Полный текст (8 095 стр.). Показаны 2136–2175 · переход к 2141.
стр. 2136
المصلين عن الوقوع في مثل هذه المخالفة التي نبه عليها العلامة القاري ﵀» اهـ.
ومن أجاز ذلك احتج بالحديث السابق وما رواه مسلم (٥١٢) عَنْ عَائِشَةَ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُصَلِّي مِنْ اللَّيْلِ وَأَنَا مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ كَاعْتِرَاضِ الْجَنَازَةِ».
ورواه البخاري (٥١٢)، ومسلم (٥١٢) عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي وَأَنَا رَاقِدَةٌ مُعْتَرِضَةٌ عَلَى فِرَاشِهِ فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يُوتِرَ أَيْقَظَنِي فَأَوْتَرْتُ».
ووجه الشاهد أنَّ النائم كالميت فإنَّ النوم موت أصغر فإذا جازت الصلاة إلى النائم فتجوز إلى الميت إذ لا فرق بين الصورتين.
وقد أجاز ذلك العلامة ابن عثيمين ﵀.
والأظهر عندي المنع وذلك أنَّ هنالك فرقاً بين الحي والميت، وذلك أنَّ عبادة الأموات من الفتن المنتشرة منذ الأزمان القديمة ولا فرق ظاهر بين النهي عن الصلاة إلى القبر وبين الصلاة إلى الميت.
وقال الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٢/ ٤٠٣):
стр. 2137
«ووجدنا في كتاب مصنف على مذهب سفيان الثوري: وإذا صلى الرجل وبين يديه ميت تنحى عنه. إنَّما كره الصلاة إلى القبور من أجل الميت، فإن صلى إليها فلا باس» اهـ.
* * *
стр. 2138
باب جامع
١٠٧ - عَنْ أَبِي قَتَادَةَ بْنِ رِبْعِيٍّ الأَنْصَارِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إذَا دَخَلَ أَحَدُكُمْ الْمَسْجِدَ فَلا يَجْلِسْ حَتَّى يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ».
جاء تسمية هاتين الركعتين بتحية المسجد فيما رواه الْحَاكِمُ في [الْمُسْتَدْرَكِ] (٤١٦٦)، وابن عدي في [الكامل] (٩/ ١٠٦ - ١٠٧)، وابن عساكر في [تَارِيْخِ دِمَشْق] (٥٠٦١) من طريق يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ السَّعْدِيُّ الْبَصْرِيُّ، ثنا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ جُرَيْجٍ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ اللَّيْثِيِّ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ ﵁، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ فَاغْتَنَمْتُ خَلْوَتَهُ فَقَالَ لِي: «يَا أَبَا ذَرٍّ، إِنَّ لِلْمَسْجِدِ تَحِيَّةً» قُلْتُ: وَمَا تَحِيَّتُهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «رَكْعَتَانِ» فَرَكَعْتُهُمَا … الحديث.
قُلْتُ: السعدي شديد الضعف، وحديثه هذا منكر كما ذلك ذلك ابن عدي والذهبي وغيرهما.
وروى ابن حبان في [صَحِيْحِهِ] (٣٦١)، وأبو نعيم في [لْحِلْيَةِ] (١/ ١٦٦)، وابن عساكر في [تَارِيْخِ دِمَشْق] (٥٠٦١)
стр. 2139
من طريق إِبْرَاهِيمَ بْنِ هِشَامِ بْنِ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى الْغَسَّانِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ جَدِّي، عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيِّ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ، قَالَ: دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ، فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، جَالِسٌ وَحْدَهُ، قَالَ: «يَا أَبَا ذَرٍّ إِنَّ لِلْمَسْجِدِ تَحِيَّةً، وَإِنَّ تَحِيَّتَهُ رَكْعَتَانِ، فَقُمْ فَارْكَعْهُمَا»، قَالَ: فَقُمْتُ فَرَكَعْتُهُمَا، ثُمَّ عُدْتُ فَجَلَسْتُ إِلَيْهِ … الحديث.
قُلْتُ: الغساني كذبه غير واحد.
ورواه الطبري في [تاريخه] (١/ ١٥٠ - ١٥١)، وابن عساكر في [تَارِيْخِ دِمَشْق] (٦٣٩) من وجه آخر إلى أبي إدريس بإسناد لا يصح.
وَقَالَ الحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ في [فَتْحِ الْبَارِي] (٣/ ٢٧٤):
«وقد روي من وجوه متعددة عن أبي ذر، وكلها لا تخلو من مقال» اهـ.
قُلْتُ: وبهذا يتبين أنَّ تسمية هاتين الركعتين بتحية المسجد مما لا يثبت في الحديث، لكن تسميتهما بذلك مما اشتهر على ألسنة العلماء، ومنهم الإمام الشافعي، وهكذا في كثير من كتب الحديث.
وفي الحديث مسائل منها:
١ - احتج به من أوجب تحية المسجد.
стр. 2140
وقد روى الحديث الْبُخَارِيّ (٤٤٤)، ومُسْلِم (٧١٤) عَنْ أَبِي قَتَادَةَ السَّلَمِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمُ الْمَسْجِدَ فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يَجْلِسَ».
وفي لفظ لمُسْلِم (١٦٥٢) عَنْ أَبِي قَتَادَةَ صَاحِبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ جَالِسٌ بَيْنَ ظَهْرَانَيْ النَّاسِ قَالَ فَجَلَسْتُ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَا مَنَعَكَ أَنْ تَرْكَعَ رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ تَجْلِسَ»؟ قَالَ: فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ رَأَيْتُكَ جَالِسًا وَالنَّاسُ جُلُوسٌ قَالَ:
«فَإِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمْ الْمَسْجِدَ فَلَا يَجْلِسْ حَتَّى يَرْكَعَ رَكْعَتَيْنِ».
قُلْتُ: وقد أوجبها داود الظاهري وخالفه في ذلك ابن حزم الظاهري وجماهير العلماء.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِيُ رَحِمَهُ اللهُفي [الْمَجْمُوعِ] (٤/ ٥٢):
«أمَّا حكم المسألة فاجمع العلماء علي استحباب تحية المسجد ويكره أن يجلس من غير تحية بلا عذر» اهـ.
وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (١/ ٥٣٧ - ٥٣٨):
«واتفق أئمة الفتوى على أنَّ الأمر في ذلك للندب ونقل ابن بطال عن أهل الظاهر الوجوب والذي صرح به ابن حزم عدمه» اهـ.
стр. 2141
قُلْتُ: وقد صرف العلماء الأمر في هذا الحديث من الوجوب إلى الاستحباب بعدة صوارف منها:
ما رواه أحمد (١٧٧١٠، ١٧٧٣٣)، وأبو داود (١١١٨)، والنسائي (١٣٩٩) مِنْ طَرِيقِ مُعَاوِيَةَ بْنِ صَالِحٍ، عَنْ أَبِي الزَّاهِرِيَّةِ، قَالَ: كُنَّا مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرٍ صَاحِبِ النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، فَجَاءَ رَجُلٌ يَتَخَطَّى رِقَابَ النَّاسِ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُسْرٍ: جَاءَ رَجُلٌ يَتَخَطَّى رِقَابَ النَّاسِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَالنَّبِيُّ ﷺ يَخْطُبُ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : «اجْلِسْ فَقَدْ آذَيْتَ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ حَسَنٌ.
ومنها: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لم يأمر أبا قتادة بأن يقوم ويأتي بالركعتين كما أمر الذي جلس يوم الجمعة والنبي ﷺ يخطب بالقيام لفعلها.
فروى الْبُخَارِيّ (٨٨٩)، ومُسْلِم (٨٧٥) عَنْ جَابِرٍ قَالَ: «دَخَلَ رَجُلٌ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَالنَّبِيُّ ﷺ يَخْطُبُ فَقَالَ: "أَصَلَّيْتَ"؟. قَالَ: لَا. قَالَ: "قُمْ فَصَلِّ رَكْعَتَيْنِ"».
قُلْتُ: وهذا مما يدل على أنَّ تحية المسجد لا تفوت بالجلوس.
ومن أهل العلم من صرف الأمر في هذا الحديث بما رواه الْبُخَارِيّ (٤٦)، ومُسْلِم (١٠٠) عن طلحة بن عبيد الله قَالَ: «جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ مِنْ أَهْلِ نَجْدٍ ثَائِرُ الرَّأْسِ يُسْمَعُ دَوِيُّ صَوْتِهِ، وَلَا يُفْقَهُ مَا يَقُولُ حَتَّى دَنَا فَإِذَا هُوَ يَسْأَلُ عَنِ الإِسْلَامِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "خَمْسُ
стр. 2142
صَلَوَاتٍ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ"، فقَالَ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا؟ قَالَ: "لَا، إِلَّا أَنْ تَطَوَّعَ". قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "وَصِيَامُ رَمَضَانَ" قَالَ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهُ؟ قَالَ: "لَا، إِلَّا أَنْ تَطَوَّعَ" قَالَ: وَذَكَرَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ الزَّكَاةَ قَالَ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا؟ قَالَ: "لَا، إِلَّا أَنْ تَطَوَّعَ" قَالَ: فَأَدْبَرَ الرَّجُلُ وَهُوَ يَقُولُ وَاللَّهِ لَا أَزِيدُ عَلَى هَذَا، وَلَا أَنْقُصُ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَفْلَحَ إِنْ صَدَقَ"».
قُلْتُ: ووجه الشاهد من الحديث أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أخبر الأعرابي أنَّ عليه خمس صلوات في اليوم والليلة، وقَالَ الأعرابي لا أزيد عليهن ولا أنقص فقَالَ النبي ﷺ : «أَفْلَحَ إِنْ صَدَقَ».
