Полный текст (8 095 стр.). Показаны 1961–2000 · переход к 1966.
стр. 1961
قَالَ شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كما في [مجموع الفتاوى] (٢٢/ ٤٢٦ - ٤٣٠):
«وأمَّا حديث المعتمر بن سليمان عن أبيه؛ فيعلم أولاً: أنَّ تصحيح الحاكم وحده وتوثيقه وحده لا يوثق به فيما دون هذا؛ فكيف في مثل هذا الموضع الذي يعارض فيه بتوثيق الحاكم. وقد اتفق أهل العلم في الصحيح على خلافه ومن له أدنى خبرة في الحديث وأهله لا يعارض بتوثيق الحاكم ما قد ثبت في الصحيح خلافه؛ فإنَّ أهل العلم متفقون على أنَّ الحاكم فيه من التساهل والتسامح في باب التصحيح حتى إن تصحيحه دون تصحيح الترمذي والدارقطني وأمثالهما بلا نزاع فكيف بتصحيح البخاري ومسلم. بل تصحيحه دون تصحيح أبي بكر ابن خزيمة وأبي حاتم بن حبان البستي وأمثالهما بل تصحيح الحافظ أبي عبد الله محمد بن عبد الواحد المقدسي في "مختاره" خير من تصحيح الحاكم فكتابه في هذا الباب خير من كتاب الحاكم بلا ريب عند من يعرف الحديث وتحسين الترمذي أحياناً يكون مثل تصحيحه أو أرجح وكثيراً ما يصحح الحاكم أحاديث يجزم بأنها موضوعة لا أصل لها فهذا هذا. والمعروف عن سليمان التيمي وابنه معتمر أنَّهما كانا يجهران بالبسملة لكن نقله عَنْ أَنَسٍ هو المنكر كيف وأصحاب أنس الثقات الأثبات يروون عنه خلاف ذلك حتى إنَّ شعبة سأل قتادة عن هذا قَالَ: أنت سمعت أنساً يذكر ذلك؟ قَالَ: نعم وأخبره باللفظ الصريح المنافي للجهر. ونقل
стр. 1962
شعبة عن قتادة ما سمعه من أنس في غاية الصحة وأرفع درجات الصحيح عند أهله إذ قتادة أحفظ أهل زمانه أو من أحفظهم وكذلك إتقان شعبة وضبطه هو الغاية عندهم وهذا مما يرد به قول من زعم أن بعض الناس روى حديث أنس بالمعنى الذي فهمه وأنه لم يكن في لفظه إلَّا قوله: يستفتحون الصلاة بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ففهم بعض الرواة من ذلك نفي قراءتها فرواه من عنده فإنَّ هذا القول لا يقوله إلَّا من هو أبعد الناس علماً برواة الحديث وألفاظ روايتهم الصريحة التي لا تقبل التأويل وبأنهم من العدالة والضبط في الغاية التي لا تحتمل المجازفة أو أنَّه مكابر صاحب هوى يتبع هواه ويدع موجب العلم والدليل.
ثم يقَالَ: هب أنَّ المعتمر أخذ صلاته عن أبيه وأبوه عَنْ أَنَسٍ وأنس عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فهذا مجمل ومحتمل؛ إذ ليس يمكن أن يثبت كل حكم جزئي من أحكام الصلاة بمثل هذا الإسناد المجمل؛ لأنَّه من المعلوم أنَّ مع طول الزمان وتعدد الإسناد لا تضبط الجزئيات في أفعال كثيرة متفرقة حق الضبط؛ إلَّا بنقل مفصل لا مجمل وإلَّا فمن المعلوم أنَّ مثل منصور بن المعتمر وحماد بن أبي سليمان والأعمش وغيرهم أخذوا صلاتهم عن إبراهيم النخعي وذويه وإبراهيم أخذها عن علقمة والأسود ونحوها وهم أخذوها عن ابن مسعود وابن مسعود عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . وهذا الإسناد أجل رجالاً من ذلك الإسناد وهؤلاء أخذ الصلاة عنهم أبو حنيفة والثوري وابن أبي ليلى وأمثالهم من فقهاء الكوفة
стр. 1963
فهل يجوز أن يجعل نفس صلاة هؤلاء هي صلاة رسول الله ﷺ بهذا الإسناد حتى في موارد النزاع فإن جاز هذا كان هؤلاء لا يجهرون ولا يرفعون أيديهم إلا في تكبيرة الافتتاح ويسفرون بالفجر وأنواع ذلك مما عليه الكوفيون. ونطير هذه احتجاج بعضهم على الجهر بأن أهل مكة من أصحاب ابن جريج كانوا يجهرون وأنهم أخذوا صلاتهم عن ابن جريج وهو أخذها عن عطاء وعطاء عن ابن الزبير وابن الزبير عن أبي بكر الصديق وأبو بكر عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . ولا ريب أن الشافعي ﵁ أول ما أخذ الفقه في هذه المسألة وغيرها عن أصحاب ابن جريج. كسعيد بن سالم القداح ومسلم بن خالد الزنجي لكن مثل هذه الأسانيد المجملة لا يثبت بها أحكام مفصلة تنازع الناس فيها. ولئن جاز ذلك ليكونن مالك أرجح من هؤلاء فإنه لا يستريب عاقل أنَّ الصحابة والتابعين وتابعيهم الذين كانوا بالمدينة أجل قدراً وأعلم بالسنة وأتبع لها ممن كان بالكوفة ومكة والبصرة. وقد احتج أصحاب مالك على ترك الجهر بالعمل المستمر بالمدينة فقَالَوا: هذا المحراب الذي كان يصلي فيه رسول الله ﷺ ثم أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم الأئمة وهلم جراً. ونقلهم لصلاة رسول الله ﷺ نقل متواتر كلهم شهدوا صلاة رسول الله ﷺ ثم صلاة خلفائه وكانوا أشد محافظة على السنة وأشد إنكاراً على من خالفها من غيرهم فيمتنع أن يغيروا صلاة رسول الله ﷺ
стр. 1964
وهذا العمل يقترن به عمل الخلفاء كلهم من بني أمية وبني العباس فإنهم كلهم لم يكونوا يجهرون وليس لجميع هؤلاء غرض بالإطباق على تغيير السنة في مثل هذا ولا يمكن أنَّ الأئمة كلهم أقرتهم على خلاف السنة بل نحن نعلم ضرورة أن خلفاء المسلمين وملوكهم لا يبدلون سنة لا تتعلق بأمر ملكهم وما يتعلق بذلك من الأهواء وليست هذه المسألة مما للملوك فيها غرض. وهذه الحجة إذا احتج بها المحتج لم تكن دون تلك بل نحن نعلم أنها أقوى منها فإنه لا يشك مسلم أن الجزم بكون صلاة التابعين بالمدينة أشبه بصلاة الصحابة بها والصحابة بها أشبه صلاة بصلاة رسول الله ﷺ أقرب من الجزم بكون صلاة شخص أو شخصين أشبه بصلاة آخر حتى ينتهي ذلك إلى النبي ﷺ ولهذا لم يذهب ذاهب قط إلى أن عمل غير أهل المدينة أو إجماعهم حجة وإنما تنوزع في عمل أهل المدينة وإجماعهم: هل هو حجة أم لا؟ نزاعاً لا يقصر عن عمل غيرهم وإجماع غيرهم إن لم يزد عليه. فتبين دفع ذلك العمل عن سليمان التيمي وابن جريج وأمثالهما بعمل أهل المدينة لو لم يكن المنقول نقلاً صحيحاً صريحا عَنْ أَنَسٍ يخالف ذلك فكيف والأمر في رواية أنس أظهر وأشهر وأصح وأثبت من أن يعارض بهذا الحديث المجمل الذي لم يثبت وإنما صححه مثل الحاكم وأمثاله» اهـ.
وقَالَ الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٤/ ٣٦٣ - ٣٦٧):
стр. 1965
«وخرج الدارقطني - أيضاً - مِنْ طَرِيقِ معتمر بن سليمان، عن أبيه، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: "كَانَّ النَّبِيُّ يجهر بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾.
وفي إسناده مجاهيل لا يعرفون.
وخرج - أيضاً - بإسناد منقطع وجادة وجدها في كتاب عن محمد بن المتوكل بن أبي السري العسقلاني، "أنه صلى خلف المعتمر بن سليمان، فكان يجهر بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، وقَالَ: إني ما آلو أن اقتدي بصلاة المعتمر، وقَالَ أنس: ما آلو أن اقتدي بصلاة رسول الله".
وهذا لا يثبت؛ لوجوه:
منها: انقطاع أول إسناده.
ومنها: أنَّه ليس فيه تصريح برواية معتمر للجهر بالبسملة بهذا الإسناد، وإنَّما فيه اقتداء كلي في الصلاة، ومثل هذا لا يثبت به نقل تفاصيل أحكام الصلاة الخاصة.
ومنها: أنَّ المعتمر بن سليمان إنَّما كان يروي حديث البسملة بإسناد آخر عن إسماعيل بن حماد، عن أبي خالد، عن ابن عباس، أَنَّ النَّبِيَّ كان يفتتح صلاته بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾.
خرجه مِنْ طَرِيقِه كذلك أبو داود، وقَالَ: هذا حديث ضعيف.
