Полный текст (8 095 стр.). Показаны 2066–2105 · переход к 2071.
стр. 2066
ومن أصحابنا من حمل ذلك على كراهة التنزيه، بخلاف المشي بين الإمام والمنفرد. والكراهة قول أصحاب الشافعي - أيضاً - وسيأتي عن الشافعي ما يدل عليه.
وقَالَ سفيان: لا يعجبني ذلك. وذكر مالك في "الموطأ" أنَّه بلغه، أنَّ ابن عمر كان يكره أن يمر بين يدي النساء وهنَّ يصلين.
وحمله بعضهم على كراهة المرور بين يدي صفوف النساء في مؤخرة المسجد إذا صلين مع الإمام.
والقول الثاني: جوازه من غير كراهة، وأنَّه غير داخل في النهي، وقد حكاه بعض أصحابنا رواية عن أحمد، إذا كان مشيه لحاجة؛ كمشيه إلى فرجة في الصف، أو إذا لم يجد موضعاً يصلي فيه.
وهو ظاهر كلام كثير من أصحابنا؛ فإنَّهم استدلوا بحديث ابن عباس على أن سترة الإمام سترة لمن خلفه، وجعلوا عدم الإنكار على ابن عباس دليلاً على ذلك. وكلام ابن عباس يدل عليه - أيضاً - فإنَّه استدل بعدم الإنكار على الجواز. وهو مستلزم لعدم بطلان الصلاة، وهذا مذهب مالك وأصحابه.
ذكر مالك في " الموطأ": "باب: الرخصة في المرور بين يدي المصلي"، وخرج فيه حديث ابن عباس هذا، ثم قَالَ: بلغني أنَّ سعد بن وقاص كان يمر بين يدي بعض الصفوف والصلاة قائمة.
قَالَ مالك: وأنا أرى ذلك واسعاً، إذا أقيمت الصلاة بعد أن يحرم الإمام ولم يجد المرء مدخلاً إلى المسجد إلَّا بين الصفوف.
стр. 2067
وقد ذكر أبو داود في "سننه" بعض كلام مالك، عن القعنبي، عنه.
وقَالَ سفيان الثوري: إذ انتهى إلى المسجد والطريق بين أيديهم، فإنَّه يمشي معترضاً حتى يدخل المسجد.
وفي "تهذيب المدونة " للبرادعي: ولا بأس بالمرور بين الصفوف عرضاً، والإمام سترة لهم، وإن لم يكونوا إلى ستر، وكذلك من رعف وأحدث فليخرج عرضاً، وليس عليه أن يرجع إلى عجز المسجد.
وذكر ابن عبد البر في " التمهيد" أنَّ المأموم لا يدفع من مر بين يديه، وقَالَ: لا أعلم بين أهل العلم فيه خلافاً.
وذكر في " الاستذكار" قول مالك الذي ذكره في " الموطأ"، وذكر أنَّ مالكاً يرخص في ذلك لمن لم يجد منه بداً، وأنَّ غيره لا يرى به بأساً - يعني: بكل حال، سواء اضطر إليه أو لا -؛ لحديث ابن عباس. قَالَ: وقد قدمنا أنَّ الإمام سترة لمن خلفه، فالماشي خلفه أمام الصف كالماشي خلفه دون صف. قَالَ: ويحتمل هذا أن يكون المار لم يجد بداً كما قَالَ مالك. ولكن الظاهر ما قدمنا من الآثار الدالة على أن الإمام سترة لمن خلفه.
وهذا الكلام يدل على أنَّ للعلماء اختلافاً: هل الرخصة تختص بحال الضرورة أم تعم؟.
стр. 2068
وقد حكا بعض أصحابنا رواية أخرى عن أحمد، بأنَّ من كان بين يديه فرجة فلا يكره له أن يمشي عرضاً بين الصفوف حتى يقوم فيها.
وهذا قول ثالث بالرخصة في ذلك لحاجة إليه، وإن لم يكن ضرورة.
وذكر البيهقي في كتابه "المعرفة" عن الشافعي في القديم، أنَّه ذكر قول مالك في هذا، واعتراض من اعترض عليه ثم أخذ في الذب عنه، واحتج بحديث ابن عباس وغيره، وأشار إلى أنَّ ذلك إنمَّا قَالَه في المرور بين يدي المتنفلين الذين عليهم قطع النافلة للمكتوبة، ولا يجد الداخل طريقاً غير الممر بين أيديهم.
ومعنى هذا أنَّه إنَّما يجوز المرور للضرورة بين يدي من يصلي صلاة مكروهة، هو من يتنفل بعد إقامة الصلاة، أو يطيل في نافلته وقد أقيمت الصلاة.
ولكن أصحاب مالك حملوا كلام مالك على عمومه في حال الضرورة كما تقدم، وهذا الكلام من الشافعي يدل على أنَّ المأمومين لا يجوز المرور بين أيديهم إذا كانوا يقتدون بصلاة الإمام لضرورة ولا غيرها، كما قَالَه أحمد في غير حال الضرورة في رواية الأثرم.
وقَالَ أصحاب الشافعي: إذا وجد الداخل فرجة في الصف الأول، فله أن يمر بين يدي الصف الثاني ويصف فيها؛ لتقصير أهل الثاني بتركها.
وهذا موافق لكلام الشافعي، حيث لم يجز المرور إلَّا مع تقصير المصلين، لكنَّه يخصه بحال الضرورة وأصحابه لم يخصوه بذلك.
стр. 2069
ونص الشافعي في كتاب "مختلف الحديث" على أنَّ المرور بين يدي المصلي إلى غير سترة مباح غير مكروه، واستدل بحديث ابن عباس هذا، وبحديث المطلب بن أبي وداعة» اهـ.
٥ - وأخذ من هذا بعض العلماء أنَّ المرور بين يدي المصلي من كبائر الذنوب وذلك مستفاد من التغليظ الوارد في الحديث.
٦ - في الحديث النهي عن المرور بين يدي المصلي واختلف العلماء في حد النهي عن المرور فذهب بعضهم إلى ثلاثة أذرع وذهب بعضهم إلى ستة أذرع وحد بعضهم ذلك بقذفة بحجر، ومنهم برمية بسهم ومنهم بطول السهم. وقد جاء في تقدير ذلك بقذفة بحجر حديث لا يصح رواه أبو داود (٧٠٤) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، مَوْلَى بَنِي هَاشِمٍ الْبَصْرِيُّ حَدَّثَنَا مُعَاذٌ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: أَحْسَبُهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ إِلَى غَيْرِ سُتْرَةٍ فَإِنَّهُ يَقْطَعُ صَلَاتَهُ الْكَلْبُ وَالْحِمَارُ وَالْخِنْزِيرُ وَالْيَهُودِيُّ وَالْمَجُوسِيُّ وَالْمَرْأَةُ، وَيُجْزِئُ عَنْهُ إِذَا مَرُّوا بَيْنَ يَدَيْهِ عَلَى قَذْفَةٍ بِحَجَرٍ».
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: «فِي نَفْسِي مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ شَيْءٌ كُنْتُ أُذَاكِرُ بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَغَيْرَهُ فَلَمْ أَرَ أَحَدًا جَاءَ بِهِ عَنْ هِشَامٍ وَلَا يَعْرِفُهُ، وَلَمْ أَرَ أَحَدًا يُحَدِّثُ بِهِ عَنْ هِشَامٍ وَأَحْسَبُ الْوَهْمَ مِنَ ابْنِ أَبِي سَمِينَةَ يَعْنِي مُحَمَّدَ بْنَ إِسْمَاعِيلَ الْبَصْرِيَّ مَوْلَى بَنِي هَاشِمٍ، وَالْمُنْكَرُ فِيهِ ذِكْرُ الْمَجُوسِيِّ، وَفِيهِ عَلَى قَذْفَةٍ بِحَجَرٍ، وَذِكْرُ الْخِنْزِيرِ، وَفِيهِ نَكَارَةٌ»، قَالَ
стр. 2070
أَبُو دَاوُدَ: «وَلَمْ أَسْمَعْ هَذَا الْحَدِيثَ إِلَّا مِنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي سَمِينَةَ وَأَحْسَبُهُ وَهِمَ لِأَنَّهُ كَانَ يُحَدِّثُنَا مِنْ حِفْظِهِ» اهـ.
وقَالَ الحافظ ابن القطان ﵀ في [بيان الوهم والإيهام] (٣/ ٣٥٥):
«وعلة هذا الحديث بادية، وهي الشك في رفعه، فلا يجوز أن يقَالَ: إنه مرفوع، وراويه قد قَالَ: أحسبه عن رسول الله ﷺ ، وإلا فليس في إسناده متكلم فيه إلا عكرمة، وهو عندي من لا يوضع فيه نظر» اهـ.
