Полный текст (8 095 стр.). Показаны 1996–2035 · переход к 2001.
стр. 1996
قَالَ ابن عبد البر: وهو الصحيح في هذا الباب من جهة الآثار لكن في قول مالك ومن تابعه استعمال الخبرين جميعاً في الزيادة والنقصان واستعمال الأخبار على وجوهها أولى من ادعاء النسخ فيها ومن جهة المعنى أن السجود للنقص جبران فناسب أن يكون في الصلاة قبل السلام بخلاف الزيادة.
والقول الرابع: استعمال كل حديث في موضعه زيادة كان أو نقصاً وهو قول أحمد إذا سلم من اثنتين فبعد السلام على حديث ذي اليدين وإذا سلم بعد ثلاث فكذلك على حديث عمران بن حصين وفي التحري بعد السلام على حديث عبد الله بن مسعود وفي القيام من اثنتين قبل السلام على حديث ابن بحينة وفي الشك يبني على اليقين ويسجد قبل السلام على حديث أبي سعيد وابن عوف رواه أبو بكر الأثرم عنه قَالَ قلت له فما كان سواها من السهو قَالَ يسجد فيه كله قبل السلام لأنه يجبر ما نقص من صلاته وما قَالَ به أحمد من استعمال كل حديث في موضعه قَالَ به داود إلاَّ أنه قَالَ لا يسجد للسهو إلا في هذه المواضع الخمسة التي سجد فيها رسول الله ﷺ .
والقول الخامس: أنَّه يتخير بين السجود قبل السلام أو بعده سواء كان ذلك لزيادة أو نقص جمعاً بين الأحاديث وروي عن علي بن أبي طالب بإسناد منقطع وإليه ذهب محمد بن جرير الطبري وهو قول قديم أيضاً للشافعي وهذه المسألة مما اختلف فيها الأئمة الأربعة ولكل واحد منهم أحاديث صحيحة وقد أجاب أصحاب كل إمام منهم عن الأحاديث التي استدل بها غير إمامه بوجوه:
стр. 1997
منها: دعوى النسخ لما وقع بعد السلام فقد قَالَ الزهري إن آخر الأمرين من فعله السجود قبل السلام واعترض عليه بأنه مرسل ولو كان مسنداً فإنه لم يبين آخر الأمرين كان في ماذا؟ فلعله كان آخر الأمرين في محل النقص فلا يدفع قول مالك وأجيب بأنه أطلق سجود السهو فلا يحمل على صورة منه.
ومنها: أنَّ قوله بعد السلام أي بعد قوله في التشهد السلام عليك أيها النبي وهو بعيد.
ومنها: أنَّ المراد بعد السلام على وجه السهو بدليل قوله في حديث عمران بن حصين عند مسلم: "فصلى ركعة ثم سلم ثم سجد سجدتين ثم سلم". فحملنا السلام الأول على أنه سها في السلام. وهو بعيد أيضاً وقد قَالَ جماعة بإعادة السلام بعد سجدتي السهو كما سيأتي وقد يقابله الحنفي بمثله فيقول سجوده قبل السلام سهو ولا تثبت الحجج بالاحتمالات والله أعلم.
ومنها: الترجيح بكثرة الرواة، والأحاديث الدالة للقائلين به بعد السلام أكثر. قَالَ ابن دقيق العيد: والاعتراض عليه أن طريقة الجمع أولى مِنْ طَرِيقِة الترجيح، وأيضاً فلا بد من النظر في محل التعارض واتخاذ موضع الخلاف من الزيادة والنقصان.
ومنها: ما أجاب به الحنفية أن المراد بقوله وسجد سجدتين أي سجود الصلاة وهو بعيد.
стр. 1998
ومنها: ما اعترض به على المالكية أنَّ حديث أبي سعيد فيمن شك فإنه يبني على أنه لم يفعل فيزيده ويسجد قبل السلام فهذا سهو للزيادة قبل السلام وأجابوا بأن الزيادة ليست محققة فيحتمل أنه لم يرد وإنما المراد الزيادة المحققة وعندهم في هذه الصورة روايتان واعترض أيضاً عليهم أن حديث ذي اليدين قد نقص فيه من الصلاة وقد سجد بعد التسليم وأجابوا بأنه أتى بما نقصه وهو الركعتان وزاد السلام بعد الثنتين والكلام والمشي فسجد لهذه الزيادة لا لكونه نقص الركعتين فقد أتى بهما ورجح ابن دقيق العيد قول مالك ومن وافقه بظهور المناسبة قَالَ وإذا ظهرت المناسبة وكان الحكم على وفقها كانت علة وإذا كانت علة عم الحكم جميع محالها فلا يتخصص ذلك بمورد النص انتهى.
وهذا الخلاف المذكور في محل السجود قيل هو في الأولوية فقد قَالَ ابن عبد البر إنَّهم أجمعوا على أنَّه لو سجد بعد السلام فيما قَالَوا فيه السجود قبل السلام أو سجد قبل السلام فيما قَالَوا فيه السجود بعد السلام لم يضره لأنَّه من باب قضاء القاضي باجتهاده لاختلاف الآثار والسلف فيه إلَّا أنَّ مالكاً أشد استثقَالَاً لوضع السجود الذي بعد السلام قبل السلام والله أعلم.
قلت: وينبغي أن يحمل كلامه على اتفاق المالكية فإنَّ الخلاف عند أصحابنا مشهور والمذهب أنَّه في الإجزاء لا في الأولوية والله أعلم» اهـ.
قلت: السهو لا يخلو إمَّا أن يكون عن شك أو زيادة أو نقصان.
فأمَّا الشك فينقسم إلى ثلاثة أقسام:
стр. 1999
الأول: ما كان ظناً راجحاً من غير تحري وهذا لا يوجب سجود السهو فإنَّه لا يخلو منه أحد غالباً فإنَّ اليقين عزيز.
قَالَ شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كما في [مجموع الفتاوى] (٢٣/ ١١ - ١٢):
«لكن لفظ الشك يراد به تارة ما ليس بيقين وإن كان هناك دلائل وشواهد عليه حتى قد قيل في قوله: "نحن أحق بالشك من إبراهيم" أنَّه جعل ما دون طمأنينة القلب التي طلبها إبراهيم شكاً وإن كان إبراهيم موقناً ليس عنده شك يقدح في يقينه ولهذا لما قَالَ له ربه: ﴿أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾. وقَالَ تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾. فإذا كان قد سمي مثل هذا شكاً في قوله: "نحن أحق بالشك من إبراهيم" فكيف بمن لا يقين عنده؟ فمن عمل بأقوى الدليلين فقد عمل بعلم لم يعمل بظن ولا شك؟ وإن كان لا يوقن أن ليس هناك دليل أقوى من الدليل الذي عمل به. واجتهاد العلماء من هذا الباب والحاكم إذا حكم بشهادة العدلين حكم بعلم. لا بظن وجهل وكذلك إذا حكم بإقرار المقر وهو شهادته على نفسه ومع هذا فيجوز أن يكون الباطن بخلاف ما ظهر كما قَالَ النبي ﷺ في الحديث الصحيح: "إنَّكم تختصمون إلي ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض وإنما أقضي بنحو مما أسمع فمن قضيت له من حق أخيه شيئاً فلا
стр. 2000
يأخذه فإنَّما أقطع له قطعة من النار". وإذا كان لديك معلوم أنَّ مثل هذا الشك لم يرده النبي ﷺ بقوله: "إذا شك أحدكم" بل أكثر الخلق لا يجزمون جزماً يقينيا لا يحتمل الشك بعد لكل صلاة صلاها ولكن يعتقدون عدد الصلاة اعتقاداً راجحاً وهذا ليس بشك وقوله ﷺ : "إذا شك أحدكم" إنَّما هو حال من ليس له اعتقاد راجح وظن غالب فهذا إذا تحرى وارتأى وتأمل فقد يظهر له رجحان أحد الأمرين فلا يبق شاكاً» اهـ.
الثاني: ما كان شكاً متساوياً فهذا يبني فيه الشاك على اليقين وهو الأقل ويسجد سجود السهو قبل السلام.
ويدل على ذلك ما رواه مسلم (٥٧١) عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ فَلَمْ يَدْرِ كَمْ صَلَّى ثَلَاثًا أَمْ أَرْبَعًا فَلْيَطْرَحْ الشَّكَّ وَلْيَبْنِ عَلَى مَا اسْتَيْقَنَ ثُمَّ يَسْجُدُ سَجْدَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ فَإِنْ كَانَ صَلَّى خَمْسًا شَفَعْنَ لَهُ صَلَاتَهُ وَإِنْ كَانَ صَلَّى إِتْمَامًا لِأَرْبَعٍ كَانَتَا تَرْغِيمًا لِلشَّيْطَانِ».
الثالث: أن يشك ثم يتحرى الصواب فيترجح لديه إمَّا الزيادة وإمَّا النقصان فيأخذ بما ترجح لديه من الزيادة أو النقصان ثم يسجد سجود السهو بعد السلام.
ودليل ذلك ما رواه البخاري (٤٠١) عن عبد الله بن مسعود عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ:
«وَإِذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ فَلْيَتَحَرَّى الصَّوَابَ فَلْيُتِمَّ عَلَيْهِ ثُمَّ يُسَلِّمْ ثُمَّ يَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ».
