← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 30178

تحفة السائل في بيان ما في عمدة الأحكام من المسائل

أبو بكر الحمادي

Полный текст (8 095 стр.). Показаны 1751–1790 · переход к 1756.

стр. 1751

«فيه: أنَّه كان يتجوز السجود في الصلاة لأمور الدنيا خشية إدخال المشقة على النفوس. وقد يجوز أن يحتج بهذا الحديث من قَالَ: أنَّه جائز للإمام إذا سمع خفق النعال، وهو راكع أن يزيد في ركوعه شيئًا ليدركه الداخلون فيها؛ لأنَّه في معنى تجوّز النبي ﵇، من أجل بكاء الصبي، وممن أجاز ذلك: الشعبي، والحسن، وعبد الرحمن ابن أبى ليلى، وقَالَ آخرون: ينتظرهم ما لم يشق على أصحابه، هذا قول أحمد، وإسحاق، وأبي ثور، وقَالَ مالك: لا ينتظرهم؛ لأنَّه يضر بمن خلفه؛ لأنه لو فعل ذلك، ولعله يسمع آخر بعد ذلك فينتظره فيضر بمن معه، وهذا قول الأوزاعي، وأبي حنيفة، والشافعي، وقَالَوا: يركع كما كان يركع. واستدل أهل المقَالَة الأولى أنَّه لما كان تجوّزه في صلاته لا يخرجه منها، دل أن الزيادة فيها شيئًا لا تخرجه من الصلاة، ولما أجمعوا أنَّه جائز للإمام أن ينتظر الجماعة ما لم يخف فوت الوقت جاز للراكع أيضًا ذلك ما لم يخف فوت الوقت» اهـ. قلت: وأصرح من ذلك ما رواه أحمد (١٦٠٧٦، ٢٧٦٨٨)، والنسائي (١١٤٠) مِنْ طَرِيقِ جرير بن حازم عن محمد بن أبي يعقوب عن عبد الله بن شداد عن أبيه قَالَ: «خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ

стр. 1752

عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي إِحْدَى صَلَاتَيِ الْعَشِيِّ، الظُّهْرِ - أَوِ الْعَصْرِ - وَهُوَ حَامِلٌ الْحَسَنَ - أَوِ الْحُسَيْنَ - فَتَقَدَّمَ النَّبِيُّ ﷺ فَوَضَعَهُ، ثُمَّ كَبَّرَ لِلصَّلَاةِ، فَصَلَّى، فَسَجَدَ بَيْنَ ظَهْرَانَيْ صَلَاتِهِ، سَجْدَةً أَطَالَهَا فَقَالَ: إِنِّي رَفَعْتُ رَأْسِي، فَإِذَا الصَّبِيُّ عَلَى ظَهْرِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَهُوَ سَاجِدٌ، فَرَجَعْتُ فِي سُجُودِي، فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللهِ ﷺ الصَّلَاةَ، قَالَ النَّاسُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّكَ سَجَدْتَ بَيْنَ ظَهْرَانَيْ صَلَاتِكَ، هَذِهِ سَجْدَةً قَدْ أَطَلْتَهَا، فَظَنَنَّا أَنَّهُ قَدْ حَدَثَ أَمْرٌ، أَوْ أَنَّهُ يُوحَى إِلَيْكَ، قَالَ: "فَكُلُّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ وَلَكِنَّ ابْنِي ارْتَحَلَنِي، فَكَرِهْتُ أَنْ أُعَجِّلَهُ حَتَّى يَقْضِيَ حَاجَتَهُ"». قلت: هذا حديث صحيح. وقد أطال النبي ﷺ السجود من أجل الصبي فإطالته من أجل إدراك المأمومين من باب أولى. والله أعلم. * * *

стр. 1753

٨٨ - عَنْ أَبِي قِلابَةَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ الْجَرْمِيِّ الْبَصْرِيِّ قَالَ: «جَاءَنَا مَالِكُ بْنُ الْحُوَيْرِثِ فِي مَسْجِدِنَا هَذَا، فَقَالَ: إنِّي لأُصَلِّي بِكُمْ، وَمَا أُرِيدُ الصَّلاةَ، أُصَلِّي كَيْفَ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي، فَقُلْتُ لأَبِي قِلابَةَ: كَيْفَ كَانَ يُصَلِّي؟ فَقَالَ: مِثْلَ صَلاةِ شَيْخِنَا هَذَا، وَكَانَ يَجْلِسُ إذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ السُّجُودِ قَبْلَ أَنْ يَنْهَضَ». أَرادَ بشيخِهمْ، أَبا يزيدَ، عَمرَو بنَ سَلَمَة الجَرْميَّ. قلت: هذا الحديث ليس على شرط المؤلف فإنَّه من أفراد البخاري. وقوله: «فَقُلْتُ لأَبِي قِلابَةَ». القائل هو أيوب السختياني. وفي الحديث مسائل منها: ١ - تعليم صفة صلاة النبي ﷺ بالفعل، وقد فعل ذلك النبي ﷺ عند صلاته على المنبر. ٢ - أنَّ نية تعليم الناس الصلاة مع نية الصلاة لا تفسد الصلاة. قَالَ الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٥/ ٦٢): «والإمام إذا نوى الصلاة بالناس وتعليمهم الصلاة صحت صلاته». إلى أن قَالَ ﵀:

стр. 1754

«ولا يصح حمل كلامه على ظاهره، وأنَّه لم ينو الصلاة بالكلية، بل كان يقوم ويقعد ويركع ويسجد، وهو لا يريد الصلاة، فإن هذا لا يجوز، وإنَّما يجوز مثل ذلك في الحج، يجوز أن يكون الذي يقف بالناس ويدفع بهم غير محرم، ولا مريداً للحج بالكلية، لكنَّه يكره. قَالَ أصحابنا وغيرهم من الفقهاء في الأحكام السلطانية: لأنَّ الوقوف والدفع يجوز للمحرم وغيره، بخلاف القيام والركوع والسجود، فإنَّه لا يجوز إلَّا في الصلاة بشروطها» اهـ. ٣ - وفيه أن التعليم بالفعل أوضح من القول. ٤ - استحباب جلسة الاستراحة. قلت: وقد جاءت جلسة الاستراحة أيضاً في حديث أبي حميد الساعدي فروى أحمد (٢٣٦٤٧)، والترمذي (٣٠٤) مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ القَطَّانُ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الحَمِيدِ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَطَاءٍ، عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُهُ وَهُوَ فِي عَشَرَةٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ أَحَدُهُمْ أَبُو قَتَادَةَ بْنُ رِبْعِيٍّ يَقُولُ: أَنَا أَعْلَمُكُمْ بِصَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، قَالَوا: مَا كُنْتَ أَقْدَمَنَا لَهُ صُحْبَةً، وَلَا أَكْثَرَنَا لَهُ إِتْيَانًا؟ قَالَ: بَلَى، قَالَوا: فَاعْرِضْ، فَقَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ اعْتَدَلَ قَائِمًا، وَرَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى يُحَاذِيَ بِهِمَا مَنْكِبَيْهِ، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَرْكَعَ رَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى يُحَاذِيَ بِهِمَا مَنْكِبَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ، وَرَكَعَ، ثُمَّ اعْتَدَلَ، فَلَمْ يُصَوِّبْ رَأْسَهُ وَلَمْ يُقْنِعْ،

