Полный текст (8 095 стр.). Показаны 2101–2140 · переход к 2106.
стр. 2101
وروى سعيد، عن قتادة، عن الحسن، عن عبد الله بن مغفل، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: "يقطع الصلاة المرأة والحمار والكلب".
خرجه الإمام أحمد وابن ماجه وابن حبان في "صحيحة".
وقد اختلف فيه على قتادة، وعلى الحسن:
فقيل: عن قتادة، كما ترى في الإسناد، وهو الصحيح عند الدارقطني وغيره.
وقيل عن سعيد، عن قتادة، عَنْ أَنَسٍ. وقيل عنه، عن قتادة، عن جابر بن زيد، عن ابن عباس - من قوله كما سبق.
وقَالَ هشام: عن قتادة، عن زرارة، عن سعد، عن أبي هريرة كما سبق.
واختلف فيه عن الحسن:
فقيل: عنه كما ترى. وقَالَ حوشب: عن الحسن، عن الحكم بن عمرو، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ .
وذكر هذا الاختلاف الدارقطني، وقَالَ: الصحيح من ذلك: قتادة، عن الحسن، عن ابن مغفل.
وروى يحيى بن أبي كثير، عن شعبة: عن عبيد الله بن أبي بكر بن أنس، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: "يقطع الصلاة الكلب والمرأة والحمار". خرجه البزار.
وكذا رواه أبو زيد الهروي سعد بن الربيع، عن شعبة - مرفوعاً.
стр. 2102
ورواه غندر وأبو الوليد ومحمد بن كثير، عن شعبة، عن عبيد الله، عَنْ أَنَسٍ موقوفاً.
قَالَ الدارقطني: والموقوف أصح.
وخرج الإمام أحمد ثنا أبو المغيرة: ثنا صفوان: ثنا راشد بن سعد، عن عائشة، قَالَتْ: قَالَ رسول الله ﷺ : "لا يقطع صلاة المسلم شيء، إلَّا الحمار والكافر والكلب والمرأة". قَالَتْ عائشة: يا رسول الله، لقد قرنا بدواب سوء.
هذا منقطع؛ راشد لم يسمع من عائشة بغير شك. ووهم في ذلك، وإنَّما الصحيح: ما رواه أصحاب عائشة الحفاظ، عنها، أنَّه ذكر عندها ذلك، فقَالَت: لقد قرنتمونا بقرناء سوء، ونحو هذا المعنى.
وقد ذكر الميموني أن أحمد ذكر له أنَّ الحوضي روى مِنْ طَرِيقِ الأسود، عن عائشة - مرفوعاً -: "يقطع الصلاة المرأة والحمار والكلب الأسود". فقَالَ أحمد: غلط الشيخ عندنا؛ هذا عن رسول الله ﷺ وهي تقول: عدلتمونا بالكلب والحمار؟.
يعني: لو كان هذا عندها عَنِ النَّبِيِّ ﷺ لما قَالَتْ ما قَالَتْ.
وخرج أبو داود من رواية سعيد بن عبد العزيز، عن مولى ليزيد بن نمران، عن يزيد بن نمران، قَالَ، رأيت رجلاً بتبوك مقعداً، فقَالَ: مررت بين يدي النبي صَلَّى
стр. 2103
اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأنا على حمار وهو يصلي، فقَالَ: "اللهم اقطع أثره"، فما مشيت عليها بعد.
وفي رواية له: فقَالَ: "قطع صلاتنا قطع الله أثره". وفي إسناده جهالة.
فالقائلون: بأنَّ الصلاة يقطعها الكلب والحمار والمرأة تعقلوا بظواهر هذه الأحاديث.
وأمَّا من قَالَ: لا يقطع الصلاة غير الكلب الأسود، كما قَالَه أحمد في ظاهر مذهبه، وإسحاق، فقَالَوا: المرأة والحمار قد تعارضت فيهما الأحاديث، فحديث عائشة دل على عدم قطع الصلاة بالمرأة، وحديث ابن عباس دل على أنَّ الحمار لا يقطع الصلاة، وبقي الكلب الأسود لا معارض له فيؤخذ به.
وهذا هو جادة مذهب أحمد وأصحابه، وما قَالَوه في ذلك.
ولهم في ذلك مسلكان آخران:
أحدهما: أنَّ حديث عائشة لا يعارض حديث أبي ذر؛ فإنَّ حديث عائشة في وقوف المرأة بين يدي المصلي، وأنَّه لا يبطل صلاته، وحديث أبي ذر في مرور المرأة، وأنَّه مبطل للصلاة، فيعمل بكلا الحديثين، فتبطل الصلاة بمرور هذه الثلاثة دون وقوفها في قبلة المصلي، وهو رواية عن أحمد.
وهذا يتوجه على إحدى الروايتين عن أحمد في إبطال الصلاة بمرور الثلاثة المذكورة في حديث أبي ذر، وقد رجحها بعض أصحابنا المتأخرين.
стр. 2104
وقد تقدم قول عائشة: "فأكره أن أسنحه"- أي: أعترض بين يديه مارة، فدل على أنَّ مرورها بين يديه مما يكره ويتقى، بخلاف نومها معترضة.
وروى الإمام أحمد: ثنا محمد بن جعفر: ثنا شعبة، عن منصور، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة، قَالَتْ: كنت أكون بين يدي رسول الله ﷺ وهو يصلي، فإذا أردت أن أقوم كرهت أن أمر بين يديه، فأنسل انسلالاً.
ويدل على أنَّه يفرق بين المرور والوقوف: أنَّ المصلي مأمور بدفع المار ولو كان حيواناً، وقد وردت السنة بالصلاة إلى الحيوان البارك والمرأة النائمة، فدل على الفرق بين الأمرين.
وقد استدل الإمام أحمد بهذا على التفريق بين المرور والوقوف.
والثاني: أن يحمل حديث عائشة على صلاة النفل، فلا تقطعها المرأة، وحديث أبي ذر على الفريضة.
وهذا مسلك آخر لأصحابنا، وقد حكوا رواية عن أحمد بالفرق بين الفريضة والنافلة في قطع الصلاة بمرور هذه الثلاثة.
ومما استدل به أحمد على الفرق بين الفريضة والنافلة: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كان إذا أراد أو يوتر أيقظ عائشة، ولم يوتر وهي معترضة بين يديه.
وفي رواية خرجها أبو داود من حديث محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عائشة، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كان إذا أراد أن يوتر قَالَ لها: "تنحي".
وبهذه الرواية احتج أحمد في هذه المسألة.
стр. 2105
وخرج الجوزجاني من رواية موسى بن أيوب الغافقي، أنَّ عمه إياس بن عامر حدثه، أنَّه سمع علي بن أبي طالب يقول: كأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إذا أراد أن يوتر أمرها - يعني: عائشة - أن تتنحى عنه، وقَالَ: إنَّها صلاة ازددتموها. فإذا فرق بين النفل المطلق والوتر في الصلاة إلى المرأة، فالفريضة أولى.
وقد سلك بعضهم مسلكاً آخر، وهو نسخ القطع بالمرأة والحمار بحديث عائشة وابن عباس؛ لأنَّ حديث ابن عباس كان في حجة الوداع في آخر عمر النبي ﷺ ، وحديث عائشة يدل بظاهره على استمرار النبي ﷺ على ما أخبرت به عنه إلى آخر عمره، ولو كان قد ترك ذلك في آخر عمره لما خفي عليها، وبقي الكلب الأسود لا ناسخ له.
وهذا المسلك فيه نظر، وقد أنكره الإمام أحمد في رواية حرب، وأنكره - أيضاً - الشافعي في "كتاب مختلف الحديث". وعلى هذا المسلك يتوجه القول بإبطال الصلاة بالكلب الأسود خاصة.
وأحمد كان شديد الورع في دعوى النسخ، فلا يطلقه إلَّا عن يقين وتحقيق؛ فلذلك عدل عن دعوى النسخ هنا إلى دعوى تعارض الأخبار، والأخذ بأصحها إسناداً، فأخذ بحديث عائشة في المرأة، وحديث ابن عباس في الحمار، فبقي الكلب الأسود من غير معارض.
стр. 2106
وهذا إنَّما يتوجه على القول بالفرق بين الوقوف والمرور، كما هو إحدى الروايتين عن أحمد.
فأمَّا على الرواية الثانية عنه بالتسوية بينهما، فلا تعارض بين حديث عائشة وحديث أبي ذر في المرأة، وإنَّما التعارض بين حديث ابن عباس في مرور الحمار وبين حديث أبي ذر، فمقتضى ذلك حينئذ أن تبطل الصلاة بمرور الكلب والمرأة دون الحمار، ولا يعرف هذا عن أحمد.