والترمذي، وقَالَ: إسناده ليس بذاك. وقَالَ: إسماعيل بن حماد، هو: ابن أبي سليمان، وأبو خالد، هو: الوالبي، كذا قَالَ.
стр. 1966
وقَالَ الإمام أحمد - في رواية حنبل -: إسماعيل بن حماد: ليس به بأس، ولا أعرف أبا خالد - يعني: أنه غير الوالبي.
كذا قَالَ العقيلي، قَالَ: إسماعيل بن حماد بن أبي سليمان حديثه غير محفوظ - يعني: هذا الحديث-، ويحكيه عن مجهول كوفي.
وخرجه ابن عدي في " كتابه" مِنْ طَرِيقِ معتمر، كما خرجه أبو داود وغيره.
وخرج - أيضاً - مِنْ طَرِيقِ آخر عن معتمر، قَالَ: سمعت ابن حماد، عن عمران بن خالد، عن ابن عباس.
ثم قَالَ: هذا الحديث لا يرويه غير معتمر، وهو غير محفوظ، سواء قَالَ: عن أبي خالد، أو عمران بن خالد؛ جميعا مجهولان.
وقَالَ ابن عبد البر: هذا الحديث - والله أعلم - إنه روي عن ابن عباس من فعله لا مرفوعاً إلى النبي.
ومنها: أنَّ محمد بن المتوكل لم يخرج له في " الصحيح"، وقد تكلم فيه أبو حاتم الرازي وغيره ولينوه، وهو كثير الوهم.
وقد روي عنه هذا الحديث على وجه آخر:
خرجه الطبراني عن عبد الله بن وهيب الغزي، عن محمد بن أبي السري، عن معتمر بن سليمان، عن أبيه، عن الحسن، عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كان يسر بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ وأبو بكر وعمر.
стр. 1967
فهذه الرواية المتصلة الإسناد أولى من تلك المنقطعة.
وأعجب من هذا: ما خرجه الحاكم مِنْ طَرِيقِ سيف بن عمرو أبي جابر، عن محمد بن أبي السري، عن إسماعيل بن أبي أويس، عن مالك، عن حميد، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: صليت خلف النبي ﷺ وخلف أبي بكر وخلف عمر وخلف عثمان وخلف علي، فكلهم كانوا يجهرون بقراءة ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾.
وتخريج هذا في " المستدرك" من المصائب، ومن يخفى عليه أن هذا كذب على مالك، وأنَّه لم يحدث به على هذا الوجه قط؛ إنما روى عن حميد، عَنْ أَنَسٍ، أن أبا بكر وعمر وعثمان كانوا لا يقرأون: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾.
هكذا خرجه في " الموطأ"، ورواه عنه جماعة، وذكروا فيه النبي ﷺ أيضاً - وقد سبق ذكر ذلك.
فمن اتقى وأنصف علم أن حديث أنس الصحيح الثابت لا يدفع بمثل هذه المناكير والغرائب والشواذ التي لم يرض بتخريجها أصحاب الصحاح، ولا أهل السنن مع تساهل بعضهم فيما يخرجه، ولا أهل المسانيد المشهورة مع تساهلهم فيما يخرجونه.
وإنَّما جمعت هذه الطرق الكثيرة الغريبة والمنكرة لما اعتنى بهذه المسألة من اعتنى بها، ودخل في ذلك نوع من الهوى والتعصب، فإن أئمة الإسلام المجتمع عليهم إنما قصدوا اتباع ما ظهر لهم من الحق وسنة رسول الله ﷺ ، لم
стр. 1968
يكن لهم قصد في غير ذلك، ثم حدث بعدهم من كان قصده أن تكون كلمة فلان وفلان هي العليا، ولم يكن ذلك قصد أولئك المتقدمين، فجمعوا وكثروا الطرق والروايات الضعيفة والشاذة والمنكرة والغريبة، وعامتها موقوفات رفعها من ليس بحافظ، أو من هو ضعيف لا يحتج به، أو مرسلات وصلها من لا يحتج به، مثلما وصل بعضهم مرسل الزهري في هذا، فجعله عنه، عن ابن المسيب، عن أبي هريرة، ووصله باطل قطعاً.
والعجب ممن يعلل الأحاديث الصحيحة المخرجة في " الصحيح" بعلل لا تساوي شيئاً، إنما هي تعنت محض، ثم يحتج بمثل هذه الغرائب الشاذة المنكرة، ويزعم أنها صحيحة لا علة لها.
وقد اعتنى بهذه المسألة وأفرادها بالتصنيف كثير من المحدثين، منهم: محمد بن نصر وابن خزيمة وابن حبان والدارقطني وأبو بكر الخطيب والبيهقي وابن عبد البر وغيرهم من المتأخرين.
ولولا خشية الإطالة لذكرنا كل حديث احتجوا به، وبيان أنه لا حجة فيه على الجهر؛ فإنها دائرة بين أمرين: إما حديث صحيح غير صريح، أو حديث صريح غير صحيح» اهـ.
وقَالَ الحافظ العراقي ﵀ في [المستخرج على المستدرك] (١/ ٤٥ - ٥١):
стр. 1969
«واختلف على المعتمر بن سليمان وعلى محمد بن أبي السري في إسناد الحديث المتقدم ومتنه وقيل عن ابن أبي السري وإبراهيم بن محمد الذراع عن المعتمر عن أبيه عَنْ أَنَسٍ في الجهر بها كما تقدم.
وقيل عن ابن أبي السري عن المعتمر عن أبيه عن الحسن عَنْ أَنَسٍ في الإسرار بها وقيل عن ابن أبي السري عن إسماعيل بن أبي أويس عن مالك عن حميد عَنْ أَنَسٍ في الجهر بها. وقيل عن المعتمر عن حماد بن أبي سليمان عن أبي خالد عن ابن عباس في الجهر بها.
أخبرنا الإمام أبو محمد عبد القادر بن محمد بن محمد القرشي ﵀ أنا محمد بن عبد الحميد المهلبي وعبد الله ابن علي الصنهاجي قَالَا أنا إسماعيل بن عبد القوي بن أبي العز ابن عزون.
وأخبرنا عالياً محمد بن محمد بن إبراهيم الميدومي مشافهة عن ابن عزون قَالَ أتنا فاطمة بنت سعد الخير أتنا فاطمة بنت عبد الله الجوزدانية أنا أبو بكر بن ريدة أنا أبو القاسم الطبراني ثنا عبد الله بن وهيب الغزي ثنا محمد بن أبي السري ثنا معتمر بن سليمان عن أبيه عن الحسن عَنْ أَنَسٍ ﵁:
"أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كان يسر بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ وأبو بكر وعمر".
ورجاله ثقات وهو دال على انقطاع رواية سليمان التيمي عَنْ أَنَسٍ.
стр. 1970
وأمَّا رواية المعتمر عن حماد بن أبي سليمان فأخبرني بها أبو الفضل محمد بن إسماعيل بن عمر بن الحموي ﵀ بقراءتي عليه بجامع دمشق عمرها الله أنا علي بن أحمد بن البخاري أنا منصور بن عبد المنعم في كتابه أنا محمد بن إسماعيل الفارسي أنا الحافظ أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي أنا أبو نصر بن قتادة أنا أبو أحمد الحسين ابن علي التميمي أنا أبو العباس أحمد بن محمد بن الحسين الماسرجسي ثنا إسحق بن إبراهيم الحنظلي ثنا المعتمر بن سليمان قَالَ سمعت إسماعيل بن حماد بن أبي سليمان يحدث عن أبي خالد عن ابن عباس ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كان يقرأ يسر ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ في الصلاة يعني كان يجهر بها.
ورواه يحيى بن معين عن المعتمر عن إسماعيل بن حماد بن أبي سليمان عن أبي خالد عن ابن عباس رواه البيهقي أيضاً ويحتمل أن هذا ليس اختلافاً على المعتمر وإنما كان عنده حديث آخر من حديث ابن عباس في ذلك» اهـ.