وقَالَ الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٢/ ٧٠٣):
«وقد خرجه ابن عدي مِنْ طَرِيقِين، عن معاذ، وقَالَ: هذا عن يحيى غير محفوظ بهذا المتن.
وقد تبين بذلك أن ابن أبي سمينة لم ينفرد به كما ظنه أبو داود، ولكنه منكر كما قَالَه ابن عدي» اهـ.
قلت: وقَالَ الحافظ الذهبي في [ميزان الاعتدال] (٣/ ٤٨٢) - بعد ذكره لبعض كلام أبي داود السابق في تعليل الحديث -:
«قلت صدوق، لأنَّه منكر جداً، ولكنه قد شك في رفعه، ووقفه يحتمل إن كان محفوظاً» اهـ.
قلت: قَالَ الحافظ ابن عبد البر ﵀ في [الاستذكار] (٢/ ٢٢٢):
стр. 2071
«الفرق عندي لمن صلي بغير سترة بين من يدرأه وبين من لا يدرأه هو المقدار الذي لا ينال المصلي فيه المار بين يديه إذا مد يده إليه ليدرأه ويدفعه لإجماعهم على أن المشي في الصلاة لا يجوز إلَّا إلى الفرج في الصف لمن ركع دونه» اهـ.
وقَالَ الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٢/ ٦٨٣):
«وحكي عن الحنفية، أنه لا يمنع من المرور إلَّا في محل سجود المصلي خاصة.
وحكى أبو بكر ابن العربي، عن قوم أنهم قدروه بمثل طول الرمح، وعن آخرين أنهم قدروه برمية السهم، وقَالَوا: هو حريم للمصلي. قَالَ: وأخذوه من لفظ المقاتلة، ولم يفهموا المراد منها. قَالَ: والمقاتلة هنا: المنازعة بالأيدي خاصة.
وقَالَ الشافعي: قوله: "فليقاتله" - يعني: فليدفعه» اهـ.
وفي [طرح التثريب] (٣/ ٢٠٦):
«إذا قلنا بقطع المرأة ومن ذكر معها الصلاة بمروره أو استقباله فما مقدار المسافة بين يدي المصلي التي يحصل بها المحذور؟ والجواب أنَّه إنَّما يحرم أو يكره إذا كان على دون ثلاثة أذرع لأنَّه مقدار السترة فإن زاد على الثلاثة فلا يضر وقَالَ بعضهم ستة أذرع وقَالَ بعضهم قذفة بحجر» اهـ.
وقَالَ الحافظ ابن حجر ﵀ في [فتح الباري] (١/ ٥٨٥):
стр. 2072
«قوله: "بين يدي المصلي" أي أمامه بالقرب منه وعبر باليدين لكون أكثر الشغل يقع بهما واختلف في تحديد ذلك فقيل إذا مر بينه وبين مقدار سجوده وقيل بينه وبين قدر ثلاثة أذرع وقيل بينه وبين قدر رمية بحجر» اهـ.
وقَالَ المرداوي ﵀ في [الإنصاف] (٢/ ٦٩):
«ومنها: القرب هنا ثلاثة أذرع على الصحيح من المذهب وعليه أكثر الأصحاب.
قَالَ المجد في شرحه: هذا أقوى عندي وقدمه في "الفروع" و"الرعاية الكبرى" و"تجريد العناية" و"الفائق" وقيل العرف وقيل ماله المشي إليه لقتل الحية على ما يأتي قريباً اختاره المصنف وغيره. وقَالَ في "الرعاية الصغرى و"الحاويين" وإن مر بقربه عن ثلاثة أذرع أو ماله المشي إليه» اهـ.
قلت: الذي يظهر لي أن تحديد من حدد ذلك بموضع السجود هو الصواب لثلاثة أوجه:
الوجه الأول: أنَّ هذا التقدير هو الذي يصدق عليه أنَّه بين يديه.
والوجه الثاني: أنَّ هذا الموضع هو منتهي ما يحتاج إليه المصلي في صلاته فإنَّه لا يحتاج في صلاته إلى ما هو أكثر من ذلك.
الوجه الثالث: أنَّ هذا المقدار هو الذي يمكن المصلى أن يدفع فيه المار وما زاد على ذلك فيه تعسر كما لا يخفى.
قَالَ العلامة ابن بطال ﵀ في [شرح البخاري] (٢/ ١٣٦):
стр. 2073
«والفرق بين ما يدرأُ فيه المصلى من مرَّ بين يديه وما لا يدرأ من المسافة، هو المقدار الذي ينال المصلي فيه المار بين يديه إذا مرَّ ليدفه، لإجماعهم أن المشي في الصلاة لا يجوز ولو أجزنا له المشي إليه باعًا أو باعين من غير أثر لركبنا أكثر من ذلك، وهذا لا يجوز بإجماع» اهـ.
وقَالَ العلامة ابن عثيمين ﵀ في [الشَّرْحُ الممتع] (٣/ ٢٤٦):
«وقد اختلف في المراد بما بين يديه، فقيل: إنه بمقدار ثلاثة أذرع من قدمي المصلي. وقيل: بمقدار رمية حجر، يعني بالرمي المتوسط لا بالقوي جداً ولا بالضعيف. وقيل: ما للمصلي أن يتقدم إليه بدون بطلان صلاته. وقيل: إن مرجع ذلك إلى العرف، فما كان يعد بين يديه، فهو بين يديه، وما كان لا يعد عرفاً بين يديه، فليس بين يديه.
وقيل: ما بين رجليه وموضع سجوده. وهذا أقرب الأقوال، وذلك لأن المصلي لا يستحق أكثر مما يحتاج إليه في صلاته، فليس له الحق أن يمنع الناس مما لا يحتاجه» اهـ.
وقَالَ العلامة الألباني ﵀ في [السلسة الضعيفة] (٢/ ٤٣١) - عند كلامه على حديث المطلب السابق -: «الثالث: أن الحديث ليس فيه التصريح بأن الناس كانوا يمرون بينه ﷺ وبين موضع سجوده، فإن هذا هو المقصود من المرور المنهي عنه على الراجح من أقوال العلماء» اهـ.
стр. 2074
تنبيه: قَالَ الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٢/ ٦٧٨):
«وقد وقع في بعض نسخ كتاب البخاري، ومسلم - أيضاً - بعد: "ماذا عليه": "من الإثم"، وهي غير محفوظة» اهـ.
وقَالَ الحافظ ابن حجر ﵀ في [فتح الباري] (١/ ٥٨٥):
«قوله: "ماذا عليه" زاد الكشميهني "من الإثم" وليست هذه الزيادة في شيء من الروايات عند غيره والحديث في "الموطأ" بدونها وقَالَ ابن عبد البر لم يختلف على مالك في شيء منه وكذا رواه باقي الستة وأصحاب المسانيد والمستخرجات بدونها ولم أرها في شيء من الروايات مطلقاً لكن في "مصنف" ابن أبي شيبة "يعني من الإثم" فيحتمل أن تكون ذكرت في أصل البخاري حاشية فظنها الكشميهني أصلاً لأنه لم يكن من أهل العلم ولا من الحفاظ بل كان راوية وقد عزاها المحب الطبري في الأحكام للبخاري وأطلق فعيب ذلك عليه وعلى صاحب "العمدة" في إيهامه أنها في الصحيحين وأنكر بن الصلاح في "مشكل الوسيط" على من أثبتها في الخبر فقَالَ: لفظ الإثم ليس في الحديث صريحاً ولما ذكره النووي في "شرح المهذب" دونها قَالَ وفي رواية رويناها في الأربعين لعبد القادر الهروي "ماذا عليه من الإثم"» اهـ.
قلت: ورواه ابن أبي شيبة في [مصنفه] (٢٩٢٧)، و [مسنده] (٥٧٤)، وأبو نعيم في [معرفة الصحابة] (٣٥٩٧) مِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي النَّضْرِ، عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جُهَيْمٍ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
стр. 2075
وَسَلَّمَ: «لَوْ يَعْلَمُ أَحَدُكُمْ مَا لَهُ فِي الْمَمَرِّ مِنْ بَيْنِ يَدَيْ أَخِيهِ وَهُوَ يُصَلِّي - يَعْنِي مِنَ الْإِثْمِ - لَوَقَفَ أَرْبَعِينَ».
