Полный текст (8 095 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
قال: وقال ابن أبي حاتمٍ: سمعت أبي يقول: تدبرت الأحاديث التي رويت في إستقبال النبي ﷺ الناس بوجهه، فوجدت انحرافه عن يمينه أثبت.
وقال ابن بطة من أصحابنا: يجلس عن يسرة القبلة.
ونقل حربٌ، عن إسحاق، أنَّه كان يخير في ذلك كالانصراف.
وللشافعية وجهان: أحدهما: التخيير كقول إسحاق. والثاني: أن الانفتال عن يمينه أفضل.
ثم لهم في كيفيته وجهان:
أحدهما - وحكوه عن أبي حنيفة -: أنَّه يدخل يمينه في المحراب ويساره إلى
الناس، ويجلس على يمين المحراب.
والثاني - وهو أصح عند البغوي وغيره -: بالعكس» اهـ.
قلت: ما ذكره البغوي هو الأظهر.
ويدخل في الحديث التيامن في حلق الرأس.
فقد روى مسلم (١٣٠٥) عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَتَى مِنًى فَأَتَى الْجَمْرَةَ فَرَمَاهَا ثُمَّ أَتَى مَنْزِلَهُ بِمِنًى وَنَحَرَ ثُمَّ قَالَ لِلْحَلَّاقِ خُذْ وَأَشَارَ إِلَى جَانِبِهِ الْأَيْمَنِ ثُمَّ الْأَيْسَرِ ثُمَّ جَعَلَ يُعْطِيهِ النَّاسَ».
قلت: المسائل التي يدخل في الحديث كثيرة جداً يعسر احصاؤها.
* * *
стр. 212
قال المؤلف رحمه الله تعالى:
١٠ - عَنْ نُعَيْمٍ الْمُجْمِرِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «إنَّ أُمَّتِي يُدْعَوْنَ يَوْمَ القِيَامَةِ غُرّاً مُحَجَّلِينَ مِنْ آثَارِ الْوُضُوءِ فَمَنْ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يُطِيلَ غُرَّتَهُ فَلْيَفْعَلْ».
فِي لَفْظٍ لِمُسْلِمٍ: «رَأَيْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَتَوَضَّأُ، فَغَسَلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ حَتَّى كَادَ يَبْلُغُ الْمَنْكِبَيْنِ، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ حَتَّى رَفَعَ إلَى السَّاقَيْنِ، ثُمَّ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "إنَّ أُمَّتِي يُدْعَوْنَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ غُرَّاً مُحَجَّلِينَ مِنْ آثَارِ الْوُضُوءِ فَمَنْ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يُطِيلَ غُرَّتَهُ وَتَحْجِيلَهُ فَلْيَفْعَلْ"».
وَفِي لَفْظٍ لِمُسْلِمٍ: سَمِعْتُ خَلِيلِي ﷺ يَقُولُ: «تَبْلُغُ الْحِلْيَةُ مِنْ الْمُؤْمِنِ حَيْثُ يَبْلُغُ الْوُضُوءُ».
قوله: «عَنْ نُعَيْمٍ الْمُجْمِرِ». قال الحافظ ابن حجر ﵀ في [الفتح] (١/ ٢٨٥):
«قوله: " عَنْ نُعَيْمٍ الْمُجْمِرِ " بضم الميم واسكان الجيم هو ابن عبد الله المدني، وصف هو وأبوه بذلك لكونهما كانا يبخران مسجد النبي ﷺ ، وزعم بعض العلماء أنَّ وصف عبد الله بذلك حقيقة، ووصف ابنه نعيم بذلك مجاز، وفيه نظر فقد جزم إبراهيم الحربي بأنَّ نعيماً كان يباشر ذلك» اهـ.
قوله: «إنَّ أُمَّتِي». قال الحافظ ابن حجر ﵀ في [الفتح] (١١/ ٤١١):
стр. 213
«فإنَّ أمته ﷺ على ثلاثة أقسام أحدها أخص من الآخر، أمَّة الإتباع، ثم أمة الإجابة، ثم أمَّة الدعوة، فالأولى أهل العمل الصالح، والثانية مطلق المسلمين، والثالثة من عداهم ممن بعث إليهم» اهـ.
قلت: استنكر الإمام أحمد إدخال اليهود والنصارى في أمة النبي ﷺ .
قال العلامة ابن القيم ﵀ في [بدائع الفوائد] (٤/ ٨٧٠):
«قال أبو طالب سألته عن اليهود والنصارى من أمة محمد: لا النبي يقول: "أمتى أمتى" يقع على اليهودي والنصاري» اهـ.
قلت: لعل مراد أحمد أنَّهم لا يدخلون في أمته عند الإضافة إليه، ويدخلون عند الإطلاق.
ومما يدل على دخولهم في أمته عند الإطلاق ما رواه مسلم (١٥٣) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَا يَسْمَعُ بِي أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ يَهُودِيٌّ وَلَا نَصْرَانِيٌّ ثُمَّ يَمُوتُ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَّا كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ».
وقوله: «يُدْعَوْنَ يَوْمَ القِيَامَةِ» أي ينادون يوم القيامة إلى موقف الحساب، أو إلى الحوض، أو إلى الميزان، أو إلى الصراط أو إلى الجنة حال كونهم «غُرَّاً مُحَجَّلِينَ».
وسميت القيامة قيامة لقيام الناس من قبورهم، أو لقيامهم لرب العالمين.
стр. 214
وقوله: «غُرَّاً مُحَجَّلِينَ» الغرة: أصلها بياض في وجه الفرس، والتحجيل: بياض يكون في ثلاث قوائم من قوائم الفرس، وأصله من الحِجل بكسر المهملة وهو الخلخال.
وفي هذا الحديث عدة مسائل:
١ - احتج به القائلون بكفر تارك الصلاة.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كما في [مجموع الفتاوى] (٧/ ٦١٢):
«وكذلك ثبت في الصحيح أنَّ النبي ﷺ يعرف أمته يوم القيامة غراً محجلين من آثار الوضوء، فدل على أنَّ من لم يكن غراً محجلاً لم يعرفه النبي ﷺ فلا يكون من أمته» اهـ.
٢ - واحتج به من قال من أهل العلم: إنَّ الوضوء من خصائص هذه الأمة.
قال الحافظ ابن عبد البر ﵀ في [التمهيد] (٢٠/ ٢٥٨): «وأمَّا قوله: "فإنَّهم يأتون يوم القيامة غراً محجلين من الوضوء"، ففيه دليل على أنَّ الأمم أتباع الأنبياء لا يتوضأون مثل وضوئنا على الوجه فاليدين فالرجلين لأنَّ الغرة في الوجه، والتحجيل في اليدين، والرجلين هذا ما لا مدفع فيه على هذا الحديث إلَّا أن يتأول متأول هذا الحديث أنَّ وضوء سائر الأمم لا يكسبها غرةً، ولا تحجيلاً، وأنَّ هذه الأمة بورك لها في وضوئها بما أعطيت من ذلك شرفاً دائماً ولنبيها ﷺ كسائر فضائلها على سائر الأمم، كما فضل نبيها بالمقام المحمود وغيره على سائر الأنبياء والله أعلم» اهـ.
وقال ﵀ (٢٠/ ٢٥٩ - ٢٦٠): «وقد قيل: إنَّ سائر الأمم كانوا يتوضوؤن والله أعلم، وهذا لا أعرفه من وجه صحيح، وأمَّا قوله صلى الله عليه
стр. 215
وسلم إذ توضأ ثلاثاً، ثلاثاً فقال: "هذا وضوئي ووضوء الأنبياء قبلي" فحديث ضعيف لا يجيئ من وجه صحيح، ولا يحتج بمثله، فكيف أن يتعارض به مثل هذا الحديث الذي قد روي من وجوه صحاح ثابتة من أحاديث الأئمة، وحديث: "هذا وضوئي ووضوء الأنبياء قبلي" فإنَّما يدور على زيد بن الحواري العمي والد عبد الرحيم بن زيد، وهو انفرد به، وهو ضعيف ليس بثقة، ولا ممن يحتج به، وقد اختلف عليه فيه أيضاً، فرواه عبد الله بن عرابة عن زيد بن الحواري العمي عن معاوية بن قرة عن عبيد بن عمير عن أبي بن كعب عن النبي ﷺ ، ورواه عبد الله بن عبد الوهاب الحجبي عن عبد الرحيم بن زيد عن أبيه عن معاوية بن قرة عن ابن عمر. وهو حديث لا أصل له، وعبد الرحيم، وأبوه زيد متروكان، والحديث حدثناه محمد بن خليفة قال: حدثنا محمد بن الحسين قال: حدثنا أبو بكر بن أبي داود قال: حدثنا أبو الطاهر أحمد بن عمرو بن السرح، ومحمد بن عبد الله بن عمرو الفربي قالا: حدثنا إسماعيل بن مسلمة بن قعنب قال: حدثنا عبد الله بن عرابة، عن زيد بن حواري، عن معاوية بن قرة، عن عبيد بن عمرو، عن أبي بن كعب أن رسول الله ﷺ توضأ فتوضأ مرة مرة، ثم قال: "هذا وظيفة الوضوء الذي لا يقبل الله صلاة إلَّا به" ثم توضأ مرتين مرتين، فقال: "هذا وضوئي ووضوء الأنبياء من قبلي".