وقَالَ الحافظ العلائي ﵀ في ﵀ [نصب الراية] (١/ ٣٥١ - ٣٥٣):
«وهو معارض بما رواه ابن خزيمة في "مختصره". والطبراني في "معجمه" عن معتمر بن سليمان عن أبيه عن الحسن عَنْ أَنَسٍ، "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كان يسر بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، في الصلاة. وأبو بكر وعمر، انتهى. وفي الصلاة زادها ابن خزيمة، وله طريق آخر عند الحاكم أيضاً أخرجه
стр. 1971
عن محمد بن أبي السري ثنا إسماعيل بن أبي أويس ثنا مالك عن حميد عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: صليت خلف النبي ﷺ وأبي بكر. وعمر. وعثمان. وعلي، فكلهم كانوا يجهرون بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، قَالَ الحاكم: وإنَّما ذكر به شاهداً، قَالَ الذهبي في "مختصره": أمَّا استحى الحاكم يورد في كتابه مثل هذا الحديث الموضوع، فأنا أشهد بالله، والله إنَّه لكذب، وقَالَ ابن عبد الهادي: سقط منه لا، ومحمد بن أبي السري، قَالَ ابن أبي حاتم: سئل أبي عنه، فقَالَ: لين الحديث، مع أنَّه قد اختلف عليه فيه، فقيل عنه كما تقدم، وقيل عنه: عن المعتمر عن أبيه عَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كان يسر بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، وأبو بكر. وعمر، هكذا أخرجه الطبراني، وقيل عنه: بهذا الإسناد، وفيه الجهر، كما رواه الحاكم، وقَالَ: رجاله ثقات، وتوثيق الحاكم لا يعارض ما يثبت في الصحيح خلافه، لما عرف من تساهله، حتى قيل: إنَّ تصحيحه دون تصحيح الترمذي. والدارقطني، بل تصحيحه كتحسين الترمذي، وأحياناً يكون دونه، وأما ابن خزيمة. وابن حبان فتصحيحهما أرجح من تصحيح الحاكم بلا نزاع، فكيف تصحيح البخاري. ومسلم، كيف! وأصحاب أنس الثقات الأثبات يروون عنه خلاف ذلك، حتى إن شعبة سأل قتادة عن هذا، فقَالَ: أنت سمعت أنساً يذكر ذلك؟ فقَالَ: نعم، وأخبره باللفظ الصريح المنافي للجهر، ونقل شعبة عن قتادة: ما سمعه من أنس في غاية الصحة، وأرفع درجات الصحيح عند أهله،
стр. 1972
فإن قتادة أحفظ أهل زمانه، وإتقان شعبة وضبطه هو الغاية عندهم، وهذا مما يرد به قول من يزعم أن بعض الرواة روى حديث أنس بالمعنى الذي فهمه من قوله: كانوا يستفتحون الصلاة بالحمد لله رب العالمين، ففهم من هذا نفي قراءتها، فرواه من عنده، فإن هذا قول من هو أبعد الناس علما برواية هذا الحديث، وألفاظهم الصريحة التي لا تقبل التأويل. وبأنهم من العدالة والضبط من الغاية التي لا تحتمل المجازفة، أو أنَّه مكابر صاحب هوى، فيتبع هواه، ويدع موجب الدليل، والله أعلم.
وله طريق آخر عند الخطيب عن ابن أبي داود عن ابن أخي ابن وهب عن عمه العمري. ومالك، وابن عيينة عن حميد عَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كان يجهر بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ في الفريضة، انتهى. قَالَ ابن عبد الهادي: سقط منه لا كما رواه الباغندي. وغيره عن ابن أخي ابن وهب، هذا هو الصحيح، وأما الجهر فلم يحدث به ابن وهب قط، ويوضحه أن مالكاً رواه في الموطأ عن حميد عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: "قمت وراء أبي بكر الصديق. وعمر. وعثمان، فكلهم لا يقرأ بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ إذا افتتحوا الصلاة"، قَالَ ابن عبد البر في "التقصي": هكذا رواه عن جماعة موقوفاً، ورواه ابن أخي ابن وهب عن مالك. وابن عيينة. والعمري عن حميد عَنْ أَنَسٍ مرفوعاً فقَالَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ . وأبا بكر. وعمر. وعثمان لم يكونوا يقرؤون، قَالَ: وهذا خطأ من ابن
стр. 1973
أخي ابن وهب في رفعه ذلك عن عمه عن مالك، فصار هذا الذي رواه الخطيب خطأ على خطأ، والصواب فيه عدم الرفع. وعدم الجهر، والله أعلم، وذكر الخطيب، وغيره لحديث أنس طرقاً أخرى: فيها الجهر، إلا أنه ليس فيها قوله: في الصلاة، فلا حجة فيها، وهو الصحيح عَنْ أَنَسٍ، كما رواه البخاري عَنْ أَنَسٍ أنه سئل عن قراءة النبي ﷺ ، فقَالَ: "كانت مداً، ثم قرأ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ بمد بسم الله وبمد الرحمن ويمد الرحيم.
وروى مسلم عنه أيضاً، قَالَ: "نزلت علي آنفاً سورة، فقرأ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ " إلى آخرها، وهذا هو الصحيح عَنْ أَنَسٍ أنه روى عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قراءة البسملة، وليس فيه ذكر الصلاة أصلاً» اهـ.
الحجة الخامسة: ما رواه الحاكم (٨٥٣) مَا حَدَّثَنَاهُ أَبُو عَلِيٍّ الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحَافِظُ، ثنا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ الْمَهْرِيُّ، ثنا أَصْبَغُ بْنُ الْفَرَجِ، ثنا حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ شَرِيكِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي نَمِرٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ : «يَجْهَرُ بِبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ». رُوَاةُ هَذَا الْحَدِيثِ عَنْ آخِرِهِمْ ثِقَاتٌ اهـ.
قلت: قَالَ الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٤/ ٣٦٣):
стр. 1974
«قلت: هذا لا يثبت؛ فقد خرجه الدارقطني مِنْ طَرِيقِ آخر عن حاتم بن إسماعيل، عن شريك بن عبد الله، عن إسماعيل المكي، عن قتادة، عَنْ أَنَسٍ - فذكره.
فتبين بهذه الرواية أنَّه سقط من رواية الحاكم من إسناده رجلان: أحدهما إسماعيل المكي، وهو: ابن مسلم، متروك الحديث، لا يجوز الاحتجاج به» اهـ.
الحجة السادسة: ما رواه الدارقطني (١١٨٣)، ومِنْ طَرِيقِه البيهقي في [الكبرى] (٢٢٢٥)، والخطيب في [تاريخ بغداد] (٢٤٩٤) حَدَّثَنَا أَبُو طَالِبٍ الْحَافِظُ أَحْمَدُ بْنُ نَصْرٍ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مَنْصُورِ بْنِ أَبِي مُزَاحِمٍ، ثنا جَدِّي، ثنا أَبُو أُوَيْسٍ، ح وَحَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْفَارِسِيُّ، ثنا عُثْمَانُ بْنُ خُرَّزَاذَ، ثنا مَنْصُورُ بْنُ أَبِي مُزَاحِمٍ مِنْ كِتَابِهِ ثُمَّ مَحَاهُ بَعْدَنَا أَبُو أُوَيْسٍ، عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَعْقُوبَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا قَرَأَ وَهُوَ يَؤُمُّ النَّاسَ افْتَتَحَ الصَّلَاةَ بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾».
قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: «هِيَ آيَةٌ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ، اقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ فَاتِحَةَ الْكِتَابِ فَإِنَّهَا الْآيَةُ السَّابِعَةُ». وَقَالَ الْفَارِسِيُّ: «إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا أَمَّ النَّاسَ قَرَأَ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، لَمْ يَزِدْ عَلَى هَذَا».
قلت: هذا حديث منكر أبو أويس هو عبد الله بن عبد الله المدني أكثر العلماء على تليينه.
стр. 1975
وهذا الحديث خلاف ما دلت عليه الأدلة الصحيحة كحديث أنس هذا وحديث عائشة فإنَّ فيه أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كان يستفتح الصلاة بالتكبير والقراءة بالحمد لله رب العالمين.
وخلاف حديث أبي هريرة الذي فيه قول الله : «قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ». الحديث.
قلت: وعلى افتراض صحة هذا الحديث فليس فيه أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كان يجهر بها وهذا هو موطن النزاع.
الحجة السابعة: ما رواه الدارقطني (١١٩٠)، ومِنْ طَرِيقِه البيهقي في [الكبرى] (٢٢١٩) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ صَاعِدٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ مَخْلَدٍ، قَالَا: نا جَعْفَرُ بْنُ مُكْرَمٍ، ثنا أَبُو بَكْرٍ الْحَنَفِيُّ، ثنا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ جَعْفَرٍ، أَخْبَرَنِي نُوحُ بْنُ أَبِي بِلَالٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِذَا قَرَأْتُمِ: الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاقْرَءُوا: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾. إِنَّهَا أُمُّ الْقُرْآنِ، وَأُمُّ الْكِتَابِ، وَالسَّبْعُ الْمَثَانِي، وَ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ إِحْدَاهَا».
قَالَ أَبُو بَكْرٍ الْحَنَفِيُّ: ثُمَّ لَقِيتُ نُوحًا فَحَدَّثَنِي، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِمِثْلِهِ وَلَمْ يَرْفَعْهُ.
قلت: قَالَ الحافظ الدارقطني ﵀ في [العلل] (٨/ ١٤٨ - ١٤٩):
стр. 1976
«يرويه نوح بن أبي بلال، واختلف عنه؛ فرواه عبد الحميد بن جعفر، عنه، واختلف عنه؛ فرواه المعافى بن عمران، عن عبد الحميد، عن نوح بن أبي بلال، عن أبي سعيد المقبري، عن أبي هريرة، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ .
وخالفه علي بن ثابت، وأبو بكر الحنفي روياه، عن عبد الحميد، عن نوح بن أبي بلال، عن سعيد، عن أبي هريرة مرفوعاً أيضاً.
ورواه أسامة بن زيد، وأبو بكر الحنفي، عن نوح بن أبي بلال، عن سعيد بن أبي سعيد، عن أبي هريرة موقوفاً، وهو أشبهها بالصواب» اهـ.
وقَالَ الحافظ ابن القطان ﵀ في [بيان الوهم والإيهام] (٥/ ١٤١ - ١٤٢):
«والمسألة أشنع من هذا، إنما رواه لأبي بكر الحنفي مرفوعاً، فمر أبو بكر الحنفي إلى الشيخ الذي رواه لهم عنه، فحدثه به موقوفاً، فما ظاهر القصة إلا أنه أنكر أن يكون حدث به مرفوعاً، بعد أن عرفه أبو بكر الحنفي أنه قد حدث به عبد الحميد عنه فرفعه.
