← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 30178

تحفة السائل في بيان ما في عمدة الأحكام من المسائل

أبو بكر الحمادي

Полный текст (8 095 стр.). Показаны 1891–1930 · переход к 1896.

стр. 1891

وقد دل على ذلك - أيضاً -: حديث سعد في الحذف في الأخريين. وقد تقدم في مواضع من الكتاب. وروى مالك عن نافع، عن ابن عمر، أنَّه كان إذا صلى وحده يقرأ في الأربع جميعاً، في كل ركعة بأم القرآن وسورة. وذهب الشافعي - في أحد قوليه - أنَّه يستحب أن يقرأ سورة مع أم القرآن في الركعات كلها. ومن أصحابنا من حكاه رواية عن أحمد، وأكثر أصحابنا قَالَوا: لا يستحب -: رواية واحدة. وفي كراهيته عنه روايتان. وقد تقدم عن أبي بكر الصديق، أنَّه قرأ في الثالثة من المغرب بعد الفاتحة: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾. وقد استحب أحمد ذلك في رواية. قَالَ القاضي أبو يعلى: يحتمل أنَّه استحبه؛ لأنَّه دعاء، فإنَّه قَالَ في رواية الأثرم: إن شاء قَالَه. قَالَ: ولا تدري أكان ذلك من أبي بكر قراءة أو دعاء. وقد تقدم من حديث أبي سعيد الخدري ما يدل على أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كان يقرأ في الركعتين الأخريين على قدر نصف قراءته في الأوليين.

стр. 1892

وحمله طائفة من أصحابنا وغيرهم على أنَّ هذا كان يفعله أحياناً لبيان الجواز، فيدل على أنَّه غير مكروه، خلافاً لمن كرهه. والله أعلم» اهـ. قلت: قراءة أبي بكر للآية من سورة آل عمران رواها مالك في [الموطأ] (٢٠٩) عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ مَوْلَى سُلَيْمَانَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ نُسَيٍّ، عَنْ قَيْسِ بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الصُّنَابِحِيِّ قَالَ: «قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ فِي خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ فَصَلَّيْتُ وَرَاءَهُ الْمَغْرِبَ فَقَرَأَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الأَوُلَيَيْنِ بِأُمِّ الْقُرْآنِ، وَسُورَةٍ: سُورَةٍ مِنْ قِصَارِ الْمُفَصَّلِ، ثُمَّ قَامَ فِي الثَّالِثَةِ، فَدَنَوْتُ مِنْهُ حَتَّى إِنَّ ثِيَابِي لَتَكَادُ أَنْ تَمَسَّ ثِيَابَهُ، فَسَمِعْتُهُ قَرَأَ بِأُمِّ الْقُرْآنِ وَبِهَذِهِ الآيَةِ: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا، وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾». قلت: إسناده صحيح. وحديث أبي سعيد الخدري قد سبق رواه مسلم (٤٥٢) ولفظه: «كُنَّا نَحْزِرُ قِيَامَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ فَحَزَرْنَا قِيَامَهُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ مِنْ الظُّهْرِ قَدْرَ قِرَاءَةِ الم تَنْزِيلُ السَّجْدَةِ وَحَزَرْنَا قِيَامَهُ فِي الْأُخْرَيَيْنِ قَدْرَ النِّصْفِ مِنْ ذَلِكَ وَحَزَرْنَا قِيَامَهُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ مِنْ الْعَصْرِ عَلَى قَدْرِ قِيَامِهِ فِي الْأُخْرَيَيْنِ مِنْ الظُّهْرِ وَفِي الْأُخْرَيَيْنِ مِنْ الْعَصْرِ عَلَى النِّصْفِ مِنْ ذَلِكَ». قلت: وظاهره الاقتصار في الركعتين الأخيرتين من العصر بفاتحة الكتاب. والله أعلم.

стр. 1893

والذي يظهر لي جواز الزيادة على فاتحة الكتاب في الركعتين الأخيرتين من الصلاة الرباعية، والركعة الثالثة من الثلاثية في بعض الأوقات على أن يكون الأمر الغالب هو عدم القراءة كما كان هدي النبي ﷺ . * * *

стр. 1894

٩٦ - عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ ﵁ قَالَ: «سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقْرَأُ فِي الْمَغْرِبِ بِالطُّورِ». وفي الحديث مسائل منها: ١ - جواز الإطالة بالقراءة في صلاة المغرب في بعض الأوقات. وتأويل من تأول ذلك بأنَّه قرأ ببعضها تأويل خلاف الظاهر. وقد قرأ النبي ﷺ فيها بالمرسلات. فروى البخاري (٤٤٢٩)، ومسلم (٤٦٢) عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ، ﵄ عَنْ أُمِّ الْفَضْلِ بِنْتِ الْحَارِثِ قَالَتْ: «سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقْرَأُ فِي الْمَغْرِبِ بِـ ﴿الْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا﴾ ثُمَّ مَا صَلَّى لَنَا بَعْدَهَا حَتَّى قَبَضَهُ اللَّهُ». وقرأ بما هو أطول من ذلك فروى البخاري (٧٦٤) عَنْ مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ قَالَ: «قَالَ لِي زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ مَا لَكَ تَقْرَأُ فِي الْمَغْرِبِ بِقِصَارٍ وَقَدْ سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقْرَأُ بِطُولِ الطُّولَيَيْنِ». قلت: والمراد بها الأعراف وسميت بذلك لأنَّها أطول سورة بعد سورة البقرة. قَالَ الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٤/ ٤٣٥): «فإن قرأ في المغرب بهذه السور الطوال ففي كراهته قولان: أحدهما: يكره، وهو قول مالك. والثاني: لا يكره، بل يستحب، وهو قول الشافعي؛ لصحة الحديث بذلك، حكى ذلك الترمذي في "جامعه"، وكذلك نص أحمد على أنَّه لا بأس به» اهـ.

стр. 1895

قلت: وقد كان الأمر الغالب من فعل النبي ﷺ في صلاة المغرب القراءة بصغار المفصل. فقد روى أحمد (٧٩٧٨، ١٠٨٩٥)، والنسائي (٩٨٢، ٩٨٣) مِنْ طَرِيقِ عَنِ الضَّحَّاكِ بْنِ عُثْمَانَ عَنْ بُكَيْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: «مَا صَلَّيْتُ وَرَاءَ أَحَدٍ أَشْبَهَ صَلَاةً بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ فُلَانٍ. قَالَ سُلَيْمَانُ كَانَ يُطِيلُ الرَّكْعَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ مِنَ الظُّهْرِ وَيُخَفِّفُ الأُخْرَيَيْنِ وَيُخَفِّفُ الْعَصْرَ وَيَقْرَأُ فِي الْمَغْرِبِ بِقِصَارِ الْمُفَصَّلِ وَيَقْرَأُ فِي الْعِشَاءِ بِوَسَطِ الْمُفَصَّلِ وَيَقْرَأُ فِي الصُّبْحِ بِطُوَلِ الْمُفَصَّلِ». قلت: هذا حديث حسن. وروى البخاري (٥٥٩)، ومسلم (٦٣٧) عن رافع بن خديج يقول: «كُنَّا نُصَلِّي الْمَغْرِبَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فَيَنْصَرِفُ أَحَدُنَا وَإِنَّهُ لَيُبْصِرُ مَوَاقِعَ نَبْلِهِ». قلت: وهذا لا يكون إلَّا مع تقصير الصلاة. قَالَ الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٤/ ٤٣١): «وذكر الترمذي: أنَّ العمل عند أهل العلم على القراءة في المغرب بقصار المفصل. وهذا يشعر بحكاية الإجماع عليه. وممن استحب ذلك ابن مبارك والثوري والشافعي وأحمد وإسحاق، وقَالَ: كانوا يستحبون ذلك» اهـ.

стр. 1896

٢ - ويدل الحديث على أنَّ وقت المغرب موسع خلافاً لمن قَالَ بأنَّه مضيق. وقد سبق الكلام على هذه المسألة. ٣ - وفيه دليل على قبول رواية المسلم لما تحمله من العلم قبل إسلامه. فإنَّ جبير سمع ذلك قبل إسلامه. ٤ - ويدل على الجهر بالقراءة في صلاة المغرب. قَالَ الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٤/ ٤٣٨): «والجهر بالقراءة في المغرب إجماع المسلمين رأياً وعملاً به لم يزل المسلمون يتداولونه بينهم، من عهد نبيهم حتى الآن» اهـ. وقَالَ ﵀ أيضاً في [فتح الباري] (٤/ ٤٣٩): «وإنَّما يجهر الإمام إذا صلى من يأتم به، فأمَّا المنفرد، فاختلفوا: هل يسن له الجهر، أم لا؟ فقَالَ الشافعي وأصحابه: يسن له الجهر. وحكاه بعضهم عن الجمهور. ومذهب أبي حنيفة وأحمد: إنَّما يسن الجهر لإسماع من خلفه؛ ولهذا أمر من خلفه بالإنصات له، كما قَالَ تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾، وقد سبق أنَّها نزلت في الصلاة وأمَّا المنفرد فيجوز له الجهر ولا يسن. قَالَ أحمد: إن شاء جهر، وإن شاء لم يجهر؛ إنَّما الجهر للجماعة. وكذا قَالَ طاووس: إن شاء جهر، وإن شاء لم يجهر.

