← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 30178

تحفة السائل في بيان ما في عمدة الأحكام من المسائل

أبو بكر الحمادي

Полный текст (8 095 стр.). Показаны 2171–2210 · переход к 2176.

стр. 2171

فلما كانوا دون مكة بساعة من نهار، بلغهم أنَّ قريشاً أشد ما كانوا عداوة لرسول الله ﷺ ، فدخل من دخل بجوار، وفي تلك المرة دخل ابن مسعود، فسلم على النبي ﷺ وهو في الصلاة، فلم يرد عليه، فتعاظم ذلك على ابن مسعود، حتى قَالَ له النبي ﷺ : "إنَّ الله قد أحدث من أمره أن لا تكلموا في الصلاة" هذا هو الصواب، وزعم ابن سعد وجماعة أنَّ ابن مسعود لم يدخل، وأنَّه رجع إلى الحبشة حتى قدم في المرة الثانية إلى المدينة مع من قدم، ورد هذا بأنَّ ابن مسعود شهد بدراً، وأجهز على أبي جهل، وأصحاب هذه الهجرة إنَّما قدموا المدينة مع جعفر بن أبي طالب وأصحابه بعد بدر بأربع سنين أو خمس. قَالَوا: فإن قيل: بل هذا الذي ذكره ابن سعد يوافق قول زيد ابن أرقم: كنا نتكلم في الصلاة، يكلم الرجل صاحبه، وهو إلى جنبه في الصلاة حتى نزلت: ﴿وقُومُوا لله قَانِتِينَ﴾، فأمرنا بالسكوت، ونهينا عن الكلام"، وزيد بن أرقم من الأنصار، والسورة مدنية، وحينئذ فابن مسعود سلَّم عليه لما قدم وهو في الصلاة، فلم يرد عليه حتى سلَّم، وأعلمه بتحريم الكلام، فاتفق حديثه وحديث ابن أرقم. قيل: يبطل هذا شهود ابن مسعود بدراً، وأهل الهجرة الثانية إنَّما قدموا عام خيبر مع جعفر وأصحابه، ولو كان ابن مسعود ممن قدم قبل بدر، لكان لقدومه ذكر، ولم يذكر أحد قدوم مهاجري الحبشة إلَّا في القدمة الأولى بمكة، والثانية عام خيبر

стр. 2172

مع جعفر، فمتى قدم ابن مسعود في غير هاتين المرتين ومع من؟ وبنحو الذي قلنا في ذلك قَالَ ابن إسحاق، قَالَ: وبلغ أصحاب رسول الله ﷺ الذين خرجوا إلى الحبشة إسلام أهل مكة، فأقبلوا لما بلغهم من ذلك، حتى إذا دنوا من مكة، بلغهم أنَّ إسلام أهل مكة كان باطلاً، فلم يدخل منهم أحد إلَّا بجوار، أو مستخفياً. فكان ممن قدم منهم، فأقام بها حتى هاجر إلى المدينة، فشهد بدراً وأحداً فذكر منهم عبد الله بن مسعود. فإن قيل: فما تصنعون بحديث زيد بن أرقم؟ قيل: قد أجيب عنه بجوابين: أحدهما: أن يكون النهى عنه قد ثبت بمكة، ثم أذن فيه بالمدينة، ثم نهى عنه. والثاني: أنَّ زيد بن أرقم كان من صغار الصحابة، وكان هو وجماعة يتكلمون في الصلاة على عادتهم، ولم يبلغهم النهي، فلما بلغهم انتهوا، وزيد لم يخبر عن جماعة المُسْلِمين كلهم بأنَّهم كانوا يتكلمون في الصلاة إلى حين نزول هذه الآية، ولو قدر أنَّه أخبر بذلك لكان وهماً منه» اهـ. وقال ﵀ (٣/ ٢٥) «وَعَلَى هَذَا فَيَزُولُ الْإِشْكَالُ الَّذِي بَيْنَ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَزَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، وَيَكُونُ ابْنُ مَسْعُودٍ قَدِمَ فِي الْمَرَّةِ الْوُسْطَى بَعْدَ الْهِجْرَةِ قَبْلَ بَدْرٍ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَسَلَّمَ عَلَيْهِ حِينَئِذٍ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ، وَكَانَ الْعَهْدُ حَدِيثًا بِتَحْرِيمِ الْكَلَامِ كَمَا قَالَ زَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ، وَيَكُونُ تَحْرِيمُ الْكَلَامِ بِالْمَدِينَةِ لَا بِمَكَّةَ، وَهَذَا أَنْسَبُ بِالنَّسْخِ الَّذِي وَقَعَ فِي الصَّلَاةِ، وَالتَّغْيِيرُ بَعْدَ الْهِجْرَةِ، كَجَعْلِهَا أَرْبَعًا بَعْدَ أَنْ كَانَتْ رَكْعَتَيْنِ، وَوُجُوبِ الِاجْتِمَاعِ لَهَا.