وحدثنا عبد الرحمن بن يحيى قال: حدثنا أحمد بن محمد بكير الحداد قال: حدثنا إبراهيم بن عبد الله الكشي قال: حدثنا عبد الله بن عبد الوهاب قال: حدثني عبد الرحيم بن زيد العمي، عن أبيه عن معاوية بن قرة، عن ابن عمر قال: توضأ
стр. 216
رسول الله ﷺ مرة مرة، وقال: "هذا وظيفة الوضوء الذي لا يقبل الله صلاة إلاَّ به"، ثم توضأ مرتين مرتين، وقال: "هذا الفضل من الوضوء ويضعف الله الأجر لصاحبه مرتين"، ثم توضأ ثلاثاً، ثلاثاً، ثم قال: "هذا وضوئي ووضوء خليل الله إبراهيم ووضوء الأنبياء من قبلي ومن قال بعد فراغه أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير فتح الله له من الجنة ثمانية أبواب"
هذا كله منكر في الإسناد، والمتن، وقد ثبت عن النبي ﷺ أنَّه كان يتوضأ مرة مرة، رواه ابن عباس، وغيره من حديث الثقات، وأجمعت الأمة أنَّ من توضأ مرة واحدة سابغة أجزأه، وكيف كان رسول الله ﷺ يتوضأ مرة مرة، فيرغب بنفسه عن الفضل الذي قد ندب غيره إليه، أو كيف كان يتوضأ مرة، أو مرتين ويقصر عن ثلاث إذا كانت الثلاث وضوء إبراهيم ﷺ وقد أمر أن يتبع ملة إبراهيم حنيفاً، وليس يشتغل أهل العلم بالنقل بمثل حديث عبد الرحيم بن زيد العمي، وأبيه، وقد أجمعوا على تركهما» اهـ.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كما في [مجموع الفتاوى] (٢٣/ ١٦٧ - ١٦٨): «وأيضاً فقد أخبر الله عن الأنبياء بالسجود المجرد في مثل قوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا (٥٨)﴾ [مريم: ٥٨]، ولم يكونوا مأمورين بالوضوء، فإنَّ الوضوء من خصائص أمة
стр. 217
محمد، كما جاءت الأحاديث الصحيحة أنَّهم يبعثون يوم القيام غراً محجلين من آثار الوضوء، وأنَّ الرسول يعرفهم بهذه السيماء، فدل على أنَّه لا يشركهم فيها غيرهم، والحديث الذي رواه ابن ماجه، وغيره: أنَّه توضأ مرة، مرة، ومرتين، مرتين، وثلاثاً، ثلاثاً، وقال: "هذا وضوئي، ووضوء الأنبياء قبلي". حديث ضعيف عند أهل العلم بالحديث لا يجوز الاحتجاج بمثله، وليس عند أهل الكتاب خبر عن أحد من الأنبياء أنَّه كان يتوضأ وضوء المسلمين، بخلاف الاغتسال من الجنابة، فإنَّه كان مشروعاً، ولكن لم يكن لهم تيمم إذا عدموا الماء، وهذه الأمة مما فضلت به التيمم مع الجنابة والحدث الأصغر، والوضوء» اهـ.
قلت: وقد اعترض على هذا القول الحافظ ابن حجر ﵀ في [الفتح] (١/ ٢٨٥) فقال:
«واستدل الحليمي بهذا الحديث على أنَّ الوضوء من خصائص هذه الأمة، وفيه نظر لأنَّه ثبت عند المصنف في قصة سارة ﵂ مع الملك الذي أعطاها هاجر أنَّ سارة لما هم الملك بالدنو منها قامت تتوضأ وتصلي، وفي قصة جريج الراهب أيضاً أنَّه قام فتوضأ وصلى، ثم كلم الغلام، فالظاهر أنَّ الذي اختصت به هذه الأمة هو الغرة والتحجيل لا أصل الوضوء، وقد صرح بذلك في رواية لمسلم عن أبي هريرة أيضاً مرفوعاً قال: "سيما ليست لأحد غيركم"، وله من حديث حذيفة نحوه، وسيما بكسر المهملة وإسكان الياء الأخيرة أي: علامة» اهـ.
قلت: وهذا الذي ذهب إليه الحافظ ﵀ ظاهر في القوة والرجحان والله أعلم.
стр. 218
وحديث السيما رواه مسلم (٢٤٧) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «"إِنَّ حَوْضِي أَبْعَدُ مِنْ أَيْلَةَ مِنْ عَدَنٍ لَهُوَ أَشَدُّ بَيَاضًا مِنْ الثَّلْجِ وَأَحْلَى مِنْ الْعَسَلِ بِاللَّبَنِ وَلَآنِيَتُهُ أَكْثَرُ مِنْ عَدَدِ النُّجُومِ وَإِنِّي لَأَصُدُّ النَّاسَ عَنْهُ كَمَا يَصُدُّ الرَّجُلُ إِبِلَ النَّاسِ عَنْ حَوْضِهِ" قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَتَعْرِفُنَا يَوْمَئِذٍ. قَالَ: "نَعَمْ لَكُمْ سِيمَا لَيْسَتْ لِأَحَدٍ مِنْ الْأُمَمِ تَرِدُونَ عَلَيَّ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنْ أَثَرِ الْوُضُوءِ"».
ورواه مسلم (٢٤٨) عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ :
«"إِنَّ حَوْضِي لَأَبْعَدُ مِنْ أَيْلَةَ مِنْ عَدَنٍ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنِّي لَأَذُودُ عَنْهُ الرِّجَالَ كَمَا يَذُودُ الرَّجُلُ الْإِبِلَ الْغَرِيبَةَ عَنْ حَوْضِهِ" قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَتَعْرِفُنَا. قَالَ: "نَعَمْ تَرِدُونَ عَلَيَّ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنْ آثَارِ الْوُضُوءِ لَيْسَتْ لِأَحَدٍ غَيْرِكُمْ"».
وحديث سارة رواه البخاري (٢٢١٧) من حديث أبي هريرة ولفظه في محل الشاهد منه: «فَقَامَتْ تَوَضَّأُ وَتُصَلِّي فَقَالَتِ اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتُ آمَنْتُ بِكَ وَبِرَسُولِكَ وَأَحْصَنْتُ فَرْجِي إِلاَّ عَلَى زَوْجِي فَلَا تُسَلِّطْ عَلَيَّ الْكَافِرَ».
وحديث جريج رواه البخاري (٢٤٨٢)، ومسلم (٢٥٥٠) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «كَانَ رَجُلٌ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ يُقَالُ لَهُ جُرَيْجٌ يُصَلِّي فَجَاءَتْهُ أُمُّهُ فَدَعَتْهُ فَأَبَى أَنْ يُجِيبَهَا فَقَالَ أُجِيبُهَا، أَوْ أُصَلِّي ثُمَّ أَتَتْهُ فَقَالَتِ: اللَّهُمَّ لَا تُمِتْهُ حَتَّى تُرِيَهُ الْمُومِسَاتِ، وَكَانَ جُرَيْجٌ فِي صَوْمَعَتِهِ فَقَالَتِ امْرَأَةٌ: لأَفْتِنَنَّ جُرَيْجًا فَتَعَرَّضَتْ لَهُ فَكَلَّمَتْهُ فَأَبَى فَأَتَتْ رَاعِيًا فَأَمْكَنَتْهُ مِنْ نَفْسِهَا فَوَلَدَتْ غُلَامًا فَقَالَتْ هُوَ مِنْ جُرَيْجٍ فَأَتَوْهُ وَكَسَرُوا صَوْمَعَتَهُ فَأَنْزَلُوهُ وَسَبُّوهُ فَتَوَضَّأَ وَصَلَّى ثُمَّ أَتَى الْغُلَامَ فَقَالَ مَنْ أَبُوكَ يَا غُلَامُ قَالَ الرَّاعِي قَالُوا نَبْنِي صَوْمَعَتَكَ مِنْ ذَهَبٍ قَالَ: لَاَ، إِلَّا مِنْ طِينٍ».
стр. 219
٣ - واحتج بقوله: «فَمَنْ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يُطِيلَ غُرَّتَهُ وَتَحْجِيلَهُ فَلْيَفْعَلْ» من قال باستحباب تطويل الغرة والتحجيل. وقد جاء في رواية عند مسلم (٥٧٨):
«فَمَنْ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ فَلْيُطِلْ غُرَّتَهُ وَتَحْجِيلَهُ».
قال العلامة النووي ﵀ في [شرح مسلم] (٣/ ١٢٧ - ١٢٨): «أمَّا تطويل الغرة، فقال أصحابنا: هو غسل شيء من مقدم الرأس، وما يجاوز الوجه زائداً على الجزء الذي يجب غسله لاستيقان كمال الوجه.
وأمَّا تطويل التحجيل: فهو غسل ما فوق المرفقين والكعبين، وهذا مستحب بلا خلاف بين أصحابنا، واختلفوا في قدر المستحب على أوجه:
أحدها: أنَّه يستحب الزيادة فوق المرفقين والكعبين من غير توقيت.
والثاني: يستحب إلى نصف العضد والساق.
والثالث: يستحب إلى المنكبين والركبتين، وأحاديث الباب تقتضي هذا كله.
وأمَّا دعوى الإمام أبي الحسن بن بطال المالكي، والقاضي عياض اتفاق العلماء على أنَّه لا يستحب الزيادة فوق المرفق والكعب فباطلة، وكيف تصح دعواهما وقد ثبت فعل ذلك عن رسول الله ﷺ ، وأبي هريرة ﵁، وهو مذهبنا لا خلاف فيه عندنا كما ذكرناه، ولو خالف فيه مخالف كان محجوجاً بهذه السنن الصحيحة الصريحة» اهـ.
