← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 30178

تحفة السائل في بيان ما في عمدة الأحكام من المسائل

أبو بكر الحمادي

Полный текст (8 095 стр.). Показаны 1926–1965 · переход к 1931.

стр. 1926

وفي السنن من حديث عمران وأبي وغيرهما: أنه كان يسكت قبل القراءة. وفيها أنَّه كان يستعيذ وإذا كان له سكوت لم يمكن أنساً أن ينفي قراءتها في ذلك السكوت فيكون نفيه للذكر وإخباره بافتتاح القراءة بها إنَّما هو في الجهر وكما أنَّ الإمساك عن الجهر مع الذكر سراً يسمى سكوتاً كما في حديث أبي هريرة فيصلح أن يقَالَ: لم يقرأها ولم يذكرها؛ أي جهراً؛ فإنَّ لفظ السكوت ولفظ نفي الذكر والقراءة: مدلولهما هنا واحد ويؤيد هذا حديث عبد الله بن مغفل. الذي في السنن: أنَّه سمع ابنه يجهر بها فأنكر عليه وقَالَ: "يا بني إياك والحدث" وذكر أنَّه صلى خلف النبي ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان فلم يكونوا يجهرون بها. فهذا مطابق لحديث أنس وحديث عائشة اللذين في الصحيح. وأيضاً فمن المعلوم أنَّ الجهر بها مما تتوافر الهمم والدواعي على نقله فلو كَانَّ النَّبِيُّ ﷺ يجهر بها كالجهر بسائر الفاتحة لم يكن في العادة ولا في الشرع ترك نقل ذلك بل لو انفرد بنقل مثل هذا الواحد والاثنان لقطع بكذبهما إذ التواطؤ فيما تمنع العادة والشرع كتمانه كالتواطؤ على الكذب فيه. ويمثل هذا بكذب دعوى الرافضة في النص على علي في الخلافة وأمثال ذلك. وقد اتفق أهل المعرفة بالحديث على أنَّه ليس في الجهر بها حديث صريح ولم يرو أهل السنن المشهورة: كأبي داود والترمذي والنسائي شيئاً من ذلك وإنَّما يوجد الجهر بها صريحاً في أحاديث موضوعة يرويها الثعلبي والماوردي وأمثالهما في التفسير. أو في بعض كتب الفقهاء الذين لا يميزون بين الموضوع وغيره بل

стр. 1927

يحتجون بمثل حديث الحميراء وأعجب من ذلك أنَّ من أفاضل الفقهاء من لم يعز في كتابه حديثاً إلى البخاري إلَّا حديثاً في البسملة وذلك الحديث ليس في البخاري ومن هذا مبلغ علمه في الحديث كيف يكون حالهم في هذا الباب أو يرويها من جمع هذا الباب: كالدارقطني والخطيب وغيرهما فإنَّهم جمعوا ما روي وإذا سئلوا عن صحتها قَالَوا: بموجب علمهم. كما قَالَ الدارقطني لما دخل مصر. وسئل أن يجمع أحاديث الجهر بها فجمعها قيل له: هل فيها شيء صحيح؟ فقَالَ: أما عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فلا وأمَّا عن الصحابة فمنه صحيح ومنه ضعيف. وسئل أبو بكر الخطيب عن مثل ذلك فذكر حديثين حديث معاوية لما صلى بالمدينة وقد رواه الشافعي ﵁ قَالَ: حدثنا عبد المجيد عن ابن جريج قَالَ أخبرني عبد الله بن عثمان بن خثيم أن أبا بكر بن حفص بن عمر أخبره. أن أنس بن مالك قَالَ: صلى معاوية بالمدينة فجهر فيها بأم القرآن فقرأ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ لأم القرآن ولم يقرأ بها للسورة التي بعدها ولم يكبر حين يهوي حتى قضى تلك الصلاة فلما سلم ناداه من سمع ذلك من المهاجرين من كل مكان يا معاوية أسرقت الصلاة أم نسيت؟ فلما صلى بعد ذلك قرأ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ للسورة التي بعد أم القرآن وكبر حين يهوي ساجداً. وقَالَ الشافعي أنبأنا إبراهيم بن محمد قَالَ: حدثني ابن خثيم عن إسماعيل بن عبيد بن رفاعة عن أبيه أنَّ معاوية قدم المدينة فصلى بهم ولم يقرأ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ

стр. 1928

الرَّحِيمِ﴾ ولم يكبر إذا خفض وإذا رفع فناداه المهاجرون حين سلم والأنصار: أي معاوية؟ سرقت الصلاة؟ وذكره. وقَالَ الشافعي أنبأنا يحيى بن سليم عن عبد الله بن عثمان بن خثيم عن إسماعيل بن عبيد بن رفاعة عن أبيه عن جده عن معاوية والمهاجرين والأنصار بمثله أو مثل معناه لا يخالفه وأحسب هذا الإسناد أحفظ من الإسناد الأول وهو في كتاب إسماعيل بن عبيد بن رفاعة عن أبيه عن جده عن معاوية. وذكر الخطيب أنه أقوى ما يحتج به وليس بحجة كما يأتي بيانه. فإذا كان أهل المعرفة بالحديث متفقين على أنه ليس في الجهر حديث صحيح ولا صريح فضلا أن يكون فيها أخبار مستفيضة أو متواترة امتنع أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كان يجهر بها كما يمتنع أن يكون كان يجهر بالاستفتاح والتعوذ ثم لا ينقل. فإن قيل: هذا معارض بترك الجهر بها فإنه مما تتوافر الهمم والدواعي على نقله ثم هو مع ذلك ليس منقولا بالتواتر بل قد تنازع فيه العلماء كما أن ترك الجهر بتقدير ثبوته كان يداوم عليه ثم لم ينقل نقلاً قاطعاً بل وقع فيه النزاع. قيل: الجواب عن هذا من وجوه: أحدها: أن الذي تتوافر الهمم والدواعي على نقله في العادة ويجب نقله شرعاً: هو الأمور الوجودية فأما الأمور العدمية فلا خبر لها ولا ينقل منها إلا ما ظن وجوده أو احتيج إلى معرفته فينقل للحاجة؛ ولهذا قَالَوا لو نقل ناقل افتراض صلاة سادسة أو زيادة على صوم رمضان أو حجا غير حج البيت أو زيادة في القرآن أو

стр. 1929

زيادة في ركعات الصلاة أو فرائض الزكاة ونحو ذلك لقطعنا بكذبه فإن هذا لو كان لوجب نقله نقلاً قاطعاً عادة وشرعاً وإن عدم النقل يدل على أنه لم ينقل نقلاً قاطعاً عادة وشرعاً؛ بل يستدل بعدم نقله مع توافر الهمم والدواعي في العادة والشرع على نقله أنه لم يكن. وقد مثل الناس ذلك بما لو نقل ناقل: أنَّ الخطيب يوم الجمعة سقط من المنبر ولم يصل الجمعة أو أن قوماً اقتتلوا في المسجد بالسيوف فإنه إذا نقل هذا الواحد والاثنان والثلاثة دون بقية الناس علمنا كذبهم في ذلك؛ لأن هذا مما تتوافر الهمم والدواعي على نقله في العادة؛ وإن كانوا لا ينقلون عدم الاقتتال ولا غيره من الأمور العدمية. يوضح ذلك أنهم لم ينقلوا الجهر بالاستفتاح والاستعاذة واستدلت الأمة على عدم جهره بذلك وإن كان لم ينقل نقلاً عاماً عدم الجهر بذلك فبالطريق الذي يعلم عدم جهره بذلك يعلم عدم جهره بالبسملة وبهذا يحصل الجواب عما يورده بعض المتكلمين على هذا الأصل وهو كون الأمور التي تتوافر الهمم والدواعي على نقلها يمتنع ترك نقلها فإنهم عارضوا أحاديث الجهر والقنوت والأذان والإقامة فأما الأذان والإقامة فقد نقل فعل هذا وهذا وأما القنوت فإنه قنت تارة وترك تارة وأما الجهر فإن الخبر عنه أمر وجودي ولم ينقل فيدخل في القاعدة. الوجه الثاني: أن الأمور العدمية لما احتيج إلى نقلها نقلت فلما انقرض عصر الخلفاء الراشدين وصار بعض الأئمة يجهر بها كابن الزبير ونحوه سأل بعض

стр. 1930

الناس بقايا الصحابة كأنس فروى لهم أنس ترك الجهر بها وأما مع وجود الخلفاء فكانت السنة ظاهرة مشهورة ولم يكن في الخلفاء من يجهر بها فلم يحتج إلى السؤال عن الأمور العدمية حتى ينقل. الثالث: أن نفي الجهر قد نقل نقلاً صحيحاً صريحاً في حديث أبي هريرة والجهر بها لم ينقل نقلاً صحيحاً صريحاً مع أن العادة والشرع يقتضي أن الأمور الوجودية أحق بالنقل الصحيح الصريح من الأمور العدمية. وهذه الوجوه من تدبرها وكان عالماً بالأدلة القطعية قطع بأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لم يكن يجهر بها بل ومن لم يتدرب في معرفة الأدلة القطعية من غيرها يقول أيضاً: إذا كان الجهر بها ليس فيه حديث صحيح صريح فكيف يمكن بعد هذا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كان يجهر بها ولم تنقل الأمة هذه السنة بل أهملوها وضيعوها؟ وهل هذه إلا بمثابة أن ينقل ناقل: أنه كان يجهر بالاستفتاح والاستعاذة كما كان فيهم من يجهر بالبسملة ومع هذا فنحن نعلم بالاضطرار أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لم يكن يجهر بالاستفتاح والاستعاذة كما كان يجهر بالفاتحة كذلك نعلم بالاضطرار أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لم يكن يجهر بالبسملة كما كان يجهر بالفاتحة ولكن يمكن أنه كان يجهر بها أحياناً أو أنه كان يجهر بها قديماً ثم ترك ذلك كما روى أبو داود في مراسيله عن سعيد بن جبير ورواه الطبراني في معجمه عن ابن عباس: "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كان يجهر بها بمكة فكان المشركون إذا سمعوها سبوا الرحمن فترك الجهر فما جهر بها حتى مات" فهذا محتمل.

