Полный текст (8 095 стр.). Показаны 1786–1825 · переход к 1791.
стр. 1786
«وإذا حمل في الصلاة حيواناً طاهراً أو صبياً لم تبطل صلاته لأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صلى وهو حامل أمامة ابنة أبي العاص متفق عليه وركب الحسن والحسين على ظهره وهو ساجد ولأنَّ ما في الحيوان من النجاسة في معدته فهي كالنجاسة في معدة المصلي ولو حمل قارورة فيها نجاسة مسدودة لم تصح صلاته وقَالَ بعض أصحاب الشافعي لا تفسد صلاته لأنَّ النجاسة لا تخرج منها فهي كالحيوان وليس بصحيح لأنَّه حامل لنجاسة غير معفو عنها في غير معدنها فأشبه ما لو حملها في كمه» اهـ.
٦ - واحتج به من قَالَ: إنَّ مس المرأة ليس بحدث.
قَالَ العلامة الجصاص ﵀ في [أحكام القرآن] (٤/ ٤):
«وَحَدِيثُ أَبِي قَتَادَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُصَلِّي وَهُوَ حَامِلٌ أُمَامَةَ بِنْتَ أَبِي الْعَاصِ فَإِذَا سَجَدَ وَضَعَهَا وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ حَمَلَهَا.
وَمَعْلُومٌ أَنَّ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ لَا يَخْلُو مِنْ وُقُوعِ يَدِهِ عَلَى شَيْءٍ مِنْ بَدَنِهَا فَثَبَتَ بِذَلِكَ أَنَّ مَسَّ الْمَرْأَةِ لَيْسَ بِحَدَثٍ وَهَذِهِ الْأَخْبَارُ حُجَّةٌ عَلَى مَنْ يَجْعَلُ اللَّمْسَ حَدَثًا لِشَهْوَةٍ أَوْ لِغَيْرِ شَهْوَةٍ وَلَا يُحْتَجُّ بِهَا عَلَى مَنْ اعْتَبَرَ اللَّمْسَ لِشَهْوَةٍ لِأَنَّهُ حِكَايَةُ فِعْلِ النَّبِيِّ ﷺ لَمْ يُخْبِرْ فِيهِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ كَانَ لِشَهْوَةٍ وَمَسُّهُ أُمَامَةَ قَدْ عُلِمَ يَقِينًا أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِشَهْوَةٍ وَاَلَّذِي يُحْتَجُّ بِهِ عَلَى الْفَرِيقَيْنِ أَنَّهُ مَعْلُومٌ عُمُومُ الْبَلْوَى بِمَسِّ النِّسَاءِ لِشَهْوَةٍ وَالْبَلْوَى بِذَلِكَ أَعَمُّ مِنْهَا بِالْبَوْلِ وَالْغَائِطِ وَنَحْوِهِمَا فَلَوْ
стр. 1787
كَانَ حدثا لما أخل النَّبِيُّ ﷺ الْأُمَّةَ مِنْ التَّوْقِيفِ عَلَيْهِ لِعُمُومِ الْبَلْوَى بِهِ» اهـ.
قلت: مذهب الإمام مالك وفقهاء المدينة السبعة التفريق بين المس بشهوة فينتقض بذلك الوضوء، والمس بغير شهوة فلا ينتقض به الوضوء، وهذا هو المشهور من مذهب أحمد.
والمذهب الثاني: عدم النقض مطلقاً وهو مذهب ابن عباس، وأبي حنيفة، ورواية عن أحمد. وهو الصحيح، وقول الله تعالى: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [النساء: ٤٣]. المراد بالملامسة الجماع، ويد على ذلك ثلاثة أمور:
الأول: أنَّ اللمس بين الذكر والأنثى محمول على الجماع كالوطء، وذلك أنَّ الوطء يأتي ويراد به الوطء بالقدم ويراد به الجماع فما كان بين الرجل والمرأة فهو الجماع وليس الوطء بالقدم.
الثاني: أنَّ اللمس والملامسة بين الرجل والمرأة في جميع مواردها في كتاب الله تعالى محمولة على الجماع.
الثالث: أنَّ الله تعالى ذكر في آية الوضوء من سورة المائدة الطهارة بالماء للحدثين الأكبر والأصغر فقَالَ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: ٦].
стр. 1788
ثم ذكر طهارة التراب والأنس أن يذكر طهارة التراب في الحدثين أيضاً فلما قَالَ : ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ [المائدة: ٦] علمنا طهارة التراب في الحدث الأصغر، ولما قَالَ إثرها: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [المائدة: ٦] فإن حملنا الملامسة على الجماع فإنَّه الآية تدل حينئذ على الطهارتين جميعاً، وإن حملنا اللمس على لمس اليد فتكون الآية حينئذ دلت على الطهارة الصغرى دون الكبرى، والدلالة على طهارة الحدثين بالتراب هي الأنسب كدلالتها على طهارة الحدثين بالماء في أول الآية. والله أعلم.
والمذهب الثالث: التفريق بين لمس من كان مظنة الشهوة فينتقض بذلك الوضوء كالزوجة، والنساء الأجنبيات، وبين مس من ليس بمظنة الشهوة كالمحارم فلا ينتقض بمسهنَّ الوضوء.
وأشهر الوجهين عند علماء الشافعية أنَّ مس الصغيرة التي لا تشتهى لا ينتقض به الوضوء.
وفي مس الأمرد النزاع السابق، ومذهب الشافعي عدم النقض لأنَّه ليس محلاً للشهوة.
стр. 1789
٧ - وهذا الحديث صارف للأمر لما رواه البخاري (٧٤٠) مِنْ طَرِيقِ أَبِي حَازِمٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: «كَانَ النَّاسُ يُؤْمَرُونَ أَنْ يَضَعَ الرَّجُلُ الْيَدَ الْيُمْنَى عَلَى ذِرَاعِهِ الْيُسْرَى فِي الصَّلَاةِ».
قَالَ أَبُو حَازِمٍ: لَا أَعْلَمُهُ إِلاَّ يَنْمِي ذَلِكَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ .
قَالَ إِسْمَاعِيلُ يُنْمَى ذَلِكَ وَلَمْ يَقُلْ يَنْمِي اهـ.
وذلك أنَّ الصبي يحتاج عند حمله أن يمسك بإحدى اليدين حتى لا يسقط.
وأصرح منه ما رواه البخاري (٧٤٨)، ومسلم (٩٠٧) عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ، ﵄، قَالَ: «خَسَفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَصَلَّى قَالَوا: يَا رَسُولَ اللهِ رَأَيْنَاكَ تَنَاوَلُ شَيْئًا فِي مَقَامِكَ ثُمَّ رَأَيْنَاكَ تَكَعْكَعْتَ قَالَ: "إِنِّي أُرِيتُ الْجَنَّةَ فَتَنَاوَلْتُ مِنْهَا عُنْقُودًا وَلَوْ أَخَذْتُهُ لأَكَلْتُمْ مِنْهُ مَا بَقِيَتِ الدُّنْيَا"».
ورواه البخاري (١٢١٢)، ومسلم (٩٠١) عن عائشة قَالَتْ: «خَسَفَتِ الشَّمْسُ فَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ فَقَرَأَ سُورَةً طَوِيلَةً ثمَّ رَكَعَ فَأَطَالَ ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ ثُمَّ اسْتَفْتَحَ بِسُورَةٍ أُخْرَى ثُمَّ رَكَعَ حَتَّى قَضَاهَا وَسَجَدَ ثمَّ فَعَلَ ذَلِكَ فِي الثَّانِيَةِ ثُمَّ قَالَ: "إِنَّهُمَا آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللهِ فَإِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ فَصَلُّوا حَتَّى يُفْرَجَ عَنْكُمْ لَقَدْ رَأَيْتُ فِي مَقَامِي هَذَا كُلَّ شَيْءٍ وُعِدْتُهُ حَتَّى لَقَدْ رَأَيْتُنِي أُرِيدُ أَنْ آخُذَ قِطْفًا مِنَ الْجَنَّةِ حِينَ
стр. 1790
رَأَيْتُمُونِي جَعَلْتُ أَتَقَدَّمُ، وَلَقَدْ رَأَيْتُ جَهَنَّمَ يَحْطِمُ بَعْضُهَا بَعْضًا حِينَ رَأَيْتُمُونِي تَأَخَّرْتُ وَرَأَيْتُ فِيهَا عَمْرَو بْنَ لُحَيٍّ وَهُوَ الَّذِي سَيَّبَ السَّوَائِبَ"».
وفي حديث جابر في مسلم (٩٠٤) مرفوعاً: « … حَتَّى لَوْ تَنَاوَلْتُ مِنْهَا قِطْفًا أَخَذْتُهُ - أَوْ قَالَ تَنَاوَلْتُ مِنْهَا قِطْفًا - فَقَصُرَتْ يَدِي عَنْهُ … ».
وفي لفظ له من حديثه: « … وَلَقَدْ مَدَدْتُ يَدِي وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أَتَنَاوَلَ مِنْ ثَمَرِهَا لِتَنْظُرُوا إِلَيْهِ ثُمَّ بَدَا لِي أَنْ لَا أَفْعَلَ … ».