قلت: الصحيح عدم استحباب إطالة الغرة، والتحجيل، لعدم ثبوت ذلك عن رسول الله ﷺ ، ولم يذكر ذلك أحد ممن وصف وضوء النبي ﷺ ، وأمَّا قوله في الحديث: «فَمَنْ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يُطِيلَ غُرَّتَهُ
стр. 220
وَتَحْجِيلَهُ فَلْيَفْعَلْ» فمدرج من كلام أبي هريرة، وليس هو من كلام النبي ﷺ . وقد شك فيه نعيم نفسه.
فقد روى أحمد في [المسند] (٨٠٦١): حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ، حَدَّثَنَا فُلَيْحُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ نُعَيْمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ الْمُجْمِرِ، أَنَّهُ رَقِيَ إِلَى أَبِي هُرَيْرَةَ عَلَى ظَهْرِ الْمَسْجِدِ وَهُوَ يَتَوَضَّأُ، فَرَفَعَ فِي عَضُدَيْهِ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيَّ، فَقَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّ أُمَّتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمُ الْغُرُّ الْمُحَجَّلُونَ مِنْ آثَارِ الْوُضُوءِ، فَمَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يُطِيلَ غُرَّتَهُ، فَلْيَفْعَلْ»
فقال نعيم: لا أدري قوله: «مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يُطِيلَ غُرَّتَهُ، فَلْيَفْعَلْ» مِنْ قَوْلِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، أَوْ مِنْ قَوْلِ أَبِي هُرَيْرَةَ.
قال الحافظ ابن حجر ﵀ في [الفتح] (١/ ٢٨٦): «ثم أنَّ ظاهره أنَّه بقية الحديث، لكن رواه أحمد من طريق فليح عن نعيم، وفي آخره قال نعيم: لا أدري قوله: "من استطاع" الخ من قول النبي ﷺ ، أو من قول أبي هريرة، ولم أر هذه الجملة في رواية أحد ممن روى هذا الحديث من الصحابة وهم عشرة، ولا ممن رواه عن أبي هريرة غير رواية نعيم هذه والله أعلم».
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كما في [مجموع الفتاوى] (١/ ٢٧٩ - ٢٨٠):
«وكان أبو هريرة يغسل يديه إلى العضدين في الوضوء، ويقول: من استطاع أن يطيل غرته فليفعل، وروي عنه أنَّه كان يمسح عنقه، ويقول: هو موضع الغل، فإنَّ هذا، وإن استحبه طائفة من العلماء إتباعاً لهما فقد خالفهم في ذلك آخرون، وقالوا سائر الصحابة لم يكونوا يتوضؤون هكذا، والوضوء الثابت عنه الذي في
стр. 221
الصحيحين وغيرهما من غير وجه ليس فيه أخذ ماء جديد للأذنين، ولا غسل ما زاد على المرفقين والكعبين، ولا مسح العنق، ولا قال النبي ﷺ : من استطاع أن يطيل غرته فليفعل، بل هذا من كلام أبي هريرة جاء مدرجاً في بعض الأحاديث، وإنَّما قال النبي ﷺ : "إنكم تأتون يوم القيامة غراً محجلين من آثار الوضوء"، وكان يتوضأ حتى يشرع في العضد والساق، قال أبو هريرة: من استطاع أن يطيل غرته فليفعل، وظن من ظن أنَّ غسل العضد من إطالة الغرة، وهذا لا معنى له، فإنَّ الغرة في الوجه لا في اليد، والرجل، وإنَّما في اليد، والرجل الحجلة، والغرة لا يمكن إطالتها، فإن الوجه يغسل كله لا يغسل الرأس، ولا غرة في الرأس، والحجلة لا يستحب إطالتها وإطالتها مثلة» اهـ.
وقال العلامة ابن القيم ﵀ في [إغاثة اللهفان] (١/ ١٨١ - ١٨٢):
«وأمَّا فعل أبي هريرة ﵁ فهو شيء تأوله وخالفه فيه غيره، وكانوا ينكرونه عليه، وهذه المسألة تلقب بمسألة إطالة الغرة، وإن كانت الغرة في الوجه خاصة.
وقد اختلف الفقهاء في ذلك وفيها روايتان عن الإمام أحمد
إحداهما: يستحب إطالتها، وبها قال أبو حنيفة، والشافعي، واختارها أبو البركات ابن تيمية وغيره.
والثانية: لا يستحب، وهي مذهب مالك، وهي اختيار شيخنا أبي العباس.
فالمستحبون يحتجون بحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: "أنتم الغر المحجلون يوم القيامة من أثر الوضوء،
стр. 222
فمن استطاع منكم فليطل غرته وتحجيله" متفق عليه، ولأنَّ الحلية تبلغ من المؤمن حيث يبلغ الوضوء.
قال النافون للاستحباب: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: "إنَّ الله حد حدوداً فلا تعتدوها" والله سبحانه قد حد المرفقين، والكعبين فلا ينبغي تعديهما، ولأنَّ رسول الله ﷺ لم ينقل من نقل عنه وضوءه أنَّه تعداها، ولأنَّ ذلك أصل الوسواس، ومادته، ولأنَّ فاعله إنَّما يفعله قربة وعبادة، والعبادات مبناها على الاتباع، ولأنَّ ذلك ذريعة إلى الغسل إلى الفخذ، وإلى الكتف، وهذا مما يعلم أنَّ النبي ﷺ وأصحابه لم يفعلوه ولا مرة واحدة، ولأنَّ هذا من الغلو، وقد قال صلى الله تعالى عليه وسل: "إياكم والغلو في الدين" ولأنَّه تعمق وهو منهي عنه، ولأنَّه عضو من أعضاء الطهارة فكره مجاوزته كالوجه.
وأمَّا الحديث فراويه عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه نعيم المجمر، وقد قال: لا أدري قوله: "فمن استطاع منكم أن يطيل غرته فليفعل" من قول رسول الله ﷺ ، أو من قول أبي هريرة ﵁. روي ذلك عنه الإمام أحمد في المسند.
وأما حديث الحلية فالحلية المزينة ما كان في محله فإذا جاوز محله لم يكن زينة» اهـ.
قلت: وخلاصة القول في هذه اللفظة أنَّها ليست من كلام النبي ﷺ ، ويدل على ذلك عدة أمور منها:
стр. 223
١ - أنَّه لم يثبت عن النبي ﷺ أنَّه كان يطيل في غسل أعضاء الوضوء، وقد وصف وضوءه جماعة من الصحابة، ولم يذكروا في أحاديثهم إطالة أعضاء الوضوء، فلو كان مستحباً لبادر النبي ﷺ إلى فعله.
٢ - أنَّه لا يمكن إطالة الغرة، لأنَّها إذا أطيلت دخلت في الرأس، والرأس فرضه المسح لا الغسل، ولأنَّها إذا تجاوزت الجبهة إلى الرأس، فلا تسمى غرة، والتحجيل إن طال كان مثلة، وليس من الزينة. والنبي ﷺ لا يتكلم بما هو من قبيل الخطأ، فتبين أنَّ هذه اللفظة ليست من كلامه ﵊.
٣ - أنَّ نعيماً المجمر شك في هذه اللفظة هل هي من كلام النبي ﷺ ، أم من كلام أبي هريرة ﵁، كما سبق في رواية المسند، والأدلة تدل على أنَّها ليست من كلام النبي ﷺ .
٤ - إنَّ كل من روى الحديث عن أبي هريرة ﵁ لم يذكر في حديثه هذه اللفظة كأمثال
أبي حازم وحديثه في مسلم (٥٨٠)، وعبد الرحمن بن يعقوب، كما عند مسلم (٥٨٣)، وغيره.
٥ - أنَّ كل من روى هذا الحديث غير أبي هريرة لم يذكر في حديثه هذه اللفظة، وهم عشرة، كما ذكر ذلك الحافظ ابن حجر، كما تقدم، ومنهم حذيفة وحديثه في مسلم (٥٨٢)، وعبد الله بن بسر كما في [المختارة] (٩٦) للضياء، وابن عباس، كما في [مسند] أحمد (٢٥٤٦، ٢٦٩٢)، والطيالسي (٢٧١١)، أبي يعلى (٢٣٢٨)،
стр. 224
وأبو أمامة كما في [مسند] أحمد (٢٢٣١١)، وأبو سعيد الخدري، كما في [مسند الحارث- مع زوائد الهيثمي-] (٧٧)، وعبد الله بن سلام، كما في [مسند الشاميين] (٢٢٢٩) للطبراني.
стр. 225
باب دخول الخلاء والاستطابة.
قال المؤلف رحمه الله تعالى:
١١ - عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إذَا دَخَلَ الْخَلاءَ قَالَ: «اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ الْخُبُثِ وَالْخَبَائِثِ».
قوله: «إذَا دَخَلَ» أي: إذا أراد الدخول. فإنَّ ذكر الله لا يكون في الأماكن القذرة. وهذا كقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (٩٨)﴾ [النحل: ٩٨]، والمراد إذا أردت أن تقرأ؟
وكقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ (٦)﴾ [المائدة: ٦] الآية، أي: إذا أردتم القيام. ويدل على هذا أنَّه قد جاءت رواية عند البخاري (١٤٢): «إِذَا أَرَادَ أَنْ يَدْخُلَ». معلقاً ووصله في [الأدب المفرد] (٦٩٢).