стр. 1931

وأما الجهر العارض، فمثل ما في الصحيح أنه كان يجهر بالآية أحياناً ومثل جهر بعض الصحابة خلفه بقوله: "ربنا ولك الحمد حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه" ومثل جهر عمر بقوله: "سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك" ومثل جهر ابن عمر وهريرة بالاستعاذة ومثل جهر ابن عباس بالقراءة على الجنازة ليعلموا أنها سنة. ويمكن أن يقَالَ جهر من جهر بها من الصحابة كان على هذا الوجه ليعرفوا أن قراءتها سنة؛ لا لأن الجهر بها سنة. ومن تدبر عامة الآثار الثابتة في هذا الباب علم أنها آية من كتاب الله وأنهم قرءوها لبيان ذلك لا لبيان كونها من الفاتحة وأن الجهر بها سنة مثل ما ذكر ابن وهب في "جامعه" قَالَ أخبرني رجال من أهل العلم عن ابن عباس وأبي هريرة وزيد بن أسلم؛ وابن شهاب: مثله بغير هذا الحديث عن ابن عمر أنه كان يفتتح القراءة بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾. قَالَ ابن شهاب: يريد بذلك أنها آية من القرآن فإن الله أنزلها قَالَ: وكان أهل الفقه يفعلون ذلك فيما مضى من الزمان وحديث ابن عمر معروف من حديث حماد بن زيد عن أيوب عن نافع عن ابن عمر: أنه كان إذا صلى جهر بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾. فإذا قَالَ: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ قَالَ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ فهذا الذي ذكره ابن شهاب الزهري هو أعلم أهل زمانه بالسنة بين حقيقة الحال. فإنَّ العمدة في الآثار في قراءتها إنَّما هي عن

стр. 1932

ابن عباس وأبي هريرة وابن عمر. وقد عرف حقيقة حال أبي هريرة في ذلك وكذلك غيره ﵃ أجمعين.» اهـ. قلت: واحتج القائلون بالجهر بحجج منها: الحجة الأولى: - وهي أقوى حجة لهم - ما رواه النسائي (٩٠٥) أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ، عَنْ شُعَيْبٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلَالٍ، عَنْ نُعَيْمٍ الْمُجْمِرِ قَالَ: صَلَّيْتُ وَرَاءَ أَبِي هُرَيْرَةَ فَقَرَأَ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، ثُمَّ قَرَأَ بِأُمِّ الْقُرْآنِ حَتَّى إِذَا بَلَغَ ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٧] فَقَالَ: «آمِينَ». فَقَالَ النَّاسُ: آمِينَ وَيَقُولُ: كُلَّمَا سَجَدَ «اللَّهِ أَكْبَرُ»، وَإِذَا قَامَ مِنَ الْجُلُوسِ فِي الِاثْنَتَيْنِ قَالَ: «اللَّهِ أَكْبَرُ»، وَإِذَا سَلَّمَ قَالَ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنِّي لَأَشْبَهُكُمْ صَلَاةً بِرَسُولِ اللَّهُ ﷺ ». قلت: قَالَ شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ بعد ذكره لحديث أبي هريرة: «قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ». - كما في [مجموع الفتاوى] (٢٢/ ٤٢٣ - ٤٢٥): «فحديث أبي هريرة دليل على أنَّها ليست من القراءة الواجبة ولا من القراءة المقسومة وهو على نفي القراءة مطلقاً أظهر من دلالة حديث نعيم المجمر على الجهر؛ فإنَّ في حديث نعيم المجمر أنَّه قرأ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ثم قرأ أم القرآن وهذا دليل على أنَّها ليست من القرآن عندهم وحديث أبي هريرة الذي في

стр. 1933

مسلم يصدق ذلك فإنَّه قَالَ: قَالَ رسول الله ﷺ : "من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج؛ فهي خداج" فقَالَ له رجل: يا أبا هريرة أنا أحياناً أكون وراء الإمام فقَالَ: اقرأ بها في نفسك يا فارسي؛ فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: قَالَ الله تعالى: "قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين" الحديث. وهذا صريح في أنَّ أم القرآن التي يجب قراءتها في الصلاة عند أبي هريرة القراءة المقسومة التي ذكرها مع دلالة قول النبي ﷺ على ذلك؛ وذلك ينفي وجوب قراءتها عند أبي هريرة فيكون أبو هريرة وإن كان قرأ بها؛ قرأ بها استحباباً لا وجوباً. والجهر بها مع كونها ليست من الفاتحة قول لم يقل به أحد من الأئمة الأربعة؛ وغيرهم من الأئمة المشهورين؛ ولا أعلم به قائلاً؛ لكن هي من الفاتحة وإيجاب قراءتها مع المخافتة بها قول طائفة من أهل الحديث؛ وهو إحدى الروايتين عن أحمد؛ وإذا كان أبو هريرة إنَّما قرأها استحباباً لا وجوباً؛ وعلى هذا القول لا تشرع المداومة على الجهر بها؛ كان جهره بها أولى أن يثبت دليلاً على أنَّه ليعرفهم استحباب قراءتها؛ وأنَّ قراءتها مشروعة؛ كما جهر عمر بالاستفتاح: وكما جهر ابن عباس بقراءة فاتحة الكتاب على الجنازة؛ ونحو ذلك؛ ويكون أبو هريرة قصد تعريفهم أنَّها تقرأ في الجملة؛ وإن لم يجهر بها وحينئذ فلا يكون هذا مخالفاً لحديث أنس الذي في الصحيح؛ وحديث عائشة الذي في

стр. 1934

الصحيح؛ وغير ذلك. هذا إن كان الحديث دالاً على أنَّه جهر بها؛ فإنَّ لفظه ليس صريحاً بذلك من وجهين: أحدهما: أنَّه قَالَ قرأ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ثم قرأ أم القرآن ولفظ القراءة محتمل أن يكون قرأها سراً ويكون نعيم علم ذلك بقربه منه؛ فإن قراءة السر إذا قويت يسمعها من يلي القارئ ويمكن أنَّ أبا هريرة أخبره بقراءتها وقد أخبر أبو قتادة بأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كان يقرأ في الأوليين بفاتحة الكتاب وسورة وفي الأخيرتين بفاتحة الكتاب وهي قراءة سر كيف وقد بين في الحديث أنَّها ليست من الفاتحة فأراد بذلك وجوب قراءتها فضلاً عن كون الجهر بها سنة فإنَّ النزاع في الثاني أضعف. الثاني: أنَّه لم يخبر عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّه قرأها قبل أم الكتاب وإنَّما قَالَ في آخر الصلاة: إنِّي لأشبهكم صلاة برسول الله ﷺ . وفي الحديث أنَّه أمن وكبر في الخفض والرفع وهذا ونحوه مما كان يتركه الأئمة فيكون أشبههم برسول الله ﷺ من هذه الوجوه التي فيها ما فعله رسول الله ﷺ وتركوه هم ولا يلزم إذا كان أشبههم بصلاة رسول الله ﷺ أن تكون صلاته مثل صلاته من كل وجه. ولعل قراءتها مع الجهر أمثل من ترك قراءتها بالكلية عند أبي هريرة؛ وكان أولئك لا

стр. 1935

يقرءونها أصلاً؛ فيكون قراءتها مع الجهر أشبه عنده بصلاة رسول الله ﷺ وإن كان غيره ينازع في ذلك» اهـ. وقَالَ الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٤/ ٣٦٧ - ٣٦٨): «وسعيد وخالد، وإن كانا ثقتين، لكن قَالَ أبو عثمان البرذعي في "علله عن أبي زرعة الرازي"، أنَّه قَالَ فيهما: ربما وقع في قلبي من حسن حديثهما. قَالَ: وقَالَ أبو حاتم: أخاف أن يكون بعضها مراسيل، عن ابن أبي فروة وابن سمعان. يعني: مدلسة عنهما. ثم هذا الحديث ليس بصريح في الجهر، إنَّما فيه أنَّه قرأ البسملة، وهذا يصدق بقراءتها سراً. وقد خرجه النسائي في "باب: ترك الجهر بالبسملة". وعلى تقدير أن يكون جهر بها، فيحتمل أن يكون جهر بها ليعلم الناس استحباب قراءتها في الصلاة، كما جهر عمر بالتعوذ لذلك» اهـ. إلى أن قَالَ ﵀: «وأيضاً؛ فليس في الحديث تصريح بأنَّ جميع ما فعله أبو هريرة في هذه الصلاة نقله صريحاً عَنِ النَّبِيِّ، وإنَّما فيه أنَّ صلاته أشبه بصلاة النبي من غيره» اهـ. وقَالَ الحافظ الزيلعي ﵀ في [نصب الراية] (١/ ٣٣٥ - ٣٤١): «ملخص ما ذكره ابن عبد الهادي في الجهر بالبسملة مستدركاً على الخطيب، قَالَ: وقد أفرد هذه المسألة بالتصنيف جماعة: منهم ابن خزيمة. وابن حبان.