قلت: والذي يظهر لي أنَّها مدرجة من باب التفسير. والله أعلم.
ثم رأيت الحافظ ابن رجب ﵀ يقول في [فتح الباري] (٢/ ٦٧٩):
«وقد وقعت في كتاب ابن أبي شيبة من رواية الثوري، مدرجة بلفظة: "يعني: من الإثم"، فدل على إنها مدرجة من قول بعض الرواة، وتفسير للمعنى؛ فإن هذا يفهم من قوله: "ماذا عليه"، فإن ابن آدم له عمله الصالح وعليه عمله السيئ، كما قَالَ تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا﴾. وقَالَ: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾، وإذا كان هذا عليه فهو من سيئاته» اهـ.
فائدة/ روى ابن ماجه (٩٤٦) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَوْهَبٍ، عَنْ عَمِّهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «لَوْ يَعْلَمُ أَحَدُكُمْ مَا لَهُ فِي أَنْ يَمُرَّ بَيْنَ يَدَيْ أَخِيهِ، مُعْتَرِضًا فِي الصَّلَاةِ، كَانَ لَأَنْ يُقِيمَ مِائَةَ عَامٍ، خَيْرٌ لَهُ مِنَ الْخَطْوَةِ الَّتِي خَطَاهَا».
قلت: ولا يصح هذا الحديث لجهالة حال عم عبيد الله واسمه عبيد الله بن عبد الله بن موهب القرشي.
стр. 2076
وروى عبد الرزاق في [مصنفه] (٢٣٢٤) عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: «لَوْ يَعْلَمُ الْمَارُّ بَيْنَ يَدَيِ الْمُصَلِّي مَاذَا عَلَيْهِ، كَانَ يَقُومُ حَوْلًا خَيْرٌ لَهُ مِنْ ذَلِكَ، إِذَا لَمْ يَكُنْ بَيْنَ يَدَيِ الْمُصَلِّي سُتْرَةٌ».
قلت: قتادة لم يدرك عمر فإنَّه ولد سنة ستين، ووفاة عمر كان سنة ثلاث وعشرين.
وروى البزار في [مسنده] (٣٧٨٢) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ، قَالَ: نَا سُفْيَانُ، عَنْ سَالِمٍ أَبِي النَّضْرِ، عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ، قَالَ: أَرْسَلَنِي أَبُو جُهَيْمٍ إِلَى زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ أَسْأَلُهُ عَنِ الْمَارِّ بَيْنَ يَدَيِ الْمُصَلِّي فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «لَوْ يَعْلَمُ الْمَارُّ بَيْنَ يَدَيِ الْمُصَلِّي مَاذَا عَلَيْهِ كَانَ لِأَنْ يَقُومَ أَرْبَعِينَ خَرِيفًا خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَمُرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ».
قَالَ الحافظ الزيلعي ﵀ في [نصب الراية] (٢/ ٧٩ - ٨٠):
«وفيه فائدتان: إحداهما: قوله: "أربعين خريفاً". الثانية: إن متنه عكس متن "الصحيحين"، فالمسئول في لفظ "الصحيحين" هو أبو الجهيم، وهو الراوي عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، والمسئول الراوي عند البزار زيد بن خالد، ونسب ابن القطان. وابن عبد البر الوهم فيه إلى ابن عيينة، قَالَ ابن القطان في "كتابه" بعد أن ذكرهم من جهة البزار: وقد خطأ الناس ابن عيينة في ذلك، لمخالفته رواية مالك، وليس خطؤه بمتعين، لاحتمال أن يكون أبو جهيم بعث بشر بن سعيد إلى زيد بن خالد، وزيد بن خالد بعثه إلى أبي جهيم، بعد أن أخبره بما عنده، ليستثبته
стр. 2077
فيما عنده، فأخبر كل واحد منهما بمحفوظه، وشك أحدهما، وجزم الآخر بأربعين خريفاً، واجتمع ذلك كله عند أبي النضر، وحدث به الإمامين: مالك. وابن عيينة، فحفظ مالك حديث أبي جهيم، وحفظ سفيان حديث زيد بن خالد، انتهى كلامه.، وقَالَ ابن عبد البر في "التمهيد": روى ابن عيينة هذا الحديث مقلوباً، فجعل في موضع زيد بن خالد، أبا جهيم، وفي موضع أبي جهيم، زيد بن خالد، والقول عندنا قول مالك، وقد تابعه الثوري وغيره، انتهى كلامه. قلت: وحديث ابن عيينة في "سنن ابن ماجه" بمثل حديث البزار، إلا أنه لم يسم أبا جهيم، ولفظه: حدثنا هشام بن عمار ثنا سفيان بن عيينة عن سالم أبي النضر عن بشر بن سعيد، قَالَ: أرسلوني إلى زيد بن خالد أسأله عن المرور بين يدي المصلي، فأخبرني عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، أنه قَالَ: "لأن يقوم أربعين، خير له من أن يمر بين يديه"، قَالَ سفيان: لا أدري، أربعين سنة. أو شهراً. أو صباحاً. أو ساعة، انتهى. ثم أخرجه عن وكيع ثنا سفيان عن سالم أبي النضر به، بمتن "الصحيحين"، ولا أدري سفيان هذا الذي في السند الثاني، أهو الثوري. أو ابن عيينة، فإن كان الثوري، فقد وافق كلام ابن عبد البر، وإن كان ابن عيينة، فقد خالفه، والذي يظهر أنه ابن عيينة، يدل عليه السند الأول، والله أعلم» اهـ.
قلت: الذي يظهر لي أنَّ رواية الإمام مالك هي الصواب وأنَّ سفيان ﵀ أخطأ في هذا الحديث.
стр. 2078
وقد قَالَ الحافظ ابن عبد البر ﵀ في [التمهيد] (٢١/ ١٤٨):
«قَالَ أحمد بن زهير سئل يحيى بن معين عن هذا الحديث فقَالَ خطأ إنما هو زيد إلى أبي جهيم كما روى مالك» اهـ.
وقَالَ الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٢/ ٦٧٨):
«وهذا كله وهم. وممن نص على أن جعل الحديث من مسند زيد بن خالد، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وهم من ابن عيينة، وخطأ: ابن معين في رواية ابن أبي خيثمة، وأشار إليه الإمام أحمد في رواية حنبل.
وقد اضطرب ابن عيينة في لفظه وإسناده، ولم يحفظه جيداً. وقد روي عنه كقول مالك وسفيان على الصواب. خرجه ابن خزيمة، عن علي بن خشرم، عنه.
ومن تكلف الجمع بين القولين من المتأخرين، فقوله ليس بشيء، ولم يأت بأمر يقبل منه» اهـ.
فائدة/ والمرور بين يدي المصلي لا يبطل الصلاة بل ينقص من أجرها.
قَالَ العلامة ابن قدامة ﵀ في [المغني] (٤/ ١٣):
«فصل: والمرور بين يدي المصلي ينقص الصلاة ولا يقطعها. قَالَ أحمد: يضع من صلاته، ولكن لا يقطعها.
وروي عن ابن مسعود، أن ممر الرجل يضع نصف الصلاة.
وكان عبد الله إذا مر بين يديه رجل التزمه حتى يرده. رواه البخاري بإسناده.
стр. 2079
قَالَ القاضي: ينبغي أن يحمل نقص الصلاة على من أمكنه الرد فلم يفعله، أما إذا رد فلم يمكنه الرد فصلاته تامة؛ لأنه لم يوجد منه ما ينقص الصلاة، فلا يؤثر فيها ذنب غيره» اهـ.
قلت: أثر ابن مسعود رواه ابن أبي شيبة في [مصنفه] (٢٩٢٥) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْأَسْوَدِ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: كَانَ ابْنُ مَسْعُودٍ، إِذَا مَرَّ أَحَدٌ بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُوَ يُصَلِّي الْتَزَمَهُ حَتَّى يَرُدَّهُ، وَيَقُولُ: «إِنَّهُ لَيَقْطَعُ نِصْفَ صَلَاةِ الْمَرْءِ مُرُورُ الْمَرْءِ بَيْنَ يَدَيْهِ».
قلت: وفيه عنعنة ابن إسحاق.
ورواه ﵀ (٢٩٣٢) حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنِ الْأَسْوَدِ، قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: «مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ لَا يَمُرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُوَ يُصَلِّي فَلْيَفْعَلْ، فَإِنَّ الْمَارَّ بَيْنَ يَدَيِ الْمُصَلِّي أَنْقَصُ مِنَ الْمُمَرِّ عَلَيْهِ».
