَا ذَهَبَ عُلَمَاؤُكُمْ وَقَلَّتْ فُقَهَاؤُكُمْ وَالْتُمِسَتْ الدُّنْيَا بِعَمَلِ الْآخِرَةِ وَتُفُقِّهَ لِغَيْرِ الدِّينِ" وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ يَقُولُ أَيْضًا: "أَنَا مِنْ غَيْرِ الدَّجَّالِ أَخْوَفُ عَلَيْكُمْ مِنْ الدَّجَّالِ: أُمُورٌ تَكُونُ مِنْ كُبَرَائِكُمْ فَأَيُّمَا رَجُلٍ أَوْ امْرَأَةٍ أَدْرَكَ ذَلِكَ الزَّمَانَ فَالسَّمْتَ الْأَوَّلَ فَالسَّمْتَ الْأَوَّلَ"» اهـ.
٤ - وفيه ذكر النبي ﷺ باسمه، وهذا مشروع، وإنَّما المنهي عنه هو أن ينادى باسمه.
قلت: وقد سبقت مباحث هذا الحديث في الذي قبله.
* * *
стр. 1737
٨٦ - عَنْ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ﵄ قَالَ: «رَمَقْتُ الصَّلاةَ مَعَ مُحَمَّدٍ ﷺ فَوَجَدْتُ قِيَامَهُ، فَرَكْعَتَهُ فَاعْتِدَالَهُ بَعْدَ رُكُوعِهِ، فَسَجْدَتَهُ، فَجِلْسَتَهُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ، فَسَجْدَتَهُ فَجِلْسَتَهُ مَا بَيْنَ التَّسْلِيمِ وَالانْصِرَافِ: قَرِيباً مِنْ السَّوَاءِ».
وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ. «مَا خَلا الْقِيَامَ وَالْقُعُودَ قَرِيباً مِنْ السَّوَاءِ».
هذا اللفظ الذي أورده المصنف لمسلم (٤٧١).
وقوله: «رَمَقْتُ». أي: نظرت.
وفي الحديث مسائل منها:
١ - قَالَ الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٦/ ٢٢):
«معنى هذا: أنَّ صلاة النبي ﷺ كانت متقاربة في مقدارها، فكان ركوعه ورفعه من ركوعه وسجوده ورفعه من سجوده قريباً من الاستواء في مقداره، وإنَّما كان يطيل القيام للقراءة والقعود للتشهد» اهـ.
وقَالَ الحافظ ابن حجر ﵀ في [فتح الباري] (٢/ ٢٧٦):
стр. 1738
«وَقَالَ بَعْضُ شُيُوخِ شُيُوخِنَا مَعْنَى قَوْلِهِ قَرِيبًا مِنَ السَّوَاءِ أَنَّ كُلَّ رُكْنٍ قَرِيبٍ مِنْ مِثْلِهِ فَالْقِيَامُ الْأَوَّلُ قَرِيبٌ مِنَ الثَّانِي وَالرُّكُوعُ فِي الْأُولَى قَرِيبٌ مِنَ الثَّانِيَةِ وَالْمُرَادُ بِالْقِيَامِ وَالْقُعُودِ اللَّذَيْنِ اسْتُثْنِيَا الِاعْتِدَالُ وَالْجُلُوسُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ وَلَا يَخْفَى تَكَلُّفُهُ» اهـ.
قلت: والأمر كما قَالَ ﵀.
٢ - وفيه استحباب إطالة الاعتدال من الركوع، والجلوس بين السجدتين خلافاً لمن لم يستحب ذلك.
حتى قَالَ بعض الشافعية إنَّه إذا طوله بطلت صلاته.
٣ - وفي الحديث: دليل على أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كان يمكث في المسجد بعد تسليمه من الصلاة يسيراً قريباً من قدر ركوعه أو سجوده أو جلوسه بين السجدتين، ثم ينصرف بعد ذلك.
قَالَ العلامة النووي ﵀ في [شرح مسلم] (٤/ ١٨٨):
«وَقَوْلُهُ "فَجَلْسَتَهُ مَا بَيْنَ التَّسْلِيمِ وَالِانْصِرَافِ" دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ ﷺ كَانَ يَجْلِسَ بَعْدَ التَّسْلِيمِ شَيْئًا يَسِيرًا فِي مُصَلَّاهُ» اهـ.
قلت: وهذا المكث كان بعد استقباله للناس، وأمَّا المكث قبل استقبال الناس فكان يمكث يسيراً مستقبلاً للقبلة.