стр. 1897

ومن أصحابنا من كرهه للمنفرد. ونص أحمد على أنَّ المنفرد إذا صلى الكسوف جهر فيها بالقراءة، فخرج القاضي أبو يعلى من ذلك رواية باستحباب الجهر للمنفرد في الفرائض» اهـ. قال العلامة النووي ﵀ في [المجموع] (٣/ ٣٨٩ - ٣٩٠): «وَأَمَّا الْمُنْفَرِدُ فَيُسَنُّ لَهُ الْجَهْرُ عِنْدَنَا وَعِنْدَ الْجُمْهُورِ قَالَ الْعَبْدَرِيُّ هُوَ مَذْهَبُ الْعُلَمَاءِ كَافَّةً إلَّا أَبَا حَنِيفَةَ فَقَالَ جَهْرُ المنفرد وَإِسْرَارُهُ سَوَاءٌ دَلِيلُنَا أَنَّ الْمُنْفَرِدَ كَالْإِمَامِ فِي الْحَاجَةِ إلَى الْجَهْرِ لِلتَّدَبُّرِ فَسُنَّ لَهُ الْجَهْرُ كَالْإِمَامِ وَأَوْلَى لِأَنَّهُ أَكْثَرُ تَدَبُّرًا لِقِرَاءَتِهِ لِعَدَمِ ارْتِبَاطِ غَيْرِهِ وَقُدْرَتِهِ عَلَى إطَاقَةِ الْقِرَاءَةِ وَيَجْهَرُ بِهَا لِلتَّدَبُّرِ كَيْفَ شَاءَ وَيُخَالِفُ الْمُنْفَرِدُ الْمَأْمُومَ فَإِنَّهُ مَأْمُورٌ بِالِاسْتِمَاعِ وَلِئَلَّا يُهَوِّشَ عَلَى الْإِمَامِ وَأَجْمَعَتْ الْأُمَّةُ عَلَى أَنَّ الْمَأْمُومَ يُسَنُّ لَهُ الاسرار ويكره له الجهر سواء سمع قِرَاءَةَ الْإِمَامِ أَمْ لَا» اهـ. وقال العلامة ابن قدامة ﵀ في [المغني] (١/ ٤٠٧): «وَأَمَّا الْمُنْفَرِدُ فَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ أَنَّهُ مُخَيَّرٌ وَكَذَلِكَ مَنْ فَاتَهُ بَعْضُ الصَّلَاةِ مَعَ الْإِمَامِ فَقَامَ لِيَقْضِيَهُ. قَالَ الْأَثْرَمُ: قُلْت لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ: رَجُلٌ فَاتَتْهُ رَكْعَةٌ مَعَ الْإِمَامِ مِنْ الْمَغْرِبِ أَوْ الْعِشَاءِ، فَقَامَ لِيَقْضِيَ، أَيَجْهَرُ أَوْ يُخَافِتُ؟ قَالَ: إنْ شَاءَ جَهَرَ، وَإِنْ شَاءَ خَافَتَ. ثُمَّ قَالَ: إنَّمَا الْجَهْرُ لِلْجَمَاعَةِ، قُلْت لَهُ: وَكَذَلِكَ إذَا صَلَّى وَحْدَهُ الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ، إنْ شَاءَ جَهَرَ، وَإِنْ شَاءَ لَمْ يَجْهَرْ؟ قَالَ: نَعَمْ، إنَّمَا الْجَهْرُ لِلْجَمَاعَةِ. وَكَذَلِكَ قَالَ طَاوُسٌ،

стр. 1898

فِيمَنْ فَاتَتْهُ بَعْضُ الصَّلَاةِ وَهُوَ قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْقَضَاءِ وَالْأَدَاءِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يُسَنُّ لِلْمُنْفَرِدِ الْجَهْرُ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَأْمُورٍ بِالْإِنْصَاتِ إلَى أَحَدٍ، فَأَشْبَهَ الْإِمَامَ. وَلَنَا، أَنَّهُ لَا يَتَحَمَّلُ الْقِرَاءَةَ عَنْ غَيْرِهِ، فَأَشْبَهَ الْمَأْمُومَ فِي سَكَتَاتِ الْإِمَامِ، وَيُفَارِقُ الْإِمَامَ، فَإِنَّهُ يَقْصِدُ إسْمَاعَ الْمَأْمُومِينَ، وَيَتَحَمَّلُ الْقِرَاءَةَ عَنْهُمْ. وَإِلَى هَذَا أَشَارَ أَحْمَدُ فِي قَوْلِهِ: إنَّمَا الْجَهْرُ لِلْجَمَاعَةِ، فَقَدْ تَوَسَّطَ الْمُنْفَرِدُ بَيْنَ الْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ، وَفَارَقَهُمَا فِي كَوْنِهِ لَا يَقْصِدُ إسْمَاعَ غَيْرِهِ، وَلَا الْإِنْصَاتَ لَهُ، فَكَانَ مُخَيَّرًا بَيْنَ الْحَالَيْنِ» اهـ. قلت: الصحيح استحباب الجهر في الصلاة الجهرية للإمام والمنفرد لعموم قول النبي ﷺ : «وَصَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي». رواه البخاري (٦٣١) عَنْ مَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ. * * *

стр. 1899

٩٧ - عَنْ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ﵄: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ فِي سَفَرٍ، فَصَلَّى الْعِشَاءَ الآخِرَةَ، فَقَرَأَ فِي إحْدَى الرَّكْعَتَيْنِ بِالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ فَمَا سَمِعْتُ أَحَداً أَحْسَنَ صَوْتاً أَوْ قِرَاءَةً مِنْهُ». وفي الحديث مسائل منها: ١ - القراءة بقصار المفصل في صلاة العشاء وهذا وارد في السفر، وأما في الحضر فالغالب من قراءة النبي ﷺ أنَّه كان يقرأ فيه بأواسط المفصل. فقد روى أحمد (٧٩٧٨، ١٠٨٩٥)، والنسائي (٩٨٢، ٩٨٣) مِنْ طَرِيقِ عَنِ الضَّحَّاكِ بْنِ عُثْمَانَ عَنْ بُكَيْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: «مَا صَلَّيْتُ وَرَاءَ أَحَدٍ أَشْبَهَ صَلَاةً بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ فُلَانٍ. قَالَ سُلَيْمَانُ كَانَ يُطِيلُ الرَّكْعَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ مِنَ الظُّهْرِ وَيُخَفِّفُ الأُخْرَيَيْنِ وَيُخَفِّفُ الْعَصْرَ وَيَقْرَأُ فِي الْمَغْرِبِ بِقِصَارِ الْمُفَصَّلِ وَيَقْرَأُ فِي الْعِشَاءِ بِوَسَطِ الْمُفَصَّلِ وَيَقْرَأُ فِي الصُّبْحِ بِطُوَلِ الْمُفَصَّلِ». قلت: هذا حديث حسن. وقد سبق قريباً. وروى البخاري (٧٠٥)، ومسلم (٤٦٥) عن جابر أنَّه قَالَ: «صَلَّى مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ الْأَنْصَارِيُّ لِأَصْحَابِهِ الْعِشَاءَ فَطَوَّلَ عَلَيْهِمْ فَانْصَرَفَ رَجُلٌ مِنَّا فَصَلَّى فَأُخْبِرَ مُعَاذٌ عَنْهُ فَقَالَ إِنَّهُ مُنَافِقٌ فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ الرَّجُلَ دَخَلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ

стр. 1900

وَسَلَّمَ فَأَخْبَرَهُ مَا قَالَ مُعَاذٌ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : "أَتُرِيدُ أَنْ تَكُونَ فَتَّانًا يَا مُعَاذُ إِذَا أَمَمْتَ النَّاسَ فَاقْرَأْ بِالشَّمْسِ وَضُحَاهَا، وَسَبِّحْ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى، وَاقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى"». قلت: هذا لفظ مسلم وزاد البخاري: «فَإِنَّهُ يُصَلِّي وَرَاءَكَ الْكَبِيرُ وَالضَّعِيفُ وَذُو الْحَاجَةِ». ورواه البخاري (٧٠١) عَنْ عَمْرٍو قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: «كَانَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ يُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ثُمَّ يَرْجِعُ فَيَؤُمُّ قَوْمَهُ فَصَلَّى الْعِشَاءَ فَقَرَأَ بِالْبَقَرَةِ فَانْصَرَفَ الرَّجُلُ فَكَأَنَّ مُعَاذًا تَنَاوَلَ مِنْهُ فَبَلَغَ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: "فَتَّانٌ فَتَّانٌ فَتَّانٌ" ثَلَاثَ مِرَارٍ، أَوْ قَالَ: "فَاتِنًا فَاتِنًا فَاتِنٌ" وَأَمَرَهُ بِسُورَتَيْنِ مِنْ أَوْسَطِ الْمُفَصَّلِ». قَالَ عَمْرٌو لَا أَحْفَظُهُمَا. وروى أحمد (٢٣٠٤٤)، والترمذي (٣٠٩)، والنسائي في [المجتبى] (٩٩٩) و [الكبرى] (١٠٧١) مِنْ طَرِيقِ الْحُسَيْنِ بْنِ وَاقِدٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَقْرَأُ فِي صَلَاةِ الْعِشَاء الآخِرَةِ بـ ﴿الشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ وَأَشْبَاهِهَا مِنَ السُّوَرِ». قلت: هذا حديث حسن. فالحسن بن واقد الأكثر على تحسين حديثه.