قلت: هذا أثر صحيح وله حكم الرفع كما ذكر ذلك الحافظ ابن حجر ﵀ في [فتح الباري] (١/ ٥٨٤).
قلت: وليس فيه مقدار النقص.
* * *
стр. 2080
١٠٤ - عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ إلَى شَيْءٍ يَسْتُرُهُ مِنْ النَّاسِ، فَأَرَادَ أَحَدٌ أَنْ يَجْتَازَ بَيْنَ يَدَيْهِ فَلْيَدْفَعْهُ. فَإِنْ أَبَى فَلْيُقَاتِلْهُ. فَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَانٌ».
قَالَ الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٢/ ٦٧٦):
«وقوله ﷺ : "فإنَّما هو شيطان". تعليل للإذن في قتاله. وقد اختلف في معناه:
فقيل: المعنى: أنَّ معه الشيطان المقترن به، وهو يأمره بذلك وهو اختيار أبي حاتم وغيره. ويدل عليه: حديث ابن عمر: "فإن معه القرين".
وقيل: المراد: أنَّ فعله هذا فعل الشيطان، فهو بذلك من شياطين الإنس، وهو اختيار الجوزجاني وغيره.
وروى الدراوردي، عن صفوان بن سليم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد، أنَّه كان يصلي ومر بين يديه ابن لمروان، فضربه، فقَالَ مروان: ضربت ابن أخيك؟ فقَالَ: ما ضربت إلَّا شيطاناً؛ سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن أبى فرده، فإن أبى فقاتله؛ فإنَّما هو شيطان"» اهـ.
стр. 2081
قلت: حديث: «فَإِنَّ مَعَهُ الْقَرِينَ». رواه مسلم (٥٠٦) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ يُصَلِّي فَلَا يَدَعْ أَحَدًا يَمُرُّ بَيْنَ يَدَيْهِ فَإِنْ أَبَى فَلْيُقَاتِلْهُ فَإِنَّ مَعَهُ الْقَرِينَ».
وفي الحديث مسائل منها:
١ - منع المار بين يدي المصلي.
ويكون ذلك بالرفق في أول الأمر فإن أبي فبالمقاتلة وهي الدفع الشديد.
قَالَ العلامة النووي ﵀ في [شرح مسلم] (٤/ ٢٢٣):
«معنى يدرأ يدفع وهذا الأمر بالدفع أمر ندب وهو ندب متأكد ولا أعلم أحداً من العلماء أوجبه بل صرح أصحابنا وغيرهم بأنَّه مندوب غير واجب» اهـ.
قلت: قَالَ الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٢/ ٦٧١):
«وقول النبي ﷺ : "إذا كان أحدكم يصلي فلا يدع أحداً يمر بين يديه وليدرأه ما استطاع". أمر بدفع المار، ونهى عن تمكينه من المرور، وظاهره الوجوب.
وقد وقع في كلام ابن عبد البر ما يقتضيه، وأنَّه لا يعلم فيه خلافاً ووقع في كلامه - أيضاً - ما يقتضي أنَّه على الندب دون الوجوب، وهو قول كثير من أصحابنا والشافعية وغيرهم.
стр. 2082
وروي أبو نعيم: ثنا سفيان، عن داود، عن الشعبي، قَالَ: إذا مر الرجل بين يديك وأنت تصلي فلا ترده.
ولعله أراد إذا مر وذهب من بين يديه إلى الناحية الأخرى، فإنَّه لا يرده من حيث جاء، فإنَّه يصير مروراً ثانياً. وهذا قول الجمهور، وخالف فيه بعض السلف، منهم ابن مسعود وسالم.
وفي كلام بعض المالكية ما يقتضي وجوب الدفع، إذا كان للمار مندوحة عنه وكان المصلى قد تعرض لذلك في ابتداء صلاته» اهـ.
وقَالَ العلامة ابن مفلح ﵀ في [الفروع] (٢/ ٢٠٦):
«ويستحب رد المار (و) وينقص صلاته نص عليه، وحمله القاضي إن تركه قادراً، وعنه يجب رده» اهـ.
قلت: القول بالوجوب هو ظاهر الأدلة. والله أعلم.
٢ - أنَّ من أبى إلَّا المرور فللمصلي أن يقاتله بمعنى يدافعه بالأسهل فالأشد ولو أدى ذلك إلى قتله فدمه هدر ولا تكون المقاتلة إلَّا بالأيدي ولا يجوز استعمال السلاح اتفاقاً.
قَالَ العلامة ابن بطال ﵀ في [شرح البخاري] (٢/ ١٣٦):
«والمقاتلة هاهنا: المدافعة في لطف، وأجمعوا أنَّه لا يقاتله بسيف ولا يخاطفه» اهـ.
وقَالَ العلامة النووي ﵀ في [شرح مسلم] (٤/ ٢٢٣):
стр. 2083
«قَالَ القاضي عياض: واجمعوا على أنَّه لا يلزمه مقاتلته بالسلاح ولا ما يؤدي إلى هلاكه فإن دفعه بما يجوز فهلك من ذلك فلا قود عليه باتفاق العلماء وهل يجب ديته أم يكون هدراً فيه مذهبان للعلماء وهما قولان في مذهب مالك ﵁» اهـ.
قلت: الذي يظهر لي أنَّ دمه هدر لأنَّه ناتج عن فعل مأذون فيه.
٣ - واحتج بعض العلماء في قوله: «فَلْيُقَاتِلْهُ». على أنَّ حد المرور بين يدي المصلي المنهي هو مقدار رمية بسهم لأنَّ أبلغ ما في المقاتلة الرمي بالسهام.
قَالَ الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٢/ ٦٨٣):
«وحكي عن الحنفية، أنَّه لا يمنع من المرور إلَّا في محل سجود المصلي خاصة.
وحكى أبو بكر ابن العربي، عن قوم أنَّهم قدروه بمثل طول الرمح، وعن آخرين أنَّهم قدروه برمية السهم، وقَالَوا: هو حريم للمصلي. قَالَ: وأخذوه من لفظ المقاتلة، ولم يفهموا المراد منها. قَالَ: والمقاتلة هنا: المنازعة بالأيدي خاصة.
وقَالَ الشافعي: قوله: "فليقاتله" - يعني: فليدفعه» اهـ.
قلت: وقد سبق الكلام في هذه المسألة في الحديث الماضي.
٤ - وقوله: «إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ إِلَى شَيْءٍ يَسْتُرُهُ». احتج به من قَالَ: إنَّ المصلي إذا لم يتخذ سترة فليس له أن يدافع المارين.
قَالَ العلامة الخطابي ﵀ في [معالم السنن] (١/ ١٨٨):
стр. 2084
«قلت: وهذا إذا كان المصلي يصلي إلى سترة فإن لم تكن سترة يصلي إليها وأراد المار أن يمر بين يديه فليس له درؤه ولا دفعه» اهـ.
قلت: وقد سبق الكلام في هذه المسألة في الحديث الماضي.
٥ - الحديث احتج به الإمام البخاري على جواز التأديب في بعض الأوقات من غير إذن السلطان فقَالَ ﵀: «باب من أدب أهله أو غيره دون السلطان».
٦ - وفيه جواز الحركة في الصلاة للحاجة.
٧ - وفيه الدنو من السترة فإنَّه لا يتمكن من مدافعة المار بينه وبين السترة إلَّا إذا كان في دنو منها.
وقد جاء في الأمر بالدنو من السترة ما رواه أحمد (١٦١٣٤)، وأبو داود (٦٩٥)، والنسائي (٧٤٨) مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ قَالَ: ثنا صَفْوَانُ بْنُ سُلَيْمٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي نَافِعُ بْنُ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعَمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ إِلَى سُتْرَةٍ فَلْيَدْنُ مِنْهَا لَا يَقْطَعُ الشَّيْطَانُ عَلَيْهِ صَلَاتَهُ».
قلت: وهو حديث صحيح وسيأتي الكلام عليه في شرح الحديث الآتي.
وأمَّا مقدار الدنو من السترة فقد دلك على ذلك ما رواه البخاري (٤٩٦)، ومسلم (٥٠٨) عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: «كَانَ بَيْنَ مُصَلَّى رَسُولِ اللهِ ﷺ وَبَيْنَ الْجِدَارِ مَمَرُّ الشَّاةِ».
