Полный текст (8 095 стр.). Показаны 1856–1895 · переход к 1861.
стр. 1856
ورواه البيهقي في [سننه الكبرى] (٢٤٠٩) أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ بَالَوَيْهِ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ غَالِبٍ، حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ مَرْزُوقٍ، أنبأ شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ، عَنْ رَجُلٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِذَا جِئْتُمْ وَالْإِمَامُ رَاكِعٌ فَارْكَعُوا، وَإِنْ كَانَ سَاجِدًا فَاسْجُدُوا، وَلَا تَعْتَدُّوا بِالسُّجُودِ إِذَا لَمْ يَكُنْ مَعَهُ الرُّكُوعُ».
قلت: هذا إسناد ضعيف فيه رجل مبهم.
ورواه عبد الرزاق في [مصنفه] (٣٣٧٣) عَنِ الثَّوْرِيِّ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ، عَنْ شَيْخٍ، لِلْأَنْصَارِ قَالَ: دَخَلَ رَجُلٌ الْمَسْجِدَ وَالنَّبِيُّ ﷺ فِي الصَّلَاةِ، فَسَمِعَ خَفْقَ نَعْلَيْهِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ: «عَلَى أَيِّ حَالٍ وَجَدْتَنَا؟» قَالَ: سُجُودًا، فَسَجَدْتُ، قَالَ: «كَذَلِكَ فَافْعَلُوا، وَلَا تَعْتَدُّوا بِالسُّجُودِ، إِلَّا أَنْ تُدْرِكُوا الرَّكْعَةَ، وَإِذَا وَجَدْتُمُ الْإِمَامَ قَائِمًا فَقُومُوا، أَوْ قَاعِدًا فَاقْعُدُوا، أَوْ رَاكِعًا فَارْكَعُوا، أَوْ سَاجِدًا فَاسْجُدُوا، أَوْ جَالِسًا فَاجْلِسُوا».
وقَالَ العلامة الألباني ﵀ في [السلسلة الصحيحة] (٣/ ٢٦٢) تحت حديث برقم (١١٨٨):
«أخرجه إسحاق بن منصور المروزي في "مسائل أحمد وإسحاق" (١/ ١٢٧/ ١ مصورة
стр. 1857
المكتب) حدثنا محمد بن رافع قَالَ: حدثنا حسين بن علي عن زائدة، قَالَ: حدثنا عبد العزيز بن رفيع عن ابن مغفل المزني قَالَ: قَالَ النبي ﷺ فذكره.
قلت: وهذا إسناد صحيح رجاله ثقات رجال الشيخين. وقد أخرجه البيهقي (٢/ ٨٩) مِنْ طَرِيقِ شعبة عن عبد العزيز بن رفيع عن رجل عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: فذكره.
قلت: ففي رواية المروزي فائدة هامة وهي بيان أن الرجل الذي لم يسم عند البيهقي إنما هو ابن مغفل الصحابي» اهـ.
قلت: تسمية المبهم إن لم يكن من أوهام زائدة فهو صحيح وإلَّا فالحديث يشهد له حديث أبي هريرة وعمل أصحاب النبي ﷺ فيرتقي بذلك إلى الحسن لغيره.
وهذا القول هو القول الصحيح في هذه المسألة. والله أعلم.
فائدة/ قَالَ الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٥/ ١٣):
«وأكثر العلماء على أنَّه لا يكون مدركاً للركعة إلَّا إذا كبر وركع قبل أن يرفع إمامه، ولم يشترط أكثرهم أن يدرك الطمأنينة مع الإمام قبل رفعه.
ولأصحابنا وجه باشتراط ذلك.
стр. 1858
ومن العلماء من قَالَ: إذا كَّبر قبل أن يرفع إمامه فقد أدرك الركعة، وإن لم يركع قبل رفعه، منهم: ابن أبي ليلى والليث بن سعد وزفر، وجعلوه بمنزلة من تخَّلف عن إمامه بنومٍ ونحوه.
ولكن الجمهور إنَّما قَالَوا بالمتخلف بالنوم ونحوه أنَّه يركع ثم يلحقه؛ لأنَّه كان متابعاً له قبل الركوع فيغتفر في الاستدامة ما لا يغتفر في الابتداء.
وروي عن هؤلاء الثلاثة - أيضاً.
وعن الحسن بن زياد - أيضاً -: أنَّه إذا كبر بعد رفع رأسه من الركوع قبل أن يسجد اعتد له بالركعة.
وقد تقدم عن الشعبي، أنَّه قَالَ: إذا انتهيت إلى الصف المؤخر، ولم يرفعوا رءوسهم، وقد رفع الإمام رأسه، فركعت معهم، فقد أدركت، لأنَّ بعضهم أئمة لبعض» اهـ.
٤ - الحديث حجة لمن قَالَ بوجوب قراءة الفاتحة في صلاة الجنازة فإنَّها صلاة فتدخل في عموم الحديث.
قَالَ العلامة النووي ﵀ في [المجموع شرح المهذب] (٥/ ٢٤٢):
«وذكرنا أن مذهبنا وجوب قراءة الفاتحة وبه قَالَ أحمد وإسحق وداود ﵏ وحكاه ابن المنذر عن ابن مسعود وابن عباس وابن الزبير وعبيد بن عمير وحكي عن ابن المسيب وطاووس وعطاء وابن سيرين وابن جبير والشعبي ومجاهد وحماد
стр. 1859
ومالك والثوري وأبي حنيفة وأصحاب الرأي أنها لا تجب قَالَ وروى ذلك عن ابن عمر وأبي هريرة ﵃.
قَالَ وروينا عن الحسن بن علي ﵄ أنه قَالَ قراءة الفاتحة في صلاة الجنازة ثلاث مرات.
قَالَ وروينا هذا عن ابن سيرين وشهر بن حوشب قَالَ الحسن البصري ﵁ اقرأ الفاتحة في كل تكبيرة.
قَالَ وروينا عن المسور بن مخرمة أنه قرأ في التكبيرة الأولى فاتحة الكتاب وسورة ورفع بها صوته.
قَالَ ابن المنذر ﵀ عندي يقرأ الفاتحة بعد التكبيرة الأولى هذه مذاهبهم» اهـ.
٥ - ويستثنى من هذا الحديث العاجز عن قراءة الفاتحة فتصح صلاته بدونها.
فقد روى الحديث أحمد (١٩١٣٣)، وأبو داود (٨٣٢)، والنسائي (٩٢٤) مِنْ طَرِيقِ إِبْرَاهِيمَ السَّكْسَكِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: إِنِّي لَا أَسْتَطِيعُ أَنْ آخُذَ مِنَ الْقُرْآنِ شَيْئًا فَعَلِّمْنِي مَا يُجْزِئُنِي مِنْهُ، قَالَ: «قُلْ: سُبْحَانَ اللَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ»، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذَا لِلَّهِ فَمَا لِي، قَالَ: «قُلْ: اللَّهُمَّ ارْحَمْنِي وَارْزُقْنِي وَعَافِنِي وَاهْدِنِي»، فَلَمَّا قَامَ قَالَ: هَكَذَا بِيَدِهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَمَّا هَذَا فَقَدْ مَلَأَ يَدَهُ مِنَ الْخَيْرِ».
стр. 1860
قلت: إبراهيم السَّكْسَكِيُّ ضعيف الحديث.
ورواه ابن حبان في [صحيحه] (١٨١٠)، وابن المقرئ في [معجمه] (١٧٢) مِنْ طَرِيقِ أَبِي أُمَيَّةَ قَالَ: حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ مُوَفَّقٍ قَالَ: حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ مِغْوَلٍ عَنْ طَلْحَةَ بن مصرف عن ابن أَبِي أَوْفَى قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي لَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَتَعَلَّمَ الْقُرْآنَ فَعَلِّمْنِي مَا يُجْزِئُنِي مِنَ الْقُرْآنِ قَالَ:
«قُلْ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاللَّهُ أَكْبَرُ وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ» قَالَ: هَذَا لِلَّهِ فَمَا لِي؟ قَالَ: «قُلْ: رَبِّ اغْفِرْ لِي وَارْحَمْنِي وَاهْدِنِي وَعَافِنِي وَارْزُقْنِي». فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَقَدْ مَلَأَ يَدَيْهِ خَيْرًا».
قلت: في إسناده الفضل بن موفق قال الحافظ ابن أبي حاتم ﵀ في [الجرح والتعديل] (٧/ ٦٨): «سألت أبي عنه فقال: ضعيف الحديث كان شيخاً صالحاً قرابة لابن عيينة وكان يروي أحاديث موضوعة» اهـ.
قلت: هذا جرح شديد فيه.