وإذا كان الأمر هكذا، صارت المسألة مسألة ما إذا روي عن رجل حديث فأنكر أن يكون حدث به، وإن لم يسلم هذا التنزيل، فالمسألة مسألة رجل مضعف أو مختلف فيه، رفع ما وقفه غيره من الثقات، وذلك أن أبا بكر الحنفي، ثقة بلا خلاف، وهو قد لقي نوحاً فحدثه به موقوفاً، ولم يعتمد على ما رواه له عند عبد الحميد بن جعفر من ذلك مرفوعاً، لأن عبد الحميد ينسب إلى القول بالقدر، وكان ممن خرج مع محمد بن عبد الله بن الحسن بن حسن، ابن علي بن أبي طالب.
стр. 1977
وقد قدمنا لتنبيه على هذا الحديث في باب الأحاديث المغيرة» اهـ.
وقَالَ الحافظ الذهبي ﵀ في [الرد على ابن القطان في كتابه بيان الوهم والإيهام] ص (٥٤):
«قلت: فوهم في رفعه عبد الحميد، وليس بذاك الثبت، وقد نسب إلى القدر، وخرج بالمدينة مع أبي الحسن» اهـ.
وقَالَ الحافظ الزيلعي ﵀ في [نصب الراية] (١/ ٣٤٣ - ٣٤٤):
«قَالَ عبد الحق في "أحكامه الكبرى": رفع هذا الحديث عبد الحميد بن جعفر، هو ثقة، وثقه أحمد. وابن معين، وكان سفيان الثوري يضعفه، ويحمل عليه، ونوح ثقة مشهور، انتهى. وهذا ليس فيه دلالة على الجهر، ولئن سلم فالصواب فيه الوقف، كما هو في متن الحديث، وقَالَ الدارقطني في "علله": هذا حديث يرويه نوح بن أبي بلال، واختلف عليه فيه، فرواه عبد الحميد بن جعفر عنه، واختلف عنه، فرواه المعافى بن عمران عن عبد الحميد عن نوح بن أبي بلال عن المقبري عن أبي هريرة مرفوعاً، رواه أسامة بن زيد. وأبو بكر الحنفي عن نوح بن أبي بلال عن المقبري عن أبي هريرة موقوفاً، وهو الصواب، فإن قيل: إن هذا موقوف في حكم المرفوع، إذ لا يقول الصحابي: إن البسملة - أحد آيات الفاتحة - إلا عن توقيف، أو دليل قوي ظهر له، وحينئذ يكون لها حكم سائر آيات الفاتحة من الجهر والإسرار.
стр. 1978
قلت: لعل أبا هريرة سمع النبي ﷺ يقرأها فظنها من الفاتحة، قَالَ: "إنها إحدى آياتها"، ونحن لا ننكر أنها من القرآن، ولكن النزاع وقع في مسألتين: إحداهما: أنها آية من الفاتحة. والثانية: أن لها حكم سائر آيات الفاتحة جهراً وسراً، ونحن نقول: إنها آية مستقلة قبل السورة، وليست منها، جمعاً بين الأدلة، وأبو هريرة لم يخبر عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنه قَالَ: "هي إحدى آياتها"، وقراءتها قبل الفاتحة لا يدل على ذلك، وإذا جاز أن يكون مسند أبي هريرة قراءة النبي ﷺ لها، وقد ظهر أن ذلك ليس بدليل على محل النزاع، فلا يعارض به أدلتنا الصحيحة الثابتة. وأيضاً فالمحفوظ الثابت عن سعيد المقري عن أبي هريرة في هذا الحديث عدم ذكر البسملة، كما رواه البخاري في "صحيحه" من حديث ابن أبي ذئب عن سعيد المقبري عن أبي هريرة، قَالَ: قَالَ رسول الله ﷺ : " ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ هي أم القرآن، وهي السبع المثاني والقرآن العظيم"، ورواه أبو داود. والترمذي، وقَالَ: حسن صحيح، هذا، مع أن عبد الحميد بن جعفر ممن تكلم فيه، ولكن وثقه أكثر العلماء، واحتج به مسلم في صحيحه، وليس تضعيف من ضعفه مما يوجب رد حديثه، ولكن الثقة قد يغلط، والظاهر أن غلط هذا الحديث، والله أعلم» اهـ.
وقَالَ العلامة العيني ﵀ في [شرح أبي داود] (٣/ ٤١٤ - ٤١٥):
стр. 1979
«وأيضاً فالمحفوظ الثابت عن أبي سعيد المقبري، عن أبي هريرة في هذا الحديث عدم ذكر البسملة كما رواه البخاري في "صحيحه " من حديث ابن أبي ذئب، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة قَالَ: قَالَ رسول الله: " ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ هي أم القرآن، وهي السبع المثاني، والقرآن العظيم"، ورواه أبو داود، والترمذي، وقَالَ: حسن صحيح على أن عبد الحميد بن جعفر ممن تكلم فيه، ولكن وثَّقه أكثر العلماء، واحتج به مسلم في "صحيحه"، وليس تضعيف مَنْ ضعفه مما يوجب رد حديثه، ولكن الثقة قد يغلط، والظاهر أنه قد غلط في هذا الحديث، والله أعلم».
قلت: وكلامه هذا مأخوذ من كلام الحافظ الزيلعي ﵀.
وليس في الحديث على فرض صحته ما يدل على الجهر بالبسملة بل غاية ما فيه الأمر بقراءة البسملة.
الحجة الثامنة: ما رواه أحمد (٢٦٧٨٥) حَدَّثَنَا عَفَّانُ، قَالَ: حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، عَنْ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ: «أَنَّ قِرَاءَةَ النَّبِيِّ ﷺ كَانَتْ، فَوَصَفَ ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ حَرْفًا حَرْفًا، قِرَاءَةً بَطِيئَةً» قَطَّعَ عَفَّانُ، قِرَاءَتَهُ.
ورواه ابن أبي شيبة في [مصنفه] (٨٨٢١، ٣٠٧٧٧)، أبو يعلى (٦٩٢٠)، والطبراني في [الكبير] (١٩٣٧٣)، الحاكم في [المستدرك] (٨٤٧)، والبيهقي في [الكبرى] (٢٢٥١) مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ،
стр. 1980
قَالَتْ: «كَانَّ النَّبِيُّ ﷺ يَقْرَأُ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ* الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ يَقْطَعُهَا حَرْفًا حَرْفًا».
وقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ، وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ اهـ.
قلت: ابن جريج مدلس وقد عنعن.
وقد رواه اللَّيْثُ بْنِ سَعْدٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ يَعْلَى بْنِ مَمْلَكٍ، أَنَّهُ سَأَلَ أُمَّ سَلَمَةَ، عَنْ قِرَاءَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَصَلَاتِهِ، فَقَالَتْ: «وَمَا لَكُمْ وَصَلَاتَهُ؟ كَانَ يُصَلِّي وَيَنَامُ قَدْرَ مَا صَلَّى، ثُمَّ يُصَلِّي قَدْرَ مَا نَامَ، ثُمَّ يَنَامُ قَدْرَ مَا صَلَّى، حَتَّى يُصْبِحَ، وَنَعَتَتْ قِرَاءَتَهُ، فَإِذَا هِيَ تَنْعَتُ قِرَاءَتَهُ حَرْفًا حَرْفًا».
رواه أحمد (٢٦٥٦٩، ٢٦٦٠٦) أبو داود (١٤٦٨)، والترمذي (٢٩٢٣)، والنسائي (١٠٢٢، ١٦٢٩).
قَالَ الترمذي ﵀: «وقد روى ابن جريج هذا الحديث عن ابن أبي ملكية عن أم سلمة أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كان يقطع قراءته وحديث الليث أصح» اهـ.
قلت: وفي إسناد حديث الليث يعلى بن مملك وهو مجهول فالحديث لا يثبت بحال، وعلى فرض صحته فليس فيه دلالة على الجهر، ولو سلمنا دلالته على الجهر فليس فيه أنَّ ذلك كان في الصلاة.
стр. 1981
قلت: هذه أقوى ما عند القائلين بالجهر بالبسملة من الحجج وقد تبين أنه لا يستقيم لهم في ذلك حجة من الحجج فالذي يظهر لي أنَّ الإسرار بالبسملة هي السنة وأما الجهر فالأحاديث فيه دائر بين ما هو صريح وليس بصحيح أو صحيح وليس بصريح ومنها ما ليس بصحيح ولا صريح. والله أعلم.
وهناك أدلة أخرى واهية أعرضت عن ذكرها وإنَّما ذكرت ما قد يغتر به من الأدلة الصحيحة التي لا يستقيم الاستدلال بها وهكذا ما ظاهرها الصحة وهي معلة. والحمد لله رب العالمين.
٤ - فيه دليل على أنَّ البسملة ليست بآية من الفاتحة إذ لو كانت منها لجهر بها كما يجهر بسائر آيات الفاتحة.