стр. 1901

فائدة/ قَالَ السيوطي ﵀ في [الإتقان في علوم القرآن] (١/ ١٧٤): «للمفصل طوال وأوساط وقصار قَالَ ابن معن فطواله إلى عم، وأوساطه منها إلى الضحى ومنها إلى آخر القرآن قصاره هذا أقرب ما قيل فيه» اهـ. قلت: والمشهور عند كثير من علماء الحنابلة أنَّ طوال المفصل من سورة "ق" إلى "عم" وأوساطه منها إلى "الضحى" ومنها إلى آخر القرآن. وعند الحنفية طوال المفصّل من سورة الحجرات إلى سورة والسماء ذات البروج، والأوساط من سورة والسماء ذات البروج إلى سورة لم يكن، والقصار من سورة لم يكن إلى الآخر. وعند المالكية طوال المفصل: من الحجرات إلى سورة النازعات. وأوسط المفصل من عبس إلى سورة: والليل. وقصاره من سورة الضحى إلى آخر القرآن. وعند جمع من علماء الشافعية طوال المفصل من الحجرات إلى عم، والأوساط من عم إلى الضحى، والقصار من الضحى إلى الآخر. ٢ - وفي الحديث التخفيف في القراءة في السفر لأنَّه موطن المشقة غالباً. ٣ - الجهر في صلاة العشاء. ٤ - تحسين الصوت بتلاوة القرآن.

стр. 1902

ويدل على ذلك أيضاً ما رواه البخاري (٥٠٢٤)، ومسلم (٧٩٢) من حديث أبي هريرة أنَّه سمع النبي ﷺ يَقُول: «مَا أَذِنَ اللَّهُ لِشَيْءٍ مَا أَذِنَ لِلنَّبِيِّ أَنْ يَتَغَنَّى بِالْقُرْآنِ». وروى البخاري (٧٥٢٧) عن أبي هريرة قَالَ: قَالَ رسول الله ﷺ : «لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَتَغَنَّ بِالْقُرْآنِ». روى أحمد (١٨٥١٧، ١٨٥٣٩، ١٨٧٢٦، ١٨٧٣١)، وأبو داود (١٤٦٨)، والنسائي (١٠١٥، ١٠١٦)، وابن ماجه (١٣٤٢) كلهم مِنْ طَرِيقِ طَلْحَةَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْسَجَةَ عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «زَيِّنُوا الْقُرْآنَ بِأَصْوَاتِكُمْ». قلت: هذا حديث صحيح. ورواه الدارمي (٣٥٠١)، والحاكم (٢١٢٥)، والبيهقي في [شعب الإيمان] (١٩٥٥)، و ابن الأعرابي [معجمه] (١٥٤٣)، وتمام في [الفوائد] (٩٨٩) مِنْ طَرِيقِ صَدَقَةَ بْنِ أَبِي عِمْرَانَ، حدثنا عَلْقَمَةُ بْنُ مَرْثَدٍ، عَنْ زَاذَانَ أَبِي عُمَرَ، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «حَسِّنُوا الْقُرْآنَ بِأَصْوَاتِكُمْ فَإِنَّ الصَّوْتَ الْحَسَنَ يَزِيدُ الْقُرْآنَ حُسْنًا». قلت: وإسناده حسن. وروى البخاري (٤٢٨١)، ومسلم (٧٩٤) عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُغَفَّلٍ يَقُولُ:

стр. 1903

«رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ عَلَى نَاقَتِهِ وَهْوَ يَقْرَأُ سُورَةَ الْفَتْحِ يُرَجِّعُ وَقَالَ لَوْلَا أَنْ يَجْتَمِعَ النَّاسُ حَوْلِي لَرَجَّعْتُ كَمَا رَجَّعَ». وفي رواية للبخاري (٧٥٤٠) عن معاوية بن قرة، عن عبد الله بن مغفل المزني قَالَ: «رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَوْمَ الْفَتْحِ عَلَى نَاقَةٍ لَهُ يَقْرَأُ سُورَةَ الْفَتْحِ، أَوْ مِنْ سُورَةِ الْفَتْحِ قَالَ: فَرَجَّعَ فِيهَا». قَالَ: ثُمَّ قَرَأَ مُعَاوِيَةُ يَحْكِي قِرَاءَةَ ابْنِ مُغَفَّلٍ وَقَالَ لَوْلَا أَنْ يَجْتَمِعَ النَّاسُ عَلَيْكُمْ لَرَجَّعْتُ كَمَا رَجَّعَ ابْنُ مُغَفَّلٍ يَحْكِي النَّبِيَّ ﷺ فَقُلْتُ لِمُعَاوِيَةَ كَيْفَ كَانَ تَرْجِيعُهُ قَالَ آ آ آ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ. قلت: وقد ضبط هذه الألفات الحافظ ابن حجر ﵀ فقَالَ في [فتح الباري] (٩/ ٩٢): «بهمزة مفتوحة بعدها ألف ساكنة ثم همزة أخرى» اهـ. قلت: واختلف العلماء في هذا الترجيع هل فعله النبي ﷺ عمداً أم حصل له ذلك من هز الناقة له. فذهب بعض العلماء إلى هذا ولم يستحبوا الترجيع. وإلى هذا ذهب العلامة القرطبي. وذهب آخرون إلى أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ فعل ذلك عمداً. وإلى هذا ذهب العلامة ابن بطال فقد قَالَ ﵀ في [شرح البخاري] (١٠/ ٥٣٧): «في هذا الباب التنبيه على أنَّ القرآن، بالترجيع، والألحان الملذة للقلوب بحسن الصوت المنشود لا المكفوف عن مداه الخارج عن مساق المحادثة، ألا ترى أَنَّ

стр. 1904

النَّبِيَّ ﷺ أراد أن يبالغ في تزيين قراءته لسورة الفتح التي كان وعده الله فيها بفتح مكة، فأنجزه له ليستمل قلوب المشركين العتاة على الله، بفهم ما يتلوه من إنجاز وعد الله له فيهم، بإلذاذ أسماعهم بحسن الصوت المرجَّع فيه بنغم، ثلاث». ومنهم العلامة ابن العربي ﵀ فقد قَالَ في [أحكام القرآن] (٦/ ٤٥١): «واستحسن كثير من فقهاء الأمصار القراءة بالألحان والترجيع، وكرهه مالك. وهو جائز لقول أبي موسى للنبي ﵇: "لو علمت أنك تسمع لحبرته لك تحبيراً"؛ يريد لجعلته لك أنواعاً حساناً، وهو التلحين، مأخوذ من الثوب المحبر، وهو المخطط بالألوان. وقد سمعت تاج القراء ابن لفتة بجامع عمرو يقرأ: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ﴾. فكأني ما سمعت الآية قط. وسمعت ابن الرفاء وكان من القراء العظام يقرأ، وأنا حاضر بالقرافة: فكأني ما سمعتها قط. وسمعت بمدينة السلام شيخ القراء البصريين يقرأ في دار بها الملك: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ﴾ فكأني ما سمعتها قط حتى بلغ إلى قوله تعالى: ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ فكأن الإيوان قد سقط علينا.

стр. 1905

والقلوب تخشع بالصوت الحسن كما تخضع للوجه الحسن، وما تتأثر به القلوب في التقوى فهو أعظم في الأجر وأقرب إلى لين القلوب وذهاب القسوة منها» اهـ. وقَالَ العلامة ابن قدامة ﵀ في [المغني] (٣/ ٤٠٤): «وكلام أحمد في هذا محمول على الإفراط في ذلك، بحيث يجعل الحركات حروفاً، ويمد في غير موضعه، فأمَّا تحسين القراءة والترجيع فغير مكروه» اهـ. وقَالَ العلامة ابن القيم ﵀ في [زاد المعاد] (١/ ٤٨٣): «وإذا جمعت هذه الأحاديث إلى قوله: "زينوا القرآن بأصواتكم". وقوله: "ليس منا من لم يتغن بالقرآن". وقوله: "ما أذن الله لشيء، كأذنه لنبي حسن الصوت يتغنى بالقران". علمت أن هذا الترجيع منه ﷺ ، كان اختياراً لا اضطراراً لهز الناقة له، فإن هذا لو كان لأجل هز الناقة، لما كان داخلاً تحت الاختيار، فلم يكن عبد الله بن مغفل يحكيه ويفعله اختياراً ليؤتسى به، وهو يرى هز الراحلة له حتى ينقطع صوته، ثم يقول؟ كان يرجع في قراءته، فنسب الترجيع إلى فعله. ولو كان من هز الراحلة، لم يكن منه فعل يسمى ترجيعاً» اهـ. وقَالَ الحافظ ابن حجر ﵀ في [فتح الباري] (٩/ ٩٢): «ثم قَالَوا يحتمل أمرين:

