← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 30178

تحفة السائل في بيان ما في عمدة الأحكام من المسائل

أبو بكر الحمادي

Полный текст (8 095 стр.). Показаны 2031–2070 · переход к 2036.

стр. 2031

صليت ثم أتيته فقَالَ ما منعك أن تأتيني؟ أولم يقل الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ ". وروى الترمذي وصححه والنسائي من حديث أبي هريرة أنَّه دعا أبي بن كعب بمثل هذه القصة وقَالَ: "إني لا أعود إن شاء الله" وما ذكرناه من وجوب الإجابة وعدم البطلان هو مذهب الشافعي وبه جزم الرافعي والنووي. وحكى ابن الرفعة وجهاً أنَّه لا تجب وتبطل به الصلاة. قَالَ ابن دقيق العيد: واعترض عليه بعض المالكية بأن قَالَ: إنَّ الإجابة لا تتعين بالقول فيها فيكفي فيها الإيماء وعلى تقدير أن يجب القول لا يلزم منه الحكم بصحة الصلاة لجواز أن تجب الإجابة ويلزمهم الاستئناف انتهى. قلت: في هذا الحديث أنَّهم أجابوه باللفظ بعد العلم أنَّهم في الصلاة وأكمل بهم الصلاة ولم يأمرهم بالاستئناف فترجح ما يقوله الشافعية والله أعلم» اهـ. قلت: قد يقال: غاية ما تدل عليه الآية وجوب إجابته ﵊ والإجابة قد تكون مع قطع الصلاة، فالأمر محتمل. ١٩ - فيه مشروعية سجدتي السهو وهو كذلك عند عامة العلماء إلَّا أنَّ الزهري قَالَ إذا عرف الرجل ما نسي من صلاته فأتمها فليس عليه سجدتا السهو. وقد تنازع العلماء في وجوب سجود السهو واستحبابه فذهب أكثر العلماء إلى وجوبه وخالف في ذلك الإمام الشافعي ﵀ فذهب إلى الاستحباب.

стр. 2032

والصحيح الوجوب لأمر النبي ﷺ به. فقد روى البخاري (١٢٣١)، ومسلم (٣٧٩) عن أبي هريرة، ﵁، قَالَ: قَالَ رسول الله ﷺ : «إِذَا نُودِيَ بِالْأَذَانِ أَدْبَرَ الشَّيْطَانُ لَهُ ضُرَاطٌ حَتَّى لَا يَسْمَعَ الْأَذَانَ فَإِذَا قُضِيَ الْأَذَانُ أَقْبَلَ فَإِذَا ثُوِّبَ بِهَا أَدْبَرَ فَإِذَا قُضِيَ التَّثْوِيبُ أَقْبَلَ يَخْطُرُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَنَفْسِهِ يَقُولُ اذْكُرْ كَذَا اذْكُرْ كَذَا لِمَا لَمْ يَكُنْ يَذْكُرُ حَتَّى يَظَلَّ الرَّجُلُ إِنْ يَدْرِي كَمْ صَلَّى فَإِذَا لَمْ يَدْرِ أَحَدُكُمْ كَمْ صَلَّى فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ وَهُوَ جَالِسٌ». وروى مسلم (٥٧٢) عن ابن مسعود ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَنْسَى كَمَا تَنْسَوْنَ فَإِذَا نَسِيَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ وَهُوَ جَالِسٌ ثُمَّ تَحَوَّلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ». قَالَ شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كما في [مجموع الفتاوى] (٢٣/ ٢٨ - ٢٩): «وهذه دلائل بينة واضحة على وجوبهما وهو قول جمهور العلماء وهو مذهب مالك وأحمد وأبي حنيفة وليس مع من لم يوجبهما حجة تقارب ذلك. والشافعي إنَّما لم يوجبهما لأنَّه ليس عنده في الصلاة واجب تصح الصلاة مع تركه لا عمداً ولا سهواً، وجمهور العلماء الثلاثة وغيرهم يجعلون من واجبات الصلاة ما لا يبطل تركه الصلاة لكن مالك وأحمد وغيرهما يقولون تبطل الصلاة بعمده وعليه الإعادة ويجب بتركه سهواً سجود السهو.

стр. 2033

وأبو حنيفة يقول: إذا تركه عمداً كان مسيئاً وكانت صلاته ناقصة ولا إعادة عليه وأمَّا ما يزيده عمداً فكلهم يقول: إنَّ فيه ما تبطل الصلاة مع عمده دون سهوه؛ لكن هو في حال العمد مبطل فلا سجود وفي حال السهو يقولون: قد عفي عنه فلا يجب السجود» اهـ. وقَالَ الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٦/ ٥١٥ - ٥١٦): «واختلف العلماء في وجوب سجود السهو: فذهب إلى وجوبه كثير من العلماء، منهم: الحكم وابن شبرمة وأبو حنيفة - فيما حكاه الكرخي، عنه - والثوري وأحمد وإسحاق. لكن أحمد إنَّما يوجبه إذا كان لما يبطل عمدة الصلاة خاصة، فأمَّا ما لا يبطل الصلاة عمده، كترك السنن وزيادة ذكر في غير محله، سوى السلام، فليس بواجب عنده؛ لأنَّ السجود من أجله ليس بواجب فعله أو تركه، فجبرانه أولى، فأمَّا ما يجب فعله أو تركه، فيجب جبرانه بالسجود كجبرانات الحج. وحكي عن مالك وأبي ثور إن كان من نقصان وجب؛ لأنَّ محله قبل السلام، فيكون من جملة أجزاء الصلاة، بخلاف ما محله بعد السلام؛ لأنَّ محله بعد التحلل من الصلاة. وقَالَ الشافعي: هو سنة بكل حال. وحكي رواية عن أحمد، وتأولها بعض أصحابه» اهـ.

стр. 2034

قلت: وقد تنازع العلماء في تركه سهواً أو عمداً فالذي يظهر لي أنَّ تركه عمداً مبطل للصلاة ويستوي في ذلك ما كان قبل السلام أو بعده، وأمَّا ما تركه سهواً فلا بد أن يأتي به إذا ذكره منفرداً أو مضموماً إلى ما فاته من أركان الصلاة. ٢٠ - فيه أنَّ سجود السهو سجدتان من غير زيادة عليهما ولا نقصان. ٢١ - وفيه التسليم من سجود السهو إذا كان بعد السلام. قلت: وقد سبق نقل خلاف العلماء في ذلك في الفقرة العاشرة عند الكلام على التشهد في سجود السهو. قَالَ الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٦/ ٤٧٩ - ٤٨٠): «وهكذا خرجه البخاري في " باب: تشبيك الأصابع في المسجد" مِنْ طَرِيقِ ابن عون، عن ابن سيرين، بسياق تام، وفي آخره: "فربما سألوه: ثم سلم؟ فيقول: نبئت عن عمران بن حصين، قَالَ: " ثم سلم". وهذا يدل على أنَّ ذكر السلام ليس - أيضاً - في حديث أبي هريرة، إنَّما هو في حديث عمران بن حصين. وإنَّما رواه ابن سيرين، عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن أبي المهلب، عن عمران -: قَالَه الإمام أحمد. ورواه كذلك عن يحيى القطان، عن أشعث، عن ابن سيرين.

стр. 2035

وخرج الطبراني، من رواية معاوية بن عبد الكريم الضال، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة حديث السهو بطوله، وفيه: فقام فصلى الركعتين، ثم سجد سجدتين، وهو جالس، ثم سلم. هذه الزيادة غير محفوظة في حديث أبي هريرة، إنَّما ذكرها ابن سيرين بعد حديث أبي هريرة بلاغاً عن عمران بن حصين. وخرجه مسلم مِنْ طَرِيقِ الثقفي وابن علية، عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن أبي المهلب، عن عمران بن حصين، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ » اهـ. ٢٢ - وقوله: «وَخَرَجَتِ السَّرَعَانُ مِنْ أَبْوَابِ الْمَسْجِدِ فَقَالُوا: قَصُرَتِ الصَّلاةُ». فيه دليل على جواز البناء في الصلاة مع طول الفصل فإنَّ هؤلاء السرعان لن يبلغهم خبر إتمام النبي ﷺ لصلاته في الغالب إلَّا بعد طول الفصل، ولم ينقل عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّه أمرهم بإعادة الصلاة ولو أمرهم بذلك لنقل إلينا فإنَّه مما يستدعي الهمم لنقله وإذ لم ينقل ذلك فالأصل أنَّه لم يأمرهم به، فلم يبق إلَّا أن يكونوا اكتفوا بما صلوا من الركعتين، أو فعلوا مثل ما فعل النبي ﷺ والأول باطل قطعاً فتعين الآخر. ويدل على ذلك أيضاً ما رواه البخاري (٥٩٧)، ومسلم (١٥٦٤) عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ نَسِيَ صَلَاةً فَلْيُصَلِّ إِذَا ذَكَرَهَا لَا كَفَّارَةَ لَهَا إِلَّا

стр. 2036

ذَلِكَ ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾». فإنَّه يشمل نسيان الصلاة بأكملها أو بعضها، ويشمل أيضاً نسيان شروط الصلاة. والله أعلم. قَالَ شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كما في [مجموع الفتاوى] (٢٣/ ٤٠ - ٤١): «والسرعان من الناس لا ريب أنَّه أمرهم بما يعملوا. فإمَّا أن يكونوا عادوا أو بعضهم إلى المسجد فأتموا معه الصلاة بعد خروجهم من المسجد وقولهم: قصرت الصلاة قصرت الصلاة. وإمَّا أن يكونوا أتموا لأنفسهم لما علموا السنة وعلى التقديرين فقد أتموا بعد العمل الكثير والخروج من المسجد. وإمَّا أن يقَالَ: إنَّهم أمروا باستئناف الصلاة: فهذا لم ينقله أحد ولو أمر به لنقل ولا ذنب لهم فيما فعلوا». إلى أن قَالَ ﵀ (٢٣/ ٤٣ - ٤٤): «وقد اختلف في السجود والبناء بعد طول الفصل. فقيل: إذا طال الفصل لم يسجد ولم يبن ولم يحد هؤلاء طول الفصل بغير قولهم وهذا قول كثير من أصحاب الشافعي وأحمد. كالقاضي أبي يعلى وغيره وهؤلاء يقولون: قد تقصر المدة وإن خرج وقد تطول وإن قعد. وقيل: يسجد ما دام في المسجد فإن خرج انقطع. وهذا هو الذي ذكره الخرقي وغيره وهو منصوص عن أحمد وهو قول الحكم وابن شبرمة وهذا حد بالمكان لا بالزمان لكنه حد بمكان العبادة.