стр. 2001
قلت: وقد رواه مسلم (٥٧٢) بدون قوله: «ثُمَّ يُسَلِّمْ».
قَالَ شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كما في [مجموع الفتاوى] (٢٣/ ١٠ - ١١): «وقد تأوله بعض أهل القول على أنَّ التحري هو طرح المشكوك فيه والبناء على اليقين وهذا ضعيف لوجوه:
منها: أنَّ في سنن أبي داود والمسند وغيرهما "إذا كنت في صلاة فشككت في ثلاث وأربع وأكثر من أربع تشهدت ثم سجدت وأنت جالس".
ومنها: أنَّ الألفاظ صريحة في أنَّه يتحرى ما يرى أنَّه الصواب سواء كان هو الزائد أو الناقص ولو كان مأموراً مطلقاً بطرح المشكوك فيه لم يكن هناك تحر للصواب.
ومنها: أنَّ ابن مسعود هو راوي الحديث وبذلك فسره وعنه أخذ ذلك أهل الكوفة قرناً بعد قرن كإبراهيم وأتباعه. وعنه أخذ ذلك أبو حنيفة وأصحابه.
ومنها: أنَّه هنا أمر بالسجدتين بعد السلام. وفي حديث أبي سعيد أمر بالسجدتين قبل السلام.
ومنها: أنه قَالَ هناك "إن كان صلى خمساً شفعتا له صلاته وإن كان صلى إتماماً لأربع كانتا ترغيماً للشيطان". فتبين أنه يبني على اليقين وهو شاك هل زاد أو نقص؟ هل صلى أربعاً أو خمساً وتبين مصلحة السجدتين على تقدير النقيضين. وفي حديث ابن مسعود قَالَ: "فيتحرى الصواب فيتم عليه ثم يسجد سجدتين" وفي لفظ:
стр. 2002
"فيتم عليه ثم يسلم ثم يسجد سجدتين" فجعل ما فعله بعد التحري تماماً لصلاته وجعله هنا متماً لصلاته ليس شاكاً فيها».
إلى أن قَالَ ﵀ (٢٣/ ١٢ - ١٦):
«وقوله ﷺ : "إذا شك أحدكم" إنَّما هو حال من ليس له اعتقاد راجح وظن غالب فهذا إذا تحرى وارتأى وتأمل فقد يظهر له رجحان أحد الأمرين فلا يبق شاكاً وهو المذكور في حديث ابن مسعود فإنَّه كان شاكاً قبل التحري وبعد التحري ما بقي شاكاً مثل سائر مواضع التحري كما إذا شك في القبلة فتحرى حتى ترجح عنده أحد الجهات؛ فإنه لم يبق شاكاً. وكذلك العالم المجتهد والناسي إذا ذكر وغير ذلك.
وقوله في حديث أبي سعيد: "إذا شك أحدكم" خطاب لمن استمر الشك في حقه بأن لا يكون قادراً على التحري؛ إذ ليس عنده أمارة ودلالة ترجح أحد الأمرين، أو تحرى وارتأى: فلم يترجح عنده شيء ومن قَالَ: ليس هنا دلالة تبين أحد الأمرين غلط فقد يستدل على ذلك بموافقة المأمومين إذا كان إماماً وقد يستدل بمخبر يخبره وإن لم يكن معه في الصلاة فيحصل له بذلك اعتقاد راجح. وقد يتذكر ما قرأ به في الصلاة فيذكر أنَّه قرأ بسورتين في ركعتين فيعلم أنَّه صلى ركعتين لا ركعة وقد يذكر أنَّه تشهد التشهد الأول فيعلم أنَّه صلى ثنتين لا واحدة وأنَّه صلى ثلاثاً لا اثنتين وقد يذكر أنَّه قرأ الفاتحة وحدها في ركعة ثم في ركعة فيعلم أنَّه صلى أربعاً لا ثلاثاً وقد يذكر أنَّه صلى بعد التشهد الأول ركعتين فيعلم
стр. 2003
أنَّه صلى أربعاً لا ثلاثاً واثنتين لا واحدة وقد يذكر أنَّه تشهد التشهد الأول والشك بعده في ركعة فيعلم أنَّه صلى ثلاثاً لا اثنتين. ومنها: أنَّه قد يعرض له في بعض الركعات: إمَّا من دعاء وخشوع وإمَّا من سعال ونحوه وإمَّا من غير ذلك ما يعرف به تلك الركعة ويعلم أنَّه قد صلى قبلها واحدة أو اثنتين أو ثلاثا فيزول الشك وهذا باب لا ينضبط فإنَّ الناس دائماً يشكون في أمور: هل كانت أم لم تكن؟ ثم يتذكرون ويستدلون بأمور على أنَّها كانت فيزول الشك فإذا تحرى الذي هو أقرب للصواب أزال الشك. ولا فرق في هذا بين أن يكون إماماً أو منفرداً. ثم إذا تحرى الصواب ورأى أنَّه صلى أربعاً كان إذا صلى خامسة قد صلى في اعتقاده خمس ركعات وهو لم يؤمر بذلك بخلاف الشك المتساوي فإنَّه لا بد معه من الشك في الزيادة والنقص والشك في الزيادة أولى فإن ما زاده مع الشك مثل ما زاده سهواً وذلك لا يبطل صلاته.
وأمَّا إذا شك في النقص فهو شاك في فعل ما أمر به فلم تبرأ ذمته منه.
وأيضاً فالأقوال الممكنة في هذا الباب: إمَّا أن يقَالَ: يطرح الشك مطلقاً ولا يتحرى. أو يحمل التحري على طرح الشك فهذا مخالفة صريحة لحديث ابن مسعود وإمَّا أن يستعمل هذا في حق الإمام وهذا في حق المنفرد ومعلوم أنَّ كلا الحديثين خطاب للمصلين لم يخاطب بأحدهما الأئمة وبالآخر المنفردين ولا في
стр. 2004
لفظ واحد من الحديثين ما يدل على ذلك فجعل هذا هو مراد الرسول من غير أن يكون في كلامه ما يدل عليه نسبة له إلى التدليس والتلبيس وهو منزه عن ذلك.
وأيضاً فإنَّ حديث أبي سعيد مع تساوي الشك متناول للجميع بالاتفاق فإخراج الأئمة منه غير جائز وحديث ابن مسعود متناول لما تناوله حديث أبي سعيد فلم يبق إلَّا القسم الثالث: وهو أنَّ كلاهما خطاب للشاك فذاك أمر له بالتحري. إذا أمكنه فيزول الشك. والثاني أمر له إذا لم يزل الشك ماذا يصنع. وهذا كما يقَالَ للحاكم: احكم بالبينة واحكم بالشهود ونحو ذلك فهذا مع الإمكان فإذا لم يمكن ذلك رجع إلى الاستصحاب وهو البراءة. كذلك المصلي الشاك: يعمل بما يبين له الصواب فإن تعذر ذلك رجع إلى الاستصحاب والله أعلم؛. ولأنَّ العمل بالتحري يقطع وسواس الشيطان أو يقلله؛ بخلاف ما إذا لم يتحر فلا يزال الشيطان يشككه فيما فعله أنَّه لم يفعله. وقد قَالَوا: إنَّه لو شك بعد السلام هل ترك واجباً لم يلتفت إليه وما ذاك إلَّا لأنَّ الظاهر أنَّه سلم بعد إتمامها فعلم أنَّ الظاهر يقدم على الاستصحاب وعلى هذا عامة أمور الشرع. ومثل هذا يقَالَ في عدد الطواف والسعي ورمي الجمار وغير ذلك. ومما يبين ذلك: أنَّ التمسك بمجرد استصحاب حال العدم أضعف الأدلة مطلقاً وأدنى دليل يرجح عليه كاستصحاب براءة الذمة في نفي الإيجاب والتحريم فهذا باتفاق الناس أضعف الأدلة ولا يجوز المصير إليه باتفاق الناس إلا بعد البحث التام: هل أدلة الشرع ما تقتضي الإيجاب أو التحريم؟. ومن الناس من لا يجوز التمسك به في نفي الحكم
стр. 2005
بل في دفع الخصم ومنعه فيقول: أنا لا أثبت الإيجاب ولا أنفيه بل أطالب من يثبته بالدليل أو أمنعه أو أدفعه عن إثبات إيجاب بلا دليل كما يقول ذلك من يقوله من أصحاب أبي حنيفة. وأما أهل الظاهر فهو عمدتهم لكن بعد البحث عن الأدلة الشرعية ولا يجوز الإخبار بانتفاء الأشياء وعدم وجودها بمجرد هذا الاستصحاب من غير استدلال بما يقتضي عدمها ومن فعل ذلك كان كاذباً متكلماً بلا علم وذلك لكثرة ما يوجد في العالم والإنسان لا يعرفه فعدم علمه ليس علما بالعدم ولا مجرد كون الأصل عدم الحوادث يفيد العلم بانتفاء شيء منها إلا بدليل يدل على النفي؛ لكن الاستصحاب يرجح به عند التعارض وما دل على الإثبات من أنواع الأدلة فهو راجح على مجرد استصحاب النفي وهذا هو الصواب الذي أمر المصلي أن يتحراه فإن ما دل على أنه صلى أربعاً من أنواع الأدلة راجح على استصحاب عدم الصلاة وهذا حقيقة هذه المسألة» اهـ.
قلت: وأمَّا إذا سها فزاد في صلاته شيئاً فليسجد للسهو بعد السلام.