قلت: ووجه الشاهد أنَّ الضم لو كان واجباً لما تركه النبي ﷺ من أجل تناول العنقود.
* * *
стр. 1791
٩٢ - عَنْ أَنَسٍ بْنِ مَالِكٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «اعْتَدِلُوا فِي السُّجُودِ وَلا يَبْسُطْ أَحَدُكُمْ ذِرَاعَيْهِ انْبِسَاطَ الْكَلْبِ».
وفي الحديث مسائل منها:
١ - الحديث فيه الأمر بالاعتدال في السجود.
قَالَ الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٦/ ٥٧):
«وقوله: "اعتدلوا في السجود" يريد به: اعتدال الظهر فيه، وذلك لا يكون مع افتراش الذراعين، إنَّما يكون مع التجافي» اهـ.
قلت: ويدخل في عموم الاعتدال ما هو أوسع من ذلك كالتوسط في السجود بين التمدد والانقباض، ويشمل مجافاة البطن عن الفخذين، والساق عن الفخذين. والله أعلم.
قَالَ العلامة ابن عثيمين ﵀ في [الشَّرْحُ الممتع] (٣/ ٩٢):
«ولهذا قَالَ النبي ﵊: "اعتدلوا في السجود" أي: اجعلوه سجوداً معتدلاً، لا تهصرون فينزل البطن على الفخذ، والفخذ على الساق، ولا تمتدون أيضاً؛ كما يفعل بعض الناس إذا سجد يمتد حتى يقرب من الانبطاح،
стр. 1792
فهذا لا شك أنَّه من البدع، وليس بسنة، فما ثبت عَنِ النَّبِيِّ ﵊، ولا عن الصحابة - فيما نعلم - أنَّ الإنسان يمد ظهره في السجود، إنَّما مد الظهر في حال الركوع. أما السجود فإنه يرتفع ببطنه ولا يمده» اهـ.
٢ - النهي عن افتراش الذراعين في الأرض حال السجود لما في ذلك من مشابهة الكلب والسباع. ولأنَّه ينافي التواضع ويشبه هيئات الكسالى.
وإلى هذا ذهب أكثر العلماء وخالف في ذلك ابن مسعود وأبو ذر ﵄ فذهبا إلى افتراش الذراعين في السجود، وكان ابن مسعود يقول: اسجدوا حتى بالمرفق.
فروى ابن أبي شيبة في [مصنفه] (٢٦٧٣) حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنِ الْمُسَيَّبِ بْنِ رَافِعٍ، عَنْ عَامِرِ بْنِ عَبْدَةَ، قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللهِ: «هُيِّئَتْ عِظَامُ ابْنِ آدَمَ لِسجُودِهِ، اسْجُدُوا حَتَّى بِالْمَرَافِقِ».
قلت: إسناده صحيح.
وروى ابن أبي شيبة في [مصنفه] (٢٦٧٢) حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ، عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ، عَنِ الْحَكَمِ بْنِ الأَعْرَجِ، قَالَ: «أَخْبَرَنِي مَنْ رَأَى أَبَا ذَرٍّ مُسَوَّدًا مَا بَيْنَ رُسْغِهِ إلَى مِرْفَقَيْهِ».
قلت: رجاله ثقات لكن لم يسم الحكم من أخبره.
٣ - ويؤخذ من هذا النهي عن التشبه بالحيوان كما سبق بيانه.
* * *
стр. 1793
باب وجوب الطمأنينة في الركوع والسجود.
٩٣ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَرَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «أنَّ رَسُولَ- الله ﷺ دَخَلَ الْمَسْجِدَ، فَدَخَلَ رَجُلٌ فَصَلَّى، ثُمَّ جَاءَ فَسَلَّمَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: "ارْجِعْ فَصَلِّ، فَإِنَّك لَمْ تُصَلِّ". فَرَجَعَ فَصَلَّى كَمَا صَلَّى، ثُمَّ جَاءَ فَسَلَّمَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: "ارْجِعْ فَصَلِّ، فَإِنَّك لَمْ تُصَلِّ" - ثَلاثاً - فَقَالَ: وَاَلَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لا أُحْسِنُ غَيْرَهُ، فَعَلِّمْنِي، فَقَالَ: "إذَا قُمْتَ إلَى الصَّلاةِ فَكَبِّرْ، ثُمَّ اقْرَأْ مَا تَيَسَّرَ مِنْ الْقُرْآنِ، ثُمَّ ارْكَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ رَاكِعاً، ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَعْتَدِلَ قَائِماً، ثُمَّ اُسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِداً، ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ جَالِساً. وَافْعَلْ ذَلِكَ فِي صَلاتِكَ كُلِّهَا"».
وفي الحديث مسائل منها:
١ - احتج بحديث المسيء العلامة ابن القيم ﵀ على أنَّ الداخل إلى المسجد يبدأ بصلاة التحية قبل السلام على الناس.
فقَالَ ﵀ في [زاد المعاد] (٢/ ٣٧٦ - ٣٧٧):
«ومن هديه ﷺ أنَّ الداخل إلى المسجد يبتدئ بركعتين تحية المسجد ثم يجيء فيسلم على القوم فتكون تحية المسجد قبل تحية أهله فإن تلك حق الله تعالى، والسلام على الخلق هو حق لهم وحق الله في مثل هذا أحق
стр. 1794
بالتقديم بخلاف الحقوق المالية فإنَّ فيها نزاعاً معروفاً، والفرق بينهما حاجة الآدمي وكانت عادة القوم معه هكذا، يدخل أحدهم المسجد فيصلي ركعتين ثم يجيء فيسلم على النبي ﷺ ولهذا جاء في حديث رفاعة بن رافع أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بينما هو جالس في المسجد يوماً قَالَ رفاعة ونحن معه إذ جاء رجل كالبدوي فصلى، فأخف صلاته ثم انصرف فسلم على النبي ﷺ فقَالَ النبي ﷺ : "وعليك فارجع فصل فإنَّك لم تصل" … وذكر الحديث فأنكر عليه صلاته ولم ينكر عليه تأخير السلام عليه ﷺ إلى ما بعد الصلاة» اهـ.
قلت: وقد رد عليه الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٦/ ٢٣) فقَالَ:
«استدل بعضهم بهذا الحديث على أنَّ من دخل المسجد وفيه قوم جلوس، فإنَّه يبدأ فيصلي تحية المسجد، ثم يسلم على من فيه، فيبدأ بتحية المسجد قبل تحية الناس.
وفي هذا نظر، وهذه واقعة عين، فيحتمل أنَّه لما دخل المسجد صلى في مؤخره قريباً من الباب، وكَانَّ النَّبِيُّ ﷺ في صدر المسجد، فلم يكن قد مرَّ عليهم قبل صلاته، أو أنَّه لما دخل المسجد مشى إلى قريبٍ من قبلة المسجد، بالبعد من الجالسين في المسجد، فصلى فيه، ثم أنصرف إلى الناس.
стр. 1795
يدل على ذلك: أنَّه روي في هذا الحديث: أنَّ رجلاً دخل المسجد، فصلى، ورسول الله ﷺ في ناحية المسجد، فجاء فسلم - وذكر الحديث -. خرَّجه ابن ماجه.
فأمَّا من دخل المسجد فمر على قوم فيه، فإنَّه يسلم عليهم ثم يصلى» اهـ.
قلت: الذي يظهر لي أنَّ كلام الحافظ ابن رجب ﵀ أصوب من كلام العلامة ابن القيم ﵀.
وحديث ابن ماجه الذي أشار إليه الحافظ ابن رجب أخرجه البخاري (٦٢٥١) عن أبي هريرة ﵁: «أَنَّ رَجُلاً دَخَلَ الْمَسْجِدَ وَرَسُولُ اللهِ ﷺ جَالِسٌ فِي نَاحِيَةِ الْمَسْجِدِ فَصَلَّى ثُمَّ جَاءَ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ … ». وذكر الحديث.
٢ - وفيه دليل على أنَّ من قام عن قوم لحاجته، ثم عاد إليهم، فأنَّه يسلم عليهم وإن لم يكن قد غاب عنهم.
٣ - وفيه دليل على أنَّ من أساء في الصلاة فإنَّه يؤمر بإحسان صلاته مجملاً، حتى يتبين أنَّه جاهلٌ، فيعلم ما جهله.
٤ - وفيه دليل على أنَّ من أساء في صلاة تطوعٍ فأنَّه يؤمرُ بإعادتها. ذكر جميع ما سبق الحافظ ابن رجب ﵀ في شرحه للبخاري.
قلت: وفي هذا الأخير نظر لاحتمال أن تكون الصلاة التي صلاها فريضة.
стр. 1796
٥ - ويدل الحديث على وجوب الاطمئنان في الصلاة. والجمهور على ركنيته وخالف في ذلك أبو حنيفة فذهب إلى أنَّ الطمأنينة ليست فرضاً في ركوع ولا غيره، لظاهر قوله: ﴿ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾.
قَالَ الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٦/ ٢٤):
«وقدر الطمأنينة المفروضة: أدنى سكون بين حركتي الخفض والرفع عند أصحاب الشافعي، وأحد الوجهين لأصحابنا.