стр. 2037

وقيل: كل منهما مانع من السجود: طول الفصل والخروج من المسجد. وعن أحمد رواية أخرى أنَّه يسجد وإن خرج من المسجد وتباعد. وهو قول للشافعي وهذا هو الأظهر فإنَّ تحديد ذلك بالمكان أو بزمان لا أصل له في الشرع لا سيما إذا كان الزمان غير مضبوط فطول الفصل وقصره ليس له حد معروف في عادات الناس ليرجع إليه ولم يدل على ذلك دليل شرعي ولم يفرق الدليل الشرعي في السجود والبناء بين طول الفصل وقصره ولا بين الخروج من المسجد والمكث فيه بل قد دخل هو ﷺ إلى منزله وخرج السرعان من الناس كما تقدم» اهـ. وقَالَ الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٦/ ٤٦٢ - ٤٦٣): «واختلفوا: هل يشترط للبناء على ما مضى من الصلاة أن يذكر مع قرب الفصل، أو لا يشترط ذلك، بل يبني ولو ذكر بعد طول الفصل؟ على قولين: أحدهما: لا يبني إلَّا مع قرب الفصل، فإن طال الفصل بطلت الصلاة واستأنفها، وهذا قول أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد وأبي خيثمة وسليمان بن داود الهاشمي. والثاني: يبني ولو طال الفصل، وهو قول مكحول والأوزاعي ويحيى الأنصاري والحسن بن حي. ونقل صالح وغيره، عن أحمد ما يدل على ذلك - أيضاً. وقَالَ الليث: يبني ما لم ينتقض وضوؤه الذي صلى به تلك الصلاة.

стр. 2038

وفي حديث عمران بن حصين ما يدل على البناء مع طول الفصل. والله أعلم» اهـ. وقَالَ في [طرح التثريب] (٣/ ٢٤٣): «اختلف في قدر الزمن الذي يجوز البناء معه فذهب بعض أصحاب الشافعي إلى أن تقديره بما ثبت في حديث ذي اليدين كما حكاه الرافعي، وقَالَ بعضهم هو قدر الصلاة فما زاد فطويل، والذي نص عليه الشافعي في "الأم" أنَّ المرجع فيه إلى العرف ونص البويطي على أنَّ الطويل ما زاد على قدر ركعة، وحكى صاحب "المفهم" أنَّه روي عن مالك وربيعة أن ذلك ما لم ينتقض وضوءه» اهـ. قلت: والذي يظهر لي صحة ما ذهب إليه الليث ومالك وربيعة من البناء وإن طال الفصل ما لم ينتقض الوضوء. والله أعلم. * * *

стр. 2039

١٠٢ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُحَيْنَةَ - وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ : «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى بِهِمْ فَقَامَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ الظُّهْرَ، وَلَمْ يَجْلِسْ. فَقَامَ النَّاسُ مَعَهُ، حَتَّى إذَا قَضَى الصَّلاةَ، وَانْتَظَرَ النَّاسُ تَسْلِيمَهُ: كَبَّرَ وَهُوَ جَالِسٌ. فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ ثُمَّ سَلَّمَ». قوله: «وَلَمْ يَجْلِسْ». الحديث في الصحيحين بلفظ: «فَلَمْ يَجْلِسْ». وفي لفظ للبخاري (٨٢٩): «لَمْ يَجْلِسْ». بحذف الواو. وزيادة الواو واردة خارج الصحيح. وفي الحديث مسائل منها: ١ - أنَّ من قام عن التشهد الأوسط سهواً لا يرجع إليه بل يكتفي بسجود السهو قبل السلام. والأظهر أنَّه إذا استتم قائماً لا يرجع وإن لم يشرع في القراءة، وذلك لأنَّ القيام ركن، ولا يرجع المصلي من ركن إلى واجب. وفي ذلك نزاع بين العلماء. قال العلامة ابن قدامة ﵀ في [المغني] (٢/ ٢٠ - ٢١): «الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى، ذِكْرُهُ قَبْلَ اعْتِدَالِهِ قَائِمًا، فَيَلْزَمُهُ الرُّجُوعُ إلَى التَّشَهُّدِ. وَمِمَّنْ قَالَ يَجْلِسُ عَلْقَمَةُ، وَالضَّحَّاكُ، وَقَتَادَةُ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ. وَقَالَ

стр. 2040

مَالِكٌ: إنْ فَارَقَتْ أَلْيَتَاهُ الْأَرْضَ مَضَى. وَقَالَ حَسَّانُ بْنُ عَطِيَّةَ: إذَا تَجَافَتْ رُكْبَتَاهُ عَنْ الْأَرْضِ مَضَى. وَلَنَا، مَا رَوَى الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إذَا قَامَ أَحَدُكُمْ فِي الرَّكْعَتَيْنِ، فَلَمْ يَسْتَتِمَّ قَائِمًا فَلْيَجْلِسْ، فَإِذَا اسْتَتَمَّ قَائِمًا، فَلَا يَجْلِسْ، وَيَسْجُدُ سَجْدَتَيْ السَّهْوِ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَابْنُ مَاجَهْ. وَلِأَنَّهُ أَخَلَّ بِوَاجِبٍ ذَكَرَهُ قَبْلَ الشُّرُوعِ فِي رُكْنٍ مَقْصُودٍ. فَلَزِمَهُ الْإِتْيَانُ بِهِ، كَمَا لَوْ لَمْ تُفَارِقْ أَلْيَتَاهُ الْأَرْضَ. الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: ذِكْرُهُ بَعْدَ اعْتِدَالِهِ قَائِمًا، وَقَبْلَ شُرُوعِهِ فِي الْقِرَاءَةِ، فَالْأَوْلَى لَهُ أَنْ لَا يَجْلِسَ، وَإِنْ جَلَسَ جَازَ. نَصَّ عَلَيْهِ قَالَ. النَّخَعِيُّ: يَرْجِعُ مَا لَمْ يَسْتَفْتِحْ الْقِرَاءَةَ وَقَالَ حَمَّادُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ: إنْ ذَكَرَ سَاعَةَ يَقُومُ جَلَسَ. وَلَنَا، حَدِيثُ الْمُغِيرَةِ، وَمَا نَذْكُرُهُ فِيمَا بَعْدُ؛ وَلِأَنَّهُ ذَكَرَهُ بَعْدَ الشُّرُوعِ فِي رُكْنٍ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ الرُّجُوعُ، كَمَا لَوْ ذَكَرَهُ بَعْدَ الشُّرُوعِ فِي الْقِرَاءَةِ. وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ الرُّجُوعُ؛ لِحَدِيثِ الْمُغِيرَةِ، وَلِأَنَّهُ شَرَعَ فِي رُكْنٍ، فَلَمْ يَجُزْ لَهُ الرُّجُوعُ، كَمَا لَوْ شَرَعَ فِي الْقِرَاءَةِ. الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ، ذَكَرَهُ بَعْدَ الشُّرُوعِ فِي الْقِرَاءَةِ، فَلَا يَجُوزُ لَهُ الرُّجُوعُ، وَيَمْضِي فِي صَلَاتِهِ، فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ. وَمِمَّنْ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ لَا يَرْجِعُ عُمَرُ، وَسَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ، وَابْنُ مَسْعُودٍ، وَالْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ وَالنُّعْمَانُ بْنُ بَشِيرٍ، وَابْنُ الزُّبَيْرِ، وَالضَّحَّاكُ بْنُ قَيْسٍ، وَعُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ. وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ. وَقَالَ الْحَسَنُ. يَرْجِعُ مَا لَمْ يَرْكَعْ. وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ؛ لِحَدِيثِ الْمُغِيرَةِ. وَرَوَى أَبُو بَكْرٍ الْآجُرِّيُّ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ مُعَاوِيَةَ: أَنَّهُ صَلَّى بِهِمْ فَقَامَ فِي

стр. 2041

الرَّكْعَتَيْنِ، وَعَلَيْهِ الْجُلُوسُ، فَسُبِّحَ بِهِ، فَأَبَى أَنْ يَجْلِسَ، حَتَّى إذَا جَلَسَ يُسَلِّمُ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ وَهُوَ جَالِسٌ، ثُمَّ قَالَ: رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَعَلَ هَذَا. وَلِأَنَّهُ شَرَعَ فِي رُكْنٍ مَقْصُودٍ، فَلَمْ يَجُزْ لَهُ الرُّجُوعُ، كَمَا لَوْ شَرَعَ فِي الرُّكُوعِ» اهـ. قلت: وقد اختلف العلماء فيما إذا رجع قبل أن يستتم قائماً هل عليه أن يسجد للسهو أو لا. فذهب إلى الأول الإمام أحمد وذهب إلى الآخر إبراهيم النخعي، وعلقمة، والأسود، والشافعي. قلت: واحتج القائلون بعدم السجود بحجج: الحجة الأولى: أنَّه فعل يسير معفو عنه فلا يلزم سجود السهو. الحجة الثانية: ما رواه أحمد (١٨٢٤٨)، وأبو داود (١٠٣٦)، وابن ماجه (١٢٠٨) مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ، عَنْ جَابِرٍ، عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شِبْلٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ، عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ :: «إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ، فَلَمْ يَسْتَتِمَّ قَائِمًا، فَلْيَجْلِسْ، وَإِذَا اسْتَتَمَّ قَائِمًا، فَلَا يَجْلِسْ وَيَسْجُدُ سَجْدَتَيِ السَّهْوِ». قلت: ووجه الشاهد من الحديث أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ إنَّما أمر بالسجود لمن استتم قائماً، وأمَّا من لم يستتم قائماً فأمره بمجرد الجلوس ولم يأمره بسجود السهو فدل على عدم لزومه.