وروى أبو داود (٨٦١)، والترمذي (٣٠٢) مِنْ طَرِيقِ إِسْمَاعِيلُ يَعْنِي ابْنَ جَعْفَرٍ، أَخْبَرَنِي يَحْيَى بْنُ عَلِيِّ بْنِ يَحْيَى بْنِ خَلَّادِ بْنِ رَافِعٍ الزُّرَقِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنْ رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ : فَقَصَّ هَذَا الْحَدِيثَ قَالَ فِيهِ: «فَتَوَضَّأْ كَمَا أَمَرَكَ اللَّهُ جَلَّ وَعَزَّ، ثُمَّ تَشَهَّدْ، فَأَقِمْ ثُمَّ كَبِّرْ، فَإِنْ كَانَ مَعَكَ قُرْآنٌ فَاقْرَأْ بِهِ، وَإِلَّا فَاحْمَدِ اللَّهَ وَكَبِّرْهُ وَهَلِّلْهُ»، وَقَالَ فِيهِ: «وَإِنِ انْتَقَصْتَ مِنْهُ شَيْئًا انْتَقَصْتَ مِنْ صَلَاتِكَ».
стр. 1861
قلت: إسناده حسن يحيى بن علي بن يحيى بن خلاد. قال فيه ابن حبان ﵀ في [مشاهير علماء الأمصار] برقم (١١٠١): «يحيى بن على بن يحيى بن خلاد بن رفاعة الزرقي مات سنة ثنتين وثلاثين ومائة وكان متقن» اهـ.
وهذا التعديل مقبول من ابن حبان وإنَّما الذي أخذ عليه إدخال المجاهيل الذين لا يعرفهم في كتابه "الثقات" وأمَّا من عرفهم وحكم عليهم بالتوثيق فهم خارجون عمَّا عيب عليه. والله أعلم.
وهكذا جده يحيى بن خلاد ذكره ابن حبان في "الثقات" واحتج به البخاري في "صحيحه" مثله يحسن حديثه على أقل تقدير.
ورواه الطحاوي في [شرح معاني الآثار] (١٣٩٣)، وفي [مشكل الآثار] (٢٢٤٣) حَدَّثَنِي شَرِيكُ بْنُ أَبِي نَمِرٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ يَحْيَى عَنْ عَمِّهِ رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ جَالِسًا فِي الْمَسْجِدِ فَدَخَلَ رَجُلٌ فَصَلَّى، وَرَسُولُ اللهِ ﷺ يَنْظُرُ إِلَيْهِ فَقَالَ لَهُ: «إِذَا قُمْتَ فِي صَلَاتِكَ فَكَبِّرْ ثُمَّ اقْرَأْ إِنْ كَانَ مَعَكَ قُرْآنٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَكَ قُرْآنٌ، فَاحْمَدِ اللهَ، وَكَبِّرْ وَهَلِّلْ، ثُمَّ ارْكَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ رَاكِعًا، ثُمَّ قُمْ حَتَّى تَعْتَدِلَ قَائِمًا، ثُمَّ اسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا ثُمَّ اجْلِسْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ جَالِسًا، فَإِذَا فَعَلْتَ ذَلِكَ فَقَدْ تَمَّتْ صَلَاتُكَ وَمَا أَنْقَصْتَ مِنْ ذَلِكَ، فَإِنَّمَا تُنْقِصُ مِنْ صَلَاتِكَ».
стр. 1862
قلت: هذا من أوهام شريك والصحيح أنَّ علياً بن يحيى يروي عن أبيه عن عمه رفاعة بن رافع كما سبق.
قلت: وبهذا يتبين أنَّ الذي يصح من الحديث هو ذكر التحميد والتكبير والتهليل، وأمَّا التسبيح والحوقلة فخارج عن الشواهد.
واعلم أنَّ الانتقال للذكر إنَّما يكون لمن لم يكن معه شيء من القرآن، فإذا لم يكن معه شيء من الفاتحة ومعه غيرها من القرآن قرأ ما معه من القرآن فإن لم يكن معه شيء من القرآن انتقل إلى التحميد والتكبير والتهليل، ويدل على ذلك قول النبي ﷺ : «فَإِنْ كَانَ مَعَكَ قُرْآنٌ فَاقْرَأْ بِهِ وَإِلَّا فَاحْمِدِ اللَّهَ وَكَبِّرْهُ وَهَلِّلْهُ». والقرآن يشمل الفاتحة وغيرها.
قال العلامة ابن قدامة ﵀ في [المغني] (٢/ ٣٥٠ - ٣٥٢): «فصل: فإن لم يحسن القراءة بالعربية، لزمه التعلم، فإن لم يفعل مع القدرة عليه، لم تصح صلاته، فإن لم يقدر أو خشي فوات الوقت، وعرف من الفاتحة آية، كررها سبعاً.
قال القاضي: لا يجزئه غير ذلك؛ لأنَّ الآية منها أقرب إليها من غيرها.
وكذلك إن أحسن منها أكثر من ذلك، كرره بقدره.
ويحتمل أن يأتي ببقية الآي من غيرها؛ لأنَّ هذه الآية يسقط فرضها بقراءتها، فيعدل عن تكرارها إلى غيرها، كمن وجد بعض الماء، فإنَّه يغسل به، ويعدل إلى التيمم.
стр. 1863
وذكر القاضي هذا الاحتمال في "الجامع". ولأصحاب الشافعي وجهان، كما ذكرنا.
فأمَّا إن عرف بعض آية، لم يلزمه تكرارها، وعدل إلى غيرها؛ لأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أمر الذي لا يحسن القرآن أن يقول: "الحمد لله" وغيرها. وهي بعض آية، ولم يأمره بتكرارها.
وإن لم يحسن شيئاً منها، وكان يحفظ غيرها من القرآن، قرأ منه بقدرها إن قدر، لا يجزئه غيره؛ لما روى أبو داود، عن رفاعة بن رافع، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال: "إذا قمت إلى الصلاة، فإن كان معك قرآن فاقرأ به، وإلَّا فاحمد الله، وهلله، وكبره" ولأنَّه من جنسها، فكان أولى. ويجب أن يقرأ بعدد آياتها.
وهل يعتبر أن يكون بعدد حروفها؟ فيه وجهان: أحدهما، لا يعتبر؛ لأنَّ الآيات هي المعتبرة، بدليل أنَّه لا يكفي عدد الحروف دونها، فأشبه من فاته صوم يوم طويل، فلا يعتبر أن يكون القضاء في يوم على قدر ساعات الأداء.
والثاني: يلزمه ذلك؛ لأنَّ الحرف مقصود؛ بدليل تقدير الحسنات به، ويخالف الصوم، إذ لا يمكن اعتبار المقدار في الساعات إلَّا بمشقة.
فإن لم يحسن إلَّا آية، كررها سبعاً.
فإن لم يحسن شيئاً من القرآن، ولا أمكنه التعلم قبل خروج الوقت، لزمه أن يقول: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلَّا بالله؛
стр. 1864
لما روى أبو داود، قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: إنِّي لا أستطيع أن آخذ شيئاً من القرآن، فعلمني ما يجزئني منه.
فقال: "قل: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله" قال: هذا لله. فما لي؟ قال: "تقول: اللهم اغفر لي، وارحمني، وارزقني، واهدني، وعافني".
ولا يلزمه الزيادة على الخمس الأول؛ لأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اقتصر عليها، وإنَّما زاده عليها حين طلب الزيادة.
وذكر بعض أصحاب الشافعي، أنَّه يزيد على هذه الخمس كلمتين، حتى تكون مقام سبع آيات.
ولا يصح؛ لأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ علمه ذلك جواباً لقوله: علمني ما يجزئني. والسؤال كالمعتاد في الجواب، فكأنَّه قال: يجزئك هذا. وتفارق القراءة من غير الفاتحة؛ لأنَّه بدل من غير الجنس، فأشبه التيمم.
فإن لم يحسن هذه الكلمات كلها، قال ما يحسن منها.
وينبغي أن يلزمه تكرار ما يحسن منها بقدرها، كمن يحسن بعض الفاتحة.
ويحتمل أن يجزئه التحميد والتهليل والتكبير؛ لقول النبي ﷺ : "فإن كان معك قرآن فاقرأ به، وإلَّا فاحمد الله، وهلله، وكبره". رواه أبو داود» اهـ.
وقال العلامة النووي ﵀ في [المجموع] (٣/ ٣٧٤ - ٣٧٨): «قال أصحابنا: إذا لم يقدر علي قراءة الفاتحة وجب عليه تحصيل القدر بتعلم أو تحصيل
стр. 1865
مصحف يقرؤها فيه بشراء أو إجارة أو إعارة فإن كان في ليل أو ظلمة لزمه تحصيل السراج عند الإمكان فلو امتنع من ذلك عند الإمكان أثم ولزمه إعادة كل صلاة صلاها قبل قراءة الفاتحة ودليلنا القاعدة المشهورة في الأصول والفروع أنَّ ما لا يتم الواجب إلَّا به وهو مقدور للمكلف فهو واجب.