стр. 1936

والدارقطني. والبيهقي. وابن عبد البر. وآخرون، وللقائلين بالجهر أحاديث: أجودها حديث نعيم المجمر، قَالَ: "صليت وراء أبي هريرة، فقرأ بسم الله الرحمن الرحيم، ثم قرأ بأم القرآن، حتى قَالَ: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾، قَالَ: آمين، وفي آخره، فلما سلم، قَالَ: إني لأشبهكم صلاة برسول الله ﷺ ". رواه النسائي في "سننه"، فقَالَ: باب الجهر بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ أخبرنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكيم ثنا شعيب ثنا الليث بن سعد عن خالد بن يزيد عن سعيد بن أبي هلال عن نعيم المجمر، فذكره، ورواه ابن خزيمة في صحيحه. وابن حبان في صحيحه. والحاكم في مستدركه وقَالَ: إنَّه على شرط الشيخين، ولم يخرجاه، والدارقطني في سننه، وقَالَ: حديث صحيح، ورواته كلهم ثقات. والبيهقي في سننه، وقَالَ: إسناده صحيح، وله شواهد، وقَالَ في "الخلافيات": رواته كلهم ثقات، مجمع على عدالتهم، محتج بهم في الصحيح، انتهى. والجواب عنه من وجوه: أحدها: أنَّه حديث معلول، فإنَّ ذكر البسملة فيه مما تفرد به نعيم المجمر من بين أصحاب أبي هريرة، وهم ثمانمائة ما بين صاحب وتابع، ولا يثبت عن ثقة من أصحاب أبي هريرة أنَّه حدث عن أبي هريرة أنَّه ﵇ كان يجهر بالبسملة في الصلاة، وقد أعرض عن ذكر البسملة في حديث أبي هريرة صاحبا الصحيح،

стр. 1937

فرواه البخاري من حديث أبي سلمة بن عبد الرحمن: "أن أبا هريرة كان يكبر في كل صلاة من المكتوبة وغيرها، فيكبر حين يقوم، ثم يكبر حين يركع، ثم يقول: سمع الله لمن حمده، ثم يقول: ربنا لك الحمد، ثم يقول: الله أكبر حين يهوي ساجداً، ثم يكبر حين يرفع رأسه من السجود، ثم يكبر حين يسجد، ثم يكبر حين يرفع رأسه من السجود، ثم يكبر حين يقوم من الجلوس في الاثنتين، وذلك في كل ركعة حتى يفرغ من الصلاة، ثم يقول حين ينصرف: والذي نفسي بيده إنِّي لأقربكم شبهاً بصلاة رسول الله ﷺ ، إن كانت هذه لصلاته حتى فارق الدنيا"، ورواه مسلم بنحو ذلك هذا هو الصحيح الثابت عن أبي هريرة، قَالَ ابن عبد البر: وكأنَّه كان ينكر على من ترك التكبير في رفعه وخفضه، قَالَ: ويدل على أنَّهم كانوا يفعلون ذلك، ما رواه النسائي مِنْ طَرِيقِ ابن أبي ذئب عن سعيد بن سمعان عن أبي هريرة أنه قَالَ: "ثلاث كان يفعلهن رسول الله ﷺ تركهن الناس، كان إذا قام إلى الصلاة رفع يديه مداً، وكان يقف قبل القراءة هنيهة، وكان يكبر في كل خفض ورفع"، ورواه ابن أبي ذئب في موطئه كذلك باللفظ المذكور، ورواه البخاري في "القراءة خلف الإمام"، وأبو داود الطيالسي في مسنده، وهذا حديث حسن، ورواته ثقات، وسعيد بن سمعان الأنصاري صدوق، وثقه النسائي. وابن حبان، ولا التفات إلى قول أبي الفتح الأزدي فيه: ضعيف، فإنَّ الأزدي متكلم فيه، والنسائي أعلم منه، وليس للتسمية

стр. 1938

في هذا الحديث. ولا في الأحاديث الصحيحة عن أبي هريرة ذكر، وهذا مما يغلب على الظن أنَّه وهم على أبي هريرة فإن قيل: قد رواها نعيم المجمر، وهو ثقة، والزيادة من الثقة مقبولة، قلنا: ليس ذلك مجمعاً عليه، بل فيه خلاف مشهور، فمن الناس من يقبل زيادة الثقة مطلقاً، ومنهم من لا يقبلها، والصحيح التفصيل، وهو أنَّها تقبل في موضع دون موضع، فتقبل إذا كان الراوي الذي رواها ثقة حافظاً ثبتاً، والذي لم يذكرها مثله، أو دونه في الثقة، كما قبل الناس زيادة مالك بن أنس، قوله: "من المسلمين" في صدقة الفطر، واحتج بها أكثر العلماء، وتقبل في موضع آخر لقرائن تخصها، ومن حكم في ذلك حكما عاماً فقد غلط، بل كل زيادة لها حكم يخصها، ففي موضع يجزم بصحتها، كزيادة مالك، وفي موضع يغلب على الظن صحتها، كزيادة سعد بن طارق في حديث: "جعلت الأرض مسجداً، وجعلت تربتها لنا طهوراً"، وكزيادة سليمان التيمي في حديث أبي موسى: "وإذا قرأ فأنصتوا"، وفي موضع يجزم بخطأ الزيادة، كزيادة معمر، ومن وافقه، قوله: "وإن كان مائعاً فلا تقربوه"، وكزيادة عبد الله بن زياد - ذكر البسملة - في حديث "قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين"، وإن كان معمر ثقة. وعبد الله بن زياد ضعيفاً، فإنَّ الثقة قد يغلط، وفي موضع يغلب على الظن خطأها، كزيادة معمر في حديث ماعز الصلاة عليه، رواها البخاري في صحيحه، وسئل هل رواها غير معمر؟ فقَالَ: لا، وقد رواه أصحاب السنن الأربعة عن معمر، وقَالَ فيه: ولم يصل عليه، فقد اختلف على معمر في ذلك، والراوي عن معمر هو عبد الرزاق

стр. 1939

وقد اختلف عليه أيضاً، والصواب أنه قَالَ: ولم يصل عليه، وفي موضع يتوقف في الزيادة، كما في أحاديث كثيرة، وزياد نعيم المجمر التسمية في هذا الحديث مما يتوقف فيه، بل يغلب على الظن ضعفه، وعلى تقدير صحتها، فلا حجة فيها لمن قَالَ بالجهر، لأنه قَالَ: فقرأ، أو فقَالَ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، وذلك أعم من قراءتها سراً أو جهراً، وإنَّما هو حجة على من لا يرى قراءتها، فإن قيل: لو كان أبو هريرة أسر بالبسملة، ثم جهر بالفاتحة لم يعبر عن ذلك نعيم بعبارة واحدة متناولة الفاتحة والبسملة تناولاً واحداً، ولقَالَ: فأسر بالبسملة، ثم جهر بالفاتحة، والصلاة كانت جهرية بدليل تأمينه، وتأمين المأمومين، قلنا: ليس للجهر فيه تصريح ولا ظاهر يوجب الحجة، ومثل هذا لا يقدم على النص الصريح المقتضي للإسرار، ولو أخذ الجهر من هذا الإطلاق لأخذ منه أنَّها ليست من أم القرآن، فإنَّه قَالَ: فقرأ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، ثم قرأ أم القرآن، والعطف يقتضي المغايرة. الوجه الثاني: أنَّ قوله: فقرأ، أو قَالَ، ليس بصريح أنَّه سمع منه، إذ يجوز أن يكون أبو هريرة أخبر نعيماً بأنَّه قرأها سراً، ويجوز أن يكون سمعها منه في مخافتة لقربه منه، كما روي عنه من أنواع الاستفتاح، وألفاظ الذكر في قيامه وقعوده وركوعه وسجوده، فلمسلم في "صحيحه" عن علي بن أبي طالب أنه ﵇ كان يقول إذا قام في الصلاة: "وجهت وجهي"، إلى آخرها، وإذا ركع قَالَ: "اللهم لك

стр. 1940

ركعت وبك آمنت ولك أسلمت"، ويقول في سجوده نحو ذلك، وإذا تشهد، قَالَ: "اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت"، إلى آخره، ولم يكن سماع الصحابة ذلك منه دليلاً على الجهر، وكان يسمعنا الآية أحياناً، وأيضاً فلو ساغ التمسك على الجهر بمجرد قوله: فقرأ، لساغ لمن لا يرى قراءتها بالكلية، الاعتماد على ما أخرجه مسلم في صحيحه عن أبي هريرة، قَالَ: كأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إذا نهض من الركعة الثانية استفتح القراءة بالحمد لله رب العالمين ولم يسكت، قَالَ الطحاوي: في هذا الحديث دليل على أنَّ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ليست من فاتحة الكتاب، ولو كانت من فاتحة الكتاب لقرأها في الثانية كما قرأ فاتحة الكتاب، والذي استحبوا الجهر بها في الركعة الأولى، لأنَّها عندهم من فاتحة الكتاب، استحبوا ذلك أيضاً في الثانية، فلما انتفى بهذا أن يكون قرأها في الثانية انتفى أن يكون قرأها في الأولى، وعارض هذا حديث نعيم المجمر، بل هو أولى لاستقامة طريقه، وفضل صحته على حديث نعيم، فإن قيل: إنَّما أراد أبو هريرة الاستفتاح بالسورة لا الآية، قلنا: هذا فيه صرف اللفظ عن حقيقته وظاهره، وذلك لا يسوغ إلَّا لموجب، وأيضاً فلو أراد اسم السورة لقَالَ: بفاتحة الكتاب. أو بسورة الحمد، أو بأم القرآن، هذا هو المعروف في تسميتها عندهم، كما في البخاري عن أبي هريرة مرفوعاً: "أم القرآن هي السبع المثاني"، وفي الصحيحين عن عبادة بن الصامت مرفوعاً: "لا صلاة لمن لم يقرأ بأم القرآن"، وفي