стр. 2042

لكن في إسناده جابر وهو ابن يزيد الجعفي رافضي وقد كذبه غير واحد من أئمة الحديث. ورواه الطيالسي (٦٩٥)، وأحمد (١٨٢٤١)، وأبو داود (١٠٣٧)، والترمذي (٣٦٦) مِنْ طَرِيقِ يَزِيدُ، أَخْبَرَنَا الْمَسْعُودِيُّ، عَنْ زِيَادِ بْنِ عِلَاقَةَ عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، قَالَ: «صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَنَهَضَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ، فَسَبَّحْنَا بِهِ، فَمَضَى، فَلَمَّا أَتَمَّ الصَّلَاةَ سَجَدَ سَجْدَتَيِ السَّهْوِ. وَقَالَ مَرَّةً: فَسَبَّحَ بِهِ مَنْ خَلْفَهُ، فَأَشَارَ أَنْ قُومُوا». قلت: المسعودي مختلط. وروى الترمذي (٣٦٥) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ قَالَ: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ أَبِي لَيْلَى، عَنْ الشَّعْبِيِّ، قَالَ: صَلَّى بِنَا المُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ فَنَهَضَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ، فَسَبَّحَ بِهِ القَوْمُ وَسَبَّحَ بِهِمْ، فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ سَلَّمَ، ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَيِ السَّهْوِ وَهُوَ جَالِسٌ، ثُمَّ حَدَّثَهُمْ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَعَلَ بِهِمْ مِثْلَ الَّذِي فَعَلَ». وَفِي البَابِ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ، وَسَعْدٍ، وَعَبْدِ اللَّهِ ابْنِ بُحَيْنَةَ: «حَدِيثُ المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قَدْ رُوِيَ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ عَنِ المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ»،: «وَقَدْ تَكَلَّمَ بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ فِي ابْنِ أَبِي لَيْلَى مِنْ قِبَلِ حِفْظِهِ»، قَالَ أَحْمَدُ: «لَا يُحْتَجُّ بِحَدِيثِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى». وقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ: «ابْنُ أَبِي لَيْلَى هُوَ صَدُوقٌ، وَلَا أَرْوِي عَنْهُ لِأَنَّهُ لَا يَدْرِي صَحِيحَ حَدِيثِهِ مِنْ سَقِيمِهِ، وَكُلُّ مَنْ كَانَ مِثْلَ هَذَا فَلَا أَرْوِي عَنْهُ شَيْئًا»، وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الحَدِيثُ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ عَنِ المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، وَرَوَى سُفْيَانُ، عَنْ جَابِرٍ، عَنِ

стр. 2043

المُغِيرَةِ بْنِ شُبَيْلٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ، عَنِ المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، «وَجَابِرٌ الجُعْفِيُّ قَدْ ضَعَّفَهُ بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ؛ تَرَكَهُ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ وَغَيْرُهُمَا»، وَالعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَهْلِ العِلْمِ: عَلَى أَنَّ الرَّجُلَ إِذَا قَامَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ مَضَى فِي صَلَاتِهِ وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ مِنْهُمْ مَنْ رَأَى قَبْلَ التَّسْلِيمِ، وَمِنْهُمْ مَنْ رَأَى بَعْدَ التَّسْلِيمِ، وَمَنْ رَأَى قَبْلَ التَّسْلِيمِ فَحَدِيثُهُ أَصَحُّ لِمَا رَوَى الزُّهْرِيُّ، وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الأَنْصَارِيُّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ابْنِ بُحَيْنَةَ اهـ. وقَالَ الحافظ البيهقي ﵀ في [الكبرى] (٢/ ٣٣٨): «وحديث بن بحينة أصح من هذا» اهـ. وروى ابن خزيمة (١٠٣٢)، والبزار في [مسنده] (١٢١٧)، وأبو يعلى في [مسنده] (٧٥٩)، والحاكم في [مستدركه] (١٢٠٥)، والبيهقي في [الكبرى] (٤٠١٦) مِنْ طَرِيقِ أَبِي مُعَاوِيَةَ، ثنا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ: «أَنَّهُ نَهَضَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ فَسَبَّحُوا بِهِ فَاسْتَتَمَّ، ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَيِ السَّهْوِ حِينَ انْصَرَفَ وَقَالَ: أَكُنْتُمْ تَرَوْنِي كُنْتُ أَجْلِسُ إِنَّمَا صَنَعْتُ كَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَصْنَعُ». قال الحاكم: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ، وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ اهـ. قلت: هذا الحديث ظاهر إسناده الصحة. وإسماعيل هو ابن أبي خالد، وقيس هو ابن أبي حازم.

стр. 2044

لكن قَالَ ابن خزيمة ﵀: «لا أظن أبا معاوية إلَّا وهم في لفظ هذا الإسناد» اهـ. وقَالَ البزار ﵀: «وهذا الحديث قد رواه غير واحد، عن إسماعيل، عن قيس، عن سعد موقوفاً ورواه المغيرة بن شبيل، عن قيس، عن المغيرة بن شعبة» اهـ. وقَالَ أبو يعلى ﵀: «قَالَ أبو عثمان عمرو بن محمد الناقد: لم نسمع أحداً يرفع هذا غير أبي معاوية» اهـ. قلت: وقد خالفه بيان أبو بشر الأحمسي فأوقفه وجعله من حديث سعد بن مالك وقد روى حديثه الطحاوي في [شرح معاني الآثار] (٢٥٦٤) حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ، قَالَ: ثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، قَالَ: ثنا شُعْبَةُ، عَنْ بَيَانِ أَبِي بِشْرٍ الْأَحْمَسِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ قَيْسَ بْنَ أَبِي حَازِمٍ، قَالَ: «صَلَّى بِنَا سَعْدُ بْنُ مَالِكٍ، فَقَامَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ، فَقَالُوا: سُبْحَانَ اللهِ فَقَالَ: سُبْحَانَ اللهِ فَمَضَى، فَلَمَّا سَلَّمَ، سَجَدَ سَجْدَتَيِ السَّهْوِ». قلت: وثم اختلاف آخر في الحديث فرواه عبد الرزاق في [مصنفه] (٣٤٨٦) عَنِ الثَّوْرِيِّ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، وَبَيَانٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ، «أَنَّ سَعْدًا، قَامَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ، فَسَبَّحُوا بِهِ فَجَلَسَ وَلَمْ يَسْجُدْ». قلت: حديث الثوري أصح من حديث شعبة والله أعلم. والذي يظهر لي أنَّ سعداً هو ابن أبي وقاص فإنَّه هو الذي روى عنه قيس بن أبي حازم. وشعبة ﵀ كان يخطئ في الأسماء قليلاً.

стр. 2045

وروى أبو يعلى في [مسنده] (٧٣٨٥) حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا الْعَلَاءُ بْنُ هِلَالٍ الرَّقِّيُّ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَبِي أُنَيْسَةَ، عَنْ أَبِي الْفَيْضِ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ عَلِيٍّ السُّلَمِيِّ قَالَ: «صَلَّى بِنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ الْمَغْرِبَ ثَلَاثًا، فَقَامَ فِي رَكْعَتَيْنِ، فَسَبَّحُوا بِهِ، فَأَوْمَأَ إِلَيْهِمْ أَنْ قُومُوا، فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ وَسَلَّمَ، انْصَرَفَ فَخَطَبَهُمْ ثُمَّ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَعَلَ كَالَّذِي رَأَيْتُمُونِي فَعَلْتُ، وَلَوْلَا أَنِّي رَأَيْتُهُ فَعَلَهُ لَمْ أَفْعَلْهُ». قلت: العلاء بن هلال الرقي قَالَ فيه أبو حاتم: «منكر الحديث ضعيف الحديث» اهـ. وروى الحاكم في [مستدركه] (١٢١٤)، ومِنْ طَرِيقِه البيهقي في [الكبرى] (٣٦٦٨) حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، ثنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُنْقِذٍ الْخَوْلَانِيُّ، ثنا إِدْرِيسُ بْنُ يَحْيَى، ثنا بَكْرُ بْنُ مُضَرٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ شِمَاسَةَ الْمَهْرِيَّ يَقُولُ: «صَلَّى بِنَا عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ الْجُهَنِيُّ فَقَامَ وَعَلَيْهِ جُلُوسٌ فَقَالَ النَّاسُ: سُبْحَانَ اللَّهِ، سُبْحَانَ اللَّهِ، فَلَمْ يَجْلِسْ وَمَضَى عَلَى قِيَامِهِ، فَلَمَّا كَانَ فِي آخِرِ صَلَاتِهِ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ وَهُوَ جَالِسٌ، فَلَمَّا سَلَّمَ قَالَ: "إِنِّي سَمِعْتُكُمْ آنِفًا تَقُولُونَ: سُبْحَانَ اللَّهِ لِكَيْمَا أَجْلِسَ لَكِنَّ السُّنَّةَ الَّذِي صَنَعْتُ». هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ، وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ اهـ.