стр. 1906

أحدهما: أنَّ ذلك حدث من هز الناقة. والآخر: أنه أشبع المد في موضعه فحدث ذلك وهذا الثاني أشبه بالسياق فإن في بعض طرقه: "لولا أن يجتمع الناس لقرأت لكم بذلك اللحن" أي النغم. وقد ثبت الترجيع في غير هذا الموضع فأخرج الترمذي في "الشمائل" والنسائي وابن ماجه وابن أبي داود واللفظ له من حديث أم هانئ: "كنت أسمع صوت النبي ﷺ وهو يقرأ وأنا نائمة على فراشي يرجع القرآن". والذي يظهر أن في الترجيع قدراً زائداً على الترتيل فعند بن أبي داود مِنْ طَرِيقِ أبي إسحاق عن علقمة قَالَ: " بت مع عبد الله بن مسعود في داره فنام ثم قام فكان يقرأ قراءة الرجل في مسجد حيه لا يرفع صوته ويسمع من حوله ويرتل ولا يرجع". وقَالَ الشيخ أبو محمد بن أبي جمرة: معنى الترجيع تحسين التلاوة لا ترجيع الغناء لأن القراءة بترجيع الغناء تنافي الخشوع الذي هو مقصود التلاوة» اهـ. قلت: قوله في حديث أم هانئ: «يرجع القران». هذه الزيادة ليست مذكورة عند أكثرهم وهي موجودة أيضاً عند الطحاوي في [شرح معاني الآثار] (٢٠٢٤) حَدَّثَنَا رَبِيعٌ الْمُؤَذِّنُ، قَالَ: ثنا أَسَدٌ، قَالَ: ثنا قَيْسُ بْنُ الرَّبِيعِ، عَنْ هِلَالِ بْنِ خَبَّابٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ جَعْدَةَ، عَنْ جَدَّتِهِ أُمِّ هَانِئٍ، قَالَتْ: «كُنْتُ أَسْمَعُ صَوْتَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ، وَأَنَا نَائِمَةٌ عَلَى عَرِيشِي وَهُوَ يُصَلِّي يُرَجِّعُ بِالْقُرْآنِ».

стр. 1907

قلت: وقيس هذا في حفظه ضعف وقد خالفه في هذه الزيادة: ثابت بن يزيد وهو ثقة ثبت فروى أحمد (٢٦٩٣٩) حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ، قَالَ: حَدَّثَنَا ثَابِتُ بْنُ يَزِيدَ أَبُو زَيْدٍ، حَدَّثَنَا هِلَالٌ يَعْنِي ابْنَ خَبَّابٍ، قَالَ: نَزَلْتُ أَنَا وَمُجَاهِدٌ عَلَى يَحْيَى بْنِ جَعْدَةَ ابْنِ أُمِّ هَانِئٍ، فَحَدَّثَنَا عَنْ أُمِّ هَانِئٍ، قَالَتْ: «أَنَا أَسْمَعُ قِرَاءَةَ النَّبِيِّ ﷺ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ، وَأَنَا عَلَى عَرِيشِي هَذَا، وَهُوَ عِنْدَ الْكَعْبَةِ». ومسعر بن كدام وهو ثقة ثبت أخرج حديثه أحمد (٢٦٩٥٠، ٢٧٤٢٢)، والنسائي (١٠١٣)، وابن ماجه (١٣٤٩). قلت: وهذا أصح من حديث قيس على أنَّ الرواية عنه مختلفة فرواه عنه أسد بن موسى كما سبق في رواية الطحاوي. ورواه البيهقي في [شعب الإيمان] (١٩٤٥) مِنْ طَرِيقِ إِسْحَاقِ بْنِ مَنْصُورٍ السَّلُولِيُّ، حدثنا قَيْسٌ، عَنْ هِلَالِ بْنِ خَبَّابٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ جَعْدَةَ، عَنْ أُمِّ هَانِئٍ، قَالَتْ: «سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقْرَأُ بِاللَّيْلِ، وَأَنَا عَلَى عَرِيشِي بِمَكَّةَ وَهُوَ يَرْفَعُ». قلت: ولعل هذا الاضطراب من قيس. والله أعلم. وقد اختلف العلماء في القراءة بالألحان بين مانع ومجيز وقد فصل فيها العلامة ابن القيم ﵀ في كلام نفيس فقَالَ ﵀ في [زاد المعاد] (١/ ٤٩٢ - ٤٩٣) -

стр. 1908

بعد ذكره لحجج المجيزين للقراءة بالألحان وحجج المانعين من ذلك -: «وفصل النزاع، أن يقَالَ: التطريب والتغني على وجهين: أحدهما: ما اقتضته الطبيعة، وسمحت به من غير تكلف ولا تمرين ولا تعليم، بل إذا خلي وطبعه، واسترسلت طبيعته، جاءت بذلك التطريب والتلحين، فذلك جائز، وإن أعان طبيعته بفضل تزيين وتحسين، كما قَالَ أبو موسى الأشعري للنبي ﷺ : "لو علمت أنك تسمع لحبرته لك تحبيراً" والحزين ومن هاجه الطرب، والحب والشوق لا يملك من نفسه دفع التحزين والتطريب في القراءة، ولكن النفوس تقبله وتستحليه لموافقته الطبع، وعدم التكلف والتصنع فيه، فهو مطبوع لا متطبع، وكلف لا متكلف، فهذا هو الذي كان السلف يفعلونه ويستمعونه، وهو التغني الممدوح المحمود، وهو الذي يتأثر به التالي والسامع، وعلى هذا الوجه تحمل أدلة أرباب هذا القول كلها. الوجه الثاني: ما كان من ذلك صناعة من الصنائع، وليس في الطبع السماحة به، بل لا يحصل إلا بتكلف وتصنع وتمرن، كما يتعلم أصوات الغناء بأنواع الألحان البسيطة، والمركبة على إيقاعات مخصوصة، وأوزان مخترعة، لا تحصل إلا بالتعلم والتكلف، فهذه هي التي كرهها السلف، وعابوها، وذموها، ومنعوا القراءة بها، وأنكروا على من قرأ بها، وأدلة أرباب هذا القول إنما تتناول هذا الوجه، وبهذا التفصيل يزول الاشتباه، ويتبين الصواب من غيره، وكل من له علم بأحوال السلف، يعلم قطعاً أنَّهم برآء من القراءة بألحان الموسيقى المتكلفة، التي هي

стр. 1909

إيقاعات وحركات موزونة معدودة محدودة، وأنهم أتقى لله من أن يقرؤوا بها، ويسوغوها، ويعلم قطعا أنهم كانوا يقرؤون بالتحزين والتطريب، ويحسنون أصواتهم بالقرآن، ويقرؤونه بشجى تارة، وبطرب تارة، وبشوق تارة، وهذا أمر مركوز في الطباع تقاضيه، ولم ينه عنه الشارع مع شدة تقاضي الطباع له، بل أرشد إليه وندب إليه، وأخبر عن استماع الله لمن قرأ به، وقَالَ: "ليس منا من لم يتغن بالقرآن" وفيه وجهان: أحدهما: أنَّه إخبار بالواقع الذي كلنا نفعله، والثاني: أنَّه نفي لهدي من لم يفعله عن هديه وطريقته ﷺ » اهـ. وقَالَ شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كما في [جامع المسائل لابن تيمية - جمع عزير شمس -] (٣/ ٣٠٣ - ٣٠٥): «وقد تنازع الناس في قراءة الألحان، منهم من كرهها مطلقا بل حرمها، ومنهم من رخص فيها، وأعدل الأقوال فيها أنها إن كانت موافقة لقراءة السلف كانت مشروعة، وإن كانت من البدع المذمومة نهي عنها. والسلف كانوا يحسنون القرآن بأصواتهم من غير أن يتكلفوا أوزان الغناء، مثل ما كان أبو موسى الأشعري يفعل، فقد ثبت في الصحيح عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنه قَالَ: "لقد أوتي هذا مزماراً من مزامير آل داود". وقَالَ لأبي موسى الأشعري: "مررت بك البارحة وأنت تقرأ، فجعلت أستمع لقراءتك"، فقَالَ: لو علمت أنك تسمع