وهذا مما يدل على أنَّه لا واجب من الصلوات غير الخمس الصلوات وتحية المسجد ليست من الخمس فلا تكون واجبة وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قُلْتُ: وفي الاستدلال بهذا الحديث على هذه المسألة نظر فإنَّ غاية ما يدل عليه أنَّه لا وجب في صلوات اليوم والليلة على سبيل التكرار غير الخمس الصلوات فلا يمنع من إيجاب غيرها لسبب من أسباب كصلاة الجنازة، أو إيجاب صلاة أسبوعية كالجمعة، أو حولية كصلاة العيدين. نعم يرد به على من أوجب صلاة الوتر فإنَّه من الصلوات المتكررة في اليوم والليلة. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قُلْتُ: ونحو هذا الحديث ما رواه الْبُخَارِيّ (٦٣) عَنْ أَنَسِ بنِ مَالِك ﵁ قَالَ: «بَيْنَمَا نَحْنُ جُلُوسٌ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْمَسْجِدِ دَخَلَ رَجُلٌ عَلَى جَمَلٍ فَأَنَاخَهُ فِي الْمَسْجِدِ ثُمَّ عَقَلَهُ ثُمَّ قَالَ: لَهُمْ أَيُّكُمْ مُحَمَّدٌ وَالنَّبِيُّ ﷺ مُتَّكِئٌ بَيْنَ ظَهْرَانَيْهِمْ فَقُلْنَا هَذَا الرَّجُلُ الأَبْيَضُ الْمُتَّكِئُ فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ ابْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
стр. 2143
وَسَلَّمَ: "قَدْ أَجَبْتُكَ" فقَالَ الرَّجُلُ لِلنَّبِيِّ ﷺ : إِنِّي سَائِلُكَ فَمُشَدِّدٌ عَلَيْكَ فِي الْمَسْأَلَةِ فَلَا تَجِدْ عَلَيَّ فِي نَفْسِكَ فقَالَ: "سَلْ عَمَّا بَدَا لَكَ". فَقَالَ: أَسْأَلُكَ بِرَبِّكَ وَرَبِّ مَنْ قَبْلَكَ آللَّهُ أَرْسَلَكَ إِلَى النَّاسِ كُلِّهِمْ، فَقَالَ: "اللَّهُمَّ نَعَمْ". قَالَ: أَنْشُدُكَ بِاللَّهِ آللَّهُ أَمَرَكَ أَنْ نُصَلِّيَ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ قَالَ: "اللَّهُمَّ نَعَمْ". قَالَ: أَنْشُدُكَ بِاللَّهِ آللَّهُ أَمَرَكَ أَنْ نَصُومَ هَذَا الشَّهْرَ مِنَ السَّنَةِ. قَالَ: "اللَّهُمَّ نَعَمْ". قَالَ: أَنْشُدُكَ بِاللَّهِ آللَّهُ أَمَرَكَ أَنْ تَأْخُذَ هَذِهِ الصَّدَقَةَ مِنْ أَغْنِيَائِنَا فَتَقْسِمَهَا عَلَى فُقَرَائِنَا فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "اللَّهُمَّ نَعَمْ". فَقَالَ الرَّجُلُ: آمَنْتُ بِمَا جِئْتَ بِهِ وَأَنَا رَسُولُ مَنْ وَرَائِي مِنْ قَوْمِي وَأَنَا ضِمَامُ بْنُ ثَعْلَبَةَ أَخُو بَنِي سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ».
ومثله أيضاً ما رواه الْبُخَارِيّ (٣٤٩)، ومُسْلِم (١٦٣) مِنْ حَدِيْثِ أبي ذر في حديث الإسراء والمعراج الطويل وفيه أنَّ الله قَالَ: «هِيَ خَمْسٌ وَهْيَ خَمْسُونَ لَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ».
٢ - يدل الحديث على أنَّ من لم يجلس لا تلزمه تحية المسجد.
وهناك من أهل العلم من أمر بها لمطلق الدخول وإن لم يرد الجلوس.
قال العلامة زكريا الأنصاري الشافعي ﵀ فِي [أسنى المطالب] (١/ ٢٠٤):
стр. 2144
«وَظَاهِرُ كَلَامِهِ كَغَيْرِهِ أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي سَنِّهَا بَيْنَ مُرِيدِ الْجُلُوسِ وَغَيْرِهِ، لَكِنْ قَيَّدَهُ الشَّيْخُ نَصْرٌ لِمُرِيدِهِ، وَيُؤَيِّدُهُ الْخَبَرُ الْمَذْكُورُ. وَقَالَ الزَّرْكَشِيُّ: لَكِنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ التَّقْيِيدَ بِذَلِكَ خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ وَأَنَّ الْأَمْرَ بِذَلِكَ مُعَلَّقٌ عَلَى مُطْلَقِ الدُّخُولِ تَعْظِيمًا لِلْبُقْعَةِ وَإِقَامَةً لِلشَّعَائِرِ كَمَا يُسَنُّ لِدَاخِلِ مَكَّةَ الْإِحْرَامُ سَوَاءٌ أَرَادَ الْإِقَامَةَ بِهَا أَمْ لَا» اهـ.
٣ - وَقَوْلُهُ: «إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمُ الْمَسْجِدَ». يشمل جميع المساجد حتى المسجد الحرام.
قُلْتُ: وقَالَ بعض العلماء تحية المسجد الحرام الطواف.
واحتجوا بما رواه الْبُخَارِيّ (١٦١٥)، ومُسْلِم (٢٩٩١) عَنْ عَائِشَةَ، ﵂: «أَنَّ أَوَّلَ شَيْءٍ بَدَأَ بِهِ حِينَ قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّهُ تَوَضَّأَ، ثُمَّ طَافَ».
قُلْتُ: وأمَّا حديث: «تَحِيَّةُ الْبَيْتِ الطَّوَافُ». فمما لا أصل له كما نبه على ذلك غير واحد من الحفاظ.
والصحيح في هذه المسألة أنَّ من دخل البيت لأجل الحج والعمرة، أو الطواف المجرد فالسنة في حقه أن يبدأ بالطواف ثم يأتي بركعتي الطواف، وأمَّا من دخل المسجد الحرام لأجل الصلاة أو القراءة، أو تعلم العلم فالسنة في حقه أن يأتي بتحية المسجد. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 2145
٤ - احتج بعمومه من قَالَ: إنَّ تحية المسجد تفعل في أوقات الكراهة. وقد مضى الكلام في هذه المسألة
٥ - وتقييد الحديث بالمسجد يدل على أنَّها لا تفعل في غير المسجد كمصلى العيد ونحوه.
٦ - أنَّ تحية المسجد لا تجزئ بدون الركعتين.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِيُ رَحِمَهُ اللهُفي [الْمَجْمُوعِ] (٤/ ٥٢):
«ولو صلى علي جنازة أو سجد لتلاوة أو شكر أو صلي ركعة واحدة لم تحصل التحية لصريح الحديث الصحيح هذا هو المذهب وحكي الرافعي وجهاً أنَّها تحصل لحصول عبادة وإكرام المسجد والصواب الأول» اهـ.
٧ - أنَّه لا يشترط لتحية المسجد صلاة معينة بل أي صلاة صلاها أجزأته في ذلك.
٨ - وإذا دخل المسجد في أوقات الكراهة من أجل أن يصلي التحية فالأظهر عدم المشروعية وهي أحد القولين للشافعية.
٩ - وظاهر الحديث أنَّ التحية تتكرر بتكرر الدخول.
وفي ذلك نزاع بين العلماء.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِيُ ﵀ فِي [الْمَجْمُوعِ] (٤/ ٥٢):
стр. 2146
«لَوْ تَكَرَّرَ دُخُولُهُ فِي الْمَسْجِدِ فِي السَّاعَةِ الْوَاحِدَةِ مِرَارًا. قَالَ صَاحِبُ "التَّتِمَّةِ": تُسْتَحَبُّ التَّحِيَّةُ لِكُلِّ مَرَّةٍ. وَقَالَ الْمَحَامِلِيُّ فِي "اللُّبَابِ": أَرْجُو أَنْ تُجْزِيَهُ التَّحِيَّةُ مَرَّةً وَاحِدَةً. وَالْأَوَّلُ أَقْوَى وَأَقْرَبُ إلَى ظَاهِرِ الْحَدِيثِ» اهـ.
وقال العلامة المرداوي ﵀ فِي [تصحيح الفروع] (٢/ ٣٠٨):
«الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: إذَا تَكَرَّرَ مِنْهُ دُخُولُ الْمَسْجِدِ فَهَلْ يُعِيدُ التَّحِيَّةَ أَمْ لَا، وَجْهُ الْمُصَنِّفِ أَنَّهَا كَالسُّجُودِ، قُلْتُ: وَتُشْبِهُ أَيْضًا إجَابَةَ مُؤَذِّنٍ ثَانِيًا، وَثَالِثًا إذَا سَمِعَهُ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى، وَكَانَ مَشْرُوعًا، فَإِنَّ صَاحِبَ الْقَوَاعِدِ الْأُصُولِيَّةِ قَالَ تَبَعًا لِلْمُصَنِّفِ ظَاهِرُ كَلَامِ أَصْحَابِنَا يُسْتَحَبُّ ذَلِكَ، وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، فَعَلَى هَذَا يُعِيدُ التَّحِيَّةَ إذَا دَخَلَهُ مِرَارًا مِنْ غَيْرِ قَصْدِ الصَّلَاةِ. وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ لَا يُصَلِّي الْمُقِيمُ التَّحِيَّةَ، لِتَكْرَارِ دُخُولِهِ لِلْمَشَقَّةِ، ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي الْإِحْرَامِ، وَقَالَ فِي بَابِ الْجُمُعَةِ وَظَاهِرُ مَا ذَكَرَهُ تُسْتَحَبُّ التحية لكل داخل قصد الجلوس أو لا.
قُلْتُ: واختار شيخنا ﵀ استحباب إعادة التحية» اهـ.
قُلْتُ: المراد بالمقيم قيِّم المسجد.
وقال ابن عابدين الحنفي ﵀ فِي [حاشيته] (١/ ٦٥٦):
«قَوْلُهُ بِغَيْرِ عُذْرٍ فَلَوْ بِعُذْرٍ جَازَ، وَيُصَلِّي كُلَّ يَوْمٍ تَحِيَّةَ الْمَسْجِدِ مَرَّةً "بَحْرٌ عَلَى الْخُلَاصَةِ": أَيْ إذَا تَكَرَّرَ دُخُولُهُ تَكْفِيه التَّحِيَّةُ مَرَّةً» اهـ.
وقال الخرشي المالكي ﵀ فِي [شرح مختصر خليل] (٢/ ٥):
стр. 2147
«فَإِنْ كَثُرَ دُخُولُهُ كَفَاهُ رُكُوعُهُ الْأَوَّلُ قَالَهُ أَبُو مُصْعَبٍ، وَالْمُرَادُ بِالْكَثْرَةِ الزِّيَادَةُ عَلَى الْوَاحِدَةِ كَمَا يُفِيدُهُ كَلَامُ الْجَلَّابِ ابْنُ نَاجِي وَلَوْ صَلَّاهَا ثُمَّ خَرَجَ لِحَاجَةٍ وَرَجَعَ بِالْقُرْبِ فَلَا تَتَكَرَّرُ عَلَيْهِ كَمَا قَالَهُ ابْنُ فَرْحُونٍ» اهـ.
قُلْتُ: ورحج العلامة السعدي ﵀ فِي [الفتاوى السعدية] ص (١٦١) تكرار صلاتها بتكرار دخول المسجد.
وقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ عُثَيْمِينَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (١٤/ ٣٥٣):
«أمَّا الذي يخرج من المسجد ويعود عن قرب فلا يصلي تحية المسجد؛ لأنَّه لم يخرج خروجاً منقطعاً، ولهذا لم ينقل عن رسول الله ﷺ أنَّه كان إذا خرج لبيته لحاجة وهو معتكف ثم عاد أنَّه كان يصلي ركعتين.