ويدل على ذلك حديث أبي هريرة هذا وهو حديث الباب؛ فأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ زاد في صلاته سلاماً في غير موضعه فسجد للسهو بعد السلام كما هو ظاهر في الحديث.
ويدل على ذلك أيضاً ما رواه مسلم (٥٧٤) عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلَّى الْعَصْرَ فَسَلَّمَ فِي ثَلَاثِ رَكَعَاتٍ ثُمَّ دَخَلَ مَنْزِلَهُ فَقَامَ
стр. 2006
إِلَيْهِ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ الْخِرْبَاقُ وَكَانَ فِي يَدَيْهِ طُولٌ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَذَكَرَ لَهُ صَنِيعَهُ وَخَرَجَ غَضْبَانَ يَجُرُّ رِدَاءَهُ حَتَّى انْتَهَى إِلَى النَّاسِ فَقَالَ: "أَصَدَقَ هَذَا". قَالُوا: نَعَمْ فَصَلَّى رَكْعَةً ثُمَّ سَلَّمَ ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ ثُمَّ سَلَّمَ».
قلت: وأمَّا إذا سها فأنقص في صلاته شيئاً فليسجد للسهو قبل السلام.
ويدل عليه ما رواه البخاري (١٢٢٤)، ومسلم (٥٧٠) عَنْ عَبْدِ اللهِ ابْنِ بُحَيْنَةَ، ﵁، أَنَّه قَالَ: «صَلَّى لَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ رَكْعَتَيْنِ مِنْ بَعْضِ الصَّلَوَاتِ ثُمَّ قَامَ فَلَمْ يَجْلِسْ فَقَامَ النَّاسُ مَعَهُ فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ وَنَظَرْنَا تَسْلِيمَهُ كَبَّرَ قَبْلَ التَّسْلِيمِ فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ وَهُوَ جَالِسٌ ثُمَّ سَلَّمَ».
قَالَ شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كما في [مجموع الفتاوى] (٢٣/ ٢٢ - ٢٧):
«فهذه الأحاديث الصحيحة تبين ضعف قول كل من عمم فجعله كله قبله أو جعله كله بعده. بقي التفصيل. فيقَالَ: الشارع حكيم لا يفرق بين الشيئين بلا فرق فلا يجعل بعض السجود بعده وبعضه قبله إلا لفرق بينهما وقول من يقول القياس يقتضي أنه كله قبله لكن خولف القياس في مواضع للنص فبقي فيما عداه على القياس؛ يحتاج في هذا إلى شيئين إلى أن يبين الدليل المقتضي لكونه كله قبله ثم إلى بيان أن صورة الاستثناء اختصت بمعنى يوجب الفرق بينها وبين غيرها. وإلاَّ فإذا كان المعنى الموجب للسجود قبل السلام شاملاً للجميع امتنع من الشارع أن يجعل بعض ذلك بعد السلام وإن كان قد فرق لمعنى فلا بد أن يكون المعنى مختصاً بصورة الاستثناء فإذا لم يعرف الفرق بين ما استثنى وبين ما استبقى كان
стр. 2007
تفريقاً بينهما بغير حجة. وإذا قَالَ: علمت أن الموجب للسجود قبل السلام عام لكن لما استثنى النص ما استثناه علمت وجود المعنى المعارض فيه. فيقَالَ له: فما لم يرد فيه نص جاز أن يكون فيه الموجب لما قبل السلام وجاز أن يكون فيه الموجب لما بعد السلام فإنك لا تعلم أن المعنى الذي أوجب كون تلك الصور بعد السلام منتفياً عن غيرها ومع كون نوع من السجود بعد السلام يمتنع أن يكون الموجب التام له قبل السلام عاماً فما بقي معك معنى عام يعتمد عليه في الجزم بأن المشكوك قبل السلام ولا بأن المقتضي له بعد السلام مختص بمورد النص فنفي التفريق قول بلا دليل يوجب الفرق وهو قول بتخصيص العلة من غير بيان فوات شرط أو وجود مانع وهو الاستحسان المحض الذي لم يتبين فيه الفرق بين صورة الاستحسان وغيرها. وحينئذ فأظهر الأقوال الفرق بين الزيادة والنقص وبين الشك مع التحري والشك مع البناء على اليقين. وهذا إحدى الروايات عن أحمد وقول مالك قريب منه وليس مثله فإن هذا مع ما فيه من استعمال النصوص كلها: فيه الفرق المعقول؛ وذلك أنه إذا كان في نقص كترك التشهد الأول احتاجت الصلاة إلى جبر وجابرها يكون قبل السلام لتتم به الصلاة فإن السلام هو تحليل من الصلاة. وإذا كان من زيادة كركعة لم يجمع في الصلاة بين زيادتين بل يكون السجود بعد السلام؛ لأنه إرغام للشيطان بمنزلة صلاة مستقلة جبر بها نقص صلاته فأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ جعل
стр. 2008
السجدتين كركعة. وكذلك إذا شك وتحرى فإنه أتم صلاته وإنما السجدتان لترغيم الشيطان فيكون بعد السلام. ومالك لا يقول بالتحري ولا بالسجود بعد السلام فيه. وكذلك إذا سلم وقد بقي عليه بعض صلاته ثم أكملها فقد أتمها والسلام منها زيادة والسجود في ذلك بعد السلام؛ لأنه إرغام للشيطان.
وأما إذا شك ولم يتبين له الراجح فهنا إما أن يكون صلى أربعاً أو خمساً فإن كان صلى خمساً فالسجدتان يشفعان له صلاته ليكون كأنه قد صلى ستاً لا خمساً وهذا إنَّما يكون قبل السلام ومالك هنا يقول يسجد بعد السلام. فهذا القول الذي نصرناه هو الذي يستعمل فيه جميع الأحاديث لا يترك منها حديث مع استعمال القياس الصحيح فيما لم يرد فيه نص وإلحاق ما ليس بمنصوص بما يشبهه من المنصوص. ومما يوضح هذا أنه إذا كان مع السلام سهو سجد بعد السلام فيقَالَ: إذا زاد غير السلام من جنس الصلاة كركعة ساهياً أو ركوع أو سجود ساهياً فهذه زيادة لو تعمدها بطلت صلاته كالسلام فإلحاقها بالسلام أولى من إلحاقها بما إذا ترك التشهد الأول أو شك وبنا على اليقين. وقول القائل: إن السجود من شأن الصلاة فيقضيه قبل السلام يقَالَ له: لو كان هذا صحيحاً لوجب أن يكون كله قبل السلام فلما ثبت أن بعضه بعد السلام علم أنه ليس جنسه من شأن الصلاة الذي يقضيه قبل السلام. وهذا معارض بقول من يقول: السجود ليس من موجب تحريم الصلاة فإن التحريم إنما أوجب الصلاة السليمة وهذه الأمور دعاوى لا يقوم عليها دليل؛ بل يقَالَ التحريم أوجب السجود الذي يجبر به
стр. 2009
الصلاة. ويقَالَ: من السجود ما يكون جبره للصلاة إذا كان بعد السلام؛ لئلا يجتمع فيها زيادتان ولأنه مع تمام الصلاة إرغام للشيطان ومعارضة له بنقيض قصده فإنه قصد نقص صلاة العبد بما أدخل فيها من الزيادة فأمر العبد أن يرغمه فيأتي بسجدتين زائدتين بعد السلام ليكون زيادة في عبادة الله والسجود لله والتقرب إلى الله الذي أراد الشيطان أن ينقصه على العبد فأراد الشيطان أن ينقص من حسناته فأمره الله أن يتم صلاته وأن يرغم الشيطان وعفا الله للإنسان عما زاده في الصلاة نسياناً: من سلام وركعة زائدة وغير ذلك فلا يأثم بذلك لكن قد يكون تقربه ناقصا لنقصه فيما ينساه فأمره الله أن يكمل ذلك بسجدتين زائدتين على الصلاة والله أعلم» اهـ.
٦ - وفيه أن سجود السهو لا يتكرر بتكرر السهو ولو اختلف الجنس خلافاً للأوزاعي.
قَالَ العلامة الخطابي ﵀ في [معالم السنن] (١/ ٢٣٥):
«وفي الحديث دليل على أنَّه إذا سها في صلاة واحدة مرات أجزأه لجميعها سجدتان وذلك أنَّه ﷺ سها فلم يصل ركعتين وتكلم ناسياً ثم اقتصر على سجدتين وهو قول عامة الفقهاء.
وحكي عن الأوزاعي والماجشون صاحب مالك أنَّهما قَالَا: يلزمه لكل سهو سجدتان» اهـ.
стр. 2010
وقَالَ العلامة النووي ﵀ في [شرح مسلم] (٢/ ٣٣٥):
«قَالَ الجمهور: لو سها سهوين فأكثر كفاه سجدتان للجميع، وبهذا قَالَ الشافعي ومالك وأبو حنيفة وأحمد - رضوان الله عليهم - وجمهور التابعين، وعن ابن أبي ليلى - رحمه الله تعالى - لكل سهو سجدتان، وفيه: حديث ضعيف» اهـ.
وقَالَ العلامة ابن قدامة ﵀ في [المغني] (٣/ ١٧٥ - ١٧٦):
«فصل: إذا سها سهوين، أو أكثر من جنس، كفاه سجدتان للجميع. لا نعلم أحداً خالف فيه.