стр. 1755

وَوَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى رُكْبَتَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، وَرَفَعَ يَدَيْهِ وَاعْتَدَلَ، حَتَّى يَرْجِعَ كُلُّ عَظْمٍ فِي مَوْضِعِهِ مُعْتَدِلًا، ثُمَّ هَوَى إِلَى الأَرْضِ سَاجِدًا، ثُمَّ قَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ، ثُمَّ جَافَى عَضُدَيْهِ عَنْ إِبْطَيْهِ وَفَتَخَ أَصَابِعَ رِجْلَيْهِ، ثُمَّ ثَنَى رِجْلَهُ اليُسْرَى وَقَعَدَ عَلَيْهَا، ثُمَّ اعْتَدَلَ حَتَّى يَرْجِعَ كُلُّ عَظْمٍ فِي مَوْضِعِهِ مُعْتَدِلًا، ثُمَّ هَوَى سَاجِدًا، ثُمَّ قَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ، ثُمَّ ثَنَى رِجْلَهُ وَقَعَدَ وَاعْتَدَلَ حَتَّى يَرْجِعَ كُلُّ عَظْمٍ فِي مَوْضِعِهِ، ثُمَّ نَهَضَ ثُمَّ صَنَعَ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ مِثْلَ ذَلِكَ، حَتَّى إِذَا قَامَ مِنَ السَّجْدَتَيْنِ كَبَّرَ وَرَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى يُحَاذِيَ بِهِمَا مَنْكِبَيْهِ، كَمَا صَنَعَ حِينَ افْتَتَحَ الصَّلَاةَ، ثُمَّ صَنَعَ كَذَلِكَ، حَتَّى كَانَتِ الرَّكْعَةُ الَّتِي تَنْقَضِي فِيهَا صَلَاتُهُ أَخَّرَ رِجْلَهُ اليُسْرَى وَقَعَدَ عَلَى شِقِّهِ مُتَوَرِّكًا، ثُمَّ سَلَّمَ». قلت: هذا حديث صحيح. وقد استحب جلسة الاستراحة هذه الإمام الشافعي وأحمد في رواية، وذهب الإمام أبو حنيفة ومالك وأحمد في الرواية الأخرى إلى عدم استحبابها. قَالَ العلامة ابن قدامة ﵀ في [المغني] (١/ ٦٠٢): «وجملته أنَّه إذا قضى سجدته الثانية نهض للقيام مكبراً والقيام ركن والتكبير واجب في إحدى الروايتين واختلفت الرواية عن أحمد هل يجلس للاستراحة فروي لا يجلس وهو اختيار الخرقي وروي ذلك عن عمر وعلي وابن مسعود وابن عمر وابن عباس وبه يقول مالك والثوري وإسحاق وأصحاب الرأي.

стр. 1756

وقَالَ أحمد: أكثر الأحاديث على هذا وذكر عن عمر وعلي وعبد الله وقَالَ النعمان بن أبي عياش: أدركت غير واحد من أصحاب النبي ﷺ يفعل ذلك أي لا يجلس. قَالَ الترمذي: وعليه العمل عند أهل العلم وقَالَ أبو الزناد: تلك السنة. والرواية الثانية: أنه يجلس أختارها الخلال وهو أحد قولي الشافعي قَالَ الخلال: رجع أبو عبد الله إلى هذا يعني ترك قوله بترك الجلوس لما روى مالك بن الحويرث أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كان يجلس إذا رفع رأسه من السجود قبل أن ينهض متفق عليه وذكره أيضاً أبو حميد في صفة رسول الله ﷺ وهو حديث حسن صحيح فيتعين العمل به والمصير إليه. وقيل إن كان المصلي ضعيفاً جلس للاستراحة لحاجته إلى الجلوس وإن كان قوياً لم يجلس لغناه عنه وحمل جلوس النبي ﷺ على أنه كان في آخر عمره عند كبره وضعفه وهذا فيه جمع بين الأخبار وتوسط بين القولين فإذا قلنا يجلس فيحتمل أنه يجلس مفترشاً على صفة الجلوس بين السجدتين وهو مذهب الشافعي لقول أبي حميد في صفة صلاة رسول الله ﷺ : "ثم ثنى رجله وقعد واعتدل حتى يرجع كل عضو في موضعه ثم نهض" وهذا صريح في كيفية جلسة الاستراحة فيتعين المصير إليه. وقَالَ الخلال: روي عن أحمد من لا أحصيه كثرة أنه يجلس على أليتيه قَالَ القاضي: يجلس على قدميه وأليتيه مفضيا بهما إلى الأرض لأن لو جلس متفرشاً لم يأمن السهو فيشك هل جلس عن السجدة

стр. 1757

الأولى أو الثانية؟ وبهذا يأمن ذلك وقَالَ أبو الحسن الآمدي لا يختلف أصحابنا أنه لا يلصق أليتيه بالأرض في جلسة الاستراحة بل يجلس معلقاً عن الأرض» اهـ. قلت: وروى ابن أبي شيبة في [مصنفه] (٣٩٨٩) حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ الْأَحْمَرِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ أَبِي عَيَّاشٍ قَالَ: أَدْرَكْتُ غَيْرَ وَاحِدٍ، مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ ، «فَكَانَ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ السَّجْدَةِ فِي أَوَّلِ رَكْعَةٍ وَالثَّالِثَةِ قَامَ كَمَا هُوَ وَلَمْ يَجْلِسْ». قلت: هذا إسناد حسن. وقَالَ الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٦/ ٦٠ - ٦١): «وهذه الجلسة تسمى جلسة الاستراحة، وأكثر الأحاديث ليس فيها ذكر شيء من ذلك، كذا قَالَه الإمام أحمد وغيره. وقد اختلف العلماء في استحبابها في الصلاة: فقَالَت طائفة: هي مستحبة. وهو قول حماد بن زيد والشافعي -في أشهر قوليه- وأحمد -في رواية عنه، ذكر الخلال: أن قوله استقر عليها، واختارها الخلال وصاحبة أبو بكر بن جعفر. وقَالَ الأكثرون: هي غير مستحبة، بل المستحب إذا رفع رأسه من السجدة الثانية أن ينهض قائماً، حكاه أحمد عن عمر وعلي وابن مسعود، وذكره ابن المنذر عن ابن عباس.

стр. 1758

وذكر بإسناده، عن النعمان بن أبي عياش، قَالَ: أدركت غير واحد من أصحاب رسول الله ﷺ ، فكان إذا رفع رأسه من السجدة الأخيرة - أول ركعة والثالثة - قام كما هو ولم يجلس. وروي- أيضاً - عن أبي ريحانة صاحب النبي ﷺ . وروي معناه عن ابن عمر - أيضاً. خرجهما حرب الكرماني. وقَالَ الترمذي: العمل على هذا عند أهل العلم. وممن قَالَ ذلك: عبادة بن نسي وأبو الزناد والنخعي والثوري وأبو حنيفة والشافعي - في أحد قوليه - وأحمد - في المشهور من مذهبه عند عامة أصحابه. ومن أصحابنا وأصحاب الشافعي من قَالَ: هي مستحبة لمن كبر وثقل بدنه؛ لأنَّه يشق عليه النهوض معتمدا على ركبته من غير جلسة. وحمل أبو إسحاق المروزي القولين للشافعي على اختلاف حالين، لا على اختلاف قولين، وحملوا حديث مالك بن الحويرث على مثل ذلك، وأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كان يقعد أحياناً لمّا كبر وثقل بدنه؛ فإنَّ وفود العرب إنَّما وفدت على النَّبيّ ﷺ في آخر عمره. ويشهد لذلك، أنَّ أكابر الصحابة المختصين بالنبي ﷺ لم يكونوا يفعلون ذلك في صلاتهم، فدل على أنَّهم علموا أنَّ ذلك ليس من سنن الصلاة مطلقاً. وروى حرب الكرماني، عن إسحاق بن راهوية روايتين:

стр. 1759

أحداهما: تستحب جلسة الاستراحة لكل أحد. والثانية: لا تستحب إلَّا لمن عجز عن النهوض عن صدر قدميه. وهي رواية ابن منصور، عن إسحاق -أيضاً. ومن لم يستحب هذا الجلوس بالكلية، قَالَ: إنَّه من الأفعال المباحة التي تفعل في الصلاة للحاجة إليها، كالتروح لكرب شديد، ودفع المؤذي، ونحو ذلك مما ليس بمسنون، وإنَّما هو مباح» اهـ. وقَالَ العلامة ابن القيم ﵀ في [زاد المعاد] (١/ ٢٣٢): «وقد ذكر عنه مالك بن الحويرث أنَّه كان لا ينهض حتى يستوي جالساً وهذه هي التي تسمى جلسة الاستراحة. واختلف الفقهاء فيها هل هي من سنن الصلاة فيستحب لكل أحد أن يفعلها أو ليست من السنن وإنَّما يفعلها من احتاج إليها؟ على قولين هما روايتان عن أحمد ﵀. قَالَ الخلال: رجع أحمد إلى حديث مالك بن الحويرث في جلسة الاستراحة وقَالَ: أخبرني يوسف بن موسى أن أبا أمامة سئل عن النهوض فقَالَ: على صدور القدمين على حديث رفاعة وفي حديث ابن عجلان ما يدل على أنه كان ينهض على صدور قدميه وقد روي عن عدة من أصحاب النبي ﷺ وسائر من وصف صلاته ﷺ لم يذكر هذه الجلسة وإنما ذكرت في