وروى البخاري (٥٠٦) عن نافع: «أَنَّ عَبْدَ اللهِ كَانَ إِذَا دَخَلَ الْكَعْبَةَ مَشَى قِبَلَ وَجْهِهِ حِينَ يَدْخُلُ وَجَعَلَ الْبَابَ قِبَلَ ظَهْرِهِ فَمَشَى حَتَّى يَكُونَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِدَارِ
стр. 2085
الَّذِي قِبَلَ وَجْهِهِ قَرِيبًا مِنْ ثَلَاثَةِ أَذْرُعٍ صَلَّى يَتَوَخَّى الْمَكَانَ الَّذِي أَخْبَرَهُ بِهِ بِلَالٌ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى فِيهِ قَالَ وَلَيْسَ عَلَى أَحَدِنَا بَأْسٌ إِنْ صَلَّى فِي أَىِّ نَوَاحِي الْبَيْتِ شَاءَ».
ورواه أحمد (٥٩٢٧)، وأبو داود (٢٠٢٦)، والنسائي (٧٤٩) مِنْ طَرِيقِ مالك عن نافع عن بن عمر: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ دَخَلَ الْكَعْبَةَ وَعُثْمَانُ بْنُ طَلْحَةَ وَأُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ وَبِلَالٌ، فَأَغْلَقَهَا فَلَمَّا خَرَجَ سَأَلْتُ بِلَالًا مَاذَا صَنَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ؟ قَالَ: تَرَكَ عَمُودَيْنِ عَنْ يَمِينِهِ، وَعَمُودًا عَنْ يَسَارِهِ، وَثَلَاثَةَ أَعْمِدَةٍ خَلْفَهُ، ثُمَّ صَلَّى، وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ ثَلَاثَةُ أَذْرُعٍ».
قلت: هذا حديث صحيح.
وقَالَ العلامة ابن بطال ﵀ في [شرح البخاري] (٢/ ١٣٠):
«هذا أقل ما يكون بين المصلى وسترته، وأكثر ذلك عند قوم من الفقهاء، وقَالَ آخرون: أقل ذلك ثلاثة أذرع؛ لحديث بلال أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ حين صلى في الكعبة بينه وبين القبلة قريبًا من ثلاثة أذرع، هذا قول عطاء، وبه قَالَ الشافعي، وأحمد بن حنبل، ولم يَحُدّ مالك في ذلك حدًا» اهـ.
وقَالَ الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٢/ ٦٢٦ - ٦٢٧):
«وروى وكيع بإسناده عن ابن مسعود، قَالَ: يصلي وبينه وبين القبلة مقدار ممر رجل. وعنه: قَالَ: لا يصلين أحدكم وبينه وبين القبلة فجوة.
стр. 2086
وسئل الحسن: هل كانوا يرقبون في البعد شيئاً؟ قَالَ: لا أعلمه.
وقَالَ ابن المنذر: كان عبد الله بن معقل يجعل بينه وبين سترته ستة أذرع.
وقَالَ عطاء: أقل ما يكفيك ثلاثة أذرع، وبه قَالَ الشافعي.
وقَالَ مهنأ: سألت أحمد عن الرجل يصلي، كم يكون بينه وبين القبلة؟ قَالَ: يدنو من القبلة ما استطاع، ثم قَالَ: إنَّ ابن عمر قَالَ: صلى رسول الله عليه وسلم في الكعبة، فكان بينه وبين الحائط ثلاثة أذرع.
وقَالَ الأثرم: سئل أبو عبد الله عن مقدار ما بين المصلي وبين السارية؟ فذكر حديث ابن عمر هذا. قيل له: يكون بينه وبين الجدار إذا سجد شبر؟ قَالَ: لا أدري ما شبر.
قَالَ الأثرم: ورأيته يتطوع وبينه وبين القبلة كثير، أذرع ثلاثة أو أكثر.
قَالَ ابن عبد البر: ولم يحد مالك في ذلك حداً.
ثم أشار ابن عبد البر إلى أنَّ الآخذين بحديث سهل بن سعد الذي خرجه البخاري في قدر ممر الشاة أولى.
وقَالَ في موضع آخر: حديث ابن عمر أصح إسناداً من حديث سهل، وكلاهما حسن.
قلت: ولو جمع بين حديث سهل وابن عمر فأخذ بحديث ابن عمر في النافلة وحديث سهل في الفريضة لكان له وجه؛ فإنَّ صلاة النبي في الكعبة كانت تطوعاً،
стр. 2087
وسهل إنَّما أخبر عن مقام النبي ﷺ في مسجده الذي كان يصلي فيه بالناس الفرائض.
وقَالَ القرطبي: قدره بعض الناس بقدر شبر.
قلت: هذا فيما يفصل عن محل سجوده، لا عن محل قيامه، كما سئل عنه الإمام أحمد فيما سبق.
قَالَ: ولم أحد في ذلك حداً، إلَّا أنَّ ذلك بقدر ما يركع فيه ويسجد، ويتمكن من دفع من يمر بين يديه.
قَالَ: وقد حمل بعض شيوخنا حديث ممر الشاة على ما إذا كان قائماً، وحديث ثلاثة أذرع على ما إذا ركع أو سجد.
كذا وجدته، وينبغي أن يكون بالعكس؛ فإنَّ الراكع والساجد يدنوان من السترة أكثر من القائم كما لا يخفى.
وذكر صاحب "المهذب" من الشافعية: أنَّ ممر العنز قدر ثلاثة أذرع، فعلى قوله يتحد معنى حديث سهل وحديث ابن عمر، وهو بعيد جداً.
ومتى صلى إلى سترة وتباعد عنها، فقَالَ أصحاب الشافعي: هو كما لو صلى إلى غير سترة، في المرور بين يديه ودفعه للمار، على ما سبق حكاية مذهبهم» اهـ.
стр. 2088
قلت: أثر عبد الله بن مغفل جاء بذكر السبعة الأذرع فروى عبد الرزاق في [مصنفه] (٢٣٠٧) عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، عَنْ يُونُسَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ: «رَأَيْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مُغَفَّلٍ يُصَلِّي وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ سُتْرَتِهِ نَحْوٌ مِنْ سَبْعِ أَذْرُعٍ».
قلت: إسناده صحيح.
وقَالَ الحافظ ابن حجر ﵀ في [فتح الباري] (١/ ٥٧٥):
«قَالَ ابن بطال: هذا أقل ما يكون بين المصلي وسترته يعني قدر ممر الشاة، وقيل أقل ذلك ثلاثة أذرع لحديث بلال أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صلى في الكعبة وبينه وبين الجدار ثلاثة أذرع كما سيأتي قريباً بعد خمسة أبواب وجمع الداودي بأنَّ أقله ممر الشاة وأكثره ثلاثة أذرع وجمع بعضهم بأنَّ الأول في حال القيام والقعود والثاني في حال الركوع والسجود، وقَالَ ابن الصلاح: قدروا ممر الشاة بثلاثة أذرع.
قلت: ولا يخفى ما فيه. وقَالَ البغوي استحب أهل العلم الدنو من السترة بحيث يكون بينه وبينها قدر إمكان السجود وكذلك بين الصفوف» اهـ.
قلت: روى أبو داود (٦٩٦) حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِيُّ، وَالنُّفَيْلِيُّ، قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي حَازِمٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي، عَنْ سَهْلٍ، قَالَ: «وَكَانَ بَيْنَ مَقَامِ النَّبِيِّ ﷺ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ مَمَرُّ عَنْزٍ».
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: الْخَبَرُ لِلنُّفَيْلِيِّ.
قلت: سنده صحيح.
стр. 2089
قَالَ العلامة الألباني ﵀ في [صحيح أبي داود] (٣/ ٢٧٩):
«قلت: إسناده صحيح على شرط الشيخين.
والحديث أخرجه البخاري (١/ ٤٥٥)، ومسلم (٢/ ٥٨ - ٥٩)، وابن خزيمة
(٨٠٤)، والبيهقي (٢/ ٢٧٢) من طرق أخرى عن عبد العزيز … به؛ بلفظ: مصلى؛ بدل: مقام.
وكذلك أخرجه أبو عوانة (٢/ ٥٥ - ٥٧).
فهذا اللفظ- الذي عند المصنف- شاذ عندي! ويؤيد ذلك: أنَّ "المقام": هو المكان الذي كان يقوم فيه ﵊؛ فعلى هذا؛ لا يمكنه ﷺ أن يسجد وبينه وبين الجدار ممر عنز أو شاة، كما عند الآخرين؛ لأنَّها مسافة ضيقة قدر ذراع، وأمَّا على رواية الجماعة: مصلى؛ فلا إشكال فيه؛ لأنَّه يمكن تفسيره بموضع السجود. وبذلك جزم النووي في "شرح مسلم".