قوله: «الْخَلاءَ»، هو المكان الخالي لقضاء الحاجة. وجاء في رواية لمسلم (٨٢٩): «إِذَا دَخَلَ الْكَنِيفَ». والكنيف موضع قضاء الحاجة، وهو في اللغة الساتر مطلقاً، وأطلق على موضع قضاء الحاجة لأنَّهم يستترون به.
стр. 226
ومن هذا ما رواه أحمد في [فضائل الصحابة] (١٥٥٠) ثنا وَكِيعٌ ثنا الْأَعْمَشُ، عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا عِنْدَ عُمَرَ فَأَقْبَلَ عَبْدُ اللَّهِ فَدَنَا مِنْهُ فَأَكَبَّ عَلَيْهِ، فَكَلَّمَهُ فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ عُمَرُ: «كُنَيْفٌ مُلِئَ عِلْمًا».
قلت: إسناده صحيح.
والكنيف هو وعاء الراعي يستر ما في داخله، وشبَّه عمر ابن مسعود به، وذلك أنَّ وعاء الراعي فيه كل ما يحتاجه من أدواته، وهكذا ابن مسعود في قلبه كل ما يحتاجه الناس من العلم.
قال العلامة مغلطاي ﵀ في [شرح ابن ماجه] (ص: ١٢١):
«وأمَّا الكنيف فهو البناء الذي انتزع من الدور لقضاء الحاجة، وأصله، الشيء الساتر؛ لأنَّه يستر ويغطى، أو لأنَّه كنف في أستر النواحي» اهـ.
قلت: ويقال له أيضاً: الْحَشُّ وَالْمِرْفَقُ وَالْمِرْحَاضُ.
والمرفق لا يختص بمكان قضاء الحاجة بل يشمل كل ما يرتفق به وينتفع به في الدار كالمطبخ والكنيف والمغتسل.
وأمَّا الحَش فقال العلامة الفيومي ﵀ في [المصباح المنير] (٢/ ٣٨٦):
«الْحَشُّ الْبُسْتَانُ وَالْفَتْحُ أَكْثَرُ مِنْ الضَّمِّ وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ يُقَالُ لِبُسْتَانِ النَّخْلِ حَشٌّ وَالْجَمْعُ حُشَّانٌ وَحِشَّانٌ فَقَوْلُهُمْ بَيْتُ الْحُشِّ مَجَازٌ لِأَنَّ الْعَرَبَ كَانُوا يَقْضُونَ حَوَائِجَهُمْ فِي الْبَسَاتِينِ فَلَمَّا اتَّخَذُوا الْكُنُفَ وَجَعَلُوهَا خَلَفًا عَنْهَا أَطْلَقُوا عَلَيْهَا ذَلِكَ الِاسْمَ قَالَ الْفَارَابِيُّ الْحُشُّ الْبُسْتَانُ وَمِنْ ثَمَّ قِيلَ لِلْمَخْرَجِ الْحُشُّ» اهـ.
قلت: والحش بفتح الحاء وضمها.
стр. 227
وأمَّا المرحاض فقد قال الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٢/ ٢٩٨):
«و "المراحيض"، قال الخطابي: هو جمع: مرحاض، وهو المغتسل، مأخوذ من رحضت الشيء إذا غسلته.
قلت: لما كانت بيوت التخلي بالشام يستعمل فيها الماء عادةً سميت: مغتسلاً، ولم يكن ذلك معتاداً في الحجاز، فإنهم كانوا يستنجون بالأحجار، فكانت المواضيع المعدة للتخلي بين البيوت تسمى عندهم: كنفاً.
والكنيف: السترة، وكل ما يستر فهو كنيف، ويسمى الترس كنيفاً لستره» اهـ.
قلت: وذكر الدخول، والكنف قرينة دالة على أنَّ هذا الذكر يقال في الأماكن المعدة لقضاء الحاجة، دون الصحاري، ونحوها، لكن قال العلامة النووي ﵀ في [شرح مسلم] (٤/ ٢٩٣):
«وهذا الأدب مجمع على استحبابه، ولا فرق فيه بين البنيان والصحراء. والله أعلم» اهـ.
قلت: والمعنى الذي من أجله شرع الذكر يؤيد ما ذكره العلامة النووي ﵀.
وقد روى أحمد (١٨٤٨٣)، وأبو داود (٥)، وابن ماجه (٢٩٢) من طريق شُعْبَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنِ النَّضْرِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّ هَذِهِ الْحُشُوشَ مُحْتَضَرَةٌ فَإِذَا أَتَى أَحَدُكُمُ الْخَلَاءَ فَلْيَقُلْ أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الْخُبُثِ وَالْخَبَائِثِ».
стр. 228
قلت: هذا حديث صحيح.
وقوله: «إِنَّ هَذِهِ الْحُشُوشَ مُحْتَضَرَةٌ» أي: تحضرها الجن والشياطين وتنتابها لقصد الأذى.
وقال ابن عبد البر ﵀ في [التمهيد] (٢٤/ ١١١): «أي: يصاب الناس فيها» اهـ.
والحشوش: سبق أنَّها مكان قضاء الحاجة، وأصل الحُش جماعة النخل المتكاثفة، وكانوا يقضون حوائجهم إليها قبل أن تتخذ الكنف في البيوت.
قوله: «الْخُبُثِ، وَالْخَبَائِثِ» الْخُبُثِ - بضم الخاء والباء، وتقرأ بإسكان الباء - جمع خبيث، والخبائث: جمع خبيثة.
والمراد بذلك الاستعاذة من ذكران الشياطين وإناثهم.
قال العلامة النووي ﵀ في [شرح مسلم] (٤/ ٢٩٣): «وأمَّا الْخُبُثُ فبضم الباء وإسكانها، وهما وجهان مشهوران في رواية هذا الحديث، ونقل القاضي عياض رحمه الله تعالى أنَّ أكثر روايات الشيوخ الإسكان، وقد قال الإمام أبو سليمان الخطابي رحمه الله تعالى: الخبث بضم الباء جماعة الخبيث، والخبائث جمع الخبيثة، قال: يريد ذكران الشياطين وإناثهم. قال: وعامة المحدثين يقولون: "الخُبْث" بإسكان الباء وهو غلط، والصواب الضم. هذا كلام الخطابي، وهذا الذي غلطهم فيه ليس بغلط، ولا يصح إنكاره جواز الإسكان، فإنَّ الإسكان جائز على سبيل التخفيف كما يقال: كتب، ورسل، وعنق، وأذن، ونظائره، فكل هذا وما أشبهه جائز تسكينه بلا خلاف عند أهل العربية، وهو باب معروف من أبواب التصريف لا يمكن إنكاره، ولعل الخطابي أراد الإنكار على من يقول:
стр. 229
أصله الإسكان فإن كان أراد هذا فعبارته موهمة، وقد صرح جماعة من أهل المعرفة بأنَّ الباء هنا ساكنة منهم: الإمام أبو عبيد إمام هذا الفن والعمدة فيه، واختلفوا في معناه فقيل: هو الشر، وقيل: الكفر، وقيل: الخبث الشياطين، والخبائث المعاصي.
قال ابن الأعرابي: الخبث في كلام العرب المكروه، فإن كان من الكلام فهو الشتم، وإن كان من الملل فهو الكفر، وإن كان من الطعام فهو الحرام، وإن كان من الشراب فهو الضار. والله أعلم» اهـ.
قلت: احتج بهذا الحديث من أجاز ذكر الله في الخلاء.
قال ابن بطال ﵀ في [شرح البخاري] (١/ ٢٤٧): «فيه جواز ذكر الله على الخلاء، وهذا مما اختلفت فيه الآثار فروى عن النبي، ﷺ : أنَّه أقبل من نحو بئر جمل، فلقيه رجل فسلم عليه، فلم يرد ﷺ حتى تيمم بالجدار -.
واختلف في ذلك أيضًا العلماء، فروى عن ابن عباس، أنَّه كره أن يذكر الله عند الخلاء، وهو قول عطاء، ومجاهد، والشعبي، وعكرمة، وقال عكرمة: لا يذكر الله في الخلاء بلسانه، ولكن بقلبه.
وأجاز ذلك جماعة من العلماء، وروى ابن وهب أنَّ عبد الله بن عمرو بن العاص، كان يذكر الله في المرحاض.
стр. 230
وقال العرزمي: قلت للشعبي: أعطسُ وأنا في الخلاء، أحمد الله؟ قال: لا، حتى تخرج، فأتيت النخعي فسألته عن ذلك، فقال لي: احمد الله، فأخبرته بقول الشعبي، فقال النخعي: الحمد يصعد ولا يهبط.
وهو قول ابن سيرين، ومالك بن أنس، وهذا الحديث حجة لمن أجاز ذلك.
وذكر البخاري في كتاب خلق أفعال العباد -: قال عطاء في الخاتم فيه ذكر الله: لا بأس أن يدخل به الإنسان الكنيف، أو يلم بأهله، وهو في يده لا بأس به» اهـ.
قلت: لا حجة بهذا الحديث لمن أجاز ذكر الله في الخلاء، وقد سبق بيان معناه، والصواب فيما يظهر لي مع القائلين بمنع ذكر الله في الخلاء، لأنَّ الله أمر بتنزيه اسمه فقال: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (٧٤)﴾ [الواقعة: ٧٤، ٩٦]، [الحاقة: ٥٢]، وقال الله : ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١)﴾ [الأعلى: ١].