стр. 2173

فَإِنْ قِيلَ: مَا أَحْسَنَهُ مِنْ جَمْعٍ وَأَثْبَتَهُ لَوْلَا أَنَّ محمد بن إسحاق قَدْ قَالَ: مَا حَكَيْتُمْ عَنْهُ أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ أَقَامَ بِمَكَّةَ بَعْدَ رُجُوعِهِ مِنَ الْحَبَشَةِ حَتَّى هَاجَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ وَشَهِدَ بَدْرًا، وَهَذَا يَدْفَعُ مَا ذُكِرَ. قِيلَ: إِنْ كَانَ محمد بن إسحاق قَدْ قَالَ هَذَا فَقَدْ قَالَ محمد بن سعد فِي " طَبَقَاتِهِ ": إِنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ مَكَثَ يَسِيرًا بَعْدَ مَقْدَمِهِ ثُمَّ رَجَعَ إِلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ، وَهَذَا هُوَ الْأَظْهَرُ؛ لِأَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ لَمْ يَكُنْ لَهُ بِمَكَّةَ مَنْ يَحْمِيهِ، وَمَا حَكَاهُ ابن سعد قَدْ تَضَمَّنَ زِيَادَةَ أَمْرٍ خَفِيَ عَلَى ابْنِ إِسْحَاقَ، وابن إسحاق لَمْ يَذْكُرْ مَنْ حَدَّثَهُ، ومحمد بن سعد أَسْنَدَ مَا حَكَاهُ إِلَى الْمُطَّلِبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَنْطَبٍ، فَاتَّفَقَتِ الْأَحَادِيثُ، وَصَدَّقَ بَعْضُهَا بَعْضًا، وَزَالَ عَنْهَا الْإِشْكَالُ، ولِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ» اهـ. وقال الحافظ ابن كثير ﵀ فِي [تفسيره] (١/ ٦٥٥): «وَقَدْ أَشْكَلَ هَذَا الْحَدِيثُ عَلَى جَمَاعَةٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ، حَيْثُ ثَبَتَ عِنْدَهُمْ أَنَّ تَحْرِيمَ الْكَلَامِ فِي الصَّلَاةِ كَانَ بِمَكَّةَ، قَبْلَ الْهِجْرَةِ إِلَى الْمَدِينَةِ وَبَعْدَ الْهِجْرَةِ إِلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ، كَمَا دَلَّ عَلَى ذَلِكَ حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ الَّذِي فِي الصَّحِيحِ، قَالَ: كُنَّا نُسَلِّمُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ قَبْلَ أَنْ نُهَاجِرَ إِلَى الْحَبَشَةِ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ، فَيَرُدُّ عَلَيْنَا، قَالَ: فَلَمَّا قَدِمْنَا سَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيَّ، فَأَخَذَنِي مَا قَرُبَ وَمَا بَعُدَ، فَلَمَّا سَلَّمَ قَالَ: "إِنِّي لَمْ أَرُدَّ عَلَيْكَ إِلَّا أَنِّي كُنْتُ فِي الصَّلَاةِ، وَإِنَّ اللَّهَ يُحْدِثُ مِنْ أَمْرِهِ مَا يَشَاءُ، وَإِنَّ مِمَّا أَحْدَثَ أَلَّا تَكَلَّمُوا فِي الصَّلَاةِ".