وعلى رواية التفريق بين الفرض والنفل، فلا تعارض بين حديث عائشة وأبي ذر في حق المرأة، وإن قلنا: إنَّ الوقوف كالمرور، وأمَّا إن فرقنا بينهما انتفى التعارض حينئذ من وجهين، وتبقى المعارضة بين حديث أبي ذر وحديث ابن عباس في مرور الحمار، فإنَّ حديث ابن عباس في الفرض وحديث أبي ذر عام في الفرض والنفل، فيخرج من هذا أن يقَالَ: حديث أبي ذر عام في الفرض والنفل في مرور الثلاثة، خص من عمومه النفل بمرور المرأة إن سوينا بينه وبين الوقوف، وإن فرقنا بينهما فالوقوف غير داخل في لفظ حديث أبي ذر ولا في معناه.
فأمَّا الحمار فقد عارضه حديث ابن عباس، وهو في الفرض، وهو أصح من حديث أبي ذر، ولكن يلزم من العمل بحديث ابن عباس وترك حديث أبي ذر في الفرض إبطال حكم مرور الحمار جملة، وذلك نسخ.
стр. 2107
ويخص - أيضاً - من عموم حديث أبي ذر في الكلب النفل بالقياس على المرأة، فيقتضي هذا التقرير أن يقَالَ: إنَّ مرور الكلب والمرأة يبطل الصلاة المفروضة دون النافلة، ومرور الحمار لا يبطل شيئاً.
وهذا - أيضاً - قول غريب لا يعرف عن أحمد ولا غيره.
وإنَّما حكى القاضي أبو يعلى رواية عن أحمد أنَّ هذه الثلاثة يبطل مرورها الفرض دون النفل.
وأخذه مما رواه بكر بن محمد وغيره، عن أحمد: يقطع الصلاة الكلب والمرأة والحمار، فذكر حديث عائشة، فقَالَ: هو عندي في المار بين يدي المصلي، فإذا كانت بين يديه كان أسهل، وهذا في التطوع، فأمَّا الفرض فهو آكد، أليس النبي ﷺ حين أراد أن يوتر قَالَ: "تنحي"؟
قَالَ: هذا إنَّما يدل على تفريق أحمد بين الفرض والتطوع في استقبال المرأة في الصلاة دون مرورها، أمَّا في المرور فلم يفرق، وإنَّما فرق في الصلاة إلى المرأة النائمة ونحوها بين الفرض والنفل، فجوزه في النفل وكرهه في الفرض، وفرق بين المرور والوقوف في إبطال الصلاة بالمرور دون الوقوف، فما يبطل الصلاة - وهو المرور - لم يفرق فيه بين فرض ونفل، إنَّما فرق بينهما فيما يكره في الصلاة، وهو الصلاة إلى المرأة، فكرهه في الفرض دون النفل، هذا هو الذي دل عليه كلام أحمد هذا. والله أعلم.
стр. 2108
وظاهر قول عائشة ﵂: "عدلتمونا بالحمر والكلاب"، واستدلالها بصلاة النبي ﷺ إليها: يدل على أنَّها رأت المرور والوقوف سواء، وإلَّا فلو كان الحكم عندها مختصاً بالمرور لم يكن لها في حديثها دليل.
ومتى قيل: إنَّ حديث ابن عباس في مروره بالحمار بين يدي بعض الصف لم يكن مروراً بين يدي النبي ﷺ ، بل كانت سترته محفوظة، فلا دليل في حديثه هذا على أنَّ مرور الحمار لا يقطع الصلاة، وإن انضم إلى ذلك التفريق بين مرور المرأة ووقوفها وجلوسها ونومها لم يبق في حديثها دليل على أنَّ المرأة لا يقطع مرورها، فيسلم حينئذ حديث أبي ذر وما أشبهه من معارض في الكلب والمرأة والحمار.
وأمَّا جمهور أهل العلم الذين لم يروا قطع الصلاة وبطلانها بمرور شيء بين يدي المصلي، فاختلفت مسالكهم في هذه الأحاديث المروية في قطع الصلاة:
فمنهم: من تكلم فيها من جهة أسانيدها، وهذه تشبه طريقة البخاري؛ فإنَّه لم يخرج منها شيئاً، وليس شيء منها على شرطه كما سبق بيانه.
ومنهم: من ادعى نسخها بحديث مرور الحمار وهو في حجة الوداع، وهي في آخر عمر النبي ﷺ ، وإذا نسخ منها شيء دل على نسخ الباقي، وسلك هذا الطحاوي وغيره من الفقهاء.
стр. 2109
وفيه ضعف، وقد أنكر الشافعي وأحمد دعوى النسخ في شيء من هذه الأحاديث؛ لعدم العلم بالتاريخ.
ومنهم من قَالَ: حديث أبي ذر ونحوه قد عارضه ما هو أصح منه إسناداً، كحديث ابن عباس وعائشة، وقد أعضدهما أحاديث أخر تشهد لهما:
فروى شعبة، أنَّ الحكم أخبره، قَالَ: سمعت يحيى - هو: ابن الجزار - يحدث، عن صهيب، قَالَ: سمعت ابن عباس يحدث، أنَّه مر بين يدي رسول الله ﷺ هو وغلام من بني هاشم على حمار بين يدي رسول الله ﷺ وهو يصلي، فنزلوا ودخلوا معه، فصلوا فلم ينصرف، فجاءت جاريتان تسعيان من بني عبد المطلب، فأخذنا بركبتيه، ففرع بينهما ولم ينصرف.
خرجه الإمام أحمد والنسائي، وهذا لفظه، وقد سبق ذكر إسناده.
وخرج النسائي - أيضاً - من رواية ابن جريج: أخبرني محمد بن عمر بن علي، عن عباس بن عبيد الله بن عباس، عن الفضل بن عباس بن عبد المطلب، قَالَ: زار رسول الله ﷺ عباساً في بادية لنا، ولنا كليبة وحمارة ترعى، فصلى النبي ﷺ العصر وهما بين يديه، فلم يزجرا ولم يؤخرا.
وخرجه الإمام أحمد وأبو داود، ولفظه: أتانا رسول الله ﷺ ونحن في بادية لنا، ومعه عباس، فصلى في صحراء، ليس بين يديه سترة، وحمارة
стр. 2110
لنا وكليبة تعبثان - أو تعيثان - بين يديه، فما بالى ذاك. ومحمد بن عمر بن علي بن أبي طالب، وثقه الدارقطني وغيره.
وعباس بن عبيد الله بن عباس، روى عنه أيوب السختياني مع جلالته، انتقاده للرجال، حتى قَالَ أحمد: لا تسأل عمن روى عنه أيوب. وذكره ابن حبان في "الثقات".
وقد اختلف قول أحمد في هذا: فمرة، قَالَ: حديث أبي ذر يخالفه، ولم يعتد به -: نقله عنه علي بن سعيد. ومرة، عارض به حديث أبي ذر، وقدمه عليه -: نقله عنه الحسن بن ثواب.
لكن ليس في هذا الحديث أنَّ الكلب كان أسود؛ فلذلك لم يرد به حديث أبي ذر في الكلب الأسود، ولم يجعله معارضاً له.
وروى أسامة بن زيد، عن محمد بن قيس - قاص عمر بن عبد العزيز -، عن أبيه، عن أم سلمة، قَالَتْ: كأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يصلي في حجرة أم سلمة، فمر بين يديه عبد الله - أو عمر بن أبي سلمة -، فقَالَ بيده فرجع، فمرت زينب بنت أم سلمة، فقَالَ بيده هكذا، فمضت، فلما صلى رسول الله ﷺ قَالَ: "هنَّ أغلب". خرجه ابن ماجه.
وقد يفرق من يقول ببطلان الصلاة بمرور المرأة بين الجارية التي لم تبلغ وبين البالغ، ويقول: إذا أطلقت المرأة لم يرد بها إلَّا البالغ، وزينب حينئذ كانت صغيرة، والصغيرة لا تسمى امرأة في الحال؛ ولهذا قَالَتْ عائشة: إذا بلغت الجارية تسع
стр. 2111
سنين فهي امرأة. وفي دخول الصغيرة في مسمى النساء خلاف ذكره الماوردي وغيره من المفسرين، فكذا ينبغي أن يكون في دخولها في مسمى المرأة.
وقد سلك الشافعي في "كتاب مختلف الحديث" هذا المسلك في ترجيح أحاديث الرخصة على أحاديث قطع الصلاة، وعضدها بظاهر القرآن، وهو قوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾.