وأيضاً: فإنَّ هذا الخروج لا يعد خروجاً، بدليل أنَّه لا يقطع اعتكاف المعتكف، ولو كان خروجه يعتبر مفارقة للمسجد لقطع الاعتكاف به، ولهذا لو خرج شخص من المسجد على نية أنَّه لن يرجع إلَّا في وقت الفرض التالي، وبعد أن خطا خطوة رجع إلى المسجد ليتحدث مع شخص آخر ولو بعد نصف دقيقة فهذا يصلي ركعتين؛ لأنَّه خرج بنية الخروج المنقطع» اهـ.
قُلْتُ: لو قيل: إنَّ الخروج الذي لا يقطع الاعتكاف فلا يقطع حكم صلاة التحية المتقدمة لكان حسناً.
стр. 2148
والعلامة ابن عثيمين ﵀ يرى أنَّ الخروج بنية الرجوع عن قرب لا يقطع التحية السابقة مطلقاً.
١٠ - لا يدخل في الحديث الخطيب إذا دخل المسجد وجلس على المنبر، فإنَّ السنة الجلوس من غير صلاة ركعتين.
قال الْعَلَّامَةُ ابْنُ مُفْلِحٍ ﵀ فِي [الْفُرُوعِ] (٣/ ١٨٢):
«وَلَا تُسْتَحَبُّ التَّحِيَّةُ لِلْإِمَامِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ. ذَكَرَهُ أَبُو الْمَعَالِي وَغَيْرُهُ» اهـ.
واستحب ذلك بعض علماء الشافعية فقال العلامة ابن أبي الخير ﵀ فِي [البيان] (٢/ ٥٧٦): «ويستحب للإمام إذا دخل المسجد أن يسلم على الناس عند دخوله، فإذا بلغ المنبر … صلى ركعتين تحية المسجد، ثم يصعد المنبر» اهـ.
وقَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِيُ ﵀ فِي [الْمَجْمُوعِ] (٤/ ٥٢٩):
«قَالَ الْمُتَوَلِّي يُسْتَحَبُّ لِلْخَطِيبِ أَنْ لَا يَحْضُرَ لِلْجُمُعَةِ إلَّا بَعْدَ دُخُولِ الْوَقْتِ بِحَيْثُ يَشْرَعُ فِيهَا أَوَّلَ وُصُولِهِ الْمِنْبَرَ لِأَنَّ هَذَا هُوَ الْمَنْقُولُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَإِذَا وَصَلَ الْمِنْبَرَ صَعِدَهُ وَلَا يُصَلِّي تَحِيَّةَ الْمَسْجِدِ وَتَسْقُطُ هُنَا التَّحِيَّةُ بِسَبَبِ الِاشْتِغَالِ بِالْخُطْبَةِ كَمَا تَسْقُطُ فِي حَقِّ الْحَاجِّ إذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بِسَبَبِ الطَّوَافِ وَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا تُسْتَحَبُّ لَهُ تَحِيَّةُ الْمَسْجِدِ رَكْعَتَانِ عِنْدَ الْمِنْبَرِ مِمَّنْ ذَكَرَ هَذَا الْبَنْدَنِيجِيُّ وَالْجُرْجَانِيُّ فِي التَّحْرِيرِ وَصَاحِبَا الْعُدَّةِ وَالْبَيَانِ وَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ لَا يُصَلِّيهَا
стр. 2149
لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يُنْقَلْ أَنَّهُ صَلَّاهَا وَحِكْمَتُهُ مَا ذَكَرْتُهُ وَلَمْ يَذْكُرْ الشَّافِعِيُّ وَجَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ التَّحِيَّةَ وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّهُ لَا يُصَلِّيهَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ» اهـ.
١١ - من أراد أن يصلي التحية جالساً فالأظهر في حقه أن يبتدئ تكبيرة الإحرام عن قيام ثم يجلس حتى يكون جلوسه في أثناء الصلاة لا ابتداء، والجلوس في أثناء الصلاة مشروع كالجلوس بين السجدتين وجلوس التشهد.
وجاء في [الفتاوى الفقهية الْكُبْرَى] (١/ ١٨٦) لابن حجر الهيتمي ﵀:
«وَسُئِلَ نَفَعَ اللَّهُ بِهِ: عَمَّنْ صَلَّى تَحِيَّةَ الْمَسْجِدِ قَاعِدًا فَهَلْ تُجْزِئُهُ؟
فَأَجَابَ بِقَوْلِهِ: إنْ أَحْرَمَ بِهَا قَائِمًا ثُمَّ قَعَدَ وَصَلَّاهَا قَاعِدًا أَجْزَأَتْهُ عَنْ التَّحِيَّةِ، وَإِلَّا فَلَا بِنَاءً عَلَى الْأَصَحِّ أَنَّ الْجُلُوسَ الْيَسِيرَ عَمْدًا يُفَوِّتُهَا» اهـ.
١٢ - وينهى عن التحية عند إقامة الصلاة، لما رواه مُسْلِم (٧١٠) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ
عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِذَا أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ فَلَا صَلَاةَ إِلَّا الْمَكْتُوبَةُ».
١٣ - ويدخل في الحديث من دخل المسجد والإمام يخطب.
وقد روى مُسْلِم (٨٧٥) عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: جَاءَ سُلَيْكٌ الْغَطَفَانِيُّ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَخْطُبُ فَجَلَسَ فَقَالَ لَهُ: «يَا سُلَيْكُ قُمْ فَارْكَعْ رَكْعَتَيْنِ وَتَجَوَّزْ فِيهِمَا». ثُمَّ قَالَ: «إِذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ وَلْيَتَجَوَّزْ فِيهِمَا».
стр. 2150
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِيُ ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِم] (٦/ ١٦٤)
«هَذِهِ الْأَحَادِيثُ كُلُّهَا صَرِيحَةٌ فِي الدَّلَالَةِ لِمَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ وَفُقَهَاءِ الْمُحَدِّثِينَ أَنَّهُ إِذَا دَخَلَ الْجَامِعَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ اسْتُحِبَّ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ تَحِيَّةَ الْمَسْجِدِ وَيُكْرَهُ الْجُلُوسُ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَهُمَا وَأَنَّهُ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَتَجَوَّزَ فِيهِمَا لِيَسْمَعَ بَعْدَهُمَا الْخُطْبَةَ وَحُكِيَ هَذَا الْمَذْهَبُ أَيْضًا عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَغَيْرِهِ مِنَ الْمُتَقَدِّمِينَ قَالَ الْقَاضِي وَقَالَ مَالِكٌ وَاللَّيْثُ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيُّ وَجُمْهُورُ السَّلَفِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ لَا يُصَلِّيهِمَا وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ عُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ ﵃ وَحُجَّتُهُمُ الْأَمْرُ بِالْإِنْصَاتِ لِلْإِمَامِ وَتَأَوَّلُوا هَذِهِ الْأَحَادِيثَ أَنَّهُ كَانَ عُرْيَانًا فَأَمَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ بِالْقِيَامِ لِيَرَاهُ النَّاسُ وَيَتَصَدَّقُوا عَلَيْهِ وَهَذَا تَأْوِيلٌ بَاطِلٌ يَرُدُّهُ صَرِيحُ قَوْلِهِ ﷺ إِذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ وَلْيَتَجَوَّزْ فِيهِمَا وَهَذَا نَصٌّ لَا يَتَطَرَّقُ إِلَيْهِ تَأْوِيلٌ وَلَا أَظُنُّ عَالِمًا يَبْلُغُهُ هَذَا اللَّفْظُ صَحِيحًا فَيُخَالِفُهُ» اهـ.
قُلْتُ: وأمَّا إذا كانت الخطبة في المسجد هي خطبة العيد فهل لمن دخل يصلي تحية المسجد أو صلاة العيد، الأظهر أنَّه يصلي صلاة العيد ويجزيه ذلك عن التحية.
وإن كانت الخطبة في المصلي فالأظهر أنَّه يستمع للخطبة ثم يصلي العيد.
قَالَ الحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ في [فَتْحِ الْبَارِي] (٩/ ٨٠ - ٨١):
«ولو أدرك الإمام وقد صلى وهو يخطب للعيد ففيه أقوال:
стр. 2151
أحدها: أنَّه يجلس فيسمع الخطبة، ثم إذا فرغ الإمام صلى قضاءً، وهو قول الأوزاعي والشافعي وأبي ثور، ونص عليه أحمد -أيضاً.
والثاني: أنَّه يصلي والإمام يخطب، كما يصلي الداخل في خطبة الجمعة والإمام يخطب، وهو قول الليث؛ لكن الليث صلى العيد بأصحابه والإمام يخطب.
وقال الشافعية: إن كانَ الإمام يخطب في المصلى، جلس واستمع؛ لأنَّه مالم يفرغ من الخطبة فهو في شعار إقامة العيد، فيتابع فيما بقي منه، ولا يشغل عنه بالصلاة، وإن كان يخطب في المسجد؛ فإنَّه يصلي قبل أن يجلس.
ثم لهم وجهان:
أحدهما: يصلي تحية المسجد، كالداخل يوم الجمعة، وهو قول بعض أصحابنا -أيضاً.
والثاني: يصلي العيد؛ لأنَّها آكد، وتدخل التحية ضمناً وتبعاً، كمن دخل المسجد يوم الجمعة وعليه صلاة الفجر؛ فإنَّه يقضيها وتدخل التحية تبعاً.
ووجه قول الأوزاعي وأحمد: أنَّ استماع الخطبة من كمال متابعة الإمام في هذا اليوم، فإذا فاتت الصَّلاة معه لم يفوت استماع الخطبة، وليس كذلك الداخل في خطبة الجمعة؛ لأنَّ المقصود الأعظم الصلاة، وهي لاتفوت بالتحية» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٢/ ٢٩٠):
стр. 2152
«فَصْلٌ: وَإِنْ أَدْرَكَ الْإِمَامَ فِي التَّشَهُّدِ جَلَسَ مَعَهُ، فَإِذَا سَلَّمَ الْإِمَامُ قَامَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، يَأْتِي فِيهِمَا بِالتَّكْبِيرِ؛ لِأَنَّهُ أَدْرَكَ بَعْضَ الصَّلَاةِ الَّتِي لَيْسَتْ مُبْدَلَةً مِنْ أَرْبَعٍ، فَقَضَاهَا عَلَى صِفَتِهَا كَسَائِرِ الصَّلَوَاتِ. وَإِنْ أَدْرَكَهُ فِي الْخُطْبَةِ، فَإِنْ كَانَ فِي الْمَسْجِدِ صَلَّى تَحِيَّةَ الْمَسْجِدِ؛ لِأَنَّهَا إذَا صُلِّيَتْ فِي خُطْبَةِ الْجُمُعَةِ الَّتِي يَجِبُ الْإِنْصَاتُ لَهَا، فَفِي خُطْبَةِ الْعِيدِ أَوْلَى، وَلَا يَكُونُ حُكْمُهُ فِي تَرْكِ التَّحِيَّةِ حُكْمَ مَنْ أَدْرَكَ الْعِيدَ. وَقَالَ الْقَاضِي: يَجْلِسُ فَيَسْتَمِعُ الْخُطْبَةَ، وَلَا يُصَلِّي؛ لِئَلَّا يَشْتَغِلَ بِالصَّلَاةِ عَنْ اسْتِمَاعِ الْخُطْبَةِ.