стр. 2174

وَقَدْ كَانَ ابْنُ مَسْعُودٍ مِمَّنْ أَسْلَمَ قَدِيمًا، وَهَاجَرَ إِلَى الْحَبَشَةِ، ثُمَّ قَدِمَ مِنْهَا إِلَى مَكَّةَ مَعَ مَنْ قَدِمَ، فَهَاجَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَهَذِهِ الْآيَةُ: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ مَدَنِيَّةٌ بِلَا خِلَافٍ، فَقَالَ قَائِلُونَ: إِنَّمَا أَرَادَ زَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ بِقَوْلِهِ: "كَانَ الرَّجُلُ يُكَلِّمُ أَخَاهُ فِي حَاجَتِهِ فِي الصَّلَاةِ" الْإِخْبَارَ عَنْ جِنْسِ النَّاسِ، وَاسْتَدَلَّ عَلَى تَحْرِيمِ ذَلِكَ بِهَذِهِ الْآيَةِ بِحَسْبِ مَا فَهِمَهُ مِنْهَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَالَ آخَرُونَ: إِنَّمَا أَرَادَ أَنَّ ذَلِكَ قَدْ وَقَعَ بِالْمَدِينَةِ بَعْدَ الْهِجْرَةِ إِلَيْهَا، وَيَكُونُ ذَلِكَ فَقَدْ أُبِيحَ مَرَّتَيْنِ، وَحُرِّمَ مَرَّتَيْنِ، كَمَا اخْتَارَ ذَلِكَ قَوْمٌ مِنْ أَصْحَابِنَا وَغَيْرُهُمْ، وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ. وَاللَّهُ أَيْضًا أَعْلَمُ» اهـ. وَقَالَ الحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ [فَتْحِ الْبَارِي] (٩/ ٢٩٢ - ٢٩٦): «واختلف الناس في تحريم الكلام في الصَّلاة: هل كان بمكة، أو بالمدينة؟ فقالت طائفة: كانَ بمكة. واستدلوا بحديث ابن مسعود المتقدم، وأنَّ النبي ﷺ امتنع من الكلام عند قدومهم عليه من الحبشة، وإنَّما قدم ابن مسعود عليه من الحبشة إلى مكة، ثم هاجر إلى المدينة، كذا ذكره ابن إسحاق وغيره. ويعضد هذا: أنَّه روي: أنَّ امتناعهم من الكلام كان بنزول قوله: ﴿وَإذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٤] وهذه الآية مكية.

стр. 2175

فروى أبو بكر بن عياش، عن عاصم، عن المسيب بن رافع، قال: قال ابن مسعود: كنا نسلم بعضنا على بعض في الصلاة، فجاء القرآن: ﴿وَإذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾. وأخرجه ابن جرير وغيره. وهذا الإسناد منقطع؛ فإنَّ المسيب لم يلق ابن مسعود. وروى الهجري، عن أبي عياض، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قالَ: كانوا يتكلمون في الصَّلاة، فلما نزلت هذه الآية: ﴿وَإذا قُرِئَ الْقُرْآنُ﴾ والآية الأخرى، قالَ: فأمرنا بالإنصات. وخرجه بقي بن مخلد في "مُسْنَدِهِ". وخرجه غيره، وعنده: "أو الآية الأخرى" - بالشك. والهجري، ليس بالقوي. ولكن يشكل على أهل هذه المقالة حديث زيد بن أرقم، الذي خرجه الْبُخَارِيّ ها هنا؛ فإنَّ زيداً الأنصاري، لم يصل خلف النَّبيِّ ﷺ بمكة، إنَّما صلى خلفه بالمدينة، وقد أخبر أنَّهم كانوا يتكلمون حتَّى نزلت: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقر: ٢٣٨]. وهي مدنية بالاتفاق.

стр. 2176

وأجاب أبو حاتم ابن حبان - وهو ممن يقول: إنَّ تحريم الكلام كان بمكة -: وأجيب عن هذا بجوابين: أحدهما: أنَّ زيد بن أرقم حكى حال الأنصار وصلاتهم بالمدينة قبل هجرة النبي ﷺ إليهم، وأنَّهم كانوا يتكلمون حينئذ في الصلاة؛ فإنَّ الكلام حينئذ كانَ مباحاً، وكان النَّبيُّ إذ ذاك بمكة، فحكى زيد صلاتهم تلك الأيام، لا أنَّ نسخ الكلام كانَ بالمدينة. قُلْتُ: هذا ضعيف؛ لوجهين: أحدهما: أنَّ في رواية الترمذي: "كنا نتكلم خلف النَّبيِّ ﷺ في الصَّلاة"، فدل على أنَّه حكى حالهم في صلاتهم خلف النَّبيِّ ﷺ بعد هجرته إلى المدينة. والثاني: أنَّه ذكر أنَّهم لم ينهوا عن الكلام حتى نزلت الآية، وهي إنَّما نزلت بعد الهجرة بالاتفاق، فعلم أنَّ كلامهم استمر في الصلاة بالمدينة، حتى نزلت هذه الآية. ثم قال ابن حبان: والجواب الثاني: أنَّ زيداً حكى حال الصحابة مطلقاً، من المهاجرين وغيرهم، ممن كان يصلي مع النبي ﷺ قبل تحريم الكلام في الصلاة، ولم يرد الأنصار، ولا أهل المدينة بخصوصهم، كما يقول القائل: فعلنا كذا، وإنَّما فعله بعضهم.