وسلك آخرون مسلكاً آخر، وهو: أنَّ الأحاديث إذا تعارضت نظر إلى ما عمل به الصحابة فيرجح، وقد عمل الصحابة بأنَّ الصلاة لا يقطعها شيء، وقد روي ذلك عن الخلفاء الراشدين الأربعة وغيرهم.
وقد سلك هذا أبو داود في "سننه"، وهو من أجل أصحاب الإمام أحمد.
وسلك آخرون مسلكاً آخر، وهو: تأويل القطع المذكور في هذه الأحاديث، وأنَّه ليس المراد به إبطال الصلاة وإلزام إعادتها، وإنَّما المراد به القطع عن إكمالها والخشوع فيها بالاشتغال بها، والالتفات إليها، وهذا هو الذي قَالَه الشافعي في رواية حرملة، ورجح هذا الخطابي والبيهقي وغيرهما من العلماء.
وقد تعرض عليه بأنَّ المصلي قد يكون أعمى، وقد يكون ذلك ليلاً بحيث لا يشعر به المار ولا من مرَّ عليه، والحديث يعم هذه الأحوال كلها.
وأيضاً؛ فقد يكون غير هذه الثلاثة أكثر إشغالاً للمصلي كالفيل والزرافة والوحوش والخيل المسومة، ولا يقطع الصلاة مرور شيء من ذلك.
стр. 2112
وأقرب من هذا التأويل: أن يقَالَ: لما كان المصلي مشتغلاً بمناجاة الله، وهو في غاية القرب منه والخلوة به، أمر المصلي بالاحتراز من دخول الشيطان في هذه الخلوة الخاصة، والقرب الخاص؛ ولذلك شرعت السترة في الصلاة خشية من دخول الشيطان، وكونه وليجة في هذه الحال فيقطع بذلك مواد الأنس والقرب؛ فإنَّ الشيطان رجيم مطرود مبعد عن الحضرة الإلهية، فإذا تخلل في محل القرب الخاص للمصلي أوجب تخلله بعداً وقطعاً لمواد الرحمة والقرب والأنس.
فلهذا المعنى - والله أعلم - خصت هذه الثلاث بالاحتراز منها، وهي: المرأة؛ فإنَّ النساء حبائل الشيطان، وإذا خرجت المرأة من بيتها استشرفها الشيطان، وإنَّما توصل الشيطان إلى إبعاد آدم من دار القرب بالنساء. والكلب الأسود: شيطان، كما نص عليه الحديث. وكذلك الحمار؛ ولهذا يستعاذ بالله عند سماع صوته بالليل، لأنَّه يرى الشيطان؛ فلهذا أمر ﷺ بالدنو من السترة خشية أن يقطع الشيطان عليه صلاته، وليس ذلك موجباً لإبطال الصلاة وإعادتها. والله أعلم.
وإنَّما هو منقص لها، كما نص عليه الصحابة، كعمر وابن مسعود، كما سبق ذكره في مرور الرجل بين يدي المصلي، وقد أمر النبي ﷺ بدفعه وبمقاتلته، وقَالَ: "إنَّما هو شيطان".
وفي رواية: "أنَّ معه القرين".
стр. 2113
لكن النقص الداخل بمرور هذه الحيوانات التي هي بالشيطان أخص أكثر وأكثر، فهذا هو المراد بالقطع، دون الإبطال والإلزام بالإعادة. والله أعلم.
وقد ذكرنا فيما سبق حديث أبي داود في مرور الغلام بتبوك بين يدي النبي ﷺ ، وأنه قَالَ: "قطع علينا صلاتنا"، ودعا عليه، فهذا قطع لا يقتضي البطلان.
ويدل على ذلك - أيضاً -: أنَّ ابن عباس قد قَالَ: يقطع الصلاة المرأة الحائض والكلب الأسود والحمار، كما سبق عنه.
وروي عنه إنكار بطلان الصلاة بذلك: فروى الحسن العرني، قَالَ: ذكر عند ابن عباس: يقطع الصلاة الكلب والحمار والمرأة. قَالَ: بئسما عدلتم بامرأة مسلمة كلباً وحماراً، لقد رأيتني أقبلت على حمار ورسول الله ﷺ يصلي بالناس، حتى إذا كنت قريباً منه نزلت عنه، وخليت عنه، ودخلت مع رسول الله ﷺ في صلاته، فما أعاد صلاته ولا نهاني عمَّا صنعت، ولقد كأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يصلي بالناس، فجاءت وليدة تخلل الصفوف، حتى عاذت برسول الله ﷺ ، فما أعاد رسول الله ﷺ صلاته، ولا نهاها عمَّا صنعت، ولقد كأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يصلي في مسجد، فخرج جدي من بعض حجراته، فذهب يجتاز بين يديه، فمنعه رسول الله ﷺ .
стр. 2114
قَالَ ابن عباس: أفلا تقولون: الجدي يقطع الصلاة؟ خرجه الإمام أحمد.
ومراد ابن عباس، أنَّه ليس كل ما أمر بدفعه ومنعه من المرور تبطل الصلاة بمروره، ولا يقطعها بمعنى أنَّه يبطلها، وإن كان قد يسمى قطعاً باعتبار أنَّه ينقصها.
وروى سفيان، عن سماك، عن عكرمة، قَالَ: قيل لابن عباس: أيقطع الصلاة المرأة والحمار والكلب؟ فقَالَ: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾، فما يقطع هذا، ولكن يكره. خرجه البيهقي.
وقد أشار طائفة من السلف إلى أنَّ الشيطان لا سبيل له إلى قطع قرب المصلي، ولا أن يحول بين المصلي وبين تقريب الله له، واختصاصه بما اختصه به.
قَالَ ابن أبي شيبة: ثنا ابن نمير: ثنا حنظلة، عن القاسم، قَالَ: لا يقطع الصلاة شيء، الله أقرب من كل شيء.
وقَالَ الحكيم الترمذي في "تفسيره": ثنا مؤمل بن هشام اليشكري: ثنا إسماعيل بن إبراهيم، عن ابن عون، عن القاسم بن محمد، قَالَ: لا يقطع الصلاة شيء؛ فإنَّ الله دون كل شيء إلى العبد.
قَالَ الحكيم: يعني: أدنى إليه من كل شيء، كما قَالَ تعالى: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾.
стр. 2115
وحينئذ فيتوجه أن يقَالَ: إنَّ المصلي وجد منه تفريط في حصول مرور الشيطان بين يديه، إمَّا بصلاته في موضع تجتاز فيه المرأة والحمار والكلب من غير سترة، أو مر ذلك وفرط في دفعه ورده، فإنَّه ينقص أجر صلاته.
وربما يقَالَ: أنَّه يستحب له إعادتها، كما أعاد ابن عمر صلاته من مرور جرو الكلب. وكذلك الحكم الغفاري، أعاد من مرور حمار.
وإمَّا إن لم يحصل منه تفريط في ذلك بالكلية، فإنَّه لا ينقص صلاته، كمن صلى ومر بين يديه رجل فدفعه ولم يندفع، فإنَّه لا تبطل صلاته، بل ولا تنقص مع إخبار النبي ﷺ أنَّ المار بين يديه شيطان.
وهو بمنزلة من صلى وهو يدافع وساوس الشيطان، فإنَّه لا يضره ذلك، ولا يكون به محدثاً لنفسه في صلاته، وإنَّما يكون محدثاً لنفسه إذا استرسل مع وساوسه وخواطره.
وقد ألحق طائفة من أصحابنا بمرور الكلب والمرأة والحمار: مرور الشيطان حقيقة، وقَالَوا: إنَّ حكم مروره حكم مرور الكلب.
وقد صح عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّه قَالَ: "إنَّ الشيطان تفلت علي البارحة؛ ليقطع علي صلاتي، فأمكنني الله منه".
وقد خرجه البخاري فيما سبق في "باب: ربط الأسير ونحوه في المسجد".
والظاهر: أنَّه ﷺ أراد بقطع صلاته ما ذكرناه.
стр. 2116
وقد خرج البخاري حديث عائشة، قَالَتْ: سألت النبي ﷺ عن الالتفات في الصلاة؟ فقَالَ: "هو اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة العبد".
وفي حديث أبي ذر، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : "لا يزال الله مقبلاً على العبد وهو مقبل عليه في صلاته، ما لم يلتفت، فإذا التفت انصرف عنه". خرجه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي وابن خزيمة في "صحيحة".