стр. 1760

حديث أبي حميد ومالك بن الحويرث ولو كان هديه ﷺ فعلها دائماً لذكرها كل من وصف صلاته ﷺ ومجرد فعله ﷺ لها لا يدل على أنها من سنن الصلاة إلَّا إذا علم أنَّه فعلها على أنَّها سنة يقتدى به فيها وأمَّا إذا قدر أنَّه فعلها للحاجة لم يدل على كونها سنة من سنن الصلاة فهذا من تحقيق المناط في هذه المسألة» اهـ. قلت: الذي يظهر لي هو استحباب جلسة الاستراحة في بعض الأوقات لثبوت ذلك عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، وكون أكثر من وصف صلاة النبي ﷺ لم يذكرها لا يقتضي ذلك عدم استحبابها، وإنَّما يدل على أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لم يكن يحافظ عليها بل يفعلها في بعض الأوقات، وأمَّا قول العلامة ابن القيم ﵀: «ومجرد فعله ﷺ لها لا يدل على أنَّها من سنن الصلاة إلَّا إذا علم أنَّه فعلها على أنَّها سنة يقتدى به فيها وأمَّا إذا قدر أنَّه فعلها للحاجة لم يدل على كونها سنة من سنن الصلاة». فيجاب عنه بأنَّ الأصل في أفعال النبي ﷺ في الصلاة أنَّها من أفعال الاقتداء لا سيما وأنَّ من رواة هذه الجلسة مالك بن الحويرث وقد قدم إلى النبي ﷺ ومكث عنده عشرين ليلة وشاهد في خلال هذه الفترة صلاة النبي ﷺ ولما أراد الرجوع هو ومن معه قَالَ لهم النبي

стр. 1761

ﷺ : «ارْجِعُوا إِلَى أَهْلِيكُمْ فَعَلِّمُوهُمْ وَمُرُوهُمْ وَصَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي». رواه البخاري (٦٠٠٨). وهو قد شاهد خلال هذه الفترة جلسة الاستراحة التي كَانَّ النَّبِيُّ ﷺ يجلسها، فلو كَانَّ النَّبِيُّ ﷺ إنما فعلها للحاجة لاستثناها لهم النبي ﷺ من قوله: «وَصَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي». فلما لم يستثنها دل ذلك على أنَّ فعلها من السنن المقصودة. والله أعلم. قلت: وقد ذهب إلى استحباب جلسة الاستراحة من أهل العلم المعاصرين الشيخ العلامة ابن باز ﵀ واللجنة الدائمة للإفتاء، والعلامة المحدث الألباني ﵀. ٥ - وفيه إقامة النافلة جماعة لغرض التعليم. وهذه الصلاة كانت نافلة، ويدل على ذلك ما رواه البخاري (٨٠٢) عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ قَالَ: «كَانَ مَالِكُ بْنُ الْحُوَيْرِثِ يُرِينَا كَيْفَ كَانَ صَلَاةُ النَّبِيِّ ﷺ وَذَاكَ فِي غَيْرِ وَقْتِ صَلَاةٍ فَقَامَ فَأَمْكَنَ الْقِيَامَ ثُمَّ رَكَعَ فَأَمْكَنَ الرُّكُوعَ ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَأَنْصَتَ هُنَيَّةً قَالَ فَصَلَّى بِنَا صَلَاةَ شَيْخِنَا هَذَا أَبِي بُرَيْدٍ، وَكَانَ أَبُو بُرَيْدٍ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ السَّجْدَةِ الآخِرَةِ اسْتَوَى قَاعِدًا ثُمَّ نَهَضَ». * * *

стр. 1762

٨٩ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَالِكٍ ابْنِ بُحَيْنَةَ ﵁: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إذَا صَلَّى فَرَّجَ بَيْنَ يَدَيْهِ، حَتَّى يَبْدُوَ بَيَاضُ إبْطَيْهِ». قَالَ العلامة النووي ﵀ في [شرح مسلم] (٤/ ٢١٠): «قوله "عن عبد الله بن مالك ابن بُحَيْنَةَ" الصَّوَابُ فِيهِ أَنْ يُنَوِّنَ مَالِكٍ وَيَكْتُبَ بن بالألف لأنَّ بن بُحَيْنَةَ لَيْسَ صِفَةً لِمَالِكٍ بَلْ صِفَةٌ لِعَبْدِ اللَّهِ لِأَنَّ عَبْدَ اللَّهِ اسْمُ أَبِيهِ مَالِكٍ وَاسْمُ أُمِّ عَبْدِ اللَّهِ بُحَيْنَةُ فَبُحَيْنَةُ امْرَأَةُ مَالِكٍ وَأُمُّ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَالِكٍ» اهـ. وفي الحديث مسائل منها: ١ - استحباب التجافي في السجود. قَالَ الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٦/ ٤٦): «ومتى كان التجافي يضر بمن يليه في الصف للزحام فإنَّه يضم إليه من جناحه -: قَالَه الأوزاعي. وهذا في حق الرجل، فأمَّا المرأة فلا تتجافى بل تتضام، وعلى هذا أهل العلم - أيضاً -، وفيه أحاديث ضعيفة. وخرّج أبو داود في ذلك حديثاً مرسلاً في "مراسيله"» اهـ. قلت: الأصل في ذلك استواء الرجل والمرأة.

стр. 1763

٢ - قَالَ العلامة ابن بطال ﵀ في [شرح البخاري] (٤/ ٢٧): «وإنَّما كان يجافي ﵇، في سجوده ويفرج بين يديه حتى يبدى بياض إبطيه، والله أعلم، ليخف على الأرض ولا يثقل عليها، كما ذكر أبو عبيد، عن عطاء بن أبي رباح، أنَّه قَالَ: خفوا على الأرض. قَالَ أبو عبيد: وجهه أنَّه يريد ذلك في السجود، يقول: لا ترسل نفسك على الأرض إرسالاً ثقيلاً، فيؤثر في جبهتك، ويبين ذلك حديث مجاهد أنَّ حبيب بن أبي ثابت سأله قَالَ: إنِّي أخشى أن يؤثر السجود في جبهتي؟ قَالَ: إذا سجدت فتخاف، يعنى: خفف نفسك وجبهتك على الأرض، وبعض الناس يقولون: فتجاف، والمحفوظ عندي بالخاء» اهـ. قلت: ومن فوائد المجافاة أنَّه أبعد من هيئات الكسالى. وقَالَ الحافظ ابن حجر ﵀ في [فتح الباري] (٢/ ٢٩٤): «قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: الْحِكْمَةُ فِي اسْتِحْبَابِ هَذِهِ الْهَيْئَةِ فِي السُّجُودِ أَنَّهُ يَخِفُّ بِهَا اعْتِمَادُهُ عَنْ وَجْهِهِ وَلَا يَتَأَثَّرُ أَنْفُهُ وَلَا جَبْهَتُهُ وَلَا يَتَأَذَّى بِمُلَاقَاةِ الْأَرْضِ وَقَالَ غَيْرُهُ هُوَ أَشْبَهُ بِالتَّوَاضُعِ وَأَبْلَغُ فِي تَمْكِينِ الْجَبْهَةِ وَالْأَنْفِ مِنَ الْأَرْضِ مَعَ مُغَايَرَتِهِ لِهَيْئَةِ الْكَسْلَانِ وَقَالَ نَاصِرُ الدِّينِ بْنُ الْمُنِيرِ فِي الْحَاشِيَةِ: الْحِكْمَةُ فِيهِ أَنْ يَظْهَرَ كُلُّ عُضْوٍ بِنَفْسِهِ وَيَتَمَيَّزَ حَتَّى يَكُونَ الْإِنْسَانُ الْوَاحِدُ فِي سُجُودِهِ كَأَنَّهُ عَدَدٌ وَمُقْتَضَى هَذَا أَنْ يَسْتَقِلَّ كُلُّ عُضْوٍ بِنَفْسِهِ وَلَا يَعْتَمِدَ بَعْضُ الْأَعْضَاءِ عَلَى بَعْضٍ فِي سُجُودِهِ وَهَذَا ضِدُّ مَا

стр. 1764

وَرَدَ فِي الصُّفُوفِ مِنِ الْتِصَاقِ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ هُنَاكَ إِظْهَارُ الِاتِّحَادِ بَيْنَ الْمُصَلِّينَ حَتَّى كَأَنَّهُمْ جَسَدٌ وَاحِدٌ، وروى الطَّبَرَانِيّ وَغَيره من حَدِيث بن عُمَرَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ أَنَّهُ قَالَ: لَا تَفْتَرِشِ افْتِرَاشَ السَّبُعِ وَادْعَمْ عَلَى رَاحَتَيْكَ وَأَبْدِ ضَبْعَيْكَ فَإِذَا فَعَلْتَ ذَلِكَ سَجَدَ كُلُّ عُضْوٍ مِنْكَ» اهـ. ٣ - قَالَ في [طرح التثريب] (٢/ ٤٤ - ٤٥): «ذكر بعض الشافعية أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لم يكن له شعر تحت إبطه لحديث أنس المتفق عليه "أنه ﷺ كان يرفع يديه في الاستسقاء حتى يرى بياض إبطيه". وفي الصحيحين أيضاً من حديث عبد الله ابن بحينة "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كان إذا صلى فرج بين يديه حتى يبدو بياض إبطيه". وقَالَ الشيخ جمال الدين الإسنوي في "المهمات": إنَّ بياض الإبط كان من خواصه فورد التعبير بذلك في حقه فأطلق على غيره ذهولاً قَالَ: وأمَّا إبط غيره فأسود لما فيه من الشعر انتهى. وما ادعاه من كون هذا من الخصائص فيه نظر إذ لم يثبت ذلك بوجه من الوجوه بل لم يرد ذلك في شيء من الكتب المعتمدة. والخصائص لا تثبت بالاحتمال ولا يلزم من ذكر أنس وغيره بياض إبطيه أن لا يكون له شعر فإنَّ الشعر إذا نتف بقي المكان أبيض وإن بقي فيه آثار الشعر؛ ولذلك ورد في حديث عبد الله بن أقوم الخزاعي أنَّه