* * *
стр. 1982
باب سجود السهو
١٠١ - عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: «صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ إحْدَى صَلاتَيْ الْعَشِيِّ - قَالَ ابْنُ سِيرِينَ: وَسَمَّاهَا أَبُو هُرَيْرَةَ. وَلَكِنْ نَسِيتُ أَنَا - قَالَ: فَصَلَّى بِنَا رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ. فَقَامَ إلَى خَشَبَةٍ مَعْرُوضَةٍ فِي الْمَسْجِدِ، فَاتَّكَأَ عَلَيْهَا كَأَنَّهُ غَضْبَانُ وَوَضَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى، وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ. وَخَرَجَتِ السَّرَعَانُ مِنْ أَبْوَابِ الْمَسْجِدِ فَقَالُوا: قَصُرَتِ الصَّلاةُ - وَفِي الْقَوْمِ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ - فَهَابَا أَنْ يُكَلِّمَاهُ. وَفِي الْقَوْمِ رَجُلٌ فِي يَدَيْهِ طُولٌ، يُقَالُ لَهُ: ذُو الْيَدَيْنِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنَسِيتَ، أَمْ قَصُرَتِ الصَّلاةُ؟ قَالَ: "لَمْ أَنْسَ وَلَمْ تُقْصَرْ". فَقَالَ: "أَكَمَا يَقُولُ ذُو الْيَدَيْنِ؟ ". فَقَالُوا: نَعَمْ. فَتَقَدَّمَ فَصَلَّى مَا تَرَكَ. ثُمَّ سَلَّمَ، ثُمَّ كَبَّرَ وَسَجَدَ مِثْلَ سُجُودِهِ أَوْ أَطْوَلَ. ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَكَبَّرَ، ثُمَّ كَبَّرَ وَسَجَدَ مِثْلَ سُجُودِهِ أَوْ أَطْوَلَ. ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ وَكَبَّرَ. فَرُبَّمَا سَأَلُوهُ: ثُمَّ سَلَّمَ؟ قَالَ: فَنُبِّئْتُ أَنَّ عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ قَالَ: ثُمَّ سَلَّمَ».
العشي: ما بين زوال الشمس إلى غروبها.
قوله: «إحْدَى صَلاتَيْ الْعَشِيِّ». العشي من الزوال إلى الغروب.
والمراد بذلك صلاة العصر فقد روى مسلم (٥٧٣) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ دَاوُدَ بْنِ الْحُصَيْنِ عَنْ أَبِي سُفْيَانَ مَوْلَى ابْنِ أَبِي أَحْمَدَ أَنَّهُ قَالَ
стр. 1983
سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: «صَلَّى لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَلَاةَ الْعَصْرِ فَسَلَّمَ فِي رَكْعَتَيْنِ فَقَامَ ذُو الْيَدَيْنِ فَقَالَ أَقُصِرَتْ الصَّلَاةُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَمْ نَسِيتَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كُلُّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ فَقَالَ قَدْ كَانَ بَعْضُ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَأَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى النَّاسِ فَقَالَ: "أَصَدَقَ ذُو الْيَدَيْنِ". فَقَالُوا نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَأَتَمَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَا بَقِيَ مِنْ الصَّلَاةِ ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ وَهُوَ جَالِسٌ بَعْدَ التَّسْلِيمِ».
وروى مسلم (٥٧٤) عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلَّى الْعَصْرَ فَسَلَّمَ فِي ثَلَاثِ رَكَعَاتٍ ثُمَّ دَخَلَ مَنْزِلَهُ فَقَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ الْخِرْبَاقُ وَكَانَ فِي يَدَيْهِ طُولٌ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَذَكَرَ لَهُ صَنِيعَهُ وَخَرَجَ غَضْبَانَ يَجُرُّ رِدَاءَهُ حَتَّى انْتَهَى إِلَى النَّاسِ فَقَالَ: "أَصَدَقَ هَذَا". قَالُوا: نَعَمْ فَصَلَّى رَكْعَةً ثُمَّ سَلَّمَ ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ ثُمَّ سَلَّمَ».
وقوله: «فَقَامَ إلَى خَشَبَةٍ مَعْرُوضَةٍ فِي الْمَسْجِدِ، فَاتَّكَأَ عَلَيْهَا».
وفي رواية لمسلم (٥٧٣) «ثُمَّ أَتَى جِذْعًا فِي قِبْلَةِ الْمَسْجِدِ فَاسْتَنَدَ إِلَيْهَا».
وفي رواية للبخاري (١٢٢٩) «ثُمَّ قَامَ إِلَى خَشَبَةٍ فِي مُقَدَّمِ الْمَسْجِدِ فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهَا».
قال الحافظ ابن حجر ﵀ في [فتح الباري] (٣/ ١٠٠):
стр. 1984
«وَلَا تَنَافِيَ بَيْنَ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ لِأَنَّهَا تُحْمَلُ عَلَى أَنَّ الْجِذْعَ قَبْلَ اتِّخَاذِ الْمِنْبَرِ كَانَ مُمْتَدًّا بِالْعَرْضِ وَكَأَنَّهُ الْجِذْعُ الَّذِي كَانَ ﷺ يَسْتَنِدُ إِلَيْهِ قَبْلَ اتِّخَاذِ الْمِنْبَرِ وَبِذَلِكَ جَزَمَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ» اهـ.
قلت: وحديث عمران مخالف في بعضه لحديث أبي هريرة.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كما في [مجموع الفتاوى] (٢٣/ ٤٠):
«وَهَذِهِ الْقِصَّةُ إمَّا أَنْ تَكُونَ غَيْرَ الْأُولَى وَإِمَّا أَنْ تَكُونَ هِيَ إيَّاهَا لَكِنْ اشْتَبَهَ عَلَى إحْدَى الرَّاوِيَيْنِ: هَلْ سَلَّمَ مِنْ رَكْعَتَيْنِ أَوْ مِنْ ثَلَاثٍ وَذَكَرَ أَحَدُهُمَا قِيَامَهُ إلَى الْخَشَبَةِ الْمَعْرُوضَةِ فِي الْمَسْجِدِ وَالْآخَرُ دُخُولَهُ مَنْزِلَهُ ثُمَّ مِنْ بَعْدِ هَذَا الْقَوْلِ وَالْعَمَلِ وَخُرُوجِهِ مِنْ الْمَسْجِدِ» اهـ.
قوله: «وَخَرَجَتِ السَّرَعَانُ». هم الذين أسرعوا الخروج من المسجد، فظنوا أنَّ الصلاة قصرت، فتحدثوا بذلك.
وفي الحديث مسائل منها:
١ - جواز تشبيك اليدين بعد الانتهاء من الصلاة.
قلت: أمَّا قبل ذلك فقد روى أحمد (١٨١٢٨)، وأبو داود (٥٦٢) مِنْ طَرِيقِ دَاوُدَ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ فُلَانِ بْنِ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ، أَنَّ أَبَا ثُمَامَةَ الْحَنَّاطَ، حَدَّثَهُ أَنَّ كَعْبَ بْنَ عُجْرَةَ حَدَّثَهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، يَقُولُ: «إِذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ، فَأَحْسَنَ وُضُوءَهُ، ثُمَّ خَرَجَ عَامِدًا إِلَى الصَّلَاةِ، فَلَا يُشَبِّكْ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَإِنَّهُ فِي الصَّلَاةِ».
стр. 1985
قلت: وفي إسناده أبو ثمامة الحناط لا يعرف حاله.
ورواه الطبراني في [الكبير] (١٥٦٥٥) مِنْ طَرِيقِ دَاوُدَ بْنِ عَطَاءٍ الْمَدَنِيُّ، ثنا سَعْدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ، عَنْ أبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لَا يَتَطَهَّرُ رَجُلٌ فِي بَيْتِهِ ثُمَّ يَخْرُجُ إِلَّا كَانَ فِي صَلَاةٍ حَتَّى يُصَلِّيَ صَلَاتَهُ، فَلَا يُشَبِّكْ أَحَدُكُمْ بَيْنَ أَصَابِعِهِ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ».
قلت: هذه رواية منكرة وداود بن عطاء منكر الحديث.
ورواه عبد الرزاق في [مصنفه] (٣٣٣١)، ومِنْ طَرِيقِه الطبراني في [الكبير] (١٥٦٧١) مِنْ طَرِيقِ أبِي مَعْشَرٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ رَجُلٍ، مِنْ بَنِي سَلِمَةَ، عَنْ أبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَة، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَا مِنْ رَجُلٍ يَتَوَضَّأُ فِي بَيْتِهِ ثُمَّ يَخْرُجُ يُرِيدُ الصَّلَاةَ إِلَّا كَانَ فِي صَلَاةٍ حَتَّى يَقْضِيَ صَلَاتَهُ، فَلَا يُشَبِّكْ بَيْنَ أَصَابِعِهِ فِي الصَّلَاةِ».
قلت: أبو معشر واسمه نجيح ضعيف الحديث، وفي الإسناد أيضاً إبهام.
والطحاوي في [مشكل الآثار] (٥٥٦٧)، والطبراني في [الكبير] (٣٣١)، و [الأوسط] (٨٣٨) مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ الدَّرَاوَرْدِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ لِلصَّلَاةِ، فَلَا يُشَبِّكْ بَيْنَ أَصَابِعِهِ».
قلت: وهذا إسناد ظاهرة أنَّه حسن.