стр. 1910

لحبرته لك تحبيراً. أي لحسنته لك تحسيناً. وكان عمر يقول لأبي موسى الأشعري: يا أبا موسى، ذكرنا ربنا، فيقرأ أبو موسى وهم يستمعون لقراءته. وقد قَالَ النبي ﷺ : "زينوا القرآن بأصواتكم". وقَالَ: "لله أشد أذناً إلى الرجل الحسن الصوت بالقرآن من صاحب القينة إلى قينته". وقَالَ: "ليس منا من لم يتغن بالقرآن". وتفسيره عند الأكثرين كالشافعي وأحمد بن حنبل وغيرهما هو تحسين الصوت به. وقد فسره ابن عيينة ووكيع وأبو عبيد على الاستغناء به. فإذا حسن الرجل صوته بالقرآن كما كان السلف يفعلونه -مثل أبي موسى الأشعري وغيره- فهذا حسن. وأمَّا ما أحدث بعدهم من تكفف القراءة على ألحان. الغناء فهذا ينهى عنه عند جمهور العلماء، لأنه بدعة، ولأن ذلك فيه تشبيه القرآن بالغناء، ولأن ذلك يورث أن يبقى قلب القارئ مصروفاً إلى وزن اللفظ بميزان الغناء، لا يتدبره ولا يعقله، وأن يبقى المستمعون يصغون إليه لأجل الصوت الملحن كما يصغى إلى الغناء، لا لأجل استماع القرآن وفهمه وتدبره والانتفاع به. والله سبحانه أعلم» اهـ. قلت: وقد جاء عَنِ النَّبِيِّ ﷺ الترجيع في غير القرآن. فروى البخاري (٤١٠٤) عَنِ البَرَاءِ ﵁، قَالَ: كَانَّ النَّبِيُّ ﷺ يَنْقُلُ التُّرَابَ يَوْمَ الخَنْدَقِ، حَتَّى أَغْمَرَ بَطْنَهُ، أَوْ اغْبَرَّ بَطْنُهُ، يَقُولُ: «وَاللَّهِ لَوْلَا اللَّهُ مَا اهْتَدَيْنَا، وَلَا تَصَدَّقْنَا وَلَا صَلَّيْنَا، فَأَنْزِلَنْ سَكِينَةً عَلَيْنَا، وَثَبِّتِ الأَقْدَامَ إِنْ

стр. 1911

لَاقَيْنَا، إِنَّ الأُلَى قَدْ بَغَوْا عَلَيْنَا، إِذَا أَرَادُوا فِتْنَةً أَبَيْنَا» وَرَفَعَ بِهَا صَوْتَهُ: «أَبَيْنَا أَبَيْنَا». وقد رواه مسلم (٤٦٤٦) من غير الترجيع في آخره. ٥ - فيه ما يدل على أنَّ صوت القارئ بالقرآن مخلوق وأمَّا القرآن فغير مخلوق فالصوت صوت القارئ والقرآن كلام الباري. ووجه الشاهد من الحديث إضافة الصوت إلى النبي ﷺ . ٦ - وفي تسمية العشاء بالعشاء الآخرة يدل على أنَّ المغرب هي العشاء الأولى. وقد جاء النهي عن تسمية المغرب بالعشاء على سبيل الغلبة. فروى البخاري (٥٦٣) عَنْ عَبْدُ اللهِ الْمُزَنِيُّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لَاَ تَغْلِبَنَّكُمُ الأَعْرَابُ عَلَى اسْمِ صَلَاتِكُمُ الْمَغْرِبِ قَالَ الأَعْرَابُ وَتَقُولُ هِيَ الْعِشَاءُ». * * *

стр. 1912

٩٨ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَ رَجُلاً عَلَى سَرِيَّةٍ فَكَانَ يَقْرَأُ لأَصْحَابِهِ فِي صَلاتِهِمْ، فَيَخْتِمُ بـ «قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ» فَلَمَّا رَجَعُوا ذَكَرُوا ذَلِكَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَ: «سَلُوهُ لأَيِّ شَيْءٍ صَنَعَ ذَلِكَ؟». فَسَأَلُوهُ. فَقَالَ: لأَنَّهَا صِفَةُ الرَّحْمَنِ ، فَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أَقْرَأَ بِهَا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَخْبِرُوهُ: أَنَّ اللهَ تَعَالَى يُحِبُّهُ». قلت: الأظهر أنَّ هذا الرجل كان يختم قراءته في كل ركعة بسورة الإخلاص، وليس المراد أنَّه كان يختم آخر ركعة من صلاته بها. وجاء ما يخالف ذلك فيما رواه البخاري (٧٧٤) فقال: وَقَالَ عُبَيْدُ اللهِ عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ، ﵁: «كَانَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ يَؤُمُّهُمْ فِي مَسْجِدِ قُبَاءٍ، وَكَانَ كُلَّمَا افْتَتَحَ سُورَةً يَقْرَأُ بِهَا لَهُمْ فِي الصَّلَاةِ مِمَّا يَقْرَأُ بِهِ افْتَتَحَ بِـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْهَا ثُمَّ يَقْرَأُ سُورَةً أُخْرَى مَعَهَا، وَكَانَ يَصْنَعُ ذَلِكَ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ فَكَلَّمَهُ أَصْحَابُهُ فَقَالُوا إِنَّكَ تَفْتَتِحُ بِهَذِهِ السُّورَةِ ثُمَّ لَا تَرَى أَنَّهَا تُجْزِئُكَ حَتَّى تَقْرَأَ بِأُخْرَى فَإِمَّا أَنْ تَقْرَأَ بِهَا وَإِمَّا أَنْ تَدَعَهَا وَتَقْرَأَ بِأُخْرَى فَقَالَ: مَا أَنَا بِتَارِكِهَا إِنْ أَحْبَبْتُمْ أَنْ أَؤُمَّكُمْ بِذَلِكَ فَعَلْتُ وَإِنْ كَرِهْتُمْ تَرَكْتُكُمْ وَكَانُوا يَرَوْنَ أَنَّهُ مِنْ أَفْضَلِهِمْ وَكَرِهُوا أَنْ يَؤُمَّهُمْ غَيْرُهُ فَلَمَّا أَتَاهُمُ النَّبِيُّ ﷺ أَخْبَرُوهُ الْخَبَرَ فَقَالَ: "يَا فُلَانُ

стр. 1913

مَا يَمْنَعُكَ أَنْ تَفْعَلَ مَا يَأْمُرُكَ بِهِ أَصْحَابُكَ وَمَا يَحْمِلُكَ عَلَى لُزُومِ هَذِهِ السُّورَةِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ فَقَالَ إِنِّي أُحِبُّهَا فَقَالَ حُبُّكَ إِيَّاهَا أَدْخَلَكَ الْجَنَّةَ"». قلت: وقد وصله الترمذي (٢٩٠١) مِنْ طَرِيقِ البخاري، وقد اختلف في وصله وإرساله ورجح الدارقطني الإرسال. وهذه قصة أخرى غير قصة صاحب السرية وفي الحديث مسائل منها: ١ - جواز الجمع بين سورتين في صلاة الفريضة. قَالَ الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٤/ ٤٧١): «وقد دل حديث أنس وعائشة على جواز جمع سورتين مع الفاتحة في ركعة واحدة من صلاة الفرض؛ فأَنَّ النَّبِيَّ- ﷺ لم ينهه عن ذلك. ويدل على أنَّه ليس هو الأفضل؛ لأنَّ أصحابه استنكروا فعله وإنَّما استنكروه لأنَّه مخالف لما عهدوه من عمل النبي وأصحابه في صلاتهم؛ ولهذا قَالَ له النبي ﷺ : "ما يمنعك أن تفعل ما يأمرك به أصحابك؟ ". فدل على أنَّ موافقتهم فيما أمروه به كان حسناً، وإنَّما اغتفر ذلك لمحبته لهذه السورة.

стр. 1914

وأكثر العلماء على أنَّه لا يكره الجمع بين السور في الصلاة المفروضة، وروي فعله عن عمر وابن عمر وعمر بن عبد العزيز وعلقمة، وهو قول قتادة والنخعي ومالك، وعن أحمد في كراهته روايتان. وكرهه أصحاب أبي حنيفة» اهـ. قلت: ويدل على هذا ما رواه البخاري (٧٧٥)، ومسلم (٨٢٢) عَنْ أَبِي وَائِلٍ قَالَ: «جَاءَ رَجُلٌ إِلَى ابْنِ مَسْعُودٍ فَقَالَ قَرَأْتُ الْمُفَصَّلَ اللَّيْلَةَ فِي رَكْعَةٍ فَقَالَ هَذًّا كَهَذِّ الشِّعْرِ لَقَدْ عَرَفْتُ النَّظَائِرَ الَّتِي كَانَّ النَّبِيُّ ﷺ يَقْرِنُ بَيْنَهُنَّ فَذَكَرَ عِشْرِينَ سُورَةً مِنَ الْمُفَصَّلِ سُورَتَيْنِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ». قَالَ العلامة ابن قدامة ﵀ في [المغني] (٢/ ٣٦١): «ولا بأس بالجمع بين السور في صلاة النافلة؛ فأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قرأ في ركعة سورة البقرة وآل عمران والنساء. وقَالَ ابن مسعود: لقد عرفت النظائر التي كأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يقرن بينهن. فذكر عشرين سورة من المفصل، سورتين في ركعة. متفق عليه. وكان عثمان، ﵁، يختم القرآن في ركعة. وروي ذلك عن جماعة من التابعين. وأمَّا الفريضة فالمستحب أن يقتصر على سورة مع الفاتحة، من غير زيادة عليها، لأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ هكذا كان يصلي أكثر صلاته، وأمر معاذاً أن يقرأ في صلاته كذلك. وإن جمع بين سورتين في ركعة، ففيه روايتان: إحداهما، يكره؛ لذلك.