стр. 1739
فروى مسلم (٥٩١) عن عائشة قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا انْصَرَفَ مِنْ صَلَاتِهِ اسْتَغْفَرَ ثَلَاثًا وَقَالَ: "اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلَامُ وَمِنْكَ السَّلَامُ تَبَارَكْتَ ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ"».
قلت: ويستثنى من ذلك صلاة الفجر فإنَّه يستحب للإمام ولغيره المكث في المصلى حتى تطلع الشمس. فروى مسلم (٦٧٠) عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ قَالَ: قُلْتُ لِجَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ أَكُنْتَ تُجَالِسُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «نَعَمْ كَثِيرًا كَانَ لَا يَقُومُ مِنْ مُصَلَّاهُ الَّذِي يُصَلِّي فِيهِ الصُّبْحَ أَوْ الْغَدَاةَ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ فَإِذَا طَلَعَتْ الشَّمْسُ قَامَ وَكَانُوا يَتَحَدَّثُونَ فَيَأْخُذُونَ فِي أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ فَيَضْحَكُونَ وَيَتَبَسَّمُ».
قلت: ويستحب ألا ينصرف الناس من مصلاهم قبل انصراف الإمام إلَّا إذا أطال المكث بما يشق عليهم.
لما رواه مسلم (٤٢٦) عَنْ أَنَسٍ قَالَ صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ فَلَمَّا قَضَى الصَّلَاةَ أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ فَقَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي إِمَامُكُمْ فَلَا تَسْبِقُونِي بِالرُّكُوعِ وَلَا بِالسُّجُودِ وَلَا بِالْقِيَامِ وَلَا بِالِانْصِرَافِ فَإِنِّي أَرَاكُمْ أَمَامِي وَمِنْ خَلْفِي».
قلت: وقد حمل العلامة النووي الانصراف في الحديث على السلام، وهو محتمل لذلك، ومحتمل لما هو أعم من ذلك من السلام والانصراف من المصلى.
стр. 1740
وقد جاء ما يدل على هذا المعنى فيما رواه البخاري (٨٦٦) هند بنت الحارث: أنَّ أم سلمة زوج النبي ﷺ أخبرتها: «أَنَّ النِّسَاءَ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ كُنَّ إِذَا سَلَّمْنَ مِنَ الْمَكْتُوبَةِ قُمْنَ وَثَبَتَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، وَمَنْ صَلَّى مِنَ الرِّجَالِ مَا شَاءَ اللَّهُ فَإِذَا قَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَامَ الرِّجَالُ».
قَالَ الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٦/ ١١٧):
«وإن لم يطل الإمام الجلوس، فالسنة أن لا يقوم المأموم حتى يقوم الإمام، كذا قَالَ الزهري والحسن وقتادة وغيرهم.
وقَالَ الزهري: إنَّما جعل الإمام ليؤتم به. يشير إلى أنَّ مشروعية الاقتداء به لا تنقطع إلَّا بانصرافه» اهـ.
قلت: ثم أورد ﵀ حديث أنس، وأم سلمة الذين سبق ذكرهما.
ثم قَالَ ﵀ (٦/ ١١٨): «وقَالَ الشافعي في "الأم": فإن قام الإمام قبل ذلك، أو جلس أطول من ذلك، فلا شيء عليه. قَالَ: وللمأموم أن ينصرف إذا قضى الإمام السلام قبل قيام الإمام، وتأخيره حتى ينصرف بعد انصراف الإمام أو معه أحب إلي.
وظاهر كلام كثير من السلف: كراهة ذلك، كما تقدم» اهـ.
وقَالَ العلامة ابن قدامة ﵀ في [المغني] (١/ ٤٠٢):
стр. 1741
«وَيُسْتَحَبُّ لِلْمَأْمُومِينَ أَنْ لَا يَثِبُوا قَبْلَ الْإِمَامِ، لِئَلَّا يَذْكُرَ سَهْوًا فَيَسْجُدَ وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "إنِّي إمَامُكُمْ، فَلَا تُبَادِرُونِي بِالرُّكُوعِ وَلَا بِالسُّجُودِ وَلَا بِالْقِيَامِ وَلَا بِالِانْصِرَافِ"، رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَالنَّسَائِيُّ، وَلَفْظُ مُسْلِمٍ: "فَلَا تَسْبِقُونِي". فَإِنْ خَالَفَ الْإِمَامُ السُّنَّةَ فِي إطَالَةِ الْجُلُوسِ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ أَوْ انْحَرَفَ، فَلَا بَأْسَ أَنْ يَقُومَ الْمَأْمُومُ وَيَدَعَهُ» اهـ.