وأمَّا الحافظ؛ فقد أبعد النجعة، وأفسد معنى هذه الرواية؛ حيث جعل الرواية الشاذة مفسرة لها! وقد ثبت في "البخاري " وغيره:
أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لما صلى في الكعبة؛ كان بينه وبين الجدار ثلاثة أذرع.
وهذا هو الممكن المعقول» اهـ.
قلت: نص كلام العلامة النووي في [شرح مسلم] (٤/ ٢٢٥):
стр. 2090
«يعني بالمصلى موضع السجود وفيه أنَّ السنة قرب المصلى من سترته» اهـ.
٨ - قال العلامة الباجي ﵀ في [المنتقى] (١/ ٢٧٦):
«وَمِنْ بَابِ الْمُرُورِ بَيْنَ يَدَيْ الْمُصَلِّي مُنَاوَلَةُ الشَّيْءِ بَيْنَ يَدَيْهِ لِأَنَّ ذَلِكَ مِمَّا يَشْغَلُ الْمُصَلِّيَ وَيَقْطَعُ عَلَيْهِ الْإِقْبَالَ عَلَى صَلَاتِهِ وَإِنَّمَا يُمْنَعُ الْمُرُورُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِهَذَا الْمَعْنَى.
وَقَدْ رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ فِي الْمَجْمُوعَةِ أَنَّهُ كَرِهَ أَنْ يَتَكَلَّمَ مَنْ عَنْ يَمْنَةِ الْمُصَلِّي وَمَنْ عَلَى يَسَارِهِ قَالَ وَحَسَنٌ أَنْ يَتَأَخَّرَ عَنْهُمَا وَوَجْهُ ذَلِكَ مَا ذَكَرْنَاهُ أَنَّهُ مِمَّا يَشْغَلُ الْمُصَلِّيَ بِمَا يَجْرِي بَيْنَ يَدَيْهِ» اهـ.
٩ - وفيه أنَّ الشيطان يدفع من يمر بين يدي المصلي.
وهل يقطع الصلاة بنفسه.
الأظهر أنَّه يمكنه ذلك إذا لم يتخذ المصلي سترة لما رواه أحمد (١٦١٣٤)، وأبو داود (٦٩٥)، والنسائي (٧٤٨) مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ قَالَ: ثنا صَفْوَانُ بْنُ سُلَيْمٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي نَافِعُ بْنُ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعَمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ إِلَى سُتْرَةٍ فَلْيَدْنُ مِنْهَا لَا يَقْطَعُ الشَّيْطَانُ عَلَيْهِ صَلَاتَهُ».
قلت: وهو حديث صحيح كما سبق.
وما رواه ابن أبي شيبة في [مصنفه] (٢٨٧٧) حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ، عَنْ مُسْلِمِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: «إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلْيُصَلِّ إِلَى سُتْرَةٍ وَلْيَدْنُ مِنْهَا كَيْ لَا يَمُرَّ الشَّيْطَانُ أَمَامَهُ».
стр. 2091
قلت: إسناده صحيح.
١٠ - وقوله: «إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ إِلَى شَيْءٍ يَسْتُرُهُ». يدل على أنَّ السترة لا بد أن تكون سميكة مرئية، وذلك لأنَّ الشيء الدقيق الذي لا يكاد يشاهد لا يحصل به مقصود الاستتار، وذلك لأنَّ المار لا يشعر به، ومثل ذلك الاستتار بالزجاج الصافي الذي لا يكاد أن يرى.
* * *
стр. 2092
١٠٥ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: «أَقْبَلْتُ رَاكِباً عَلَى حِمَارٍ أَتَانٍ، وَأَنَا يَوْمَئِذٍ قَدْ نَاهَزْتُ الاحْتِلامَ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي بِالنَّاسِ بِمِنًى إلَى غَيْرِ جِدَارٍ. مَرَرْتُ بَيْنَ يَدَيْ بَعْضِ الصَّفِّ فَنَزَلْتُ، فَأَرْسَلْتُ الأَتَانَ تَرْتَعُ. وَدَخَلْتُ فِي الصَّفِّ، فَلَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ عَلَيَّ أَحَدٌ».
وفي الحديث مسائل منها:
١ - احتج به من قَالَ إنَّ مرور الحمار بين يدي المصلي لا يقطع الصلاة.
وهذه مسألة تنازع فيها العلماء وقد بسط الكلام فيها الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٢/ ٦٩٦ - ٧١٨).
قلت: ولنفاسة ما ذكره من الأبحاث والمسائل سوف أسوق كلامه بجملته مع طوله فقد قَالَ ﵀:
«وقد اختلف العلماء في هذا: فقَالَت طائفة - كما قَالَه الزهري -: لا يقطع الصلاة شيء.
وروي ذلك عن عثمان وعلي وحذيفة وأبي سعيد وابن عمر وابن عباس، على اختلاف عن بعضهم.
وروي عن أبي بكر وعمر من وجه لا يصح، وسيأتي ذكره إن شاء الله.
стр. 2093
وممن قَالَ ذلك بعد الصحابة: سعيد بن المسيب وعبيدة السلماني والشعبي والقاسم بن محمد وعروة والزهري، وهو قول الثوري وأبي حنيفة ومالك والشافعي وأبي ثور وغيرهم.
وروى شعبة، عن عبيد الله بن عمر، عن سالم ونافع، عن ابن عمر، قَالَ: كان يقَالَ: لا يقطع صلاة المسلم شيء.
ورواه إبراهيم بن يزيد الخوزي، عن سالم، عن أبيه، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وأبا بكر وعمر قَالَوا: "لا يقطع صلاة المسلم شيء، وادرأ ما استطعت". خرجه الدارقطني. والخوزي: ضعيف جداً.
وصحح الدارقطني في كتاب "العلل" وقفه، وأنكر رفعه.
وخرج أبو داود من رواية أبي أسامة، عن مجالد، عن أبي الوداك، عن أبي سعيد، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: "لا يقطع الصلاة شيء، وادرءوا ما استطعتم".
وخرجه - أيضاً - من رواية عبد الواحد بن زياد، عن مجالد، عن أبي الوداك، عن أبي سعيد، قَالَ: إنَّ الصلاة لا يقطعها شيء، ولكن قَالَ رسول الله ﷺ : "ادرءوا ما استطعتم".
فجعل أوله موقوفاً. ومجالد، فيه ضعف مشهور. وقَالَ أحمد: كم من أعجوبة لمجالد.
стр. 2094
وروى إدريس بن يحيى الخولاني، عن بكر بن مضر، عن صخر بن عبد الله بن حرملة، سمع عمر بن عبد العزيز يقول: عَنْ أَنَسٍ بن مالك، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صلى بالناس، فمر بين أيديهم حمار، فقَالَ عياش بن أبي ربيعة: سبحان الله، سبحان الله، فلما سلم رسول الله ﷺ قَالَ: "من المسبح آنفاً: سبحان الله وبحمده؟ " قَالَ: أنا يا رسول الله؛ إني سمعت أنَّ الحمار يقطع الصلاة. قَالَ: "لا يقطع الصلاة شيء". خرجه الدارقطني.
وقَالَ في كتاب "العلل": خالف إدريس في رواية هذا الحديث الوليد بن مسلم، فرواه عن بكر بن مضر، عن صخر، عن عمر بن عبد العزيز، عن عياش بن أبي ربيعة. وغيرهما يرويه عن بكر بن مضر، عن صخر، عن عمر ابن عبد العزيز - مرسلاً. والمرسل أصح. وقد روي هذا المتن من حديث علي وأبي هريرة وعائشة وأبي أمامة، ولا يثبت منها شيء.
قَالَ العقيلي: الرواية في هذا الباب فيها لين وضعف.
وقَالَت طائفة: يقطع الصلاة مرور بعض الحيوانات.
ثم اختلفوا: فمنهم من قَالَ: يقطع الصلاة الكلب والحمار والمرأة، روي ذلك عن ابن عباس وأنس وعبد الله بن عياش بن أبي ربيعة ومكحول والحسن وأبي الأحوص.
стр. 2095
ومنهم من قَالَ: يقطع الصلاة الكلب الأسود والمرأة الحائض والحمار والكافر، رواه جابر بن زيد، عن ابن عباس. وروي عن الحكم الغفاري، أنَّه أعاد الصلاة من مرور حمار بين يديه.
وروي عن عكرمة، قَالَ: يقطع الصلاة الكلب والمرأة والخنزير والحمار والكافر.