стр. 1941

رواية: بفاتحة الكتاب، وأما تسميتها بجملة الحمد لله رب العالمين. فلا يعرف ذلك عندهم، فدل على أنَّه أراد استفتاحه بهذه الآية دون البسملة، وهذا الحديث إسناده أصرح دلالة من حديث نعيم، والله أعلم. الوجه الثالث: أنَّ قوله: "إني لأشبهكم صلاة برسول الله ﷺ "، إنَّما أراد به أصل الصلاة ومقاديرها وهيئتها، وتشبيه الشيء بالشيء لا يقتضي أن يكون مثله من كل وجه، بل يكفي في غالب الأفعال، وذلك متحقق في التكبير وغيره، دون البسملة، فإنَّ التكبير وغيره من أفعال الصلاة ثابت صحيح عن أبي هريرة، وكان مقصوده الرد على من تركه، وأمَّا التسمية، ففي صحتها عنه نظر، فلينصرف إلى الصحيح الثابت دون غيره، ومما يلزمهم على القول بالتشبيه عن كل وجه ما في الصحيحين، عن ثابت عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: "إني لا آلو أن أصلي بكم صلاة رسول الله ﷺ ، قَالَ: فكان أنس يصنع شيئاً لا أراكم تصنعونه، كان إذا رفع رأسه من الركوع انتصب قائماً حتى يقول القائل: فد نسي، وإذا رفع من السجود مكث حتى يقول القائل: قد نسي"، فهذا أنس قد أخبر بشبه صلاته بصلاة النبي ﷺ ، فكان يطيل ركعتي الاعتدال والفصل إلى غاية يظن به النسيان، ومع ذلك، فالشافعية يكرهون إطالتهما، وعندهم وجهان في بطلان الصلاة بها، فهلا كان حديث أنس هذا دليلاً على وجوب إطالتهما مع

стр. 1942

صحته وموافقته للأحاديث الصحيحة، كما كان حديث أبي هريرة دليلاً على وجوب قراءة البسملة والجهر بها، مع علة مخالفته للأحاديث الصحيحة. وأيضاً، فيلزمهم أن يقولوا بالجهر بالتعوذ، لأنَّ الشافعي روى: أخبرنا ابن محمد الأسلمي عن ربيعة بن عثمان عن صالح بن أبي صالح، أنه سمع أبا هريرة، وهو يؤم الناس رافعاً صوته في المكتوبة إذا فرغ من أم القرآن: ربنا إنا نعوذ بك من الشيطان الرجيم، فهلا أخذوا بهذا، كما أخذوا بجهر البسملة مستدلين بما في الصحيح عنه، فما أسمعنا رسول الله ﷺ أسمعناكم، وما أخفى عنا أخفينا عنكم، وإن لم تزد على أم القرآن أجزأت، وإن زدت فهو خير، وكيف يظن بأبي هريرة أنَّه يريد التشبيه في الجهر بالبسملة، وهو الراوي عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: "يقول الله تعالى: " قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ولعبدي ما سأل فإذا قَالَ العبد: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. قَالَ الله تعالى: حمدني عبدي. وإذا قَالَ: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾. قَالَ الله تعالى: أثنى على عبدي. وإذا قَالَ: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾. قَالَ: مجدني عبدي - وقَالَ مرة فوض إلى عبدي - فإذا قَالَ: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾. قَالَ: هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل. فإذا قَالَ: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾. قَالَ هذا لعبدي ولعبدي ما سأل"، انتهى. أخرجه مسلم في صحيحه عن سفيان بن عيينة عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة،

стр. 1943

فذكره، وعن مالك بن أنس عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبي السائب عن أبي هريرة، وعن ابن جريج عن العلاء بن عبد الرحمن به، وهذا الحديث ظاهر في أن البسملة ليست من الفاتحة، وإلَّا لابتدأ بها، لأنَّ هذا محل بيان واستقصاء لآيات السورة، حتى إنَّه لم يخل منهما بحرف، والحاجة إلى قراءة البسملة أمس ليرتفع الإشكال، قَالَ ابن عبد البر: حديث العلاء هذا قاطع تعلق المتنازعين، وهو نص لا يحتمل التأويل، ولا أعلم حديثاً في سقوط البسملة أبيَّن منه، واعترض بعض المتأخرين على هذا الحديث بأمرين: أحدهما: قَالَ: لا يعبأ بكون هذا الحديث في مسلم، فإنَّ العلاء بن عبد الرحمن تكلم فيه ابن معين، فقَالَ: الناس يتقون حديثه، ليس حديثه بحجة، مضطرب الحديث، ليس بذاك، هو ضعيف، روي عنه جميع هذه الألفاظ، وقَالَ ابن عدي: ليس بالقوي، وقد انفرد بهذا الحديث، فلا يحتج به. الثاني: قَالَ: وعلى تقدير صحته، فقد جاء إلى بعض الروايات عنه ذكر التسمية، كما أخرجه الدارقطني عن عبد الله بن زياد بن سمعان عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ ، قَالَ: "من صلى صلاة لم يقرأ فيها أم القرآن فهي خداج غير تام"، فقلت: يا أبا هريرة، إنِّي ربما كنت مع الإمام، قَالَ: فغمز ذراعي، فقَالَ: اقرأ بها في نفسك، فإنِّي سمعت رسول الله ﷺ يقول: قَالَ الله: "قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين: فنصفها

стр. 1944

لي. ونصفها له، يقول عبدي إذا افتتح الصلاة: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ فيذكرني عبدي، ثم يقول: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ فأقول: حمدني عبدي" إلى آخره، وهذه الرواية، وإن كان فيها ضعف، ولكنها مفسرة لحديث مسلم أنَّه أراد السورة لا الآية، وهذا القائل حمله الجهل، وفرط التعصب على أن ترك الحديث الصحيح وضعفه لكونه غير موافق لمذهبه، وقَالَ: لا يعبأ بكونه في مسلم، مع أنَّه قد رواه عن العلاء الأئمة الثقات الأثبات، كمالك. وسفيان بن عيينة. وابن جريج. وشعبة. وعبد العزيز الدراوردي. وإسماعيل بن جعفر. ومحمد بن إسحاق. والوليد بن كثير. وغيرهم. والعلاء نفسه ثقة صدوق، كما سيأتي ثناء الأئمة عليه، وهذه الرواية انفرد بها عنه ابن سمعان، وهو كذاب، ولم يخرجها أحد من أصحاب الكتب الستة، ولا في المصنفات المشهورة. ولا المسانيد المعروفة، وإنَّما رواه الدارقطني في سننه التي يروي فيها غرائب الحديث، وقَالَ عقيبه: وعبد الله بن زياد بن سمعان متروك الحديث، وذكره في علله وأطال فيه الكلام، وملخصه: أنَّه رواه عن العلاء جماعة أثبات يزيدون على العشرة، ولم يذكر أحد منهم فيه البسملة، وزادها ابن سمعان، وهو ضعيف الحديث، وحسبك بالأول قد أودعه مسلم في صحيحه، والاختلاف الذي فيه ليس بعلة، فإنَّ بعضهم يقول: عن العلاء عن أبيه عن أبي هريرة، ومنهم من يقول: عن العلاء عن أبي السائب عن أبي هريرة، فإنَّ العلاء سمعه من أبيه، ومن أبي السائب، ولهذا

стр. 1945

يجمعهما تارة، ويفرد أباه تارة، ويفرد أبا السائب تارة، وكل ذلك عند مسلم، وزيادة البسملة في حديث العلاء باطلة قطعاً، زادها ابن سمعان خطأ أو عمداً، فإنَّه متهم بالكذب، مجمع على ضعفه، قَالَ عمر بن عبد الواحد: سألت مالكاً عنه، فقَالَ: كان كذاباً، وقَالَ يحيى بن بكير: قَالَ هشام بن عروة فيه: لقد كذب عليَّ، وحدث عني بأحاديث لم أحدثه بها، وعن أحمد بن حنبل: متروك الحديث، وسئل يحيى بن معين عنه، فقَالَ: كان كذاباً، وقيل لابن إسحاق: إنَّ ابن سمعان يقول: سمعت مجاهداً، فقَالَ: لا إله إلا الله، أنا والله أكبر منه ما رأيت مجاهداً، ولا سمعت منه، وقَالَ ابن حبان: كان يروي عمن لم يره، ويحدث بما لم يسمع، وقَالَ أبو داود: متروك الحديث، كان من الكذابين، وقَالَ النسائي: متروك، وقَالَ البخاري: سكتوا عنه، وقَالَ أبو زرعة: لا شيء، انتهى. وأيضاً، فلا ريب أنَّ الخلفاء الراشدين، وغيرهم من أئمة الصحابة كانوا أعلم بصلاة رسول الله ﷺ ، وأشد تحرياً لها من أبي هريرة، وقد كان أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وابن مسعود، وغيرهم من أئمة أصحابه لا يرون الجهر بالبسملة في الصلاة، قَالَ الترمذي: في جامعه بعد ذكره ترك الجهر: والعمل عليه عند أكثر أهل العلم من الصحابة: منهم أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وغيرهم، ومن بعدهم من التابعين، وكيف يعلل الحديث الصحيح الذي رواه مسلم في صحيحه بالحديث الضعيف الذي رواه الدارقطني؟! وهلا جعلوا