стр. 1986
قلت: وقد تابع الدراوردي في حديثه هذا شريك القاضي أخرج حديثه الحاكم في [المستدرك] (٧٤٦) أَخْبَرَنَا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الشَّيْبَانِيُّ، بِالْكُوفَةِ، ثنا أَحْمَدُ بْنُ حَازِمِ بْنِ أَبِي عَزْرَةَ، ثنا أَبُو غَسَّانَ، ثنا شَرِيكٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِذَا كُنْتَ فِي الْمَسْجِدِ فَلَا تَجْعَلْ أَصَابِعِكَ هَكَذَا» يَعْنِي شَبَّكَهَا.
لكن رواه ابن خزيمة في [صحيحه] (٤٤٠) نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ هَاشِمٍ، نا يَحْيَى هُوَ ابْنُ سَعِيدٍ، عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ، نا سَعِيدٌ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لِكَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ: «إِذَا تَوَضَّأْتَ ثُمَّ دَخَلْتَ الْمَسْجِدَ فَلَا تُشَبِّكَنَّ بَيْنَ أَصَابِعِكَ».
قلت: وهذا أصح من حديث الدراوردي، وشريك.
ورواه الدارمي (١٤٤٥) أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ، عَنِ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِذَا تَوَضَّأْتَ فَعَمَدْتَ إِلَى الْمَسْجِدِ، فَلَا تُشَبِّكَنَّ بَيْنَ أَصَابِعِكَ، فَإِنَّكَ فِي صَلَاةٍ».
قلت: وقد تابع سفيان في روايته هذه قران بن تمام أخرج حديثه أحمد (١٨١٤٠).
وجرير بن عبد الحميد أخرج حديثه ابن مندة في [الفوائد] (٢).
ورواه الترمذي (٣٨٦) مِنْ طَرِيقِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ ابْنِ عَجْلَانَ، عَنْ سَعِيدٍ المَقْبُرِيِّ، عَنْ رَجُلٍ، عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ:
стр. 1987
«إِذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ فَأَحْسَنَ وُضُوءَهُ، ثُمَّ خَرَجَ عَامِدًا إِلَى المَسْجِدِ فَلَا يُشَبِّكَنَّ بَيْنَ أَصَابِعِهِ، فَإِنَّهُ فِي صَلَاةٍ».
قَالَ أبو عيسى الترمذي ﵀: «حَدِيثُ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ رَوَاهُ غَيْرُ وَاحِدٍ، عَنْ ابْنِ عَجْلَانَ مِثْلَ حَدِيثِ اللَّيْثِ، وَرَوَى شَرِيكٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ نَحْوَ هَذَا الحَدِيثِ، وَحَدِيثُ شَرِيكٍ غَيْرُ مَحْفُوظٍ» اهـ.
قلت: وهذا نوع آخر من الاختلاف في الحديث عن ابن عجلان فقد زاد الليث رجلاً مبهما بين المقبري وكعب.
ورواه أحمد (١٨١٣٩) مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَجْلَانَ، عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ بَعْضِ بَنِي كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ، عَنْ كَعْبٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إِذَا تَوَضَّأْتَ، فَأَحْسَنْتَ وُضُوءَكَ، ثُمَّ عَمَدْتَ إِلَى الْمَسْجِدِ، فَأَنْتَ فِي صَلَاةٍ، فَلَا تُشَبِّكْ بَيْنَ أَصَابِعِكَ».
قلت: وهذا نوع آخر من الاختلاف في الحديث.
ورواه ابن أبي شيبة في [مصنفه] (٤٨٦٠) حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ الْأَحْمَرُ، عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي خُصَيْفَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ فِي الْمَسْجِدِ فَلَا يُشَبِّكَنَّ أَصَابِعَهُ».
قلت: وهذا نوع آخر من الاختلاف.
стр. 1988
والذي يظهر لي أنَّ هذا لاضطراب من ابن عجلان.
وروى الحديث الدارمي (١٤٠٦) أَخْبَرَنَا الْهَيْثَمُ بْنُ جَمِيلٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ، عَنِ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ تَوَضَّأَ ثُمَّ خَرَجَ يُرِيدُ الصَّلَاةَ، فَهُوَ فِي صَلَاةٍ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَى بَيْتِهِ، فَلَا تَقُولُوا هَكَذَا» يَعْنِي: يُشَبِّكُ بَيْنَ أَصَابِعِهِ.
قلت: هذا الحديث وهم. وهم فيه الهيثم أو محمد بن مسلم الطائفي.
وقد روى الحديث أبو داود الطيالسي في [المسند] (١١٥٩) حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ مَوْلًى لِبَنِي سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ، ثُمَّ خَرَجَ لِلصَّلَاةِ فَهُوَ فِي صَلَاةٍ فَلَا يُشَبِّكَنَّ أَحَدُكُمْ أَصَابِعَهُ بَعْدَ مَا يَتَوَضَّأُ أَوْ بَعْدَ مَا يَدْخُلُ الصَّلَاةَ».
وابن أبي ذئب هو محمد بن عبد الرحمن بن المغيرة بن الحارث بن أبي ذئب ثقة فقيه فاضل وحديثه أصح.
قلت: ولا يصح هذا الإسناد من أجل الإبهام الذي فيه.
ورواه البيهقي في [الكبرى] (٥٦٧٧) أَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ بِشْرَانَ، أنبأ أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمِصْرِيُّ، ثنا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ، ثنا عَمْرُو بْنُ قُسَيْطٍ، ثنا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَمْرٍو، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَبِي أُنَيْسَةَ، عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَهُ: «يَا كَعْبُ، إِذَا تَوَضَّأْتَ
стр. 1989
فَأَحْسَنْتَ الْوُضُوءَ، ثُمَّ خَرَجْتَ إِلَى الْمَسْجِدِ، فَلَا تُشَبِّكَنَّ بَيْنَ أَصَابِعِكَ، فَإِنَّكَ فِي صَلَاةٍ».
وقَالَ البيهقي ﵀ بعد روايته لهذا الحديث: «هَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ إِنْ كَانَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الرَّقِّيُّ هَذَا حَفَظَهُ، وَلَمْ أَجِدْ لَهُ فِيمَا رَوَاهُ مِنْ ذَلِكَ بَعْدُ مُتَابِعًا، وَاللهُ أَعْلَمُ» اهـ.
قلت: ابن قسيط لا يعرف حاله لكنه متابع تابعه سليمان بن عبيد الله الرقي وفيه ضعف.
ورواه ابن حبان في [صحيحه] (٢١٥٠)، والطحاوي في [شرح مشكل الآثار] (٥٥٧٠) مِنْ طَرِيقِ سُلَيْمَانَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَبِي أُنَيْسَةَ، عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ، قَالَ لَهُ: «يَا كَعْبُ بْنَ عُجْرَةَ، إِذَا تَوَضَّأْتَ، فَأَحْسَنْتَ الْوُضُوءَ، ثُمَّ خَرَجْتَ إِلَى الْمَسْجِدِ، فَلَا تُشَبِّكْ بَيْنَ أَصَابِعِكَ، فَإِنَّكَ فِي صَلَاةٍ».
قَالَ الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٢/ ٥٨٧):
«وروي - أيضاً - النهي عن تشبيك الأصابع لمن هو ماش إلى المسجد للصلاة فيه، من حديث كعب بن عجرة، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إذا توضأ أحدكم فأحسن وضوءه، ثم خرج عامداً إلى المسجد فلا يشبكن بين أصابعه؛ فإنه في صلاة".
стр. 1990
خرجه الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه.
وفي إسناده اختلاف كثير واضطراب» اهـ.
وقَالَ الحافظ ابن حجر ﵀ في [فتح الباري] (١/ ٥٦٦):
«وفي إسناده اختلاف ضعفه بعضهم بسببه» اهـ.
قلت: وله شاهد من حديث أبي سعيد الخدري.
رواه أحمد (١١٥٣٠) حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَوْهَبٍ، عَنْ عَمِّهِ، عَنْ مَوْلًى لِأَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، أَنَّهُ كَانَ مَعَ أَبِي سَعِيدٍ وَهُوَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: فَدَخَلُ النَّبِيُّ ﷺ فَرَأَى رَجُلًا جَالِسًا وَسَطَ الْمَسْجِدِ، مُشَبِّكًا بَيْنَ أَصَابِعِهِ، يُحَدِّثُ نَفْسَهُ، فَأَوْمَأَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ ، فَلَمْ يَفْطِنْ، قَالَ: فَالْتَفَتَ إِلَى أَبِي سَعِيدٍ فَقَالَ: «إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ، فَلَا يُشَبِّكَنَّ بَيْنَ أَصَابِعِهِ، فَإِنَّ التَّشْبِيكَ مِنَ الشَّيْطَانِ، فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَا يَزَالُ فِي صَلَاةٍ، مَا دَامَ فِي الْمَسْجِدِ حَتَّى يَخْرُجَ مِنْهُ».
قلت: عبيد الله بن عبد الرحمن بن موهب مختلف فيه وعمه هو عبيد الله بن عبد الله بن موهب القرشي لا يعرف.
والحديث حسن بما تقدم. والله أعلم.
وليس في حديث أبي سعيد النهي عند الخروج إلى المسجد فالنهي عن ذلك خارج عن الشواهد.