стр. 1765

"صلى مع رسول الله ﷺ بالقاع من نمرة فقَالَ كنت أنظر إلى عفرة إبطيه إذا سجد". أخرجه الترمذي وحسنه، والنسائي وابن ماجه فذكر الهروي في الغريبين وابن الأثير في النهاية أن العفرة بياض ليس بالناصع ولكن كلون عفر الأرض، وهو وجهها وهذا يدل على أن آثار الشعر هو الذي جعل المكان أعفر وإلَّا فلو كان خالياً من بنات الشعر جملة لم يكن أعفر وإطلاق بياض الإبطين في حق غيره ﷺ موجود في كلام جمع كثير من الفقهاء ولا إنكار فيه؛ لأن الإبط لا تناله الشمس في السفر، والحر فيغير لونه كسائر الجسد الذي يبدو للشمس» اهـ. قلت: جاء في البخاري (٢٥٩٧)، ومسلم (١٨٣٢) عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ ﵁، قَالَ: اسْتَعْمَلَ النَّبِيُّ ﷺ رَجُلًا مِنَ الأَزْدِ، يُقَالَ لَهُ ابْنُ الأُتْبِيَّةِ عَلَى الصَّدَقَةِ، فَلَمَّا قَدِمَ قَالَ: هَذَا لَكُمْ وَهَذَا أُهْدِيَ لِي، قَالَ: «فَهَلَّا جَلَسَ فِي بَيْتِ أَبِيهِ أَوْ بَيْتِ أُمِّهِ، فَيَنْظُرَ يُهْدَى لَهُ أَمْ لَا؟ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يَأْخُذُ أَحَدٌ مِنْهُ شَيْئًا إِلَّا جَاءَ بِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ يَحْمِلُهُ عَلَى رَقَبَتِهِ، إِنْ كَانَ بَعِيرًا لَهُ رُغَاءٌ، أَوْ بَقَرَةً لَهَا خُوَارٌ، أَوْ شَاةً تَيْعَرُ» ثُمَّ رَفَعَ بِيَدِهِ حَتَّى رَأَيْنَا عُفْرَةَ إِبْطَيْهِ: «اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ، اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ» ثَلَاثًا. ورواية مسلم: «ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى رَأَيْنَا عُفْرَتَيْ إِبْطَيْهِ».

стр. 1766

وحديث عبد الله بن أقرم رواه أحمد (١٦٤٠١، ١٦٤٠٢)، النسائي (١١٠٨)، وابن ماجه (٨٨١) مِنْ طَرِيقِ دَاوُدَ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَقْرَمَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: «صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَكُنْتُ أَرَى عُفْرَةَ إِبْطَيْهِ إِذَا سَجَدَ». قلت: هذا حديث صحيح. ولا يلزم من ذكر بياض إبط النبي ﷺ عدم وجود الشعر فيه فقد روى مسلم (٥٨٢) عن سعد بن أبي وقاص ﵁ قَالَ: «كُنْتُ أَرَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُسَلِّمُ عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ يَسَارِهِ حَتَّى أَرَى بَيَاضَ خَدِّهِ». قلت: وخد النبي ﷺ لا يخلوا من شعر كما هو ظاهر. * * *

стр. 1767

٩٠ - عَنْ أَبِي مَسْلَمَةَ سَعِيدِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ سَأَلْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ: أَكَانَّ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي فِي نَعْلَيْهِ؟ قَالَ: «نَعَم». وفي الحديث مسائل منها: ١ - استحباب الصلاة في النعال وذهب بعض العلماء إلى أنَّ الصلاة في النعلين من الرخص وليس من السنن، والصحيح أنَّ ذلك من السنن. وروى الطبراني في [معجمه الأوسط] (٤٢٩٣)، والحاكم في [مستدركه] (٤٨٧)، ومِنْ طَرِيقِه والبيهقي في [الكبرى] (٢/ ٤٠٤) مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُثَنَّى الْأَنْصَارِيُّ، عَنْ ثُمَامَةَ، عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَخْلَعْ نَعْلَيْهِ فِي الصَّلَاةِ قَطُّ إِلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً خَلَعَ فَخَلَعَ النَّاسُ، فَقَالَ: «مَا لُكُمْ» قَالَوا: خَلَعْتَ فَخَلَعْنَا، فَقَالَ: «إِنَّ جِبْرِيلَ أَخْبَرَنِي أَنَّ فِيهِمَا قَذَرًا - أَوْ أَذًى». قَالَ الحاكم: «هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ، فَقَدِ احْتَجَّ بِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُثَنَّى وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ، وَشَاهِدَهُ الْحَدِيثُ الْمَشْهُورُ عَنْ مَيْمُونٍ الْأَعْوَرِ» اهـ. وقَالَ الحافظ البيهقي ﵀: قبل روايته للحديث: «إلاَّ أنَّه قد روى عَنْ أَنَسٍ بن مالك بإسناد لا بأس به» اهـ.

стр. 1768

قلت: وهو كما قَالَ ﵀. ويمكن أن يحمل حديث أنس على معنى أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لم يخلع نعله في الصلاة بعد لبسه إلَّا مرة واحدة، وليس المراد أنَّه لم يصل حافياً إلَّا مرة واحدة، وهذا الأظهر في معناه فقد ثبت عَنِ النَّبِيِّ ﷺ الصلاة حافياً. قَالَ الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٣/ ١٣٣ - ١٣٤): «وهذا يدل على أنَّ عادة النبي ﷺ المستمرة الصلاة في نعليه، وكلام أكثر السلف يدل على أنَّ الصلاة في النعلين أفضل من الصلاة حافياً. وقد أنكر ابن مسعود على أبي موسى خلعه نعليه عند إرادة الصلاة، قَالَ له: أبالوادي المقدس أنت؟! وكان أبو عمرو الشيباني يضرب الناس إذا خلعوا نعالهم في الصلاة. وأنكر الربيع بن خثيم على من خلع نعليه عند الصلاة، ونسبه إلى أنَّه أحدث - يريد: أنَّه ابتدع. وكان النخعي وأبو جعفر محمد بن على إذا قاما إلى الصلاة لبسا نعالهما وصليا فيها. وأمر غير واحد منهم بالصلاة في النعال، منهم: أبو هريرة وغيره.

стр. 1769

وقَالَ الشافعي - ونقلوه عنه -: أنَّ خلع النعلين في الصلاة أفضل؛ لما فيه من مباشرة المصلي بأطراف القدمين إذا سجد عليهما. ووافقهم على ذلك القاضي أبو يعلي وغيره من أصحابنا» اهـ. قلت: أثر ابن مسعود رواه أحمد (٤٣٩٧) أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ مَسْعُودٍ، أَتَى أَبَا مُوسَى الْأَشْعَرِيَّ فِي مَنْزِلِهِ، فَحَضَرَتِ الصَّلَاةُ، فَقَالَ أَبُو مُوسَى: «تَقَدَّمْ يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، فَإِنَّكَ أَقْدَمُ سِنًّا وَأَعْلَمُ، قَالَ: لَا، بَلْ تَقَدَّمْ أَنْتَ، فَإِنَّمَا أَتَيْنَاكَ فِي مَنْزِلِكَ، وَمَسْجِدِكَ، فَأَنْتَ أَحَقُّ، قَالَ: فَتَقَدَّمَ أَبُو مُوسَى فَخَلَعَ نَعْلَيْهِ، فَلَمَّا سَلَّمَ قَالَ: مَا أَرَدْتَ إِلَى خَلْعِهِمَا؟ أَبِالْوَادِي الْمُقَدَّسِ أَنْتَ؟ لَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ : يُصَلِّي فِي الْخُفَّيْنِ وَالنَّعْلَيْنِ». قلت: إسناد أحمد منقطع لكن رواه مختصراً عبد الرزاق في [مصنفه] (١٥٠٧)، ابن أبي شيبة في [مصنفه] (٧٨٩٤) بإسناد متصل. قلت: والأصل في أفعال النبي ﷺ أنَّها للاستحباب. وقد جاء الأمر في الصلاة في النعال والخفاف فيما رواه أبو داود (٦٥٢) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ الْفَزَارِىُّ عَنْ هِلَالِ بْنِ مَيْمُونٍ الرَّمْلِىِّ عَنْ يَعْلَى بْنِ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «خَالِفُوا الْيَهُودَ فَإِنَّهُمْ لَا يُصَلُّونَ فِى نِعَالِهِمْ وَلَا خِفَافِهِمْ». قلت: هذا حديث حسن.