٤ - قوله في رواية البخاري. «مَا خَلا الْقِيَامَ وَالْقُعُودَ قَرِيباً مِنْ السَّوَاءِ».
احتج به من ذهب إلى عدم تطويل القيام بعد الرفع من الركوع، والقعود بين السجدتين.
قلت: حمل الحديث على هذا المعنى لا يستقيم مع الأدلة ومنها حديث أنس الآتي بعد هذا فإنَّه يدل على إطالة هذين الركنين، وإنَّما المراد بالحديث أنَّ ركن القيام والقعود للتشهد أطول من سائر الأركان، وهذا معلوم من سنته ﵊.
قَالَ العلامة ابن القيم ﵀ في [زاد المعاد] (١/ ٢٠٩):
«وأمَّا حديث البراء بن عازب: "كان ركوع رسول الله ﷺ وسجوده بين السجدتين وإذا رفع رأسه من الركوع - ما خلا القيام والقعود - قريباً من السواء" رواه البخاري فقد تشبث به من ظن تقصير هذين الركنين ولا متعلق له فإنَّ الحديث مصرح فيه بالتسوية بين هذين الركنين وبين سائر الأركان
стр. 1742
فلو كان القيام والقعود المستثنيين هو القيام بعد الركوع والقعود بين السجدتين لناقض الحديث الواحد بعضه بعضاً فتعين قطعاً أن يكون المراد بالقيام والقعود قيام القراءة وقعود التشهد ولهذا كان هديه ﷺ فيهما إطالتهما على سائر الأركان كما تقدم بيانه وهذا بحمد الله واضح» اهـ.
٥ - والظاهر أنَّ هذه الصلاة هي صلاة النبي ﷺ في جميع أحواله.
وأمَّا قول العلامة ابن بطال ﵀ في [شرح البخاري] (٢/ ٤٠٨):
«قَالَ المهلب: هذه الصفة أكمل صفات صلاة الجماعة، وأمَّا صلاة الرجل وحده، فله أن يطول فى الركوع والسجود أضعاف ما يطول فى القيام بين السجدتين وبين الركعة والسجدة» اهـ. فالظاهر خلافه.
* * *
стр. 1743
٨٧ - عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ عَنْ أَنَسٍ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: «إنِّي لا آلُو أَنْ أُصَلِّيَ بِكُمْ كَمَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي بِنَا».
قَالَ ثَابِتٌ: «فَكَانَ أَنَسٌ يَصْنَعُ شَيْئاً لا أَرَاكُمْ تَصْنَعُونَهُ. كَانَ إذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ الرُّكُوعِ: انْتَصَبَ قَائِماً، حَتَّى يَقُولَ الْقَائِلُ: قَدْ نَسِيَ، وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ السَّجْدَةِ: مَكَثَ، حَتَّى يَقُولَ الْقَائِلُ: قَدْ نَسِيَ».
قوله في الحديث: «لَا آلُو». أي لا أُقَصِّر.
وقوله: «قَدْ نَسِيَ».
قَالَ الحافظ ابن حجر ﵀ في [فتح الباري] (٢/ ٢٨٨):
«وقوله: "قد نسي" أي نسي وجوب الهوى إلى السجود قَالَه الكرماني، ويحتمل أن يكون المراد أنَّه نسي أنَّه في صلاة أو ظن أنَّه وقت القنوت حيث كان معتدلاً أو وقت التشهد حيث كان جالساً» اهـ.
وفي هذا الحديث مسائل منها:
١ - أنَّ الرفع من الركوع ينتصب فيه المصلي حتى يعتدل قائماً.
قَالَ الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٧/ ٢٠٥ - ٢٠٦):
стр. 1744
«ففي هذا الحديث: دليل على أنَّ الرفع من الركوع ينتصب فيه حتى يعتدل قائماً، كما قَالَ النبي ﷺ للذي علمه الصلاة: "ثم أرفع حتى تعتدل قائماً".
وأكثر العلماء على أنَّ الرفع من الركوع ركن من أركان الصلاة، وهو قول الشافعي وأحمد.
وقَالَ أبو حنيفة ومالك -في رواية عنه -: ليس بركن، فلو ركع ثم سجد أجزأه.