وهذا الذي ذكرناه من أنَّه تجب إعادة كل صلاة صلاها قبل قراءة الفاتحة هو المذهب وبه قطع الجمهور وفي "الحاوي" وجه آخر أنَّه تجب إعادة ما صلي من حين أمكنه التعليم إلى أن شرع في التعليم فقط. والصحيح الأول.
فإن تعذرت عليه الفاتحة لتعذر التعليم لضيق الوقت أو بلادته أو عدم المعلم أو المصحف أو غير ذلك لم يجز ترجمة القرآن بغير العربية بل ينظر إن أحسن غيرها من القرآن لزمه قراءة سبع آيات ولا يجزيه دون سبع وإن كانت طوالاً بلا خلاف. ونقل الشيخ أبو محمد في التبصرة وآخرون اتفاق الأصحاب علي هذا ولا يضر طول الآيات وزيادة حروفها علي حروف الفاتحة وهل يشترط أن لا ينقص عن حروفها فيه خلاف جعله المصنف قولين وحكاه جمهور الأصحاب في طريقتي العراق وخراسان وجهين وقال صاحب "الشامل" و"البيان" اختلف أصحابنا فيه فبعضهم حكاه قولين وبعضهم حكاه وجهين ونقلهما القاضي أبو الطيب في تعليقه قولين:
أحدهما: تجب أن تكون بعدد حروف الفاتحة وهو الذي نقل المزني.
стр. 1866
والثاني: لا تجب نص عله الشافعي في باب استقبال القبلة قال: تجب سبع آيات طوالاً كن أو قصاراً. وحاصل ما ذكره الأصحاب ثلاثة أوجه.
أصحها: باتفاقهم بشرط أن لا ينقص حروف الآيات السبع عن حروف الفاتحة ولا يشترط أن كل آية بقدر آية بل يجزيه أن يجعل آيتين بدل آية بحيث يكون مجموع الآيات لا ينقص عن حروف الفاتحة والحرف المشدد بحرفين في الفاتحة والبدل ذكره الشيخ أبو محمد في "التبصرة" وهو واضح.
والثاني: يجب أن يعدل حروف كل آية من البدل حروف آية من الفاتحة علي الترتيب فيكون مثلها أو أطول حكاه البغوي وآخرون وضعفوه.
والثالث: يكفى سبع آيات ناقصات كما يكفى صوم قصير عن طويل. وقول المصنف: لا يمكن اعتبار الساعات إلَّا بمشقة لا يسلم بل يمكنه ذلك بالاستظهار بأطول منه كما قلنا هنا ثم إن لم يحسن سبع آيات متوالية بالشرط المذكور كان له العدول إلى مفرقة بلا خلاف عليه نص في "الأم" واتفقوا عليه لكن الجمهور أطلقوا المسألة.
وقال إمام الحرمين: لو كانت الآية الفردة لا تغير معنى منظوماً إذا قرئت وحدها كقوله: ﴿ثُمَّ نَظَرَ﴾ فيظهر أن لا نأمره بقراءة هذه الآية المتفرقة ونجعله كمن لا يحسن قرآناً أصلاً فسيأتي بالذكر، والمختار ما سبق عن إطلاق الأصحاب، وإن
стр. 1867
كان يحسن سبع آيات متوالية بالشرط المذكور فوجهان حكاهما السرخسي في "الأمالي" وغيره.
أحدهما: لا تجزيه المتفرقة بل تجب قراءة سبع آيات متوالية وبهذا قطع إمام الحرمين والغزالي في "البسيط" والرافعي.
أصحهما: تجزيه المتفرقة من سورة أو سور وبه قطع القاضي أبو الطيب في تعليقه والبندنيجي وصاحب البيان وهو المنصوص في "الأم".
أمَّا إذا كان يحسن دون سبع آيات كآية أو آيتين فوجهان:
أصحهما: يقرأ ما يحسنه ثم يأتي بالذكر عن الباقي لأنَّه عاجز عن الباقي فانتقل إلي بدله.
والثاني: يجب تكرار ما يحسنه حتى يبلغ قدر الفاتحة لأنَّه أقرب إليها من الذكر فلو لم يحسن إلَّا بعض الفاتحة ولم يحسن بدلاً من الذكر وجب تكرار ما يحسنه حتى يبلغ قدرها بلا خلاف، ولو أحسن آية أو آيات من الفاتحة ولم يحسن جميعها فإن لم يحسن لباقيها بدلاً من الذكر؟ وجب تكرار ما أحسنه حتى يبلغ قدر الفاتحة بلا خلاف وإن أحسن لباقيها بدلاً ففيه خلاف حكاه المصنف هنا وجهين وكذا حكاهما الجمهور في طريقتي العراقيين وخراسان وجهين وحكاهما المصنف في "التنبيه" قولين وكذلك حكاهما الشيخ نصر في "تهذيبه". وأصحهما باتفاقهم أنَّه
стр. 1868
يجب قراءة ما يحسنه من الفاتحة ثم يأتي ببدل الباقي لأنَّ الشيء الواحد لا يكون أصلاً وبدلاً.
والثاني: يجب تكرار ما يحفظه من الفاتحة حتى يبلغ قدرها ويجري الخلاف سواء كان البدل الذي يحسنه قرآناً أو ذكراً صرح به الشيخ أبو حامد وغيره لكن لا يجوز الانتقال إلي الذكر إلَّا بعد العجز عن القرآن فإن قلنا بالأصح أنَّه يقرأ ما يحسنه ويأتي بالبدل وجب الترتيب بينهما فإن كان يحفظ أول الفاتحة أتى به ثم يأتي بالبدل ولا يجوز العكس، وإن كان يحفظ آخرها أتى بالبدل ثم قرأ الذي يحفظه منها فلو عكس لم يجزيه علي المذهب وبه قطع الأكثرون، وحكى البغوي وجهاً أنَّه لا يجب هذا الترتيب بل كيف أتى به أجزأه فهو غريب ضعيف. وقد قال إمام الحرمين اتفق أئمتنا على أنَّ هذا الترتيب واجب وعلل بعلتين: إحداهما: أنَّ الترتيب في أركان الصلاة واجب وعليه البدل قبل النصف الثاني من الفاتحة فليقدمه.
والثانية: أنَّ البدل له حكم المبدل والترتيب شرط في نصفي الفاتحة وكذا في نصفها وما قام مقام النصف الأول.
واعلم أنَّ الأحوط والمستحب لمن يحفظ آية من الفاتحة أن يكررها سبع مرات ويأتي مع ذلك ببدل ما زاد عليها ليخرج من الخلاف وممن نبه علي هذا الشيخ أبو محمد في "التبصرة" هذا حكم من يحسن شيئاً من القرآن ولا خلاف أنَّه متى أحسن سبع آيات من القرآن لا يجوز له أن يتركها وينتقل إلى الذكر، فإن كان يحسن دون سبع فهل يكرره أم يأتي ببدل الباقي فيه الخلاف السابق. فإن لم يحسن
стр. 1869
شيئاً منه وجب عليه أن يأتي بالذكر بدلها وهذا لا خلاف فيه عندنا واستدل أصحابنا فيه بحديث عبد الله بن أبي أوفى ﵄ قال: "جاء رجل إلي النبي صلي الله تعالي عليه وسلم فقال: إنِّي لا أستطيع أن آخذ من القرآن شيئاً فعلمني ما يجزيني منه قال: "قل سبحان الله والحمد لله ولا إله إلاَّ الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله" قال: يا رسول الله هذا لله فمالي قال: "قل اللهم ارحمني وارزقني وعافني واهدني" فلما قام قال هكذا بيده فقال رسول الله ﷺ : "أمَّا هذا فقد ملا يده من الخير" رواه أبو داود والنسائي، ولكنه من رواية إبراهيم السكسكي وهو ضعيف، ويغني عنه حديث رفاعة بن رافع قال: "كنا مع رسول الله ﷺ في المسجد فدخل رجل يصلي في ناحية المسجد فجعل رسول الله ﷺ يرمقه ثم جاء فسلم فرد عليه وقال: "ارجع فصل فانَّك لم تصل" ثم جاء فسلم عليه ثم قال: "ارجع فصل فانَّك لم تصل" قال مرتين أو ثلاثاً فقال له في الثالثة أو الرابعة: والذي بعثك بالحق لقد اجتهدت في نفسي فعلمني وأرني فقال له النبي ﷺ : "إذا أردت أن تصلي فتوضأ كما أمرك الله ثم تشهد فأقم ثم كبر فإن كان معك قرآن فاقرأ به وإلاِّ فاحمد الله وكبره وهلله ثم اركع فاطمئن راكعاً ثم اعتدل قائماً": وذكر تمام الحديث" رواه أبو داود والترمذي وقال حديث حسن واختلف أصحابنا في الذكر على ثلاثة أوجه:
стр. 1870
أحدها: وهو قول أبي علي الطبري أنَّه يتعين أن يقول سبحان الله والحمد لله ولا إله إلاَّ الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلَّا بالله. فتجب هذه الكلمات الخمس وتكفيه.