стр. 1915

والثانية: لا يكره؛ لأنَّ حديث عبد الله بن مسعود مطلق في الصلاة، فيحتمل أنَّه أراد الفرض. وقد روى الخلال، بإسناده عن ابن عمر، أنَّه كان يقرأ في المكتوبة بالسورتين في ركعة» اهـ. ٢ - جواز تكرار سورة بعينها في جميع الركعات من أجل محبتها. ٣ - فيه فضل سورة الإخلاص وأنَّ من أحبها أحبه الله . ٤ - قَالَ شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في [إقامة الدليل على إبطال التحليل] (١/ ٣٧٦): «وهذا يقتضي أنَّ ما كان صفة لله من الآيات فإنَّه يستحب قراءته، والله يحب ذلك، ويحب من يحب ذلك» اهـ. ٥ - وفيه أنَّ الكلام الذي فيه خبر عن الله داخل في مسمى الصفة. قَالَ شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في [مجموع الفتاوى] (٦/ ٣٤٠ - ٣٤١): «وَفِي الصَّحِيحِ أَيْضًا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَأَلَ الَّذِي كَانَ يَقْرَأُ بقل هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ - وَهُوَ إمَامٌ - فَقَالَ: إنِّي أُحِبُّهَا؛ لِأَنَّهَا صِفَةُ الرَّحْمَنِ فَقَالَ: "أَخْبِرُوهُ أَنَّ اللَّهَ يُحِبُّهُ" فَأَقَرَّهُ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى تَسْمِيَتِهَا صِفَةَ الرَّحْمَنِ. وَفِي هَذَا الْمَعْنَى أَيْضًا آثَارٌ مُتَعَدِّدَةٌ. فَثَبَتَ بِهَذِهِ النُّصُوصِ أَنَّ الْكَلَامَ الَّذِي يُخْبَرُ بِهِ عَنْ اللَّهِ صِفَةٌ لَهُ فَإِنَّ الْوَصْفَ هُوَ الْإِظْهَارُ وَالْبَيَانُ لِلْبَصَرِ أَوْ السَّمْعِ كَمَا يَقُولُ

стр. 1916

الْفُقَهَاءُ ثَوْبٌ يَصِفُ الْبَشَرَةَ أَوْ لَا يَصِفُ الْبَشَرَةَ. وَقَالَ تَعَالَى: ﴿سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ﴾ وَقَالَ: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ وَقَالَ ﷺ : "لَا تَنْعَتُ الْمَرْأَةُ الْمَرْأَةَ لِزَوْجِهَا حَتَّى كَأَنَّهُ يَنْظُرُ إلَيْهَا" وَالنَّعْتُ الْوَصْفُ. وَمِثْلُ هَذَا كَثِيرٌ. وَالصِّفَةُ مَصْدَرُ وَصَفْت الشَّيْءَ أَصِفُهُ وَصْفًا وَصِفَةً مِثْلُ وَعَدَ وَعْدًا وَعِدَةً وَوَزَنَ وَزْنًا وَزِنَةً؛ وَهُمْ يُطْلِقُونَ اسْمَ الْمَصْدَرِ عَلَى الْمَفْعُولِ كَمَا يُسَمُّونَ الْمَخْلُوقَ خَلْقًا وَيَقُولُونَ: دِرْهَمٌ ضَرْبُ الْأَمِيرِ فَإِذَا وُصِفَ الْمَوْصُوفُ بِأَنَّهُ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا: سُمِّيَ الْمَعْنَى الَّذِي وُصِفَ بِهِ بِهَذَا الْكَلَامِ صِفَةً. فَيُقَالُ لِلرَّحْمَةِ وَالْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ: صِفَةٌ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ، هَذَا حَقِيقَةُ الْأَمْرِ. ثُمَّ كَثِيرٌ مِنْ "الْمُعْتَزِلَةِ" وَنَحْوِهِمْ يَقُولُونَ: الْوَصْفُ وَالصِّفَةُ اسْمٌ لِلْكَلَامِ فَقَطْ؛ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَقُومَ بِالذَّاتِ الْقَدِيمَةِ مَعَانٍ؛ وَكَثِيرٌ مِنْ " مُتَكَلِّمَةِ الصفاتية " يُفَرِّقُونَ بَيْنَ الْوَصْفِ وَالصِّفَةِ فَيَقُولُونَ: الْوَصْفُ هُوَ الْقَوْلُ وَالصِّفَةُ الْمَعْنَى الْقَائِمُ بِالْمَوْصُوفِ؛ وَأَمَّا الْمُحَقِّقُونَ فَيَعْلَمُونَ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ اللَّفْظَيْنِ يُطْلَقُ عَلَى الْقَوْلِ تَارَةً وَعَلَى الْمَعْنَى أُخْرَى. وَالْقُرْآنُ وَالسُّنَّةُ قَدْ صَرَّحَا بِثُبُوتِ الْمَعَانِي الَّتِي هِيَ الْعِلْمُ وَالْقُدْرَةُ وَغَيْرُهَا كَمَا قَدَّمْنَاهُ» اهـ. ٦ - وفيه أنَّ من أسباب محبة الله محبة صفاته. قال العلامة ابن القيم ﵀ فس [مفتاح دار السعادة] (١/ ٧٧):

стр. 1917

«فَدلَّ على أنَّ من أحب صِفَات الله أحبه الله وَأدْخلهُ الْجنَّة، والجهمية أشد النَّاس نفرة وتنفيراً عَنْ صِفَاته ونعوت كَمَاله» اهـ. ٧ - وفيه السؤال قبل الإنكار إذا ظُن وجود عذر لمن وقع في شيء ظاهره الخطأ. * * *

стр. 1918

٩٩ - عَنْ جَابِرِ بنِ عَبدِ اللهِ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لمعاذ: «فَلَوْلا صَلَّيْتَ بِ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، وَ ﴿الشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ وَ ﴿اللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾. فَإِنَّهُ يُصَلِّي وَرَاءَكَ الْكَبِيرُ وَالضَّعِيفُ وَذُو الْحَاجَةِ». وفي الحديث مسائل منها: ١ - فيه استحباب تخفيف الإمام الصلاة بالمأمومين وقد مضى الكلام على هذه المسألة. ٢ - القراءة في صلاة العشاء بأوسط المفصل فإنَّ الصلاة التي كان يؤم بها معاذ هي صلاة العشاء. ٣ - أنَّ الحاجة الدنيوية عذر من الأعذار في تخفيف الصلاة. ٤ - أنَّ سياسة الناس بالرفق هي الأصل وتجوز الشدة في موطنها. ويدل على هذا ما رواه البخاري (٣٠٣٨)، ومسلم (١٧٣٣) عن أبي موسى الأشعري أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بعثه ومعاذاً فقَالَ: «يَسِّرَا، وَلَا تُعَسِّرَا وَبَشِّرَا، وَلَا تُنَفِّرَا، وَتَطَاوَعَا، وَلَا تَخْتَلِفَا». وروى البخاري (٦٩٢٧)، ومسلم (٢٥٩٣) عن عائشة، ﵂، قَالَتْ: «اسْتَأْذَنَ رَهْطٌ مِنَ الْيَهُودِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالُوا: السَّامُ عَلَيْكَ

стр. 1919

فَقُلْتُ: بَلْ عَلَيْكُمُ السَّامُ وَاللَّعْنَةُ فَقَالَ: "يَا عَائِشَةُ إِنَّ اللَّهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ فِي الأَمْرِ كُلِّهِ" قُلْتُ: أَوَلَمْ تَسْمَعْ مَا قَالُوا، قَالَ: "قُلْتُ وَعَلَيْكُمْ"». وروى مسلم (٢٥٩٤) عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ الرِّفْقَ لَا يَكُونُ فِي شَيْءٍ إِلَّا زَانَهُ وَلَا يُنْزَعُ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا شَانَهُ». * * *

стр. 1920

١٠٠ - عَنْ أَنَسٍ بْنِ مَالِكٍ ﵁: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ ﵄: كَانُوا يَسْتَفْتِحُونَ الصَّلاةَ بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾». وَفِي رِوَايَةٍ: «صَلَّيْتُ مَعَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ، فَلَمْ أَسْمَعْ أَحَدًا مِنْهُمْ يَقْرَأُ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾». وَلِمُسْلِمٍ: «صَلَّيْتُ خَلْفَ النَّبِيِّ ﷺ وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ ﵃، فَكَانُوا يَسْتَفْتِحُونَ بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ لَا يَذْكُرُونَ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ فِي أَوَّلِ قِرَاءَةٍ وَلا فِي آخِرِهَا». الرواية الأولى عند البخاري (٧٤٣) عَنْ أَنَسٍ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ، ﵄ كَانُوا يَفْتَتِحُونَ الصَّلَاةَ بِـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾». والرواية الثانية عند مسلم (٣٩٩) لكن بلفظ: «صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ فَلَمْ أَسْمَعْ أَحَدًا مِنْهُمْ يَقْرَأُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ». وفي الحديث مسائل منها:

стр. 1921

١ - احتج به من لا يرى الاستفتاح والاستعاذة كما هو مذهب الإمام مالك ﵀. قلت: ولا حجة في ذلك فإنَّ المراد باستفتاح الصلاة استفتاح القراءة. فروى أحمد (١٢٠١٠، ١٢١٥٦، ١٢٩١٠)، وأبو داود (٧٨٢)، والترمذي (٢٤٦)، والترمذي (٨١٣)، وابن ماجه (٨١٣) عَنْ أَنَسٍ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ كَانُوا يَفْتَتِحُونَ الْقِرَاءَةَ بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾». قلت: وهو حديث صحيح. ٢ - واحتج به من لا يرى قراءة البسملة لا سراً ولا جهراً. وهو مذهب الإمام مالك ﵀. قلت: ولا حجة في ذلك فإنَّ المراد بالنفي في هذا الحديث نفي الجهر بها دون الإسرار بها. ويدل على ذلك ما رواه أحمد (١٢٨٦٨) ثنا وكيع ثنا شعبة عن قتادة عَنْ أَنَسٍ قَالَ: «صَلَّيْتُ خَلْفَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَخَلْفَ أَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَعُثْمَانَ فَكَانُوا لَا يَجْهَرُونَ بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾». قلت: هذا حديث صحيح.