وهذا يرده فعل النبي ﷺ وأمره بالاعتدال.
والطمأنينة في هذا الاعتدال ركن -أيضاً - عند الشافعي وأحمد وأكثر أصحابهما.
ومن الشافعية من توقف في ذلك؛ لأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ إنَّما أمرنا بالاعتدال دون الطمأنينة.
والصحيح: أنَّ الطمأنينة فيه ركن، وهو قول الأكثرين، منهم: الثوري والأوزاعي وأبو يوسف وإسحاق.
وقد أمر النبي ﷺ بالطمأنينة في الجلوس بين السجدتين، فالطمأنينة في الرفع من الركوع مثلها.
وقد روي من حديث رفاعة بن رافع، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ علم المسيء في صلاته، وأمره أن يرفع حتى يطمئن قائماً.
خرَّجه الإمام أحمد وغيره.
стр. 1745
وقد سبق قول النبي ﷺ : "لا تجزئ صلاة لا يقيم الرجل فيها صلبه في الركوع والسجود".
وخرَّج الإمام أحمد من حديث أبي هريرة، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: "لا ينظر الله إلى صلاة رجل لا يقيم صلبه بين ركوعه وسجوده".
ومن حديث طلق بن علي الحنفي، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ معناه.
وحديث طلق أصح من حديث أبي هريرة» اهـ.
٢ - وفيه: دليل على استحباب إطالة ركن الرفع من الركوع، مع إطالة سائر أركان الصلاة، حتى تتناسب أركان الصلاة في القدر.
وذهب بعض الشافعية إلى أنَّ من أطال ذلك فسدت صلاته؛ لأنَّه غير مقصود لنفسه، بل للفصل بين الركوع والسجود. ولأن في إطالته قطع للموالاة بين أركان الصلاة. وهذا قول مردود؛ لمخالفته السنة.
٣ - وفيه استحباب إطالة الجلوس بين السجدتين.
٤ - وفيه الرد على من رأى الاقتصار على قوله بين السجدتين "رب اغفر لي" مرتين أو ثلاثاً.
قَالَ الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٧/ ٢٧٦ - ٢٧٧):
«واستحب الإمام أحمد ما في حديث حذيفة، فإنَّه أصح عنده من حديث ابن عباس، وقَالَ: يقول: "رب اغفر لي" ثلاث مرات، أو ما شاء.
стр. 1746
ومن أصحابه من قَالَ: يقولها مرتين فقط.
ومنهم من قَالَ: يقولها ثلاثاً كتسبيح الركوع والسجود، وحمل حديث حذيفة أنَّه كان يكرر ذلك؛ فإنَّ في حديثه: أنَّ جلوسه بين السجدتين كان نحواً من سجوده.
وروي عن أكثر العلماء استحباب ما في حديث ابن عباس، منهم: مكحول والثوري وأصحاب الشافعي.
وقَالَ إسحاق: كله جائز، وعنده: أنَّ قَالَ ما في حديث ابن عباس لم يكرره، وإن قَالَ: "رب اغفر لي" كرره ثلاثاً.
وحكم هذا الذكر بين السجدتين عند أكثر أصحاب أحمد حكم التسبيح في الركوع والسجود، وأنَّه واجب تبطل الصلاة بتركه عمداً، ويسجد لسهوه.
وروي عن أحمد، أنَّه ليس بواجب.
قَالَ حرب: مذهب أحمد: أنَّه إن قَالَ جاز، وإن لم يقل جاز، والأمر عنده واسع.
وكذا ذكر أبو بكر الخلال، أنَّ هذا مذهب أحمد.
وهذا قول جمهور العلماء.
وحكي عن أبي حنيفة، أنَّه ليس بين السجدتين ذكر مشروع بالكلية.
وعن بعض أصحابه، أنَّه يسبح فيه» اهـ.
أقول: حديث ابن عباس رواه أحمد (٢٨٩٧)، أبو داود (٨٥٠)، والترمذي (٢٨٤)، وابن ماجه (٨٩٨) مِنْ طَرِيقِ كَامِلٍ أَبِي العَلَاءِ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ،
стр. 1747
عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقُولُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي وَارْحَمْنِي وَعَافِنِي وَاهْدِنِي وَارْزُقْنِي».
وقد اختلف في وصله وإرساله.