стр. 2177

قُلْتُ: وهذا يرده قوله: "حتى نزلت الآية"؛ فإنَّه يصرح بأنَّ كلامهم استمر إلى حين نزولها، وهي إنَّما نزلت بالمدينة. وأجاب غير ابن حبان بجوابين آخرين: أحدهما: أنَّه يحتمل أنَّه كان نهي عن الكلام متقدماً، ثم أذن فيه، ثم نهي عنه لما نزلت الآية. والثاني: أنَّه يحتمل أن يكون زيد بن أرقم ومن كان يتكلم في الصلاة لم يبلغهم نهي النبي ﷺ ، فلما نزلت الآية انتهوا. وكلا الجوابين فيه بعد، وإنَّما انتهوا عند نزول الآية، بأمر النبي ﷺ بالسكوت، ونهيه عن الكلام، كما تقدم. وقال طائفة أخرى: إنَّما حرم الكلام في الصلاة بالمدينة؛ لظاهر حديث زيد بن أرقم، ومنعوا أن يكون ابن مسعود رجع من الحبشة إلى مكة، وقالوا: إنَّما رجع من الحبشة إلى المدينة، قبيل بدر. واستدلوا بما أخرجه أبو داود الطيالسي في "مُسْنَدِهِ" من حديث عبد الله بن عتبة، عن ابن مسعود، قال: بعثنا النبي ﷺ إلى النجاشي، ونحن ثمانون رجلاً، ومعنا جعفر بن أبي طالب - فذكر الحديث في دخولهم على النجاشي، وفي آخره -: فجاء ابن مسعود، فبادر، فشهد بدراً.

стр. 2178

وروى آدم ابن أبي إياس في "تفسيره": حدثنا أبو معشر، عن محمد بن كعب، قال: قدم النبي ﷺ المدينة، والناس يتكلمون بحوائجهم في الصلاة، كما يتكلم أهل الكتاب، فأنزل الله: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨]، فسكت القوم عن الكلام. وهذا مرسل. وأبو معشر، هو: نجيح السندي، يتكلمون فيه» اهـ. قُلْتُ: رواية الطيالسي هي في [مُسْنَدِهِ] (٣٤٤) حَدَّثَنَا حُدَيْجُ بْنُ مُعَاوِيَةَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: «بَعَثَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى النَّجَاشِيِّ وَنَحْنُ ثَمَانُونَ رَجُلًا وَمَعَنَا جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَعُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونٍ وَبَعَثَتْ قُرَيْشٌ عُمَارَةَ وَعَمْرَو بْنَ الْعَاصِ وَبَعَثُوا مَعَهُمَا هَدِيَّةً إِلَى النَّجَاشِيِّ فَلَمَّا دَخَلَا عَلَيْهِ سَجَدَا لَهُ وَدَفَعَا إِلَيْهِ الْهَدِيَّةَ، وَقَالَا: إِنَّ نَاسًا مِنْ قَوْمِنَا رَغِبُوا عَنْ دِينِنَا وَقَدْ نَزَلُوا أَرْضَكَ قَالَ: فَأَيْنَ هُمْ؟ قَالُوا: هُمْ فِي أَرْضِكَ فَبَعَثَ إِلَيْهِمُ النَّجَاشِيُّ قَالَ: فَقَالَ جَعْفَرٌ: أَنَا خَطِيبُكُمُ الْيَوْمَ فَاتَّبَعُوهُ حَتَّى دَخَلُوا عَلَى النَّجَاشِيِّ فَلَمْ يَسْجُدُوا لَهُ فَقَالَ: مَالَكُمْ لَا تَسْجُدُونَ لِلْمَلِكِ؟ فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ بَعَثَ إِلَيْنَا نَبِيَّهِ ﷺ فَأَمَرَنَا أَنْ لَا نَسْجُدَ إِلَّا لِلَّهِ، فَقَالَ النَّجَاشِيُّ: وَمَا ذَاكَ؟ فَأُخْبِرَ، فَقَالَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ: إِنَّهُمْ يُخَالِفُونَكَ فِي عِيسَى قَالَ: فَمَا تَقُولُونَ فِي عِيسَى وَأُمِّهِ؟ قَالَ: نَقُولُ كَمَا قَالَ اللَّهُ هُوَ رُوحُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى الْعَذْرَاءِ الْبَتُولِ الَّتِي لَمْ يَمْسَسْهَا بَشَرٌ وَلَمْ يَفْرِضْهَا وَلَدٌ فَتَنَاوَلَ