والثاني لأصحابنا: أنَّها مقدرة بقدر تسبيحة واحدة» اهـ.
قلت: وذهب بعض علماء الشافعية إلى عدم وجوب الطمأنينة في الاعتدال من الركوع لعدم الأمر به في هذا الحديث.
قَالَ العلامة النووي ﵀ في [شرح مسلم] (٤/ ١٠٨):
«وأمَّا الاعتدال فالمشهور من مذهبنا ومذاهب العلماء يجب الطمأنينة فيه كما يجب في الجلوس بين السجدتين وتوقف في إيجابها بعض أصحابنا واحتج هذا القائل بقوله ﷺ في هذا الحديث "ثم ارفع حتى تعتدل قائماً" فاكتفى بالاعتدال ولم يذكر الطمأنينة كما ذكرها في الجلوس بين السجدتين وفي الركوع والسجود» اهـ.
стр. 1797
٦ - واحتج أبو حنيفة ﵀ «ثُمَّ اقْرَأْ مَا تَيَسَّرَ مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ» على عدم فرضية قراءة الفاتحة وذلك أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لم يخص سورة من غيرها، فإذا قرأ ما تيسر عليه فقد فعل الواجب.
وقَالَ أبو حنيفة: الواجب في القراءة في الصلاة ما تناوله اسم القرآن، وذلك ثلاث آيات قصار أو آية طويلة كآية الدين، من أي سورة شاء.
قلت: واحتج الجمهور بما رواه البخاري (٧٥٦)، ومسلم (٨٧٣) عن عبادة بن الصامت أن الرسول الله ﷺ قَالَ: «لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ».
قَالَوا: وقوله: «ثُمَّ اقْرَأْ مَا تَيَسَّرَ مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ» أي: اقرأ بفاتحة الكتاب فهي ما تيسر من القرآن.
قلت: ومما يدل على ذلك أنَّه قد جاء الأمر بقراءة فاتحة الكتاب في حديث المسيء.
فروى أبو داود (٨٥٩) حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ بَقِيَّةَ عَنْ خَالِدٍ عَنْ مُحَمَّدٍ - يَعْنِى ابْنَ عَمْرٍو - عَنْ عَلِىِّ بْنِ يَحْيَى بْنِ خَلاَّدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعٍ بِهَذِهِ الْقِصَّةِ قَالَ:
«إِذَا قُمْتَ فَتَوَجَّهْتَ إِلَى الْقِبْلَةِ فَكَبِّرْ ثُمَّ اقْرَأْ بِأُمِّ الْقُرْآنِ وَبِمَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ تَقْرَأَ وَإِذَا رَكَعْتَ فَضَعْ رَاحَتَيْكَ عَلَى رُكْبَتَيْكَ وَامْدُدْ ظَهْرَكَ». وَقَالَ «إِذَا سَجَدْتَ فَمَكِّنْ لِسُجُودِكَ فَإِذَا رَفَعْتَ فَاقْعُدْ عَلَى فَخِذِكَ الْيُسْرَى».
قلت: هذا حديث حسن.
стр. 1798
ورواه أحمد (١٩٠١٧) مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، عَنْ عَلِيِّ بْنِ يَحْيَى بْنِ خَلاَّدٍ الزُّرَقِيِّ، عَنْ رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعٍ الزُّرَقِيِّ مرفوعاً وفيه: «ثُمَّ اقْرَأْ بِأُمِّ الْقُرْآنِ، ثُمَّ اقْرَأْ بِمَا شِئْتَ».
قلت: وسند أحمد منقطع بين على بن يحيى بن خلاد ورفاعة بن رافع.
قَالَ الحافظ ابن حجر ﵀ في [فتح الباري] (٢/ ٢٤٣):
«ويحتمل الجمع أيضاً أن يقَالَ المراد بقوله: "فأقرأ ما تيسر معك من القرآن" أي بعد الفاتحة ويؤيده حديث أبي سعيد عند أبي داود بسند قوي: "أمرنا رسول الله ﷺ أن نقرأ بفاتحة الكتاب وما تيسر"» اهـ.
حديث أبي سعيد رواه أحمد (١١٠١١، ١١٤٣٥)، وأبو داود (٨١٨) مِنْ طَرِيقِ هَمَّامٍ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَبِي نَضْرَةَ عَنْ أَبِى سَعِيدٍ قَالَ: «أُمِرْنَا أَنْ نَقْرَأَ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَمَا تَيَسَّرَ».
قلت: هذا حديث صحيح.
وقَالَ العلامة ابن القيم ﵀ في [إعلام الموقعين] (٢/ ٣٠٥):
«المثال السادس عشر رد النصوص المحكمة الصريحة الصحيحة في تعيين قراءة فاتحة الكتاب فرضاً بالمتشابه من قوله: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ وليس ذلك في الصلاة إنَّما هو بدل عن قيام الليل وبقوله للأعرابي: "ثم أقرأ ما تيسر معك من القرآن" وهذا يحتمل أن يكون قبل تعيين الفاتحة للصلاة وأن يكون الأعرابي لا
стр. 1799
يحسنها وأن يكون لم يسيء في قراءتها فأمره أن يقرأ معها ما تيسر من القرآن وأن يكون أمره بالاكتفاء بما تيسر عنها فهو متشابه يحتمل هذه الوجوه فلا يترك له المحكم الصريح» اهـ.
٧ - وقوله: «وَافْعَلْ ذَلِكَ فِي صَلَاتِكَ كُلِّهَا». فيه دليل على أنَّ عليه أن يقرأ في كل ركعة كما كان عليه أن يركع ويسجد في كل ركعة وقَالَ أبو حنيفة تجب القراءة في الركعتين الأوليين وأمَّا الأخيرتان فلا تجب فيهما قراءة بل إن شاء قرأ وإن شاء سبح وإن شاء سكت.
قَالَ العلامة ابن دقيق العيد ﵀ في [إحكام الأحكام] ص (١٧٠ - ١٧١):
«قوله ﷺ : "ثم افعل ذلك في صلاتك كلها" يقتضي وجوب القراءة في جميع الركعات وإذا ثبت أنَّ الذي أمر به الأعرابي: هو قراءة الفاتحة: دل على وجوب قراءتها في جميع الركعات وهو مذهب الشافعي وفي مذهب مالك ثلاثة أقوال:
أحدها: الوجوب في كل ركعة.
والثاني: الوجوب في الأكثر.
والثالث: الوجوب في ركعة واحدة» اهـ.
قلت: ومذهب الإمام أحمد إيجاب قراءة الفاتحة في كل ركعة وهو الصحيح. وعن أحمد: أنَّها لا تجب إلَّا في ركعتين من الصلاة.
стр. 1800
٨ - وفيه دليل أنَّ الجاهل ببعض أركان الصلاة يؤمر بإعادة الصلاة التي ما زال وقتها قائم ولا يؤمر بإعادة ما مضى من الصلوات.
قَالَ شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كما في [مجموع الفتاوى] (٢٣/ ٣٧ - ٣٩):
«وأمَّا من لم يعلم الوجوب فإذا علمه صلى صلاة الوقت وما بعدها ولا إعادة عليه. كما ثبت في الصحيحين أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ للأعرابي المسيء في صلاته: "ارجع فصل فإنَّك لم تصل" قَالَ: والذي بعثك بالحق لا أحسن غير هذا فعلمني ما يجزيني في صلاتي فعلمه ﷺ .
وقد أمره بإعادة صلاة الوقت ولم يأمره بإعادة ما مضى من الصلاة مع قوله: "لا أحسن غير هذا". وكذلك لم يأمر عمر وعماراً بقضاء الصلاة وعمر لما أجنب لم يصل وعمار تمرغ كما تتمرغ الدابة ولم يأمر أبا ذر بما تركه من الصلاة وهو جنب ولم يأمر المستحاضة أن تقضي ما تركت مع قولها: إني أستحاض حيضة شديدة منعتني الصوم والصلاة. ولم يأمر الذين أكلوا في رمضان حتى تبين لهم الحبال البيض من السود بالإعادة والصلاة أول ما فرضت كانت ركعتين، ركعتين ثم لما هاجر زيد في صلاة الحضر ففرضت أربعاً وكان بمكة وأرض الحبشة والبوادي كثير من المسلمين لم يعلموا بذلك إلَّا بعد مدة وكانوا يصلون ركعتين فلم يأمرهم بإعادة ما صلوا. كما لم يأمر الذين كانوا يصلون إلى القبلة المنسوخة بالإعادة مدة صلاتهم إليها قبل أن يبلغهم الناسخ فعلم أنَّه لا فرق بين الخطاب المبتدأ والخطاب الناسخ. والركعتان الزائدتان إيجابهما مبتدأ وإيجاب الكعبة ناسخ.
стр. 1801
وكذلك التشهد وغيره إنَّما وجب في أثناء الأمر وكثير من المسلمين لم يبلغهم الوجوب إلَّا بعد مدة. ومن المنسوخ أنَّ جماعة من أكابر الصحابة كانوا لا يغتسلون من الإقحاط؛ بل يرون الماء من الماء حتى ثبت عندهم النسخ. ومنهم من لم يثبت عنده النسخ وكانوا يصلون بدون الطهارة الواجبة شرعاً لعدم علمهم بوجوبها ويصلي أحدهم وهو جنب» اهـ.