قَالَ الترمذي ﵀ في [جامعه] (١/ ٣٧١): «وروى بعضهم هذا الحديث، عن كامل أبي العلاء مرسلاً» اهـ.
قلت: لعله يريد ما رواه أحمد (٣٥١٤) حَدَّثَنَا أَسْوَدُ بْنُ عَامِرٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا كَامِلٌ، عَنْ حَبِيبٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: بِتُّ عِنْدَ خَالَتِي مَيْمُونَةَ، قَالَ: فَانْتَبَهَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ اللَّيْلِ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ، قَالَ: ثُمَّ رَكَعَ، قَالَ: فَرَأَيْتُهُ قَالَ فِي رُكُوعِهِ: «سُبْحَانَ رَبِّيَ الْعَظِيمِ» ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ، فَحَمِدَ اللَّهَ مَا شَاءَ أَنْ يَحْمَدَهُ، قَالَ: ثُمَّ سَجَدَ، قَالَ: فَكَانَ يَقُولُ فِي سُجُودِهِ: «سُبْحَانَ رَبِّيَ الْأَعْلَى» قَالَ: ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ، قَالَ: فَكَانَ يَقُولُ فِيمَا بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ: «رَبِّ اغْفِرْ لِي، وَارْحَمْنِي، وَاجْبُرْنِي، وَارْفَعْنِي، وَارْزُقْنِي، وَاهْدِنِي».
قلت: أسقط الأسود سعيد بن جبير بين حبيب وابن عباس لكن الأكثر على إثباته.
غير أنَّه بقى أنَّ حبيباً مكثر من التدليس وقد عنعن في جميع طرق الحديث.
قَالَ الحافظ ابن حجر ﵀ في [تعريف أهل التقديس] (ص: ٣٨):
стр. 1748
«حبيب بن أبي ثابت الكوفي تابعي مشهور يكثر التدليس وصفه بذلك ابن خزيمة والدارقطني وغيرهما» اهـ.
قلت: وقد جعله في المرتبة الثالثة وهي مرتبة المكثرين.
وحديث حذيفة رواه ابن ماجه (٨٩٧) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ قَالَ: حَدَّثَنَا الْعَلَاءُ بْنُ الْمُسَيَّبِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ حُذَيْفَةَ، ح وَحَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ، عَنِ الْمُسْتَوْرِدِ بْنِ الْأَحْنَفِ، عَنْ صِلَةَ بْنِ زُفَرَ، عَنْ حُذَيْفَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقُولُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ: «رَبِّ اغْفِرْ لِي، رَبِّ اغْفِرْ لِي».
قلت: إسناد ابن ماجه الآخر صحيح.
وروى الحديث أحمد (٢٣٤٢٣)، وأبو داود (٨٧٤)، والنسائي (١٠٦٩، ١١٤٥).
مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ أَبِي حَمْزَةَ، مَوْلَى الأَنْصَارِ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي عَبْسٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ.
قَالَ الطيالسي في [مسنده] (٤١٦) حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ، سَمِعَ أَبَا حَمْزَةَ، يُحَدِّثُ عَنْ رَجُلٍ مِنْ عَبْسٍ - شُعْبَةُ يَرَى أَنَّهُ صِلَةُ بْنُ زُفَرَ - عَنْ حُذَيْفَةَ.
قلت: والذي يظهر لي أنَّ الذكر بين السجدتين مما يستحب ولا يجب، لعدم ما يدل على الوجوب.
стр. 1749
٥ - وليس في الحديث أنَّه كان يطول الرفع من الركوع، والجلوس بين السجدتين أطول من السجود و الركوع، بل غاية ما يدل عليه التنبيه على أنَّ هذين الركنين من الأركان الطويلة خلاف ما يفعله كثير من المصليين من تخفيفهما.
قَالَ شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كما في [مجموع الفتاوى] (٢٢/ ٥٧٩):
«فَهَذِهِ أَحَادِيثُ أَنَسٍ الصَّحِيحَةُ تُصَرِّحُ أَنَّ صَلَاةَ النَّبِيِّ ﷺ الَّتِي كَانَ يُوجِزُهَا وَيُكَمِّلُهَا وَاَلَّتِي كَانَتْ أَخَفَّ الصَّلَاةِ وَأَتَمَّهَا أَنَّهُ ﷺ كَانَ يَقُومُ فِيهَا مِنْ الرُّكُوعِ حَتَّى يَقُولَ الْقَائِلُ: إنَّهُ قَدْ نَسِيَ وَيَقْعُدُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ حَتَّى يَقُولَ الْقَائِلُ: قَدْ نَسِيَ. وَإِذَا كَانَ فِي هَذَا يَفْعَلُ ذَلِكَ فَمِنْ الْمَعْلُومِ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ وَالسُّنَّةِ الْمُتَوَاتِرَةِ: أَنَّ الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ لَا يَنْقُصَانِ عَنْ هَذَيْنِ الِاعْتِدَالَيْنِ. بَلْ كَثِيرٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ يَقُولُ: لَا يُشْرَعُ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَجْعَلَ هَذَيْنِ الِاعْتِدَالَيْنِ بِقَدْرِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ بَلْ يَنْقُصَانِ عَنْ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ» اهـ.