стр. 1770

وليس الأمر هاهنا للوجوب فهناك عدة أدلة صارفة لوجوب الصلاة في النعلين. منها ما رواه أحمد (٦٦٢٧، ٦٦٧٩، ٦٩٢٨، ٧٠٢١)، وأبو داود (٦٥٣)، وابن ماجه (١٠٣٨) مِنْ طَرِيقِ مُسْلِمِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ حُسَيْنٍ الْمُعَلِّمِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: «رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يُصَلِّي حَافِيًا وَمُنْتَعِلاً». قلت: هذا حديث حسن. ورواه ابن أبي شيبة في [مصنفه] (٧٨٥٩) حَدَّثَنَا عَبَّادُ بْنُ عَوَّامٍ، عَنْ حُسَيْنِ الْمُكْتِبِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُصَلِّي حَافِيًا وَمُنْتَعِلًا». ومنها ما رواه النسائي (١٣٦٠) أَخْبَرَنَا إِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا بَقِيَّةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا الزُّبَيْدِيُّ، أَنَّ مَكْحُولًا حَدَّثَهُ، أَنَّ مَسْرُوقَ بْنَ الْأَجْدَعِ حَدَّثَهُ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: «رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَشْرَبُ قَائِمًا وَقَاعِدًا، وَيُصَلِّي حَافِيًا وَمُنْتَعِلًا، وَيَنْصَرِفُ عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ». قلت: هذا حديث حسن. والزبيدي هو محمد بن الوليد. ومنها ما رواه أحمد (١٥٤٢٩)، وأبو داود (٦٤٨)، والنسائي (٧٧٥)، وابن ماجه (١٤٣١) مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادِ بْنِ جَعْفَرٍ، عَنِ ابْنِ سُفْيَانَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ السَّائِبِ، قَالَ: «رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يُصَلِّي يَوْمَ الْفَتْحِ وَوَضَعَ نَعْلَيْهِ عَنْ يَسَارِهِ».

стр. 1771

قلت: هذا حديث صحيح. وابن سفيان هو عبد الله. ومنها ما رواه أبو داود (٦٥٥) حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ نَجْدَةَ، حَدَّثَنَا بَقِيَّةُ، وَشُعَيْبُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ، حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْوَلِيدِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَخَلَعَ نَعْلَيْهِ فَلَا يُؤْذِ بِهِمَا أَحَدًا، لِيَجْعَلْهُمَا بَيْنَ رِجْلَيْهِ أَوْ لِيُصَلِّ فِيهِمَا». قلت: هذا حديث صحيح. ورواه أبو داود أيضاً (٦٥٤) حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا صَالِحُ بْنُ رُسْتُمَ أَبُو عَامِرٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ مَاهَكَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلَا يَضَعْ نَعْلَيْهِ عَنْ يَمِينِهِ، وَلَا عَنْ يَسَارِهِ، فَتَكُونَ عَنْ يَمِينِ غَيْرِهِ، إِلَّا أَنْ لَا يَكُونَ عَنْ يَسَارِهِ أَحَدٌ، وَلْيَضَعْهُمَا بَيْنَ رِجْلَيْهِ». قلت: هذا إسناد ضعيف عبد الرحمن بن قيس لم يوثقه معتبر، والحديث حسن بما قبله. قَالَ العلامة الشوكاني ﵀ في [نيل الأوطار] (٢/ ١٣٢): «ويجمع بين أحاديث الباب بجعل حديث أبي هريرة وما بعده صارفاً للأوامر المذكورة المعللة بالمخالفة لأهل الكتاب من الوجوب إلى الندب لأنَّ التخيير

стр. 1772

والتفويض إلى المشيئة بعد تلك الأوامر لا ينافي الاستحباب كما في حديث "بين كل أذانين صلاة لمن شاء" وهذا أعدل المذاهب وأقواها عندي» اهـ. ٢ - وفيه مشروعية ستر القدم في الصلاة وهذا مما لا نزاع فيه فيما أعلم. ٣ - ليس هذا الحكم مختصاً بالنعال بل غير النعال له حكمها. قَالَ شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كما في [مجموع الفتاوى] (٢٢/ ١٢١): «أمَّا الصلاة في النعل ونحوه مثل الجمجم والمداس والزربول وغير ذلك: فلا يكره بل هو مستحب» اهـ. ٤ - ويشمل هذا الاستحباب المساجد المفروشة وغير المفروشة إذا ما راعى المصلي بها الآداب الشرعية من النظر فيها وتطهيرها من النجاسة إن كان بها نجاسة وهكذا تطهيرها من أنواع الأقذار غير النجاسات حتى لا تعلق بالمفارش فتؤذي المصلين. فإذا امتثل المصلي هذه الآداب فله أن يصلي بنعليه في المساجد المفروشة، نعم هناك من أهل العلم من ذهب إلى عدم فعل ذلك وإن أتى المصلي بهذه الآداب الشرعية بحجة عدم فتح هذا الباب لعامة الناس فإنَّه إذا فتح لهم هذا الباب عبثوا بالمساجد ولن يراع كثير منهم هذه الآداب الشرعية ودرء المفاسد مقدم على جلب المصالح.

стр. 1773

وهذا هو الأظهر في هذه المسألة، وإنَّما صلى النبي ﷺ في نعليه حين أن كانت المساجد لا تفرش بالمفارش. قَالَ شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كما في [مجموع الفتاوى] (٢٢/ ١٦٦): «ففي هذا بيان أنَّ صلاتهم في نعالهم وأنَّ ذلك كان يفعل في المسجد إذ لم يكن يوطأ بهما على مفارش» اهـ. وجاء في [فتاوى اللجنة الدائمة] (٦/ ٢١٦): «لكن بعد أن فرشت المساجد بالفرش الفاخرة - في الغالب - ينبغي لمن دخل المسجد أن يخلع نعليه رعاية لنظافة الفرش ومنعاً لتأذي المصلين بما قد يصيب الفرش مما في أسفل الأحذية من قاذورات وإن كانت طاهرة. وبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم. اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء عضو … عضو … نائب رئيس اللجنة عبد الله بن منيع … عبد الله بن غديان … عبد الرزاق عفيفي» اهـ. وجاء في [فتاوى اللجنة الدائمة - المجموعة الثانية] (٥/ ١٦٢): «لكن بعد أن فرشت المساجد بالفرش الفاخرة- غالباً- ينبغي لمن دخل المسجد أن يخلع

стр. 1774

نعليه؛ رعاية لنظافة الفرش، ومنعاً لتأذي المصلين بما قد يصيب مما في أسفل الأحذية من قاذورات وإن كانت طاهرة. وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم. اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء عضو … عضو … عضو … الرئيس بكر أبو زيد … صالح الفوزان … عبد الله بن غديان … عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ» اهـ. وقَالَ العلامة ابن باز ﵀ كما في [مجموع فتاوى ابن باز] (١٠/ ١١١): «ولكن إذا كان المسجد مفروشاً، فالأحوط أن يجعلهما في مكان مناسب، أو يضع إحداهما على الأخرى بين ركبتيه، حتى لا يوسخ الفرش على المصلين. والله ولي التوفيق» اهـ. وقَالَ العلامة ابن عثيمين ﵀ في [شرح رياض الصالحين] (٤/ ٣٠٢): «وكذلك أيضاً إذا انتعلت وأردت دخول المسجد بنعليك فتفقدهما عند الدخول إن كان فيهما أذى أو قذر فامسحهما بالأرض حتى يزول ثم صلي بهما فإنَّ هذا من السنة قَالَ النبي ﷺ : "خالفوا اليهود صلوا في نعالكم لأنَّ اليهود

стр. 1775

لا يصلون في النعل". فالسنة إذاً أن يصلي بنعليه كما أنَّ كثيراً من الناس يصلي في خفيه فلا فرق بين الخف والنعل لكن الناس تستنكر الخف لأنَّه سنة أميتت هذا إذا كانت المساجد مفروشة بما كانت تفرش به المساجد فيما سلف كانت المساجد فيما سلف تفرش بالحجارة بالحصباء أو الرمل أو نحو ذلك ولا يحصل أذى النعل أمَّا الآن وقد فرشت بهذه الفرش فإنَّ الناس لو دخلوا للوثوا المسجد تلويثاً ظاهراً بيناً لأنَّ أكثر الناس لا يبالي لو كان في نعليه أذى أو قذر ولهذا رأى العلماء الآن أن الإنسان لا يدخل بنعليه في المسجد نظراً لأنَّها مفروشة بفرش تتلوث لو دخل الإنسان بنعليه وإذا أراد الإنسان أن يطبق السنة فليصل في بيته بنعليه التهجد أو الراتبة أو ما أشبه ذلك ويحصل بذلك امتثال أمر النبي ﷺ في قوله: "إنَّ اليهود لا يصلون في نعالهم"» اهـ. قلت: ويشبه هذه المسألة البصق في أرض المسجد فإنَّه لا يشرع بعد فرش المساجد لحصول المفسدة من ذلك فإنَّه لا يمكن دفن البزاق في هذه المساجد المفروشة مع أنَّ ذلك كان مشروعاً حين أن كانت المساجد لا فرش عليها وإنَّما كانت مبسوطة بالتراب والحصباء.