وإن كان السهو من جنسين، فكذلك. حكاه ابن المنذر قولاً لأحمد، وهو قول أكثر أهل العلم منهم النخعي، والثوري، ومالك والليث، والشافعي وأصحاب الرأي.
وذكر أبو بكر فيه وجهين: أحدهما، ما ذكرنا. والثاني، يسجد سجودين.
وقَالَ الأوزاعي وابن أبي حازم وعبد العزيز بن أبي سلمة: إذا كان عليه سجودان، أحدهما قبل السلام.
والآخر بعده، سجدهما في محليهما؛ لقول النبي ﷺ : "لكل سهو سجدتان" رواه أبو داود وابن ماجه وهذان سهوان، فلكل واحد منهما سجدتان، ولأن كل سهو يقتضي سجوداً، وإنما تداخلا في الجنس الواحد لاتفاقهما، وهذان مختلفان.
стр. 2011
ولنا قول النبي ﷺ : "إذا نسي أحدكم، فليسجد سجدتين" وهذا يتناول السهو في موضعين ولأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سها فسلم، وتكلم بعد صلاته فسجد لهما سجوداً واحداً، ولأنَّ السجود أخر إلى آخر الصلاة، ليجمع السهو كله وإلَّا فعله عقيب سببه، ولأنَّه شرع للجبر فجبر نقص الصلاة، وإن كثر، بدليل السهو مرات من جنس واحد، وإذا انجبرت لم يحتج إلى جابر آخر فنقول: سهوان. فأجزأ عنهما سجود واحد، كما لو كانا من جنس.
وقوله: "لكل سهو سجدتان" في إسناده مقَالَ ثم إن المراد به لكل سهو في صلاة، والسهو وإن كثر فهو داخل في لفظ السهو لأنَّه اسم جنس، فيكون التقدير: لكل صلاة فيها سهو سجدتان ولذلك قَالَ: "لكل سهو سجدتان بعد السلام" هكذا في رواية أبي داود، ولا يلزمه بعد السلام سجودان.
إذا ثبت هذا فإنَّ معنى الجنسين أن يكون أحدهما. قبل السلام، والآخر بعده؛ لأنَّ محليهما مختلفان، وكذلك سبباهما وأحكامهما.
وقَالَ بعض أصحابنا: الجنسان أن يكون أحدهما من نقص، والآخر من زيادة والأولى ما قلناه إن شاء الله تعالى.
فعلى هذا إذا اجتمعا، سجد لهما قبل السلام؛ لأنه أسبق وآكد، ولأن الذي قبل السلام قد وجب لوجوب سببه، ولم يوجد قبله ما يمنع وجوبه، ولا يقوم مقامه،
стр. 2012
فلزمه الإتيان به، كما لو لم يكن عليه سهو آخر، وإذا سجد له، سقط الثاني؛ لإغناء الأول عنه، وقيامه مقامه» اهـ.
قلت: حديث «لِكُلِّ سَهْوٍ سَجْدَتَانِ». رواه أحمد (٢٢٤٧٠)، وأبو داود (١٠٣٨)، وابن ماجه (١٢١٩) مِنْ طَرِيقِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَيَّاشٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عُبَيْدٍ الْكَلَاعِيِّ، عَنْ زُهَيْرٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِيهِ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ، عَنْ ثَوْبَانَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ:: «لِكُلِّ سَهْوٍ سَجْدَتَانِ بَعْدَ مَا يُسَلِّمُ».
قلت: زهير وهو ابن سالم العنسي قَالَ فيه الدارقطني: «حمصي منكر الحديث». وهذا جرح شديد فيه. وابن عياش روايته هاهنا عن الشاميين وهي مقبولة.
وروى الحديث أبو داود مِنْ طَرِيقِ عمرو بن عثمان عن ابن عياش عن عبيد الله بن عبيد الكلاعي، عن زهير يعني ابن سالم العنسي، عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير، عن أبيه، عن ثوبان.
قَالَ أبو داود ﵀: «قَالَ عمرو: وحده، عن أبيه، عن ثوبان».
قلت: وقد خالفه في ذلك الربيع بن نافع، وعثمان بن أبي شيبة، وشجاع بن مخلد. والطيالسي في [مسنده] (١٠٩٠)
وتابعه عبد الرزاق كما في [المصنف] (٣٥٣٣) ومِنْ طَرِيقِه رواه الطبراني في [الكبير] (١٣٩٦).
والحكم بن نافع وحديثه عند أحمد في [المسند] (٢٢٤٧٠).
стр. 2013
قلت: وفي الحديث اختلاف آخر فروى ابن أبي شيبة في [مصنفه] (٤٥١٧)، والروياني في [مسنده] (٦٦٥) نا ابْنُ إِسْحَاقَ، أنا مُعَلَّى الرَّازِيُّ، نا الْهَيْثَمُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ أَبِي وَهْبٍ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدٍ، عَنْ زُهَيْرٍ الْحِمْصِيِّ، عَنْ ثَوْبَانَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لِكُلِّ سَهْوٍ سَجْدَتَانِ».
قلت: فأسقط الهيثم في روايته عبد الرحمن بن جبير بن نفير، وأباه، ولم يزد في حديثه «بَعْدَ مَا يُسَلِّمُ». والهيثم قريب من ابن عياش.
قَالَ الحافظ البيهقي ﵀ بعد روايته للحديث في [الكبرى] (٢/ ٣٣٧):
«وهذا إسناد فيه ضعف» اهـ.
وقَالَ العلامة النووي ﵀: [المجموع] (٤/ ١٥٥):
«وهذا حديث ضعيف ظاهر الضعف والله أعلم» اهـ.
وقَالَ الحافظ ابن حجر ﵀ في [بلوغ المرام] ص (١٢٧):
«رواه أبو داود، وابن ماجه بسند ضعيف» اهـ.
قلت: الحديث فيه اختلاف كما ترى وهو دائر على زهير بن سالم ولا يصح حديثه. والله أعلم.
٧ - ويدل الحديث على أنَّ الإمام إذا سها ولم يذكر سهوه فنبهه المأمومون على سهوه أنَّه يأخذ بقولهم إذا لم يتيقن أنَّه على صواب.
قَالَ الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٦/ ٤٨٣ - ٤٨٥):
стр. 2014
«أنَّ الإمام إذا سها، ولم يتيقن سهوه، فذكره المأمومون، فإن ذكر سهوه عمل بذكره، بغير خلاف بين العلماء. وقد قَالَ ﷺ : "إنَّما أنا بشر، أنسى كما تنسون، فإذا نسيت فذكروني".
وأمَّا إن لم يذكر سهوه حين ذكروه، فظاهر حديث أبي هريرة يدل على أنَّه يرجع إلى قول المأمومين، إذا لم يتيقن أنَّه على الصواب يقيناً، وكذلك حديث عمران بن حصين، وحديث معاوية بن خديج.
وقد بوب البخاري على ذلك في أبواب الإمامة: "باب: هل يأخذ الإمام إذا شك بقول الناس؟ ".
وخرج فيه حديث أبي هريرة، مِنْ طَرِيقِ ابن سيرين، ومِنْ طَرِيقِ أبي سلمة. وبهذا قَالَ جمهور أهل العلم، وهو قول عطاء وأبي حنيفة والثوري ومالك - في رواية - وأحمد وغيرهم.
واختلفوا: هل يجب الرجوع إلى قولهم، أم يستحب؟
فقَالَ أبو حنيفة: يجب. وهو ظاهر أحمد. وروي عنه، أنَّه يستحب الرجوع إليهم، وله أن يبني على يقين نفسه، أو يتحرى، كما لو كان منفرداً.
وقَالَ ابن عقيل من أصحابنا: إنَّما يرجع إلى قول المأمومين، إذا قلنا: إن الإمام يتحرى، ولا يعمل بيقين نفسه؛ فإنَّ أكثر ما يفيد قولهم غلبة الظن، فيكون الرجوع إليهم من باب التحري، فأمَّا إذا قلنا: يعمل باليقين، لم يلتفت إليهم.
стр. 2015
وجمهور أصحابنا على خلاف هذا، وأنَّه يرجع إليهم على كلا القولين؛ فإنَّ قول اثنين فصاعداً من المأمومين حجة شرعية، فيجب العمل بها، وإن لم يوجب العلم، كسائر الحجج الشرعية التي يجب العمل بها من البيات وغيرها، وإنَّما محل الخلاف في التحري بالأمارات المجردة عن حجة شرعية.
وقَالَ الشافعية ومالك - في رواية أخرى -: لا يرجع الإمام إلى قول المأمومين، إذا لم يذكر ما ذكروه به، بل يبني على يقين نفسه.
ولأصحابهما قول آخر: أنَّه يرجع إليهم، إذا كثروا؛ لبعد اتفاقهم على الخطأ، فأمَّا الواحد والاثنان، فلا.
وذهب أبو حنيفة إلى أنَّه يجب الرجوع إلى قول واحد من المأمومين؛ لأنَّه خبر ديني، فهو كالإخبار بالقبلة ونحوها. وكذا قَالَ إسحاق: يرجع إلى قول واحد.