قلت: والتسبيح هو التنزيه، ومن تنزيه اسم الله ألاَّ يذكر في الأماكن القذرة.
وقوله المؤلف: (باب دخول الخلاء والاستطابة» سبق الكلام في معنى الخلاء، وأمَّا الاستطابة فمأخوذة من الطيب، وهي تطييب الجسد بإزالة الخبث.
والاستنجاء مأخوذ من النجو وهو القطع يقال: نجوت الشجرة أي قطعتها، والمراد قطع وإزالة البول أو الغائط، أو مأخوذ من النجوة وهي المرتفع من الأرض، وذلك أنَّ قاضي الحاجة يستتر بها.
стр. 231
والاستجمار استفعال من الجمار وهي الحجارة الصغار التي يستعملها في تطهره من الخبث.
* * *
стр. 232
قال المؤلف رحمه الله تعالى:
١٢ - عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الأَنْصَارِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِذَا أَتَيْتُمْ الْغَائِطَ، فَلا تَسْتَقْبِلُوا الْقِبْلَةَ بِغَائِطٍ وَلا بَوْلٍ، وَلا تَسْتَدْبِرُوهَا، وَلَكِنْ شَرِّقُوا أَوْ غَرِّبُوا».
قَالَ أَبُو أَيُّوبَ: "فَقَدِمْنَا الشَّامَ، فَوَجَدْنَا مَرَاحِيضَ قَدْ بُنِيَتْ نَحْوَ الْكَعْبَةِ، فَنَنْحَرِفُ عَنْهَا، وَنَسْتَغْفِرُ اللَّهَ ".
قوله: «إِذَا أَتَيْتُمْ الْغَائِطَ» الغائط في الأصل: هو المكان المطمئن من الأرض، كانوا يقصدونه لقضاء الحاجة، ثم استعمل في الخارج.
قوله: «فَوَجَدْنَا مَرَاحِيضَ» جمع مرحاض، وهو البيت المتخذ لقضاء حاجة الإنسان أي للتغوط.
والمرحاض، هو المغتسل، مأخوذ من رحضت الشيء إذا غسلته.
وقوله: «فَقَدِمْنَا الشَّامَ» تنطق بالهمز الساكن والمتحرك بالفتح "الشأم"، وتنطق بغير همز.
واختلف العلماء في سبب تسميتها بذلك على أقوال:
الأول: أنَّها من شامات البدن، وسميت بذلك لكثرة قراها وتداني بعضها من بعض كالشامات.
стр. 233
الثاني: سميت بذلك لأنَّ قوماً من كنعان بن حام لما تفرقوا تشاءموا أي أخذوا ذات الشمال فقيل لها شام من أجل ذلك.
الثالث: سميت بذلك من سام بن نوح ﵇ لأنَّه أول من نزلها فجعلت السين شيناً لتغير اللفظ العجمي.
الرابع: سميت بذلك لأنَّها عن شام البيت أي في شمالها كما أنَّ اليمن في يمينها.
وقيل غير ذلك.
وقوله: «فَنَنْحَرِفُ عَنْهَا، وَنَسْتَغْفِرُ اللَّهَ »، قال الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى في [شرح البخاري] (٣/ ١٤٣): «قد فهم مما رواه أنَّ القبلة المنهي عن استقبالها هي جهة ما بين المشرق والمغرب، وأنَّ الانحراف لا يخرج به عن استقبالها المنهي عنه، فلذلك احتاج مع ذلك إلى الاستغفار» اهـ.
وقال الحافظ ابن دقيق العيد في [شرح العمدة] (١/ ٧٧): «قوله: "ونستغفر الله" قيل: يراد به ونستغفر الله لباني الكنف على هذه الصورة الممنوعة عنده.
وإنَّما حملهم على هذا التأويل: أنَّه إذا انحرف عنها لم يفعل ممنوعاً. فلا يحتاج إلى الاستغفار.
والأقرب: أنَّه استغفار لنفسه.
ولعل ذلك؛ لأنَّه استقبل واستدبر بسبب موافقته لمقتضى البناء غلطاً أو سهواً. فيتذكر فينحرف، ويستغفر الله.
فإن قلت: فالغالط والساهي لم يفعلا إثماً، فلا حاجة به إلى الاستغفار.
стр. 234
قلت: أهل الورع والمناصب العلية في التقوى قد يفعلون مثل هذا، بناء على نسبتهم التقصير إلى أنفسهم في عدم التحفظ ابتداء. والله أعلم» اهـ.
ونقل صاحب [تحفة الأحوذي] (١/ ١٢) عن ابن العربي أنَّه قال: «يحتمل ثلاثة وجوه: الأول: أن يستغفر الله من الاستقبال. الثاني: أن يستغفر الله من ذنوبه، فالذنب يذكر بالذنب، الثالث: أن نستغفر الله لمن بناها فإنَّ الاستغفار للمذنبين سنة» اهـ.
وفي الحديث عدة مسائل منها:
١ - احتج به من ذهب إلى المنع من استقبال القبلة ببول أو غائط يشمل الصحاري والبنيان، وهي مسألة اختلف فيها العلماء إلى مذاهب مختلفة.
وقد حكى الحافظ ابن حجر ﵀ في [الفتح] (١/ ٢٩٦ - ٢٩٧) في هذه المسألة عدة مذاهب وهي:
أ- جواز الاستدبار دون الاستقبال حكي عن أبي حنيفة وأحمد.
ب- جواز ذلك في البنيان دون الصحاري، وهو مذهب مالك، والشافعي، وإسحاق، وجمهور العلماء. وإليه ذهب الإمام البخاري ﵀ فقد بوّب في صحيحه فقال: «باب لا تستقبل القبلة بغائط أو بول إلَّا عند البناء، جداراً أو نحوه».
قال الحافظ ابن حجر ﵀: «وهو أعدل الأقوال لإعماله جميع الأدلة» اهـ.
ج- التحريم مطلقاً، وهو المشهور عن أبي حنيفة، وأحمد، وقال به أبو ثور صاحب الشافعي، ورجحه من المالكية ابن العربي، ومن الظاهرية ابن حزم.
د- الجواز مطلقاً، وهو قول عائشة، وعروة، وربيعة، وداود.
стр. 235
هـ- جواز الاستدبار في البنيان فقط تمسكاً بظاهر حديث ابن عمر، وهو قول أبي يوسف.
و- التحريم مطلقاً حتى في القبلة المنسوخة وهي بيت المقدس، وهو محكي عن إبراهيم، وابن سيرين عملاً بحديث مَعْقِلِ بْنِ أَبِي مَعْقِلٍ الأَسَدِىِّ قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ نَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَتَيْنِ بِبَوْلٍ أَوْ غَائِطٍ» رواه أبو داود، وغيره.
قال الحافظ ﵀ في [فتح الباري] (١/ ٢٤٦): «وهو حديث ضعيف؛ لأنَّ فيه راوياً مجهول الحال. وعلى تقدير صحته فالمراد بذلك أهل المدينة ومن على سمتها؛ لأنَّ استقبالهم بيت المقدس يستلزم استدبارهم الكعبة فالعلة استدبار الكعبة لا استقبال بيت المقدس، وقد ادعى الخطابي الإجماع على عدم تحريم استقبال بيت المقدس لمن لا يستدبر في استقباله الكعبة، وفيه نظر لما ذكرناه عن إبراهيم، وابن سيرين، وقد قال به بعض الشافعية أيضاً حكاه ابن أبي الدم» اهـ.
قلت: الحديث رواه أبو داود (١٠)، وابن ماجه (٣١٩)، وأحمد (١٧٨٧٢)
من طريق عمرو بن يحيى عن أبي زيد عن مَعْقِلِ بْنِ أَبِي مَعْقِلٍ الأَسَدِىِّ.
قلت: إسناده ضعيف لجهالة أبي زيد مولى بني ثعلبة.
وروى أحمد (٢٣٥٦٦) حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ ابْنُ أَخِي أَنَسٍ، عَنْ رَافِعِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ، أَنَّهُ قَالَ: «مَا نَدْرِي كَيْفَ نَصْنَعُ بِكَرَايِيسِ مِصْرَ وَقَدْ نَهَانَا رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ نَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَتَيْنِ وَنَسْتَدْبِرَهُمَا».
стр. 236
قلت: هذا حديث ظاهره الصحة. لكن روى مالك في [الموطأ] (٤٥٤)، ومن طريقه أحمد (٢٣٥٦١)، وابن أبي شيبة في [مصنفه] (١٦٠٢)، والطحاوي في [شرح معاني الآثار] (٦٠٩٤)، والطبراني في [الكبير] (٣٨٣٤) عن أبي إسحاق عبد الله بن أبي طلحة، عن رافع بن إسحاق، مولى لآل الشفاء وكان يقال له مولى أبي طلحة أنَّه سمع أبا أيوب الأنصاري صاحب رسول الله ﷺ وهو بمصر يقول: والله ما أدري كيف أصنع بهذه الكراييس، وقد قال رسول الله ﷺ : «إِذَا ذَهَبَ أَحَدُكُمُ الْغَائِطَ أَوِ الْبَوْلَ فَلا يَسْتَقْبِلِ الْقِبْلَةَ بِفَرْجِهِ».
قلت: جاء في نسخة الطبراني أبو إسحاق، والصواب هو إسحاق بحذف كلمة (أبو).