٩ - هذا الحديث وهو المعروف بحديث المسيء في صلاته وهو عمدة أهل العلم في معرفة الواجبات والأركان. فلأصل أنَّ ما ذكر فيه واجب أو ركن، وقد ذهب جمع من العلماء أنَّ ما لم يذكر في حديث المسيء فليس بواجب والتزموا على ذلك عدم وجوب التسبيح في الركوع والسجود، وذهبت الحنفية إلى عدم وجوب التشهد الأخير، ولا السلام من الصلاة. لكنه ﵀ أوجب القعود مقدار التشهد مع أنَّه ليس له ذكر في حديث المسيء، وذهب الإمام مالك إلى عدم وجوب التشهد الأخير ولا القعود له.
قلت: والصواب في ذلك هو الأخذ بما زاد على حديث المسيء من الأوامر ويتأول لحديث المسيء بما ذكره أهل العلم منهم العلامة ابن قدامة ﵀ حيث قَالَ في [المغني] (١/ ٥٧٨):
«على أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لم يعلمه كل الواجبات بدليل أنَّه لم يعلمه التشهد ولا السلام ويحتمل أنَّه اقتصر على تعليمه ما رآه أساء فيه» اهـ.
стр. 1802
وقَالَ العلامة ابن القيم ﵀ في [تهذيب سنن أبي داود] (١/ ٦٤):
«وأمّا كون النبي لم يعلمه المسيء في صلاته فما أكثر ما يحتج بهذه الحجة على عدم واجبات في الصلاة ولا تدل لأنَّ المسيء لم يسيء في كل جزء من الصلاة فلعله لم يسيء في السلام بل هذا هو الظاهر فإنَّهم لم يكونوا يعرفون الخروج منها إلَّا بالسلام» اهـ.
* * *
стр. 1803
باب القراءة في الصلاة
٩٤ - عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ".
وفي الحديث مسائل منها:
١ - احتج به الجمهور في قولهم بركنية الفاتحة.
قال العلامة ابن قدامة ﵀ في [المغني] (٢/ ٣٣٦ - ٣٣٧):
«مسألة: قال: "ثم يقرأ: الحمد لله رب العالمين" وجملة ذلك أنَّ قراءة الفاتحة واجبة في الصلاة، وركن من أركانها، لا تصح إلَّا بها في المشهور عن أحمد.
نقله عنه الجماعة.
وهو قول مالك، والثوري، والشافعي وروي عن عمر بن الخطاب، وعثمان بن أبي العاص وسعيد بن جبير ﵃، أنَّهم قالوا: لا صلاة إلَّا بقراءة فاتحة الكتاب وروي عن أحمد رواية أخرى، أنَّها لا تتعين، وتجزئ قراءة آية من القرآن، من أي موضع كان.
وهذا قول أبي حنيفة؛ لقول النبي ﷺ للمسيء في صلاته: "ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن" وقول الله تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْ الْقُرْآنِ﴾، وقوله: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾.
стр. 1804
ولأنَّ الفاتحة وسائر القرآن سواء في سائر الأحكام، فكذا في الصلاة.
ولنا ما روى عبادة بن الصامت، عن النبي ﷺ أنَّه قال: "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب" متفق عليه ولأنَّ القراءة ركن في الصلاة، فكانت معينة كالركوع والسجود.
وأمَّا خبرهم، فقد روى الشافعي، بإسناده عن رفاعة بن رافع، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال للأعرابي: "ثم اقرأ بأم القرآن، وما شاء الله أن تقرأ" ثم نحمله على الفاتحة، وما تيسر معها، مما زاد عليها، ويحتمل أنَّه لم يكن يحسن الفاتحة.
وأمَّا الآية، فتحتمل أنَّه أراد الفاتحة وما تيسر معها، ويحتمل أنَّها نزلت قبل نزول الفاتحة، لأنَّها نزلت بمكة، والنبي ﷺ مأمور بقيام الليل، فنسخه الله تعالى عنه بها، والمعنى الذي ذكروه أجمعوا على خلافه، فإنَّ من ترك الفاتحة كان مسيئاً بخلاف بقية السور» اهـ.
وروى أبو داود (٨٢٢)، والنسائي (٩١١) مِنْ طَرِيقِ الزُّهْرِىِّ عَنْ مَحْمُودِ بْنِ الرَّبِيعِ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ يَبْلُغُ بِهِ النَّبِىَّ ﷺ قَالَ: «لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ فَصَاعِدًا».
وأصلها في مسلم كما سيأتي.
وقوله: «فَصَاعِدًا». مما يشكل وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كما في [مجموع الفتاوى] (٢٣/ ٢٨٨ - ٢٨٩):
стр. 1805
«والنبي ﷺ قال: "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب" وهذا أخرجه أصحاب الصحيح كالبخاري ومسلم في صحيحيهما وعليه اعتمد البخاري في مصنفه. فقال: "باب وجوب القراءة في كل ركعة" وروى هذا الحديث من طرق: مثل رواية ابن عيينة وصالح بن كيسان ويوسف بن يزيد.
قال البخاري: وقال معمر عن الزهري: "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب فصاعداً" وعامة الثقاة. لم يتابع معمراً في قوله: "فصاعداً" مع أنَّه قد أثبت فاتحة الكتاب وقوله: "فصاعداً" غير معروف ما أراد به حرفان أو أكثر من ذلك؛ إلَّا أن يكون كقوله: "لا تقطع اليد إلَّا في ربع دينار فصاعداً" فقد تقطع اليد في ربع دينار وفي أكثر من دينار. قال البخاري: ويقال: إنَّ عبد الرحمن بن إسحاق تابع معمراً وأنَّ عبد الرحمن ربما روى عن الزهري ثم أدخل بينه وبين الزهري غيره ولا يعلم أنَّ هذا من صحيح حديثه أم لا.
قلت: معنى هذا حديث صحيح كما رواه أهل السنن وقد رواه البخاري في هذا المصنف: حدثنا مسدد ثنا يحيى بن سعيد ثنا جعفر بن ميمون ثنا أبو عثمان النهدي عن أبي هريرة أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أمره فنادى: "أن لا صلاة إلَّا بفاتحة الكتاب وما زاد".
стр. 1806
وقال أيضاً: حدثنا محمد بن يوسف ثنا سفيان عن ابن جريج. عن عطاء عن أبي هريرة قال: "تجزئ بفاتحة الكتاب فإن زاد فهو خير". وذكر الحديث الآخر عن أبي سعيد في السنن.
قال البخاري حدثنا أبو الوليد حدثنا همام عن قتادة عن أبي نضرة قال: "أمرنا نبينا ﷺ أن نقرأ بفاتحة الكتاب وما تيسر".
قلت: وهذا يدل على أنَّه ليس المراد به قراءة المأموم حال سماعه لجهر الإمام فإن أحداً لا يقول إن زيادته على الفاتحة وترك إنصاته لقراءة الإمام في هذه الحال خير. ولا أنَّ المأموم مأمور حال الجهر بقراءة زائدة على الفاتحة وكذلك عللها البخاري في حديث عبادة فإنَّها تدل على أنَّ المأموم المستمع لم يدخل في الحديث ولكن هب أنَّها ليست في حديث عبادة فهي في حديث أبي هريرة» هـ.
قلت: وهذه اللفظة رواها مسلم (٣٩٤) فقال: وحَدَّثَنَاه إِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ قَالَا أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ وَزَادَ «فَصَاعِدًا».
وقد أعلها العلامة الألباني ﵀ في [صحيح أبي داود] (٣/ ٤٠٦) فقال:
«وقد أخرجاه- كما يأتي- من طرق عن سفيان- وهو ابن عيينة- دون قوله:
"فصاعداً".
وأراه هو المحفوظ؛ فقد أخرجه سائر الأئمة في كتبهم عن بضعة عشر حافظاً … » إلخ.
стр. 1807
وقال العقيلي ﵀ في [الضعفاء] (١/ ١٨٩):
«جعفر بن ميمون.
حَدَّثنا عَبد الله بن أحمد، قال: سألتُ أبِي عن جعفر بن ميمون فقال أخشى أن يكون ضعيف الحديث.
حَدَّثنا محمد بن عيسى، قال: حَدَّثَنا عباس بن محمد، قال: سَمِعْتُ يحيى بن مَعِين يقول جعفر بن ميمون ليس بثقة.
ومِنْ حديثه ما حدثناه إبراهيم بن محمد، قال: حَدَّثَنا سليمان بن حرب، قال: حَدَّثَنا وهيب، قال: حَدَّثَنا جعفر بن ميمون عَنْ أبِي عثمان عَنْ أبِي هريرة عن النبي ﵇ أنَّه أمره أن ينادى لا صلاة إلا بقراءة فاتحة الكتاب وما زاد.
ولا يُتَابَعُ عليه والحديث في هذا الباب ثابت من غير هذا الوجه» اهـ.