وفي حديث الحارث الأشعري، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : "إنَّ الله أمر يحيى بن زكريا بخمس كلمات، أن يعمل بهن، وأن يأمر بني إسرائيل أن يعملوا بهن"- فذكر الحديث - وفيه: "وآمركم بالصلاة؛ فإنَّ الله ينصب وجهه لوجه عبده ما لم يلتفت، فإذا صليتم فلا تلتفتوا".
خرجه الإمام أحمد والترمذي وصححه.
والالتفات - أيضاً - مما يسرقه الشيطان من صلاة العبد، فتنقص به صلاته.
وقد روي: "لا صلاة لملتفت"، وإنَّما أريد نفي كمالها وتمامها؛ فإنَّه يوجب إعراض الله من عبده في تلك الحال.
وكذلك تنخم المصلي أمامه في صلاته يوجب إعراض الله عن عبده المصلي له في حال تقريبه له وخلوته بمناجاته.
فالشيطان يحمل المصلي على هذا كله ليقطع عليه صلاته، بمعنى: أنَّه ينقص عليه كمالها وفوائدها وثمراتها من خشوعها وحضورها، وما يتنعم به المصلي وتقر به عينه من ذكر الله فيها، ومناجاته بتلاوة كتابه.
стр. 2117
وكذلك ما يقذفه الشيطان في قلب المصلي من الوساوس ويذكره به حتى ينسيه كم صلى وقد أمر المصلي حينئذ بان يسجد سجدتين، فتكونا ترغيمتين للشيطان، ولا تبطل الصلاة، ولا تجب إعادتها بشيء من ذلك كله. والله أعلم» اهـ.
وقَالَ العلامة النووي ﵀ في [المجموع] (٣/ ٢٥٠):
«إذا صلي إلي سترة فمر بينه وبينها رجل أو امرأة أو صبي أو كافر أو كلب أسود أو حمار أو غيرها من الدواب لا تبطل صلاته عندنا قَالَ الشيخ أبو حامد والأصحاب وبه قَالَ عامة أهل العلم إلَّا الحسن البصري فإنَّه قَالَ تبطل بمرور المرأة والحمار والكلب الأسود. وقَالَ أحمد وإسحاق تبطل بمرور الكلب الأسود فقط» اهـ.
وقَالَ العلامة ابن قدامة ﵀ في [المغني] (٤/ ١٧):
«مسألة؛ قَالَ: "ولا يقطع الصلاة إلَّا الكلب الأسود البهيم".
يعني إذا مر بين يديه. هذا المشهور عن أحمد ﵀، نقله الجماعة عنه.
قَالَ الأثرم: سئل أبو عبد الله ما يقطع الصلاة؟ قَالَ: لا يقطعها عندي شيء إلَّا الكلب الأسود البهيم.
وهذا قول عائشة وحكي عن طاووس وروى عن معاذ ومجاهد أنَّهما قَالَا: الكلب الأسود البهيم شيطان، وهو يقطع الصلاة.
ومعنى البهيم الذي ليس في لونه شيء سوى السواد.
стр. 2118
وعن أحمد رواية أخرى، أنَّه يقطعها الكلب الأسود، والمرأة إذا مرت، والحمار.
قَالَ: وحديث عائشة من الناس من قَالَ: ليس بحجة على هذا؛ لأنَّ المار غير اللابث، وهو في التطوع، وهو أسهل، والفرض آكد.
وحديث ابن عباس: مررت بين يدي بعض الصف. ليس بحجة؛ لأنَّ سترة الإمام سترة لمن خلفه وروي هذا القول عَنْ أَنَسٍ وعكرمة، والحسن، وأبي الأحوص» اهـ.
قلت: ومن جملة ما احتج به على عدم قطع الصلاة بمرور المرأة والحمار بين يدي المصلي ما رواه البخاري (٤٩٥) عَنْ عَوْنِ بْنِ أَبِي جُحَيْفَةَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى بِهِمْ بِالْبَطْحَاءِ - وَبَيْنَ يَدَيْهِ عَنَزَةٌ - الظُّهْرَ رَكْعَتَيْنِ وَالْعَصْرَ رَكْعَتَيْنِ تَمُرُّ بَيْنَ يَدَيْهِ الْمَرْأَةُ وَالْحِمَارُ».
قلت: ولا حجة فيه فإنَّ المرور كان من وراء السترة كما جاء ذلك صريحاً في رواية للبخاري (٤٩٩) بلفظ: «خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ بِالْهَاجِرَةِ فَأُتِيَ بِوَضُوءٍ فَتَوَضَّأَ فَصَلَّى بِنَا الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ وَبَيْنَ يَدَيْهِ عَنَزَةٌ وَالْمَرْأَةُ وَالْحِمَارُ يَمُرُّونَ مِنْ وَرَائِهَا».
وعند مسلم (٥٠٣): «خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْهَاجِرَةِ إِلَى الْبَطْحَاءِ فَتَوَضَّأَ فَصَلَّى الظُّهْرَ رَكْعَتَيْنِ وَالْعَصْرَ رَكْعَتَيْنِ وَبَيْنَ يَدَيْهِ عَنَزَةٌ».
قَالَ شُعْبَةُ وَزَادَ فِيهِ عَوْنٌ عَنْ أَبِيهِ أَبِي جُحَيْفَةَ: «وَكَانَ يَمُرُّ مِنْ وَرَائِهَا الْمَرْأَةُ وَالْحِمَارُ».
стр. 2119
وروى أحمد (٢٦٥٦٦)، وابن ماجه (٩٤٨) من طريق وَكِيعٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ أُمِّهِ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، قَالَتْ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي فِي حُجْرَةِ أُمِّ سَلَمَةَ، فَمَرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ عَبْدُ اللهِ أَوْ عُمَرُ، فَقَالَ: بِيَدِهِ هَكَذَا، قَالَ: فَرَجَعَ، قَالَ: فَمَرَّتْ ابْنَةُ أُمِّ سَلَمَةَ، فَقَالَ بِيَدِهِ هَكَذَا، قَالَ: فَمَضَتْ فَلَمَّا صَلَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ قَالَ: "هُنَّ أَغْلَبُ"».
هذه رواية أحمد وعند ابن ماجه عن محمد بن قيس عن أبيه عن أم سلمة.
قلت: ولا يصح هذا الحديث فوالد محمد بن قيس وأمه لا يعرفان.
ولو صح فليس فيه حجة فإنَّه وارد في مرور الجارية الصغيرة والأحاديث الواردة بالقطع واردة بذكر المرأة. والله أعلم.
وقد جاء أيضاً ما يدل على قطع الصلاة بمرور الحمار ما رواه مسلم (٥١١) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «يَقْطَعُ الصَّلَاةَ الْمَرْأَةُ وَالْحِمَارُ وَالْكَلْبُ وَيَقِي ذَلِكَ مِثْلُ مُؤْخِرَةِ الرَّحْلِ».
وما رواه مسلم (٥١٠) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الصَّامِتِ عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ يُصَلِّي فَإِنَّهُ يَسْتُرُهُ إِذَا كَانَ بَيْنَ يَدَيْهِ مِثْلُ آخِرَةِ الرَّحْلِ فَإِذَا لَمْ يَكُنْ بَيْنَ يَدَيْهِ مِثْلُ آخِرَةِ الرَّحْلِ فَإِنَّهُ يَقْطَعُ صَلَاتَهُ الْحِمَارُ وَالْمَرْأَةُ وَالْكَلْبُ الْأَسْوَدُ قُلْتُ يَا أَبَا ذَرٍّ مَا بَالُ الْكَلْبِ الْأَسْوَدِ مِنْ الْكَلْبِ الْأَحْمَرِ مِنْ الْكَلْبِ
стр. 2120
الْأَصْفَرِ قَالَ يَا ابْنَ أَخِي سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَمَا سَأَلْتَنِي فَقَالَ الْكَلْبُ الْأَسْوَدُ شَيْطَانٌ».
وروى أحمد (٣٢٤١)، وأبو داود (٧٠٣)، والنسائي (٧٥١)، وابن ماجه (٩٤٩) مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا قَتَادَةُ قَالَ: حَدَّثَنَا جَابِرٌ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «يَقْطَعُ الصَّلَاةَ الْكَلْبُ الْأَسْوَدُ، وَالْمَرْأَةُ الْحَائِضُ».
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَقَفَهُ سَعِيدٌ، وَهِشَامٌ، وَهَمَّامٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ، عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ اهـ.