وَهَذَا التَّعْلِيلُ يَبْطُلُ بِالدَّاخِلِ فِي خُطْبَةِ الْجُمُعَةِ، فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ الدَّاخِلَ بِالرُّكُوعِ، مَعَ أَنَّ خُطْبَةَ الْجُمُعَةِ آكَدُ. فَأَمَّا إنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْمَسْجِدِ، فَإِنَّهُ يَجْلِسُ فَيَسْتَمِعُ، ثُمَّ إنْ أَحَبَّ قَضَى صَلَاةَ الْعِيدِ، عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ» اهـ.
١٤ - الذي يظهر لي أنَّ الجالس في المسجد على كرسي ونحوه يدخل في النهي لأنَّه يعد جلوساً في المسجد لغة وعرفاً.
١٥ - وإذا جلس كجلوس المختلي فهو جالس ويدخل في عموم الحديث.
واستثنى بعض علماء الشافعية ما كان يسيراً كالجلوس للشرب.
فقال البرجيمي ﵀ فِي [تحفة الحبيب على شرح الخطيب] (١/ ٤٢٤):
«قَوْلُهُ: (وَتَفُوتُ بِجُلُوسِهِ) أَيْ وَلَوْ لِلشُّرْبِ عَمْدًا كَذَا فِي شَرْحِ م ر. وَلَكِنْ قَيَّدَ الْفَوَاتَ فِي الْفَتَاوَى لَهُ بِمَا إذَا أَلْصَقَ مِقْعَدَتَهُ بِالْأَرْضِ أَوْ طَالَ الْفَصْلُ، أَمَّا إذَا جَلَسَ لِلشُّرْبِ عَلَى سَاقَيْهِ وَلَمْ يُلْصِقْ مِقْعَدَتَهُ بِالْأَرْضِ وَلَمْ يَطُلْ الْفَصْلُ فَلَهُ فِعْلُهَا» اهـ.
стр. 2153
إلى أن قال: «وَقَوْلُهُ بِجُلُوسِهِ أَيْ مُتَمَكِّنًا لَا مُسْتَوْفِزًا اهـ ح ل» اهـ.
وقال محمد بن عمر الجاوي الشافعي ﵀ فِي [نهاية الزين] (ص: ١٠٤):
«وتفوت بِالْجُلُوسِ عمدا وَلَو قَصِيرا كالجلوس للشُّرْب إِنْ ألصق مقعدته بِالْأَرْضِ أما إِذا جلس للشُّرْب على قَدَمَيْهِ وَلم يلصق مقعدته بِالْأَرْضِ وَلم يطلّ الْفَصْل فَلَا تفوت» اهـ.
١٦ - الصحيح أنَّه لا ينوب بدل التحية غيرها من الذكر، وهو ظاهر الحديث.
واستحب ذلك بعض العلماء.
قال العلامة زكريا الأنصاري الشافعي ﵀ فِي [أسنى المطالب] (١/ ٢٠٥)
«فِي الْإِحْيَاءِ: وَيُكْرَهُ أَنْ يَدْخُلَ الْمَسْجِدَ بِغَيْرِ وُضُوءٍ، فَإِنْ دَخَلَ فَلْيَقُلْ سُبْحَانَ اللَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَلَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَاَللَّهُ أَكْبَرُ فَإِنَّهَا تَعْدِلُ رَكْعَتَيْنِ فِي الْفَضْلِ وَفِي الْأَذْكَارِ لِلنَّوَوِيِّ قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: مَنْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَلَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ صَلَاةِ التَّحِيَّةِ لِحَدَثٍ، أَوْ شُغْلٍ وَنَحْوِهِ فَيُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يَقُولَ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ سُبْحَانَ اللَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَلَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَاَللَّهُ أَكْبَرُ قَالَ وَلَا بَأْسَ بِهِ زَادَ ابْنُ الرِّفْعَةِ وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ» اهـ.
وقال الخطيب الشربيني الشافعي ﵀ فِي [مغني المحتاج] (١/ ٤٥٧):
«فَائِدَةٌ: إنَّمَا اُسْتُحِبَّ الْإِتْيَانُ بِهَذِهِ الْكَلِمَاتِ الْأَرْبَعِ لِأَنَّهَا صَلَاةُ سَائِرِ الْخَلِيقَةِ مِنْ غَيْرِ الْآدَمِيِّ مِنْ الْحَيَوَانَاتِ وَالْجَمَادَاتِ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلا يُسَبِّحُ
стр. 2154
بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء: ٤٤] أَيْ بِهَذِهِ الْأَرْبَعِ وَهِيَ الْكَلِمَاتُ الطَّيِّبَاتُ. وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ وَالْقَرْضُ الْحَسَنُ وَالذِّكْرُ الْكَثِيرُ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ [البقرة: ٢٤٥] وَفِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الأنفال: ٤٥]» اهـ.
قُلْتُ: وقد روى أحمد (٦٥٨٣) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَو، قَالَ: «كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ، عَلَيْهِ جُبَّةٌ سِيجَانٍ مَزْرُورَةٌ بِالدِّيبَاجِ، فَقَالَ: أَلَا إِنَّ صَاحِبَكُمْ هَذَا قَدْ وَضَعَ كُلَّ فَارِسٍ ابْنِ فَارِسٍ قَالَ: يُرِيدُ أَنْ يَضَعَ كُلَّ فَارِسٍ ابْنِ فَارِسٍ، وَيَرْفَعَ كُلَّ رَاعٍ ابْنِ رَاعٍ قَالَ: فَأَخَذَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِمَجَامِعِ جُبَّتِهِ، وَقَالَ: "أَلَا أَرَى عَلَيْكَ لِبَاسَ مَنْ لَا يَعْقِلُ". ثُمَّ قَالَ: "إِنَّ نَبِيَّ اللهِ نُوحًا ﷺ لَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ قَالَ لاِبْنِهِ: إِنِّي قَاصٌّ عَلَيْكَ الْوَصِيَّةَ: آمُرُكَ بِاثْنَتَيْنِ، وَأَنْهَاكَ عَنِ اثْنَتَيْنِ، آمُرُكَ بِلَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، فَإِنَّ السَّمَوَاتِ السَّبْعَ، وَالأَرْضِينَ السَّبْعَ، لَوْ وُضِعَتْ فِي كِفَّةٍ، وَوُضِعَتْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ فِي كِفَّةٍ، رَجَحَتْ بِهِنَّ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَلَوْ أَنَّ السَّمَوَاتِ السَّبْعَ، وَالأَرْضِينَ السَّبْعَ، كُنَّ حَلْقَةً مُبْهَمَةً، قَصَمَتْهُنَّ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَسُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ، فَإِنَّهَا صَلَاةُ كُلِّ شَيْءٍ، وَبِهَا يُرْزَقُ الْخَلْقُ، وَأَنْهَاكَ عَنِ الشِّرْكِ وَالْكِبْرِ". قَالَ: قُلْتُ أَوْ قِيلَ يَا رَسُولَ اللهِ: هَذَا الشِّرْكُ قَدْ عَرَفْنَاهُ، فَمَا الْكِبْرُ؟ قَالَ: الْكِبْرُ أَنْ يَكُونَ لأَحَدِنَا نَعْلَانِ حَسَنَتَانِ لَهُمَا شِرَاكَانِ حَسَنَانِ قَالَ: "لَا". قَالَ: هُوَ أَنْ يَكُونَ لأَحَدِنَا حُلَّةٌ يَلْبَسُهَا؟ قَالَ: "لَا".
стр. 2155
قَالَ: الْكِبْرُ هُوَ أَنْ يَكُونَ لأَحَدِنَا دَابَّةٌ يَرْكَبُهَا؟ قَالَ: "لَا". قَالَ: أَفَهُوَ أَنْ يَكُونَ لأَحَدِنَا أَصْحَابٌ يَجْلِسُونَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: "لَا". قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، فَمَا الْكِبْرُ؟ قَالَ: "سَفَهُ الْحَقِّ، وَغَمْصُ النَّاسِ"».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ.
وقال الخرشي المالكي ﵀ فِي [شرح مختصر خليل] (٢/ ٥):
«وَذَكَرَ سَيِّدِي أَحْمَدُ زَرُّوقٌ عَنْ الْغَزَالِيِّ وَغَيْرِهِ أَنَّ مَنْ قَالَ سُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَلَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَاَللَّهُ أَكْبَرُ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ قَامَتْ مَقَامَ التَّحِيَّةِ.
النَّوَوِيُّ: يَنْبَغِي اسْتِعْمَالُهُ فِي أَوْقَاتِ النَّهْيِ لِمَكَانِ الْخِلَافِ» اهـ.
فائدة: قال الخطيب الشربيني الشافعي ﵀ فِي [مغني المحتاج] (١/ ٤٥٧)
«"فَرْعٌ" قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: التَّحِيَّاتُ أَرْبَعٌ: تَحِيَّةُ الْمَسْجِدِ بِالصَّلَاةِ، وَالْبَيْتِ بِالطَّوَافِ، وَالْحَرَامِ بِالْإِحْرَامِ، وَمِنًى بِالرَّمْيِ.
وَزِيدَ عَلَيْهِ تَحِيَّةُ عَرَفَةَ بِالْوُقُوفِ، وَتَحِيَّةُ لِقَاءِ الْمُسْلِم بِالسَّلَامِ، وَالْخُطْبَةِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْخَطِيبِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ كَمَا مَرَّ فَتَكُونُ التَّحِيَّةُ هُنَا بِالْخُطْبَةِ كَمَا فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ بِالطَّوَافِ» اهـ.
* * *
стр. 2156
١٠٨ - عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ﵁ قَالَ: «كُنَّا نَتَكَلَّمُ فِي الصَّلاةِ، يُكَلِّمُ الرَّجُلُ صَاحِبَهُ، وَهُوَ إلَى جَنْبِهِ فِي الصَّلاةِ، حَتَّى نَزَلَتْ: ﴿وقُومُوا لله قَانِتِينَ﴾ فَأُمِرْنَا بِالسُّكُوتِ وَنُهِينَا عَنْ الْكَلامِ».
قُلْتُ: قوله في الحديث: «وَنُهِينَا عَنْ الْكَلامِ». مما أنفرد به مُسْلِم دون الْبُخَارِيّ.
وفي الحديث مسائل منها:
١ - النهي عن الكلام في الصلاة بعد أن كان مأذوناً فيه في أول الإسلام.
وقد روى مُسْلِم (٥٣٧) مِنْ حَدِيْثِ مُعَاوِيَةَ بْنِ الْحَكَمِ السُّلَمِيِّ ﵁ وفيه أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ لَا يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ إِنَّمَا هُوَ التَّسْبِيحُ وَالتَّكْبِيرُ وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ».