٦ - وفيه التعليم بالفعل.
٨ - وفيه أنَّ من أراد أن يعلم الناس صفة الصلاة فإنَّه يصلي صلاة حقيقية.
٩ - وفيه مشروعية أن يجمع العبد بين نية العبادة ونية التعليم.
* * *
стр. 1750
٨٩ - عَنْ أَنَسٍ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: «مَا صَلَّيْتُ خَلْفَ إمَامٍ قَطُّ أَخَفَّ صَلاةً. وَلا أَتَمَّ صّلاةً مِنَ النَّبيِّ ﷺ ».
الحديث فيه مسائل منها:
١ - أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كان يحرص على التخفيف على من يصلي خلفه مع مراعاة إتمام الصلاة بأركانها وواجباتها وسننها لا كما يفعله كثير من الناس من التخفيف المخل بأركان الصلاة وواجباتها وسننها.
٢ - هذا اللفظ الذي أورده المؤلف هو لفظ مسلم ولفظ البخاري (٧٠٨) عن شَرِيكِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: «مَا صَلَّيْتُ وَرَاءَ إِمَامٍ قَطُّ أَخَفَّ صَلَاةً، وَلَا أَتَمَّ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ وَإِنْ كَانَ لَيَسْمَعُ بُكَاءَ الصَّبِيِّ فَيُخَفِّفُ مَخَافَةَ أَنْ تُفْتَنَ أُمُّهُ». وهذه الزيادة موجودة عند مسلم لكن في غير هذا السياق فروى (٤٧٠) عَنْ أَنَسٍ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَسْمَعُ بُكَاءَ الصَّبِيِّ مَعَ أُمِّهِ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ فَيَقْرَأُ بِالسُّورَةِ الْخَفِيفَةِ أَوْ بِالسُّورَةِ الْقَصِيرَةِ».
وروى البخاري (٧٠٩)، ومسلم (٤٧٠) عَنْ أَنَسٍ بن مالك: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إِنِّي لأَدْخُلُ فِي الصَّلَاةِ وَأَنَا أُرِيدُ إِطَالَتَهَا فَأَسْمَعُ بُكَاءَ الصَّبِيِّ فَأَتَجَوَّزُ فِي صَلَاتِي مِمَّا أَعْلَمُ مِنْ شِدَّةِ وَجْدِ أُمِّهِ مِنْ بُكَائِه».
قَالَ العلامة ابن بطال ﵀ في [شرح البخاري] (٣/ ٤١٥):
стр. 1751
«فيه: أنَّه كان يتجوز السجود في الصلاة لأمور الدنيا خشية إدخال المشقة على النفوس.
وقد يجوز أن يحتج بهذا الحديث من قَالَ: أنَّه جائز للإمام إذا سمع خفق النعال، وهو راكع أن يزيد في ركوعه شيئًا ليدركه الداخلون فيها؛ لأنَّه في معنى تجوّز النبي ﵇، من أجل بكاء الصبي، وممن أجاز ذلك: الشعبي، والحسن، وعبد الرحمن ابن أبى ليلى، وقَالَ آخرون: ينتظرهم ما لم يشق على أصحابه، هذا قول أحمد، وإسحاق، وأبي ثور، وقَالَ مالك: لا ينتظرهم؛ لأنَّه يضر بمن خلفه؛ لأنه لو فعل ذلك، ولعله يسمع آخر بعد ذلك فينتظره فيضر بمن معه، وهذا قول الأوزاعي، وأبي حنيفة، والشافعي، وقَالَوا: يركع كما كان يركع.