وقَالَ الحافظ البيهقي ﵀ في [الكبرى] (٢/ ٢٧٤):
«قَالَ يحيى وهو القطان لم يرفع هذا الحديث أحد عن قتادة غير شعبة قَالَ يحيى وأنا أفرقه قَالَ ورواه بن أبي عروبة وهشام عن قتادة يعني موقوفاً. قَالَ يحيى: وبلغني أن هماماً يدخل بين قتادة وجابر بن زيد أبا الخليل. قَالَ علي: ولم يرفع همام الحديث» اهـ.
قلت: وقد سبق أن ذكرنا قول الحافظ ابن رجب ﵀: «وقَالَ الإمام أحمد: ثنا يحيى، قَالَ شعبة رفعه. قَالَ: وهشام لم يرفعه. قَالَ أحمد: كان هشام حافظاً.
وهذا ترجيح من أحمد لوقفه، وقد تبين أنَّ شعبة اختلف عليه في وقفه ورفعه. ورجح أبو حاتم الرازي رفعه» اهـ.
стр. 2121
وروى أحمد (١٦٨٤٣، ٢٠٥٩١)، وابن ماجه (٩٥١) مِنْ طَرِيقِ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ الْحَسَنِ، عَنْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُغَفَّلٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «يَقْطَعُ الصَّلَاةَ الْمَرْأَةُ، وَالْكَلْبُ، وَالْحِمَارُ».
قلت: الحسن لا يصح له سماع من ابن المغفل والحديث حسن بشواهده.
والذي يظهر لي أنَّ المراد بالقطع في الثلاثة هو بطلان الصلاة فإنَّ هذا هو ما يتبادر للذهن من هذه الكلمة فإنَّه إذا قَالَ شخص قطع فلان صلاته فلا يفهم من ذلك إلاَّ بطلانها. نعم قد يأتي القطع بمعنى نقصان الأجر كما روى أحمد (١٦١٣٤)، وأبو داود (٦٩٥)، والنسائي (٧٤٨) مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ قَالَ: ثنا صَفْوَانُ بْنُ سُلَيْمٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي نَافِعُ بْنُ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعَمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ إِلَى سُتْرَةٍ فَلْيَدْنُ مِنْهَا لَا يَقْطَعُ الشَّيْطَانُ عَلَيْهِ صَلَاتَهُ».
قلت: وهو حديث صحيح كما سيأتي بيان ذلك. لكن تخصيص هذه الثلاثة بالذكر دون غيرها مما يقوي إجراء القطع على حقيقته وهو البطلان. والله أعلم.
وأمَّا ما احتج به الحافظ ابن رجب ﵀ من أنَّ القطع لا يلزم منه البطلان وهو ما رواه أبو داود (٧٠٧) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ الْهَمْدَانِيُّ، ح وَحَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ، قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي مُعَاوِيَةُ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ غَزْوَانَ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُ نَزَلَ بِتَبُوكَ وَهُوَ حَاجٌّ فَإِذَا هُوَ بِرَجُلٍ مُقْعَدٍ فَسَأَلَهُ عَنْ أَمْرِهِ فَقَالَ لَهُ: سَأُحَدِّثُكَ
стр. 2122
حَدِيثًا فَلَا تُحَدِّثْ بِهِ مَا سَمِعْتَ أَنِّي حَيٌّ، إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَزَلَ بِتَبُوكَ إِلَى نَخْلَةٍ فَقَالَ: «هَذِهِ قِبْلَتُنَا»، ثُمَّ صَلَّى إِلَيْهَا فَأَقْبَلْتُ وَأَنَا غُلَامٌ أَسْعَى حَتَّى مَرَرْتُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا فَقَالَ: «قَطَعَ صَلَاتَنَا قَطَعَ اللَّهُ أَثَرَهُ» فَمَا قُمْتُ عَلَيْهَا إِلَى يَوْمِي هَذَا.
قلت: هذا حديث ضعيف سعيد بن غزوان لا يعرف حاله وأبوه مجهول.
ورواه أحمد (١٦٦٥٩، ٢٣٢٤٥)، وأبو داود (٧٠٥) مِنْ طَرِيْقِ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ التَّنُوخِيِّ قَالَ: حَدَّثَنَا مَوْلًى لِيَزِيدَ بْنِ نِمْرَانَ، قَالَ: حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ نِمْرَانَ، قَالَ: «لَقِيتُ رَجُلًا مُقْعَدًا شَوَّال فَسَأَلْتُهُ قَالَ: "قَطَعَ عَلَيْنَا صَلَاتَنَا قَطَعَ اللهُ أَثَرَهُ"، فَأُقْعِدَ».
قلت: هذا حديث ضعيف لإبهام مولى ليزيد بن نمران ويختلف عما قبله فإنَّ في الذي قبله ليس فيه ذكر الحمار.
٢ - احتج به من قَالَ أنَّ السترة لا تجب وهذا مبني على أنَّ نفي الجدار نفي للسترة.
قلت: والذي يظهر لي أنَّه لا يلزم منه ذلك فقد كان المعروف من هديه ﵊ في السفر الصلاة إلى العنزة وقد روى ذلك أيضاً ابن عباس ﵁.
فروى الإمام أحمد ﵀ في [مسنده] (٢١٧٥) حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَكِيمٍ، حَدَّثَنَا الْحَكَمُ يَعْنِي ابْنَ أَبَانَ، قَالَ: سَمِعْتُ عِكْرِمَةَ، يَقُولُ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ:
стр. 2123
«رُكِزَتِ الْعَنَزَةُ بَيْنَ يَدَيِ النَّبِيِّ ﷺ ، بِعَرَفَاتٍ، فَصَلَّى إِلَيْهَا وَالْحِمَارُ يَمُرُّ مِنْ وَرَاءِ الْعَنَزَةِ».
قلت: وإسناده حسن.
وهذا مما يدل على أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قد اتخذ العنزة في حجته.
وأمَّا ما رواه عبد الرزاق في [مصنفه] (٢٣٥٧)، والبزار في [مسنده] (٤٩٥١)، وابن خزيمة في [صحيحه] (٨٣٩) مِنْ طَرِيقِ أَبِي عَاصِمٍ، عَنْ ابنِ جُرَيجٍ، قال: أَخْبَرنا عَبد الْكَرِيمِ، أنَّ مُجَاهِدًا أَخْبَرَهُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، ﵄ قَالَ:
«أَتَيْتُ أَنَا وَالْفَضْلُ عَلَى أَتَانٍ، فَمَرَرْنَا بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِعَرَفَةَ، وهُو يُصَلِّي الْمَكْتُوبَةَ، لَيْسَ شَيْءٌ يَسْتُرُهُ يَحُولُ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ». هذا لفظ البزار،
ولفظ عبد الرزاق: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «أَجَزْتُ أَنَا وَالفَضْلُ بْنُ عَبَّاسٍ أَمَامَ النَّبِيِّ ﷺ مُرْتَدِفِينَ أَتَانًا، وَهُوَ يُصَلِّي يَوْمَ عَرَفَةَ لَيْسَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ مِمَّنْ يَحُولُ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ».
قلت: اختلف العلماء في عبد الكريم هذا من هو هل هو الجزري الثقة أم ابن أبي المخارق الذي قَالَ فيه قَالَ فيه النسائي والدارقطني: «متروك». وذلك لاشتراكهما في الرواية عن مجاهد، وهكذا ابن جريج قد روى عنهما. فقَالَ الحافظ ابن خزيمة ﵀ في [صحيحه] (٢/ ٢٥):
стр. 2124
«وغير جائز أن يحتج بعبد الكريم عن مجاهد على الزهري عن عبيد الله بن عبد الله وهذه اللفظة قد رويت عن ابن عباس خلاف هذا المعنى» اهـ.
قلت: وهذا يشعر أنَّه يراه ابن أبي المخارق فإنَّ الجزري ثقة يحتج به. وأصرح من هذا قوله ﵀ بعد ذلك في [صحيحه] (٢/ ٢٦): «وخبر عبد الكريم وخبر الحكم بن أبان قريب من جهة النقل لأن عبد الكريم قد تكلم أهل المعرفة بالحديث في الاحتجاج بخبره» اهـ. فإنَّ المتكلم فيه هو ابن أبي المخارق.
وقَالَ العلامة الألباني ﵀ في [السلسة الضعيفة] (١٢/ ٦٧٧):
«والأرجح عندي أنَّه هذا الضعيف، وذلك لسببين:
الأول: أنَّه لو كان الثقة لبادر ابن جريج إلى التصريح بنسبته.
الثاني: أنَّ ابن خزيمة جزم بأنَّه هو؛ كما تقدم نقله عنه» اهـ.