فائدة: قال العلامة ابن قدامة ﵀ في [المغني] (٢/ ٣٤٥):
«فصل: يلزمه أن يأتي بقراءة الفاتحة مرتبة مشددة، غير ملحون فيها لحناً يحيل المعنى، فإن ترك ترتيبها، أو شدة منها، أو لحن لحنا يحيل المعنى، مثل أن يكسر كاف ﴿إِيَّاكَ﴾، أو يضم تاء ﴿أَنْعَمْتَ﴾، أو يفتح ألف الوصل في ﴿اهْدِنَا﴾، لم يعتد بقراءته، إلَّا أن يكون عاجزاً عن غير هذا.
ذكر القاضي نحو هذا في "المجرد"، وهو مذهب الشافعي.
стр. 1808
وقال القاضي في "الجامع": لا تبطل بترك شدة؛ لأنَّها غير ثابتة في خط المصحف، هي صفة للحرف، ويسمى تاركها قارئاً.
والصحيح الأول؛ لأنَّ الحرف المشدد أقيم مقام حرفين، بدليل أنَّ شدة راء ﴿الرَّحْمَنِ﴾ أقيمت مقام اللازم، وشدة لام ﴿الَّذِينَ﴾ أقيمت مقام اللازم أيضاً، فإذا أخل بها أخل بالحرف وما يقوم مقامه، وغير المعنى، إلَّا أن يريد أنَّه أظهر المدغم، مثل من يقول "الرحمن" مظهراً للام، فهذا تصح صلاته؛ لأنَّه إنَّما ترك الإدغام، وهو معدود لحناً لا يغير المعنى.
قال: ولا يختلف المذهب، أنَّه إذا لينها، ولم يحققها على الكمال، أنَّه لا يعيد الصلاة؛ لأنَّ ذلك لا يحيل المعنى، ويختلف باختلاف الناس.
ولعله إنَّما أراد في "الجامع" هذا المعنى، فيكون قوله متفقاً.
ولا يستحب المبالغة في التشديد، بحيث يزيد على قدر حرف ساكن؛ لأنَّها في كل موضع أقيمت مقام حرف ساكن؛ فإذا زادها على ذلك زادها عمَّا أقيمت مقامه، فيكون مكروهاً.
وفي ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ثلاث شدات، وفيما عداها إحدى عشرة تشديدة، بغير اختلاف» اهـ.
أقول: إذا كسر كاف ﴿إِيَّاكَ﴾ كان خطاب تأنيث، وإذا ضم التاء من ﴿أَنْعَمْتَ﴾ صار القارئ هو المنعم، وإذا كسرها صارت خطاباً لمؤنث، وإذا فتح
стр. 1809
ألف الوصل في ﴿اهْدِنَا﴾ صار المعنى اعطنا الصراط المستقيم هدية، وهذا خلاف معنى الآية فإنَّ معناها طلب الهداية.
وإذا خفف الياء من ﴿إِيَّاكَ﴾ فسد المعنى فإنَّ الإيا ضوء الشمس.
وهكذا إذا ترك تشديد اللام من لفظ الجلالة ﴿اللَّهِ﴾ فسد المعنى لأنَّ معناه اللاهي.
وإذا أبدل الضاد ظاءً ففي صحة الصلاة نزاع، والأظهر الصحة لقرب مخرجيهما ولتشابه النطق بهما ولتعسر التمييز بينهما عند كثير من عامة الناس.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كما في [مجموع الفتاوى] (٢٣/ ٣٥٠ - ٣٥١): «وأمَّا من لا يقيم قراءة الفاتحة فلا يصلي خلفه إلَّا من هو مثله فلا يصلي خلف الألثغ الذي يبدل حرفاً بحرف إلَّا حرف الضاد إذا أخرجه من طرف الفم كما هو عادة كثير من الناس فهذا فيه وجهان: منهم من قال: لا يصلى خلفه ولا تصح صلاته في نفسه لأنَّه أبدل حرفاً بحرف؛ لأنَّ مخرج الضاد الشدق ومخرج الظاء طرف الأسنان. فإذا قال "ولا الظالين" كان معناه ظل يفعل كذا.
والوجه الثاني: تصح وهذا أقرب لأنَّ الحرفين في السمع شيء واحد وحس أحدهما من جنس حس الآخر لتشابه المخرجين. والقارئ إنَّما يقصد الضلال المخالف للهدى وهو الذي يفهمه المستمع فأمَّا المعنى المأخوذ من ظل فلا يخطر
стр. 1810
ببال أحد وهذا بخلاف الحرفين المختلفين صوتاً ومخرجاً وسمعاً كإبدال الراء بالغين فإنَّ هذا لا يحصل به مقصود القراءة» اهـ.
قلت: والوجهان أيضاً في مذهب الشافعية.
وقال العلامة ابن مفلح ﵀ في [الفروع] (٢/ ٢٤٦):
«إن قرأ المغضوب والضالين بظاء فأوجه؛ الثالث يصح مع الجهل، انتهى، أحدها لا تبطل الصلاة، اختاره القاضي، والشيخ تقي الدين، وقدمه في المغني، والشَّرْحُ (قلت) وهو الصواب، والوجه الثاني تبطل، قال في الكافي هذا قياس المذهب، واقتصر عليه، وجزم به ابن رزين في شرحه، وهو ظاهر كلامه في المقنع، وغيره، وأطلقهما في الرعايتين، والحاويين، والوجه الثالث تصح مع الجهل، قال في الرعاية الكبرى. قلت: إن علم الفرق بينهما لفظاً ومعنى بطلت صلاته، وإلَّا فلا» اهـ.
قلت: ومعنى (ظل) اتصاف المخبر عنه بالخبر وقت الظل وذلك يكون نهاراً، ويقال ظل يفعل كذا دام على فعله.
قال العلامة ابن فارس ﵀ في [معجم مقاييس اللغة] (٣/ ٤٦١):
«ومن الباب قولهم: ظلَّ يفعل كذا، وذلك إذا فعله نهاراً. وإنما قلنا إنّه من الباب لأنَّ ذلك شيءٌ يخصّ به النهار، وذلك أن الشيء يكون له ظلٌّ نهاراً، ولا يقال ظلَّ يفعلُ كذا ليلاً؛ لأنّ الليلَ نفسه ظِلّ» اهـ.
стр. 1811
٢ - واحتج به الشافعية وغيرهم في إيجابهم قراءة الفاتحة للمؤتم في الصلاة الجهرية.
قلت: وقد دلَّ على ما ذهبوا إليه عدة أدلة منها:
الدليل الأول: حديث عبادة هذا.
وقد رواه أحمد (٢٢٧٤٦، ٢٢٧٩٧، ٢٢٨٠٢)، وأبو داود (٨٢٣)، والترمذي (٣١١) مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ مَكْحُولٍ، عَنْ مَحْمُودِ بْنِ الرَّبِيعِ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، قَالَ: كُنَّا خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ فَقَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَثَقُلَتْ عَلَيْهِ الْقِرَاءَةُ، فَلَمَّا فَرَغَ قَالَ:
«لَعَلَّكُمْ تَقْرَءُونَ خَلْفَ إِمَامِكُمْ» قُلْنَا: نَعَمْ هَذًّا يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: «لَا تَفْعَلُوا إِلَّا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ فَإِنَّهُ لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِهَا».
وخالف ابن إسحاق زيد بن واقد فرواه عن مكحول عن نافع بن محمود بن الربيع عن عبادة كما عند أبي داود (٨٢٤). وحديث زيد أرجح من حديث ابن إسحاق.
ورواه البخاري في [جزء القراءة خلف الإمام] (٣٥)، والدارقطني في [سننه] (١٢٢٠)، والبيهقي في [جزء القراءة خلف الإمام] (١٠٦)، وفي [السنن الكبرى] (٣٠٣٨) مِنْ طَرِيقِ زيد بن واقد، عن حرام بن حكيم، ومكحول، عن نافع بن محمود بن الربيع الأنصاري، عن عبادة بن الصامت به.
стр. 1812
قلت: نافع لم يوثقه معتبر. لكن رواه البخاري في [القراءة خلف الإمام] (٧٢) مِنْ طَرِيقِ الأوزاعي عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن عبادة بن الصامت. به. وهذه متابعة من شعيب لنافع.
وقال العلامة ابن الجوزي ﵀ في [التحقيق] (١/ ٣٦٩): «ثم لا نعلم أنَّ شعيباً لقي عبادة» اهـ.
قلت: وقد حكم الحافظ ابن عبد البر ﵀ على حديث عبادة بالاضطراب فقال ﵀ في [التمهيد] (١١/ ٤٦): «ومثل هذا الاضطراب لا يثبت فيه عند أهل العلم بالحديث شيء» اهـ.
وقال ابن عبد الهادي ﵀ في [المحرر] ص (١٨٨): «وصححه البخاري، وتكلم فيه أحمد، وابن عبد البر وغيرهما» اهـ.
قلت: ورواه البخاري (٧٥٦)، ومسلم (٣٩٤) مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ قَالَ: حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ عَنْ مَحْمُودِ بْنِ الرَّبِيعِ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ».