فدل هذا الحديث أنَّ الكلام المنهي عنه في الصلاة هو تكليم الناس.
والكلام في الصلاة مبطل لها إذا تعمد ذلك المصلي وأمَّا إن كان عن طريق الجهل أو النسيان فلا يؤثر ذلك على صلاته، وقد سبق أنَّ ذكرنا عند شرحنا لحديث ذي اليدين أنَّ الكلام لا يجوز في الصلاة حتى ولو كان لمصلحتها على الصحيح.
وفي كلام الناسي نزاع والأظهر عدم البطلان به.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٢/ ٣٦ - ٣٧):
«الْقِسْمُ الثَّانِي، أَنْ يَتَكَلَّمَ نَاسِيًا، وَذَلِكَ نَوْعَانِ:
стр. 2157
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَنْسَى أَنَّهُ فِي صَلَاةٍ، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ. إحْدَاهُمَا، لَا تَبْطُلُ الصَّلَاةُ.
وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ لِأَنَّ؛ النَّبِيَّ ﷺ تَكَلَّمَ فِي حَدِيثِ ذِي الْيَدَيْنِ، وَلَمْ يَأْمُرْ مُعَاوِيَةَ بْنَ الْحَكَمِ بِالْإِعَادَةِ إذْ تَكَلَّمَ جَاهِلًا، وَمَا عُذِرَ فِيهِ بِالْجَهْلِ عُذِرَ فِيهِ بِالنِّسْيَانِ.
وَالثَّانِيَةُ: تَفْسُدُ صَلَاتُهُ. وَهُوَ قَوْلُ النَّخَعِيِّ، وَقَتَادَةَ، وَحَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ؛ لِعُمُومِ أَحَادِيثِ الْمَنْعِ مِنْ الْكَلَامِ وَلِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ جِنْسِ مَا هُوَ مَشْرُوعٌ فِي الصَّلَاةِ، فَلَمْ يُسَامَحْ فِيهِ بِالنِّسْيَانِ، كَالْعَمَلِ الْكَثِيرِ مِنْ غَيْرِ جِنْسِ الصَّلَاةِ.
النَّوْعُ الثَّانِي: أَنْ يَظُنَّ أَنَّ صَلَاتَهُ تَمَّتْ، فَيَتَكَلَّمَ، فَهَذَا إنْ كَانَ سَلَامًا لَمْ تَبْطُلْ الصَّلَاةُ، رِوَايَةً وَاحِدَةً؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَأَصْحَابَهُ فَعَلُوهُ، وَبَنَوْا عَلَى صَلَاتِهِمْ، وَلِأَنَّ جِنْسَهُ مَشْرُوعٌ فِي الصَّلَاةِ، فَأَشْبَهَ الزِّيَادَةَ فِيهَا مِنْ جِنْسِهَا. وَإِنْ لَمْ يَكُنْ سَلَامًا، فَالْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ، فِي رِوَايَةِ جَمَاعَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، أَنَّهُ إذَا تَكَلَّمَ بِشَيْءٍ مِمَّا تَكْمُلُ بِهِ الصَّلَاةُ، أَوْ شَيْءٍ مِنْ شَأْنِ الصَّلَاةِ، مِثْلُ كَلَامِ النَّبِيِّ ﷺ ذَا الْيَدَيْنِ، لَمْ تَفْسُدْ صَلَاتُهُ وَإِنْ تَكَلَّمَ بِشَيْءٍ مِنْ غَيْرِ أَمْرِ الصَّلَاةِ كَقَوْلِهِ: يَا غُلَامُ اسْقِنِي مَاءً. فَصَلَاتُهُ بَاطِلَةٌ.
وَقَالَ فِي رِوَايَةِ يُوسُفَ بْنِ مُوسَى مَنْ تَكَلَّمَ نَاسِيًا فِي صَلَاتِهِ يَظُنُّ أَنَّ صَلَاتَهُ قَدْ تَمَّتْ، إنْ كَانَ كَلَامُهُ فِيمَا تَتِمُّ بِهِ الصَّلَاةُ، بَنَى عَلَى صَلَاتِهِ كَمَا كَلَّمَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ
стр. 2158
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَا الْيَدَيْنِ. وَإِذَا قَالَ: يَا غُلَامُ اسْقِنِي مَاءً. أَوْ شِبْهَهُ أَعَادَ وَمِمَّنْ تَكَلَّمَ بَعْدَ أَنْ سَلَّمَ، وَأَتَمَّ صَلَاتَهُ، الزُّبَيْرُ، وَابْنَاهُ عَبْدُ اللَّهِ وَعُرْوَةُ، وَصَوَّبَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَلَا نَعْلَمُ عَنْ غَيْرِهِمْ فِي عَصْرِهِمْ خِلَافَهُ. وَفِيهِ رِوَايَةٌ ثَانِيَةٌ أَنَّ الصَّلَاةَ تَفْسُدُ بِكُلِّ حَالٍ. قَالَ فِي رِوَايَةِ حَرْبٍ: أَمَّا مَنْ تَكَلَّمَ الْيَوْمَ وَأَجَابَهُ أَحَدٌ أَعَادَ الصَّلَاةَ.
وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ اخْتِيَارُ الْخَلَّالِ. وَقَالَ: عَلَى هَذَا اسْتَقَرَّتْ الرِّوَايَاتُ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ بَعْدَ تَوَقُّفِهِ وَهَذَا مَذْهَبُ أَصْحَابِ الرَّأْيِ؛ لِعُمُومِ الْأَخْبَارِ فِي مَنْعِ الْكَلَامِ. وَفِيهِ رِوَايَةٌ ثَالِثَةٌ أَنَّ الصَّلَاةَ لَا تَفْسُدُ بِالْكَلَامِ فِي تِلْكَ الْحَالِ بِحَالٍ سَوَاءٌ كَانَ مِنْ شَأْنِ الصَّلَاةِ، أَوْ لَمْ يَكُنْ، إمَامًا كَانَ أَوْ مَأْمُومًا. وَهَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُ نَوْعٌ مِنْ النِّسْيَانِ فَأَشْبَهَ الْمُتَكَلِّمَ جَاهِلًا، وَلِذَلِكَ تَكَلَّمَ النَّبِيُّ؛ ﷺ وَأَصْحَابُهُ، وَبَنَوْا عَلَى صَلَاتِهِمْ، وَتُخَرَّجُ فِيهِ رِوَايَةٌ رَابِعَةٌ، وَهُوَ أَنَّ الْمُتَكَلِّمَ إنْ كَانَ إمَامًا تَكَلَّمَ لِمَصْلَحَةِ الصَّلَاةِ لَمْ تَفْسُدْ صَلَاتُهُ، وَإِنْ تَكَلَّمَ غَيْرُهُ فَسَدَتْ صَلَاتُهُ. وَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا فِيمَا بَعْدُ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى» اهـ.
قُلْتُ: وقد اختلف العلماء في النحنحة والأنين والتأوه والبكاء ونحو ذلك هل تبطل الصلاة بها أو لا.
وقد حرر الكلام حول هذه المسألة بكلام نفيس شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ فقَالَ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢٢/ ٦١٦ - ٦٢٤):
«إذا عرف ذلك فاللفظ على ثلاث درجات.
стр. 2159
أحدها: أن يدل على معنى بالوضع إمَّا بنفسه وإمَّا مع لفظ غيره كفي وعن فهذا الكلام مثل: يد ودم وفم وخد.
الثاني: أن يدل على معنى بالطبع كالتأوه والأنين والبكاء ونحو ذلك.
الثالث: أن لا يدل على معنى لا بالطبع ولا بالوضع كالنحنحة فهذا القسم كان أحمد يفعله في صلاته وذكر أصحابه عنه روايتين في بطلان الصلاة بالنحنحة. فإن قلنا: تبطل ففعل ذلك لضرورة فوجهان. فصارت الأقوال فيها ثلاثة:
أحدها: أنَّها لا تبطل بحال وهو قول أبي يوسف وإحدى الروايتين عن مالك؛ بل ظاهر مذهبه.
والثاني: تبطل بكل حال وهو قول الشافعي وأحد القولين في مذهب أحمد ومالك.
والثالث: إن فعله لعذر لم تبطل وإلَّا بطلت وهو قول أبي حنيفة ومحمد وغيرهما وقَالَوا: إن فعله لتحسين الصوت وإصلاحه لم تبطل قَالَوا: لأنَّ الحاجة تدعو إلى ذلك كثيراً فرخص فيه للحاجة. ومن أبطلها قَالَ: إنَّه يتضمن حرفين وليس من جنس أذكار الصلاة فأشبه القهقهة والقول الأول أصح. وذلك أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ إنَّما حرم التكلم في الصلاة وقَالَ: "إنَّه لا يصلح فيها شيء من كلام الآدميين" وأمثال ذلك من الألفاظ التي تتناول الكلام. والنحنحة لا تدخل في
стр. 2160
مسمى الكلام أصلاً فإنَّها لا تدل بنفسها ولا مع غيرها من الألفاظ على معنى ولا يسمى فاعلها متكلماً وإنَّما يفهم مراده بقرينة فصارت كالإشارة.
وأمَّا القهقهة ونحوها ففيها جوابان:
أحدهما: أنَّها تدل على معنى بالطبع.
والثاني: أنَّا لا نسلم أنَّ تلك أبطلت لأجل كونها كلاماً. يدل على ذلك أنَّ القهقهة تبطل بالإجماع ذكره ابن المنذر. وهذه الأنواع فيها نزاع بل قد يقَالَ: إنَّ القهقهة فيها أصوات عالية تنافي حال الصلاة وتنافي الخشوع الواجب في الصلاة فهي كالصوت العالي الممتد الذي لا حرف معه.
وأيضاً: فإنَّ فيها من الاستخفاف بالصلاة والتلاعب بها ما يناقض مقصودها فأبطلت لذلك لا لكونه متكلماً. وبطلانها بمثل ذلك لا يحتاج إلى كونه كلاماً وليس مجرد الصوت كلاماً وقد روي عن علي ﵁ قَالَ: كان لي من رسول الله ﷺ مدخلان بالليل والنهار وكنت إذا دخلت عليه وهو يصلي يتنحنح لي رواه الإمام أحمد وابن ماجه والنسائي بمعناه.
وأمَّا النوع الثاني: وهو ما يدل على المعنى طبعاً لا وضعاً فمنه النفخ وفيه عن مالك وأحمد روايتان أيضاً إحداهما: لا تبطل وهو قول إبراهيم النخعي وابن سيرين وغيرهما من السلف وقول أبي يوسف وإسحاق.