قلت: وأمَّا الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٢/ ٦١١) فقد صرح بأنَّه عبد الكريم الجزري الثقة.
وهكذا أيضاً العلامة بدر الدين العيني ﵀ فقد قَالَ في [شرح أبي داود]
(٣/ ٢٨٤): «وعند البزار بسند صحيح، عن ابن عباس» اهـ. فذكره.
قلت: مع هذا التردد والاحتمال فلا يجزم بصحة الحديث لا سيما وهو مخالف لحديث ابن عباس الصحيح.
وقد ذهب جماهير علماء السلف إلى استحباب السترة وعدم وجوبها، وذهب إلى القول بوجوبها جماعة من أهل العلم وقد بوَّب ابن خزيمة على حديث ابن عمر
стр. 2125
الآتي بقوله: «باب النهي عن الصلاة إلى غير سترة». وهذا يشعر بإيجابه لها وبوب أبو عوانة على حديث ابن عمر وغيره فقَالَ: «بيان إيجاب تقدم المصلي إلى سترة، وأن لا يدع أحداً يمر بين يديه». وذهب إلى القول بوجوب السترة أيضاً العلامة الشوكاني ﵀ وغيره من العلماء واحتج الموجبين للسترة بأدلة:
الدليل الأول: ما رواه ابن خزيمة في [صحيحه] (٨٠٠، ٨٢٠)، ومِنْ طَرِيقِه ابن حبان في [صحيحه] (٢٣٦٢) ثنا بُنْدَارٌ، ثنا أَبُو بَكْرٍ يَعْنِي الْحَنَفِيَّ، ثنا الضَّحَّاكُ بْنُ عُثْمَانَ، حَدَّثَنِي صَدَقَةُ بْنُ يَسَارٍ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا تُصَلِّ إِلَّا إِلَى سُتْرَةٍ، وَلَا تَدَعْ أَحَدًا يَمُرُّ بَيْنَ يَدَيْكَ، فَإِنْ أَبَى فَلْتُقَاتِلْهُ؛ فَإِنَّ مَعَهُ الْقَرِينَ».
قلت: هذا حديث صحيح والضحاك بن عثمان وثقه جماعة من علماء الحديث ولم يأت من جرحه بحجة على جرحه.
ورواه مسلم (٥٠٦) مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ ابْنِ أَبِي فُدَيْكٍ عَنْ الضَّحَّاكِ بْنِ عُثْمَانَ عَنْ صَدَقَةَ بْنِ يَسَارٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ يُصَلِّي فَلَا يَدَعْ أَحَدًا يَمُرُّ بَيْنَ يَدَيْهِ فَإِنْ أَبَى فَلْيُقَاتِلْهُ فَإِنَّ مَعَهُ الْقَرِينَ».
قلت: والذي يظهر لي هو ثبوت الحديث بالوجهين فأبو بكر الحنفي إن لم يكن أوثق من ابن أبي فديك فليس بدونه. والله أعلم.
стр. 2126
الدليل الثاني: ما رواه أحمد (١٦١٣٤)، وأبو داود (٦٩٥)، والنسائي (٧٤٨) مِنْ طَرِيقِ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ، عَنْ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ، يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: وَقَالَ سُفْيَانُ مَرَّةً: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ -: «إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ إِلَى سُتْرَةٍ فَلْيَدْنُ مِنْهَا، مَا لَا يَقْطَعُ الشَّيْطَانُ عَلَيْهِ صَلَاتَهُ».
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ وَاقِدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ صَفْوَانَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَهْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، أَوْ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَهْلٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: بَعْضُهُمْ، عَنْ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ وَاخْتُلِفَ فِي إِسْنَادِهِ اهـ.
قلت: حديث واقد رواه البيهقي في [الكبرى] (٣٢٩٠) أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحُسَيْنُ بْنُ الْحَسَنِ الْغَضَائِرِيُّ بِبَغْدَادَ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْبَخْتَرِيِّ الرَّزَّازُ، أنبأ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الدَّقِيقِيُّ، ثنا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، عَنْ وَاقِدِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدٍ، أَنَّهُ سَمِعَ صَفْوَانَ يُحَدِّثُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَهْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، أَوْ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَهْلٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ إِلَى شَيْءٍ فَلْيَدْنُ مِنْهُ لَا يَقْطَعِ الشَّيْطَانُ صَلَاتَهُ». قَالَ الشَّيْخُ وَرَوَاهُ دَاوُدُ بْنُ قَيْسٍ، عَنْ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرٍ مُرْسَلًا اهـ.
ثم رواه ﵀ (٣٢٩١) أَخْبَرَنَا أَبُو زَكَرِيَّا بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ الْحَسَنِ قَالَا: ثنا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، ثنا بَحْرُ بْنُ نَصْرٍ قَالَ: قُرِئَ عَلَى ابْنِ وَهْبٍ أَخْبَرَكَ دَاوُدُ بْنُ قَيْسٍ الْمَدَنِيُّ، أَنَّ نَافِعَ بْنَ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ حَدَّثَهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى
стр. 2127
اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلْيُصَلِّ إِلَى سُتْرَةٍ وَلْيَدْنُ مِنْ سُتَرْتِهِ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَمُرُّ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا». قَالَ الشَّيْخُ قَدْ أَقَامَ إِسْنَادَهُ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، وَهُوَ حَافِظٌ حُجَّةٌ اهـ.
قلت: وحديث داود بن قيس أخرجه أيضاً عبد الرزاق في [مصنفه] (٢٣٠٣)
قلت: وصله صفوان والوصل زيادة ثقة مقبولة فالحديث صحيح والله أعلم.
قَالَ الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٢/ ٦٢٤):
«وقَالَ العقيلي: حديث سهل هذا ثابت.
وقَالَ الميموني: قلت لأبي عبد الله - يعني: أحمد -: كيف إسناد حديث النبي ﷺ : "إذا صلى أحدكم فليدن من سترته"؟ قَالَ: صالح، ليس بإسناده بأس» اهـ.
قلت: ووجه الشاهد من الحديث أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ علل الأمر من الدنو إلى السترة بقطع الشيطان لصلاة المصلي - والقطع هاهنا نقصان في الصلاة وليس بإبطال لها - وليس أن يفعل ما فيه سبب لنقصان صلاته فإذا صلى المصلي إلى غير سترة كان ذلك من أسباب نقصان صلاته. وأيضاً الحديث فيه الأمر بالدنو من السترة وهذا أمر بالسترة بطريق الأولى.
الدليل الثالث: ما رواه ابن خزيمة في [صحيحه] (٨٤٣)، وأبو يعلى في [مسنده] (٦٢٩)، وابن الجارود في [المنتقى] (١٦٦)، والسراج في [مسنده] (٣٥٨)،
стр. 2128
وأبو نعيم في [مستخرجه] (١١٠٠)، وعبد بن حميد في [منتخبه] (١٠٠) مِنْ طَرِيقِ سِمَاكٍ، عَنْ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لِيَجْعَلْ أَحَدُكُمْ بَيْنَ يَدَيْهِ مِثْلَ مُؤَخِّرَةِ الرَّحْلِ، ثُمَّ لَا يَضُرُّهُ مَا مَرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ».
قلت: هذا حديث حسن من أجل سماك.
الدليل الرابع: ما رواه أبو داود (٦٩٨)، وابن ماجه (٩٥٤) مِنْ طَرِيقِ أَبِي خَالِدٍ وَهُوَ الْأَحْمَرُ، عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلْيُصَلِّ إِلَى سُتْرَةٍ وَلْيَدْنُ مِنْهَا».
قلت: الحديث رواه مسلم (٥٠٥) مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ يُصَلِّي فَلَا يَدَعْ أَحَدًا يَمُرُّ بَيْنَ يَدَيْهِ وَلْيَدْرَأْهُ مَا اسْتَطَاعَ فَإِنْ أَبَى فَلْيُقَاتِلْهُ فَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَانٌ».
قلت: وتابع مالكاً زهير بن محمد العنبري كما روى ذلك أبو يعلى في [مسنده] (١٢٤٨).
والدراوردي كما روى ذلك أبو عوانة في [مستخرجه] (١٠٩٥)، والسراج في [مسنده] (٣٨٥)، وابن عساكر في [معجم شيوخه] (١١٠٥)
قلت: وحديثهم أصح من حديث ابن عجلان. والله أعلم.
стр. 2129
وقد صرف الجمهور هذه الأوامر بحديث الباب وليس هو بصريح في نفي السترة كما سبق بيان ذلك.