واستدل أهل المقَالَة الأولى أنَّه لما كان تجوّزه في صلاته لا يخرجه منها، دل أن الزيادة فيها شيئًا لا تخرجه من الصلاة، ولما أجمعوا أنَّه جائز للإمام أن ينتظر الجماعة ما لم يخف فوت الوقت جاز للراكع أيضًا ذلك ما لم يخف فوت الوقت» اهـ.
قلت: وأصرح من ذلك ما رواه أحمد (١٦٠٧٦، ٢٧٦٨٨)، والنسائي (١١٤٠) مِنْ طَرِيقِ جرير بن حازم عن محمد بن أبي يعقوب عن عبد الله بن شداد عن أبيه قَالَ: «خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ
стр. 1752
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي إِحْدَى صَلَاتَيِ الْعَشِيِّ، الظُّهْرِ - أَوِ الْعَصْرِ - وَهُوَ حَامِلٌ الْحَسَنَ - أَوِ الْحُسَيْنَ - فَتَقَدَّمَ النَّبِيُّ ﷺ فَوَضَعَهُ، ثُمَّ كَبَّرَ لِلصَّلَاةِ، فَصَلَّى، فَسَجَدَ بَيْنَ ظَهْرَانَيْ صَلَاتِهِ، سَجْدَةً أَطَالَهَا فَقَالَ: إِنِّي رَفَعْتُ رَأْسِي، فَإِذَا الصَّبِيُّ عَلَى ظَهْرِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَهُوَ سَاجِدٌ، فَرَجَعْتُ فِي سُجُودِي، فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللهِ ﷺ الصَّلَاةَ، قَالَ النَّاسُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّكَ سَجَدْتَ بَيْنَ ظَهْرَانَيْ صَلَاتِكَ، هَذِهِ سَجْدَةً قَدْ أَطَلْتَهَا، فَظَنَنَّا أَنَّهُ قَدْ حَدَثَ أَمْرٌ، أَوْ أَنَّهُ يُوحَى إِلَيْكَ، قَالَ: "فَكُلُّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ وَلَكِنَّ ابْنِي ارْتَحَلَنِي، فَكَرِهْتُ أَنْ أُعَجِّلَهُ حَتَّى يَقْضِيَ حَاجَتَهُ"».
قلت: هذا حديث صحيح. وقد أطال النبي ﷺ السجود من أجل الصبي فإطالته من أجل إدراك المأمومين من باب أولى. والله أعلم.
* * *
стр. 1753
٨٨ - عَنْ أَبِي قِلابَةَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ الْجَرْمِيِّ الْبَصْرِيِّ قَالَ: «جَاءَنَا مَالِكُ بْنُ الْحُوَيْرِثِ فِي مَسْجِدِنَا هَذَا، فَقَالَ: إنِّي لأُصَلِّي بِكُمْ، وَمَا أُرِيدُ الصَّلاةَ، أُصَلِّي كَيْفَ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي، فَقُلْتُ لأَبِي قِلابَةَ: كَيْفَ كَانَ يُصَلِّي؟ فَقَالَ: مِثْلَ صَلاةِ شَيْخِنَا هَذَا، وَكَانَ يَجْلِسُ إذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ السُّجُودِ قَبْلَ أَنْ يَنْهَضَ».
أَرادَ بشيخِهمْ، أَبا يزيدَ، عَمرَو بنَ سَلَمَة الجَرْميَّ.
قلت: هذا الحديث ليس على شرط المؤلف فإنَّه من أفراد البخاري.
وقوله: «فَقُلْتُ لأَبِي قِلابَةَ». القائل هو أيوب السختياني.
وفي الحديث مسائل منها:
١ - تعليم صفة صلاة النبي ﷺ بالفعل، وقد فعل ذلك النبي ﷺ عند صلاته على المنبر.
٢ - أنَّ نية تعليم الناس الصلاة مع نية الصلاة لا تفسد الصلاة.
قَالَ الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٥/ ٦٢):
«والإمام إذا نوى الصلاة بالناس وتعليمهم الصلاة صحت صلاته».
إلى أن قَالَ ﵀:
стр. 1754
«ولا يصح حمل كلامه على ظاهره، وأنَّه لم ينو الصلاة بالكلية، بل كان يقوم ويقعد ويركع ويسجد، وهو لا يريد الصلاة، فإن هذا لا يجوز، وإنَّما يجوز مثل ذلك في الحج، يجوز أن يكون الذي يقف بالناس ويدفع بهم غير محرم، ولا مريداً للحج بالكلية، لكنَّه يكره.