والثانية: أنَّها تبطل وهو قول أبي حنيفة ومحمد والثوري والشافعي وعلى هذا فالمبطل فيه ما أبان حرفين. وقد قيل عن أحمد: إن حكمه حكم الكلام وإن لم يبن
стр. 2161
حرفين. واحتجوا لهذا القول بما روي عن أم سلمة عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنه قَالَ: "من نفخ في الصلاة فقد تكلم" رواه الخلال؛ لكن مثل هذا الحديث لا يصح مرفوعاً فلا يعتمد عليه. لكن حكا أحمد هذا اللفظ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وفي لفظ عنه: "النفخ في الصلاة كلام". رواه سعيد في "سُنَنِهِ". قَالَوا: ولأنَّه تضمن حرفين وليس هذا من جنس أذكار الصلاة فأشبه القهقهة. والحجة مع القول كَمَا فِي النحنحة والنزاع كالنزاع فإنَّ هذا لا يسمى كلاماً في اللغة التي خاطبنا بها النبي ﷺ فلا يتناوله عموم النهي عن الكلام في الصلاة ولو حلف لا يتكلم لم يحنث بهذه الأمور ولو حلف ليتكلمن لم يبر بمثل هذه الأمور والكلام لا بد فيه من لفظ دال على المعنى دلالة وضعية تعرف بالعقل فأمَّا مجرد الأصوات الدالة على أحوال المصوتين فهو دلالة طبعية حسية فهو وإن شارك الكلام المطلق في الدلالة فليس كل ما دل منهياً عنه في الصلاة كالإشارة فإنَّها تدل وتقوم مقام العبارة بل تدل بقصد المشير وهي تسمى كلاماً ومع هذا لا تبطل فإنَّ النَّبِيَّ ﷺ كان إذا سلموا عليه رد عليهم بالإشارة فعلم أنَّه لم ينه عن كل ما يدل ويفهم وكذلك إذا قصد التنبيه بالقرآن والتسبيح جاز كما دلت عليه النصوص. ومع هذا فلما كان مشروعاً في الصلاة لم يبطل فإذا كان قد قصد إفهام المستمع ومع هذا لم تبطل فكيف بما دل بالطبع وهو لم يقصد به إفهام أحد ولكن المستمع يعلم منه حاله كما يعلم ذلك من حركته ومن سكوته فإذا رآه يرتعش أو
стр. 2162
يضطرب أو يدمع أو يبتسم علم حاله وإنَّما امتاز هذا بأنَّه من نوع الصوت هذا لو لم يرد به سنة فكيف وفي الْمُسْنَدِ عن المغيرة بن شعبة أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كان في صلاة الكسوف فجعل ينفخ فلما انصرف قَالَ: "إنَّ النار أدنيت مني حتى نفخت حرها عن وجهي". وفي الْمُسْنَدِ وسنن أبي داود عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَو أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ في صلاة كسوف الشمس نفخ في آخر سجوده فقَالَ: "أف أف أف رب ألم تعدني أن لا تعذبهم وأنا فيهم"؟ وقد أجاب بعض أصحابنا عن هذا بأنَّه محمول على أنَّه فعله قبل تحريم الكلام أو فعله خوفاً من الله أو من النار. قَالَوا: فإن ذلك لا يبطل عندنا نص عليه أحمد. كالتأوه والأنين عنده والجوابان ضعيفان:
أمَّا الأول: فإنَّ صلاة الكسوف كانت في آخر حياة النبي ﷺ يوم مات ابنه إبراهيم وإبراهيم كان من مارية القبطية ومارية أهداها له المقوقس بعد أن أرسل إليه المغيرة وذلك بعد صلح الحديبية فإنَّه بعد الحديبية أرسل رسله إلى الملوك ومعلوم أنَّ الكلام حرم قبل هذا باتفاق المُسْلِمين لا سيما وقد أنكر جمهور العلماء على من زعم أنَّ قصة ذي اليدين كانت قبل تحريم الكلام؛ لأنَّ أبا هريرة شهدها فكيف يجوز أن يقَالَ بمثل هذا في صلاة الكسوف بل قد قيل: الشمس كسفت بعد حجة الوداع قبل موته ﷺ بقليل.
стр. 2163
وأمَّا كونه من الخشية: ففيه أنَّه نفخ حرها عن وجهه وهذا نفخ لدفع ما يؤذي من خارج كما ينفخ الإنسان في المصباح ليطفئه أو ينفخ في التراب. ونفخ الخشية من نوع البكاء والأنين وليس هذا ذاك.
وأمَّا السعال والعطاس والتثاؤب والبكاء الذي يمكن دفعه والتأوه والأنين فهذه الأشياء هي كالنفخ. فإنَّها تدل على المعنى طبعاً وهي أولى بأن لا تبطل فإنَّ النفخ أشبه بالكلام من هذه إذ النفخ يشبه التأفيف كما قَالَ: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ لكن الذين ذكروا هذه الأمور من أصحاب أحمد كأبي الخطاب ومتبعيه ذكروا أنَّها تبطل إذا أبان حرفين ولم يذكروا خلافاً. ثم منهم من ذكر نصه في النحنحة ومنهم من ذكر الرواية الأخرى عنه في النفخ فصار ذلك موهماً أنَّ النزاع في ذلك فقط وليس كذلك بل لا يجوز أن يقَالَ: إنَّ هذه تبطل والنفخ لا يبطل. وأبو يوسف يقول في التأوه والأنين لا يبطل مطلقاً على أصله وهو أصح الأقوال في هذه المسألة. ومالك مع الاختلاف عنه في النحنحة والنفخ قَالَ: الأنين لا يقطع صلاة المريض وأكرهه للصحيح. ولا ريب أنَّ الأنين من غير حاجة مكروه ولكنه لم يره مبطلاً.
وأمَّا الشافعي: فجرى على أصله الذي وافقه عليه كثير من متأخري أصحاب أحمد وهو أنَّ ما أبان حرفين من هذه الأصوات كان كلاماً مبطلاً وهو أشد الأقوال في هذه المسألة وأبعدها عن الحجة فإنَّ الإبطال إن أثبتوه بدخولها في مسمى الكلام في لفظ رسول الله ﷺ فمن المعلوم الضروري أنَّ
стр. 2164
هذه لا تدخل في مسمى الكلام وإن كان بالقياس لم يصح ذلك فإنَّ في الكلام يقصد المتكلم معاني يعبر عنها بلفظه وذلك يشغل المصلي. كما قَالَ النبي ﷺ : "إنَّ في الصلاة لشغلاً" وأمَّا هذه الأصوات فهي طبيعية كالتنفس. ومعلوم أنَّه لو زاد في التنفس على قدر الحاجة لم تبطل صلاته وإنَّما تفارق التنفس بأنَّ فيها صوتاً وإبطال الصلاة بمجرد الصوت إثبات حكم بلا أصل ولا نظير. وأيضاً فقد جاءت أحاديث بالنحنحة والنفخ كما تقدم. وأيضاً فالصلاة صحيحة بيقين فلا يجوز إبطالها بالشك ونحن لا نعلم أنَّ العلة في تحريم الكلام هو ما يدعى من القدر المشترك بل هذا إثبات حكم بالشك الذي لا دليل معه وهذا النزاع إذا فعل ذلك لغير خشية الله فإن فعل ذلك لخشية الله فمذهب أحمد وأبي حنيفة أنَّ صلاته لا تبطل ومذهب الشافعي أنَّها تبطل؛ لأنَّه كلام والأول أصح فإنَّ هذا إذا كان من خشية الله كان من جنس ذكر الله ودعائه فإنَّه كلام يقتضي الرهبة من الله والرغبة إليه وهذا خوف الله في الصلاة وقد مدح الله إبراهيم بأنَّه أواه وقد فسر بالذي يتأوه من خشية الله. ولو صرح بمعنى ذلك بأن استجار من النار أو سأل الجنة لم تبطل صلاته بخلاف الأنين والتأوه في المرض والمصيبة فإنَّه لو صرح بمعناه كان كلاماً مبطلاً.
وفي الصحيحين أنَّ عائشة قَالَتْ للنبي ﷺ : إن أبا بكر رجل رقيق إذا قرأ غلبه البكاء قَالَ: "مروه فليصل إنكن لأنتن صواحب يوسف" وكان
стр. 2165
عمر يسمع نشيجه من وراء الصفوف لما قرأ: ﴿إنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إلَى اللَّهِ﴾ والنشيج: رفع الصوت بالبكاء كما فسره أبو عبيد. وهذا محفوظ عن عمر ذكره مالك وأحمد وغيرهما وهذا النزاع فيما إذا لم يكن مغلوباً. فأمَّا ما يغلب عليه المصلي من عطاس وبكاء وتثاؤب فالصحيح عند الجمهور أنَّه لا يبطل وهو منصوص أحمد وغيره وقد قَالَ بعض أصحابه إنَّه يبطل وإن كان معذوراً: كالناسي وكلام الناسي فيه روايتان عن أحمد: أحدهما: وهو مذهب أبي حنيفة أنَّه يبطل.
والثاني: وهو مذهب مالك والشافعي أنَّه لا يبطل وهذا أظهر وهذا أولى من الناسي لأنَّ هذه أمور معتادة لا يمكنه دفعها وقد ثبت أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "التثاؤب من الشيطان فإذا تثاءب أحدكم فليكظم ما استطاع". وأيضاً فقد ثبت حديث الذي عطس في الصلاة وشمته معاوية بن الحكم السلمي فنهى النبي ﷺ معاوية عن الكلام في الصلاة؛ ولم يقل للعاطس شيئاً. والقول بأنَّ العطاس يبطل تكليف من الأقوال المحدثة التي لا أصل لها عن السلف ﵃. وقد تبين أنَّ هذه الأصوات الحلقية التي لا تدل بالوضع فيها نزاع في مذهب أبي حنيفة ومالك وأحمد وأنَّ الأظهر فيها جميعاً أنَّها لا تبطل فإنَّ الأصوات من جنس الحركات وكما أنَّ العمل اليسير لا يبطل فالصوت اليسير لا يبطل بخلاف صوت القهقهة فإنَّه بمنزلة العمل اليسير وذلك ينافي
стр. 2166
الصلاة بل القهقهة تنافي مقصود الصلاة أكثر؛ ولهذا لا تجوز فيها بحال بخلاف العمل الكثير فإنَّه يرخص فيه للضرورة وَاللَّهُ أَعْلَمُ» اهـ.
قُلْتُ: حديث: «مَنْ نَفَخَ فِي الصَّلَاةِ فَقَدْ تَكَلَّمَ».
رواه عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (٣٠١٧) عَنِ الثَّوْرِيِّ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَمَّنْ، سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ: «مَنْ نَفَخَ فِي الصَّلَاةِ فَقَدْ تَكَلَّمَ».
قُلْتُ: هَذَا إِسْنَادٍ ضَعِيْفٌ للإبهام الذي في السند.
ورواه ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٦٦٠٤) حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ مُسْلِم، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ قَالَ: «النَّفْخُ فِي الصَّلَاةِ كَلَامٌ».
قُلْتُ: هذا أثر حسن من أجل ابن فضيل واسمه محمد، ومُسْلِم هو ابن صبيح.
وروى عبد الرزاق في [الْمُصَنَّفِ] (٣٠١٩) عَنْ قَيْسِ بْنِ الرَّبِيعِ، عَنْ أَبِي حَصِينٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: «النَّفْخُ فِي الصَّلَاةِ كَلَامٌ».