وهذا هو الصحيح من حديث عبادة بن الصامت. والله أعلم.
الدليل الثاني: ما رواه أحمد (١٨٠٩٥) حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي عَائِشَةَ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ :
стр. 1813
«لَعَلَّكُمْ تَقْرَؤُونَ وَالإِمَامُ يَقْرَأُ» مَرَّتَيْنِ، أَوْ ثَلَاثًا، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّا لَنَفْعَلُ. قَالَ: «فَلَا تَفْعَلُوا، إِلاَّ أَنْ يَقْرَأَ أَحَدُكُمْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ».
قلت: هذا حديث ظاهرة الصحة.
لكن قَالَ العلامة ابن القيم ﵀ في [تهذيب سنن أبي داود] (١/ ١٥٢):
«ولكن لهذا الحديث علة، وهي أنَّ أيوب خالف فيه خالداً، ورواه عن أبي قلابة عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مرسلاً، وهو كذلك في تاريخ البخاري عن مؤمل عن إسماعيل بن علية عن أيوب عن أبي قلابة عَنِ النَّبِيِّ ﷺ » اهـ.
قلت: حديث أيوب رواه عبد الرزاق في [مصنفه] (٢٧٦٥) عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأَصْحَابِهِ: «أَتَقْرَؤُونَ خَلْفِي وَأَنَا أَقْرَأُ؟» قَالَ: فَسَكَتُوا حَتَّى سَأَلَهُمْ ثَلَاثًا قَالُوا: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: «فَلَا تَفْعَلُوا ذَلِكَ، لِيَقْرَأْ أَحَدُكُمْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ فِي نَفْسِهِ سِرًّا».
قَالَ الحافظ الدارقطني ﵀ في [العلل] (١٢/ ٢٣٧) - حين أن سئل عن هذا الحديث -: «يرويه أيوب السختياني، وخالد الحذاء، واختلف عنه؛
فأمَّا أيوب: فإنَّ عبيد الله بن عمرو رواه عن أيوب، عن أبي قلابة، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ .
وخالفه سلام - أبو المنذر، فرواه عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أبي هريرة.
وخالفهما الربيع بن بدر، رواه عن أيوب، عن الأعرج، عن أبي هريرة.
стр. 1814
وخالفهم ابن علية، وابن عيينة، وحماد بن زيد؛ رووه عن أيوب، عن أبي قلابة مرسلاً عَنِ النَّبِيِّ ﷺ .
وهو صحيح من رواية أيوب.
فأمَّا خالد الحذاء، فرواه عن أبي قلابة، عن محمد بن أبي عائشة، عن رجل من أصحاب النبي ﷺ .
قَالَ ذلك سفيان الثوري، ويزيد بن زريع، وبشر بن المفضل، عن خالد.
ورواه ابن علية، وخالد بن عبد الله، وشعبة، وعلي بن عاصم، عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن محمد بن أبي عائشة -مرسلاً -عَنِ النَّبِيِّ ﷺ .
ورواه هشيم، عن خالد، عن أبي قلابة -مرسلاً -. لم يجاوز به أبا قلابة.
والمرسل أصح» اهـ.
الدليل الثالث: ما رواه البخاري في [القراءة خلف الإمام] (٦٩)
حَدَّثَنَا شُجَاعُ بْنُ الْوَلِيدِ، قَالَ: حَدَّثَنَا النَّضْرُ، قَالَ: حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ سَعْدٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «تَقْرَؤُونَ خَلْفِي؟» قَالُوا: نَعَمْ إِنَّا لَنَهُذُّ هَذًّا قَالَ: «فَلَا تَفْعَلُوا إِلَّا بِأُمِّ الْقُرْآنِ».
قلت: هذا إسناد منقطع بين عمرو وجده.
ورواه البخاري كما سبق في [القراءة خلف الإمام] (٧٢) مِنْ طَرِيقِ الأوزاعي عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن عبادة بن الصامت. به. وحديثه أصح.
стр. 1815
والصحيح في حديث عبادة غير هذا كما سبق.
ورواه ابن عدي في [الكامل] (٢/ ٥٠١ - ٥٠٢) حَدَّثَنَاهُ ابن صاعد، حَدَّثَنا خَلادُ بْنُ أَسْلَمَ، حَدَّثَنا الحكم بْن عَبد اللَّهِ أَبُو مطيع البلخي، حَدَّثَنا هِشَامٌ الدُّسْتُوَائِيُّ، عَنْ يَحْيى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ عَمْرو بْنِ شُعَيب، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَال: قَال رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لأَصْحَابِهِ: «هَلْ تقرؤون خَلْفِيَ الْقُرْآنَ فِي الصَّلاةِ». قَالُوا نعم بهذه هَذًّا قَالَ: «فَلا تَفْعَلُوا إِلَّا بِأُمِ الْقُرْآنِ».
قلت: البلخي واهٍ قَالَ فيه ابن معين ليس بشيء.
ورواه الطبراني في [مسند الشاميين] (٢٠٩٩، ٣٥٦٨) مِنْ طَرِيقِ مَسْلَمَةَ بْنِ عُلَيٍّ، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ، عَنْ مَكْحُولٍ، عَنْ رَجَاءِ بْنِ حَيْوَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، قَالَ: صَلَّيْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ: «"هَلْ تَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ مَعِي إِذَا كُنْتُمْ مَعِي فِي الصَّلاةِ". قُلْنَا: نَعَمْ. قَالَ: "فَلا تَفْعَلُوا إِلَّا بِأُمِّ الْقُرْآنِ"».
قلت: مسلمة بن علي متروك الحديث.
وقد خالف فيه مسلمةُ الحارثَ بن عطية.
فرواه الطبراني في [مسند الشاميين] (٢١٠١) مِنْ طَرِيقِ الْحَارِثِ بْنِ عَطِيَّةَ، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ، عَنْ جِسْرِ بْنِ الْحَسَنِ، عَنْ رَجَاءِ بْنِ حَيْوَةَ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ،
стр. 1816
قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «تَقْرَءُونَ إِذَا كُنْتُمْ مَعِي فِي الصَّلَاةِ؟». قَالُوا: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: «فَلَا تَفْعَلُوا إِلَّا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ».
والحارث هذا ثقة وحديثه هو المعروف.
وجسر بن الحسن واهي الحديث.
الدليل الرابع: ما رواه البخاري في [جزء القراءة خلف الإمام] (٢٤٩)، وأبو يعلى في [مسنده] (٢٨٠٥)، والطبراني في [الأوسط] (٢٦٨٠)، والدارقطني (١٣٠٣)، وابن حبان (١٨٤٤، ١٨٥٢) والبيهقي في [الكبرى] (٢٧٥٠) كلهم مِنْ طَرِيقِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو الرَّقِّيُّ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلَّى بِأَصْحَابِهِ، فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ أَقْبَلَ عَلَيْهِمْ بِوَجْهِهِ فَقَالَ: «أَتَقْرَءُونَ فِي صَلَاتِكُمْ خَلْفَ الْإِمَامِ وَالْإِمَامُ يَقْرَأُ؟». فَسَكَتُوا، فَقَالَهَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَقَالَ قَائِلٌ - أَوْ قَالَ قَائِلُونَ - إِنَّا لَنَفْعَلُ، قَالَ: «فَلَا تَفْعَلُوا لِيَقْرَأْ أَحَدُكُمْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ فِي نَفْسِهِ».
قلت: وقد سبق تعليل الحافظ الدارقطني له وأنَّ الصحيح فيه الإرسال. وسبق ذلك في الدليل الثاني.
الدليل الخامس: ما رواه الدارقطني في [سننه] (١٢٨٧) حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ الدَّقَّاقُ، ثنا عِيسَى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الطَّيَالِسِيُّ زَغَاثٌ، ثنا يَزِيدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ جَنْزَةَ الْمَدَايِنِيُّ، ثنا الرَّبِيعُ بْنُ بَدْرٍ، عَنْ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيِّ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ،
стр. 1817
قَالَ: صَلَّى لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ، فَقَالَ: «أَتَقْرَءُونَ خَلْفَ الْإِمَامِ؟»، فَقُلْنَا: إِنَّ فِينَا مَنْ يَقْرَأُ، قَالَ: «فَبِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ».
الرَّبِيعُ بْنُ بَدْرٍ ضَعِيفٌ، كَذَا رَوَاهُ الرَّبِيعُ بْنُ بَدْرٍ. وَخَالَفَهُ سَلَّامٌ أَبُو الْمُنْذِرِ رَوَاهُ عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَلَا يُثْبَتُ. وَخَالَفَهُمَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو الرَّقِّيُّ وَرَوَاهُ عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . وَرَوَاهُ ابْنُ عُلَيَّةَ وَغَيْرُهُ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ مُرْسَلًا. وَرَوَاهُ خَالِدٌ الْحَذَّاءُ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي عَائِشَةَ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ اهـ.
قلت: هذا حديث واهٍ الربيع بن بدر متروك الحديث.