ومذهب مالك وأحمد: لا يرجع إلى قول واحد من المأمومين، بل إلى ما زاد على الواحد؛ لحديث أبي هريرة؛ فأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لم يكتف بقول ذي اليدين حتى سال غيره، فلما اخبروه عمل بقولهم، ولأنَّ انفراد الواحد من بين المأمومين بالتنبيه على السهو، مع اشتراكهم جميعاً في الصلاة يوجب ريبة، فلذلك احتاج إلى قول آخر يعضده» اهـ.
قلت: الذي يظهر لي أنَّ ما ذهب إليه الإمام مالك وأحمد هو الصواب. والله أعلم.
стр. 2016
٨ - وقوله: «أَكَمَا يَقُولُ ذُو الْيَدَيْنِ؟». فيه جواز أن يذكر الرجل بلقبه ولا سيما إذا كان ليس من الألقاب المكروهة لديه.
٩ - وفيه أنَّ لسجود السهو أربع تكبيرات.
١٠ - وفيه بيان أنَّه ليس لسجدتي السهو تشهد وذلك لعدم ذكره في هذا الحديث.
قَالَ شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كما في [مجموع الفتاوى] (٢٣/ ٤٥ - ٤٦):
«ولكن تنازعوا في التشهد والتسليم على ثلاثة أقوال: فروي عَنْ أَنَسٍ والحسن وعطاء: أنَّه ليس فيهما تشهد ولا تسليم ومن قَالَ هذا قَالَه تشبيهاً بسجود التلاوة؛ لأنَّه سجود مفرد فلم يكن فيه تشهد ولا تسليم كسجود التلاوة فإنَّه لم ينقل أحد فيه عَنِ النَّبِيِّ ﷺ تسليماً وكذلك قَالَ أحمد وغيره. وقَالَ أحمد: أمَّا التسليم فلا أدري ما هو. وجمهور السلف على أنَّه لا تسليم فيه ومن أثبت التسليم فيه أثبته قياساً وهو قياس ضعيف؛ لأنَّه جعله صلاة وأضعف منه من أثبت فيه التشهد قياساً.
والقول الثاني: أنَّ فيهما تشهداً يتشهد ويسلم إذا سجدهما بعد السلام وهذا مروي عن ابن عباس والنخعي والحكم وحماد والثوري والأوزاعي والشافعي وأحمد وأصحاب الرأي.
والثالث: فيهما تسليم بغير تشهد وهو قول ابن سيرين قَالَ ابن المنذر: التسليم فيهما ثابت من غير وجه وفي ثبوت التشهد نظر وعن عطاء إن شاء تشهد وسلم وإن شاء لم يفعل. قَالَ أبو محمد: ويحتمل أن لا يجب التشهد؛ لأنَّ ظاهر الحديثين
стр. 2017
الأولين أنَّه سلم من غير تشهد وهي أصح من هذه الرواية ولأنَّه سجود مفرد فلم يجب له تشهد كسجود التلاوة.
قلت: أمَّا التسليم فيهما فهو ثابت في الأحاديث الصحيحة حديث ابن مسعود وحديث عمران» اهـ.
إلى أن قَالَ ﵀ (٢٣/ ٤٨ - ٥١):
«وأمَّا التشهد في سجدتي السهو: فاعتمد من أثبته على ما روي من حديث عمران بن حصين: "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صلى بهم فسها فسجد سجدتين ثم تشهد ثم سلم" رواه أبو داود والترمذي وقَالَ حديث حسن غريب.
قلت: كونه غريباً يقتضي أنَّه لا متابع لمن رواه بل قد انفرد به. وهذا يوهي هذا الحديث في مثل هذا فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قد ثبت عنه أنَّه سجد بعد السلام غير مرة كما في حديث ابن مسعود لما صلى خمساً وفي حديث أبي هريرة حديث ذي اليدين وعمران بن حصين لما سلم سواء كانت قضيتين أو قضية واحدة وثبت عنه أنه قَالَ: "إذا شك أحدكم في صلاته فليتحر الصواب فليتم عليه ثم يسلم ثم يسجد سجدتين" وقَالَ في حديث أبي هريرة الصحيح: "فإذا وجد أحدكم ذلك فليسجد سجدتين" وليس في شيء من أقواله أمر بالتشهد بعد السجود ولا في الأحاديث الصحيحة المتلقاة بالقبول: أنَّه يتشهد بعد السجود بل هذا التشهد بعد السجدتين عمل طويل بقدر السجدتين أو أطول. ومثل هذا مما
стр. 2018
يحفظ ويضبط وتتوفر الهمم والدواعي على نقله فلو كان قد تشهد لذكر ذلك من ذكر أنَّه سجد وكان الداعي إلى ذكر ذلك أقوى من الداعي إلى ذكر السلام. وذكر التكبير عند الخفض والرفع. فإنَّ هذه أقوال خفيفة والتشهد عمل طويل فكيف ينقلون هذا ولا ينقلون هذا. وهذا التشهد عند من يقول به كالتشهد الأخير فإنَّه يتعقبه السلام فتسن معه الصلاة على النبي ﷺ والدعاء كما إذا صلى ركعتي الفجر أو ركعة الوتر وتشهد ثم الذي في الصحيح من حديث عمران ليس فيه ذكر التشهد فانفراد واحد بمثل هذه الزيادة التي تتوفر الهمم والدواعي على نقلها يضعف أمرها ثم هذا المنفرد بها يجب أن ينظر لو انفرد بحديث هل يثبت أنَّه شريعة للمسلمين؟.
وأيضاً: فالتشهد إنَّما شرع في صلاة تامة ذات ركوع وسجود لم يشرع في صلاة الجنازة مع أنَّه يقرأ فيها بأم القرآن وسجدتا السهو لا قراءة فيهما فإذا لم يشرع في صلاة فيها قراءة وليست بركوع وسجود فكذلك في صلاة ليس فيها قيام ولا قراءة ولا ركوع. وقد يقَالَ: إنَّه أولى وأنفع فليس هو مشروعاً عقب سجدتي الصلب بل إنَّما يتشهد بعد ركعتين لا بعد كل سجدتين فإذا لم يتشهد عقب سجدتي الصلب وقد حصل بهما ركعة تامة فأن لا يتشهد عقب سجدتي السهو أولى. وذلك أن عامة سجدتي السهو أن يقوما مقام ركعة. كما قَالَ ﷺ : "فإن كان قد صلى خمساً شفعتا له صلاته وإن كان صلى لتمام كانتا ترغيماً للشيطان" فجعلهما كركعة لا كركعتين. وهي ركعة متصلة بغيرها ليست كركعة
стр. 2019
الوتر المستقلة بنفسها. ولهذا وجبت فيها الموالاة أن يسجدهما عقب السلام لا يتعمد تأخيرهما فهو كما لو سجدهما قبل السلام وقبل السلام لا يعيد التشهد بعدهما فكذلك لا يعيد بعد السلام. ولأنَّ المقصود أن يختم صلاته بالسجود لا بالتشهد بدليل أنَّ السجود قبل السلام لم يشرع قبل التشهد بل إنَّما شرع بعد التشهد فعلم أنَّه جعل خاتماً للصلاة ليس بعده إلَّا الخروج منها ولأنَّ إعادة التشهد والدعاء يقتضي تكرير ذلك مع قرب الفصل بينهما فلم يكن ذلك مشروعاً كإعادته إذا سجد قبل السلام؛ ولأنَّه لو كان بعدهما تشهد لم يكن المشروع سجدتين. والنبي ﷺ إنَّما أمر بسجدتين فقط لا بزيادة على ذلك وسماهما المرغمتين للشيطان فزيادة التشهد بعد السجود كزيادة القراءة قبل السجود وزيادة تكبيرة الإحرام. ومعلوم أنَّه لا افتتاح لهما بل يكبر للخفض لا يكبر وهو قاعد فعلم أنَّهما داخلتان في تحريم الصلاة فيكونان جزءاً من الصلاة كما لو سجدهما قبل السلام فلا يختصان بتشهد ولكن يسلم منهما؛ لأنَّ السلام الأول سقط فلم يكن سلاماً منهما فإنَّ السلام إنَّما يكون عند الخروج. وقد نفى بعض الصحابة والتابعين السلام منهما كما أنَّه لا تحريم لهما؛ لكن الصواب الفرق كما وردت به السنة الصحيحة والله أعلم» اهـ.
قلت: حديث عمران رواه أبو داود (١٠٣٩)، والترمذي (٣٩٥) مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ فَارِسٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنِي أَشْعَثُ، عَنْ مُحَمَّدِ
стр. 2020
بْنِ سِيرِينَ، عَنْ خَالِدٍ يَعْنِي الْحَذَّاءَ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ أَبِي الْمُهَلَّبِ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى بِهِمْ فَسَهَا، فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ تَشَهَّدَ، ثُمَّ سَلَّمَ».
قَالَ الحافظ البيهقي ﵀ في [الكبرى] (٢/ ٣٥٥):
«تفرد به أشعث الحمراني وقد رواه شعبة ووهيب وابن علية والثقفي وهشيم وحماد بن زيد ويزيد بن زريع وغيرهم عن خالد الحذاء لم يذكر أحد منهم ما ذكر أشعث عن محمد عنه ورواه أيوب عن محمد قَالَ أخبرت عن عمران فذكر السلام دون التشهد وفي رواية هشيم ذكر التشهد قبل السجدتين وذلك يدل على خطأ أشعث فيما رواه» اهـ.