стр. 1922

وروى النسائي (٩٠٦) أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ شَقِيقٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ: أَنْبَأَنَا أَبُو حَمْزَةَ، عَنْ مَنْصُورِ بْنِ زَاذَانَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: «صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَلَمْ يُسْمِعْنَا قِرَاءَةَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وَصَلَّى بِنَا أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ فَلَمْ نَسْمَعْهَا مِنْهُمَا». قلت: هذا إسناد صحيح إن كان منصور سمع من أنس فقد قَالَ الحافظ العلائي ﵀ في [جامع التحصيل] ص (٢٨٧): «ووجدت بخط الحافظ الضياء قيل لم يسمع من أنس بن مالك شيئاً والله أعلم» اهـ. ٣ - واحتج به القائلون بالإسرار في قراءة البسملة وهو مذهب أبي حنيفة وأحمد من الأئمة الأربعة وذلك بناءً على أنَّ المراد بنفي القراءة نفي الجهر بها كما جاءت مصرحاً به في بعض الروايات كما مضى. وهذه المسألة اختلف فيها العلماء فذهب بعضهم إلى الجهر بها في حين الجهر بالقراءة والإسار بها حين الإسرار بالقراءة وهذا مذهب الإمام الشافعي من الأئمة الأربعة. قلت: ولشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كلام نفيس في هذه المسألة مدون في [مجموع الفتاوى] (٢٢/ ٤١٠ - ٤٢١) قَالَ فيه ﵀: «الحمد لله رب العالمين، أمَّا حديث أنس في نفي الجهر فهو صريح لا يحتمل هذا التأويل فإنَّه قد رواه مسلم في صحيحه فقَالَ فيه: "صليت خلف النبي ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان فكانوا يستفتحون بالحمد لله رب العالمين لا

стр. 1923

يذكرون بسم الله الرحمن الرحيم في أول قراءة ولا في آخرها" وهذا النفي لا يجوز إلَّا مع العلم بذلك لا يجوز بمجرد كونه لم يسمع مع إمكان الجهر بلا سماع. واللفظ الآخر الذي في صحيح مسلم: "صليت خلف النبي ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان فلم أسمع أحداً منهم يجهر- أو قَالَ-: يصلي بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ " فهذا نفي فيه السماع ولو لم يرو إلَّا هذا اللفظ لم يجز تأويله بأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كان يقرأ جهراً ولا يسمع أنس لوجوه: أحدها: أنَّ أنساً إنَّما روى هذا ليبين لهم ما كَانَّ النَّبِيُّ ﷺ يفعله إذ لا غرض للناس في معرفة كون أنس سمع أو لم يسمع إلا ليستدلوا بعدم سماعه على عدم المسموع فلو لم يكن ما ذكره دليلاً على نفي ذلك لم يكن أنس ليروي شيئاً لا فائدة لهم فيه ولا كانوا يروون مثل هذا الذي لا يفيدهم. الثاني: أنَّ مثل هذا اللفظ صار دالاً في العرف على عدم ما لم يدرك فإذا قَالَ: ما سمعنا أو ما رأينا لما شأنه أن يسمعه ويراه كان مقصوده بذلك نفي وجوده وذكر نفي الإدراك دليل على ذلك. ومعلوم أنه دليل فيما جرت العادة بإدراكه. وهذا يظهر. بالوجه الثالث: وهو أنَّ أنساً كان يخدم النبي ﷺ حين قدم النبي ﷺ المدينة إلى أن مات وكان يدخل على نسائه قبل الحجاب ويصحبه حضراً وسفراً وكان حين حج النبي ﷺ تحت ناقته

стр. 1924

يسيل عليه لعابها أفيمكن مع هذا القرب الخاص والصحبة الطويلة أن لا يسمع النبي ﷺ يجهر بها مع كونه يجهر بها هذا مما يعلم بالضرورة بطلانه في العادة. ثم إنَّه صحب أبا بكر وعمر وعثمان وتولى لأبي بكر وعمر ولايات ولا كان يمكن مع طول مدتهم أنهم كانوا يجهرون وهو لا يسمع ذلك فتبين أن هذا تحريف لا تأويل. لو لم يرو إلَّا هذا اللفظ فكيف والآخر صريح في نفي الذكر بها وهو يفضل هذه الرواية الأخرى. وكلا الروايتين ينفي تأويل من تأول قوله: "يفتتحون الصلاة بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ " أنَّه أراد السورة فإنَّ قوله: "يفتتحون بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ لا يذكرون ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ في أول قراءة ولا في آخرها" صريح أنَّه في قصد الافتتاح بالآية لا بسورة الفاتحة التي أولها ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ إذ لو كان مقصوده ذلك لتناقض حديثاه. وأيضاً: فإن افتتاح الصلاة بالفاتحة قبل السورة هو من العلم الظاهر العام الذي يعرفه الخاص والعام كما يعلمون أنَّ الركوع قبل السجود وجميع الأئمة غير النبي ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان يفعلون هذا ليس في نقل مثل هذا فائدة ولا هذا مما يحتاج فيه إلى نقل أنس وهم قد سألوه عن ذلك وليس هذا مما يسأل عنه وجميع الأئمة من أمراء الأمصار والجيوش وخلفاء بني أمية وبني الزبير وغيرهم ممن أدركه أنس كانوا يفتتحون بالفاتحة ولم يشتبه هذا على أحد ولا شك؛

стр. 1925

فكيف يظن أنَّ أنساً قصد تعريفهم بهذا وأنَّهم سألوه عنه. وإنَّما مثل ذلك مثل أن يقَالَ: فكانوا يصلون الظهر أربعاً والعصر أربعاً والمغرب ثلاثاً أو يقول: فكانوا يجهرون في العشاءين والفجر ويخافتون في صلاتي الظهرين أو يقول: فكانوا يجهرون في الأوليين دون الأخيرتين. ومثل حديث أنس حديث عائشة الذي في الصحيح أيضاً: "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كان يفتتح الصلاة بالتكبير والقراءة بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ "إلى آخره وقد روى: "يفتح القراءة بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ* مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ ". وهذا صريح في إرادة الآية؛ لكن مع هذا ليس في حديث أنس نفي لقراءتها سراً؛ لأنَّه روى "فكانوا لا يجهرون بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ " وهذا إنَّما نفى هنا الجهر. وأمَّا اللفظ الآخر: "لا يذكرون" فهو إنَّما ينفي ما يمكنه العلم بانتفائه وذلك موجود في الجهر فإنَّه إذا لم يسمع مع القرب علم أنَّهم لم يجهروا. وأمَّا كون الإمام لم يقرأها فهذا لا يمكن إدراكه إلَّا إذا لم يكن له بين التكبير والقراءة سكتة يمكن فيها القراءة سراً؛ ولهذا استدل بحديث أنس على عدم القراءة من لم ير هناك سكوتاً كمالك وغيره؛ لكن قد ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة أنه قَالَ: يا رسول الله: أرأيت سكوتك بين التكبير والقراءة ماذا تقول؟ قَالَ: أقول: كذا وكذا إلى آخره.