وعن عطاء، قَالَ: يقطع الصلاة المرأة الحائض والكلب الأسود. واختاره أبو بكر ابن خزيمة، وزاد عليهما: الحمار.
والمشهور: عن عطاء، أنَّه يقطع الصلاة المرأة والحمار والكلب الأسود. وهو قول ابن جريج وأحمد في رواية عنه.
وروت صفية بنت شيبة، عن عائشة، قَالَتْ: إنَّما يقطع الصلاة الكلب والحمار والسنور.
وفي رواية أخرى عن عائشة، أنَّها قَالَتْ: والسنور الأسود. وحكي رواية عن أحمد في السنور الأسود.
وقَالَت طائفة: لا يقطع الصلاة سوى الكلب، وروي ذلك عن ابن عمر.
وروي عنه أنَّه أعاد صلاته من مرور كلب أصفر بين يديه، رواه مطر الوراق، عن نافع، عنه.
وروى بكر المزني، أنَّ ابن عمر أعاد ركعة من جرو مر بين يديه.
وهذا يدل على أنَّه تختص الإعادة بالركعة التي مر فيها الكلب.
стр. 2096
وروى ليث، عن طاووس، عن ابن عباس، قَالَ: ادرءوا عن صلاتكم ما استطعتم، وأشد ما يتقى عليها مرابض الكلاب.
وقَالَ ابن طاووس: كان أبي يشدد في الكلاب.
ومن هؤلاء من خص القطع بالكلب الأسود دون غيره من سائر الألوان.
وروى شعبة، عن الحكم، عن خيثمة، عن الأسود، عن عائشة، قَالَتْ: لا يقطع الصلاة إلَّا الكلب الأسود.
وقَالَ أبو نعيم: ثنا ابن عيينة، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قَالَ: الكلب الأسود البهيم شيطان، وهو يقطع الصلاة.
حدثنا ابن عيينة، عن ليث، عن مجاهد، عن معاذ مثله.
وهو المشهور عن أحمد، وقول إسحاق وأبي خيثمة زهير بن حرب وسليمان ابن داود الهاشمي والجوزجاني وغيرهم من فقهاء أهل الحديث.
واستدل من قَالَ: تقطع الصلاة بشيء من ذلك بأحاديث رويت عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، وليس شيء منها على شرط البخاري، ولا مما يحتج به.
وقد خرج مسلم منها حديثين: حديث: أبي ذر، وحديث أبي هريرة.
فحديث أبي ذر: خرجه مِنْ طَرِيقِ حميد بن هلال، عن عبد الله بن الصامت، عن أبي ذر، قَالَ: قَالَ رسول الله ﷺ : "إذا قام أحدكم يصلي فإنَّه يستره إذا كان بين يديه مثل آخرة الرحل، فإذا لم يكن بين يديه مثل آخرة الرحل، فإنَّه يقطع صلاته الحمار والمرأة والكلب الأسود. قلت: يا أبا ذر، ما بال الكلب
стр. 2097
الأسود من الكلب الأحمر من الكلب الأصفر؟ فقَالَ: يا ابن أخي، سألت رسول الله ﷺ كما سألتني، فقَالَ: "الكلب الأسود شيطان".
وحديث أبي هريرة خرجه مِنْ طَرِيقِ عبيد الله بن عبد الله بن الأصم: ثنا يزيد بن الأصم، عن أبي هريرة، قَالَ: قَالَ: رسول الله ﷺ : "يقطع الصلاة المرأة والحمار والكلب، ويقي ذلك مثل مؤخرة الرحل".
فأمَّا حديث أبي ذر، فقد قَالَ الإمام أحمد - في رواية المروذي -: إليه أذهب، وهو صحيح الإسناد، وقَالَ - في رواية علي بن سعيد -: هو حديث ثبت، يرويه شعبة وسليمان بن المغيرة - يعني: عن حميد بن هلال -، ثم قَالَ: ما في نفسي من هذا الحديث شيء.
وقَالَ الترمذي: حديث أبي ذر حسن صحيح.
وقَالَ البيهقي في "كتاب المعرفة": هذا الحديث صحيح إسناده، ونحن نحتج بأمثاله في الفقهيات، وإن كان البخاري لا يحتج به.
وقوله: "إنَّ البخاري لا يحتج به"، يشير إلى أنَّه لا يحتج بحديث عبد الله بن الصامت بن أخي أبي ذر، ولم يخرج له في "كتابه" شيئاً.
وقَالَ الشافعي في كتاب "مختلف الحديث" - في الحديث الذي فيه المرأة والحمار والكلب -: إنَّه عندنا غير محفوظ.
стр. 2098
ورده لمخالفته لحديث عائشة وغيره، ولمخالفته لظاهر قول الله : ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾.
وفي مسائل الحسن بن ثواب عن الإمام أحمد: قيل له: ما ترى في الحمار والكلب والمرأة؟ قَالَ: الكلب الأسود يقطع؛ أنَّه شيطان. قيل له حديث أبي ذر؟ قَالَ: هاتوا غير حديث أبي ذر، ليس يصح إسناده، ثم ذكر حديث الفضل بن عباس، أنَّه مر على بعض الصف وهو على حمار. قيل له: إنَّه كان بين يديه عنزة؟ قَالَ: هذا الحديث في فضاء.
وأمَّا حديث أبي هريرة، فلم يخرج البخاري ليزيد بن الأصم، ولا بني أخيه:
عبد الله بن عبد الله أبي العنبس، وأخيه عبيد الله شيئاً.
وهذا الحديث من رواية عبيد الله كما وجد في بعض النسخ، وقيل: إنَّ الصواب: أنَّه من رواية عبد الله.
وقد روى حديث أبي هريرة من وجه آخر: من رواية هشام الدستوائي، عن قتادة عن زرارة بن أوفى، عن سعد بن هشام، عن أبي هريرة، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ:
"يقطع الصلاة المرأة والكلب والحمار". خرجه الإمام أحمد وابن ماجه. وفي إسناده اختلاف على هشام في رفعه ووقفه، وفي ذكر: "سعد بن هشام" في إسناده
стр. 2099
وإسقاطه منه، والصحيح: ذكره -: قَالَه الدارقطني. ورواه ابن أبي عروبة وغير واحد، عن قتادة، فوقفوه، وذكروا في إسناده:
"هشاماً". ولعل وقفه أشبه.
وقد روي عن أبي هريرة مرفوعاً من وجه أخر لا يصح.
وروى يحيى بن سعيد، عن شعبة، عن قتادة؛ قَالَ: سمعت جابر بن زيد يحدث، عن ابن عباس، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : "يقطع الصلاة المرأة الحائض والكلب".
خرجه أبو داود، وابن ماجه وابن خزيمة في "صحيحة"، وعندهما: "الكلب الأسود".
قَالَ أبو داود: وقفه سعيد وهشام وهمام، عن قتادة، عن ابن عباس. انتهى.
وكذا وقفه غندر، عن شعبة. ورفعه سفيان بن حبيب، عن شعبة.
وذكر الحافظ أبو نعيم بإسناده، عن يحيى بن سعيد، قَالَ: لم يرفعه عن قتادة غير شعبة. قَالَ يحيى: وأنا أفرقه. وحكى غيره عن يحيى، أنَّه قَالَ: أخاف أن يكون وهم - يعني: شعبة.
وقَالَ الإمام أحمد: ثنا يحيى، قَالَ شعبة رفعه. قَالَ: وهشام لم يرفعه. قَالَ أحمد: كان هشام حافظاً.
стр. 2100
وهذا ترجيح من أحمد لوقفه، وقد تبين أنَّ شعبة اختلف عليه في وقفه ورفعه. ورجح أبو حاتم الرازي رفعه. وخرج أبو داود، عن محمد بن إسماعيل البصري - هو: ابن أبي سمينة -، عن معاذ بن هشام، عن أبيه، عن يحيى - هو: ابن أبي كثير، عن عكرمة، عن ابن عباس - قَالَ: أحسبه عن رسول الله ﷺ ، قَالَ: "إذا صلى أحدكم إلى غير سترة فإنه يقطع صلاته الحمار والخنزير واليهودي والمجوسي والمرأة، ويجزئ عنه إذا مروا بين يديه على قذفه بحجر".
وقَالَ أبو داود: لم أر أحداً يحدث به عن هشام، واحسب الوهم فيه من ابن أبي سمينة؛ لأنَّه يحدثنا من حفظه. انتهى. وهو مشكوك في رفعه.
وقد خرجه ابن عدي مِنْ طَرِيقِين، عن معاذ، وقَالَ: هذا عن يحيى غير محفوظ بهذا المتن.