стр. 2046

قلت: هذا حديث حسن رجاله كلهم ثقات غير إبراهيم بن منقذ الخولاني وهو حسن الحديث. وروى البزار في [مسنده] (٩٤١٧) حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى الْأَزْدِيُّ حَدَّثَنَا أَبُو زَيْدٍ سَعِيدُ بْنُ الرَّبِيعِ حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ ضَمْضَمِ بْنِ جَوْسٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى بِهِمْ صَلَاةِ الْعَصْرِ أَوِ الظُّهْرِ فَقَامَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ فَسَبَّحُوا بِهِ فَمَضَى فِي صَلَاتِهِ فَلَمَّا قَضَى الصَّلَاةَ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ». وهذا الحديث لا نعلمه يروى بهذا اللفظ عن أبي هريرة ﵁، إلَّا بهذا الإسناد اهـ. قلت: الحسن بن يحيى صوابه الرزي وثقه ابن حبان ويشهد له ما سبق. قلت: واحتج القائلون بالسجود. بما رواه ابن المنذر في [الأوسط] (٥/ ٢٣٢) (١٦٣٢) حَدَّثنا عَلِيُّ قَالَ: ثنا عَبْدُ اللهِ، عَنْ سُفْيَانَ قَالَ: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: «رَأَيْتُهُ تَحَرَّكَ لِلْقِيَامِ فِي الرَّكْعَتَيْنِ مِنَ الْعَصْرِ، فَسَبَّحُوا بِهِ، فَجَلَسَ وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ وَهُوَ جَالِسٌ». قلت: هذا أثر حسن. علي هو ابن الحسن بن أبي عيسى الهلالي وعبد الله هو ابن الوليد العدني حسن الحديث، وسفيان هو الثوري، ويحيى بن سعيد هو الأنصاري.

стр. 2047

قلت: وقد خالفه سعد بن أبي وقاص كما سبق. قَالَوا: ولأنَّ ما فعله زيادة في الصلاة سهواً فلزم فيها السهو. قلت: الذي يظهر لي هو عدم لزوم سجود السهو وذلك لأنَّها حركة يسيرة، وفارق ما إذا استتم قائماً فإنَّها بهذا يكون قد زاد في صلاته ركناً فاحتاج أن يسجد له سجود السهو فإن تعمد ذلك مبطل للصلاة والله أعلم. ٢ - يلتحق بذلك كل من نسى واجباً وتذكره وقد انتقل إلى ركن من الأركان أنَّه لا يرجع إليه كم نسي التسبيح في الركوع وتذكر وهو في ركن الاعتدال، ومن نسي التسبيح في السجود وتذكر ذلك وهو في ركن الجلوس بين السجدتين ونحو ذلك فلا يرجع من الركن إلى الواجب. ومن باب أولى أنَّه لا يرجع من الركن إلى المستحب كمن نسي الاستفتاح، أو الاستعاذة وتذكر ذلك وهو في ركن قراءة الفاتحة. وهل له الرجوع من واجب انتقل إليه إلى واجب نسيه، أو من مستحب انتقل إليه إلى مستحب نسيه أم لا يجوز له ذلك؟ ومثال الانتقَالَ من واجب إلى واجب من نسي التشهد وتذكر ذلك وهو في الصلوات، -وهذا على القول بوجوبهما وعدم ركنيتهما وهو الصحيح-. والأظهر في ذلك الرجوع كمن نسي ركناً وتذكره وقد شرع في غيره. ومثال الانتقَالَ من سنة إلى سنة من نسي الاستفتاح وقد شرع في الاستعاذة مثلاً.

стр. 2048

قَالَ العلامة النووي ﵀ في [المجموع شرح المهذب] (٤/ ١٢٢ - ١٢٣): «قَالَ أصحابنا إذا ترك المصلى سنة وتلبس بغيرها لم يعد إليها سواء تلبس بفرض أم بسنة أخرى فمثال التلبس بفرض أن يترك دعاء الاستفتاح أو التعوذ أو كليهما حتى يشرع في القراءة أو يترك تسبيح الركوع أو السجود حتى يتلبس بالركن الذي بعدهما أو يترك التشهد الأول حتى ينتصب قائماً أو القنوت حتى يسجد أو جلسة الاستراحة حتى ينتصب قائماً ونحو ذلك. ومثال التلبس بسنة أخرى أن يترك دعاء الاستفتاح حتى يشرع في التعوذ ودليل الجميع حديث المغيرة أعني الرواية الثانية الصحيحة وذكر الشيخ أبو حامد في تعليقه أنَّه إذا ترك دعاء الاستفتاح وتعوذ عاد إليه من التعوذ والمشهور في المذهب أنَّه لا يعود كما جزم به المصنف وسواء كان الترك عمداً أم سهواً فلو خالف وعاد من التعوذ إلى الاستفتاح لم تبطل صلاته وإن عاد من الاعتدال إلى الركوع لتسبيح الركوع أو من القيام أو التعوذ إلى السجود لتسبيح السجود أو من القيام لي الجلوس للتشهد الأول أو من السجود إلى الاعتدال للقنوت بطلت صلاته إن كان عامداً عالماً بتحريمه فإن كان ناسياً أو جاهلاً لم تبطل ويسجد للسهو» اهـ. قلت: وأمَّا من ترك واجباً وشرع في سنة من السنن فلم أقف على كلام لأهل العلم في ذلك والذي يظهر لي هو الرجوع إلى الواجب كمن نسي الصلوات بعد تشهده الأخير وذكر ذلك وقد شرع في الدعاء فإنَّه يرجع إلى الصلوات فيأتي بها والله أعلم.

стр. 2049

٣ - أنَّ السهو إذا كان عن نقصان فيكون قبل السلام والمراد بالنقصان نقصان الواجب. ٤ - وفيه أنَّ المأمومين يتابعون إمامهم إذا قام من ركعتين ونسي التشهد والجلوس له. قال العلامة ابن قدامة ﵀ في [المغني] (٢/ ٢١): «فَصْلٌ: إذَا عَلِمَ الْمَأْمُومُونَ بِتَرْكِهِ التَّشَهُّدَ الْأَوَّلَ، قَبْلَ قِيَامِهِمْ، وَبَعْدَ قِيَامِ إمَامِهِمْ، تَابَعُوهُ فِي الْقِيَامِ، وَلَمْ يَجْلِسُوا لِلتَّشَهُّدِ. حَكَاهُ الْآجُرِّيُّ عَنْ أَحْمَدَ، وَقَالَ: هَذَا قَوْلُ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَبِي ثَوْرٍ، وَأَهْلِ الْعِرَاقِ. وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا» اهـ. قلت: وإذا سبحوا به قبل أن يستتم قائماً فلم يرجع تشهدوا لأنفسهم. وإذا قام واستتم قائماً وشرع في القراءة ثم رجع فلا يتابع لأنَّه أخطأ في رجوعه. قال العلامة ابن قدامة ﵀ في [المغني] (٢/ ٢١): «فَأَمَّا إنْ سَبَّحُوا بِهِ قَبْلَ قِيَامِهِ فَلَمْ يَرْجِعْ، تَشَهَّدُوا، لِأَنْفُسِهِمْ، وَلَمْ يَتَّبِعُوهُ فِي تَرْكِهِ؛ لِأَنَّهُ تَرَكَ وَاجِبًا تَعَيَّنَ فِعْلُهُ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ مُتَابَعَتُهُ فِي تَرْكِهِ. وَلَوْ رَجَعَ إلَى التَّشَهُّدِ بَعْدَ شُرُوعِهِ فِي الْقِرَاءَةِ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مُتَابَعَتُهُ فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ أَخْطَأَ. فَأَمَّا الْإِمَامُ، فَمَتَى فَعَلَ ذَلِكَ عَالِمًا بِتَحْرِيمِهِ، بَطَلَتْ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّهُ زَادَ فِي الصَّلَاةِ مِنْ جِنْسِهَا عَمْدًا، أَوْ تَرَكَ وَاجِبًا عَمْدًا، وَإِنْ كَانَ جَاهِلًا بِالتَّحْرِيمِ أَوْ نَاسِيًا، لَمْ تَبْطُلْ؛ لِأَنَّهُ زَادَ فِي الصَّلَاةِ سَهْوًا. وَمَتَى عَلِمَ بِتَحْرِيمِ ذَلِكَ وَهُوَ فِي التَّشَهُّدِ، نَهَضَ، وَلَمْ يُتِمَّ

стр. 2050

الْجُلُوسَ. وَلَوْ ذَكَرَ الْإِمَامُ التَّشَهُّدَ قَبْلَ انْتِصَابِهِ، وَبَعْدَ قِيَامِ الْمَأْمُومِينَ، وَشُرُوعِهِمْ فِي الْقِرَاءَةِ، فَرَجَعَ، لَزِمَهُمْ الرُّجُوعُ؛ لِأَنَّ الْإِمَامَ رَجَعَ إلَى وَاجِبٍ، فَلَزِمَهُمْ مُتَابَعَتُهُ وَلَا اعْتِبَارَ بِقِيَامِهِمْ قَبْلَهُ» اهـ. ٥ - وفيه دليل على أنَّ الإمام يتابع في ترك الواجبات والسنن إذا سها الإمام عنها. ٦ - وفيه أنَّ سجود السهو لا يتكرر إذا تكرر السهو في الصلاة فأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سها عن الجلوس للتشهد والتشهد وقد سبق الكلام في هذه المسألة في الحديث السابق. ٧ - واحتج به الجمهور على عدم وجوب التشهد الأوسط. ووجه الشاهد من الحديث أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اكتفى عند تركه بسجود السهو ولو كان واجباً لما اكتفى له بسجود السهو. قلت: قولهم ولو كان واجباً لما اكتفى له بسجود السهو فليس هناك ما يدل عليه وليس للمستدل أن يجعل موضع النزاع حجة له من غير برهان فلا نسلم أنَّ ترك الواجب سهواً لا ينجبر بسجود السهو بل نقول: إنَّه ينجبر به كما دل عليه هذا الحديث، وإيجاب التشهد الأوسط قد دلت عليه الأدلة التي يحتج بها المخالف في إيجاب التشهد الأخير إذ ليس في تلك الأدلة تعين التشهد الأخير من التشهد الأوسط بل هي محمولة على التشهدين. والله أعلم. قلت: وقد جاء الأمر بالتشهد الأوسط في حديث المسيء فروى أبو داود (٨٦٠) حَدَّثَنَا مُؤَمَّلُ بْنُ هِشَامٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ

стр. 2051

يَحْيَى بْنِ خَلَّادِ بْنِ رَافِعٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَمِّهِ رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِهَذِهِ الْقِصَّةِ - قَالَ: «إِذَا أَنْتَ قُمْتَ فِي صَلَاتِكَ، فَكَبِّرِ اللَّهَ تَعَالَى، ثُمَّ اقْرَأْ مَا تَيَسَّرَ عَلَيْكَ مِنَ الْقُرْآنِ» وَقَالَ فِيهِ: «فَإِذَا جَلَسْتَ فِي وَسَطِ الصَّلَاةِ فَاطْمَئِنَّ، وَافْتَرِشْ فَخِذَكَ الْيُسْرَى ثُمَّ تَشَهَّدْ، ثُمَّ إِذَا قُمْتَ فَمِثْلَ ذَلِكَ حَتَّى تَفْرُغَ مِنْ صَلَاتِكَ». قلت: هذا حديث حسن. قلت: والقول بالوجوب هو مذهب أحمد في المشهور وإسحاق، وقول للشافعي. قَالَ الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٥/ ١٦٦ - ١٦٧): «وقد استدل بهذا الحديث كثير من العلماء - كما أشار إليه البخاري - على أنَّ التشهد الأول ليس بواجب؛ لأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نسيه، ولم يرجع بعد قيامه إلى الركعة الثالثة. وممن ذهب إلى أنَّ التشهد الأول والجلوس له سنة لا تبطل الصلاة بتركهما عمداً: النخعي وأبو حنيفة والأوزاعي ومالك والشافعي وحكي رواية عن أحمد. والمنصوص عن أحمد: إنكار تسميته سنة، وتوقف في تسميته فرضاً؛ وقَالَ: هو أمر أمر به رسول الله ﷺ . وقَالَ الثوري وأحمد - في ظاهر مذهبه - وإسحاق وأبو ثور وداود: أنَّ من ترك واحداً منها عمداً بطلت صلاته، وإن تركه سهواً سجد لسهو. وحكى الطحاوي مثله عن مالك.

стр. 2052

لأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كان يداوم عليه، وقَالَ: "صلوا كما رأيتموني أصلي"، وإنَّما تركه نسياناً، وجبره بسجود السهو، وقد روى عنه الأمر به. كما خرجه أبو داود من حديث رفاعة بن رافع، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ للمسيء في صلاته: "فإذا جلست في وسط الصلاة فأطمئن وأفترش فخذك اليسرى ثم تشهد". والعجب أنَّ من المخالفين في ذلك من يقول في خطبتي الجمعة: إذا لم تجلس بينهما لم تصح الخطبة، وهو يقول: لو صلى الظهر أربعاً من غير جلوس في وسطها صحت صلاته» اهـ. * * *

стр. 2053

باب المرور بين يدي المصلي ١٠٣ - عَنْ أَبِي جُهَيْمِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ الصِّمَّةِ الأَنْصَارِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَوْ يَعْلَمُ الْمَارُّ بَيْنَ يَدَيْ الْمُصَلِّي مَاذَا عَلَيْهِ مِنْ الإِثْمِ؟ لَكَانَ أَنْ يَقِفَ أَرْبَعِينَ خَيْرًا لَهُ مِنْ أَنْ يَمُرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ». قَالَ أَبُو النَّضْرِ: لا أَدْرِي: قَالَ أَرْبَعِينَ يَوْماً أَوْ شَهْراً أَوْ سَنَةً. وفي الحديث مسائل منها: ١ - تحريم المرور بين يدي المصلي وظاهره حتى ولو ازدحم الناس ولم يكن لهم مندوحة إلَّا بالمرور بين يديه. قَالَ الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٢/ ٦٧٠ - ٦٧١): «فإنَّه يدل على أنَّ وقوفه أربعين ينتظر مسلكاً يباح له المرور فيه خير له من المرور بين يدي المصلي، وإن لم يجد طريقاً غيره. وقد قَالَ بعض الشافعية والمالكية وبعض أصحابنا: لا يكره المرور حينئذ، ولا يمنع منه. قَالَ أصحابنا: لكن يضع المار شيئاً يمر من ورائه، أو يخط خطاً إذا لم يجد.

стр. 2054

وكلام أحمد وأكثر أصحابنا ليس فيه شيء من هذا، وكذا كلام أكثر أصحاب الشافعي، والرجوع إلى ما فهمه الصحابي من الحديث الذي رواه وعمل به مستدلاً به أولى» اهـ. قلت: يريد بالصحابي أبا سعيد الخدري وسيأتي حديثه بعد هذا. واستثنى من ذلك جمع من العلماء المسجد الحرام فلا يُمنع فيه من المرور بين يدي المصلي لما في المنع من ذلك من الحرج وفي هذا الاستثناء نظر فقد روى أبو زرعة الرازي في [تاريخه] ص (٧٠)، ومِنْ طَرِيقِه ابن عساكر في [تاريخ دمشق] (٢٣/ ٣٦٧) قَالَ: حدثنا أَبُو نُعَيْمٍ قال: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ قَالَ: «رَأَيْتُ ابْنَ عُمَرَ يُصَلِّي فِي الْكَعْبَةِ، وَلَا يَدَعُ أَحَدًا يَمُرُّ بَيْنَ يَدَيْهِ». قلت: وإسناد هذا الأثر حسن من أجل عبد العزيز بن أبي سلمة فإنَّه حسن الحديث. وأمَّا ما رواه أحمد (٢٧٢٨٤)، ومِنْ طَرِيقِه أبو داود (٢٠١٦) حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، حَدَّثَنِي كَثِيرُ بْنُ كَثِيرِ بْنِ الْمُطَّلِبِ بْنِ أَبِي وِدَاعَةَ، عَنْ بَعْضِ أَهْلِهِ، عَنْ جَدِّهِ، أَنَّهُ: «رَأَى النَّبِيَّ ﷺ يُصَلِّي مِمَّا يَلِي بَابَ بَنِي سَهْمٍ وَالنَّاسُ يَمُرُّونَ بَيْنَ يَدَيْهِ وَلَيْسَ بَيْنَهُمَا سُتْرَةٌ». قَالَ سُفْيَانُ: لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْكَعْبَةِ سُتْرَةٌ. قَالَ سُفْيَانُ: كَانَ ابْنُ جُرَيْجٍ أَخْبَرَنَا عَنْهُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا كُثَيْرٌ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: فَسَأَلْتُهُ، فَقَالَ: لَيْسَ مِنْ أَبِي سَمِعْتُهُ وَلَكِنْ مِنْ بَعْضِ أَهْلِي عَنْ جَدِّي.

стр. 2055

ورواه ابن حبان في [صحيحه] (٢٣٦٤)، والطبراني في [الكبير] (١٧٠٧٥) مِنْ طَرِيقِ الْوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ، نا زُهَيْرٌ، عَنْ كَثِيرِ بْنِ كَثِيرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الْمُطَّلِبِ بْنِ أَبِي وَدَاعَةَ ﵁ قَالَ: «رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي حَذْوَ الرُّكْنِ الْأَسْوَدِ وَالرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ يَطُوفُونَ بَيْنَ يَدَيْهِ مَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُ سُتْرَةٌ». فإنَّ فيه كثير بن المطلب لم يوثقه معتبر. قلت: رواية سفيان أصح ولا تصح من أجل الإبهام الذي فيها. قَالَ الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٢/ ٦٤٢): «وقد تبين برواية ابن عيينة هذه أنَّها أصح من رواية ابن جريج، ولكن يصير في إسنادها من لا يعرف» اهـ. وسئل الحافظ الدارقطني ﵀ في [العلل] (١٤/ ٤٢) عن حديث المطلب بن أبي وداعة، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، أنَّه صلى حين خرج من الكعبة ركعتين، والناس يمرون بين يديه، الرجال والنساء. فقَالَ: «يرويه كثير بن كثير بن المطلب بن أبي وداعة، واختلف عنه؛ فرواه سالم بن عبد الله الخياط البصري، وزهير بن محمد، عن كثير بن كثير، عن أبيه، عن جده. ورواه ابن جريج، عن كثير، واختلف عنه؛ فرواه يحيى القطان، ويحيى بن سعيد الأموي، وأبو أسامة، عن ابن جريج، عن كثير بن كثير، عن أبيه، عن المطلب؛.