стр. 1946

الحديث الصحيح علة للضعيف، ومخالفة أصحاب أبي هريرة الثقات الأثبات لنعيم موجباً لرده؟، إذ مقتضى العلم أن يعلل الحديث الضعيف بالحديث الصحيح، كما فعلنا نحن» اهـ. وقَالَ العلامة بدر الدين العيني ﵀ في [شرح أبي داود] (٣/ ٤٠٧ - ٤١٠): «والجواب عنه من وجوه: الأول: أنَّه معلول، فإنَّ ذكر البسملة فيه مما تفرد به نعيم المجمع من بين أصحاب أبي هريرة، وهم ثمانمائة ما بين صاحب، وتابع، ولا يثبت عن ثقة من أصحاب أبي هريرة أنَّه حدث عن أبي هريرة، أنَّه- ﵇ كان يجهر بالبسملة في الصلاة، ألا ترى كيف أعرض صاحبا الصحيح عن ذكر البسملة في حديث أبي هريرة: " كان يكبر في كل صلاة من المكتوبة وغيرها " الحديث؟ فإن قيل: قد رواها نعيم المجمر وهو ثقة، والزيادة من الثقة مقبولة. قلنا: ليس ذلك مجمعاً عليه، بل فيه خلاف مشهور، فمنهم من يقبلها مطلقاً، ومنهم من لا يقبلها، والصحيح التفصيل وهو أنها تقبل في موضع دون موضع، فتقبل إذا كان الراوي الذي رواها ثقة، حافظاً، ثبتاً، والذي لم يذكرها مثله، أو دونه في الثقة، كما قبل الناس زيادة مالك بن أنس قوله: "من المسلمين" في صدقة الفطر، واحتج بها أكثر العلماء، ومن حكم في ذلك حكما عاما فقد غلط، بل كل زيادة لها حكم يخصها، ففي موضع يجزم بصحتها كزيادة مالك، وفي موضع يغلب على الظن

стр. 1947

صحتها كزيادة سعد بن طارق في حديث: "جُعلت لي الأرض مسجداً، وجعلت تربتها لنا طهوراً". وفي موضع يجزم بخطأ الزيادة كزيادة معمر ومن وافقه قوله: "وإن كان مائعاً فلا تقربوه"، وكزيادة عبد الله بن زياد ذكر البسملة في حديث: " قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين"، وإن كان معمر ثقة، وعبد الله بن زياد ضعيف، فإن الثقة قد يغلط، وفي موضع يغلب على الظن خطؤها كزيادة معمر في حديث ماعز: "الصلاة عليه"، رواه البخاري في "صحيحه"، وسئل هل رواها غير معمر؟ فقَالَ: لا، وقد رواه أصحاب السنن الأربعة عن معمر، وقَالَ فيه: "ولم يصل علي" فقد اختلف على معمر في ذلك، والراوي عن معمر هو: عبد الرزاق، وقد اختلف علي أيضاً، والصواب أنَّه قَالَ: "ولم يصل عليه". وفي موضع يتوقف في الزيادة كما في أحاديث كثيرة، وزيادة نعيم المجمر التسمية في هذا الحديث مما يتوقف فيه، بل يغلب على الظن ضعفه، وعلى تقدير صحتها فلا حجة فيها لمن قَالَ بالجهر، لأنَّه قَالَ: "فقرأ" أو" فقَالَ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، وذلك أعم من قراءتها سراً أو جهراً، وإنَّما هو حجة على من لا يرى قراءتها. فإن قيل: لو كان أبو هريرة أسر بالبسملة، ثم جهر بالفاتحة لم يعبر عن ذلك نعيم بعبارة واحدة متناولة للفاتحة والبسملة تناولاً واحداً، ولقَالَ: "فأسر بالبسملة، ثم جهر بالفاتحة"، والصلاة كانت جهرية بدليل تأمينه، وتأمين المأمومين.

стр. 1948

قلنا: ليس الجهر فيه بصريح ولا ظاهر يوجب الحجة، ومثل هذا لا يقدم على النص الصريح المقتضي للإسرار، ولو أخذ الجهر من هذا الإطلاق لأخذ منه أنها ليست من أم القرآن، فإنه قَالَ: "فقرأ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ثم قرأ أم القرآن"، والعطف يقتضي المغايرة. الوجه الثاني: أن قوله: "فقرأ" أو "قَالَ" ليس بصريح أنَّه سمعها منه إذ يجوز أن يكون أبو هريرة أخبر نعيماً بأنَّه قرأها سراً، ويجوز أن يكون سمعها منه في مخافتته لقربه منه، كما روي عنه من أنواع الاستفتاح وألفاظ الذكر في: قيامه، وقعوده، وركوعه، وسجوده، ولم يكن ذلك منه دليلاً على الجهر. الوجه الثالث: أنَّ التشبيه لا يقتضي أن يكون مثله من كل وجه، بل يكفي في غالب الأفعال، وذلك متحقق في التكبير وغيره دون البسملة، فإنَّ التكبير وغيره من أفعال الصلاة ثابت صحيح عن أبي هريرة، وكان مقصوده الرد على من تركه، وأمَّا التسمية ففي صحتها عنه نظر فينصرف إلى الصحيح الثابت دون غيره، ومما يلزمهم على القول بالتشبيه من كل وجه أن يقولوا بالجهر بالتعوذ، لأنَّ الشافعي روى: أخبرنا ابن محمد الأسلمي، عن ربيعة بن عثمان، عن صالح بن أبي صالح، أنَّه سمع أبا هريرة: "وهو يؤم الناس، رافعاً صوته في المكتوبة، إذا فرخ من أم القرآن: ربنا إنَّا نعوذ بك من الشيطان الرجيم".

стр. 1949

فهلا أخذوا بهذا كما أخذوا بجهر البسملة مستدلين بما في "الصحيحين" عنه "فما أسمعنا- ﵇ أسمعناكم وما أخفانا أخفيناكم". وكيف يظن بأبي هريرة أنه يريد التشبيه في الجهر بالبسملة وهو الراوي عَنِ النَّبِيِّ- ﵇ قَالَ: يقول الله تعالى: " قَالَ الله تعالى قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ولعبدي ما سأل فإذا قَالَ العبد: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. قَالَ الله تعالى: حمدني عبدي. وإذا قَالَ: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾. قَالَ الله تعالى: أثنى على عبدي. وإذا قَالَ: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾. قَالَ: مجدني عبدي - وقَالَ مرة فوض إلى عبدي - فإذا قَالَ: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾. قَالَ: هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل. فإذا قَالَ: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾. قَالَ هذا لعبدي ولعبدي ما سأل" أخرجه مسلم في "صحيحه"، عن سفيان بن عيينة، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة، فذكره. وعن مالك بن أنس، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبي السائب، عن أبي هريرة، وعن ابن جريج، عن العلاء بن عبد الرحمن به، وهذا الحديث ظاهر في أنَّ البسملة ليست من الفاتحة وإلَّا لابتدأ بها، لأنَّ هذا محل بيان واستقصاء لآيات السورة، حتى إنَّه لم يخل منها بحرف، والحاجة إلى قراءة البسملة أمَس ليرتفع الإشكال.

стр. 1950

قَالَ ابن عبد البر: حديث العلاء هذا قاطعُ تعلق المتنازعين، وهو نص لا يحتمل التأويل، ولا أعلم حديثاً في سقوط البسملة أبين منه» اهـ. قلت: وبهذا يتبين عدم صحة حديث أبي هريرة وعلى فرض صحته فليس بصريح على جهر النبي ﷺ بالبسملة كما سبق بيانه. الحجة الثانية: ما رواه البخاري (٥٠٤٦) عن قَتَادَةَ، قَالَ: سَأَلْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ عَنْ قِرَاءَةِ النَّبِيِّ ﷺ فقَالَ: «كَانَتْ مَدًّا ثُمَّ قَرَأَ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ يمد بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ﴾ يَمُدُّ بـ ﴿الرَّحْمَنِ﴾ وَيَمُدُّ بـ ﴿الرَّحِيمِ﴾». قالوا: وهذا يعم القراءة في الصلاة وفي خارج الصلاة. قلت: وقد أجاب على ذلك الحافظ ابن رجب ﵀ فقَالَ في [فتح الباري] (٤/ ٣٥٨ - ٣٦٠): «وفي الجملة؛ فتفرد عمرو بن عاصم عن همام بذكر البسملة في هذا الحديث. وعلى تقدير أن تكون محفوظة، فليس في الحديث التصريح بقراءته في الصلاة، فقد يكون وصف قراءته في غير الصلاة، ويحتمل - وهو أشبه -: أن يكون أنس أو قتادة قرأ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ على هذا الوجه، وأراد تمثيل قراءته بالمد، ولم يرد به حكاية عين قراءته للبسملة.