وقد تبين بذلك أنَّ ابن أبي سمينة لم ينفرد به كما ظنه أبو داود، ولكنه منكر كما قَالَه ابن عدي.
وخرجه ابن أبي شيبة عن أبي داود، عن هشام، عن يحيى، عن عكرمة - من قوله.
ورواه عبيس بن ميمون، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ .
قَالَ أبو زرعة الرازي، هو حديث منكر، وعبيس شيخ ضعيف الحديث.
وقَالَ الأثرم: هذا إسناد واه.
стр. 2101
وروى سعيد، عن قتادة، عن الحسن، عن عبد الله بن مغفل، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: "يقطع الصلاة المرأة والحمار والكلب".
خرجه الإمام أحمد وابن ماجه وابن حبان في "صحيحة".
وقد اختلف فيه على قتادة، وعلى الحسن:
فقيل: عن قتادة، كما ترى في الإسناد، وهو الصحيح عند الدارقطني وغيره.
وقيل عن سعيد، عن قتادة، عَنْ أَنَسٍ. وقيل عنه، عن قتادة، عن جابر بن زيد، عن ابن عباس - من قوله كما سبق.
وقَالَ هشام: عن قتادة، عن زرارة، عن سعد، عن أبي هريرة كما سبق.
واختلف فيه عن الحسن:
فقيل: عنه كما ترى. وقَالَ حوشب: عن الحسن، عن الحكم بن عمرو، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ .
وذكر هذا الاختلاف الدارقطني، وقَالَ: الصحيح من ذلك: قتادة، عن الحسن، عن ابن مغفل.
وروى يحيى بن أبي كثير، عن شعبة: عن عبيد الله بن أبي بكر بن أنس، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: "يقطع الصلاة الكلب والمرأة والحمار". خرجه البزار.
وكذا رواه أبو زيد الهروي سعد بن الربيع، عن شعبة - مرفوعاً.
стр. 2102
ورواه غندر وأبو الوليد ومحمد بن كثير، عن شعبة، عن عبيد الله، عَنْ أَنَسٍ موقوفاً.
قَالَ الدارقطني: والموقوف أصح.
وخرج الإمام أحمد ثنا أبو المغيرة: ثنا صفوان: ثنا راشد بن سعد، عن عائشة، قَالَتْ: قَالَ رسول الله ﷺ : "لا يقطع صلاة المسلم شيء، إلَّا الحمار والكافر والكلب والمرأة". قَالَتْ عائشة: يا رسول الله، لقد قرنا بدواب سوء.
هذا منقطع؛ راشد لم يسمع من عائشة بغير شك. ووهم في ذلك، وإنَّما الصحيح: ما رواه أصحاب عائشة الحفاظ، عنها، أنَّه ذكر عندها ذلك، فقَالَت: لقد قرنتمونا بقرناء سوء، ونحو هذا المعنى.
وقد ذكر الميموني أن أحمد ذكر له أنَّ الحوضي روى مِنْ طَرِيقِ الأسود، عن عائشة - مرفوعاً -: "يقطع الصلاة المرأة والحمار والكلب الأسود". فقَالَ أحمد: غلط الشيخ عندنا؛ هذا عن رسول الله ﷺ وهي تقول: عدلتمونا بالكلب والحمار؟.
يعني: لو كان هذا عندها عَنِ النَّبِيِّ ﷺ لما قَالَتْ ما قَالَتْ.
وخرج أبو داود من رواية سعيد بن عبد العزيز، عن مولى ليزيد بن نمران، عن يزيد بن نمران، قَالَ، رأيت رجلاً بتبوك مقعداً، فقَالَ: مررت بين يدي النبي صَلَّى
стр. 2103
اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأنا على حمار وهو يصلي، فقَالَ: "اللهم اقطع أثره"، فما مشيت عليها بعد.
وفي رواية له: فقَالَ: "قطع صلاتنا قطع الله أثره". وفي إسناده جهالة.
فالقائلون: بأنَّ الصلاة يقطعها الكلب والحمار والمرأة تعقلوا بظواهر هذه الأحاديث.
وأمَّا من قَالَ: لا يقطع الصلاة غير الكلب الأسود، كما قَالَه أحمد في ظاهر مذهبه، وإسحاق، فقَالَوا: المرأة والحمار قد تعارضت فيهما الأحاديث، فحديث عائشة دل على عدم قطع الصلاة بالمرأة، وحديث ابن عباس دل على أنَّ الحمار لا يقطع الصلاة، وبقي الكلب الأسود لا معارض له فيؤخذ به.
وهذا هو جادة مذهب أحمد وأصحابه، وما قَالَوه في ذلك.
ولهم في ذلك مسلكان آخران:
أحدهما: أنَّ حديث عائشة لا يعارض حديث أبي ذر؛ فإنَّ حديث عائشة في وقوف المرأة بين يدي المصلي، وأنَّه لا يبطل صلاته، وحديث أبي ذر في مرور المرأة، وأنَّه مبطل للصلاة، فيعمل بكلا الحديثين، فتبطل الصلاة بمرور هذه الثلاثة دون وقوفها في قبلة المصلي، وهو رواية عن أحمد.
وهذا يتوجه على إحدى الروايتين عن أحمد في إبطال الصلاة بمرور الثلاثة المذكورة في حديث أبي ذر، وقد رجحها بعض أصحابنا المتأخرين.
стр. 2104
وقد تقدم قول عائشة: "فأكره أن أسنحه"- أي: أعترض بين يديه مارة، فدل على أنَّ مرورها بين يديه مما يكره ويتقى، بخلاف نومها معترضة.
وروى الإمام أحمد: ثنا محمد بن جعفر: ثنا شعبة، عن منصور، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة، قَالَتْ: كنت أكون بين يدي رسول الله ﷺ وهو يصلي، فإذا أردت أن أقوم كرهت أن أمر بين يديه، فأنسل انسلالاً.
ويدل على أنَّه يفرق بين المرور والوقوف: أنَّ المصلي مأمور بدفع المار ولو كان حيواناً، وقد وردت السنة بالصلاة إلى الحيوان البارك والمرأة النائمة، فدل على الفرق بين الأمرين.
وقد استدل الإمام أحمد بهذا على التفريق بين المرور والوقوف.
والثاني: أن يحمل حديث عائشة على صلاة النفل، فلا تقطعها المرأة، وحديث أبي ذر على الفريضة.
وهذا مسلك آخر لأصحابنا، وقد حكوا رواية عن أحمد بالفرق بين الفريضة والنافلة في قطع الصلاة بمرور هذه الثلاثة.
ومما استدل به أحمد على الفرق بين الفريضة والنافلة: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كان إذا أراد أو يوتر أيقظ عائشة، ولم يوتر وهي معترضة بين يديه.
وفي رواية خرجها أبو داود من حديث محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عائشة، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كان إذا أراد أن يوتر قَالَ لها: "تنحي".
وبهذه الرواية احتج أحمد في هذه المسألة.
стр. 2105
وخرج الجوزجاني من رواية موسى بن أيوب الغافقي، أنَّ عمه إياس بن عامر حدثه، أنَّه سمع علي بن أبي طالب يقول: كأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إذا أراد أن يوتر أمرها - يعني: عائشة - أن تتنحى عنه، وقَالَ: إنَّها صلاة ازددتموها. فإذا فرق بين النفل المطلق والوتر في الصلاة إلى المرأة، فالفريضة أولى.
وقد سلك بعضهم مسلكاً آخر، وهو نسخ القطع بالمرأة والحمار بحديث عائشة وابن عباس؛ لأنَّ حديث ابن عباس كان في حجة الوداع في آخر عمر النبي ﷺ ، وحديث عائشة يدل بظاهره على استمرار النبي ﷺ على ما أخبرت به عنه إلى آخر عمره، ولو كان قد ترك ذلك في آخر عمره لما خفي عليها، وبقي الكلب الأسود لا ناسخ له.
وهذا المسلك فيه نظر، وقد أنكره الإمام أحمد في رواية حرب، وأنكره - أيضاً - الشافعي في "كتاب مختلف الحديث". وعلى هذا المسلك يتوجه القول بإبطال الصلاة بالكلب الأسود خاصة.
وأحمد كان شديد الورع في دعوى النسخ، فلا يطلقه إلَّا عن يقين وتحقيق؛ فلذلك عدل عن دعوى النسخ هنا إلى دعوى تعارض الأخبار، والأخذ بأصحها إسناداً، فأخذ بحديث عائشة في المرأة، وحديث ابن عباس في الحمار، فبقي الكلب الأسود من غير معارض.
следующие страницы →