والثاني: أنَّها تتعين ويجب معها كلمتان من الذكر ليصير سبعة أنواع مقام سبع آيات والمراد بالكلمات أنواع الذكر لا الألفاظ المسردة.
والثالث: وهو الصحيح عند المصنف وجمهور الأصحاب وهو الصحيح أيضاً في الدليل أنَّه لا يتعين شيء من الذكر بل يجزيه جميع الأذكار من التهليل والتسبيح والتكبير وغيرها فيجب سبعة أذكار ولكن هل يشترط أن لا ينقص حروف ما أتي به عن حروف الفاتحة فيه وجهان:
أصحهما: يشترط وهما كالوجهين في البدل من القرآن.
قال إمام الحرمين: ولا يراعي هنا إلَّا الحروف بخلاف ما إذا أحسن قرآناً غير الفاتحة فإنَّا نراعي الآيات وفي الحروف خلاف.
وقال البغوي: يجب سبعة أنواع من الذكر يقام كل نوع مقام آية. قال الرافعي: هذا أقرب من قول الإمام.
واحتج لأبي علي الطبري بحديث ابن أبي أوفى وليس فيه غير الكلمات الخمس.
وأجاب القائلون بالصحيح: بأنَّ الحديث ضعيف ولو صح لم يكن فيه نفي وجوب زيادة من الأذكار. فإن قيل: لو وجب زيادة لذكرت. قيل يجوز تأخير البيان إلي وقت الحاجة والله أعلم.
стр. 1871
فإن قيل: ما الفرق بين الذكر والقرآن حيث جوزتم علي قول أبي علي خمس كلمات ولم تجوزوا من القرآن إلَّا سبع آيات بالاتفاق. فالفرق ما ذكره صاحب التتمة أنًّ القرآن بدل للفاتحة من جنسها فاعتبر فيه قدرها والذكر بخلافها فجاز أن يكون دونه كالتيمم عن الوضوء» اهـ.
وقال ﵀ (٣/ ٣٧٩): «إذا لم يحسن شيئاً من القرآن ولا من الذكر ولا أمكنه التعلم وجب عليه أن يقوم بقدر الفاتحة ساكتاً ثم يركع ويجزيه صلاته بلا إعادة لأنَّه مأمور بالقيام والقراءة فإذا عجز عن أحدهما أتي بالآخر لقوله ﷺ : "إذا أمرتكم بأمر فاتوا منه ما استطعتم" رواه البخاري ومسلم» اهـ.
وقال أيضاً ﵀ (٣/ ٣٧٩): «"فرع" في مذاهب العلماء فيمن لا يحسن الفاتحة كيف يصلى إذا لم يمكنه التعلم. فقد ذكرنا أنَّ مذهبنا أنَّه يجب عليه قراءة سبع آيات غيرها فإن لم يحسن شيئاً من القرآن لزمه الذكر فإن لم يحسنه ولا أمكنه وجب أن يقف بقدر قراءة الفاتحة وبه قال أحمد، وقال أبو حنيفة: إذا عجز عن القرآن قام ساكتاً ولا يجب الذكر. وقال مالك: لا يجب ولا القيام وقد سبق دليلنا عليهما» اهـ.
وخلاصة القول في هذه المسألة:
أنَّ من عجز عن حفظ بعض الفاتحة أو جميعها. لزمه أن يقرأها نظراً من المصحف أو من غيره.
стр. 1872
وأمَّا إن كان غير قارئ ولا يوجد من يقرؤه فلا يخلوا من أحوال:
الأولى: أن لا يحفظ شيئاً من الفاتحة فهذا يلزمه أن يقرأ ما تيسر له من القرآن بقدر الفاتحة، وذلك أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال لذلك الرجل: «فَإِنْ كَانَ مَعَكَ قُرْآنٌ فَاقْرَأْ بِهِ» فلم ينقله إلى الذكر إلَّا بعد عجزه عن القرآن، ولأنَّ القرآن من جنس الفاتحة فهو أقرب من الذكر، والتقدير يكون في الآيات لا في الحروف والذي يدل على عدم اعتبار الحروف أمور منها:
١ - أنَّ أهل العلم لا يجوزون له أن يقرأ آية طويلة تجمع حروف الفاتحة أو تزيد على ذلك كآية الدين مثلاً.
٢ - أنَّ الطول والقصر في الآية كالطول والقصر في يوم القضاء فإنَّه لا يراعي في يوم القضاء أن يكون مساوياً لليوم الذي أفطر فيه اتفاقاً.
٣ - لو كانت الحروف معتبرة لاعتبرت في كل آية وهم لا يرون ذلك.
الثانية: أن يحفظ بعض الفاتحة كالآية فما فوقها فهذا يلزمه أن يأتي بما حفظ وهنا مسألتان:
المسألة الأولى: هل يجب عليه الترتيب بين قراءة ما حفظ من الفاتحة والبدل كأن يكون ما حفظه مثلاً من آخر الفاتحة، وما عجز عنه من أولها. فالذي يظهر لي هو مراعاة ذلك فإنَّ الأصل هو الترتيب بين آيات الفاتحة وهكذا البدل فإنَّه تابع لذلك. والله أعلم.
стр. 1873
المسألة الثانية: هل يجب عليه أن يكرر المحفوظ له من الفاتحة حتى تبلغ إلى سبع آيات أو لا يجب عليه ذلك بل ينتقل إلى البدل. الذي يظهر لي أنَّه لا يكرر ذلك بل ينتقل إلى البدل كمن عجز عن غسل بعض الأعضاء في الطهارة فإنَّه لا يكرر العضو السليم عن بقية الأعضاء بل ينتقل إلى البدل.
لكن إذا كان يحفظ آية من الفاتحة أو من غيرها فهل يأتي بها ثم ينتقل إلى الذكر أو يكرر ما يحفظ من القرآن؟.
الذي يظهر لي أنَّ التكرار مقدم على الذكر، وذلك أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نقل المسيء في صلاته إلى الذكر إذا لم يكن معه شيء من القرآن، فليس له أن ينتقل إلى الذكر ومعه شيء من القرآن على ظاهر الحديث. والله أعلم.
الثالثة: أن يحفظ بعض آية فلا يلزمه على الصحيح أن يأتي بها بل ينتقل إلى البدل لأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لم يأمر العاجز أن يأتي بذلك مع أنَّه أمره أن يأتي بالتحميد وهو جزء من الفاتحة والظاهر أنَّه أمره به من باب الذكر لا من باب قراءة القرآن. والله أعلم.
الرابعة: أن لا يحفظ شيئاً من القرآن فهذا ينتقل إلى الذكر. وهنا مسألة:
وهي: أنَّه إذا كان عاجزاً عن بعض الذكر فيلزمه أن يأتي بما أمكنه منه. وهل يلزمه أن يكرره؟ الذي يظهر لي أنَّه يلزمه تكراره لأنَّه لا بدل له حتى ينتقل إليه. وهل
стр. 1874
يكرره بمقدار الفاتحة أو بمقدار الذكر؟ الذي يظهر لي أنَّه يكرره بمقدار الذكر لأنَّه يقوم مقامه.
الخامسة: أن يعجز عن الذكر وهذا يتصور لمن كان فيه آفة بلسانه فهذا يلزمه القيام ساكتاً لكن هل يلزمه بمقدار الفاتحة أو بمقدار الطمأنينة. الذي يظهر لي أنَّه يلزمه القيام بمقدار الفاتحة، وذلك أنَّ أقل طمأنينة للقيام هو مقدار قراءة الفاتحة. والله أعلم.
قال العلامة النووي ﵀ في [المجموع] (٣/ ٣٧٩):
«في مذاهب العلماء فيمن لا يحسن الفاتحة كيف يصلى إذا لم يمكنه التعلم فقد ذكرنا أنَّ مذهبنا أنَّه يجب عليه قراءة سبع آيات غيرها فإن لم يحسن شيئاً من القرآن لزمه الذكر فإن لم يحسنه ولا أمكنه وجب أن يقف بقدر قراءة الفاتحة وبه قال أحمد، وقال أبو حنيفة: إذا عجز عن القرآن قام ساكتاً ولا يجب الذكر.
وقال مالك: لا يجب ولا القيام وقد سبق دليلنا عليهما» اهـ.
٦ - ومما يستثنى من الحديث المسبوق إذا استخلفه الإمام فإنَّه يتم بهم من حيث وقف الإمام الأول ولا يستأنف قراءة الفاتحة.