стр. 1776

فروى البخاري (٤٠٨ و ٤٠٩)، ومسلم (٥٤٨) مِنْ طَرِيقِ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ وَأَبَا سَعِيدٍ حَدَّثَاهُ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَأَى نُخَامَةً فِي جِدَارِ الْمَسْجِدِ فَتَنَاوَلَ حَصَاةً فَحَكَّهَا فَقَالَ: "إِذَا تَنَخَّمَ أَحَدُكُمْ فَلَا يَتَنَخَّمَنَّ قِبَلَ وَجْهِهِ، وَلَا عَنْ يَمِينِهِ وَلْيَبْصُقْ عَنْ يَسَارِهِ، أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ اليُسْرَى"». وروى البخاري (٤١٣)، ومسلم (٥٥١) عَنْ أَنَسٍ بْنِ مَالِكٍ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «إِنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا كَانَ فِي الصَّلَاةِ فَإِنَّمَا يُنَاجِي رَبَّهُ فَلَا يَبْزُقَنَّ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَلَا عَنْ يَمِينِهِ وَلَكِنْ عَنْ يَسَارِهِ، أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ». قَالَ الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٢/ ٣٤٤): «وقَالَ بكر بن محمد: قلت لأبي عبد الله - يعني: أحمد بن حنبل -: ما ترى في الرجل يبزق في المسجد ثم يدلكه برجله؟ قَالَ: هذا ليس هو في كل الحديث. قَالَ: والمساجد قد طرح فيها بواري ليس كما كانت. قَالَ: فأعجب إلي إذا أراد أن يبزق وهو يصلي أن يبزق عن يساره إذا كان البزاق يقع في غير المسجد، يقع خارجاً، وإذا كان في مسجد ولا يمكنه أن يقع بزاقه خارجاً أن يجعله في ثوبه» اهـ. قلت: البواري هي الحصير المنسوج.

стр. 1777

وقَالَ العلامة الشوكاني ﵀ في [السيل الجرار] (ص: ١١٢): «وأخرج مسلم، عن عبد الله بن الشخير قَالَ: صليت مع رسول الله ﷺ فرأيته تنخع فدلكها بنعله اليسرى. وهكذا إذا كان المسجد غير مفروش فإن كان مفروشاً بالحصر أو نحوها فلا يتيسر الدفن الذي هو كفارة البصق فيكون خطيئة غير مكفرة. وقد وردت أحاديث في منع البصق في قبلة المسجد ووردت أحاديث في أنَّه يبصق في ثوبه إذا احتاج إلي ذلك فمن دعت حاجته إلي البصق بصق في ثوبه» اهـ. وقَالَ العلامة الألباني ﵀: «وقد نصحت إخواننا السلفيين أن لا يتشددوا في هذه المسألة - أي الصلاة بالنعال في المساجد - لما هناك من فارق بين المساجد اليوم المفروشة بالسجاد الفاخر، وبين ما كان عليه المسجد النبوي في زمنه الأول، وقد قرنت لهم ذلك بِمَثَلٍ من السنة في قصة أخرى: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قد أمر من بادره البصاق أو المخاط وهو يصلي أن يبصق عن يساره أو تحت قدميه، وهذا أمر واضح أنَّ هذا يتماشى مع كون الأرض - أرض المسجد التي سيضطر للبصاق فيها - من الرمل أو الحصباء، فاليوم المصلَّى مسجد مفروش بالسجاد، فهل يقولون إنَّه يجوز أن يبصق على السجاد؟! فهذه كتلك» اهـ.

стр. 1778

وقَالَ الشيخ ابن عثيمين ﵀ كما في [مجموع فتاوى ورسائل ابن عثيمين] (١٢/ ٣١٦): «وأمَّا السجاد فلا تمنع من الصلاة في النعال، لكن المهم الذي أغفله كثير من الناس هو تفقد النعال قبل دخول المسجد، وهذا خلاف ما أمر به النبي ﷺ فقَالَ: "إذا جاء أحدكم إلى المسجد فلينظر فإن رأي في نعليه قذراً، أو أذى فليمسحه، وليصل فيهما". فلو عمل الناس بهذا الحديث لم يكن على السجاد ضرراً إذا صلى الناس عليها في نعالهم» اهـ. وقَالَ ﵀ (١٢/ ٣١٩ - ٣٢٠): «وأمَّا من قَالَ: إنَّ الصلاة في النعال حيث لا يكون المسجد مفروشاً فليس قوله بسديد، لأنَّ الحكمة في الصلاة في النعل مخالفة اليهود، وكون النعلين من لباس القدمين، وهذه الحكمة لا تختلف باختلاف المكان، نعم لو كانت الحكمة وقاية الرجل من الأرض لكان قوله متجهاً، وأمَّا قول من قَالَ: إنِّك إذا صليت في نعليك أمامي فقد أهنتني أشد الإهانة. فلا أدرى كيف كان ذلك إهانة له، ولقد كأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يصلي في نعليه وأصحابه خلفه، أفيقَالَ إنَّ ذلك إهانة لهم؟ قد يقول قائل: إنَّ ذلك كان معروفاً عندهم فكان مألوفاً بينهم لا يتأثرون به، ولا يتأذون به. فيقَالَ له: وليكن ذلك معروفاً عندنا ومألوفاً بيننا حتى لا نتأثر به ولا نتأذى به.

стр. 1779

وأمَّا قول من قَالَ لمن صلى بنعليه: أأنت خير من الناس جميعاً، أو من فلان وفلان، لو كان خيراً لسبقوك إليه. فيقَالَ له: إنَّ الشرع لا يوزن بما كان الناس عليه عموماً أو خصوصاً، وإنما الميزان كتاب الله تعالى، وسنة رسوله ﷺ وكم من عمل قولي، أو فعلي عمله الناس وليس له أصل في الشرع، وكم من عمل قولي أو فعلي تركه الناس وهو ثابت في السنة، كما يعلم ذلك من استقرأ أحوال الناس، ومن ترك الصلاة بالنعلين من أهل العلم فإنما ذلك لقيام شبهة أو مراعاة مصلحة. ومن المصالح التي يراعيها بعض أهل العلم ما يحصل من العامة من امتهان المساجد، حيث يدخلون المساجد دون نظر في نعالهم وخفافهم اقتداء بمن دخل المسجد في نعليه ممن هو محل قدوه عندهم، فيقتدون به في دخول المسجد بالنعلين دون النظر فيهما والصلاة فيهما فتجد العامي يدخل المسجد بنعليه الملوثتين بالأذى والقذر حتى يصل إلى الصف ثم يخلعهما ويصلي حافياً فلا هو الذي احترم المسجد، ولا هو الذي أتى بالسنة. فمن ثم رأي بعض أهل العلم درء هذه المفسدة بترك هذه السنة، والأمر في هذا واسع - إن شاء الله - فإنَّ لمثل هذه المراعاة أصلاً في كتاب الله تعالى، وسنة رسوله ﷺ :

стр. 1780

أمَّا في كتاب الله تعالى فقد نهى الله تعالى عن آلهة المشركين مع كونه مصلحة، لئلا يترتب عليه مفسده وهي سبهم لإلهنا جل وعلا فقَالَ تعالى: ﴿وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ﴾ وأمَّا في سنة رسول الله ﷺ فشواهده كثيرة: منها: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لعائشة ﵁ وهو يتحدث عن شأن الكعبة: "لولا أن قومك حديث عهدهم بالجاهلية فأخاف أن تنكر قلوبهم أن أدخل الجدر في البيت وأن ألصق بابه في الأرض". ومنها: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ترك قتل قوم من المنافقين مع علمه بهم، مراعاة للمصلحة، وتشريعاً للأمة أن يحكموا بالظواهر، ويدعوا السرائر إلى عالمها جل وعلا، ومنها: ترك الصيام في السفر. ومنها: إيثار النبي ﷺ المؤلفة قلوبهم مع استحقاق جميع المقاتلين لها مراعاة للمصالح. فعلى المرء أن يتأمل سيرة النبي ﷺ وهديه، ومراعاة للمصالح ويتبعه في ذلك ويعمل بسنته ما استطاع، التزاماً بالواجب، واغتناماً بالتطوع، حتى يكون بذلك عالماً ربانياً وداعياً مصلحاً.