قلت: حديث مالك هو المحفوظ، وهو الموافق لحديث عطاء بن يزيد الليثي عن أبي أيوب.
قال العلامة الباجي ﵀ في [المنتقى] (١/ ٤٦٣):
«وقوله: "ما أدري ما أصنع بهذه الكراييس" يعني المراحيض واحدها كرياس» اهـ.
وقال القاضي عياض ﵀ في [مشارق الأنوار] (١/ ٣٣٩):
«وقوله: "ما أدري ما أصنع بهذه الكراييس" بياءين كل واحدة باثنتين تحتها هي المراحيض وأحدها كرياس بكسر الكاف وسكون الراء وسين مهملة وقيل هي المراحيض المتخذة على السطوح خاصة ولا يمسى ما يتخذ في السفل كرياسا سمي بذلك لما تعلق به من الأقدار فتكرس أي تجمع والياء فيه زائدة» اهـ.
стр. 237
ز- أنَّ التحريم مختص بأهل المدينة، ومن كان على سمتها، فأمَّا من كانت قبلته في جهة المشرق أو المغرب فيجوز له الاستقبال، والاستدبار مطلقاً لعموم قوله:
«شَرِّقُوا أَوْ غَرِّبُوا». قاله أبو عوانة صاحب المزني.
قلت: الذي يظهر لي في هذه المسألة هو التفريق بين البنيان، وغير البنيان، والساتر القريب، والبعيد كالجبال ونحوها جمعاً بين الأدلة، فإنَّ حديث أبي أيوب، وإن لم يذكر فيه التفريق بين البنيان، وغير البنيان، لكن حديث ابن عمر الآتي يدل على جواز ذلك في البنيان، ومثله حديث جابر بن عبد الله ﵁ قال:
«نَهَى نَبِىُّ اللَّهِ ﷺ أَنْ نَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ بِبَوْلٍ فَرَأَيْتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْبَضَ بِعَامٍ يَسْتَقْبِلُهَا».
رواه أبو داود (١٣)، والترمذي (٩)، وابن ماجه (٣٢٥) من طريق محمد بن إسحاق عن أبان بن صالح عن مجاهد عن جابر.
قلت: هذا حديث حسن من أجل ابن إسحاق.
وهذا الذي فهمه ابن عمر ﵄، فقد روى أبو داود (١٠) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ فَارِسٍ حَدَّثَنَا صَفْوَانُ بْنُ عِيسَى عَنِ الْحَسَنِ بْنِ ذَكْوَانَ عَنْ مَرْوَانَ الأَصْفَرِ قَالَ: رَأَيْتُ ابْنَ عُمَرَ أَنَاخَ رَاحِلَتَهُ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ ثُمَّ جَلَسَ يَبُولُ إِلَيْهَا فَقُلْتُ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَلَيْسَ قَدْ نُهِىَ عَنْ هَذَا قَالَ: «بَلَى إِنَّمَا نُهِىَ عَنْ ذَلِكَ فِي الْفَضَاءِ فَإِذَا كَانَ بَيْنَكَ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ شَىْءٌ يَسْتُرُكَ فَلَا بَأْسَ».
قلت: إسناده حسن.
стр. 238
قلت: وقد انتصر العلامة ابن القيم ﵀ للقائلين بالمنع مطلقاً، فقال عند تعليقه على هذا الحديث، كما في [تهذيب السنن - مع عون المعبود] (١/ ١٧): «وقال الترمذي: سألت محمداً عن هذا الحديث، فقال: حديث صحيح وقد أعلَّ ابن حزم حديث جابر بأنَّه عن أبان بن صالح، وهو مجهول، ولا يحتج برواية مجهول. قال ابْنُ مُفَوِّزٍ: أبان بن صالح مشهور ثقة صاحب حديث، وهو أبان بن صالح بن عمير، أبو محمد القرشي، مولى لهم، المكي روى عنه ابن جريج، وابن عجلان، وابن إسحاق، وعبيد الله بن أبي جعفر استشهد بروايته البخاري في صحيحه عن مجاهد، والحسن بن مسلم، وعطاء، وثقه يحيى بن معين، وأبو حاتم، وأبو زرعة الرازيان، والنسائي، وهو والد محمد بن أبان بن صالح بن عمير الكوفي، الذي روى عنه أبو الوليد، وأبو داود الطيالسي، وحسين الجعفي، وغيرهم، وجد أبي عبد الرحمن مشكدانة، شيخ مسلم، وكان حافظاً. وأمَّا الحديث فإنَّه انفرد به محمد بن إسحاق، وليس هو ممن يحتج به في الأحكام فكيف إن يعارض بحديثه الأحاديث الصحاح، أو ينسخ به السنن الثابتة؟ مع أنَّ التأويل في حديثه ممكن، والمخرج منه معرض تم كلامه، وهو - لو صح - حكاية فعل لا عموم لها، ولا يعلم هل كان في فضاء أو بنيان؟ وهل كان لعذر: من ضيق مكان ونحوه، أو اختياراً؟ فكيف يقدم على النصوص الصحيحة الصريحة بالمنع؟
فإن قيل: فهب أنَّ هذا الحديث معلول، فما يقولون في حديث عراك عن عائشة "ذكر عند رسول الله ﷺ أنَّ ناساً يكرهون أن يستقبلوا بفروجهم القبلة، فقال رسول الله ﷺ : أوقد فعلوها؟! استقبلوا بمقعدتي القبلة".
стр. 239
فالجواب: أنَّ هذا الحديث لا يصح، وإنَّما هو موقوف على عائشة. حكاه الترمذي في كتاب "العلل" عن البخاري. وقال بعض الحفاظ: هذا حديث لا يصح، وله علة لا يدركها إلَّا المعتنون بالصناعة، المعانون عليها، وذلك أنَّ خالد بن أبي الصلت لم يحفظ متنه، ولا أقام إسناده خالفه فيه الثقة الثبت صاحب عراك بن مالك المختص به، الضابط لحديثه: جعفر بن ربيعة الفقيه، فرواه عن عراك عن عروة عن عائشة: أنَّها كانت تنكر ذلك، فبين أنَّ الحديث لعراك عن عروة، ولم يرفعه، ولا يجاوز به عائشة، وجعفر بن ربيعة هو الحجة في عراك بن مالك، مع صحة الأحاديث عن النبي ﷺ وشهرتها بخلاف ذلك، وقال عبد الرحمن بن أبي حاتم في كتاب "المراسيل" عن الأثرم قال: سمعت أبا عبد الله - وذكر حديث خالد بن أبي الصلت عن عراك بن مالك عن عائشة عن النبي ﷺ ، هذا الحديث فقال: مرسل. فقلت له: عراك بن مالك قال سمعت عائشة؟ فأنكره وقال: عراك بن مالك من أين سمع عائشة؟! ما له ولعائشة؟! إنَّما يرويه عن عروة، هذا خطأ، قال لي: من روى هذا؟ قلت: حماد بن سلمة عن خالد الحذاء، قال: رواه غير واحد عن خالد الحذاء، وليس فيه سمعت. وقال غير واحد أيضاً عن حماد بن سلمة، ليس فيه سمعت. فإن قيل: قد روى مسلم في صحيحه حديثا عن عراك عن عائشة. قيل: الجواب أنَّ أحمد وغيره خالفه في ذلك، وبينوا أنَّه لم يسمع منها» اهـ.
стр. 240
وقال ﵀ في [الزاد] (٢/ ٣٤٩): «قلت: وله علة أخرى وهي انقطاعه بين عراك وعائشة فإنَّه لم يسمع منها وقد رواه عبد الوهاب الثقفي عن خالد الحذاء عن رجل عن عائشة، وله علة أخرى وهي ضعف خالد بن أبي الصلت
ومن ذلك حديث جابر: نهى رسول الله ﷺ أن تستقبل القبلة ببول فرأيته قبل أن يقبض بعام يستقبلها.
وهذا الحديث استغربه الترمذي بعد تحسينه، وقال الترمذي في كتاب "العلل": سألت محمداً يعني البخاري عن هذا الحديث فقال: هذا حديث صحيح رواه غير واحد عن ابن إسحاق. فإذا كان مراد البخاري صحته عن ابن إسحاق لم يدل على صحته في نفسه، وإن كان مراده صحته في نفسه فهي واقعة عين حكمها حكم حديث ابن عمر لما رأى رسول الله ﷺ يقضي حاجته مستدبر الكعبة، وهذا يحتمل وجوهاً ستة: نسخ لمكان أو غيره، وأن يكون بياناً لأنَّ النهي على التحريم ولا سبيل إلى الجزم بواحد من هذه الوجوه على التعيين، وإن كان حديث جابر لا يحتمل الوجه الثاني منها فلا سبيل إلى ترك أحاديث النهي الصحيحة الصريحة المستفيضة بهذا المحتمل وقول ابن عمر: إنَّما نهي عن ذلك في الصحراء فهم منه لاختصاص النهي بها وليس بحكاية لفظ النهي، وهو معارض بفهم أبي أيوب للعموم مع سلامة قول أصحاب العموم من التناقض الذي يلزم المفرقين بين الفضاء والبنيان فإنَّه يقال لهم: ما حد الحاجز الذي يجوز ذلك معه في البنيان؟ ولا سبيل إلى ذكر حد فاصل، وإن جعلوا مطلق البنيان مجوزاً لذلك لزمهم جوازه في الفضاء الذي يحول بين البائل وبينه جبل قريب أو بعيد كنظيره في البنيان، وأيضاً فإنَّ النهي تكريم لجهة القبلة وذلك لا يختلف بفضاء ولا بنيان
стр. 241
وليس مختصاً بنفس البيت فكم من جبل وأكمة حائل بين البائل وبين البيت بمثل ما تحول جدران البنيان وأعظم، وأمَّا جهة القبلة فلا حائل بين البائل وبينها وعلى الجهة وقع النهي لا على البيت نفسه فتأمله» اهـ.