وبما رواه أحمد (١٩٦٥) حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا الْحَجَّاجُ، عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ الْجَزَّارِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ صَلَّى فِي فَضَاءٍ لَيْسَ بَيْنَ يَدَيْهِ شَيْءٌ».
قلت: الحجاج هو ابن أرطأة ضعيف الحديث ومع ضعفه فهو مدلس وقد عنعن.
والحديث إنَّما هو معروف من رواية الجزار عن أبي الصهباء عن ابن عباس كما سبق ذلك في شرح أول أحاديث الباب.
٣ - واحتج به من قَالَ: إنَّ المرور بين يدي المأمومين لا يقطع الصلاة وقد سبق الكلام في ذلك في أول أحاديث الباب.
٤ - واحتج به من قَالَ إنَّ سترة الإمام سترة لمن خلفه. وهذا مبني على أنَّ نفي الجدار لا يلزم منه نفي السترة.
قلت: ويدل على ذلك أيضاً أنَّه لا يعلم عن الصحابة أنَّهم كانوا يتخذون الستر وهم يصلون خلف رسول الله ﷺ .
قَالَ الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٢/ ٦٠٨):
стр. 2130
«وبهذا استدل البخاري وغيره من العلماء على أنَّ سترة الإمام سترة لمن خلف؛ لأنَّ سترة الإمام إذا كانت محفوظة كفى ذلك المأمومين، ولم يضرهم مرور من مر بين أيديهم؛ ولذلك لا يشرع للمأمومين اتخاذ سترة لهم وهم خلف الإمام» اهـ.
٥ - جواز رعي الدواب في الحرم.
٦ - إقامة الجماعة في السفر.
* * *
стр. 2131
١٠٦ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «كُنْتُ أَنَامُ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَرِجْلايَ فِي قِبْلَتِهِ - فَإِذَا سَجَدَ غَمَزَنِي، فَقَبَضْتُ رِجْلَيَّ. فَإِذَا قَامَ بَسَطْتُهُمَا. وَالْبُيُوتُ يَوْمَئِذٍ لَيْسَ فِيهَا مَصَابِيحُ».
وفي الحديث مسائل منها:
١ - أنَّه احتج به على أنَّ المرأة لا تقطع الصلاة. وليس فيه دلالة على ذلك فالحديث وارد في الاضطجاع وأحاديث القطع واردة في مرور المرأة وبينهما فرق.
٢ - واستدل بقولها: "غَمَزَنِي" على أنَّ لمس المرأة لا ينقض الوضوء. وليس فيه حجة لاحتمال الحائل.
قَالَ الحافظ ابن عبد البر ﵀ في [التمهيد] (٢١/ ١٧١):
«قَالَ المزني فإنِّي أقول: إنَّه كان على قدمه حائل شيء كالثوب يسترها أو نحوه. قَالَ قاسم فقلت له: القدم بلا حائل حتى يثبت الحائل.
قَالَ أبو عمر: ما أدري كيف يجوز على مثل المزني مع جلالته وفقهه وسعة فهمه مثل هذا الإدخال والاحتجاج والأغلب أنَّ النائم مشتمل في ثوبه ملتحف به وإذا أمكن ذلك وهو الأغلب لم يجب أن يقطع بملامسة فيها مباشرة إلَّا بيقين ولا يقين في هذا الحديث لإمكان ستر القدم واحتماله وإذا احتمل لم تكن فيه حجة لأنَّ الحجة ما لا تنازع فيه ولا يحتمل تأويل الخصم» اهـ.
стр. 2132
قلت: والصحيح أنَّ مس المرأة لا ينقض الوضوء.
٣ - وفي قولها: «وَالْبُيُوتُ يَوْمَئِذٍ لَيْسَ فِيهَا مَصَابِيحُ». رد على من قَالَ من الصوفية أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كان نوراً حسياً لا ظل له إذ لو كان كذلك لما اعتذرت بعدم وجود المصابيح.
٤ - وفيه أنَّ مرور بعض الجسد بين يدي المصلي لا يؤثر في صلاته.
ومن هذا الباب تناول الشيء باليد بين يدي المصلي.
٥ - وفيه مشروعية الصلاة إلى المرأة.
قَالَ العلامة ابن بطال ﵀ في [شرح البخاري] (٢/ ١٤٠ - ١٤١):
«كره كثير من أهل العلم أن تكون المرأة سترة للمصلى، قَالَ مالك في "المختصر": لا يستتر بالمرأة، وأرجو أن يكون السترة بالصبي واسعاً. وقَالَ في "المجموعة": ولا يصلى وبين يديه امرأة وإن كانت أمه أو أخته إلَّا أن يكون دونها سترة، وقَالَ الشافعي: لا يستتر بامرأة ولا دابة ووجه كراهيتهم لذلك، والله أعلم؛ لأنَّ الصلاة موضوعة للإخلاص والخشوع، والمصلى خلف المرأة الناظر إليها يخشى عليه الفتنة بها والاشتغال عن الصلاة بنظره إليها؛ لأنَّ النفوس مجبولة على ذلك، والناس لا يقدرون من ملك آرابهم على مثل ما كان يقدر عليه الرسول، فلذلك صلى هو خلف المرأة حين آمن شغل باله بها، ولم تشغله عن الصلاة» اهـ.
وقَالَ الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٢/ ٦٩٣):
«وقد نص على ذلك سفيان وأحمد وإسحاق، ولا نعلم فيه خلافاً.
стр. 2133
وإنَّما اختلفوا: إذا كانا في صلاة واحدة، وليس بينهما سترة».
إلى أن قَالَ ﵀: «وكره الشافعي أن يستتر الرجل بالمرأة في صلاته؛ لما يخشى من فتنتها للمصلي، وشغلها لقلبه.
وهذا إذا كان بحيث ينظر إليها، فأمَّا إن كان ذلك في ظلمة الليل، كما في حديث عائشة، فقد أمن من ذلك» اهـ.
قلت: وهذا تفريق وجيه فقد نزع النبي ﷺ الخميصة التي ألهته في صلاته والمرأة أشد من ذلك والله أعلم.
روى البخاري (٣٧٣)، ومسلم (١٢٣٨) عَنْ عَائِشَةَ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى فِي خَمِيصَةٍ لَهَا أَعْلَامٌ فَنَظَرَ إِلَى أَعْلَامِهَا نَظْرَةً فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ: "اذْهَبُوا بِخَمِيصَتِي هَذِهِ إِلَى أَبِي جَهْمٍ وَائْتُونِي بِأَنْبِجَانِيَّةِ أَبِي جَهْمٍ فَإِنَّهَا أَلْهَتْنِي آنِفًا عَنْ صَلَاتِي"».
٦ - وفيه مشروعية الصلاة إلى النائم.
قَالَ العلامة ابن بطال ﵀ في [شرح البخاري] (٢/ ١٤٠):
«الصلاة خلف النائم جائزة إلَّا أنَّ طائفة من العلماء كرهها خوف ما يحدث من النائم فيشغل المصلى أو يضحكه، فتفسد صلاته، قَالَ مالك: لا يصلى إلى النائم إلَّا أن يكون دونه سترة، وهو قول طاووس. وقَالَ مجاهد: أصلى وراء قاعد أحب إلى من أن أصلى وراء نائم، والقول قول من أجاز ذلك للسنة الثابتة بجوازه، والله
стр. 2134
الموفق» اهـ.
٧ - وفيه مشروعية الصلاة على فراش النوم.
وقَالَ العلامة ابن بطال ﵀ في [شرح البخاري] (٢/ ٤٥ - ٤٦):
«وقد اختلف العلماء في اختيارهم بعض ما يصلى عليه دون غيره، فروى عن عمر بن الخطاب، ﵁، أنَّه صلى على عبقري وهي الطنفسة، وعن علي بن أبي طالب، وابن عباس، وابن مسعود، وأنس أنَّهم صلوا على المسوح، وصلى ابن عباس، وجابر بن عبد الله، وأبو الدرداء، والنخعي، والحسن على طنفسة. وصلى قيس بن عبادة على لِبْدِ دابة، وقَالَ الثوري: يصلى على البساط الطنفسة واللِّبْد، وهو قول أبي حنيفة، والشافعي، وروى عن ابن مسعود أنَّه لا يسجد إلَّا على الأرض، وعن عروة مثله، وكرهت طائفة الصلاة إلَّا على الأرض أو نباتها، روى ذلك عن جابر بن زيد وقَالَ: أكره الصلاة على كل شيء من الحيوان، وأستحب الصلاة على كل شيء من نبات الأرض، وهو قول مجاهد، وقَالَ قتادة: قَالَ سعيد بن المسيب: الصلاة على الطنفسة محدث، وقَالَه ابن سيرين أيضًا، وقَالَ مالك في بساط الصوف والشعر: إذا وضع المصلى جبهته ويديه على الأرض فلا أرى بالقيام عليها بأسًا، وعن عطاء مثله. وقَالَ مغيرة: قلت لإبراهيم حين ذكر كراهية الصلاة على الطنفسة: إن أبا وائل يصلى عليها، قَالَ: أما إنَّه خير مني» اهـ.