قَالَ شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في [شرح العمدة] (٤/ ٦٠١):
стр. 1991
«وأمَّا التشبيك بين الأصابع فيكره من حين يخرج وهو في المسجد أشد كراهة وفي الصلاة أشد واشد» اهـ.
قلت: ومن الفوائد التي ذكرها العلماء في النهي عن التشبيك أنَّه مجلبة للنوم والكسل وهذه الحالة لا ينبغي أن يكون عليها المصلي بل هي شبيهة بحال المنافقين الذين قَالَ الله فيهم:
﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾
٢ - جواز السهو على الأنبياء. وقد روى البخاري (٤٠١)، ومسلم (٥٧٢) عن ابن مسعود ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ:
«إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَنْسَى كَمَا تَنْسَوْنَ فَإِذَا نَسِيتُ فَذَكِّرُونِي، وَإِذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ فَلْيَتَحَرَّى الصَّوَابَ فَلْيُتِمَّ عَلَيْهِ ثُمَّ يُسَلِّمْ ثُمَّ يَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ». وهو مذهب أكثر العلماء لهذين الحديثين ولقوله تعالى إخباراً عن موسى ﵇: ﴿قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ﴾.
قال العلامة القرطبي ﵀ في [تفسيره] (٧/ ١٤):
«وَمَنَعَتْ طَائِفَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ السَّهْوَ عَلَيْهِ فِي الْأَفْعَالِ الْبَلَاغِيَّةِ وَالْعِبَادَاتِ الشَّرْعِيَّةِ، كَمَا مَنَعُوهُ اتِّفَاقًا فِي الْأَقْوَالِ الْبَلَاغِيَّةِ وَاعْتَذَرُوا عَنِ الظَّوَاهِرِ الْوَارِدَةِ فِي ذَلِكَ، وَإِلَيْهِ مَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ. وَشَذَّتِ الْبَاطِنِيَّةُ وَطَائِفَةٌ مِنْ أَرْبَابِ عِلْمِ الْقُلُوبِ فَقَالُوا: لَا يَجُوزُ النِّسْيَانُ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا يَنْسَى قَصْدًا وَيَتَعَمَّدُ صُورَةَ النِّسْيَانِ لِيَسُنَّ. وَنَحَا إِلَى
стр. 1992
هَذَا عَظِيمٌ مِنْ أَئِمَّةِ التَّحْقِيقِ وَهُوَ أَبُو المظفر الإسفرايني فِي كِتَابِهِ "الْأَوْسَطُ" وَهُوَ مَنْحًى غَيْرُ سَدِيدٍ، وجمع الضد مع الضد مستحيل بعيد» اهـ.
٣ - وفيه جواز البناء على الصلاة لمن أتى بالمنافي سهواً.
قَالَ شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كما في [مجموع الفتاوى] (٢٣/ ٣٩ - ٤٠):
«وهذا قول جمهور العلماء وهو مذهب مالك والشافعي وأحمد وغيره. وعن أبي حنيفة أنَّه إن تكلم بعد السلام سقط عنه سجود السهو؛ لأنَّ الكلام ينافيها فهو كالحدث. وعن الحسن ومحمد إذا صرف وجهه عن القبلة لم يبن ولم يسجد. والصواب قول الجمهور كما نطقت به السنة فإنه ﷺ سجد بعد انصرافه وانفتاله وإقباله عليهم وبعد تحدثهم وبعد سؤاله لهم وإجابتهم إياه وحديث ذي اليدين أبلغ في هذا» اهـ.
قلت: قَالَ في [طرح التثريب] (٣/ ٢٣١):
«فيه حجة لمن ذهب إلى أنَّ من تكلم غير عالم بأنَّه في الصلاة أو تكلم في الصلاة ناسياً لا تفسد صلاته وهو قول مالك والأوزاعي والشافعي وخالف فيه أهل الكوفة النخعي وحماد والثوري وأبو حنيفة فقَالَوا: تفسد صلاته كالعمل فيها وأجابوا عن قصة ذي اليدين بأنَّها منسوخة بحديث ابن مسعود وحديث زيد بن أرقم في تحريم الكلام في الصلاة ورد عليهم بأنَّ الناسخ لا يكون متقدماً وحديث ابن مسعود كان بمكة في أحد القولين وفي أول الهجرة في القول الآخر.
стр. 1993
وكذلك حديث زيد بن أرقم وأمَّا حديث ذي اليدين فكان إمَّا في السنة السابعة أو بعدها لأنَّ إسلام أبي هريرة وعمران بن حصين كان في السنة السابعة وقد شهد القصة وكان إسلام معاوية بن خديج قبل موت النبي ﷺ بشهرين كما ذكره البيهقي وغيره.
وقد تقدم في ترجمته وقد شهد معاوية هذا قصة أخرى في السهو كقصة ذي اليدين وكلامهم كما هو في الأصل وقد تقدم بيان تأخر قصة ذي اليدين في الفائدة الأولى من هذا الحديث وشهود أبي هريرة لها قَالَ ابن عبد البر: ولو صح للمخالفين ما ادعوه من نسخ حديث أبي هريرة بتحريم الكلام في الصلاة لم تكن لهم في ذلك حجة لأنَّ النهي عن الكلام في الصلاة إنَّما توجه إلى العامد القاصد لا إلى الناسي لأنَّ النسيان متجاوز عنه والناسي والساهي ليسا ممن دخل تحت النهي لاستحالة ذلك في النظر» اهـ.
٤ - وفيه أنَّ الباني لا يحتاج إلى تكبيرة الإحرام.
٥ - واحتج به من قَالَ: إنَّ سجود السهو بعد السلام.
قَالَ في [طرح التثريب] (٣/ ٢٥٢ - ٢٥٦):
«اختلف العلماء في سجدتي السهو هل محلهما قبل السلام من الصلاة أو بعده على حسب اختلاف الأحاديث الواردة في ذلك على أقوال خمسة:
стр. 1994
الأول: أنَّه بعد السلام عملاً بحديث أبي هريرة هذا ففي الصحيحين: "أنه سجد فيه بعد السلام" وهكذا عند مسلم في حديث عمران بن حصين وكذا حديث ابن مسعود المتفق عليه الآتي بعد هذا ولأبي داود والترمذي وصححه من حديث المغيرة: "فلما أتم صلاته وسلم سجد سجدتين" وللحاكم من حديث سعد بن أبي وقاص مثله وصححه وكذلك من حديث عقبة بن عامر.
ولأبي داود والنسائي من حديث عبد الله بن جعفر: "من شك في صلاته فليسجد سجدتين بعد ما يسلم" قَالَ البيهقي لا بأس به وقَالَ النووي ضعفوه.
ولأبي داود من حديث ابن عمر: "ثم سلم ثم سجد سجدتي السهو" وله من حديث ثوبان: "لكل سهو سجدتان بعد ما يسلم".
وهو قول أهل الكوفة والثوري وأبي حنيفة وأصحابه وبه قَالَ من التابعين أبو سلمة بن عبد الرحمن وعمر بن عبد العزيز.
وقَالَوا من جهة المعنى: أن سجود السهو إنَّما جعل في آخر الصلاة لئلا يطرأ سهو آخر بعده ومن الجائز طروء السهو في السلام فكان السجود بعده أولى.
والقول الثاني: أنَّ محله قبل السلام وهو قول ابن شهاب وربيعة ويحيى بن سعيد وبه قَالَ الأوزاعي والشافعي والليث وحجتهم ما ثبت في الصحيحين من حديث عبد الله ابن بحينة: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قام في صلاة الظهر وعليه جلوس فلما أتم صلاته سجد سجدتين يكبر في كل سجدة وهو جالس قبل أن يسلم وسجدهما الناس معه مكان ما نسي من الجلوس" وعند مسلم من
стр. 1995
حديث أبي سعيد الخدري قَالَ: قَالَ رسول الله ﷺ : "إذا شك أحدكم في صلاته فلم يدر صلى ثلاثاً أم أربعاً فليطرح الشك وليبن على ما استيقن ثم يسجد سجدتين قبل أن يسلم".
ولأبي داود من حديث أبي هريرة في الذي لا يدري كم صلى: "فإذا وجد أحدكم ذلك فليسجد سجدتين قبل أن يسلم ثم ليسلم" كذا رواه مِنْ طَرِيقِين في أحدهما ابن أخي ابن شهاب عن عمه وفي الأخرى محمد بن إسحاق وقَالَ فيها حدثني الزهري وقد رواه مالك وابن عيينة والليث ومعمر عن الزهري لم يذكروا موضع السجود.
وللترمذي وصححه من حديث عبد الرحمن بن عوف: "إذا سها أحدكم في صلاته فلم يدر واحدة صلى أو اثنتين فليبن على واحدة فإن لم يدر اثنتين صلى أو ثلاثاً فليبن على ثنتين فإن لم يدر ثلاثاً صلى أو أربعا فليبن على ثلاث وليسجد سجدتين قبل أن يسلم".
والقول الثالث: التفرقة بين أن يكون السهو بزيادة أو نقص فإن كان لزيادة بأن صلى خمساً سجد بعد السلام وإن كان لنقص كترك التشهد الأول سجد قبل السلام وهو قول مالك وأبي ثور وهو قول قديم للشافعي ورجحه أبو حاتم بن حبان من الشافعية وحملوا اختلاف الأحاديث على ذلك لو سلم لهم.