٢ - احتج الإمام البخاري ﵀ بهذا الحديث على أنّه ليس في المشرق والمغرب قبلة. فقد بوّب ﵀ في الصحيح فقال: «باب قبلة أهل المدينة وأهل الشام والمشرق ليس في المشرق ولا في المغرب قبلة لقول النبي ﷺ " لا تستقبلوا القبلة بغائط أو بول ولكن شرقوا أو غربوا"».
لكن قال الحافظ ابن حجر ﵀ في [الفتح] (١/ ٥٨٥):
«قوله: "ليس في المشرق ولا في المغرب قبلة".
هذه جملة مستأنفة من تفقه المصنف، وقد نوزع في ذلك؛ لأنَّه يحمل الأمر في قوله: " شَرِّقُوا أَوْ غَرِّبُوا " على عمومه، وإنَّما هو مخصوص بالمخاطبين وهم أهل المدينة، ويلحق بهم من كان على مثل سمتهم ممن إذا استقبل المشرق أو المغرب لم يستقبل القبلة ولم يستدبرها، أمَّا من كان في المشرق فقبلته في جهة المغرب وكذلك عكسه، وهذا معقول لا يخفى مثله على البخاري فيتعين تأويل كلامه بأن يكون مراده: ليس في المشرق ولا في المغرب قبلة، أي لأهل المدينة والشام، ولعل هذا هو السر في تخصيصه المدينة والشام بالذكر. وقال ابن بطال: لم يذكر البخاري مغرب الأرض اكتفاء بذكر المشرق، إذ العلة مشتركة، ولأن المشرق أكثر الأرض المعمورة، ولأن بلاد الإسلام في جهة مغرب الشمس قليلة. انتهى» اهـ.
стр. 242
وفي ذلك الرد على من كره استقبال النيرين وهما الشمس والقمر لأنَّ فيهما نور الله تعالى أو لغير ذلك، وقد ذهب إلى ذلك كثير من علماء الحنابلة والشافعية والمالكية والحنفية.
قال العلامة ابن القيم ﵀ في [مفتاح دار السعادة] (٢/ ٢٠٥ - ٢٠٦):
«فصل: وَأما استدلاله بِأَنْ النَّبِي نهى عِنْد قَضَاء الْحَاجة عَنْ اسْتِقْبَال الشَّمْس وَالْقَمَر واستدبارهما فَكَأَنَّهُ وَالله أعلم لما رأى بعض الْفُقَهَاء قد قَالُوا ذَلِك فِي كتبهمْ فِي آدَاب التخلي وَلَا تسْتَقْبل الشَّمْس وَالْقَمَر ظن أَنهم إِنَّمَا قَالُوا ذَلِك لنهى النَّبِي عَنهُ فاحتج بِالْحَدِيثِ وَهَذَا من أبطل الْبَاطِل فَإِنْ النَّبِي لم ينْقل عَنهُ ذَلِك فِي كلمة وَاحِدَة لَا بِإِسْنَاد صَحِيح وَلَا ضَعِيف وَلَا مُرْسل وَلَا مُتَّصِل وَلَيْسَ لهَذِهِ الْمَسْأَلَة أصل فِي الشَّرْع وَالَّذين ذكروها من الْفُقَهَاء مِنْهُم من قَالَ الْعلَّة أَنْ اسْم الله مَكْتُوب عَلَيْهِمَا وَمِنْهُم من قَالَ لِأَنَّ نورهما من نور الله وَمِنْهُم من قَالَ إِنْ التنكب عَنْ استقبالهما واستدبارهما أبلغ فِي التستر وَعدم ظُهُور الفرجين» اهـ.
وقال العلامة الشوكاني ﵀ في [السيل الجرار] (ص: ٤٦):
«وأمَّا استقبال القمرين فهذا من غرائب أهل الفروع فإنَّه لم يدل على ذلك دليل لا صحيح ولا حسن ولا ضعيف وما روي في ذلك فهو كذب على رسول الله ﷺ ومن رواية الكذابين وإن كان ذلك بالقياس على القبلة فقد اتسع الخرق على الراقع ويقال لهذا القائس ما هكذا تورد يا سعد الإبل وأعجب من هذا إلحاق النجوم النيرات بالقمرين فإنَّ الأصل باطل فكيف بالفرع وكان ينبغي لهذا القائس أن يلحق السماء فإنَّ لها شرفاً عظيماً لكونها مستقر الملائكة ثم يلحق الأرض لأنَّها مكان العبادات والطاعات ومستقر عباد الله
стр. 243
الصالحين فحينئذ يضيق على قاضي الحاجة الأرض بما رحبت ويحتاج أن يخرج عن هذا العالم عند قضاء الحاجة.
وسبحان الله ما يفعل التسأهل في إثبات أحكام الله من الأمور التي يبكي لها تارة ويضحك منها أخرى» اهـ.
٣ - فيه أنَّ القبلة في حق البعيد هي الجهة دون العين، ولهذا نهي قاضي الحاجة أن يستقبل أو يستدبر جميع الجهة، وهذا هو مذهب جمهور العلماء خلافاً للشافعي فقد أوجب استقبال عين القبلة في حق القريب والبعيد.
* * *
стр. 244
قال المؤلف رحمه الله تعالى:
١٣ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵄ قَالَ: «رَقِيْتُ يَوْماً عَلَى بَيْتِ حَفْصَةَ، فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقْضِي حَاجَتَهُ مُسْتَقْبِلَ الشَّامَ، مُسْتَدْبِرَ الْكَعْبَةَ».
وَفِي رِوَايَةٍ " مُسْتَقْبِلاً بَيْتَ الْمَقْدِسِ ".
قوله: «رَقِيْتُ» أي: علوت وصعدت تقول: رَقِيت أرْقَى رُقِياً ورُقُواً أي: صعدت، وتقول: رَقَيْت أرقي رَقْياً من الرُّقْيَة.
قوله: «مُسْتَقْبِلَ الشَّامَ» والشأم سميت بذلك لأنَّها عن مشأمة القبلة أي: عن يسارها، ومنه قول القائل: شائم بأصحابك، أي: ياسر، واعتمد على رجله الشؤمى، أي: اليسرى. ولعل الشؤم أطلق عليه ذلك لأنهم كانوا يزجرون الطير فإن اتجه إلى اليسار تشاءموا بذلك.
وقد سبق أن ذكرنا أقوالاً متعددة في سبب تسمية الشام بذلك في شرح الحديث الماضي.
وقوله: «مُسْتَقْبِلاً بَيْتَ الْمَقْدِسِ» المقدس في اللغة: من التقديس وهو التنزيه والتطهير، وبيت المقدس قيل: البيت المقدّس المطهّر الذي يتطهر به من الذنوب.
وقيل: المراد بذلك المبارك.
стр. 245
قال الحافظ ابن دقيق العيد ﵀ في [شرح العمدة] (١/ ٧٩ - ٨٠): «هذا الحديث يعارض حديث أبي أيوب المتقدم من وجه، وكذلك ما في معنى حديث أبي أيوب.
واختلف الناس في كيفية العمل به، أو بالأول؟ على أقوال:
فمنهم من رأى أنَّه ناسخ لحديث المنع. واعتقد الإباحة مطلقاً، وكأنَّه رأى أنَّ تخصيص حكمه بالبنيان مطرح، وأخذ دلالته على الجواز مجردة عن اعتبار خصوص كونه في البنيان لاعتقاده أنه وصف ملغي،
لا اعتبار به.
ومنهم من رأى العمل بالحديث الأول وما في معناه.
واعتقد هذا خاصاً بالنبي ﷺ .
ومنهم من جمع بين الحديثين.
فرأى حديث ابن عمر مخصوصاً بالبنيان، فيخص به حديث أبي أيوب العام في البنيان وغيره، جمعاً بين الدليلين.
ومنهم من توقف في المسألة.
ونحن ننبه ههنا على أمرين: أحدهما: أنَّ من قال بتخصيص هذا الفعل بالنبي ﷺ له أن يقول: إنَّ رؤية هذا الفعل كان أمراً اتفاقياً، لم يقصده ابن عمر، ولا الرسول ﷺ على هذه الحالة يتعرض لرؤية أحد.
فلو كان يترتب على هذا الفعل حكم عام للأمة لبينه لهم بإظهاره بالقول، أو الدلالة على وجود الفعل.
стр. 246
فإنَّ الأحكام العامة للأمة لا بد من بيانها.
فلما لم يقع ذلك - وكانت هذه الرؤية من ابن عمر على طريق الاتفاق، وعدم قصد الرسول ﷺ دل ذلك على الخصوص به ﷺ وعدم العموم في حق الأمة وفيه بعد ذلك بحث».
قلت: قد استفاد من ذلك ابن عمر جواز التأسي بالنبي ﷺ في ذلك، والأصل هو التأسي بأفعال النبي ﷺ مطلقاً إلَّا ما دل الدليل على الخصوصية.