قُلْتُ: هذا أثر ضعيف لضعف قيس بن الربيع.
قُلْتُ: وحديث النفخ في صلاة الكسوف رواه أحمد (١٨١٦٧) حَدَّثَنِي عَبْدُ الْمُتَعَالِ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْأُمَوِيُّ، حَدَّثَنَا الْمُجَالِدُ، عَنْ عَامِرٍ قَالَ: كَسَفَتِ الشَّمْسُ ضَحْوَةً، حَتَّى اشْتَدَّتْ ظُلْمَتُهَا، فَقَامَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ، فَصَلَّى بِالنَّاسِ، فَقَامَ قَدْرَ مَا يَقْرَأُ سُورَةً مِنَ الْمَثَانِي، ثُمَّ رَكَعَ مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَقَامَ مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ رَكَعَ الثَّانِيَةَ مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ إِنَّ الشَّمْسَ تَجَلَّتْ، فَسَجَدَ، ثُمَّ قَامَ قَدْرَ مَا يَقْرَأُ سُورَةً، ثُمَّ رَكَعَ وَسَجَدَ، ثُمَّ انْصَرَفَ، فَصَعِدَ الْمِنْبَرَ، فَقَالَ: إِنَّ الشَّمْسَ كَسَفَتْ
стр. 2167
يَوْمَ تُوُفِّيَ إِبْرَاهِيمُ ابْنُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: «إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ، وَإِنَّمَا هُمَا آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ ، فَإِذَا انْكَسَفَ وَاحِدٌ مِنْهُمَا، فَافْزَعُوا إِلَى الصَّلَاةِ»، ثُمَّ نَزَلَ، فَحَدَّثَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ فِي الصَّلَاةِ، فَجَعَلَ يَنْفُخُ بَيْنَ يَدَيْهِ، ثُمَّ إِنَّهُ مَدَّ يَدَهُ كَأَنَّهُ يَتَنَاوَلُ شَيْئًا، فَلَمَّا انْصَرَفَ، قَالَ: «إِنَّ النَّارَ أُدْنِيَتْ مِنِّي حَتَّى نَفَخْتُ حَرَّهَا عَنْ وَجْهِي، فَرَأَيْتُ فِيهَا صَاحِبَ الْمِحْجَنِ، وَالَّذِي بَحَرَ الْبَحِيرَةَ، وَصَاحِبَةَ حِمْيَرَ صَاحِبَةَ الْهِرَّةِ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ ضَعِيْفٌ لضعف مجالد وهو ابن سعيد، وعامر هو الشعبي.
وروى أبو داود (١١٩٤) حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَو، قَالَ: انْكَسَفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَلَمْ يَكَدْ يَرْكَعُ، ثُمَّ رَكَعَ، فَلَمْ يَكَدْ يَرْفَعُ، ثُمَّ رَفَعَ، فَلَمْ يَكَدْ يَسْجُدُ، ثُمَّ سَجَدَ، فَلَمْ يَكَدْ يَرْفَعُ، ثُمَّ رَفَعَ، فَلَمْ يَكَدْ يَسْجُدُ، ثُمَّ سَجَدَ، فَلَمْ يَكَدْ يَرْفَعُ، ثُمَّ رَفَعَ وَفَعَلَ فِي الرَّكْعَةِ الْأُخْرَى مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ نَفَخَ فِي آخِرِ سُجُودِهِ، فَقَالَ: «أُفْ أُفْ»، ثُمَّ قَالَ: «رَبِّ، أَلَمْ تَعِدْنِي أَنْ لَا تُعَذِّبَهُمْ وَأَنَا فِيهِمْ؟ أَلَمْ تَعِدْنِي أَنْ لَا تُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ؟» فَفَرَغَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ صَلَاتِهِ، وَقَدْ أَمْحَصَتِ الشَّمْسُ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ.
стр. 2168
قُلْتُ: هذا إسناد ضعيف لاختلاط عطاء بن السائب.
والذي يظهر لي ثبوت النفخ في الحديث بهذين الطريقين وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وجاء في النحنحة ما رواه النسائي (١٢١١)، وابن ماجه (٣٧٠٨) مِنْ طَرِيقِ الْمُغِيرَةِ، عَنْ الْحَارِثِ الْعُكْلِيِّ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ جَرِيرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُجَيٍّ، عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: كَانَ لِي مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ سَاعَةٌ آتِيهِ فِيهَا، فَإِذَا أَتَيْتُهُ اسْتَأْذَنْتُ «إِنْ وَجَدْتُهُ يُصَلِّي فَتَنَحْنَحَ دَخَلْتُ، وَإِنْ وَجَدْتُهُ فَارِغًا أَذِنَ لِي».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ ضَعِيْفٌ عبد الله بن نجي لا يصح له سماع من علي.
ورواه شرحبيل بن مدرك عن عبد الله بن نجي فوصله.
رواه أحمد (٦٤٧) ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ ثَنَا شُرَحْبِيل بن مدرك الْجعْفِيّ عَنْ عبد الله بْنِ نُجَيٍّ الْحَضْرَمِيِّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ قَالَ لِي عَلِيٌ ﵁ فذكره.
قَالَ الحافظ ابن خزيمة ﵀ فِي [صَحِيْحِهِ] (٢/ ٥٤):
«قد اختلفوا في هذا الخبر عن عبد الله بن نجي فلست أحفظ أحداً قَالَ: عن أبيه غير شرحبيل بن مدرك هذا» اهـ.
قُلْتُ: نجي والد عبد الله هذا لين الحديث.
٢ - ويدل الحديث على أنَّ النهي عن الكلام في الصلاة كان بالمدينة لأنَّ زيد بن أرقم أنصاري من سكان المدينة، ولأنَّ الآية التي احتج بها مدنية. وحديث ابن مسعود يدل على أنَّ التحريم كان قبل ذلك في مكة.
стр. 2169
وهو ما رواه الْبُخَارِيّ (١١٩٩، ٣٨٧٥)، ومُسْلِم (٥٣٨) عَنْ عَبْدِ اللهِ، ﵁، قَالَ: كُنَّا نُسَلِّمُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ فَيَرُدُّ عَلَيْنَا فَلَمَّا رَجَعْنَا مِنْ عِنْدِ النَّجَاشِيِّ سَلَّمْنَا عَلَيْهِ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْنَا وَقَالَ: «إِنَّ فِي الصَّلَاةِ شُغْلاً».
وروى أحمد (٤١٤٥) أبو داود (٩٢٤)، والنسائي (١٢٢١) مِنْ طَرِيْقِ عَاصِمٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: كُنَّا نُسَلِّمُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ إِذْ كُنَّا بِمَكَّةَ قَبْلَ أَنْ نَأْتِيَ أَرْضَ الْحَبَشَةِ، فَلَمَّا قَدِمْنَا مِنْ أَرْضِ الْحَبَشَةِ، أَتَيْنَاهُ فَسَلَّمْنَا عَلَيْهِ، فَلَمْ يَرُدَّ، فَأَخَذَنِي مَا قَرُبَ وَمَا بَعُدَ، حَتَّى قَضَوْا الصَّلَاةَ، فَسَأَلْتُهُ، فَقَالَ: «إِنَّ اللهَ يُحْدِثُ فِي أَمْرِهِ مَا يَشَاءُ، وَإِنَّهُ قَدْ أُحْدِثَ مِنْ أَمْرِهِ: أَنْ لَا نَتَكَلَّمَ فِي الصَّلَاةِ».
هذا لفظ أحمده، وبنحوه لفظ النسائي، وزاد أبو داود: «فَرَدَّ عَلَيَّ السَّلَامَ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ حَسَنٌ من أجل عاصم وهو ابن بهدلة.
وقد تحيَّر كثير العلماء في الجمع بين ذلك وذكروا أوجهاً في الجمع بينهما.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ في [زَادِ الْمَعَادِ] (٣/ ٢٣ - ٢٥):
«فصل:
ولما اشتد أذى المشركين على من أسلم، وفتن منهم من فتن، حتى يقولوا لأحدهم: اللات والعزى إلهك من دون الله؟ فيقول: نعم، وحتى إن الجعل ليمر بهم، فيقولون: وهذا إلهك من دون الله، فيقول: نعم. ومر عدو الله
стр. 2170
أبو جهل بسمية أم عمار بن ياسر، وهى تعذب، وزوجها وابنها، فطعنها بحربة في فرجها حتى قتلها.
كان الصديق إذا مر بأحد من العبيد يعذب، اشتراه منهم، وأعتقه، منهم بلال، وعامر بن فهيرة، وأم عبيس، وزنيرة، والنهدية وابنتها، وجارية لبني عدي كان عمر يعذبها على الإسلام قبل إسلامه، وقَالَ له أبوه: يا بني أراك تعتق رقاباً ضعافاً، فلو أنَّك إذ فعلت ما فعلت أعتقت قوماً جلداً يمنعونك، فقَالَ له أبو بكر: إني أريد ما أريد.
فلما اشتد البلاء، أذن الله سبحانه لهم بالهجرة الأولى إلى أرض الحبشة، وكان أول من هاجر إليها عثمان بن عفان، ومعه زوجته رقية بنت رسول الله ﷺ ، وكان أهل هذه الهجرة الأولى اثني عشر رجلاً، وأربع نسوة: عثمان، وامرأته، وأبو حذيفة، وامرأته سهلة بنت سهيل، وأبو سلمة، وامرأته أم سلمة هند بنت أبى أمية، والزبير بن العوام، ومصعب بن عمير، وعبد الرحمن بن عوف، وعثمان بن مظعون، وعامر بن ربيعة، وامرأته ليلى بنت أبى حثمة، وأبو سبرة بن أبي رهم، وحاطب بن عمرو، وسهيل بن وهب، وعبد الله بن مسعود. وخرجوا متسللين سراً، فوفق الله لهم ساعة وصولهم إلى الساحل سفينتين للتجار، فحملوهم فيهما إلى أرض الحبشة، وكان مخرجهم في رجب في السنة الخامسة من المبعث، وخرجت قريش في آثارهم حتى جاؤوا البحر، فلم يدركوا منهم أحداً، ثم بلغهم أنَّ قريشاً قد كفوا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، فرجعوا،
стр. 2171
فلما كانوا دون مكة بساعة من نهار، بلغهم أنَّ قريشاً أشد ما كانوا عداوة لرسول الله ﷺ ، فدخل من دخل بجوار، وفي تلك المرة دخل ابن مسعود، فسلم على النبي ﷺ وهو في الصلاة، فلم يرد عليه، فتعاظم ذلك على ابن مسعود، حتى قَالَ له النبي ﷺ : "إنَّ الله قد أحدث من أمره أن لا تكلموا في الصلاة" هذا هو الصواب، وزعم ابن سعد وجماعة أنَّ ابن مسعود لم يدخل، وأنَّه رجع إلى الحبشة حتى قدم في المرة الثانية إلى المدينة مع من قدم، ورد هذا بأنَّ ابن مسعود شهد بدراً، وأجهز على أبي جهل، وأصحاب هذه الهجرة إنَّما قدموا المدينة مع جعفر بن أبي طالب وأصحابه بعد بدر بأربع سنين أو خمس.