стр. 1996
قَالَ ابن عبد البر: وهو الصحيح في هذا الباب من جهة الآثار لكن في قول مالك ومن تابعه استعمال الخبرين جميعاً في الزيادة والنقصان واستعمال الأخبار على وجوهها أولى من ادعاء النسخ فيها ومن جهة المعنى أن السجود للنقص جبران فناسب أن يكون في الصلاة قبل السلام بخلاف الزيادة.
والقول الرابع: استعمال كل حديث في موضعه زيادة كان أو نقصاً وهو قول أحمد إذا سلم من اثنتين فبعد السلام على حديث ذي اليدين وإذا سلم بعد ثلاث فكذلك على حديث عمران بن حصين وفي التحري بعد السلام على حديث عبد الله بن مسعود وفي القيام من اثنتين قبل السلام على حديث ابن بحينة وفي الشك يبني على اليقين ويسجد قبل السلام على حديث أبي سعيد وابن عوف رواه أبو بكر الأثرم عنه قَالَ قلت له فما كان سواها من السهو قَالَ يسجد فيه كله قبل السلام لأنه يجبر ما نقص من صلاته وما قَالَ به أحمد من استعمال كل حديث في موضعه قَالَ به داود إلاَّ أنه قَالَ لا يسجد للسهو إلا في هذه المواضع الخمسة التي سجد فيها رسول الله ﷺ .
والقول الخامس: أنَّه يتخير بين السجود قبل السلام أو بعده سواء كان ذلك لزيادة أو نقص جمعاً بين الأحاديث وروي عن علي بن أبي طالب بإسناد منقطع وإليه ذهب محمد بن جرير الطبري وهو قول قديم أيضاً للشافعي وهذه المسألة مما اختلف فيها الأئمة الأربعة ولكل واحد منهم أحاديث صحيحة وقد أجاب أصحاب كل إمام منهم عن الأحاديث التي استدل بها غير إمامه بوجوه:
стр. 1997
منها: دعوى النسخ لما وقع بعد السلام فقد قَالَ الزهري إن آخر الأمرين من فعله السجود قبل السلام واعترض عليه بأنه مرسل ولو كان مسنداً فإنه لم يبين آخر الأمرين كان في ماذا؟ فلعله كان آخر الأمرين في محل النقص فلا يدفع قول مالك وأجيب بأنه أطلق سجود السهو فلا يحمل على صورة منه.
ومنها: أنَّ قوله بعد السلام أي بعد قوله في التشهد السلام عليك أيها النبي وهو بعيد.
ومنها: أنَّ المراد بعد السلام على وجه السهو بدليل قوله في حديث عمران بن حصين عند مسلم: "فصلى ركعة ثم سلم ثم سجد سجدتين ثم سلم". فحملنا السلام الأول على أنه سها في السلام. وهو بعيد أيضاً وقد قَالَ جماعة بإعادة السلام بعد سجدتي السهو كما سيأتي وقد يقابله الحنفي بمثله فيقول سجوده قبل السلام سهو ولا تثبت الحجج بالاحتمالات والله أعلم.
ومنها: الترجيح بكثرة الرواة، والأحاديث الدالة للقائلين به بعد السلام أكثر. قَالَ ابن دقيق العيد: والاعتراض عليه أن طريقة الجمع أولى مِنْ طَرِيقِة الترجيح، وأيضاً فلا بد من النظر في محل التعارض واتخاذ موضع الخلاف من الزيادة والنقصان.
ومنها: ما أجاب به الحنفية أن المراد بقوله وسجد سجدتين أي سجود الصلاة وهو بعيد.
стр. 1998
ومنها: ما اعترض به على المالكية أنَّ حديث أبي سعيد فيمن شك فإنه يبني على أنه لم يفعل فيزيده ويسجد قبل السلام فهذا سهو للزيادة قبل السلام وأجابوا بأن الزيادة ليست محققة فيحتمل أنه لم يرد وإنما المراد الزيادة المحققة وعندهم في هذه الصورة روايتان واعترض أيضاً عليهم أن حديث ذي اليدين قد نقص فيه من الصلاة وقد سجد بعد التسليم وأجابوا بأنه أتى بما نقصه وهو الركعتان وزاد السلام بعد الثنتين والكلام والمشي فسجد لهذه الزيادة لا لكونه نقص الركعتين فقد أتى بهما ورجح ابن دقيق العيد قول مالك ومن وافقه بظهور المناسبة قَالَ وإذا ظهرت المناسبة وكان الحكم على وفقها كانت علة وإذا كانت علة عم الحكم جميع محالها فلا يتخصص ذلك بمورد النص انتهى.
وهذا الخلاف المذكور في محل السجود قيل هو في الأولوية فقد قَالَ ابن عبد البر إنَّهم أجمعوا على أنَّه لو سجد بعد السلام فيما قَالَوا فيه السجود قبل السلام أو سجد قبل السلام فيما قَالَوا فيه السجود بعد السلام لم يضره لأنَّه من باب قضاء القاضي باجتهاده لاختلاف الآثار والسلف فيه إلَّا أنَّ مالكاً أشد استثقَالَاً لوضع السجود الذي بعد السلام قبل السلام والله أعلم.
قلت: وينبغي أن يحمل كلامه على اتفاق المالكية فإنَّ الخلاف عند أصحابنا مشهور والمذهب أنَّه في الإجزاء لا في الأولوية والله أعلم» اهـ.
قلت: السهو لا يخلو إمَّا أن يكون عن شك أو زيادة أو نقصان.
فأمَّا الشك فينقسم إلى ثلاثة أقسام:
стр. 1999
الأول: ما كان ظناً راجحاً من غير تحري وهذا لا يوجب سجود السهو فإنَّه لا يخلو منه أحد غالباً فإنَّ اليقين عزيز.
قَالَ شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كما في [مجموع الفتاوى] (٢٣/ ١١ - ١٢):
«لكن لفظ الشك يراد به تارة ما ليس بيقين وإن كان هناك دلائل وشواهد عليه حتى قد قيل في قوله: "نحن أحق بالشك من إبراهيم" أنَّه جعل ما دون طمأنينة القلب التي طلبها إبراهيم شكاً وإن كان إبراهيم موقناً ليس عنده شك يقدح في يقينه ولهذا لما قَالَ له ربه: ﴿أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾. وقَالَ تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾. فإذا كان قد سمي مثل هذا شكاً في قوله: "نحن أحق بالشك من إبراهيم" فكيف بمن لا يقين عنده؟ فمن عمل بأقوى الدليلين فقد عمل بعلم لم يعمل بظن ولا شك؟ وإن كان لا يوقن أن ليس هناك دليل أقوى من الدليل الذي عمل به. واجتهاد العلماء من هذا الباب والحاكم إذا حكم بشهادة العدلين حكم بعلم. لا بظن وجهل وكذلك إذا حكم بإقرار المقر وهو شهادته على نفسه ومع هذا فيجوز أن يكون الباطن بخلاف ما ظهر كما قَالَ النبي ﷺ في الحديث الصحيح: "إنَّكم تختصمون إلي ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض وإنما أقضي بنحو مما أسمع فمن قضيت له من حق أخيه شيئاً فلا
стр. 2000
يأخذه فإنَّما أقطع له قطعة من النار". وإذا كان لديك معلوم أنَّ مثل هذا الشك لم يرده النبي ﷺ بقوله: "إذا شك أحدكم" بل أكثر الخلق لا يجزمون جزماً يقينيا لا يحتمل الشك بعد لكل صلاة صلاها ولكن يعتقدون عدد الصلاة اعتقاداً راجحاً وهذا ليس بشك وقوله ﷺ : "إذا شك أحدكم" إنَّما هو حال من ليس له اعتقاد راجح وظن غالب فهذا إذا تحرى وارتأى وتأمل فقد يظهر له رجحان أحد الأمرين فلا يبق شاكاً» اهـ.
الثاني: ما كان شكاً متساوياً فهذا يبني فيه الشاك على اليقين وهو الأقل ويسجد سجود السهو قبل السلام.
ويدل على ذلك ما رواه مسلم (٥٧١) عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ فَلَمْ يَدْرِ كَمْ صَلَّى ثَلَاثًا أَمْ أَرْبَعًا فَلْيَطْرَحْ الشَّكَّ وَلْيَبْنِ عَلَى مَا اسْتَيْقَنَ ثُمَّ يَسْجُدُ سَجْدَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ فَإِنْ كَانَ صَلَّى خَمْسًا شَفَعْنَ لَهُ صَلَاتَهُ وَإِنْ كَانَ صَلَّى إِتْمَامًا لِأَرْبَعٍ كَانَتَا تَرْغِيمًا لِلشَّيْطَانِ».
الثالث: أن يشك ثم يتحرى الصواب فيترجح لديه إمَّا الزيادة وإمَّا النقصان فيأخذ بما ترجح لديه من الزيادة أو النقصان ثم يسجد سجود السهو بعد السلام.
ودليل ذلك ما رواه البخاري (٤٠١) عن عبد الله بن مسعود عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ:
«وَإِذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ فَلْيَتَحَرَّى الصَّوَابَ فَلْيُتِمَّ عَلَيْهِ ثُمَّ يُسَلِّمْ ثُمَّ يَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ».
следующие страницы →