قلت: ليس في هذه الرواية ذكر البنيان لكن قال الحافظ في [الفتح] (١/ ٢٩٩): «ولابن خزيمة "فأشرفت على رسول الله ﷺ وهو على خلائه" وفي رواية له: " فرأيته يقضي حاجته محجوباً عليه بلبن" وللحكيم الترمذي بسند صحيح " فرأيته في كنيف" وهو بفتح الكاف وكسر النون بعدها ياء تحتانية ثم فاء. وانتفى بهذا إيراد من قال ممن يرى الجواز مطلقاً: يحتمل أن يكون رآه في الفضاء وكونه رآه على لبنتين لا يدل على البناء لاحتمال أن يكون جلس عليهما ليرتفع بهما عن الأرض».
* * *
стр. 247
قال المؤلف رحمه الله تعالى:
١٤ - عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدْخُلُ الْخَلاءَ، فَأَحْمِلُ أَنَا وَغُلامٌ نَحْوِي إدَاوَةً مِنْ مَاءٍ وَعَنَزَةً، فَيَسْتَنْجِي بِالْمَاءِ».
قوله: «يَدْخُلُ الْخَلاءَ».
قال الحافظ ابن حجر ﵀ في [فتح الباري] (١/ ٣٠٤): «المراد به هنا الفضاء لقوله في الرواية الأخرى " كان إذا خرج لحاجته " ولقرينة حمل العنزة مع الماء فإنَّ الصلاة إليها إنَّما تكون حيث لا سترة غيرها. وأيضاً فإنَّ الأخلية التي في البيوت كان خدمته فيها متعلقة بأهله» اهـ.
قوله: «وَغُلامٌ نَحْوِي»: أي مقارب لي في السن. والغلام من الفطام إلى سبع سنين، وقد يطلق على الكبير.
قال الحافظ ابن حجر ﵀ في [الفتح] (٥/ ٣١٤ - ٣١٥): «ظاهر الترجمة مع سياق الآية أنَّ الولد يطلق عليه صبي وطفل إلى أن يبلغ وهو كذلك، وأمَّا ما ذكره بعض أهل اللغة وجزم به غير واحد أن الولد يقال له جنين حتى يوضع، ثم صبي حتى يفطم، ثم غلام إلى سبع، ثم يافع إلى عشر، ثم حَزَوَّر إلى خمس عشرة، ثم قُمُدٌّ إلى خمس وعشرين، ثم عَنَطْنَط إلى ثلاثين، ثم ممل إلى أربعين، ثم كهل إلى خمسين، ثم شيخ إلى ثمانين، ثم هرم إذا زاد فلا يمنع إطلاق شيء من ذلك على غيره مما يقاربه به تجوزاً» اهـ.
стр. 248
وزاد الحافظ ﵀ (٨/ ٨٢٢): «فإذا بلغ تسعين فان». وذكر «صُّمُلُّ» بدل «ممل»، والأول هو المعروف في اللغة، وأمَّا «ممل»، فلا أدري ما وجهها، وأخشى أن تكون مصحفة ولله أعلم.
قوله: «وَغُلامٌ نَحْوِي»: من أفراد مسلم ﵀، وعند البخاري بعدة ألفاظ وهي: وغلام معنا، وغلام منا معنا، أنا وغلام. ولم يأت في الرواية تسميته، وقد قيل: إنَّه عبد الله بن مسعود، وهذه الرواية ترده فإنَّ ابن مسعود ليس هو بنحو أنس، وقد وقع هذا الفعل وهو: حمل الطهور للنبي ﷺ من أنس، وابن مسعود، وأبي هريرة، وجابر ﵃ أجمعين، ذكر ذلك الحافظ ابن حجر في [الفتح] (١/ ٣٠٣).
قوله: «إدَاوَةً» بكسر الهمزة إناء صغير من جلد.
قوله: «مِنْ مَاءٍ» أي: مملوءة من ماء.
قوله: «وَعَنَزَةً» العنزة بفتح النون عصا أقصر من الرمح لها سنان، وقيل هي الحربة القصيرة. وقيل: هي عصا طويلة في أسفلها زج.
وقال الحافظ ابن رجب ﵀ في [شرح البخاري] (٣/ ٣١٣): «وقد فرق قوم بين العنزة والحربة، فعن الأصمعي قال: العنزة: ما دور نصله، والحربة: العريضة النصل. وأشار بعضهم إلى عكس ذلك» اهـ.
قلت: وفي حمل العنزة للنبي ﷺ عدة احتمالات ذكرها الحافظ ابن حجر ﵀ في [فتح الباري] (١/ ٣٠٤) فقال: «يحتمل أن يركزها أمامه ويضع عليها الثوب الساتر، أو يركزها بجنبه لتكون إشارة إلى منع من يروم المرور بقربه، أو تحمل لنبش الأرض الصلبة، أو لمنع ما يعرض من هوام الأرض،
стр. 249
لكونه ﷺ كان يبعد عند قضاء الحاجة، أو تحمل لأنَّه كان إذا استنجى توضأ، وإذا توضأ صلى، وهذا أظهر الأوجه» اهـ.
قوله: «فَيَسْتَنْجِي بِالْمَاءِ» قال الحافظ ابن حجر ﵀ في [فتح الباري] (١/ ٣٠٢ - ٣٠٣):
«قوله: "يعني يستنجي به" قائل "يعني" هو هشام. وقد رواه المصنف بعد هذا عن سليمان بن حرب فلم يذكرها، لكنه رواه عقبه من طريق محمد بن جعفر عن شعبة فقال: "يستنجي بالماء" والإسماعيلي من طريق ابن مرزوق عن شعبة "فأنطلق أنا وغلام من الأنصار معنا إداوة فيها ماء يستنجي منها النبي ﷺ "، وللمصنف من طريق روح بن القاسم عن عطاء بن أبي ميمونة: "إذا تبرز لحاجته أتيته بماء فيغسل به"، ولمسلم من طريق خالد الحذاء عن عطاء عن أنس:
"فخرج علينا وقد استنجى بالماء" وقد بان بهذه الروايات أنَّ حكاية الاستنجاء من قول أنس راوي الحديث، ففيه الرد على الأصيلي حيث تعقب على البخاري استدلاله بهذا الحديث على الاستنجاء بالماء قال: لأنَّ قوله: "يستنجي به" ليس هو من قول أنس إنَّما هو من قول أبي الوليد أي: أحد الرواة عن شعبة، وقد رواه سليمان بن حرب عن شعبة فلم يذكرها، قال: فيحتمل أن يكون الماء لوضوئه انتهى. وقد انتفى هذا الاحتمال بالروايات التي ذكرناها، وكذا فيه الرد على من زعم أنَّ قوله: "يستنجي بالماء" مدرج من قول عطاء الراوي عن أنس فيكون مرسلاً فلا حجة فيه كما حكاه ابن التين عن أبي عبد الملك البوني، فإنَّ رواية خالد
стр. 250
التي ذكرناها تدل على أنَّه قول أنس حيث قال: فخرج علينا. ووقع هنا في نكت البدر الزركشي تصحيف، فإنَّه نسب التعقب المذكور إلى الإسماعيلي وإنَّما هو للأصيلي، وأقره فكأنَّه ارتضاه وليس بمرضي كما أوضحناه. وكذا نسبه الكرماني إلى ابن بطال وأقره عليه، وابن بطال إنَّما أخذه عن الأصيلي» اهـ.
وفي هذا الحديث عدة مسائل منها:
١ - فيه حجة على ابن حبيب حيث منع الاستنجاء بالماء لأنَّه مطعوم. ذكر ذلك الحافظ ابن حجر ﵀ في [فتح الباري] (١/ ٣٠٢، ٣٠٤)، ونقل عنه العلامة النووي ﵀ خلاف ذلك فقال في [شرح مسلم] (٣/ ١٥٥):
«وقال ابن حبيب المالكي: لا يجزي الحجر إلَّا لمن عدم الماء، وهذا خلاف ما عليه العلماء من السلف والخلف وخلاف ظواهر السنن المتظاهرة. والله أعلم» اهـ.
وقد اختلف العلماء في حكم الاستنجاء بالماء على قولين:
قال العلامة ابن قدامة ﵀ في [المغني] (١/ ١٩٣): «وحكي عن سعد بن أبي وقاص، وابن الزبير أنَّهما أنكرا الاستنجاء بالماء.
وقال سعيد بن المسيب: وهل يفعل ذلك إلَّا النساء، وقال عطاء: غسل الدبر محدث.
وكان الحسن لا يستنجي بالماء.
وروي عن حذيفة القولان جميعاً.
وكان ابن عمر لا يستنجي بالماء ثم فعله، وقال لنافع: جربناه فوجدناه صالحاً.
وهو مذهب رافع بن خديج وهو الصحيح؛ لما روى أنس، قال: "كان النبي ﷺ يدخل الخلاء فأحمل أنا وغلام نحوي إداوة من ماء وعنزة، فيستنجي بالماء".
متفق عليه» اهـ.
قلت: أثر ابن عمر رواه ابن المنذر في [الأوسط] (٣٠٥)
حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: بَلَغَ ابْنَ عُمَرُ أَنَّ مُعَاوِيَةَ يَغْسِلُ عَنْهُ أَثَرَ الْغَائِطِ وَالْبَوْلِ، فَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَعْجَبُ مِنْهُ، ثُمَّ غَسَلَهُ بَعْدُ، فَقَالَ: «يَا نَافِعُ، جَرَّبْنَاهُ فَوَجَدْنَاهُ صَالِحًا».
следующие страницы →