стр. 2179

النَّجَاشِيُّ عُودًا فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ الْقِسِّيسِينَ وَالرُّهْبَانِ مَا تَزِيدُونَ عَلَى مَا يَقُولُ هَؤُلَاءِ مَا يَزِنُ هَذِهِ، فَمَرْحَبًا بِكُمْ وَبِمَنْ جِئْتُمْ مِنْ عِنْدِهِ فَأَنَا أَشْهَدُ لَهُ أَنَّهُ نَبِيُّ وَلَوَدِدْتُ أَنِّي عِنْدَهُ فَأَحْمِلُ نَعْلَيْهِ أَوْ قَالَ: أَخْدُمُهُ، فَانْزِلُوا حَيْثُ شِئْتُمْ مِنْ أَرْضِي فَجَاءَ ابْنُ مَسْعُودٍ فَبَادَرَ فَشَهِدَ بَدْرًا». قُلْتُ: فيه حُدَيْجُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ضعيف الحديث. ومن طريقه رواه البيهقي في [الْكُبْرَى] (٣٩١٩)، والْحَاكِمُ في [مُسْتَدْرَكِهِ] (٤٢٤٥)، وابن عساكر في [مُعْجَمِهِ] (٣٢٧)، ولُوَيْنٌ في [جزئه] (٤). وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٣/ ٧٤): «قَوْلُهُ: "حَتَّى نَزَلَتْ". ظَاهِرٌ فِي أَنَّ نَسْخَ الْكَلَامِ فِي الصَّلَاةِ وَقَعَ بِهَذِهِ الْآيَةِ فَيَقْتَضِي أَنَّ النَّسْخَ وَقَعَ بِالْمَدِينَةِ لِأَنَّ الْآيَةَ مَدَنِيَّةٌ بِاتِّفَاقٍ فَيُشْكِلُ ذَلِكَ على قَول بن مَسْعُودٍ إِنَّ ذَلِكَ وَقَعَ لَمَّا رَجَعُوا مِنْ عِنْدِ النَّجَاشِيِّ وَكَانَ رُجُوعُهُمْ مِنْ عِنْدِهِ إِلَى مَكَّةَ وَذَلِكَ أَنَّ بَعْضَ الْمُسْلِمينَ هَاجَرَ إِلَى الْحَبَشَةِ ثُمَّ بَلَغَهُمْ أَنَّ الْمُشْرِكِينَ أَسْلَمُوا فَرَجَعُوا إِلَى مَكَّةَ فَوَجَدُوا الْأَمْرَ بِخِلَافِ ذَلِكَ وَاشْتَدَّ الْأَذَى عَلَيْهِمْ فَخَرَجُوا إِلَيْهَا أَيْضًا فَكَانُوا فِي الْمرة الثَّانِيَة أَضْعَاف الأولى وَكَانَ بن مَسْعُودٍ مَعَ الْفَرِيقَيْنِ وَاخْتُلِفَ فِي مُرَادِهِ بِقَوْلِهِ: فَلَمَّا رَجَعْنَا هَلْ أَرَادَ الرُّجُوعَ الْأَوَّلَ أَوِ الثَّانِي فَجَنَحَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ الطَّبَرِيُّ وَآخَرُونَ إِلَى الْأَوَّلِ وَقَالُوا: كَانَ تَحْرِيمُ الْكَلَامِ بِمَكَّةَ وَحَمَلُوا حَدِيثَ زَيْدٍ عَلَى أَنَّهُ وَقَوْمَهُ لَمْ يَبْلُغْهُمُ النَّسْخُ. وَقَالُوا: لَا مَانِعَ أَنْ يَتَقَدَّمَ الْحُكْمُ ثُمَّ تَنْزِلَ الْآيَةُ