قَالَوا: فإن قيل: بل هذا الذي ذكره ابن سعد يوافق قول زيد ابن أرقم: كنا نتكلم في الصلاة، يكلم الرجل صاحبه، وهو إلى جنبه في الصلاة حتى نزلت: ﴿وقُومُوا لله قَانِتِينَ﴾، فأمرنا بالسكوت، ونهينا عن الكلام"، وزيد بن أرقم من الأنصار، والسورة مدنية، وحينئذ فابن مسعود سلَّم عليه لما قدم وهو في الصلاة، فلم يرد عليه حتى سلَّم، وأعلمه بتحريم الكلام، فاتفق حديثه وحديث ابن أرقم.
قيل: يبطل هذا شهود ابن مسعود بدراً، وأهل الهجرة الثانية إنَّما قدموا عام خيبر مع جعفر وأصحابه، ولو كان ابن مسعود ممن قدم قبل بدر، لكان لقدومه ذكر، ولم يذكر أحد قدوم مهاجري الحبشة إلَّا في القدمة الأولى بمكة، والثانية عام خيبر
стр. 2172
مع جعفر، فمتى قدم ابن مسعود في غير هاتين المرتين ومع من؟ وبنحو الذي قلنا في ذلك قَالَ ابن إسحاق، قَالَ: وبلغ أصحاب رسول الله ﷺ الذين خرجوا إلى الحبشة إسلام أهل مكة، فأقبلوا لما بلغهم من ذلك، حتى إذا دنوا من مكة، بلغهم أنَّ إسلام أهل مكة كان باطلاً، فلم يدخل منهم أحد إلَّا بجوار، أو مستخفياً. فكان ممن قدم منهم، فأقام بها حتى هاجر إلى المدينة، فشهد بدراً وأحداً فذكر منهم عبد الله بن مسعود.
فإن قيل: فما تصنعون بحديث زيد بن أرقم؟ قيل: قد أجيب عنه بجوابين:
أحدهما: أن يكون النهى عنه قد ثبت بمكة، ثم أذن فيه بالمدينة، ثم نهى عنه.
والثاني: أنَّ زيد بن أرقم كان من صغار الصحابة، وكان هو وجماعة يتكلمون في الصلاة على عادتهم، ولم يبلغهم النهي، فلما بلغهم انتهوا، وزيد لم يخبر عن جماعة المُسْلِمين كلهم بأنَّهم كانوا يتكلمون في الصلاة إلى حين نزول هذه الآية، ولو قدر أنَّه أخبر بذلك لكان وهماً منه» اهـ.
وقال ﵀ (٣/ ٢٥)
«وَعَلَى هَذَا فَيَزُولُ الْإِشْكَالُ الَّذِي بَيْنَ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَزَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، وَيَكُونُ ابْنُ مَسْعُودٍ قَدِمَ فِي الْمَرَّةِ الْوُسْطَى بَعْدَ الْهِجْرَةِ قَبْلَ بَدْرٍ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَسَلَّمَ عَلَيْهِ حِينَئِذٍ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ، وَكَانَ الْعَهْدُ حَدِيثًا بِتَحْرِيمِ الْكَلَامِ كَمَا قَالَ زَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ، وَيَكُونُ تَحْرِيمُ الْكَلَامِ بِالْمَدِينَةِ لَا بِمَكَّةَ، وَهَذَا أَنْسَبُ بِالنَّسْخِ الَّذِي وَقَعَ فِي الصَّلَاةِ، وَالتَّغْيِيرُ بَعْدَ الْهِجْرَةِ، كَجَعْلِهَا أَرْبَعًا بَعْدَ أَنْ كَانَتْ رَكْعَتَيْنِ، وَوُجُوبِ الِاجْتِمَاعِ لَهَا.
стр. 2173
فَإِنْ قِيلَ: مَا أَحْسَنَهُ مِنْ جَمْعٍ وَأَثْبَتَهُ لَوْلَا أَنَّ محمد بن إسحاق قَدْ قَالَ: مَا حَكَيْتُمْ عَنْهُ أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ أَقَامَ بِمَكَّةَ بَعْدَ رُجُوعِهِ مِنَ الْحَبَشَةِ حَتَّى هَاجَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ وَشَهِدَ بَدْرًا، وَهَذَا يَدْفَعُ مَا ذُكِرَ.
قِيلَ: إِنْ كَانَ محمد بن إسحاق قَدْ قَالَ هَذَا فَقَدْ قَالَ محمد بن سعد فِي " طَبَقَاتِهِ ": إِنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ مَكَثَ يَسِيرًا بَعْدَ مَقْدَمِهِ ثُمَّ رَجَعَ إِلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ، وَهَذَا هُوَ الْأَظْهَرُ؛ لِأَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ لَمْ يَكُنْ لَهُ بِمَكَّةَ مَنْ يَحْمِيهِ، وَمَا حَكَاهُ ابن سعد قَدْ تَضَمَّنَ زِيَادَةَ أَمْرٍ خَفِيَ عَلَى ابْنِ إِسْحَاقَ، وابن إسحاق لَمْ يَذْكُرْ مَنْ حَدَّثَهُ، ومحمد بن سعد أَسْنَدَ مَا حَكَاهُ إِلَى الْمُطَّلِبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَنْطَبٍ، فَاتَّفَقَتِ الْأَحَادِيثُ، وَصَدَّقَ بَعْضُهَا بَعْضًا، وَزَالَ عَنْهَا الْإِشْكَالُ، ولِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ» اهـ.
وقال الحافظ ابن كثير ﵀ فِي [تفسيره] (١/ ٦٥٥):
«وَقَدْ أَشْكَلَ هَذَا الْحَدِيثُ عَلَى جَمَاعَةٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ، حَيْثُ ثَبَتَ عِنْدَهُمْ أَنَّ تَحْرِيمَ الْكَلَامِ فِي الصَّلَاةِ كَانَ بِمَكَّةَ، قَبْلَ الْهِجْرَةِ إِلَى الْمَدِينَةِ وَبَعْدَ الْهِجْرَةِ إِلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ، كَمَا دَلَّ عَلَى ذَلِكَ حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ الَّذِي فِي الصَّحِيحِ، قَالَ: كُنَّا نُسَلِّمُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ قَبْلَ أَنْ نُهَاجِرَ إِلَى الْحَبَشَةِ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ، فَيَرُدُّ عَلَيْنَا، قَالَ: فَلَمَّا قَدِمْنَا سَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيَّ، فَأَخَذَنِي مَا قَرُبَ وَمَا بَعُدَ، فَلَمَّا سَلَّمَ قَالَ: "إِنِّي لَمْ أَرُدَّ عَلَيْكَ إِلَّا أَنِّي كُنْتُ فِي الصَّلَاةِ، وَإِنَّ اللَّهَ يُحْدِثُ مِنْ أَمْرِهِ مَا يَشَاءُ، وَإِنَّ مِمَّا أَحْدَثَ أَلَّا تَكَلَّمُوا فِي الصَّلَاةِ".
стр. 2174
وَقَدْ كَانَ ابْنُ مَسْعُودٍ مِمَّنْ أَسْلَمَ قَدِيمًا، وَهَاجَرَ إِلَى الْحَبَشَةِ، ثُمَّ قَدِمَ مِنْهَا إِلَى مَكَّةَ مَعَ مَنْ قَدِمَ، فَهَاجَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَهَذِهِ الْآيَةُ: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ مَدَنِيَّةٌ بِلَا خِلَافٍ، فَقَالَ قَائِلُونَ: إِنَّمَا أَرَادَ زَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ بِقَوْلِهِ: "كَانَ الرَّجُلُ يُكَلِّمُ أَخَاهُ فِي حَاجَتِهِ فِي الصَّلَاةِ" الْإِخْبَارَ عَنْ جِنْسِ النَّاسِ، وَاسْتَدَلَّ عَلَى تَحْرِيمِ ذَلِكَ بِهَذِهِ الْآيَةِ بِحَسْبِ مَا فَهِمَهُ مِنْهَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ آخَرُونَ: إِنَّمَا أَرَادَ أَنَّ ذَلِكَ قَدْ وَقَعَ بِالْمَدِينَةِ بَعْدَ الْهِجْرَةِ إِلَيْهَا، وَيَكُونُ ذَلِكَ فَقَدْ أُبِيحَ مَرَّتَيْنِ، وَحُرِّمَ مَرَّتَيْنِ، كَمَا اخْتَارَ ذَلِكَ قَوْمٌ مِنْ أَصْحَابِنَا وَغَيْرُهُمْ، وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ. وَاللَّهُ أَيْضًا أَعْلَمُ» اهـ.
وَقَالَ الحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ [فَتْحِ الْبَارِي] (٩/ ٢٩٢ - ٢٩٦):
«واختلف الناس في تحريم الكلام في الصَّلاة: هل كان بمكة، أو بالمدينة؟ فقالت طائفة: كانَ بمكة.
واستدلوا بحديث ابن مسعود المتقدم، وأنَّ النبي ﷺ امتنع من الكلام عند قدومهم عليه من الحبشة، وإنَّما قدم ابن مسعود عليه من الحبشة إلى مكة، ثم هاجر إلى المدينة، كذا ذكره ابن إسحاق وغيره.
ويعضد هذا: أنَّه روي: أنَّ امتناعهم من الكلام كان بنزول قوله: ﴿وَإذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٤] وهذه الآية مكية.
стр. 2175
فروى أبو بكر بن عياش، عن عاصم، عن المسيب بن رافع، قال: قال ابن مسعود: كنا نسلم بعضنا على بعض في الصلاة، فجاء القرآن: ﴿وَإذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾.
وأخرجه ابن جرير وغيره.
وهذا الإسناد منقطع؛ فإنَّ المسيب لم يلق ابن مسعود.
وروى الهجري، عن أبي عياض، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قالَ: كانوا يتكلمون في الصَّلاة، فلما نزلت هذه الآية: ﴿وَإذا قُرِئَ الْقُرْآنُ﴾ والآية الأخرى، قالَ: فأمرنا بالإنصات.
وخرجه بقي بن مخلد في "مُسْنَدِهِ".
وخرجه غيره، وعنده: "أو الآية الأخرى" - بالشك.
والهجري، ليس بالقوي.
ولكن يشكل على أهل هذه المقالة حديث زيد بن أرقم، الذي خرجه الْبُخَارِيّ
ها هنا؛ فإنَّ زيداً الأنصاري، لم يصل خلف النَّبيِّ ﷺ بمكة، إنَّما صلى خلفه بالمدينة، وقد أخبر أنَّهم كانوا يتكلمون حتَّى نزلت: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقر: ٢٣٨].
وهي مدنية بالاتفاق.
следующие страницы →