وقَالَ الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٦/ ٤٨٠ - ٤٨٣):
«وضعفه آخرون، وقَالَوا: ذكر التشهد فيه غير محفوظ، منهم: محمد بن يحيى الذهلي والبيهقي، ونسبا الوهم إلى أشعث. وأشعث، هو: ابن عبد الملك الحمراني، ثقة.
وعندي؛ أنَّ نسبة الوهم إلى الأنصاري فيه أقرب، وليس هو بذاك المتقن جداً في حفظه، وقد غمزه ابن معين وغيره.
ويدل على أنَّ يحيى القطان رواه عن أشعث، عن ابن سيرين، عن خالد، عن أبي قلابة، عن أبي المهلب، عن عمران في السلام خاصة، كما رواه عنه الإمام أحمد -: ذكره ابنه عبد الله، عنه في "مسائله".
стр. 2021
فهذه رواية يحيى القطان - مع جلالته وحفظه وإتقانه -، عن أشعث، إنَّما فيها ذكر السلام فقط.
وخرجه النسائي، عن محمد بن يحيى بن عبد الله، عن الأنصاري، عن أشعث، ولم يذكر التشهد.
فإمَّا أن يكون الأنصاري اختلف عليه في ذكره، وهو دليل على أنَّه لم يضبطه، وإمَّا أن يكون النسائي ترك ذكر التشهد من عمد؛ لأنَّه استنكره.
وقد روى معتمر بن سليمان، وهشيم، عن خالد الحذاء حديث عمران ابن حصين، وذكرا فيه: "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صلى ركعة، ثم تشهد وسلم، ثم سجد سجدتي السهو، ثم سلم".
فهذا هو الصحيح في حديث عمران، ذكر التشهد في الركعة المقضية، لا في سجدتي السهو. وأشار إلى ذلك البيهقي.
وقد روي عَنِ النَّبِيِّ ﷺ التشهد في سجود السهو، من حديث ابن مسعود، وله طرق:
أجودها: رواية خصيف عن أبي عبيدة، عنه، مع الاختلاف في رفع الحديث، ووقفه أشبه، أو مع الاختلاف في ذكر السجود قبل السلام وبعده. وروي من وجوه أخر، لا يثبت منها شيء. وروي - أيضاً - من حديث عائشة - مرفوعاً. خرجه الطبراني. وإسناده ساقط.
стр. 2022
وقَالَ الجوزجاني: لا نعلم في شيء من فعل الرسول ﷺ في سجدتي السهو قبل السلام وبعده، أنه يتشهد بعدهما.
وقَالَ - أيضاً -: ليس في التشهد في سجود السهو سنة قائمة تتبع.
وقَالَ ابن المنذر: السلام في سجود السهو ثابت عَنِ النَّبِيِّ ﷺ من غير وجه، وثبت عنه أنه كبر فيهما أربع تكبيرات.
وفي ثبوت التشهد عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فيهما نظر.
وخرج أبو داود في "سننه" من حديث سلمة بن علقمة، عن محمد، عن أبي هريرة، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بحديث السهو، وفي آخره: قلت لمحمد: يعني التشهد؟ قَالَ: لم أسمع في التشهد، وأحب إلي أن يتشهد.
وهذه الرواية: تدل على أن رواية أشعث عنه في التشهد لا أصل لها؛ لأن ابن سيرين أنكر أن يكون سمع في التشهد شيئاً» اهـ.
قلت: وأمَّا مذهب الإمام مالك في التشهد لسجدتي السهو فقد ذكره أبو عبد الله المواق ﵀ في [التاج والإكليل] (٢/ ٢٩١):
«مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: إذَا كَانَتْ بَعْدَ السَّلَامِ تَشَهَّدَ لَهُمَا.
وَاخْتُلِفَ فِي قَوْلِهِ فِي التَّشَهُّدِ لَهُمَا قَبْلَ السَّلَامِ» اهـ.
وقال العلامة الرعيني ﵀ في [مواهب الجليل] (٢/ ١٧)
«وَالْقَوْلُ بِعَدَمِ إعَادَةِ التَّشَهُّدِ لِمَالِكٍ أَيْضًا وَاخْتَارَهُ عَبْدُ الْمَلِكِ وَوَجْهُهُ أَنَّ سُنَّةَ السُّجُودِ الْوَاحِدِ أَنْ لَا يُكَرَّرَ فِيهِ التَّشَهُّدُ» اهـ.
стр. 2023
وأمَّا مذهب الإمام الشافعي ﵀ فبيَّنه العلامة الماوردي ﵀ في [الحاوي] (٢/ ٢٣١) فقال:
«لَا خِلَافَ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُ إِنْ سَجَدَ لِلسَّهْوِ قَبْلَ السَّلَامِ أَجْزَأَهُ التَّشَهُّدُ الْأَوَّلُ، فَأَمَّا إِنْ سَجَدَ لَهُ بَعْدَ السَّلَامِ فَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ﵀ وَجَمَاعَةِ الْفُقَهَاءِ أَنَّهُ يَتَشَهَّدُ بَعْدَ سُجُودِهِ وَيُسَلِّمُ سَوَاءٌ كَانَ مِمَّنْ يَرَى سُجُودَ السَّهْوِ بَعْدَ السَّلَامِ، أَوْ كَانَ يَرَاهُ قَبْلَ السَّلَامِ فَأَخَّرَهُ سَاهِيًا» اهـ.
وأمَّا مذهب الإمام أحمد فبيَّنه العلامة ابن المنذر ﵀ في [الأوسط] (٣/ ٣١٦) فقال:
«وَفِيهِ قَوْلٌ سَادِسٌ قَالَهُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، قَالَ: إِنْ سَجَدَ قَبْلَ السَّلَامِ لَمْ يَتَشَهَّدْ، وَإِنْ سَجَدَ بَعْدَ السَّلَامِ تَشَهَّدَ» اهـ.
وقال العلامة ابن قدامة ﵀ في [المغني] (٢/ ٢٧):
«الْفَصْلُ الثَّالِثُ: أَنَّهُ مَتَى سَجَدَ لِلسَّهْوِ، فَإِنَّهُ يُكَبِّرُ لِلسُّجُودِ وَالرَّفْعِ مِنْهُ، سَوَاءٌ كَانَ قَبْلَ السَّلَامِ أَوْ بَعْدَهُ.
فَإِنْ كَانَ قَبْلَ السَّلَامِ سَلَّمَ عَقِبَهُ. وَإِنْ كَانَ بَعْدَهُ تَشَهَّدَ، وَسَلَّمَ، سَوَاءٌ كَانَ مَحِلُّهُ بَعْدَ السَّلَامِ، أَوْ كَانَ قَبْلَ السَّلَامِ فَنَسِيَهُ إلَى مَا بَعْدَهُ. وَبِهَذَا قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وَالنَّخَعِيُّ، وَقَتَادَةُ، وَالْحَكَمُ وَحَمَّادٌ، وَالثَّوْرِيُّ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ فِي التَّشَهُّدِ وَالسَّلَامِ» اهـ.
стр. 2024
١١ - وفيه أنَّ العمل الكثير في الصلاة سهواً لا يفسدها.
١٢ - واحتج به من قَالَ إنَّ كلام المأمومين للإمام في أمر يتعلق بمصلحة الصلاة لا يبطل الصلاة وهو مذهب الإمام مالك ﵀ في المشهور عنه، وبه قَالَ ربيعة، وأحمد في رواية، وخالف في ذلك الجمهور.
قلت: وقد جاء في رواية أبي داود ما يدل على أنَّهم لم يتكلموا فروى (١٠٠٨) ولفظه:
«فقَالَ: "أَصَدَقَ ذُو الْيَدَيْنِ"، فَأَوْمَئُوا: أَيْ نَعَمْ». وإسنادها صحيح.
قلت: لكن قَالَ أبو داود بعد هذا بحديث: «ولم يذكر: فأومئوا إلَّا حماد بن زيد» اهـ.
قلت: وقد خالفه في ذلك الإمام مالك وحديثه في الصحيحين، وسفيان بن عيينة وحديثه في مسلم. في روايتهم عن أيوب. وقد جاء الحديث من غير طريق أيوب بخلاف ما ذكره حماد فهذا مما يدل على وهم حماد فيه والله أعلم.
وقد جاء في رواية عند مسلم (٥٧٣): «قَالُوا: صَدَقَ، لَمْ تُصَلِّ إِلَّا رَكْعَتَيْنِ».
وفي لفظ عنده أيضاً: «فَقَالُوا: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللهِ».
قلت: وهذه ألفاظ صريحة في تلفظهم بذلك.
وهي تدل أيضاً لمذهب الإمام مالك ﵀ فإنّهم تلفظوا بذلك بعد علمهم أنَّ الصلاة لم تقصر.
لكن قَالَ الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٦/ ٤٦٨):
стр. 2025
«وأمَّا المجيبون له، فقد صرح بأنَّ إجابتهم للنبي ﷺ كانت واجبة، فلا تبطل صلاتهم بذلك، وكلام ذي اليدين له بقوله: " قصرت الصلاة، أم نسيت؟ " كان في وقت يجوز فيه قصر الصلاة، فكان - أيضاً - يظن أنَّ صلاتهم تمت، وهذا لا يوجد بعدهم.