стр. 2180

بِوَفْقِهِ، وَجَنَحَ آخَرُونَ إِلَى التَّرْجِيح فَقَالُوا: يتَرَجَّح حَدِيث بن مَسْعُودٍ بِأَنَّهُ حَكَى لَفْظَ النَّبِيِّ ﷺ بِخِلَافِ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ فَلَمْ يحكه. وَقَالَ آخَرُونَ إِنَّمَا أَرَادَ بن مَسْعُودٍ رُجُوعَهُ الثَّانِي وَقَدْ وَرَدَ أَنَّهُ قَدِمَ الْمَدِينَةَ وَالنَّبِيُّ ﷺ يَتَجَهَّزُ إِلَى بَدْرٍ وَفِي مُسْتَدْرَكِ الْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ عَنْ بن مَسْعُودٍ قَالَ: بَعَثَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى النَّجَاشِيِّ ثَمَانِينَ رَجُلًا فَذَكَرَ الْحَدِيثَ بِطُولِهِ وَفِي آخِرِهِ فَتَعَجَّلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ فَشَهِدَ بَدْرًا، وَفِي السِّيَرِ لِابْنِ إِسْحَاقَ أَنَّ الْمُسْلِمينَ بِالْحَبَشَةِ لَمَّا بَلَغَهُمْ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ هَاجَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ رَجَعَ مِنْهُمْ إِلَى مَكَّةَ ثَلَاثَةٌ وَثَلَاثُونَ رَجُلًا فَمَاتَ مِنْهُمْ رَجُلَانِ بِمَكَّةَ وَحُبِسَ مِنْهُمْ سَبْعَةٌ وَتَوَجَّهَ إِلَى الْمَدِينَةِ أَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ رَجُلًا فَشَهِدُوا بَدْرًا فعلى هَذَا كَانَ بن مَسْعُودٍ مِنْ هَؤُلَاءِ فَظَهَرَ أَنَّ اجْتِمَاعَهُ بِالنَّبِيِّ ﷺ بَعْدَ رُجُوعِهِ كَانَ بِالْمَدِينَةِ وَإِلَى هَذَا الْجَمْعِ نَحَا الْخَطَّابِيُّ وَلَمْ يَقِفْ مَنْ تَعَقَّبَ كَلَامَهُ عَلَى مُسْتَنَدِهِ وَيُقَوِّي هَذَا الْجَمْعَ رِوَايَةُ كُلْثُومٍ الْمُتَقَدِّمَةُ فَإِنَّهَا ظَاهِرَةٌ فِي أَنْ كلا من بن مَسْعُودٍ وَزَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ حَكَى أَنَّ النَّاسِخَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَقومُوا لله قَانِتِينَ﴾ وَأمَّا قَول بن حِبَّانَ كَانَ نَسْخُ الْكَلَامِ بِمَكَّةَ قَبْلَ الْهِجْرَةِ بِثَلَاثِ سِنِينَ. قَالَ: وَمَعْنَى قَوْلِ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ كُنَّا نَتَكَلَّمُ أَيْ كَانَ قَوْمِي يَتَكَلَّمُونَ لِأَنَّ قَوْمَهُ كَانُوا يُصَلُّونَ قَبْلَ الْهِجْرَةِ مَعَ مُصْعَبِ بْنِ عُمَيْرٍ الَّذِي كَانَ يُعَلِّمُهُمُ الْقُرْآنَ فَلَمَّا نُسِخَ تَحْرِيمُ الْكَلَامِ بِمَكَّةَ بَلَغَ ذَلِكَ أَهْلَ الْمَدِينَةِ فَتَرَكُوهُ فَهُوَ