الدليل السادس: ما رواه أحمد في (٢٢٦٧٨) حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَخْبَرَنَا سلَيْمَانُ يَعْنِي التَّيْمِيَّ قَالَ: حُدِّثْتُ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «تَقْرَءُونَ خَلْفِي؟». قَالُوا: نَعَمْ. قَالَ: «فَلَا تَفْعَلُوا إِلَّا بِأُمِّ الْكِتَابِ».
قلت: هذا حديث ضعيف فيه من لم يسم بين سليمان، وعبد الله بن أبي قتادة.
وفي الباب بعض الآثار عن الصحابة منها:
أثر عمر بن الخطاب ﵁.
стр. 1818
رواه الدارقطني (١٢١١، ١٢١٠)، والحكم في [المستدرك] (٨٧٣)، والبيهقي في [الكبرى] (١٧٥٦)، وفي [جزء القراءة] (١٥٧)، وفي [المعرفة] (٩٦٦) مِنْ طَرِيقِ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ، وَأَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ، أَنْبَأَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، ثنا أَبُو كُرَيْبٍ، ثنا حَفْصٌ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الشَّيْبَانِيِّ، عَنْ جَوَّابٍ التَّيْمِيِّ، وَإِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْتَشِرِ، عَنِ الْحَارِثِ بْنِ سُوَيْدٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ شَرِيكٍ، أَنَّهُ سَأَلَ عُمَرَ عَنِ الْقِرَاءَةِ خَلْفَ الْإِمَامِ، فَقَالَ: «اقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ»، قُلْتُ: وَإِنْ كُنْتَ أَنْتَ؟ قَالَ: «وَإِنْ كُنْتُ أَنَا»، قُلْتُ: وَإِنْ جَهَرْتَ؟ قَالَ: «وَإِنْ جَهَرْتُ».
قلت: هذا أثر صحيح.
وقد أورد الحافظ البيهقي ﵀ عدة آثار في جزء القراءة لكن منها ما لا يثبت ومنها ما ليس بصريح في الصلاة الجهرية.
وذهب جمهور العلماء إلى عدم القراءة خلف الإمام حال جهر الإمام بالقراءة واحتجوا لما ذهبوا إليه بعدة حجج منها:
الحجة الأولى: قول الله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾
قَالَ شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كما في [مجموع الفتاوى] (٢٣/ ٢٦٩):
стр. 1819
«وقد استفاض عن السلف أنَّها نزلت في القراءة في الصلاة وقَالَ بعضهم في الخطبة وذكر أحمد بن حنبل الإجماع على أنَّها نزلت في ذلك وذكر الإجماع على أنَّه لا تجب القراءة على المأموم حال الجهر» اهـ.
الحجة الثانية: قول النبي ﷺ : «مَنْ كَانَ لَهُ إِمَامٌ، فَإِنَّ قِرَاءَةَ الإِمَامِ لَهُ قِرَاءَةٌ».
وقد جاء عن جمع من الصحابة منهم:
جابر بن عبد الله.
أخرج حديثه الدارقطني (١٢٣٣، ١٢٣٤)، والطحاوي في [شرح معاني الآثار] (١٢٩٤) مِنْ طَرِيقِ أبي حنيفة عن موسى بن أبي عائشة عن عبد الله بن شداد عن جابر. فذكره.
قلت: هذا حديث ضعيف من أجل أبي حنيفة وهو النعمان بن ثابت الفقيه المشهور فهو مع فقه فقد كان ضعيفاً في الحديث والصحيح في هذا الحديث الإرسال.
قَالَ الحافظ ابن أبي حاتم ﵀ في [العلل] (١/ ١٠٤):
«قَالَ أبي: ولا يختلف أهل العلم أنَّ من قَالَ: موسى بن أبي عائشة، عن جابر، أنَّه قد أخطأ.
قَالَ أبو محمد: قلت: الذي قَالَ: عن موسى بن أبي عائشة، عن جابر، فأخطأ، هو النعمان بن ثابت؟
стр. 1820
قَالَ: نعم» اهـ.
وقَالَ الحافظ الدارقطني ﵀ بعد روايته للحديث: «لم يسنده عن موسى بن أبي عائشة غير أبي حنيفة والحسن بن عمارة وهما ضعيفان».
وقَالَ ﵀ (٢/ ١١١):
«وروى هذا الحديث سفيان الثوري وشعبة وإسرائيل بن يونس وشريك وأبو خالد الدالاني وأبو الأحوص وسفيان بن عيينة وجرير بن عبد الحميد وغيرهم عن موسى بن أبي عائشة عن عبد الله بن شداد مرسلاً عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وهو الصواب» اهـ.
ورواه ابن أبي شيبة في [مصنفه] (٣٨٠٠) حَدَّثَنَا شَرِيكٌ، وَجَرِيرٌ، عَنْ مُوسَى بْنِ أَبِي عَائِشَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ شَدَّادٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ :
«مَنْ كَانَ لَهُ إمَامٌ، فَقِرَاءَتُهُ لَهُ قِرَاءَةٌ».
ورواه عبد الرزاق في [مصنفه] (٢٧٩٧) عن الثوري عن موسى بن أبي عائشة عن عبد الله بن شداد بن الهاد به.
ولحديث جابر طريق أخرى رواها ابن الأعرابي [معجمه] (١٧١٠)، والدارقطني (١٢٥٣)، والبيهقي (٣٠١٣) مِنْ طَرِيقِ الْحَسَنِ بْنِ صَالِحٍ عَنْ لَيْثِ بْنِ أَبِي سُلَيْمٍ وَجَابِرٍ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَنْ كَانَ لَهُ إِمَامٌ فَقِرَاءَهُ الإِمَامْ لَهُ قِرَاءَةٌ».
стр. 1821
وهو عند ابن ماجه (٨٥٠) عن الحسن بن صالح، عن جابر، عن أبي الزبير، عن جابر.
وقَالَ الدارقطني ﵀: «جَابِرٌ وَلَيْثٌ ضَعِيفَانِ» اهـ.
وقَالَ الحافظ البيهقي ﵀ بعد روايته للحديث: «وَكُلُّ مَنْ تَابَعَهُمَا عَلَى ذَلِكَ أَضْعَفُ مِنْهُمَا أَوْ مِنْ أَحَدِهِمَا» اهـ.
قلت: جابر هو ابن يزيد الجعفي متروك الحديث وقد كذبه ابن معين وغيره لكنه هاهنا متابع تابعه ليث بن أبي سليم، وأبو الزبير مدلس وقد عنعن.
ورواه أحمد (١٤٦٨٤) ثنا أسود بن عامر أنا حسن بن صالح عن أبي الزبير عن جابر.
قلت: بين حسن بن صالح وأبي الزبير جابر الجعفي وليث بن أبي سليم كما سبق.
ورواه الدارقطني أيضاً (١٥٠١) مِنْ طَرِيقِ سَهْلِ بْنِ الْعَبَّاسِ التِّرْمِذِيُّ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ صَلَّى خَلْفَ الإِمَامِ فَقِرَاءَةُ الإِمَامِ لَهُ قِرَاءَةٌ».
وقَالَ ﵀: «هَذَا حَدِيثٌ مُنْكَرٌ، وَسَهْلُ بْنُ الْعَبَّاسِ مَتْرُوكٌ» اهـ.
ورواه البيهقي في [القراءة خلف الإمام] (٣٠٤) أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ، قَالَ: قَالَ لِي أَبُو سَعْدٍ نا أَبُو الْفَضْلِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ السَّخْتِيَانِيُّ ثنا أَبُو إِسْحَاقَ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْمَالِينِيُّ نا مُحَمَّدُ بْنُ أَشْرَسَ، نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، عَنِ ابْنِ لُهَيْعَةَ، عَنْ
стр. 1822
أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ كَانَ لَهُ إِمَامٌ فَقِرَاءَةُ الْإِمَامِ لَهُ قِرَاءَةٌ». كَذَا وَجَدْتُهُ فِي كِتَابِ التَّلْخِيصِ وَأَخْبَرَنَاهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ، فِي التَّارِيخِ حدَّثَنِي أَبُو النَّضْرِ الْأَنْمَاطِيُّ، وَهُوَ ابْنَ بِنْتِ أَبِي يَحْيَى الْبَزَّازِ نا أَبُو إِسْحَاقَ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْمَنَادِيلِيُّ نا مُحَمَّدُ بْنُ أَشْرَسَ، نا بِشْرُ بْنُ الْقَاسِمِ، نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ لُهَيْعَةَ، فَذَكَرَهُ قَالَ لَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: قُلْتُ لَهُ: مَنْ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ؟ فَأَثْنَى عَلَيْهِ، قُلْتُ: فَمَنِ الْمَالِينِيُّ الطَّيْرُ الَّذِي رَوَاهُ عَنْهُ قَالَ: لَا يُعْرَفُ قُلْتُ: فَمُحَمَّدُ بْنُ أَشْرَسَ أَعْرِفُهُ أَنَا حقَّ الْمَعْرِفَةِ هُوَ مَتْرُوكُ الْحَدِيثِ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدَ بْنَ يَعْقُوبَ الْحَافِظُ وَسُئِلَ عَنْ حَدِيثٍ لِابْنِ أَشْرَسَ فَقَالَ: لَا تَحِلُّ الرِّوَايَةُ عَنْهُ وَرَوَى بِإِسْنَادٍ مُظْلِمٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ رُسْتُمَ عَنْ أَبِي عِصْمَةَ نُوحِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ عَنِ الْفَضْلِ بْنِ عَطِيَّةُ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ رُسْتُمَ وَنُوحُ بْنَ أَبِي مَرْيَمَ لَهُمَا مِنَ الْإِفْرَادِ وَالْمُنْكَرَاتِ مَا يُوجِبُ تَرْكَ الِاحْتِجَاجِ بِرِوَايَتِهِمَا كَيْفَ وَفِي صِحَّة هَذِهِ الرِّوَايَةِ عَنْهُمَا مَقَالٌ لِجَهَالَةِ الرَّاوِي عَنْ إِبْرَاهِيمَ وَكَانَ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ يَقُولُ: هَذَا الْحَدِيثُ دَيْنٌ فَانْظُرُوا عَنْ مِنْ تَأْخُذُونَ دِينَكُمْ اهـ.