стр. 1951

ويشهد بهذا: ما خرجه أبو داود من حديث ابن جريج، عن ابن أبي مليكة، عن أم سلمة، ذكرت قراءة رسول الله " ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ () الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ () الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ () مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾، يقطع قراءته آية آية". وخرجه الترمذي ولم يذكر في أوله البسملة، وزاد: وكان يقرأها ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾. وقراءة هذه الآيات على هذا الوجه إنَّما هو من حكاية ابن جريج لحديث أم سلمة، وقولها: كَانَّ النَّبِيُّ يقطع قراءته آية آية، كذلك قَالَه النسائي وأبو داود السجستاني، حكاه عنهما أبو بكر بن أبي داود في كتابه "المصاحف". وكذا قَالَ الإمام أحمد في رواية ابن القاسم، وقَالَوا: ابن جريج هو الذي قرأ ﴿مَالِكِ﴾، وليس ذلك في حديث أم سلمة. يدل على صحة هذا: ما خرجه الإمام أحمد مِنْ طَرِيقِ نافع، عن ابن أبي مليكة، عن بعض أزواج النبي قَالَ نافع: أراها حفصة -، "أنها سئلت عن قراءة النبي؟ فقَالَت: إنكم لا تستطيعونها، فقيل: أخبرينا بها، فقرأت قراءة ترسلت فيها. قَالَ نافع: فحكى لنا ابن أبي مليكة: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. ثم قطع ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾. ثم قطع ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ ". ففي هذه الرواية: تصريح ابن جريج بأنَّ هذه القراءة إنَّما هي حكاية ما قرأ لهم ابن أبي مليكة.

стр. 1952

وفي لفظ الحديث اختلاف في ذكر البسملة وإسقاطها. وفي إسناده - أيضاً - اختلاف؛ فقد أدخل الليث بن سعد في روايته عن ابن أبي مليكة بينه وبين أم سليمة: يعلى بن مملك، وصحح روايته الترمذي وغيره. وقَالَ النسائي في يعلى هذا: ليس بمشهور. وقَالَ بعضهم: عن يعلى، عن عائشة. وقد ذكر الاختلاف فيه الدارقطني في " علله"، وذكر أن عمر بن هارون زاد فيه: عن ابن جريج، وعد: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾. آية. وعمر بن هارون، لا يلتفت إلى تفرد به. وقد يكون ابن جريج عدها آية - أو ابن أبي مليكة. ومن زعم: أنَّه صحيح؛ لتخريج ابن خزيمة له، فقد وهم. ومن زعم من متقدمي الفقهاء أن حفص بن غياث رواه عن ابن جريج كذلك وأنَّه أخبره به عنه غير واحد، فقد وهم، ورواه بالمعنى الذي فهمه هو، وهو وأمثاله من الفقهاء يروون بالمعنى الذي يفهمونه، فيغيرون معنى الحديث. وحديث حفص مشهور، مخرج في المسانيد والسنن باللفظ المشهور» اهـ. الحجة الثالثة: ما رواه عبد الرزاق في [مصنفه] (٢٦١٨)، ومِنْ طَرِيقِه رواه الدارقطني (١١٨٧)، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ خُثَيْمٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ حَفْصِ بْنِ عُمَرَ بْنِ سَعْدٍ: «أَنَّ مُعَاوِيَةَ صَلَّى بِالْمَدِينَةِ لِلنَّاسِ الْعَتَمَةَ، فَلَمْ يَقْرَأْ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، وَلَمْ يُكَبِّرْ بَعْضَ هَذَا التَّكْبِيرِ الَّذِي يُكَبِّرُ النَّاسُ، فَلَمَّا انْصَرَفَ نَادَاهُ مَنْ سَمِعَ ذَلِكَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ

стр. 1953

وَالْأَنْصَارِ فَقَالُوا: " يَا مُعَاوِيَةُ، أَسَرَقْتَ الصَّلَاةَ أَمْ نَسِيتَ؟ أَيْنَ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾؟ وَاللَّهُ أَكْبَرُ حَتَّى تَهْوِيَ سَاجِدًا؟ فَلَمْ يَعُدْ مُعَاوِيَةُ لِذَلِكَ بَعْدُ». ورواه الدارقطني (١١٨٨) مِنْ طَرِيقِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَيَّاشٍ، ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ خُثَيْمٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ رِفَاعَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، أَنَّ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ به. ورواه البيهقي في [الكبرى] (٢٢٣٩) وَأَخْبَرَنَا أَبُو زَكَرِيَّا بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ، ثنا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ أنبأ الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ، أنبأ الشَّافِعِيُّ، أنبأ إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ خُثَيْمٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ رِفَاعَةَ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ مُعَاوِيَةَ ﵁ به. قَالَ الحافظ البيهقي ﵀: «وبإسناده قَالَ أنبأ الشافعي أنبأ يحيى بن سليم عن عبد الله بن عثمان بن خثيم عن إسماعيل بن عبيد بن رفاعة عن أبيه عن معاوية والمهاجرين والأنصار مثله أو مثل معناه. قَالَ الشافعي ﵀: وأحسب هذا الإسناد أحفظ من الإسناد الأول قَالَ. الشيخ ﵀: ورواه إسماعيل بن عياش عن بن خثيم عن إسماعيل بن عبيد بن رفاعة عن أبيه عن جده أنَّ معاوية قدم المدينة ويحتمل أن يكون ابن خثيم سمعه منهما والله أعلم» اهـ.

стр. 1954

قلت: إسماعيل مجهول، وأبوه لم يوثقه معتبر. وكلام الشافعي في [المسند] (ص: ٣٧). ورواه الشافعي في [المسند] (٢٢٣)، ومِنْ طَرِيقِه الحاكم في [المستدرك] (٨٥١)، والدارقطني في [سننه] (١١٨٧)، والبيهقي في [الصغرى] (٣٩٢)، و [الكبرى] (٢٤٠٨)، و [المعرفة] (٣٠٨٦) أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْمَجِيدِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ خُثَيْمٍ، أَنَّ أَبَا بَكْرِ بْنَ حَفْصِ بْنِ عُمَرَ أَخْبَرَهُ، أَنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: «صَلَّى مُعَاوِيَةُ بِالْمَدِينَةِ صَلَاةً فَجَهَرَ فِيهَا بِالْقِرَاءَةِ، فَقَرَأَ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ لِأُمِّ الْقُرْآنِ، وَلَمْ يَقْرَأْ بِهَا لِلسُّورَةِ الَّتِي بَعْدَهَا، حَتَّى قَضَى تِلْكَ الْقِرَاءَةَ، وَلَمْ يُكَبِّرْ حِينَ يَهْوِي حَتَّى قَضَى تِلْكَ الصَّلَاةَ. فَلَمَّا سَلَّمَ نَادَاهُ مَنْ سَمِعَ ذَلِكَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ: يَا مُعَاوِيَةُ، أَسَرَقْتَ الصَّلَاةَ أَمْ نَسِيتَ؟ فَلَمَّا صَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ قَرَأَ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ لِلسُّورَةِ الَّتِي بَعْدَ أُمِّ الْقُرْآنِ وَكَبَّرَ حِينَ يَهْوِي سَاجِدًا». ورواه الشافعي في [السنن المأثورة] (٤٣) وَأَنْبَأَنَا عَبْدُ الْمَجِيدِ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي رَوَّادٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ خُثَيْمٍ، أَنَّ أَبَا بَكْرِ بْنَ حَفْصِ بْنِ عُمَرَ، أَخْبَرَهُ، أَنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ أَخْبَرَهُ قَالَ وذكره. وقال ﵀ بعد روايته: «قَدْ خُولِفَ ابْنُ أَبِي رَوَّادٍ فِي هَذَا الْإِسْنَادِ، وَالْحَدِيثُ صَحِيحٌ» اهـ.

стр. 1955

ورواه الشافعي (٢٢٤) في [المسند] أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ خُثَيْمٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ رِفَاعَةَ، عَنْ أَبِيهِ به. قَالَ شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كما في [مجموع الفتاوى] (٢٢/ ٤٣٠ - ٤٣٢): «ومثل هذا أيضاً يظهر ضعف حديث معاوية الذي فيه أنَّه صلى بالصحابة بالمدينة فأنكروا عليه ترك قراءة البسملة في أول الفاتحة وأول السورة حتى عاد يعمل ذلك فإنَّ هذا الحديث وإن كان الدارقطني قَالَ: إسناده ثقات وقَالَ الخطيب: هو أجود ما يعتمد عليه في هذه المسألة كما نقل ذلك عنه نصر المقدسي فهذا الحديث يعلم ضعفه من وجوه: أحدها: أنَّه يروي عَنْ أَنَسٍ أيضاً الرواية الصحيحة الصريحة المستفيضة الذي يرد هذا. الثاني: أنَّ مدار ذلك الحديث على عبد الله بن عثمان بن خثيم وقد ضعفه طائفة وقد اضطربوا في روايته إسناداً ومتناً: كما تقدم. وذلك يبين أنَّه غير محفوظ. الثالث: أنَّه ليس فيه إسناد متصل السماع؛ بل فيه من الضعف والاضطراب ما لا يؤمن معه الانقطاع أو سوء الحفظ. الرابع: أنَّ أنساً كان مقيماً بالبصرة ومعاوية لما قدم المدينة لم يذكر أحد علمناه أنَّ أنساً كان معه بل الظاهر أنَّه لم يكن معه.