وأمَّا قول ذي اليدين بعد ذلك: "بل نسيت يا رسول الله" وفي رواية: "قد كان بعض ذلك"، فقد تكلم وهو عالم أنَّ صلاتهم لم تتم، لكنه لم يعلم أنَّهم في الصلاة، وأنَّ البناء يجوز لهم على ما مضى، بل قد يكون ظنَّ أنَّ ما مضى من الصلاة بطل ولغي، وأنَّهم الآن ليسوا في صلاة، وربما كان تكلم غير ذي اليدين من الصحابة لذلك؛ فإنَّ جواز البناء إنَّما علم من فعل النبي ﷺ يومئذ، لا قبله.
لكن هذا يقع للناس كثيراً، فهل حكم هذا حكم من تكلم يظن أنَّه ليس في صلاة، فهو كالساهي، أم لا؟
الظاهر: أنَّ هذا ملحق بالجاهل بأنَّه في صلاة، يعذر في كلامه» اهـ.
إلى أن قَالَ ﵀ (٦/ ٤٦٩):
«فأحمد جعل هذا الحكم خاصاً بالنبي ﷺ وأصحابه - في رواية عنه.
стр. 2026
وجعله - في رواية أخرى عنه - عاماً للأمة في حق كل من تكلم وهو يظن أن صلاته قد تمت، خاصة كما يقوله الشافعي.
وفرق - في رواية أخرى عنه - بين الإمام والمأموم؛ لأنَّ الإمام لا يسأل عن تمام صلاته إلَّا وهو شاك، والمأموم إنَّما يجيب وهو عالم بأن صلاته لم تتم، بخلاف حال الصحابة مع النبي ﷺ ، فإنَّ بعضهم تكلم وهو يظن أن الصلاة قد تمت؛ لاحتمال قصرها عنده، وبعضهم تكلم مجيباً للنبي ﷺ وكلا الأمرين لا يوجد في حق من بعدهم.
ولكن يوجد في حق من بعدهم من يظن أنَّ صلاتهم قد تمت كالإمام، ومن يظن أنَّ صلاته تبطل بالسلام نسياناً، فيتكلم حينئذ، جاهلاً بأنَّه في صلاة» اهـ.
إلى أن قَالَ ﵀ (٦/ ٤٧٠ - ٤٧١):
«وقول إسحاق بن راهويه في هذا كقول أحمد، بالتفريق بين الإمام والمأمومين. قَالَ: إنما تكلم النبي ﷺ ؛ لأنَّه ظن تمام صلاته، وذو اليدين ظن أنَّ الصلاة قصرت وتمت، والصحابة أجابوا النبي ﷺ ؛ لأنَّ إجابته بالكلام عليهم واجبة، لم يجدوا من ذلك بداً.
قَالَ: وإن تكلم الإمام اليوم، وهو شاك في تمام صلاته، واستثبت من معه، جاز له ذلك، ولو كانوا قد نبهوه بالتسبيح، ولا يجوز لهم أن يتكلموا إذا علموا أنَّ صلاتهم لم تتم، وتبطل به صلاتهم.
روى كل ذلك حرب وابن منصور، عن إسحاق.
стр. 2027
ونقل ابن قرة الزبيدي، عن مالك، أنَّ من تكلم في صلاته بعد النبي ﷺ أعاد صلاته؛ لأنَّ الصحابة تكلموا وهم يظنون أنَّ الصلاة قد قصرت، فلا يجوز ذلك اليوم.
وإلى هذه الرواية ذهب ابن كنانة من أصحابه.
وذكر الحارث بن مسكين وابن وضاح أن سائر أصحاب مالك خالفوا ابن القاسم فيما رواه عن مالك.
وقَالَت طائفة: حديث ذي اليدين يتخرج على أنَّ الكلام لمصلحة الصلاة لا يبطلها، عمداً ولا سهواً، وهو قول الأوزاعي وأيوب وحماد بن زيد وربيعة. ومالك - في المشهور عنه -: نقله ابن القاسم، عنه.
وهو رواية عن أحمد. وروي عنه، اختصاصه بالإمام. ومذهب مالك: اختصاصه بالإمام والمأموم، دون المنفرد. وروي هذا المعنى عن ابن الزبير وغيره من المتقدمين.
ويستدل له بأنَّ في حديث معاوية بن حديج - الذي يأتي ذكره -: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أمر بلالاً أن يقيم الصلاة.
وكذا رواه عبيد بن عمير - مرسلاً.
وهذا يدل على أن إقامة الصلاة والأمر بها لا يبطل البناء على ما مضى من الصلاة.
стр. 2028
وادعى قوم: أنَّ هذا كان من خصائص النبي ﷺ وأصحابه، وهذا رواية عن مالك وأحمد، قد سبق ذكرها» اهـ.
قلت: الذي يظهر لي هو عدم جواز الكلام عمداً في الصلاة ولو كان لمصلحة الصلاة بل ذلك مفسد لها وأمَّا ما حصل من الصحابة ﵃ من الكلام فهم فيه معذورون فمنهم من تكلم وهو يظن أنَّ الصلاة تمت وأمَّا من تكلم منهم وهو يعلم أنَّ الصلاة لم تتم فعذرهم في ذلك إجابة النبي ﷺ وإجابته واجبة ولأنَّهم لا يدرون أيضاً هل ما زال حكم الصلاة باقٍ أم لا فلا يخلو كلامهم من عذر والله أعلم.
١٣ - فيه أنَّ اليقين لا يزال بالاحتمال والشك لأنَّ ذا اليدين كان على يقين من أنَّ الصلاة رباعية فلما صلاها رسول الله ﷺ ركعتين لم يكتف ذو اليدين بالشك هل قصرت أم لا واحتمال ذلك بل سأله عن ذلك ليتحقق الحال ويؤدي ما عليه بيقين.
١٤ - واحتج بقوله: «أَكَمَا يَقُولُ ذُو الْيَدَيْنِ؟». من قَالَ باشتراط العدد في الرواية وهو قول ينسب لبعض المعتزلة.
قلت: وليس في ذلك بحجة وذلك أنَّ الذي استدعى النبي ﷺ للاستثبات من خبره والله أعلم هو أنَّه كان جازماً بصواب نفسه، ولأنه قد شاركه في الصلاة مع النبي ﷺ جمع كبير من الصحابة فانفراده بهذا الكلام دون غيره ممن شهد الصلاة مدعاة للريب. والله أعلم.
стр. 2029
قَالَ الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٦/ ٤٧٤):
«ومنها: أنه قد استدل به بعض من لا يقبل خبر الواحد المنفرد به، حتى يتابع عليه. ورد ذلك الإمام أحمد، وفرق بينهما بأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ إنَّما سلم من صلاته؛ لأنَّه كان يعتقد اعتقاداً جازماً أنَّه أتم صلاته، فلذلك توقف في قول ذي اليدين وحده، دون بقية الجماعة الذين شهدوا الصلاة.
وأمَّا خبر الواحد الثقة الذي ليس له معارض أقوى منه، فإنَّه يجب قبوله؛ لأدلة دلت على ذلك، وقد يتوقف فيه أحياناً؛ لمعارضته بما يقتضي التوقف فيه، كما توقف النبي ﷺ في قول ذي اليدين حتى توبع عليه» اهـ.
قلت: ثم وقفت على كلام لابن عبد البر قريباً من هذا سوف أذكره في الفقرة الآتية.
١٥ - قَالَ الحافظ ابن عبد البر ﵀ في [التمهيد] (١/ ٣٤٢):
«وفيه أنَّ الواحد إذا ادعى شيئاً كان في مجلس جماعة لا يمكن في مثل ما ادعاه أن ينفرد بعلمه دون أهل المجلس لم يقطع بقوله حتى تستخبر الجماعة فإن خالفوه سقط قوله أو نظر فيه بما يجب وإن تابعوه ثبت» اهـ.
١٦ - وقَالَ الحافظ ابن عبد البر ﵀ في [التمهيد] (١/ ٣٤٢):
«وفيه دليل على أنَّ المحدث إذا خالفته جماعة في نقله أنَّ القول قول الجماعة وإن القلب إلى روايتهم أشد سكوناً من رواية الواحد» اهـ.
стр. 2030
١٧ - قَالَ في [طرح التثريب] (٣/ ٢٢٨):
«استدل به بعض الحنفية والمالكية على أنَّه لا يقبل في رؤية الهلال في غير الغيم إلَّا الجم الغفير لكونه لم يقبل ذلك من ذي اليدين وحده إذ حضر ذلك جماعة حتى يوافقه غيره ولا يلزم من الحديث ذلك لأنَّه إنَّما سأل غيره لكونه أخبره عمَّا يخالف ظنه واعتقاده كما تقدم وأمَّا رؤية الهلال فليس عند الحاضرين ما يخالف ذلك مع خلق الله تعالى الأبصار متفاوتة فيرى الواحد ما لا يراه الجم الغفير وهذا أمر مشاهد فلا وجه لرد قوله مع كونه ثقة إلَّا حيث انفرد واشترطنا العدد والله أعلم» اهـ.
١٨ - قَالَ في [طرح التثريب] (٣/ ٢٣٤ - ٢٣٥):
«استدل به على أنَّ إجابة النبي ﷺ إذا دعاه أو سأله وهو في الصلاة أنَّها لا تفسد الصلاة وبيان ذلك أنَّ كلام ذي اليدين في أول الأمر كان مع احتمال أن تكون الصلاة قد قصرت فلم يكن على يقين من بقائه في الصلاة وكلام النبي ﷺ في الجواب له كان وهو يظن أنَّ الصلاة انقضت.