стр. 2056

ورواه أبو معاوية الضرير، عن ابن جريج، فقَالَ: عن كثير بن أبي كثير، وإنَّما هو كثير بن كثير وقَالَ: عن بني المطلب بن أبي وداعة، عن أبيهم وقَالَ حماد بن زيد: عن ابن جريج، عن كثير بن كثير، قَالَ: حدثني أعيان بني المطلب، عن المطلب، كذلك قَالَ معاذ بن المثنى، عن المقدمي، عن حماد، وقَالَ يوسف القاضي: عن المقدمي، عن حماد، عن ابن جريج، عن كثير بن كثير، عن أبيه، قَالَ: حدثني أعيان بني المطلب، عن المطلب. ورواه ابن عيينة، عن كثير بن كثير، عن بعض أهله، عن جده المطلب، وقَالَ ابن عيينة: كان ابن جريج، حدثنا أولاً عن كثير، عن أبيه، عن المطلب، فلما سألته عنه، فقَالَ: ليس هو عن أبي، إنما أخبرني بعض أهلي به سمعه من المطلب قَالَ ذلك: الحميدي، عن ابن عيينة، وضبطه، وقول ابن عيينة أصحها، وروي عن أبي سفيان بن عبد الرحمن بن المطلب، عن أبيه، عن جده. ورواه عمر بن قيس، عن كثير بن المطلب، عن أبيه، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، وروي عن عمرو بن دينار، عن عباد بن المطلب، عن المطلب، وهو غريب من حديث عمرو بن دينار، لا أعلم جاء به عنهم غير أحمد بن حاتم، عن حماد بن زيد، وقول ابن عيينة أصحها» اهـ. قال العلامة ابن نجيم الحنفي المصري ﵀ في [البحر الرائق] (٢/ ٣٥٧):

стр. 2057

«قَالَ الْعَلَّامَةُ الشَّيْخُ قُطْبُ الدِّينِ الْحَنَفِيُّ فِي مَنْسَكِهِ فِي الْفَصْلِ الرَّابِعِ مِنْ الْبَابِ السَّادِسِ رَأَيْت بِخَطِّ بَعْضِ تَلَامِذَةِ الْكَمَالِ ابْنِ الْهُمَامِ فِي حَاشِيَةِ فَتْحِ الْقَدِيرِ إذَا صَلَّى فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَمْنَعَ الْمَارَّ لِمَا رَوَى أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد عَنْ الْمُطَّلِبِ بْنِ أَبِي وَدَاعَةَ أَنَّهُ "رَأَى النَّبِيَّ ﷺ يُصَلِّي مِمَّا يَلِي بَابَ بَنِي سَهْمٍ، وَالنَّاسُ يَمُرُّونَ بَيْنَ يَدَيْهِ وَلَيْسَ بَيْنَهُمَا سُتْرَةٌ". وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى الطَّائِفِينَ فِيمَا يَظْهَرُ؛ لِأَنَّ الطَّوَافَ صَلَاةٌ فَصَارَ كَمَنْ بَيْنَ يَدَيْهِ صُفُوفٌ مِنْ الْمُصَلِّينَ» اهـ. وقال العلامة الحطاب الرعيني المالكي ﵀ في [مواهب الجليل] (١/ ٥٣٥ - ٥٣٦): «وَأَمَّا الطَّائِفُ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَمُرَّ بَيْنَهُ وَبَيْنَ سُتْرَتِهِ إلَّا أَنْ لَا يَجِدَ بُدًّا مِنْ ذَلِكَ مِنْ زِحَامٍ فَلْيَمُرَّ وَلَا يَدْرَؤُهُ الْمُصَلِّي عَنْ الْمُرُورِ، وَمِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ مَنْ ذَهَبَ إلَى أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُصَلِّيَ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إلَى غَيْرِ سُتْرَةٍ وَإِنْ مَرَّ النَّاسُ بَيْنَ يَدَيْهِ فِي الطَّوَافِ وَغَيْرِهِ وَلَا إثْمَ فِي ذَلِكَ عَلَيْهِ وَلَا عَلَيْهِمْ وَأَنَّ مَكَّةَ مَخْصُوصَةٌ بِجَوَازِ الْمُرُورِ فِيهَا بَيْنَ يَدَيْ الْمُصَلِّي بِدَلِيلِ مَا رُوِيَ عَنْ الْمُطَّلِبِ بْنِ أَبِي وَدَاعَةَ أَنَّهُ قَالَ: رَأَيْت النَّبِيَّ ﷺ يُصَلِّي مِمَّا يَلِي بَابَ بَنِي سَهْمٍ وَالنَّاسُ يَمُرُّونَ بَيْنَ يَدَيْهِ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ شَيْءٌ وَقَالَ بَعْضُ الرُّوَاةِ: لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الطَّوَافِ سُتْرَةٌ. قَالَ فَمِنْ طَرِيقِ الْمَعْنَى أَنَّ الَّذِي يُصَلِّي مُحَاذِيًا إلَى الْكَعْبَةِ يَسْتَقْبِلُ فِي صَلَاتِهِ وُجُوهَ بَعْضِ الْمُصَلِّينَ إلَيْهَا لَا يَجُوزُ ذَلِكَ فِي غَيْرِهَا فَإِذَا جَازَ لَهُ أَنْ يَسْتَقْبِلَ وُجُوهَهُمْ جَازَ لَهُ أَنْ يَمُرُّوا بَيْنَ

стр. 2058

يَدَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَسْتَقْبِلُ بِذَلِكَ إلَّا خُدُودَهُمْ فَهُوَ أَخَفُّ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَبِهِ التَّوْفِيقُ، انْتَهَى كَلَامُ ابْنِ رُشْدٍ» اهـ. وقَالَ المرداوي ﵀ في [الإنصاف] (٢/ ٦٩): «تنبيه: ظاهر كلام المصنف وكثير من الأصحاب: أنَّ مكة كغيرها في السترة والمرور وهو إحدى الروايتين قَالَ في "النكت": قدمه غير واحد وقدمه هو في حواشيه وقدمه في "الرعاية الكبرى" في موضع. والرواية الثانية: جواز المرور بين يديه في مكة من غير سترة ولا كراهة وهو الصحيح من المذهب: نص عليه وجزم به المجد في شرحه والشارح وصاحب التلخيص والبلغة والإفادات والرعاية الصغرى والحاويين ومجمع البحرين والنظم وبن رزين واختاره المصنف وغيره وقدمه ابن تميم وصاحب الفائق وأطلقهما في الفروع» اهـ. وقَالَ الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٢/ ٦٤٠ - ٦٤٢): «وقد اختلف العلماء في حكم مكة في السترة: هل حكمها كحكم سائر البلدان، أم لا؟ على قولين: أحدهما: أنَّ حكمها في سترة الصلاة حكم سائر البلدان، وهو اختيار البخاري وقول [ … ] والشافعي، وحكي رواية عن أحمد. وروي نحوه عن ابن عمر.

стр. 2059

قَالَ أبو نعيم الفضل بن دكين في "كتاب الصلاة": ثنا جعفر بن برقان، عن يزيد الفقير، قَالَ: كنت أصلي إلى جنب ابن عمر بمكة، فلم أر رجلاً اكره أن يمر بين يديه منه. ثنا عبد العزيز الماجشون، عن صالح بن كيسان، قَالَ: رأيت ابن عمر يصلي في الكعبة، فلا يدع أحداً يمر بين يديه، يبادره - قَالَ: يرده. وروى ابن أبي شيبة بإسناده عن يحيى بن أبي كثير، قَالَ: رأيت أنس بن مالك في المسجد الحرام قد نصب عصا يصلي إليها. القول الثاني: أنَّ مكة تجوز الصلاة فيها إلى غير سترة، والمرور بين يدي المصلي من غير كراهة في ذلك، وهو قول طاووس وعطاء وأحمد، نص عليه في رواية ابن الحكم وغيره. وكان محمد بن الحنفية يصلي بمسجد منى، والناس يمرون بين يديه، فجاء فتى من أهله، فجلس بين يديه. وروى ابن جريج، عن ابن أبي عمار، قَالَ: رأيت ابن الزبير طاف بالبيت، ثم جاء فصلى، والطواف بينه وبين القبلة. قَالَ: تمر بين يديه المرأة فينتظرها حتى تمر، ثم يضع جبهته في موضع قدميها. واستدل الإمام أحمد بحديث المطلب بن أبي وداعة».

стр. 2060

إلى أن قَالَ ﵀: «وقد نص أحمد على أنَّ مكة مخصوصة من بين البلدان بذلك ومن أصحابنا من قَالَ: إنَّ حكم الحرم كله كذلك، ولو قيل: إنَّ الصلاة إلى غير سترة مختص بالمسجد الحرام وحده دون بقاع مكة والحرم لكان جمعاً بين الحديثين متوجهاً، وكلام القاضي أبي يعلى في كتابه "الجامع الكبير" يدل عليه، وصرح به غيره من أصحابنا» اهـ. وقَالَ العلامة ابن عثيمين ﵀ في [الشَّرْحُ الممتع] (٣/ ٢٤٨): «وظاهر كلام المؤلف أيضاً: أنَّه لا فرق بين مكة وغيرها، وهذا هو الصحيح» اهـ. وقَالَ العلامة عبد المحسن العباد في [شرح سنن أبي داود] (١٠/ ٣٢٢) «ومكة كغيرها، وعلى الإنسان ألا يمر بين يدي المصلين، ويحرص على أن يبتعد، لكن في شدة الزحام الذي لا يمكن معه إلَّا المرور فإنه يمر، والإنسان يتقي الله ما استطاع، لكن لا يقَالَ: إن الإنسان يمشي في أي مكان من الحرم، بحيث إذا رأى إنساناً يصلي مشى بينه وبين سترته، بحجة أن مكة لا يتخذ فيها سترة! فلم يثبت أن مكة لا يتخذ المصلي فيها سترة، بل النبي ﷺ اتخذ سترة في الأبطح» اهـ. قلت: الحديث الذي أشار إليه الشيخ العباد هو ما رواه البخاري (٥٠١) عَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ قَالَ: «خَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِالْهَاجِرَةِ فَصَلَّى بِالْبَطْحَاءِ