ورواه أيضاً في [القراءة خلف الإمام] (٣٠٨) أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ، حدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ الْفَقِيهُ، ثنا أَبُو مُحَمَّدٍ الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ جَابِرٍ، ثنا أَبُو عِصْمَةَ عَاصِمِ بْنِ عِصَامٍ خَزَّانَ ثنا يَحْيَى بْنُ نَصْرِ بْنِ حَاجِبٍ، نا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، عَنْ وَهْبِ بْنِ كَيْسَانَ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ
стр. 1823
كَانَ لَهُ إِمَامٌ فَقِرَاءَةُ الْإِمَامِ لَهُ قِرَاءَةٌ». قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: يَحْيَى بْنُ نَصْرِ بْنِ حَاجِبٍ غَيْرُ مُسْتَنْكَرٍ مِنْهُ مِثْلَ هَذِهِ الرِّوَايَةِ، فَقَدْ رَوَى عَنْ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ مِنَ الْأَئِمَّةِ مَا لَمْ يُتَابَعْ.
قَاَلَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ﵀: خَلَطَ يَحْيَى بْنُ نَصْرٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ وَجْهَيْنِ أَحَدهُمَا فِي رَفْعِهِ وَالْآخَرُ فِي تَغْيِيرِ لَفْظِهِ، وَلَهُ مِنْ ذَلِكَ أَخَوَاتٌ كَثِيرَةٌ، وَلِأَجْلِ ذَلِكَ سَقَطَ عَنْ حدِّ الِاحْتِجَاجِ بِرِوَايَاتِهِ وَرُوِيَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ مَرْفُوعًا لَا يَحِلُّ الِاحْتِجَاجُ بِمِثْلِ ذَلِكَ الْإِسْنَادِ اهـ.
قلت: يحيى بن نصر بن حاجب قَالَ فيه أبو زرعة ليس بشيء، وقَالَ العقيلي: منكر الحديث.
وجاء أيضاً من حديث عبد الله بن عمر.
رواه الدارقطني (١٢٣٨) حَدَّثَنَا ابْنُ مَخْلَدٍ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ هِشَامِ بْنِ الْبَخْتَرِيِّ، ثنا سُلَيْمَانُ بْنُ الْفَضْلِ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ بْنِ عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ كَانَ لَهُ إِمَامٌ فَقِرَاءَتُهُ لَهُ قِرَاءَةٌ».
وقَالَ ﵀: «مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ مَتْرُوكٌ».
ورواه (١٥٠٢) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَخْلَدٍ، ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ سَلْمَانَ الْمَرْوَزِيُّ، نا أَحْمَدُ بْنُ سَيَّارٍ الْمَرْوَزِيُّ، ثنا عَبْدَانَ، عَنْ خَارِجَةَ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ،
стр. 1824
قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ صَلَّى خَلْفَ الْإِمَامِ فَإِنَّ قِرَاءَةَ الْإِمَامِ لَهُ قِرَاءَةٌ».
وقَالَ ﵀: رَفْعُهُ وَهْمٌ وَالصَّوَابُ عَنْ أَيُّوبَ، وَعَنِ ابْنِ عُلَيَّةَ أَيْضًا مَا حَدَثْنَا بِهِ مُحَمَّدُ بْنُ مَخْلَدٍ، ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، حَدَّثَنِي أَبِي، ثنا إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ، ثنا أَيُّوبُ، عَنْ نَافِعٍ، وَأَنَسِ بْنِ سِيرِينَ، أَنَّهُمَا حُدِّثَا عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّهُ قَالَ فِي الْقِرَاءَةِ خَلْفَ الْإِمَامِ: «تَكْفِيكَ قِرَاءَةُ الْإِمَامِ» اهـ.
وروى البيهقي في [القراءة خلف الإمام] (٣٤٢) أَخْبَرَنَاهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ، أَخْبَرَنِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْهَرَوِيُّ، ثنا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ ثنا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ التَّمِيمِيُّ نا سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ أَبُو مُحَمَّدٍ، حِفْظًا نا عَلِي بْنَ مُسْهِرٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ كَانَ لَهُ إِمَامٌ فَقِرَاءَةُ الْإِمَامِ لَهُ قِرَاءَةٌ» أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ الْهَرَوِيَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ الْمُنْكَدِرِيَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ التَّمِيمِيَّ يَقُولُ هَذَا: أَسْتَخِيرُ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ أَضْرِبَ عَلَى حَدِيثِ سُوَيْدٍ كُلِّهِ مِنْ أَجْلِ هَذَا الْحَدِيثِ الْوَاحِدِ فِي الْقِرَاءَةِ خَلْفَ الْإِمَامِ قَاَلَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ﵀: سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ تَغَيَّرَ فِي آخِرِ عُمُرِهِ وَكَثُرَتِ الْمَنَاكِيرُ فِي حَدِيثِهِ، وَهَذَا الْحَدِيثُ عَنْ أَصْحَابِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ مَوْقُوفٌ غَيْرُ مَرْفُوعٍ.
قلت: ثم روى الموقوف فقَالَ: (٣٤٣) خْبَرَنَاهُ أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ بِشْرَانَ، أنا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدٍ الصَّفَّارُ، ح وَأَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ، نا أَبُو الْعَبَّاسِ الْأَصَمُّ، قَالَا: ثنا
стр. 1825
الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عَفَّانَ، نا ابْنُ نُمَيْرٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: «مَنْ صَلَّى وَرَاءَ الْإِمَامِ كَفَاهُ قِرَاءَةُ الْإِمَامِ».
وروى البيهقي في [القراءة خلف الإمام] (٣٤٥) أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ، فِي التَّارِيخِ أنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ الرَّحِيمِ، فِيمَا عَرَضْنَاهُ عَلَيْهِ مِنْ أَصْلِ كِتَابِهِ أَنَّ جَعْفَرَ بْنَ سَهْلٍ الْمُذَكِّرَ حدَّثَهُمْ نا عُثْمَانُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْقُرَشِيُّ نا مَالِكُ بْنُ أَنَسً عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ صَلَّى وَرَاءَ إِمَامٍ فَإِنَّ قِرَاءَةَ الْإِمَامِ لَهُ قِرَاءَةٌ» قَالَ: لَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: عُثْمَانُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ هَذَا الَّذِي زَعَمَ أَنَّهُ قُرَشِيٌّ كَذَّابٌ وَقِحٌ ظَاهَرُ الْكَذِبِ وَقَدِمَ خُرَاسَانَ فَحدَّثَ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ وَاللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ وَابْنِ لُهَيْعَةَ وَحَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، وَحَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ وَغَيْرِهِمْ بِأَحَادِيثَ أَكْثَرِهَا مَوْضُوعَةٌ وَذَكَرَ شَيْخُنَا عِدَّةُ أَحَادِيثَ مِنْ وَضْعِهِ وَنَسَبَ جَعْفَرَ بْنَ سَهْلٍ هَذَا أَيْضًا إِلَى الْكَذِبِ، وَذَلِكَ بَيِّنٌ لِمَنْ تَأْمُلَ رِوَايَتَهُ وَعُثْمَانُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ هَذَا ذَكَرَهُ أَبُو أَحْمَدَ بْنُ عَدِيٍّ الْحَافِظُ فِي عِدَادِ مَنْ يضَعُ الْحَدِيثَ نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الْخِذْلَانِ وَالْحَدِيثُ فِي الْمُوَطَّأِ مَوْقُوفٌ فِي بَابِ تَرْكِ الْقِرَاءَةِ خَلْفَ الْإِمَامِ فِيمَا يَجْهَرُ اهـ.
قلت: ثم روى الموقوف (٣٤٦) مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، «كَانَ إِذَا سُئِلَ: هَلْ يَقْرَأُ أَحَدٌ خَلْفَ الْإِمَامِ؟ يَقُولُ: إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ خَلْفَ الْإِمَامِ فَحَسْبُهُ قِرَاءَةُ الْإِمَامِ، وَإِذَا صَلَّى وَحْدَهُ فَلْيَقْرَأْ».
следующие страницы →