стр. 1781

نسأل الله أن يوفقنا جميعاً لما فيه الخير، والصلاح، والفلاح، والإصلاح، وأن لا يزيغ قلوبنا بع إذ هدانا، وأن يهب لنا منه رحمة إنه هو الوهاب، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين» اهـ. قلت: ولا أعلم مسجد من مساجد الأرض أحييت فيه هذه السنة إلَّا مسجد الشيخ المحدث أبي عبد الرحمن مقبل بن هادي الوادعي ﵀ في بلاد صعدة من بلاد اليمن فقد أحيا هذه السنة وغيرها من السنن التي أميتت فرحمه الله رحمة واسعة وأدخله الفردوس الأعلى مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وله ﵀ في هذه المسألة رسالة مطبوعة سماها "شرعية الصلاة في النعال". * * *

стр. 1782

٩١ - عَنْ أَبِي قَتَادَةَ الأَنْصَارِيِّ ﵁: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُصَلِّي وَهُوَ حَامِلٌ أُمَامَةَ بِنْتَ زَيْنَبَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلأَبِي الْعَاصِ بْنِ الرَّبِيعِ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ، فَإِذَا سَجَدَ وَضَعَهَا، وَإِذَا قَامَ حَمَلَهَا». وفي الحديث مسائل منها: ١ - جواز إدخال الصبيان الصغار المساجد، وهذا بناء على أنَّ صلاة النبي ﷺ كانت في المسجد وهو الظاهر فإنَّ مشاهدة أبي قتادة لصلاته في الغالب كانت في المسجد. ورواية مسلم صريحة في ذلك ولفظها (١٢١٣) عن أبي قتادة الأنصاري قَالَ: «رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَؤُمُّ النَّاسَ وَأُمَامَةُ بِنْتُ أَبِي الْعَاصِ وَهِيَ ابْنَةُ زَيْنَبَ بِنْتِ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى عَاتِقِهِ فَإِذَا رَكَعَ وَضَعَهَا وَإِذَا رَفَعَ مِنْ السُّجُودِ أَعَادَهَا». وروى أحمد (٢٢٦٣٧) أبو داود (٩١٩)، والنسائي (٧١٠) بإسناد صحيح مِنْ طَرِيقِ اللَّيْثِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ سُلَيْمٍ الزُّرَقِىِّ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا قَتَادَةَ

стр. 1783

يَقُولُ: «بَيْنَا نَحْنُ فِى الْمَسْجِدِ جُلُوسٌ خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَحْمِلُ أُمَامَةَ بِنْتَ أَبِي الْعَاصِ بْنِ الرَّبِيعِ وَأُمُّهَا زَيْنَبُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهِىَ صَبِيَّةٌ يَحْمِلُهَا عَلَى عَاتِقِهِ فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهِىَ عَلَى عَاتِقِهِ يَضَعُهَا إِذَا رَكَعَ وَيُعِيدُهَا إِذَا قَامَ حَتَّى قَضَى صَلَاتَهُ يَفْعَلُ ذَلِكَ بِهَا». ٢ - في الحديث جواز حمل الصبيان في الصلاة. وهو جائز في الصلاة المكتوبة وغيرها خلافاً لمن منع ذلك في الصلاة المكتوبة ورواية مسلم ظاهرها أنَّها كانت صلاة مكتوبة فإنَّ إمامة النبي ﷺ غالباً تكون في الصلاة المكتوبة. وقد جاء الحديث عند أبي داود (٩٢١) بلفظ: «بَيْنَمَا نَحْنُ نَنْتَظِرُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لِلصَّلَاةِ فِى الظُّهْرِ أَوِ الْعَصْرِ». وهي رواية صريحة في أنَّ الصلاة كانت فريضة لكن في إسنادها عنعنة ابن إسحاق. قَالَ الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٣/ ٣٦١): «والحديث نص صريح في جواز مثل هذا العمل في الصلاة المكتوبة، وأنَّ ذلك لا يكره فيها، فضلاً عن أن يبطلها. وقد أخذ بذلك كثير من العلماء أو أكثرهم: فقَالَ الحسن والنخعي: ترضع المرأة جنينها وهي تصلي. خرجه الأثرم عنهما بإسناد صحيح» اهـ.

стр. 1784

ونقل عن الأثرم أنَّه قَالَ: «وسمعت أبا عبد الله سئل: أيأخذ الرجل ولده وهو يصلي؟ قَالَ: نعم» اهـ. وقَالَ أيضاً: «وحكى ابن المنذر عن الشافعي وأبي ثور جواز حمل الصبي في الصلاة المفروضة» اهـ. وقَالَ ﵀ (٣/ ٣٦٢): «وإذا عرفت هذا تبين لك ضعف ما قَالَه ابن عبد البر: أنَّه لا نعلم خلافاً أنَّ هذا العمل في الصلاة مكروه، ولم يحك كراهته عن أحد إلَّا عن مالك، فإنَّه قَالَ: ذكر أشهب عن مالك، أنَّ ذلك من رسول الله ﷺ في صلاة النافلة، وأنَّ مثل هذا الفعل غير جائز في الفريضة، وحكى عن بعض أهل العلم أنَّه لا يحب لأحد فعل ذلك في صلاته، ولا يرى عليه إعادة به. وقد تبين أنَّ أكثر العلماء أجازوه من غير كراهة، وتخصيصه بالنافلة مرود بالنصوص المصرحة بأنَّه فعل ذلك في الفريضة، وهو يؤم الناس فيها» اهـ. ٣ - وفي الحديث جواز العمل اليسير في الصلاة والأدلة في ذلك متكاثرة. قَالَ العلامة ابن بطال ﵀ في [شرح البخاري] (٣/ ١٨٠): «وفيه: جواز العمل الخفيف في الصلاة والعلماء مجمعون على جوازه» اهـ. ٤ - وفيه دليل على أنَّ الأصل في ثياب الأطفال الطهارة إلَّا إذا تيقن النجاسة فيها فيتقيها وهو مذهب جمهور العلماء. قَالَ العلامة ابن قدامة ﵀ في [المغني] (١/ ٩٩):

стр. 1785

«وتباح الصلاة في ثياب الصبيان ما لم تتيقن نجاستها وبذلك قَالَ الثوري والشافعي وأصحاب الرأي» اهـ. قَالَ الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٣/ ٣٦٣): «ومنع ابن أبي موسى من أصحابنا من الصلاة في ثيابهم حتى تغسل؛ لأنَّهم لا يتنزهون من البول. وروى أبو النعيم الفضل بن دكين في "كتاب الصلاة": ثنا مندل: ثنا إسماعيل بن مسلم، عن الحارث العكلي، عن إبراهيم النخعي، قَالَ: كانوا يكرهون أن يصلوا في ثياب الصبيان. إسناد ضعيف. وقد كره الصلاة في ثيابهم كثير من أصحابنا، وحكي مثله عن الحسن، ورخص فيه آخرون، وهو اختيار بعض أصحابنا، وهذا أصح، وهذا الحديث نص في ذلك. والله أعلم» اهـ. ٥ - واحتج به من قَالَ بصحة صلاة من حمل نجاسة في قارورة مسدودة وليس هذا الاحتجاج بصحيح فإنَّ ما في جوف الإنسان لا يعتبر نجاسة حتى ينفصل عنه ولهذا جاز له أن يصلى وإن كان في جوفه شيء من ذلك. قَالَ العلامة ابن قدامة ﵀ في [المغني] (٢/ ٧٥٢):