وقد روى أحمد (٣٣٣٠، ٣٣٥٥)، وابن ماجه (١٢٣٥) مِنْ طَرِيقِ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَرْقَمَ بْنِ شُرَحْبِيلَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «لَمَّا مَرِضَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مَرَضَهُ الَّذِي مَاتَ فِيهِ، كَانَ فِي بَيْتِ عَائِشَةَ، فَقَالَ: "ادْعُوا لِي عَلِيًّا". قَالَتْ عَائِشَةُ: نَدْعُو لَكَ أَبَا بَكْرٍ؟ قَالَ: "ادْعُوهُ". قَالَتْ حَفْصَةُ: يَا رَسُولَ اللهِ، نَدْعُو لَكَ
стр. 1875
عُمَرَ؟ قَالَ: "ادْعُوهُ"، قَالَتْ أُمُّ الْفَضْلِ: يَا رَسُولَ اللهِ، نَدْعُو لَكَ الْعَبَّاسَ؟ قَالَ: "ادْعُوهُ" فَلَمَّا اجْتَمَعُوا رَفَعَ رَأْسَهُ، فَلَمْ يَرَ عَلِيًّا، فَسَكَتَ فَقَالَ عُمَرُ: قُومُوا عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَجَاءَ بِلَالٌ يُؤْذِنُهُ بِالصَّلَاةِ، فَقَالَ: "مُرُوا أَبَا بَكْرٍ يُصَلِّي بِالنَّاسِ"، فَقَالَتْ عَائِشَةُ: إِنَّ أَبَا بَكْرٍ رَجُلٌ حَصِرٌ، وَمَتَى مَا لَا يَرَاكَ النَّاسُ يَبْكُونَ، فَلَوْ أَمَرْتَ عُمَرَ يُصَلِّي بِالنَّاسِ، فَخَرَجَ أَبُو بَكْرٍ فَصَلَّى بِالنَّاسِ. وَوَجَدَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ نَفْسِهِ خِفَّةً، فَخَرَجَ يُهَادَى بَيْنَ رَجُلَيْنِ، وَرِجْلَاهُ تَخُطَّانِ فِي الأَرْضِ، فَلَمَّا رَآهُ النَّاسُ، سَبَّحُوا أَبَا بَكْرٍ، فَذَهَبَ يَتَأَخَّرُ، فَأَوْمَأَ إِلَيْهِ: أَيْ مَكَانَكَ، فَجَاءَ النَّبِيُّ ﷺ حَتَّى جَلَسَ، قَالَ: وَقَامَ أَبُو بَكْرٍ عَنْ يَمِينِهِ، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ يَأْتَمُّ بِالنَّبِيِّ ﷺ ، وَالنَّاسُ يَأْتَمُّونَ بِأَبِي بَكْرٍ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَأَخَذَ النَّبِيُّ ﷺ مِنَ الْقِرَاءَةِ مِنْ حَيْثُ بَلَغَ أَبُو بَكْرٍ، وَمَاتَ فِي مَرَضِهِ ذَاكَ ﵇ وَقَالَ وَكِيعٌ مَرَّةً: فَكَانَ أَبُو بَكْرٍ يَأْتَمُّ بِالنَّبِيِّ ﷺ ، وَالنَّاسُ يَأْتَمُّونَ بِأَبِي بَكْرٍ».
قلت: هذا حديث صحيح.
قال العلامة مقبل الوادعي ﵀ في [أحاديث معلة] (٢٢٠):
«هذا الحديث إذا نظرت في سنده وجدتهم ثقات، ولكن أبا إسحاق مدلس ولم يصرح بالتحديث، قال الإمام البخاري ﵀ في "التاريخ" في ترجمة أرقم بن شرحبيل: ولم يذكر أبو إسحاق سماعاً منه» اهـ.
стр. 1876
قلت: أبو إسحاق متابع تابعه عبد الله بن أبي السَّفَرِ فيما رواه أحمد في [مسنده] (١٧٨٥).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كما في [مجموع الفتاوى] (٢٣/ ٢٩٠ - ٢٩١):
«وأيضاً فهذا عموم قد خص منه المسبوق بحديث أبي بكرة وغيره وخص منه الصلاة بإمامين فأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لما صلى بالناس وقد سبقه أبو بكر ببعض الصلاة قرأ من حيث انتهى أبو بكر ولم يستأنف قراءة الفاتحة لأنَّه بنى على صلاة أبي بكر فإذا سقطت عنه الفاتحة في هذا الموضع فعن المأموم أولى. وخص منه حال العذر وحال استماع الإمام حال عذر فهو مخصوص وأمر المأموم بالإنصات لقراءة الإمام لم يخص معه شيء لا بنص خاص ولا إجماع وإذا تعارض عمومان أحدهما محفوظ والآخر مخصوص وجب تقديم المحفوظ» اهـ.
* * *
٩٥ - عَنْ أَبِي قَتَادَةَ الأَنْصَارِيِّ ﵁ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقْرَأُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ مِنْ صَلاةِ الظُّهْرِ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَسُورَتَيْنِ، يُطَوِّلُ
стр. 1877
فِي الأُولَى، وَيُقَصِّرُ فِي الثَّانِيَةِ، وَيُسْمِعُ الآيَةَ أَحْيَاناً، وَكَانَ يَقْرَأُ فِي الْعَصْرِ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَسُورَتَيْنِ يُطَوِّلُ فِي الأُولَى، وَيُقَصِّرُ فِي الثَّانِيَةِ وَفِي الرَّكْعَتَيْنِ الأُخْرَيَيْنِ بِأُمِّ الْكِتَابِ. وَكَانَ يُطَوِّلُ فِي الرَّكْعَةِ الأُولَى مِنْ صَلاةِ الصُّبْحِ، وَيُقَصِّرُ فِي الثَّانِيَةِ».
وفي الحديث مسائل منها:
١ - استحباب قراءة ما زاد على الفاتحة في الركعتين الأوليين.
قَالَ الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٤/ ٤١٤):
«وهذا متفق على استحبابه بين العلماء، وفي وجوبه خلاف سبق ذكره» اهـ.
٢ - استدل به على أنَّ قراءة سورة تامة أفضل من قراءة قدرها من أثناء سورة طويلة.
قلت: ويجوز الاقتصار على بعض سورة والقراءة من أثناء السورة وفي ذلك أدلة منها:
ما رواه أحمد (٢٣٥٩٠)، وابن أبي شيبة في [مصنفه] (٣٦١١) واللفظ له، وابن خزيمة (٥١٨)، والحاكم (٨٦٦) مِنْ طَرِيقِ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ زَيْدٍ، أَوْ أَبِي أَيُّوبَ؛ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَرَأَ فِي الْمَغْرِبِ بِالأَعْرَافِ فِي الرَكْعَتَيْنِ جَمِيعًا».
وحديث الحاكم من حديث زيد من غير تردد.
стр. 1878
قال الحاكم ﵀: «هذا حديث صحيح على شرط الشيخين إن لم يكن فيه إرسال ولم يخرجاه بهذا اللفظ» اهـ.
وقال الحافظ الذهبي ﵀ في معلقاً على الحديث: «فيه انقطاع» اهـ.
وقال الحافظ العلائي ﵀ في [جامع التحصيل] (ص: ٢٣٦) - عند كلامه على عروة بن الزبير -:
«وذكره بن المديني فيمن لم يثبت له لقاء زيد بن ثابت ﵃» اهـ.
وقال الإمام الترمذي ﵀ في [العلل الكبير] (١/ ١٣٠): «سألت محمداً عن حديث محمد بن عبد الرحمن الطفاوي، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن أبي أيوب، وزيد بن ثابت، قالا: "كأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يقرأ في الركعتين الأوليين من المغرب بالأعراف" فقال: الصحيح عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن أبي أيوب أو زيد بن ثابت. هشام بن عروة يشك في هذا الحديث. وصحح هذا الحديث عن زيد بن ثابت رواه ابن أبي مليكة، عن عروة، عن مروان بن الحكم، عن زيد بن ثابت» اهـ.
وسئل الحافظ الدارقطني ﵀ في [العلل] (٦/ ١٢٧) عن حديث عروة بن الزبير، عن أبي أيوب، وزيد بن ثابت، قالا: «كأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ربما قرأ في الركعتين الأوليين من المغرب بالأعراف» اهـ.
فقال: «يرويه هشام بن عروة، واختلف عنه؛ فقال محمد بن عبد الرحمن الطفاوي: عن هشام، عن أبيه، عن أبي أيوب، وزيد.
стр. 1879
وخالفه أصحاب هشام، منهم: عبدة بن سليمان، ومحمد بن بشر، ووكيع، وغيرهم، فقالوا: عن هشام، عن أبيه، عن أبي أيوب، أو زيد بن ثابت، وهو الصحيح، عن هشام، فإنَّه كان يشك في هذا الحديث.