وكلام بقية الصحابة وكذا كلام ذي اليدين في قوله: "بلى قد نسيت أو قد كان بعض ذلك" على ما كان بعد تحقق أن الصلاة لم تقصر بإخباره ﷺ ولكنه كان جواباً له ﷺ حين سألهم وجوابه لا يبطل الصلاة لأنَّ إجابته واجبة بدليل ما رواه البخاري من حديث أبي سعيد بن المعلى قَالَ: "كنت أصلي فمر بي رسول الله ﷺ فدعاني فلم آته حتى
стр. 2031
صليت ثم أتيته فقَالَ ما منعك أن تأتيني؟ أولم يقل الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ ". وروى الترمذي وصححه والنسائي من حديث أبي هريرة أنَّه دعا أبي بن كعب بمثل هذه القصة وقَالَ: "إني لا أعود إن شاء الله" وما ذكرناه من وجوب الإجابة وعدم البطلان هو مذهب الشافعي وبه جزم الرافعي والنووي.
وحكى ابن الرفعة وجهاً أنَّه لا تجب وتبطل به الصلاة. قَالَ ابن دقيق العيد: واعترض عليه بعض المالكية بأن قَالَ: إنَّ الإجابة لا تتعين بالقول فيها فيكفي فيها الإيماء وعلى تقدير أن يجب القول لا يلزم منه الحكم بصحة الصلاة لجواز أن تجب الإجابة ويلزمهم الاستئناف انتهى.
قلت: في هذا الحديث أنَّهم أجابوه باللفظ بعد العلم أنَّهم في الصلاة وأكمل بهم الصلاة ولم يأمرهم بالاستئناف فترجح ما يقوله الشافعية والله أعلم» اهـ.
قلت: قد يقال: غاية ما تدل عليه الآية وجوب إجابته ﵊ والإجابة قد تكون مع قطع الصلاة، فالأمر محتمل.
١٩ - فيه مشروعية سجدتي السهو وهو كذلك عند عامة العلماء إلَّا أنَّ الزهري قَالَ إذا عرف الرجل ما نسي من صلاته فأتمها فليس عليه سجدتا السهو.
وقد تنازع العلماء في وجوب سجود السهو واستحبابه فذهب أكثر العلماء إلى وجوبه وخالف في ذلك الإمام الشافعي ﵀ فذهب إلى الاستحباب.
стр. 2032
والصحيح الوجوب لأمر النبي ﷺ به.
فقد روى البخاري (١٢٣١)، ومسلم (٣٧٩) عن أبي هريرة، ﵁، قَالَ: قَالَ رسول الله ﷺ : «إِذَا نُودِيَ بِالْأَذَانِ أَدْبَرَ الشَّيْطَانُ لَهُ ضُرَاطٌ حَتَّى لَا يَسْمَعَ الْأَذَانَ فَإِذَا قُضِيَ الْأَذَانُ أَقْبَلَ فَإِذَا ثُوِّبَ بِهَا أَدْبَرَ فَإِذَا قُضِيَ التَّثْوِيبُ أَقْبَلَ يَخْطُرُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَنَفْسِهِ يَقُولُ اذْكُرْ كَذَا اذْكُرْ كَذَا لِمَا لَمْ يَكُنْ يَذْكُرُ حَتَّى يَظَلَّ الرَّجُلُ إِنْ يَدْرِي كَمْ صَلَّى فَإِذَا لَمْ يَدْرِ أَحَدُكُمْ كَمْ صَلَّى فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ وَهُوَ جَالِسٌ».
وروى مسلم (٥٧٢) عن ابن مسعود ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَنْسَى كَمَا تَنْسَوْنَ فَإِذَا نَسِيَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ وَهُوَ جَالِسٌ ثُمَّ تَحَوَّلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ».
قَالَ شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كما في [مجموع الفتاوى] (٢٣/ ٢٨ - ٢٩): «وهذه دلائل بينة واضحة على وجوبهما وهو قول جمهور العلماء وهو مذهب مالك وأحمد وأبي حنيفة وليس مع من لم يوجبهما حجة تقارب ذلك. والشافعي إنَّما لم يوجبهما لأنَّه ليس عنده في الصلاة واجب تصح الصلاة مع تركه لا عمداً ولا سهواً، وجمهور العلماء الثلاثة وغيرهم يجعلون من واجبات الصلاة ما لا يبطل تركه الصلاة لكن مالك وأحمد وغيرهما يقولون تبطل الصلاة بعمده وعليه الإعادة ويجب بتركه سهواً سجود السهو.
стр. 2033
وأبو حنيفة يقول: إذا تركه عمداً كان مسيئاً وكانت صلاته ناقصة ولا إعادة عليه وأمَّا ما يزيده عمداً فكلهم يقول: إنَّ فيه ما تبطل الصلاة مع عمده دون سهوه؛ لكن هو في حال العمد مبطل فلا سجود وفي حال السهو يقولون: قد عفي عنه فلا يجب السجود» اهـ.
وقَالَ الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٦/ ٥١٥ - ٥١٦):
«واختلف العلماء في وجوب سجود السهو: فذهب إلى وجوبه كثير من العلماء، منهم: الحكم وابن شبرمة وأبو حنيفة - فيما حكاه الكرخي، عنه - والثوري وأحمد وإسحاق.
لكن أحمد إنَّما يوجبه إذا كان لما يبطل عمدة الصلاة خاصة، فأمَّا ما لا يبطل الصلاة عمده، كترك السنن وزيادة ذكر في غير محله، سوى السلام، فليس بواجب عنده؛ لأنَّ السجود من أجله ليس بواجب فعله أو تركه، فجبرانه أولى، فأمَّا ما يجب فعله أو تركه، فيجب جبرانه بالسجود كجبرانات الحج. وحكي عن مالك وأبي ثور إن كان من نقصان وجب؛ لأنَّ محله قبل السلام، فيكون من جملة أجزاء الصلاة، بخلاف ما محله بعد السلام؛ لأنَّ محله بعد التحلل من الصلاة.
وقَالَ الشافعي: هو سنة بكل حال. وحكي رواية عن أحمد، وتأولها بعض أصحابه» اهـ.
стр. 2034
قلت: وقد تنازع العلماء في تركه سهواً أو عمداً فالذي يظهر لي أنَّ تركه عمداً مبطل للصلاة ويستوي في ذلك ما كان قبل السلام أو بعده، وأمَّا ما تركه سهواً فلا بد أن يأتي به إذا ذكره منفرداً أو مضموماً إلى ما فاته من أركان الصلاة.
٢٠ - فيه أنَّ سجود السهو سجدتان من غير زيادة عليهما ولا نقصان.
٢١ - وفيه التسليم من سجود السهو إذا كان بعد السلام.
قلت: وقد سبق نقل خلاف العلماء في ذلك في الفقرة العاشرة عند الكلام على التشهد في سجود السهو.
قَالَ الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٦/ ٤٧٩ - ٤٨٠):
«وهكذا خرجه البخاري في " باب: تشبيك الأصابع في المسجد" مِنْ طَرِيقِ ابن عون، عن ابن سيرين، بسياق تام، وفي آخره: "فربما سألوه: ثم سلم؟ فيقول: نبئت عن عمران بن حصين، قَالَ: " ثم سلم".
وهذا يدل على أنَّ ذكر السلام ليس - أيضاً - في حديث أبي هريرة، إنَّما هو في حديث عمران بن حصين.
وإنَّما رواه ابن سيرين، عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن أبي المهلب، عن عمران -: قَالَه الإمام أحمد.
ورواه كذلك عن يحيى القطان، عن أشعث، عن ابن سيرين.
стр. 2035
وخرج الطبراني، من رواية معاوية بن عبد الكريم الضال، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة حديث السهو بطوله، وفيه: فقام فصلى الركعتين، ثم سجد سجدتين، وهو جالس، ثم سلم.
هذه الزيادة غير محفوظة في حديث أبي هريرة، إنَّما ذكرها ابن سيرين بعد حديث أبي هريرة بلاغاً عن عمران بن حصين.
وخرجه مسلم مِنْ طَرِيقِ الثقفي وابن علية، عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن أبي المهلب، عن عمران بن حصين، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ » اهـ.
٢٢ - وقوله: «وَخَرَجَتِ السَّرَعَانُ مِنْ أَبْوَابِ الْمَسْجِدِ فَقَالُوا: قَصُرَتِ الصَّلاةُ». فيه دليل على جواز البناء في الصلاة مع طول الفصل فإنَّ هؤلاء السرعان لن يبلغهم خبر إتمام النبي ﷺ لصلاته في الغالب إلَّا بعد طول الفصل، ولم ينقل عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّه أمرهم بإعادة الصلاة ولو أمرهم بذلك لنقل إلينا فإنَّه مما يستدعي الهمم لنقله وإذ لم ينقل ذلك فالأصل أنَّه لم يأمرهم به، فلم يبق إلَّا أن يكونوا اكتفوا بما صلوا من الركعتين، أو فعلوا مثل ما فعل النبي ﷺ والأول باطل قطعاً فتعين الآخر.
ويدل على ذلك أيضاً ما رواه البخاري (٥٩٧)، ومسلم (١٥٦٤) عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ نَسِيَ صَلَاةً فَلْيُصَلِّ إِذَا ذَكَرَهَا لَا كَفَّارَةَ لَهَا إِلَّا
следующие страницы →