стр. 1786

«وإذا حمل في الصلاة حيواناً طاهراً أو صبياً لم تبطل صلاته لأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صلى وهو حامل أمامة ابنة أبي العاص متفق عليه وركب الحسن والحسين على ظهره وهو ساجد ولأنَّ ما في الحيوان من النجاسة في معدته فهي كالنجاسة في معدة المصلي ولو حمل قارورة فيها نجاسة مسدودة لم تصح صلاته وقَالَ بعض أصحاب الشافعي لا تفسد صلاته لأنَّ النجاسة لا تخرج منها فهي كالحيوان وليس بصحيح لأنَّه حامل لنجاسة غير معفو عنها في غير معدنها فأشبه ما لو حملها في كمه» اهـ. ٦ - واحتج به من قَالَ: إنَّ مس المرأة ليس بحدث. قَالَ العلامة الجصاص ﵀ في [أحكام القرآن] (٤/ ٤): «وَحَدِيثُ أَبِي قَتَادَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُصَلِّي وَهُوَ حَامِلٌ أُمَامَةَ بِنْتَ أَبِي الْعَاصِ فَإِذَا سَجَدَ وَضَعَهَا وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ حَمَلَهَا. وَمَعْلُومٌ أَنَّ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ لَا يَخْلُو مِنْ وُقُوعِ يَدِهِ عَلَى شَيْءٍ مِنْ بَدَنِهَا فَثَبَتَ بِذَلِكَ أَنَّ مَسَّ الْمَرْأَةِ لَيْسَ بِحَدَثٍ وَهَذِهِ الْأَخْبَارُ حُجَّةٌ عَلَى مَنْ يَجْعَلُ اللَّمْسَ حَدَثًا لِشَهْوَةٍ أَوْ لِغَيْرِ شَهْوَةٍ وَلَا يُحْتَجُّ بِهَا عَلَى مَنْ اعْتَبَرَ اللَّمْسَ لِشَهْوَةٍ لِأَنَّهُ حِكَايَةُ فِعْلِ النَّبِيِّ ﷺ لَمْ يُخْبِرْ فِيهِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ كَانَ لِشَهْوَةٍ وَمَسُّهُ أُمَامَةَ قَدْ عُلِمَ يَقِينًا أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِشَهْوَةٍ وَاَلَّذِي يُحْتَجُّ بِهِ عَلَى الْفَرِيقَيْنِ أَنَّهُ مَعْلُومٌ عُمُومُ الْبَلْوَى بِمَسِّ النِّسَاءِ لِشَهْوَةٍ وَالْبَلْوَى بِذَلِكَ أَعَمُّ مِنْهَا بِالْبَوْلِ وَالْغَائِطِ وَنَحْوِهِمَا فَلَوْ

стр. 1787

كَانَ حدثا لما أخل النَّبِيُّ ﷺ الْأُمَّةَ مِنْ التَّوْقِيفِ عَلَيْهِ لِعُمُومِ الْبَلْوَى بِهِ» اهـ. قلت: مذهب الإمام مالك وفقهاء المدينة السبعة التفريق بين المس بشهوة فينتقض بذلك الوضوء، والمس بغير شهوة فلا ينتقض به الوضوء، وهذا هو المشهور من مذهب أحمد. والمذهب الثاني: عدم النقض مطلقاً وهو مذهب ابن عباس، وأبي حنيفة، ورواية عن أحمد. وهو الصحيح، وقول الله تعالى: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [النساء: ٤٣]. المراد بالملامسة الجماع، ويد على ذلك ثلاثة أمور: الأول: أنَّ اللمس بين الذكر والأنثى محمول على الجماع كالوطء، وذلك أنَّ الوطء يأتي ويراد به الوطء بالقدم ويراد به الجماع فما كان بين الرجل والمرأة فهو الجماع وليس الوطء بالقدم. الثاني: أنَّ اللمس والملامسة بين الرجل والمرأة في جميع مواردها في كتاب الله تعالى محمولة على الجماع. الثالث: أنَّ الله تعالى ذكر في آية الوضوء من سورة المائدة الطهارة بالماء للحدثين الأكبر والأصغر فقَالَ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: ٦].

стр. 1788

ثم ذكر طهارة التراب والأنس أن يذكر طهارة التراب في الحدثين أيضاً فلما قَالَ : ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ [المائدة: ٦] علمنا طهارة التراب في الحدث الأصغر، ولما قَالَ إثرها: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [المائدة: ٦] فإن حملنا الملامسة على الجماع فإنَّه الآية تدل حينئذ على الطهارتين جميعاً، وإن حملنا اللمس على لمس اليد فتكون الآية حينئذ دلت على الطهارة الصغرى دون الكبرى، والدلالة على طهارة الحدثين بالتراب هي الأنسب كدلالتها على طهارة الحدثين بالماء في أول الآية. والله أعلم. والمذهب الثالث: التفريق بين لمس من كان مظنة الشهوة فينتقض بذلك الوضوء كالزوجة، والنساء الأجنبيات، وبين مس من ليس بمظنة الشهوة كالمحارم فلا ينتقض بمسهنَّ الوضوء. وأشهر الوجهين عند علماء الشافعية أنَّ مس الصغيرة التي لا تشتهى لا ينتقض به الوضوء. وفي مس الأمرد النزاع السابق، ومذهب الشافعي عدم النقض لأنَّه ليس محلاً للشهوة.

стр. 1789

٧ - وهذا الحديث صارف للأمر لما رواه البخاري (٧٤٠) مِنْ طَرِيقِ أَبِي حَازِمٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: «كَانَ النَّاسُ يُؤْمَرُونَ أَنْ يَضَعَ الرَّجُلُ الْيَدَ الْيُمْنَى عَلَى ذِرَاعِهِ الْيُسْرَى فِي الصَّلَاةِ». قَالَ أَبُو حَازِمٍ: لَا أَعْلَمُهُ إِلاَّ يَنْمِي ذَلِكَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ . قَالَ إِسْمَاعِيلُ يُنْمَى ذَلِكَ وَلَمْ يَقُلْ يَنْمِي اهـ. وذلك أنَّ الصبي يحتاج عند حمله أن يمسك بإحدى اليدين حتى لا يسقط. وأصرح منه ما رواه البخاري (٧٤٨)، ومسلم (٩٠٧) عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ، ﵄، قَالَ: «خَسَفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَصَلَّى قَالَوا: يَا رَسُولَ اللهِ رَأَيْنَاكَ تَنَاوَلُ شَيْئًا فِي مَقَامِكَ ثُمَّ رَأَيْنَاكَ تَكَعْكَعْتَ قَالَ: "إِنِّي أُرِيتُ الْجَنَّةَ فَتَنَاوَلْتُ مِنْهَا عُنْقُودًا وَلَوْ أَخَذْتُهُ لأَكَلْتُمْ مِنْهُ مَا بَقِيَتِ الدُّنْيَا"». ورواه البخاري (١٢١٢)، ومسلم (٩٠١) عن عائشة قَالَتْ: «خَسَفَتِ الشَّمْسُ فَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ فَقَرَأَ سُورَةً طَوِيلَةً ثمَّ رَكَعَ فَأَطَالَ ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ ثُمَّ اسْتَفْتَحَ بِسُورَةٍ أُخْرَى ثُمَّ رَكَعَ حَتَّى قَضَاهَا وَسَجَدَ ثمَّ فَعَلَ ذَلِكَ فِي الثَّانِيَةِ ثُمَّ قَالَ: "إِنَّهُمَا آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللهِ فَإِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ فَصَلُّوا حَتَّى يُفْرَجَ عَنْكُمْ لَقَدْ رَأَيْتُ فِي مَقَامِي هَذَا كُلَّ شَيْءٍ وُعِدْتُهُ حَتَّى لَقَدْ رَأَيْتُنِي أُرِيدُ أَنْ آخُذَ قِطْفًا مِنَ الْجَنَّةِ حِينَ

стр. 1790

رَأَيْتُمُونِي جَعَلْتُ أَتَقَدَّمُ، وَلَقَدْ رَأَيْتُ جَهَنَّمَ يَحْطِمُ بَعْضُهَا بَعْضًا حِينَ رَأَيْتُمُونِي تَأَخَّرْتُ وَرَأَيْتُ فِيهَا عَمْرَو بْنَ لُحَيٍّ وَهُوَ الَّذِي سَيَّبَ السَّوَائِبَ"». وفي حديث جابر في مسلم (٩٠٤) مرفوعاً: « … حَتَّى لَوْ تَنَاوَلْتُ مِنْهَا قِطْفًا أَخَذْتُهُ - أَوْ قَالَ تَنَاوَلْتُ مِنْهَا قِطْفًا - فَقَصُرَتْ يَدِي عَنْهُ … ». وفي لفظ له من حديثه: « … وَلَقَدْ مَدَدْتُ يَدِي وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أَتَنَاوَلَ مِنْ ثَمَرِهَا لِتَنْظُرُوا إِلَيْهِ ثُمَّ بَدَا لِي أَنْ لَا أَفْعَلَ … ». قلت: ووجه الشاهد أنَّ الضم لو كان واجباً لما تركه النبي ﷺ من أجل تناول العنقود. * * *
следующие страницы →