стр. 2061

الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ رَكْعَتَيْنِ وَنَصَبَ بَيْنَ يَدَيْهِ عَنَزَةً وَتَوَضَّأَ فَجَعَلَ النَّاسُ يَتَمَسَّحُونَ بِوَضُوئِهِ». ٢ - قلت: وظاهر الحديث أنَّه ليس له أن يمر ولو لم يتخذ المصلي سترة، وحديث أبي سعيد الآتي يشعر بجواز المرور إذا لم يتخذ سترة وذلك لأنَّه علق دفع المار بما إذا اتخذ المصلي سترة فمفهوم الشرط أنَّه إذا لم يتخذ سترة فليس له أن يدفع من يمر بين يديه، وأنَّ المار لا يمنع من المرور بين يديه إذ لو كان ممنوعاً من ذلك لأمر المصلي بدفعه مطلقاً. قَالَ الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٢/ ٦٧١ - ٦٧٢): «وفي رواية سليمان بن المغيرة المخرجة في " الصحيحين": "إذا كان أحدكم يصلي إلى شيء يستره من الناس، فأراد أحد أن يمر بين يديه، فليدفعه": دليل من قبل مفهوم الشرط على أنَّ من صلى إلى غير سترة فلا يرد من مر بين يديه، وهو قول ابن المنذر وبعض أصحابنا. وأمَّا أكثر أصحابنا فعندهم: أنَّ رد المصلي لا يختص بمن كان يصلي إلى سترة، بل يشترك فيه من صلى إلى سترة ومن صلى إلى غير سترة ومر بقربه ما. واستدلوا بعموم الأحاديث التي لم يذكر فيها هذا الشرط، وجعلوا هذه الرواية المذكور فيها الشرط من باب تخصيص بعض أفراد العموم بالذكر، فلا يقتضي

стр. 2062

تخصيصه، إلَّا أن يكون له مفهوم، فيبنى على أنَّه: هل يخص العموم بالمفهوم، أم لا؟ وأمَّا الشافعية، فقَالَوا يحرم المرور بين يدي المصلي إلى سترة وبين سترته، على الصحيح عندهم، ومن صلى إلى غير سترة كره المرور بين يديه، ولم يحرم. وهل يدفعه المصلي؟ لهم فيه وجهان: أصحها عندهم: لا يدفعه؛ لمفهوم قوله: "إذا كان أحدكم يصلي إلى سترة"» اهـ. قلت: وقد روى أحمد (٢٧٢٨٤)، ومِنْ طَرِيقِه أبو داود (٢٠١٦) حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، حَدَّثَنِي كَثِيرُ بْنُ كَثِيرِ بْنِ الْمُطَّلِبِ بْنِ أَبِي وِدَاعَةَ، عَنْ بَعْضِ أَهْلِهِ، عَنْ جَدِّهِ، أَنَّهُ: «رَأَى النَّبِيَّ ﷺ يُصَلِّي مِمَّا يَلِي بَابَ بَنِي سَهْمٍ وَالنَّاسُ يَمُرُّونَ بَيْنَ يَدَيْهِ وَلَيْسَ بَيْنَهُمَا سُتْرَةٌ». قلت: هذا حديث ضعيف كما سبق قريباً. ٣ - قَالَ الحافظ ابن حجر ﵀ في [فتح الباري] (١/ ٥٨٦): «ظاهر الحديث أنَّ الوعيد المذكور يختص بمن مرَّ لا بمن وقف عامداً مثلاً بين يدي المصلي أو قعد أو رقد لكن إن كانت العلة فيه التشويش على المصلي فهو في معنى المار» اهـ. قلت: الذي يظهر لي عدم دخول القعود أو الوقوف أو الاضطجاع بين يدي المصلي في النهي عن المرور بين يدي المصلي لأنَّه ليس بمرور بين يديه ولاضطجاع عائشة بين يدي النبي ﷺ وهو يصلي، والقول بأنَّ

стр. 2063

العلة هي التشويش فيها نظر إذ لو كانت هي العلة لمنع أيضاً المرور من وراء السترة إذا كان قريباً منها ولا يمنع من ذلك قطعاً. ٤ - وظاهر الحديث عموم النهي عن المرور في حق الإمام والمأموم والمنفرد. وخصَّ مالك وأصحابه، وهي رواية عن أحمد والشافعي المأموم فأجازوا المرور بين يديه. قلت: ويدل عليه ما رواه البخاري (٧٦)، ومسلم (١١٢٤) عن عبد الله بن عباس قَالَ: «أَقْبَلْتُ رَاكِبًا عَلَى حِمَارٍ أَتَانٍ وَأَنَا يَوْمَئِذٍ قَدْ نَاهَزْتُ الاِحْتِلَامَ وَرَسُولُ اللهِ ﷺ يُصَلِّي بِمِنًى إِلَى غَيْرِ جِدَارٍ فَمَرَرْتُ بَيْنَ يَدَيْ بَعْضِ الصَّفِّ وَأَرْسَلْتُ الأَتَانَ تَرْتَعُ فَدَخَلْتُ فِي الصَّفِّ فَلَمْ يُنْكَرْ ذَلِكَ عَلَيَّ». ويدل عليه أيضاً ما رواه أبو داود (٧٠٨) حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ الْغَازِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: «هَبَطْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ ثَنِيَّةِ أَذَاخِرَ فَحَضَرَتِ الصَّلَاةُ - يَعْنِي فَصَلَّى إِلَى جِدَارٍ - فَاتَّخَذَهُ قِبْلَةً وَنَحْنُ خَلْفَهُ، فَجَاءَتْ بَهْمَةٌ تَمُرُّ بَيْنَ يَدَيْهِ فَمَا زَالَ يُدَارِئُهَا حَتَّى لَصَقَ بَطْنَهُ بِالْجِدَارِ، وَمَرَّتْ مِنْ وَرَائِهِ»، أَوْ كَمَا قَالَ مُسَدَّدٌ. قلت: هذا حديث حسن. وروى أحمد (٢٠٩٥)، وأبو داود (٧١٦) مِنْ طَرِيقِ الْحَكَمِ وَهُوَ ابْنُ عُتَيْبَةَ عَنْ يَحْيَى بْنِ الْجَزَّارِ، عَنْ أَبِي الصَّهْبَاءِ، قَالَ: تَذَاكَرْنَا مَا يَقْطَعُ الصَّلَاةَ عِنْدَ ابْنِ عَبَّاسٍ،

стр. 2064

فَقَالَ: «جِئْتُ أَنَا وَغُلَامٌ مِنْ بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ عَلَى حِمَارٍ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي، فَنَزَلَ وَنَزَلْتُ وَتَرَكْنَا الْحِمَارَ أَمَامَ الصَّفِّ، فَمَا بَالَاهُ وَجَاءَتْ جَارِيَتَانِ مِنْ بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَدَخَلَتَا بَيْنَ الصَّفِّ فَمَا بَالَى ذَلِكَ». ورواه أحمد (٣١٦٧) مِنْ طَرِيقِ شعبة عن الحكم وليس في حديثه ذكر لأبي الصهباء. قَالَ الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٢/ ٦١١): «وصحح أبو حاتم الرازي - فيما نقله عنه ابنه - كلا القولين: إدخال صهيب في إسناده، وإسقاطه. وفي "مسند الإمام أحمد": أن يحيى بن الجزار لم يسمعه من ابن عباس. والظاهر: أن ذلك من قول شعبة. وكلام أحمد يدل على أن الصحيح دخوله في الإسناد» اهـ. قلت: إسناده ظاهره أنَّه صحيح وأبو الصهباء اسمه صهيب وثقه أبو زرعة وضعفه النسائي ولم يقم حجة على تضعيفه. لكن قَالَ الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٢/ ٦١١): «وأبو الصهباء، اسمه: صهيب المدني، وهو ثقة، وثقه أبو زرعة وغيره ويقَالَ أنه البكري، وهو مدني، لكن سئل عن صهيب هذا، فقَالَ: شيخ من أهل البصرة. وهذا يدل على أنَّه غير المدني» اهـ. إلى أن قَالَ ﵀: «وذكر الإمام أحمد هذا الحديث، واستدل به على أنَّ الصلاة إلى غير سترة صحيحة، وقَالَ: ليس هو بذاك. يعني: من جهة إسناده، ولعله رأى

стр. 2065

أنَّ صهيباً هذا غير معروف، وليس هو بأبي الصهباء البكري مولى ابن عباس؛ فإن ذاك مدني» اهـ. قلت: ورواه أبو يعلى في [مسنده] (٢٤٢٣) حدثنا علي بن الجعد أخبرنا شعبة عن عمرو بن مرة قَالَ: سمعت يحيى بن الجزار: عن ابن عباس قَالَ: «جئت أنا وغلام من بني هاشم على حمار فمررنا بين يدي النبي ﷺ وهو يصلي فنزلنا عنه وتركنا الحمار يأكل من بقل الأرض - أو قَالَ: من نبات الأرض - فدخلنا معه في الصلاة فقَالَ رجل: أكان بين يديه عنزة؟ قَالَ: لا» اهـ. قلت: وليس في هذا الإسناد ذكر لأبي الصهباء وقد سبق أنَّ الإمام أحمد صحح إثبات أبي الصهباء. قَالَ الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٢/ ٦١٤ - ٦١٧): «وأمَّا جواز المرور بين يدي المأمومين إذا كانت سترة إمامهم محفوظة ففيه قولان: أحدهما: أنَّه منهي عنه - أيضاً - نص عليه في رواية الأثرم، في الرجل يكون خلف الإمام وبين يديه صف، فيكون في الصف الذي بين يديه خلل عن يساره ليس هو بحذائه، أيمشي إليه فيسده؟ قَالَ: إن كان بحذائه فعل فأمَّا أن يمشي معترضاً فيؤذي الذي إلى جنبه ويمر بين يديه فلا. وهذا يدل على أنَّ المشي بين يدي المأمومين داخل في النهي.