стр. 1956

الخامس: أنَّ هذه القضية بتقدير وقوعها كانت بالمدينة والراوي لها أنس وكان بالبصرة وهي مما تتوافر الهمم والدواعي على نقلها. ومن المعلوم أنَّ أصحاب أنس المعروفين بصحبته وأهل المدينة لم ينقل أحد منهم ذلك؛ بل المنقول عَنْ أَنَسٍ وأهل المدينة نقيض ذلك والناقل ليس من هؤلاء ولا من هؤلاء. السادس: أنَّ معاوية لو كان رجع إلى الجهر في أول الفاتحة والسورة لكان هذا أيضاً معروفاً من أمره عند أهل الشام الذين صحبوه ولم ينقل هذا أحد عن معاوية؛ بل الشاميون كلهم: خلفاؤهم وعلماؤهم كان مذهبهم ترك الجهر بها؛ بل الأوزاعي مذهبه فيها مذهب مالك لا يقرؤها سراً ولا جهراً. فهذه الوجوه وأمثالها إذا تدبرها العالم قطع بأنَّ حديث معاوية إمَّا باطل لا حقيقة له وإمَّا مغير عن وجهه وأنَّ الذي حدث به بلغه من وجه ليس بصحيح فحصلت الآفة من انقطاع إسناده. وقيل: هذا الحديث لو كان تقوم به الحجة لكان شاذاً؛ لأنَّه خلاف ما رواه الناس الثقات الأثبات عَنْ أَنَسٍ وعن أهل المدينة وأهل الشام ومن شرط الحديث الثابت أن لا يكون شاذاً ولا معللاً وهذا شاذ معلل إن لم يكن من سوء حفظ بعض رواته» اهـ. وقَالَ العلامة العيني في [شرح أبي داود] (٣/ ٤٢٣ - ٤٢٥): «والجواب عنه من وجوه:

стр. 1957

الأول: أنَّ مداره على عبد الله بن عثمان بن خثيم، وهو وإن كان من رجال مسلم، لكنه متكلم فيه، أسند ابن عدي إلى ابن معين أنه قَالَ: أحاديثه غير قوية. وقَالَ النسائي: لين الحديث، ليس بالقوي فيه. وقَالَ الدارقطني: لَينوه. وقَالَ ابن المديني: منكر الحديث. وبالجملة فهو مختلف فيه، فلا يقبل ما تفرَّد به، مع أنَّه قد اضطرب في إسناده ومتنه، وهو أيضاً من أسباب الضعف، أمَّا في إسناده فإنَّ ابن خثيم تارة يرويه عن أبي بكر بن حفص، عَنْ أَنَسٍ، وتارة يرويه عن إسماعيل بن عبيد بن رفاعة، عن أبيه، وقد رجح البيهقي الأولى في "المعرفة"، لجلالة رواتها، وهو ابن جريج، ومال الشافعي إلى ترجيح الثانية. ورواه ابن خثيم أيضاً عن إسماعيل بن عبيد بن رفاعة، عن أبيه، عن جده، فزاد ذكر الجد، كذلك رواه عن إسماعيل بن عياش، وهي عند الدارقطني، والأولى عنده، وعند الحاكم، والثانية عند الشافعي. وأمَّا الاضطراب في متنه فتارة يقول: "صلى فبدأ بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ لأم القرآن، ولم يقرأ بها للسورة التي بعدها". كما تقدم عند الحاكم، وتارة يقول: "فلم يقرأ بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ حين افتتح القرآن، وقرأ بأم الكتاب"، كما هو عند الدارقطني في رواية إسماعيل بن عياش، وتارة يقول: "فلم يقرأ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ لأم القرآن ولا للسورة التي بعدها". كما هو عند

стр. 1958

الدارقطني في رواية ابن جريج، ومثل هذا الاضطراب في السند، والمتن مما يوجب ضعف الحديث، لأنَّه مشعر بعدم ضبطه. الوجه الثاني: إنَّ شرط الحديث الثابت أن لا يكون شاذاً، ولا معللاً، وهذا شاذ ومعلل، فإنَّه مخالف رواه الثقات الأثبات، عَنْ أَنَسٍ، وكيف يروي أنس مثل حديث معاوية هذا محتجاً به وهو مخالف رواه، عَنِ النَّبِيِّ- ﵇ وعن خلفائه الراشدين؟ ولم يعرف أحد من أصحاب أنس المعروفين بصحبته أنَّه نقل عنه مثل ذلك، ومما يرد حديث معاوية هذا أنَّ أنساً كان مقيماً بالبصرة، ومعاوية قدم المدينة لم يذكر أحد علمناه أنَّ أنسأ كان معه، بل الظاهر أنَّه لم يكن معه. الوجه الثالث: إنَّ مذهب أهل المدينة قديماً وحديثاً ترك الجهر بها، ومنهم من لا يرى قراءتها أصلاً. قَالَ عروة بن الزبير- أحد الفقهاء السبعة-: "أدركت الأئمة، وما يستفتحون القراءة إلاَّ بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ". وقَالَ عبد الرحمن بن القاسم: ما سمعت القاسم يقرأ بها. وقَالَ عبد الرحمن الأعرج: أدركت الأئمة، وما يستفتحون القراءة إلَّا بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، ولا يحفظ عن أحد من أهل المدينة بإسناد صحيح أنَّه كان يجهر بها إلَّا شيء يسير وله محمل، وهذا عملهم يتوارثه آخرهم عن أولهم، فكيف ينكرون على معاوية ما هو سنتهم؟ هذا باطل.

стр. 1959

الرابع: إنَّ معاوية لو رجع إلى الجهر بالبسملة، كما نقلوه لكان هذا معروفاً من أمره عند أهل الشام الذين صحبوه، ولم ينقل ذلك عنهم، بل الشاميون كلهم: خلفاؤهم، وعلماؤهم كان مذهبهم ترك الجهر بها، وما روي عن عمر بن عبد العزيز من الجهر بها فباطل، لا أصل له، والأوزاعي إمام الشام، ومذهبه في ذلك مذهب مالك: لا يقرأها سراً ولا جهراً، ومن المستبعد أن يكون هذا حال معاوية، ومعلوم أن معاوية قد صلى مع النبي- ﵇ فلو سمع النبي- ﵇ يجهر بالبسملة تركها حين يُنكر عليه رعيتُه أنَّه لا يحسن يصلي، وهذه الوجوه من تدبرها علم أنَّ حديث معاوية باطل، ومغير عن وجهه، وقد يتمحل فيه، ويقَالَ: إن كان هذا الإنكار على معاوية محفوظاً فإنَّما هو إنكار لترك إتمام التكبير لا لترك الجهر بالبسملة، ومعلوم أنَّ ترك إتمام التكبير كان مذهب الخلفاء من بني أمية وأمرائهم على البلاد، حتى أنَّه كان مذهب عمر بن عبد العزيز وهو: عدم التكبير حين يهوي ساجداً بعد الركوع، وحين يسجد بعد القعود، وإلَّا فلا وجه لإنكارهم علي ترك الجهر بالبسملة، وهو مذهب الخلفاء الراشدين، وغيرهم من أكابر الصحابة، ومذهب أهل المدينة أيضاً» اهـ. الحجة الرابعة: ما رواه الحاكم (٨٥٤)، والدارقطني (١١٧٩)، ومِنْ طَرِيقِ الحاكم أخرجه البيهقي في [المعرفة] (٧٩٣) مِنْ طَرِيقِ محمد بن المتوكل بن أبي السري قَالَ: «صَلَّيْتُ خَلْفَ الْمُعْتَمِرِ بْنِ سُلَيْمَانَ مَا لَا أُحْصِي صَلَاةَ الصُّبْحِ، وَالْمَغْرِبِ

стр. 1960

فَكَانَ يَجْهَرُ بِـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ قَبْلَ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَبَعْدَهَا. وَسَمِعْتُ الْمُعْتَمِرَ يَقُولُ: مَا آلُو أَنْ أَقْتَدِيَ بِصَلَاةِ أَبِي، وَقَالَ أَبِي: مَا آلُو أَنْ أَقْتَدِيَ بِصَلَاةِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، وَقَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ: مَا آلُو أَنْ أَقْتَدِيَ بِصَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ». قلت: وقد جاء الحديث عنه بخلاف هذا فرواه الطبراني في [المعجم الكبير] (٧٣٩) حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وُهَيْبٍ الْغَزِّيُّ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي السَّرِيِّ، ثنا مُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ أَنَسٍ: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يُسِرُّ بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، وَأَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ ﵄». ورواه الطبراني في [الأوسط] (٨٢٧٧) حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ جُمْهُورٍ، نا أَبُو تَقِيٍّ هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلَكِ، نا سُوَيْدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، عَنْ عِمْرَانَ الْقَصِيرِ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُسِرُّ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾». ورواه الحاكم (٨٥٥) حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرٍ مَكِّيُّ بْنُ أَحْمَدَ الْبَرْدَعِيُّ، ثنا أَبُو الْفَضْلِ الْعَبَّاسُ بْنُ عِمْرَانَ الْقَاضِي، ثنا أَبُو جَابِرٍ سَيْفُ بْنُ عَمْرٍو، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي السَّرِيِّ، ثنا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ، ثنا مَالِكٌ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: «صَلَّيْتُ خَلْفَ النَّبِيِّ ﷺ ، وَخَلْفَ أَبِي بَكْرٍ، وَخَلْفَ عُمَرَ، وَخَلْفَ عُثْمَانَ، وَخَلْفَ عَلِيٍّ، فَكُلُّهُمْ كَانُوا يَجْهَرُونَ بِقِرَاءَةِ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾».