стр. 1926

وفي السنن من حديث عمران وأبي وغيرهما: أنه كان يسكت قبل القراءة. وفيها أنَّه كان يستعيذ وإذا كان له سكوت لم يمكن أنساً أن ينفي قراءتها في ذلك السكوت فيكون نفيه للذكر وإخباره بافتتاح القراءة بها إنَّما هو في الجهر وكما أنَّ الإمساك عن الجهر مع الذكر سراً يسمى سكوتاً كما في حديث أبي هريرة فيصلح أن يقَالَ: لم يقرأها ولم يذكرها؛ أي جهراً؛ فإنَّ لفظ السكوت ولفظ نفي الذكر والقراءة: مدلولهما هنا واحد ويؤيد هذا حديث عبد الله بن مغفل. الذي في السنن: أنَّه سمع ابنه يجهر بها فأنكر عليه وقَالَ: "يا بني إياك والحدث" وذكر أنَّه صلى خلف النبي ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان فلم يكونوا يجهرون بها. فهذا مطابق لحديث أنس وحديث عائشة اللذين في الصحيح. وأيضاً فمن المعلوم أنَّ الجهر بها مما تتوافر الهمم والدواعي على نقله فلو كَانَّ النَّبِيُّ ﷺ يجهر بها كالجهر بسائر الفاتحة لم يكن في العادة ولا في الشرع ترك نقل ذلك بل لو انفرد بنقل مثل هذا الواحد والاثنان لقطع بكذبهما إذ التواطؤ فيما تمنع العادة والشرع كتمانه كالتواطؤ على الكذب فيه. ويمثل هذا بكذب دعوى الرافضة في النص على علي في الخلافة وأمثال ذلك. وقد اتفق أهل المعرفة بالحديث على أنَّه ليس في الجهر بها حديث صريح ولم يرو أهل السنن المشهورة: كأبي داود والترمذي والنسائي شيئاً من ذلك وإنَّما يوجد الجهر بها صريحاً في أحاديث موضوعة يرويها الثعلبي والماوردي وأمثالهما في التفسير. أو في بعض كتب الفقهاء الذين لا يميزون بين الموضوع وغيره بل

стр. 1927

يحتجون بمثل حديث الحميراء وأعجب من ذلك أنَّ من أفاضل الفقهاء من لم يعز في كتابه حديثاً إلى البخاري إلَّا حديثاً في البسملة وذلك الحديث ليس في البخاري ومن هذا مبلغ علمه في الحديث كيف يكون حالهم في هذا الباب أو يرويها من جمع هذا الباب: كالدارقطني والخطيب وغيرهما فإنَّهم جمعوا ما روي وإذا سئلوا عن صحتها قَالَوا: بموجب علمهم. كما قَالَ الدارقطني لما دخل مصر. وسئل أن يجمع أحاديث الجهر بها فجمعها قيل له: هل فيها شيء صحيح؟ فقَالَ: أما عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فلا وأمَّا عن الصحابة فمنه صحيح ومنه ضعيف. وسئل أبو بكر الخطيب عن مثل ذلك فذكر حديثين حديث معاوية لما صلى بالمدينة وقد رواه الشافعي ﵁ قَالَ: حدثنا عبد المجيد عن ابن جريج قَالَ أخبرني عبد الله بن عثمان بن خثيم أن أبا بكر بن حفص بن عمر أخبره. أن أنس بن مالك قَالَ: صلى معاوية بالمدينة فجهر فيها بأم القرآن فقرأ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ لأم القرآن ولم يقرأ بها للسورة التي بعدها ولم يكبر حين يهوي حتى قضى تلك الصلاة فلما سلم ناداه من سمع ذلك من المهاجرين من كل مكان يا معاوية أسرقت الصلاة أم نسيت؟ فلما صلى بعد ذلك قرأ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ للسورة التي بعد أم القرآن وكبر حين يهوي ساجداً. وقَالَ الشافعي أنبأنا إبراهيم بن محمد قَالَ: حدثني ابن خثيم عن إسماعيل بن عبيد بن رفاعة عن أبيه أنَّ معاوية قدم المدينة فصلى بهم ولم يقرأ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ

стр. 1928

الرَّحِيمِ﴾ ولم يكبر إذا خفض وإذا رفع فناداه المهاجرون حين سلم والأنصار: أي معاوية؟ سرقت الصلاة؟ وذكره. وقَالَ الشافعي أنبأنا يحيى بن سليم عن عبد الله بن عثمان بن خثيم عن إسماعيل بن عبيد بن رفاعة عن أبيه عن جده عن معاوية والمهاجرين والأنصار بمثله أو مثل معناه لا يخالفه وأحسب هذا الإسناد أحفظ من الإسناد الأول وهو في كتاب إسماعيل بن عبيد بن رفاعة عن أبيه عن جده عن معاوية. وذكر الخطيب أنه أقوى ما يحتج به وليس بحجة كما يأتي بيانه. فإذا كان أهل المعرفة بالحديث متفقين على أنه ليس في الجهر حديث صحيح ولا صريح فضلا أن يكون فيها أخبار مستفيضة أو متواترة امتنع أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كان يجهر بها كما يمتنع أن يكون كان يجهر بالاستفتاح والتعوذ ثم لا ينقل. فإن قيل: هذا معارض بترك الجهر بها فإنه مما تتوافر الهمم والدواعي على نقله ثم هو مع ذلك ليس منقولا بالتواتر بل قد تنازع فيه العلماء كما أن ترك الجهر بتقدير ثبوته كان يداوم عليه ثم لم ينقل نقلاً قاطعاً بل وقع فيه النزاع. قيل: الجواب عن هذا من وجوه: أحدها: أن الذي تتوافر الهمم والدواعي على نقله في العادة ويجب نقله شرعاً: هو الأمور الوجودية فأما الأمور العدمية فلا خبر لها ولا ينقل منها إلا ما ظن وجوده أو احتيج إلى معرفته فينقل للحاجة؛ ولهذا قَالَوا لو نقل ناقل افتراض صلاة سادسة أو زيادة على صوم رمضان أو حجا غير حج البيت أو زيادة في القرآن أو

стр. 1929

زيادة في ركعات الصلاة أو فرائض الزكاة ونحو ذلك لقطعنا بكذبه فإن هذا لو كان لوجب نقله نقلاً قاطعاً عادة وشرعاً وإن عدم النقل يدل على أنه لم ينقل نقلاً قاطعاً عادة وشرعاً؛ بل يستدل بعدم نقله مع توافر الهمم والدواعي في العادة والشرع على نقله أنه لم يكن. وقد مثل الناس ذلك بما لو نقل ناقل: أنَّ الخطيب يوم الجمعة سقط من المنبر ولم يصل الجمعة أو أن قوماً اقتتلوا في المسجد بالسيوف فإنه إذا نقل هذا الواحد والاثنان والثلاثة دون بقية الناس علمنا كذبهم في ذلك؛ لأن هذا مما تتوافر الهمم والدواعي على نقله في العادة؛ وإن كانوا لا ينقلون عدم الاقتتال ولا غيره من الأمور العدمية. يوضح ذلك أنهم لم ينقلوا الجهر بالاستفتاح والاستعاذة واستدلت الأمة على عدم جهره بذلك وإن كان لم ينقل نقلاً عاماً عدم الجهر بذلك فبالطريق الذي يعلم عدم جهره بذلك يعلم عدم جهره بالبسملة وبهذا يحصل الجواب عما يورده بعض المتكلمين على هذا الأصل وهو كون الأمور التي تتوافر الهمم والدواعي على نقلها يمتنع ترك نقلها فإنهم عارضوا أحاديث الجهر والقنوت والأذان والإقامة فأما الأذان والإقامة فقد نقل فعل هذا وهذا وأما القنوت فإنه قنت تارة وترك تارة وأما الجهر فإن الخبر عنه أمر وجودي ولم ينقل فيدخل في القاعدة. الوجه الثاني: أن الأمور العدمية لما احتيج إلى نقلها نقلت فلما انقرض عصر الخلفاء الراشدين وصار بعض الأئمة يجهر بها كابن الزبير ونحوه سأل بعض

стр. 1930

الناس بقايا الصحابة كأنس فروى لهم أنس ترك الجهر بها وأما مع وجود الخلفاء فكانت السنة ظاهرة مشهورة ولم يكن في الخلفاء من يجهر بها فلم يحتج إلى السؤال عن الأمور العدمية حتى ينقل. الثالث: أن نفي الجهر قد نقل نقلاً صحيحاً صريحاً في حديث أبي هريرة والجهر بها لم ينقل نقلاً صحيحاً صريحاً مع أن العادة والشرع يقتضي أن الأمور الوجودية أحق بالنقل الصحيح الصريح من الأمور العدمية. وهذه الوجوه من تدبرها وكان عالماً بالأدلة القطعية قطع بأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لم يكن يجهر بها بل ومن لم يتدرب في معرفة الأدلة القطعية من غيرها يقول أيضاً: إذا كان الجهر بها ليس فيه حديث صحيح صريح فكيف يمكن بعد هذا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كان يجهر بها ولم تنقل الأمة هذه السنة بل أهملوها وضيعوها؟ وهل هذه إلا بمثابة أن ينقل ناقل: أنه كان يجهر بالاستفتاح والاستعاذة كما كان فيهم من يجهر بالبسملة ومع هذا فنحن نعلم بالاضطرار أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لم يكن يجهر بالاستفتاح والاستعاذة كما كان يجهر بالفاتحة كذلك نعلم بالاضطرار أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لم يكن يجهر بالبسملة كما كان يجهر بالفاتحة ولكن يمكن أنه كان يجهر بها أحياناً أو أنه كان يجهر بها قديماً ثم ترك ذلك كما روى أبو داود في مراسيله عن سعيد بن جبير ورواه الطبراني في معجمه عن ابن عباس: "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كان يجهر بها بمكة فكان المشركون إذا سمعوها سبوا الرحمن فترك الجهر فما جهر بها حتى مات" فهذا محتمل.
следующие страницы →