والصحيح من هذا الحديث زيد بن ثابت، ولم يسمعه عروة منه، إنَّما سمعه من مروان، عن زيد بن ثابت، بين ذلك ابن جريج، عن ابن أبي مليكة، عن عروة، قال: أخبرني مروان بن الحكم، عن زيد بن ثابت» اهـ.
ورواه النسائي (٩٩١) أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا بَقِيَّةُ، وَأَبُو حَيْوَةَ، عَنْ ابْنِ أَبِي حَمْزَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَرَأَ فِي صَلَاةِ الْمَغْرِبِ بِسُورَةِ الْأَعْرَافِ فَرَّقَهَا فِي رَكْعَتَيْنِ».
قال الحافظ البيهقي ﵀ في [معرفة السنن والآثار] (٢/ ٢١٧):
«والصحيح رواية ابن أبي مليكة عن عروة عن مروان عن زيد بن ثابت. "كأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يقرأ في المغرب بطولى الطوليين" قال فقلت لعروة: ما طولى الطوليين؟ قال: الأعراف. وقال ابن مليكة: الأنعام والأعراف» اهـ.
ورواه الطبراني في [المعجم الكبير] (٣٧٩٥) حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَلَمٍ الرَّازِيُّ، ثنا سَهْلُ بْنُ عُثْمَانَ، ثنا عُقْبَةُ بْنُ خَالِدٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ
стр. 1880
«أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ : كَانَ يَقْرَأُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ مِنَ الْمَغْرِبِ بِسُورَةِ الْأَنْفَالِ».
ورواه الطبراني في [المعجم الكبير] (٤٦٩٠) حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَلْمٍ الرَّازِيُّ، ثنا سَهْلُ بْنُ عُثْمَانَ، ثنا عُقْبَةُ بْنُ خَالِدٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقْرَأُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ مِنَ الْمَغْرِبِ بِسُورَةِ الْأَنْفَالِ».
قلت: الذي يظهر لي أنَّه من أوهام عقبة بن خالد فقد خالف في متن الحديث كل من روى الحديث عن هشام فإنَّهم ذكروا في حديثهم قراءة النبي ﷺ للأعراف ولم يذكروا قراءته للأنفال.
وأمَّا الاضطراب في صحابي الحديث فمن جهة هشام بن عروة كما بيَّن ذلك الحافظ الدارقطني فيما مضى.
والحديث في البخاري (٧٦٤) حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ قَالَ: قَالَ لِي زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ: «مَا لَكَ تَقْرَأُ فِي الْمَغْرِبِ بِقِصَارٍ وَقَدْ سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقْرَأُ بِطُولِ الطُّولَيَيْنِ».
وليس فيه قوله: «فِي الرَكْعَتَيْنِ جَمِيعًا».
стр. 1881
وهذا الحديث يدل على جواز الاقتصار على بعض السورة في الركعة الأولى والقراءة في الثانية من أثناء السورة. لكنه لم يصح من الحديث إلَّا حديث زيد الذي رواه البخاري وليس فيه محل الشاهد.
وروى مسلم (١٠٢٢) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ السَّائِبِ قَالَ: «صَلَّى لَنَا النَّبِيُّ ﷺ الصُّبْحَ بِمَكَّةَ فَاسْتَفْتَحَ سُورَةَ الْمُؤْمِنِينَ حَتَّى جَاءَ ذِكْرُ مُوسَى وَهَارُونَ أَوْ ذِكْرُ عِيسَى مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ يَشُكُّ أَوْ اخْتَلَفُوا عَلَيْهِ أَخَذَتْ النَّبِيَّ ﷺ سَعْلَةٌ فَرَكَعَ» وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ السَّائِبِ حَاضِرٌ ذَلِكَ.
ورواه البخاري معلقاً.
وهذا الحديث يدل على جواز الاقتصار على بعض السورة في الركعة. لكن قد يقَالَ: إنَّ الحاجة ألجأته إلى ذلك وإلاَّ لعله يستمر بها حتى يتمها.
وقد جاء ما يدل على القراءة من أثناء السورة في الركعتين جميعاً في ركعتي سنة الفجر.
فروى مسلم (٧٢٧) عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَقْرَأُ فِي رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ فِي الْأُولَى مِنْهُمَا:
﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾
الْآيَةَ الَّتِي فِي الْبَقَرَةِ وَفِي الْآخِرَةِ مِنْهُمَا
﴿آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾».
стр. 1882
قَالَ الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٤/ ٤٦٥):
«وأكثر العلماء على أنَّه لا يكره قراءة أوائل السور وأوساطها وخواتمها في الصلاة.
وقد روي عن ابن مسعود، أنه كان يقرأ في المفروضة بخواتيم السور وعن أحمد، يكره القراءة من أوساط السور دون خواتيمها.
وعنه، أنَّه يكره قراءة أواخر السور.
كذا حكاها طائفة من أصحابنا عن أحمد، ومنهم من حملها على كراهة المداومة على ذلك دون فعله أحياناً؛ لأنَّ أصحاب النبي كان الغالب عليهم قراءة السورة التامة، فيكره مخالفتهم في أفعالهم» اهـ.
قلت: الذي يظهر لي عدم كراهة ذلك لعدم الدليل على الكراهة لكن الأفضل أن يقرأ سورة تامة في ركعة كما هو الأمر الغالب من فعل النبي ﷺ .
٣ - استحباب تطويل الأولى على الثانية دفعاً للملل وحتى يدرك الناس الصلاة من أولها.
قلت: ومما يدل على أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كان يطيل الركعة الأولى أطول من الثانية ما رواه البخاري (٨٩١)، ومسلم (٨٨٠) عن أبي هريرة، ﵁، قَالَ: «كَانَّ النَّبِيُّ ﷺ يَقْرَأُ فِي الْجُمُعَةِ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ ﴿الم تَنْزِيلُ﴾ السَّجْدَةَ، وَ ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الإِنْسَانِ﴾».
стр. 1883
قلت: وقد جاء ما قد يدل على التسوية بينهما في الإطالة فروى البخاري (٧٧٠)، ومسلم (٤٥٣) عن جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ قَالَ عُمَرُ لِسَعْدٍ: «لَقَدْ شَكَوْكَ فِي كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى الصَّلَاةِ قَالَ أَمَّا أَنَا فَأَمُدُّ فِي الأُولَيَيْنِ وَأَحْذِفُ فِي الأُخْرَيَيْنِ، وَلَا آلُو مَا اقْتَدَيْتُ بِهِ مِنْ صَلَاةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: صَدَقْتَ ذَاكَ الظَّنُّ بِكَ، أَوْ ظَنِّي بِكَ».
قلت: والذي يقوى عندي هو حمل الحديث على تطويلهما على الأوليين لا التسوية بينهما في الطول.
وروى مسلم (٤٥٢) عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقْرَأُ فِي صَلَاةِ الظُّهْرِ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ قَدْرَ ثَلَاثِينَ آيَةً وَفِي الْأُخْرَيَيْنِ قَدْرَ خَمْسَ عَشْرَةَ آيَةً أَوْ قَالَ نِصْفَ ذَلِكَ وَفِي الْعَصْرِ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ قَدْرَ قِرَاءَةِ خَمْسَ عَشْرَةَ آيَةً وَفِي الْأُخْرَيَيْنِ قَدْرَ نِصْفِ ذَلِكَ».
واحتج بهذا من قَالَ: إنَّما طالت الأولى بدعاء الافتتاح والتعوذ وأمَّا في القراءة فهما سواء.
وجاء ما يدل على أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كان يسوي بين الركعتين في بعض الصلوات فروى مسلم (٨٧٩) عن ابن عباس: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقْرَأُ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ الم تَنْزِيلُ السَّجْدَةِ وَهَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ
стр. 1884
مِنْ الدَّهْرِ وَأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقْرَأُ فِي صَلَاةِ الْجُمُعَةِ سُورَةَ الْجُمُعَةِ وَالْمُنَافِقِينَ».
قلت: وكلاً من السورتين إحدى عشرة آية.
وروى أبو داود (٨١٦) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنِى عَمْرٌو عَنِ ابْنِ أَبِى هِلَالٍ عَنْ مُعَاذِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْجُهَنِيِّ أَنَّ رَجُلاً مِنْ جُهَيْنَةَ أَخْبَرَهُ: «أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقْرَأُ فِي الصُّبْحِ ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ﴾ فِي الرَّكْعَتَيْنِ كِلْتَيْهِمَا فَلَا أَدْرِي أَنَسِيَ رَسُولُ اللهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَمْ قَرَأَ ذَلِكَ عَمْدًا عمداً».
قلت: هذا حديث صحيح.
وجاء ما يدل على تطويل الركعة الثانية على الأولى فيما رواه مسلم (٨٧٨) عن النعمان بن بشير قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقْرَأُ فِي الْعِيدَيْنِ وَفِي الْجُمُعَةِ بِسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ قَالَ: وَإِذَا اجْتَمَعَ الْعِيدُ وَالْجُمُعَةُ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ يَقْرَأُ بِهِمَا أَيْضًا فِي الصَّلَاتَيْنِ».