стр. 1961

قَالَ شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كما في [مجموع الفتاوى] (٢٢/ ٤٢٦ - ٤٣٠): «وأمَّا حديث المعتمر بن سليمان عن أبيه؛ فيعلم أولاً: أنَّ تصحيح الحاكم وحده وتوثيقه وحده لا يوثق به فيما دون هذا؛ فكيف في مثل هذا الموضع الذي يعارض فيه بتوثيق الحاكم. وقد اتفق أهل العلم في الصحيح على خلافه ومن له أدنى خبرة في الحديث وأهله لا يعارض بتوثيق الحاكم ما قد ثبت في الصحيح خلافه؛ فإنَّ أهل العلم متفقون على أنَّ الحاكم فيه من التساهل والتسامح في باب التصحيح حتى إن تصحيحه دون تصحيح الترمذي والدارقطني وأمثالهما بلا نزاع فكيف بتصحيح البخاري ومسلم. بل تصحيحه دون تصحيح أبي بكر ابن خزيمة وأبي حاتم بن حبان البستي وأمثالهما بل تصحيح الحافظ أبي عبد الله محمد بن عبد الواحد المقدسي في "مختاره" خير من تصحيح الحاكم فكتابه في هذا الباب خير من كتاب الحاكم بلا ريب عند من يعرف الحديث وتحسين الترمذي أحياناً يكون مثل تصحيحه أو أرجح وكثيراً ما يصحح الحاكم أحاديث يجزم بأنها موضوعة لا أصل لها فهذا هذا. والمعروف عن سليمان التيمي وابنه معتمر أنَّهما كانا يجهران بالبسملة لكن نقله عَنْ أَنَسٍ هو المنكر كيف وأصحاب أنس الثقات الأثبات يروون عنه خلاف ذلك حتى إنَّ شعبة سأل قتادة عن هذا قَالَ: أنت سمعت أنساً يذكر ذلك؟ قَالَ: نعم وأخبره باللفظ الصريح المنافي للجهر. ونقل

стр. 1962

شعبة عن قتادة ما سمعه من أنس في غاية الصحة وأرفع درجات الصحيح عند أهله إذ قتادة أحفظ أهل زمانه أو من أحفظهم وكذلك إتقان شعبة وضبطه هو الغاية عندهم وهذا مما يرد به قول من زعم أن بعض الناس روى حديث أنس بالمعنى الذي فهمه وأنه لم يكن في لفظه إلَّا قوله: يستفتحون الصلاة بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ففهم بعض الرواة من ذلك نفي قراءتها فرواه من عنده فإنَّ هذا القول لا يقوله إلَّا من هو أبعد الناس علماً برواة الحديث وألفاظ روايتهم الصريحة التي لا تقبل التأويل وبأنهم من العدالة والضبط في الغاية التي لا تحتمل المجازفة أو أنَّه مكابر صاحب هوى يتبع هواه ويدع موجب العلم والدليل. ثم يقَالَ: هب أنَّ المعتمر أخذ صلاته عن أبيه وأبوه عَنْ أَنَسٍ وأنس عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فهذا مجمل ومحتمل؛ إذ ليس يمكن أن يثبت كل حكم جزئي من أحكام الصلاة بمثل هذا الإسناد المجمل؛ لأنَّه من المعلوم أنَّ مع طول الزمان وتعدد الإسناد لا تضبط الجزئيات في أفعال كثيرة متفرقة حق الضبط؛ إلَّا بنقل مفصل لا مجمل وإلَّا فمن المعلوم أنَّ مثل منصور بن المعتمر وحماد بن أبي سليمان والأعمش وغيرهم أخذوا صلاتهم عن إبراهيم النخعي وذويه وإبراهيم أخذها عن علقمة والأسود ونحوها وهم أخذوها عن ابن مسعود وابن مسعود عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . وهذا الإسناد أجل رجالاً من ذلك الإسناد وهؤلاء أخذ الصلاة عنهم أبو حنيفة والثوري وابن أبي ليلى وأمثالهم من فقهاء الكوفة

стр. 1963

فهل يجوز أن يجعل نفس صلاة هؤلاء هي صلاة رسول الله ﷺ بهذا الإسناد حتى في موارد النزاع فإن جاز هذا كان هؤلاء لا يجهرون ولا يرفعون أيديهم إلا في تكبيرة الافتتاح ويسفرون بالفجر وأنواع ذلك مما عليه الكوفيون. ونطير هذه احتجاج بعضهم على الجهر بأن أهل مكة من أصحاب ابن جريج كانوا يجهرون وأنهم أخذوا صلاتهم عن ابن جريج وهو أخذها عن عطاء وعطاء عن ابن الزبير وابن الزبير عن أبي بكر الصديق وأبو بكر عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . ولا ريب أن الشافعي ﵁ أول ما أخذ الفقه في هذه المسألة وغيرها عن أصحاب ابن جريج. كسعيد بن سالم القداح ومسلم بن خالد الزنجي لكن مثل هذه الأسانيد المجملة لا يثبت بها أحكام مفصلة تنازع الناس فيها. ولئن جاز ذلك ليكونن مالك أرجح من هؤلاء فإنه لا يستريب عاقل أنَّ الصحابة والتابعين وتابعيهم الذين كانوا بالمدينة أجل قدراً وأعلم بالسنة وأتبع لها ممن كان بالكوفة ومكة والبصرة. وقد احتج أصحاب مالك على ترك الجهر بالعمل المستمر بالمدينة فقَالَوا: هذا المحراب الذي كان يصلي فيه رسول الله ﷺ ثم أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم الأئمة وهلم جراً. ونقلهم لصلاة رسول الله ﷺ نقل متواتر كلهم شهدوا صلاة رسول الله ﷺ ثم صلاة خلفائه وكانوا أشد محافظة على السنة وأشد إنكاراً على من خالفها من غيرهم فيمتنع أن يغيروا صلاة رسول الله ﷺ

стр. 1964

وهذا العمل يقترن به عمل الخلفاء كلهم من بني أمية وبني العباس فإنهم كلهم لم يكونوا يجهرون وليس لجميع هؤلاء غرض بالإطباق على تغيير السنة في مثل هذا ولا يمكن أنَّ الأئمة كلهم أقرتهم على خلاف السنة بل نحن نعلم ضرورة أن خلفاء المسلمين وملوكهم لا يبدلون سنة لا تتعلق بأمر ملكهم وما يتعلق بذلك من الأهواء وليست هذه المسألة مما للملوك فيها غرض. وهذه الحجة إذا احتج بها المحتج لم تكن دون تلك بل نحن نعلم أنها أقوى منها فإنه لا يشك مسلم أن الجزم بكون صلاة التابعين بالمدينة أشبه بصلاة الصحابة بها والصحابة بها أشبه صلاة بصلاة رسول الله ﷺ أقرب من الجزم بكون صلاة شخص أو شخصين أشبه بصلاة آخر حتى ينتهي ذلك إلى النبي ﷺ ولهذا لم يذهب ذاهب قط إلى أن عمل غير أهل المدينة أو إجماعهم حجة وإنما تنوزع في عمل أهل المدينة وإجماعهم: هل هو حجة أم لا؟ نزاعاً لا يقصر عن عمل غيرهم وإجماع غيرهم إن لم يزد عليه. فتبين دفع ذلك العمل عن سليمان التيمي وابن جريج وأمثالهما بعمل أهل المدينة لو لم يكن المنقول نقلاً صحيحاً صريحا عَنْ أَنَسٍ يخالف ذلك فكيف والأمر في رواية أنس أظهر وأشهر وأصح وأثبت من أن يعارض بهذا الحديث المجمل الذي لم يثبت وإنما صححه مثل الحاكم وأمثاله» اهـ. وقَالَ الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٤/ ٣٦٣ - ٣٦٧):

стр. 1965

«وخرج الدارقطني - أيضاً - مِنْ طَرِيقِ معتمر بن سليمان، عن أبيه، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: "كَانَّ النَّبِيُّ يجهر بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾. وفي إسناده مجاهيل لا يعرفون. وخرج - أيضاً - بإسناد منقطع وجادة وجدها في كتاب عن محمد بن المتوكل بن أبي السري العسقلاني، "أنه صلى خلف المعتمر بن سليمان، فكان يجهر بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، وقَالَ: إني ما آلو أن اقتدي بصلاة المعتمر، وقَالَ أنس: ما آلو أن اقتدي بصلاة رسول الله". وهذا لا يثبت؛ لوجوه: منها: انقطاع أول إسناده. ومنها: أنَّه ليس فيه تصريح برواية معتمر للجهر بالبسملة بهذا الإسناد، وإنَّما فيه اقتداء كلي في الصلاة، ومثل هذا لا يثبت به نقل تفاصيل أحكام الصلاة الخاصة. ومنها: أنَّ المعتمر بن سليمان إنَّما كان يروي حديث البسملة بإسناد آخر عن إسماعيل بن حماد، عن أبي خالد، عن ابن عباس، أَنَّ النَّبِيَّ كان يفتتح صلاته بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾. خرجه مِنْ طَرِيقِه كذلك أبو داود، وقَالَ: هذا حديث ضعيف. والترمذي، وقَالَ: إسناده ليس بذاك. وقَالَ: إسماعيل بن حماد، هو: ابن أبي سليمان، وأبو خالد، هو: الوالبي، كذا قَالَ.
следующие страницы →