٨ - وفيه استحباب النوم إلى جهة القبلة.
٩ - وفيه دليل على أنَّ العمل اليسير لا يفسد الصلاة.
стр. 2135
١٠ - واحتج به من قال بمشروعية الصلاة إلى الجنازة.
وفي ذلك نزاع بين العلماء.
وقد منع من ذلك العلامة الألباني ﵀ فقال في [تحذير الساجد من اتخاذ القبور مساجد] (ص: ٣٤ - ٣٥):
«قال الشيخ علي القاري في "المرقاة" (٢/ ٣٧٢) معللاً النهي: "لما فيه من التعظيم البالغ كأنَّه من مرتبة المعبود، ولو كان هذا التعظيمُ حقيقة للقبر أو لصاحبه لكفر المعظم، فالتشبه به مكروه، وينبغي أن تكون كراهة تحريم. وفي معناه بل أولى منه الجنازة الموضوعة -يعني قبلة المصلين- وهو مما ابتلي به أهل مكة حيث يضعون الجنازة عند الكعبة ثم يستقبلون إليها".
قلت: يعني في صلاة الفريضة وهذا بلاءٌ عامٌ قد تعداه إلى بلاد الشام والأناضول وغيرها، وقد وقفنا منذ شهر على صورة شمسية قبيحة جداً تمثل صفاً من المصلين ساجدين تجاه نعوش مصفوفة أمامهم فيها جثث جماعة من الأتراك كانوا ماتوا غرقاً في باخرة.
وبهذه المناسبة نلفت النظر إلى أنَّ الغالب من هديه ﷺ هو الصلاة على الجنائز في "المصلى" خارج المسجد، ولعل من حكمة ذلك إبعادُ
стр. 2136
المصلين عن الوقوع في مثل هذه المخالفة التي نبه عليها العلامة القاري ﵀» اهـ.
ومن أجاز ذلك احتج بالحديث السابق وما رواه مسلم (٥١٢) عَنْ عَائِشَةَ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُصَلِّي مِنْ اللَّيْلِ وَأَنَا مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ كَاعْتِرَاضِ الْجَنَازَةِ».
ورواه البخاري (٥١٢)، ومسلم (٥١٢) عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي وَأَنَا رَاقِدَةٌ مُعْتَرِضَةٌ عَلَى فِرَاشِهِ فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يُوتِرَ أَيْقَظَنِي فَأَوْتَرْتُ».
ووجه الشاهد أنَّ النائم كالميت فإنَّ النوم موت أصغر فإذا جازت الصلاة إلى النائم فتجوز إلى الميت إذ لا فرق بين الصورتين.
وقد أجاز ذلك العلامة ابن عثيمين ﵀.
والأظهر عندي المنع وذلك أنَّ هنالك فرقاً بين الحي والميت، وذلك أنَّ عبادة الأموات من الفتن المنتشرة منذ الأزمان القديمة ولا فرق ظاهر بين النهي عن الصلاة إلى القبر وبين الصلاة إلى الميت.
وقال الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٢/ ٤٠٣):
стр. 2137
«ووجدنا في كتاب مصنف على مذهب سفيان الثوري: وإذا صلى الرجل وبين يديه ميت تنحى عنه. إنَّما كره الصلاة إلى القبور من أجل الميت، فإن صلى إليها فلا باس» اهـ.
* * *
стр. 2138
باب جامع
١٠٧ - عَنْ أَبِي قَتَادَةَ بْنِ رِبْعِيٍّ الأَنْصَارِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إذَا دَخَلَ أَحَدُكُمْ الْمَسْجِدَ فَلا يَجْلِسْ حَتَّى يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ».
جاء تسمية هاتين الركعتين بتحية المسجد فيما رواه الْحَاكِمُ في [الْمُسْتَدْرَكِ] (٤١٦٦)، وابن عدي في [الكامل] (٩/ ١٠٦ - ١٠٧)، وابن عساكر في [تَارِيْخِ دِمَشْق] (٥٠٦١) من طريق يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ السَّعْدِيُّ الْبَصْرِيُّ، ثنا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ جُرَيْجٍ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ اللَّيْثِيِّ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ ﵁، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ فَاغْتَنَمْتُ خَلْوَتَهُ فَقَالَ لِي: «يَا أَبَا ذَرٍّ، إِنَّ لِلْمَسْجِدِ تَحِيَّةً» قُلْتُ: وَمَا تَحِيَّتُهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «رَكْعَتَانِ» فَرَكَعْتُهُمَا … الحديث.
قُلْتُ: السعدي شديد الضعف، وحديثه هذا منكر كما ذلك ذلك ابن عدي والذهبي وغيرهما.
وروى ابن حبان في [صَحِيْحِهِ] (٣٦١)، وأبو نعيم في [لْحِلْيَةِ] (١/ ١٦٦)، وابن عساكر في [تَارِيْخِ دِمَشْق] (٥٠٦١)
стр. 2139
من طريق إِبْرَاهِيمَ بْنِ هِشَامِ بْنِ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى الْغَسَّانِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ جَدِّي، عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيِّ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ، قَالَ: دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ، فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، جَالِسٌ وَحْدَهُ، قَالَ: «يَا أَبَا ذَرٍّ إِنَّ لِلْمَسْجِدِ تَحِيَّةً، وَإِنَّ تَحِيَّتَهُ رَكْعَتَانِ، فَقُمْ فَارْكَعْهُمَا»، قَالَ: فَقُمْتُ فَرَكَعْتُهُمَا، ثُمَّ عُدْتُ فَجَلَسْتُ إِلَيْهِ … الحديث.
قُلْتُ: الغساني كذبه غير واحد.
ورواه الطبري في [تاريخه] (١/ ١٥٠ - ١٥١)، وابن عساكر في [تَارِيْخِ دِمَشْق] (٦٣٩) من وجه آخر إلى أبي إدريس بإسناد لا يصح.
وَقَالَ الحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ في [فَتْحِ الْبَارِي] (٣/ ٢٧٤):
«وقد روي من وجوه متعددة عن أبي ذر، وكلها لا تخلو من مقال» اهـ.
قُلْتُ: وبهذا يتبين أنَّ تسمية هاتين الركعتين بتحية المسجد مما لا يثبت في الحديث، لكن تسميتهما بذلك مما اشتهر على ألسنة العلماء، ومنهم الإمام الشافعي، وهكذا في كثير من كتب الحديث.
وفي الحديث مسائل منها:
١ - احتج به من أوجب تحية المسجد.
стр. 2140
وقد روى الحديث الْبُخَارِيّ (٤٤٤)، ومُسْلِم (٧١٤) عَنْ أَبِي قَتَادَةَ السَّلَمِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمُ الْمَسْجِدَ فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يَجْلِسَ».
وفي لفظ لمُسْلِم (١٦٥٢) عَنْ أَبِي قَتَادَةَ صَاحِبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ جَالِسٌ بَيْنَ ظَهْرَانَيْ النَّاسِ قَالَ فَجَلَسْتُ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَا مَنَعَكَ أَنْ تَرْكَعَ رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ تَجْلِسَ»؟ قَالَ: فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ رَأَيْتُكَ جَالِسًا وَالنَّاسُ جُلُوسٌ قَالَ:
«فَإِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمْ الْمَسْجِدَ فَلَا يَجْلِسْ حَتَّى يَرْكَعَ رَكْعَتَيْنِ».
قُلْتُ: وقد أوجبها داود الظاهري وخالفه في ذلك ابن حزم الظاهري وجماهير العلماء.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِيُ رَحِمَهُ اللهُفي [الْمَجْمُوعِ] (٤/ ٥٢):
«أمَّا حكم المسألة فاجمع العلماء علي استحباب تحية المسجد ويكره أن يجلس من غير تحية بلا عذر» اهـ.
وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (١/ ٥٣٧ - ٥٣٨):
«واتفق أئمة الفتوى على أنَّ الأمر في ذلك للندب ونقل ابن بطال عن أهل الظاهر الوجوب والذي صرح به ابن حزم عدمه» اهـ.
следующие страницы →