стр. 2066

ومن أصحابنا من حمل ذلك على كراهة التنزيه، بخلاف المشي بين الإمام والمنفرد. والكراهة قول أصحاب الشافعي - أيضاً - وسيأتي عن الشافعي ما يدل عليه. وقَالَ سفيان: لا يعجبني ذلك. وذكر مالك في "الموطأ" أنَّه بلغه، أنَّ ابن عمر كان يكره أن يمر بين يدي النساء وهنَّ يصلين. وحمله بعضهم على كراهة المرور بين يدي صفوف النساء في مؤخرة المسجد إذا صلين مع الإمام. والقول الثاني: جوازه من غير كراهة، وأنَّه غير داخل في النهي، وقد حكاه بعض أصحابنا رواية عن أحمد، إذا كان مشيه لحاجة؛ كمشيه إلى فرجة في الصف، أو إذا لم يجد موضعاً يصلي فيه. وهو ظاهر كلام كثير من أصحابنا؛ فإنَّهم استدلوا بحديث ابن عباس على أن سترة الإمام سترة لمن خلفه، وجعلوا عدم الإنكار على ابن عباس دليلاً على ذلك. وكلام ابن عباس يدل عليه - أيضاً - فإنَّه استدل بعدم الإنكار على الجواز. وهو مستلزم لعدم بطلان الصلاة، وهذا مذهب مالك وأصحابه. ذكر مالك في " الموطأ": "باب: الرخصة في المرور بين يدي المصلي"، وخرج فيه حديث ابن عباس هذا، ثم قَالَ: بلغني أنَّ سعد بن وقاص كان يمر بين يدي بعض الصفوف والصلاة قائمة. قَالَ مالك: وأنا أرى ذلك واسعاً، إذا أقيمت الصلاة بعد أن يحرم الإمام ولم يجد المرء مدخلاً إلى المسجد إلَّا بين الصفوف.

стр. 2067

وقد ذكر أبو داود في "سننه" بعض كلام مالك، عن القعنبي، عنه. وقَالَ سفيان الثوري: إذ انتهى إلى المسجد والطريق بين أيديهم، فإنَّه يمشي معترضاً حتى يدخل المسجد. وفي "تهذيب المدونة " للبرادعي: ولا بأس بالمرور بين الصفوف عرضاً، والإمام سترة لهم، وإن لم يكونوا إلى ستر، وكذلك من رعف وأحدث فليخرج عرضاً، وليس عليه أن يرجع إلى عجز المسجد. وذكر ابن عبد البر في " التمهيد" أنَّ المأموم لا يدفع من مر بين يديه، وقَالَ: لا أعلم بين أهل العلم فيه خلافاً. وذكر في " الاستذكار" قول مالك الذي ذكره في " الموطأ"، وذكر أنَّ مالكاً يرخص في ذلك لمن لم يجد منه بداً، وأنَّ غيره لا يرى به بأساً - يعني: بكل حال، سواء اضطر إليه أو لا -؛ لحديث ابن عباس. قَالَ: وقد قدمنا أنَّ الإمام سترة لمن خلفه، فالماشي خلفه أمام الصف كالماشي خلفه دون صف. قَالَ: ويحتمل هذا أن يكون المار لم يجد بداً كما قَالَ مالك. ولكن الظاهر ما قدمنا من الآثار الدالة على أن الإمام سترة لمن خلفه. وهذا الكلام يدل على أنَّ للعلماء اختلافاً: هل الرخصة تختص بحال الضرورة أم تعم؟.

стр. 2068

وقد حكا بعض أصحابنا رواية أخرى عن أحمد، بأنَّ من كان بين يديه فرجة فلا يكره له أن يمشي عرضاً بين الصفوف حتى يقوم فيها. وهذا قول ثالث بالرخصة في ذلك لحاجة إليه، وإن لم يكن ضرورة. وذكر البيهقي في كتابه "المعرفة" عن الشافعي في القديم، أنَّه ذكر قول مالك في هذا، واعتراض من اعترض عليه ثم أخذ في الذب عنه، واحتج بحديث ابن عباس وغيره، وأشار إلى أنَّ ذلك إنمَّا قَالَه في المرور بين يدي المتنفلين الذين عليهم قطع النافلة للمكتوبة، ولا يجد الداخل طريقاً غير الممر بين أيديهم. ومعنى هذا أنَّه إنَّما يجوز المرور للضرورة بين يدي من يصلي صلاة مكروهة، هو من يتنفل بعد إقامة الصلاة، أو يطيل في نافلته وقد أقيمت الصلاة. ولكن أصحاب مالك حملوا كلام مالك على عمومه في حال الضرورة كما تقدم، وهذا الكلام من الشافعي يدل على أنَّ المأمومين لا يجوز المرور بين أيديهم إذا كانوا يقتدون بصلاة الإمام لضرورة ولا غيرها، كما قَالَه أحمد في غير حال الضرورة في رواية الأثرم. وقَالَ أصحاب الشافعي: إذا وجد الداخل فرجة في الصف الأول، فله أن يمر بين يدي الصف الثاني ويصف فيها؛ لتقصير أهل الثاني بتركها. وهذا موافق لكلام الشافعي، حيث لم يجز المرور إلَّا مع تقصير المصلين، لكنَّه يخصه بحال الضرورة وأصحابه لم يخصوه بذلك.

стр. 2069

ونص الشافعي في كتاب "مختلف الحديث" على أنَّ المرور بين يدي المصلي إلى غير سترة مباح غير مكروه، واستدل بحديث ابن عباس هذا، وبحديث المطلب بن أبي وداعة» اهـ. ٥ - وأخذ من هذا بعض العلماء أنَّ المرور بين يدي المصلي من كبائر الذنوب وذلك مستفاد من التغليظ الوارد في الحديث. ٦ - في الحديث النهي عن المرور بين يدي المصلي واختلف العلماء في حد النهي عن المرور فذهب بعضهم إلى ثلاثة أذرع وذهب بعضهم إلى ستة أذرع وحد بعضهم ذلك بقذفة بحجر، ومنهم برمية بسهم ومنهم بطول السهم. وقد جاء في تقدير ذلك بقذفة بحجر حديث لا يصح رواه أبو داود (٧٠٤) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، مَوْلَى بَنِي هَاشِمٍ الْبَصْرِيُّ حَدَّثَنَا مُعَاذٌ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: أَحْسَبُهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ إِلَى غَيْرِ سُتْرَةٍ فَإِنَّهُ يَقْطَعُ صَلَاتَهُ الْكَلْبُ وَالْحِمَارُ وَالْخِنْزِيرُ وَالْيَهُودِيُّ وَالْمَجُوسِيُّ وَالْمَرْأَةُ، وَيُجْزِئُ عَنْهُ إِذَا مَرُّوا بَيْنَ يَدَيْهِ عَلَى قَذْفَةٍ بِحَجَرٍ». قَالَ أَبُو دَاوُدَ: «فِي نَفْسِي مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ شَيْءٌ كُنْتُ أُذَاكِرُ بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَغَيْرَهُ فَلَمْ أَرَ أَحَدًا جَاءَ بِهِ عَنْ هِشَامٍ وَلَا يَعْرِفُهُ، وَلَمْ أَرَ أَحَدًا يُحَدِّثُ بِهِ عَنْ هِشَامٍ وَأَحْسَبُ الْوَهْمَ مِنَ ابْنِ أَبِي سَمِينَةَ يَعْنِي مُحَمَّدَ بْنَ إِسْمَاعِيلَ الْبَصْرِيَّ مَوْلَى بَنِي هَاشِمٍ، وَالْمُنْكَرُ فِيهِ ذِكْرُ الْمَجُوسِيِّ، وَفِيهِ عَلَى قَذْفَةٍ بِحَجَرٍ، وَذِكْرُ الْخِنْزِيرِ، وَفِيهِ نَكَارَةٌ»، قَالَ

стр. 2070

أَبُو دَاوُدَ: «وَلَمْ أَسْمَعْ هَذَا الْحَدِيثَ إِلَّا مِنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي سَمِينَةَ وَأَحْسَبُهُ وَهِمَ لِأَنَّهُ كَانَ يُحَدِّثُنَا مِنْ حِفْظِهِ» اهـ. وقَالَ الحافظ ابن القطان ﵀ في [بيان الوهم والإيهام] (٣/ ٣٥٥): «وعلة هذا الحديث بادية، وهي الشك في رفعه، فلا يجوز أن يقَالَ: إنه مرفوع، وراويه قد قَالَ: أحسبه عن رسول الله ﷺ ، وإلا فليس في إسناده متكلم فيه إلا عكرمة، وهو عندي من لا يوضع فيه نظر» اهـ. وقَالَ الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٢/ ٧٠٣): «وقد خرجه ابن عدي مِنْ طَرِيقِين، عن معاذ، وقَالَ: هذا عن يحيى غير محفوظ بهذا المتن. وقد تبين بذلك أن ابن أبي سمينة لم ينفرد به كما ظنه أبو داود، ولكنه منكر كما قَالَه ابن عدي» اهـ. قلت: وقَالَ الحافظ الذهبي في [ميزان الاعتدال] (٣/ ٤٨٢) - بعد ذكره لبعض كلام أبي داود السابق في تعليل الحديث -: «قلت صدوق، لأنَّه منكر جداً، ولكنه قد شك في رفعه، ووقفه يحتمل إن كان محفوظاً» اهـ. قلت: قَالَ الحافظ ابن عبد البر ﵀ في [الاستذكار] (٢/ ٢٢٢):
следующие страницы →