قَالَ أصحابنا وغيرهم من الفقهاء في الأحكام السلطانية: لأنَّ الوقوف والدفع يجوز للمحرم وغيره، بخلاف القيام والركوع والسجود، فإنَّه لا يجوز إلَّا في الصلاة بشروطها» اهـ.
٣ - وفيه أن التعليم بالفعل أوضح من القول.
٤ - استحباب جلسة الاستراحة.
قلت: وقد جاءت جلسة الاستراحة أيضاً في حديث أبي حميد الساعدي فروى أحمد (٢٣٦٤٧)، والترمذي (٣٠٤) مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ القَطَّانُ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الحَمِيدِ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَطَاءٍ، عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُهُ وَهُوَ فِي عَشَرَةٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ أَحَدُهُمْ أَبُو قَتَادَةَ بْنُ رِبْعِيٍّ يَقُولُ: أَنَا أَعْلَمُكُمْ بِصَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، قَالَوا: مَا كُنْتَ أَقْدَمَنَا لَهُ صُحْبَةً، وَلَا أَكْثَرَنَا لَهُ إِتْيَانًا؟ قَالَ: بَلَى، قَالَوا: فَاعْرِضْ، فَقَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ اعْتَدَلَ قَائِمًا، وَرَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى يُحَاذِيَ بِهِمَا مَنْكِبَيْهِ، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَرْكَعَ رَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى يُحَاذِيَ بِهِمَا مَنْكِبَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ، وَرَكَعَ، ثُمَّ اعْتَدَلَ، فَلَمْ يُصَوِّبْ رَأْسَهُ وَلَمْ يُقْنِعْ،
стр. 1755
وَوَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى رُكْبَتَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، وَرَفَعَ يَدَيْهِ وَاعْتَدَلَ، حَتَّى يَرْجِعَ كُلُّ عَظْمٍ فِي مَوْضِعِهِ مُعْتَدِلًا، ثُمَّ هَوَى إِلَى الأَرْضِ سَاجِدًا، ثُمَّ قَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ، ثُمَّ جَافَى عَضُدَيْهِ عَنْ إِبْطَيْهِ وَفَتَخَ أَصَابِعَ رِجْلَيْهِ، ثُمَّ ثَنَى رِجْلَهُ اليُسْرَى وَقَعَدَ عَلَيْهَا، ثُمَّ اعْتَدَلَ حَتَّى يَرْجِعَ كُلُّ عَظْمٍ فِي مَوْضِعِهِ مُعْتَدِلًا، ثُمَّ هَوَى سَاجِدًا، ثُمَّ قَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ، ثُمَّ ثَنَى رِجْلَهُ وَقَعَدَ وَاعْتَدَلَ حَتَّى يَرْجِعَ كُلُّ عَظْمٍ فِي مَوْضِعِهِ، ثُمَّ نَهَضَ ثُمَّ صَنَعَ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ مِثْلَ ذَلِكَ، حَتَّى إِذَا قَامَ مِنَ السَّجْدَتَيْنِ كَبَّرَ وَرَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى يُحَاذِيَ بِهِمَا مَنْكِبَيْهِ، كَمَا صَنَعَ حِينَ افْتَتَحَ الصَّلَاةَ، ثُمَّ صَنَعَ كَذَلِكَ، حَتَّى كَانَتِ الرَّكْعَةُ الَّتِي تَنْقَضِي فِيهَا صَلَاتُهُ أَخَّرَ رِجْلَهُ اليُسْرَى وَقَعَدَ عَلَى شِقِّهِ مُتَوَرِّكًا، ثُمَّ سَلَّمَ».
قلت: هذا حديث صحيح.
وقد استحب جلسة الاستراحة هذه الإمام الشافعي وأحمد في رواية، وذهب الإمام أبو حنيفة ومالك وأحمد في الرواية الأخرى إلى عدم استحبابها.
قَالَ العلامة ابن قدامة ﵀ في [المغني] (١/ ٦٠٢):
«وجملته أنَّه إذا قضى سجدته الثانية نهض للقيام مكبراً والقيام ركن والتكبير واجب في إحدى الروايتين واختلفت الرواية عن أحمد هل يجلس للاستراحة فروي لا يجلس وهو اختيار الخرقي وروي ذلك عن عمر وعلي وابن مسعود وابن عمر وابن عباس وبه يقول مالك والثوري وإسحاق وأصحاب الرأي.
следующие страницы →