قلت: سورة الأعلى ثمانية عشر آية، وأمَّا الغاشية فستة وعشرون آية.
قَالَ الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٤/ ٤١٨ - ٤٢٠):
стр. 1885
«وقد ذهب إلى القول بظاهره في استحباب تطويل الركعة الأولى على ما بعدها من جميع الصلوات طائفة من العلماء، منهم: الثوري وأحمد وإسحاق ومحمد بن الحسن، وطائفة من أصحاب الشافعي، وروى عن عمر.
وقد خرج الإمام أحمد وأبو داود حديث أبي قتادة، وزاد فيه: فظننا أنَّه يريد بذلك أن يدرك الناس الركعة الأولى.
وخرج مسلم من حديث أبي سعيد الخدري، قَالَ: لقد كانت صلاة الظهر تقام، فيذهب الذاهب إلى البقيع فيقضي حاجته، ثم يتوضأ، ثم يأتي ورسول الله في الركعة الأولى؛ مما يطولها.
وقد سبق حديث أبي سعيد الذي خرجه مسلم، أنَّ قراءته في الثانية كانت على النصف من قراءته في الأولى.
وخرج الإمام أحمد من حديث شهر بن حوشب، عن أبي مالك الأشعري: "أَنَّ النَّبِيَّ كان يسوي بين الأربع ركعات في القراءة والقيام ويجعل الركعة الأولى هي أطولهن، لكي يثوب الناس".
وقَالَ أبو حنيفة وأبو يوسف: لا يطيل سوى الركعة من الفجر؛ لأنه وقت غفلة ونوم، ويسوي بين الركعات في سائر الصلوات.
стр. 1886
وقَالَ مالك والشافعي: يسوى بين الركعتين الأولتين في جميع الصلوات واستدل لذلك بقول سعد: "أركد في الأوليين"، وليس بصريح ولا ظاهر في التسوية بينهما.
واستدل أيضاً - بحديث أبي سعيد، أنهم حزروا قيام النبي في الظهر في الركعتين الأوليين قدر قراءة ثلاثين آية، وقد سبق.
ولكن في رواية أحمد وابن ماجه: أنَّ قيامه في الثانية كان على النصف من ذلك، وهذه الرواية توافق أكثر الأحاديث الصحيحة، فهي أولى.
واستدل لهم بقراءة النبي: "سبح" و"الغاشية" و"الجمعة" و"المنافقين" و"تنزيل السجدة" و"هل أتى" و"ق" و"اقتربت"، هي سور متقاربة.
وأمَّا تطويل الركعة الثالثة على الرابعة، فالأكثرون على أنَّه لا يستحب، ومن الشافعية من نقل الاتفاق عليه، ومنهم من حكى لأصحابهم فيه وجهين.
وهذا إنما يتفرع على أحد قولي الشافعي باستحباب القراءة في الأخريين بسور مع الفاتحة.
وقد خرج البزار والبيهقي من حديث عبد الله بن أبي أوفي، قَالَ: "كأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ يطيل الركعة الأولى من الظهر، فلا يزال يقرأ قائماً ما دام يسمع خفق نعال القوم، ويجعل الركعة الثانية أقصر من الأولى، والثالثة أقصر من الثانية، والرابعة أقصر من الثالثة" وذكر مثل ذلك في صلاة العصر والمغرب وفي إسناده: أبو إسحاق الحميسي، ضعفوه.
стр. 1887
وقد خرجه بقي بن مخلد في " مسنده" بإسناد أجود من هذا، لكن ذكر أبو حاتم الرازي أنَّ فيه انقطاعاً، ولفظه في الظهر: ويجعل الثانية أقصر من الأولى، والثالثة أقصر من الثانية، والرابعة كذلك، وقَالَ في العصر: يطيل في الأولى، ويقصر الثانية والثالثة والرابعة كذلك. وقَالَ في المغرب: يطيل في الأولى، ويقصر في الثانية والثالثة.
وهذا اللفظ لا يدل على تقصير الرابعة عن الثالثة» اهـ.
٤ - قَالَ الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٤/ ٤٨٤ - ٤٨٧):
«قوله: " كان يسمعنا الآية أحياناً" ظاهره أنَّه كان يقصد ذلك، وقد يكون فعله ليعلمهم أنَّه يقرأ في الظهر والعصر، فإنَّه حصل لبعضهم شك في ذلك كما تقدم.
وقد يكون فعله ليعلمهم هذه السورة المعينة، كما روي ذلك عَنْ أَنَسٍ وغيره؛ أو ليبين جواز الجهر في قراءة النهار، وأنَّ الصلاة لا تبطل به.
وقَالَت طائفة من العلماء: لم يكن إسماعهم الآية أحياناً عن قصد، إنَّما كان يقع اتفاقاً عن غير قصد؛ فإنَّه كان يقرأ لنفسه سراً، فربما استغرق في تدبر ما يقرأه، أو لعله كان يقصد تحقيق القراءة، فيقع سماع قراءته للآية أحياناً لذلك من غير أن يتعمد إسماعهم، أو أن يكون وقع الإسماع منه على وجه السهو وفي هذا نظر.
стр. 1888
قَالَ الشافعي: لا نرى بأساً أن يتعمد الرجل الجهر بالشيء من القرآن ليعلم من خلفه أنَّه يقرأ. قَالَ: وهم يكرهون هذا، ويوجبون السهو على من فعله. يشير إلى أهل الكوفة.
واختلف كلام الإمام أحمد في ذلك:
فنقل عنه حنبل في قراءة النهار: ترى للرجل أن يسمع من يليه؟ قَالَ: الحرف ونحو ذلك، ولا يغلط صاحبه؛ كَانَّ النَّبِيُّ يسمعهم الآية أحياناً وقَالَ: صلاة النهار عجماء لا يجهر فيما.
ونقل عنه إسماعيل بن سعيد الشالنجي في الإمام يسمع من يليه، فكره ذلك في صلاة النهار، وقَالَ: لا أرى عليه سهواً في ذلك - أي: سجود سهو.
وروى الشافعي بإسناده، عن ابن مسعود، أنه سمع قراءة في الظهر والعصر.
قَالَ الشافعي: وهذا عندنا لا يوجب سهواً - يعني: سجوداً.
وروى وكيع في كتابه عن سيف المكي، عن مجاهد، أنَّه سمع عبد الله بن عمرو يقرأ في الظهر بـ ﴿كهيعص﴾.
وروى الجوزجاني بإسناده، عن أبي عثمان النهدي، قَالَ: سمعت من ابن عمر نغمة من ﴿ق﴾ في صلاة الظهر.
стр. 1889
وروى حماد بن سلمة، عن حميد وثابت وقتادة والتيمي، أن أنساً صلى بهم الظهر والعصر، وكان يسمعهم النغمة أحياناً. وروى عنه مرفوعاً. ووقفه أصح -: قَالَه أبو حاتم والدار قطني وغيرهما.
وروي عن خباب بن الأرت، أنَّه قرأ بهم في الظهر بـ ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ﴾، فسمع قراءته حتى تعلمها من خلفه.
وعنه: قرأ بهم في العصر ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ﴾ فجهر بها.
وقَالَ علقمة: صليت إلى جنب عبد الله بن مسعود بالنهار، فلم أدر أي شيء قرأ، حتى سمعته يقول:
﴿رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾، فظننته يقرأ "طه".
وقَالَ النخعي: كان بعضهم يسمعهم الآية في الظهر والعصر.
وخرج النسائي وابن ماجه من حديث البراء بن عازب، قَالَ: "كأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ يصلي بنا الظهر، فنسمع منه الآية بعد الآية من سورة لقمان والذاريات".
واختلفوا فيمن جهر فيما يخافت فيه: هل يسجد للسهو، أم لا؟.
فقَالَت طائفة: لا يسجد، وروي عَنْ أَنَسٍ وعلقمة والأسود، أنَّهم فعلوه ولم يسجدوا. وهو قول الأوزاعي والشافعي. وقَالَ النخعي والثوري وأبو حنيفة: يسجد لذلك. وعن أحمد فيه روايتان.
وقَالَ مالك: إن تطاول ذلك سجد للسهو، ولا أرى عليه في السر سهواً.
стр. 1890
واستدل أحمد بأنَّه لا يجب السجود لذلك بأَنَّ النَّبِيَّ كان يسمع منه نغمة في صلاة الظهر، وبأنَّ أنساً جهر فلم يسجد.
قلت: المروي عن الصحابة قد تقدم أنَّه كان عمداً منهم فعلوه؛ لتعليم من وراءهم سنة القراءة، والعمد لا يسجد له.
وفيه رد على من قَالَ: تبطل صلاته بتعمد الجهر فيما يسر فيه، كما تقدم.
فقد حكي عن ابن أبي ليلى، أنَّه تبطل الصلاة بتركه عمداً ونسياناً وهو بعيد جداً» اهـ.
قلت: إذا كان تعمد فعل ذلك لا يؤثر في الصلاة فإذا كان سهواً فهو أولى بعدم التأثير فلا يحتاج إلى سجود سهو والله أعلم.
٥ - ويدل الحديث على الاقتصار على الفاتحة في الركعتين الأخيرتين من الظهر والعصر.
قَالَ الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٤/ ٤٧٦ - ٤٧٨):
«وقد ذهب أكثر العلماء إلى القول بذلك، وأنَّه لا يزيد في الركعتين الأخريين والثالثة من المغرب على فاتحة الكتاب.
وروي نحو ذلك عن علي وابن مسعود وعائشة وأبي هريرة وجابر وأبي الدرداء.
وعن ابن سيرين، قَالَ: لا أعلمهم يختلفون أنَّه يقرأ في الركعتين الأوليين بفاتحة الكتاب وسورة، وفي الأخريين بفاتحة الكتاب.
стр. 1891
وقد دل على ذلك - أيضاً -: حديث سعد في الحذف في الأخريين. وقد تقدم في مواضع من الكتاب.
وروى مالك عن نافع، عن ابن عمر، أنَّه كان إذا صلى وحده يقرأ في الأربع جميعاً، في كل ركعة بأم القرآن وسورة.
وذهب الشافعي - في أحد قوليه - أنَّه يستحب أن يقرأ سورة مع أم القرآن في الركعات كلها.
ومن أصحابنا من حكاه رواية عن أحمد، وأكثر أصحابنا قَالَوا: لا يستحب -: رواية واحدة.
وفي كراهيته عنه روايتان.
وقد تقدم عن أبي بكر الصديق، أنَّه قرأ في الثالثة من المغرب بعد الفاتحة: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾.
وقد استحب أحمد ذلك في رواية.
قَالَ القاضي أبو يعلى: يحتمل أنَّه استحبه؛ لأنَّه دعاء، فإنَّه قَالَ في رواية الأثرم: إن شاء قَالَه. قَالَ: ولا تدري أكان ذلك من أبي بكر قراءة أو دعاء.
وقد تقدم من حديث أبي سعيد الخدري ما يدل على أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كان يقرأ في الركعتين الأخريين على قدر نصف قراءته في الأوليين.
стр. 1892
وحمله طائفة من أصحابنا وغيرهم على أنَّ هذا كان يفعله أحياناً لبيان الجواز، فيدل على أنَّه غير مكروه، خلافاً لمن كرهه. والله أعلم» اهـ.
قلت: قراءة أبي بكر للآية من سورة آل عمران رواها مالك في [الموطأ] (٢٠٩)
عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ مَوْلَى سُلَيْمَانَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ نُسَيٍّ، عَنْ قَيْسِ بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الصُّنَابِحِيِّ قَالَ: «قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ فِي خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ فَصَلَّيْتُ وَرَاءَهُ الْمَغْرِبَ فَقَرَأَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الأَوُلَيَيْنِ بِأُمِّ الْقُرْآنِ، وَسُورَةٍ: سُورَةٍ مِنْ قِصَارِ الْمُفَصَّلِ، ثُمَّ قَامَ فِي الثَّالِثَةِ، فَدَنَوْتُ مِنْهُ حَتَّى إِنَّ ثِيَابِي لَتَكَادُ أَنْ تَمَسَّ ثِيَابَهُ، فَسَمِعْتُهُ قَرَأَ بِأُمِّ الْقُرْآنِ وَبِهَذِهِ الآيَةِ: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا، وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾».
قلت: إسناده صحيح.
وحديث أبي سعيد الخدري قد سبق رواه مسلم (٤٥٢) ولفظه: «كُنَّا نَحْزِرُ قِيَامَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ فَحَزَرْنَا قِيَامَهُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ مِنْ الظُّهْرِ قَدْرَ قِرَاءَةِ الم تَنْزِيلُ السَّجْدَةِ وَحَزَرْنَا قِيَامَهُ فِي الْأُخْرَيَيْنِ قَدْرَ النِّصْفِ مِنْ ذَلِكَ وَحَزَرْنَا قِيَامَهُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ مِنْ الْعَصْرِ عَلَى قَدْرِ قِيَامِهِ فِي الْأُخْرَيَيْنِ مِنْ الظُّهْرِ وَفِي الْأُخْرَيَيْنِ مِنْ الْعَصْرِ عَلَى النِّصْفِ مِنْ ذَلِكَ».
قلت: وظاهره الاقتصار في الركعتين الأخيرتين من العصر بفاتحة الكتاب. والله أعلم.
стр. 1893
والذي يظهر لي جواز الزيادة على فاتحة الكتاب في الركعتين الأخيرتين من الصلاة الرباعية، والركعة الثالثة من الثلاثية في بعض الأوقات على أن يكون الأمر الغالب هو عدم القراءة كما كان هدي النبي ﷺ .
* * *
стр. 1894
٩٦ - عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ ﵁ قَالَ: «سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقْرَأُ فِي الْمَغْرِبِ بِالطُّورِ».
وفي الحديث مسائل منها:
١ - جواز الإطالة بالقراءة في صلاة المغرب في بعض الأوقات. وتأويل من تأول ذلك بأنَّه قرأ ببعضها تأويل خلاف الظاهر.
وقد قرأ النبي ﷺ فيها بالمرسلات. فروى البخاري (٤٤٢٩)، ومسلم (٤٦٢) عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ، ﵄ عَنْ أُمِّ الْفَضْلِ بِنْتِ الْحَارِثِ قَالَتْ: «سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقْرَأُ فِي الْمَغْرِبِ بِـ ﴿الْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا﴾ ثُمَّ مَا صَلَّى لَنَا بَعْدَهَا حَتَّى قَبَضَهُ اللَّهُ».
وقرأ بما هو أطول من ذلك فروى البخاري (٧٦٤) عَنْ مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ قَالَ:
«قَالَ لِي زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ مَا لَكَ تَقْرَأُ فِي الْمَغْرِبِ بِقِصَارٍ وَقَدْ سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقْرَأُ بِطُولِ الطُّولَيَيْنِ».
قلت: والمراد بها الأعراف وسميت بذلك لأنَّها أطول سورة بعد سورة البقرة.
قَالَ الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٤/ ٤٣٥):
«فإن قرأ في المغرب بهذه السور الطوال ففي كراهته قولان:
أحدهما: يكره، وهو قول مالك.
والثاني: لا يكره، بل يستحب، وهو قول الشافعي؛ لصحة الحديث بذلك، حكى ذلك الترمذي في "جامعه"، وكذلك نص أحمد على أنَّه لا بأس به» اهـ.
стр. 1895
قلت: وقد كان الأمر الغالب من فعل النبي ﷺ في صلاة المغرب القراءة بصغار المفصل.
فقد روى أحمد (٧٩٧٨، ١٠٨٩٥)، والنسائي (٩٨٢، ٩٨٣) مِنْ طَرِيقِ عَنِ الضَّحَّاكِ بْنِ عُثْمَانَ عَنْ بُكَيْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ:
«مَا صَلَّيْتُ وَرَاءَ أَحَدٍ أَشْبَهَ صَلَاةً بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ فُلَانٍ. قَالَ سُلَيْمَانُ كَانَ يُطِيلُ الرَّكْعَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ مِنَ الظُّهْرِ وَيُخَفِّفُ الأُخْرَيَيْنِ وَيُخَفِّفُ الْعَصْرَ وَيَقْرَأُ فِي الْمَغْرِبِ بِقِصَارِ الْمُفَصَّلِ وَيَقْرَأُ فِي الْعِشَاءِ بِوَسَطِ الْمُفَصَّلِ وَيَقْرَأُ فِي الصُّبْحِ بِطُوَلِ الْمُفَصَّلِ».
قلت: هذا حديث حسن.
وروى البخاري (٥٥٩)، ومسلم (٦٣٧) عن رافع بن خديج يقول: «كُنَّا نُصَلِّي الْمَغْرِبَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فَيَنْصَرِفُ أَحَدُنَا وَإِنَّهُ لَيُبْصِرُ مَوَاقِعَ نَبْلِهِ».
قلت: وهذا لا يكون إلَّا مع تقصير الصلاة.
قَالَ الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٤/ ٤٣١):
«وذكر الترمذي: أنَّ العمل عند أهل العلم على القراءة في المغرب بقصار المفصل. وهذا يشعر بحكاية الإجماع عليه.
وممن استحب ذلك ابن مبارك والثوري والشافعي وأحمد وإسحاق، وقَالَ: كانوا يستحبون ذلك» اهـ.
следующие страницы →