стр. 2181

مُتَعَقَّبٌ بِأَنَّ الْآيَةَ مَدَنِيَّةٌ بِاتِّفَاقٍ وَبِأَنَّ إِسْلَامَ الْأَنْصَارِ وَتَوَجُّهَ مُصْعَبِ بْنِ عُمَيْرٍ إِلَيْهِمْ إِنَّمَا كَانَ قَبْلَ الْهِجْرَةِ بِسَنَةٍ وَاحِدَةٍ وَبِأَنَّ فِي حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ كُنَّا نَتَكَلَّمُ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَذَا أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ فَانْتَفَى أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ الْأَنْصَارَ الَّذِينَ كَانُوا يُصَلُّونَ بِالْمَدِينَةِ قَبْلَ هِجْرَةِ النَّبِيِّ ﷺ إِلَيْهِم وَأجَاب بن حِبَّانَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ بِأَنَّ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ أَرَادَ بِقَوْلِهِ كُنَّا نَتَكَلَّمُ مَنْ كَانَ يُصَلِّي خَلْفَ النَّبِيِّ ﷺ بِمَكَّةَ مِنَ الْمُسْلِمينَ وَهُوَ مُتَعَقَّبٌ أَيْضًا بِأَنَّهُمْ مَا كَانُوا بِمَكَّةَ يَجْتَمِعُونَ إِلَّا نَادِرًا وَبِمَا رَوَى الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ كَانَ الرَّجُلُ إِذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَوَجَدَهُمْ يُصَلُّونَ سَأَلَ الَّذِي إِلَى جَنْبِهِ فَيُخْبِرُهُ بِمَا فَاتَهُ فَيَقْضِي ثُمَّ يَدْخُلُ مَعَهُمْ حَتَّى جَاءَ مُعَاذٌ يَوْمًا فَدَخَلَ فِي الصَّلَاةِ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ وَهَذَا كَانَ بِالْمَدِينَةِ قَطْعًا لِأَنَّ أَبَا أُمَامَةَ وَمُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ إِنَّمَا أَسْلَمَا بِهَا قَوْلُهُ: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ﴾ الْآيَةَ كَذَا فِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ وَسَاقَ فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ وَأَبِي الْوَقْتِ الْآيَةَ إِلَى آخِرِهَا وَانْتَهَتْ رِوَايَةُ الْأَصِيلِيِّ إِلَى قَوْلِهِ الْوُسْطَى» اهـ. قُلْتُ: حديث كلثوم عند النسائي (١٢٢٠) أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي غَنِيَّةَ وَاسْمُهُ يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ، وَالْقَاسِمُ بْنُ يَزِيدَ الْجَرْمِيُّ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ الزُّبَيْرِ بْنِ عَدِيٍّ، عَنْ كُلْثُومٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ، وَهَذَا حَدِيثُ الْقَاسِمِ، قَالَ: كُنْتُ آتِي النَّبِيَّ ﷺ وَهُوَ يُصَلِّي فَأُسَلِّمُ عَلَيْهِ فَيَرُدُّ عَلَيَّ، فَأَتَيْتُهُ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ وَهُوَ يُصَلِّي فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيَّ، فَلَمَّا سَلَّمَ أَشَارَ إِلَى الْقَوْمِ،

стр. 2182

فَقَالَ: «إِنَّ اللَّهَ يَعْنِي - أَحْدَثَ فِي الصَّلَاةِ أَنْ لَا تَكَلَّمُوا إِلَّا بِذِكْرِ اللَّهِ، وَمَا يَنْبَغِي لَكُمْ، وَأَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ». قُلْتُ: كلثوم تفرد ابن حبان بذكره في "الثقات" فلا تثبت هذه الرواية. ولعلَّ الأنسب في الجمع قول من قال: إنَّ نسخ الكلام في الصلاة كان بالمدينة قبل بدر، وأنَّ ابن مسعود هاجر من الحبشة إلى المدينة قبل بدر، والأدلة في ذلك وإن كانت ضعيفة فليس ضعفها من قبيل الضعف الشديد فيستأنس بها في الجمع. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ٣ - ويدل الحديث على أنَّه لا يلزم من السكوت ترك الكلام بالكلية بل يصدق السكوت عن شيء مع الكلام في غيره فإنَّ الصلاة لا بد فيها من كلام وهو الذكر الذي فيها فإنَّه داخل في مسمى الكلام. وإنَّما المراد بالنهي عن الكلام النهي عن كلام معين وهو تكليم الناس وهكذا الكلام الذي ليس من قبيل الذكر والْدُعَاء. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ٤ - وهل يدخل في الكلام إشارة الأخرس. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ في [بَدَائِعِ الْفَوَائِدِ] (٤/ ٨٤٧): «إذا كانت للأخرس إشارة مفهومة فأشار بها في صلاته فهل تبطل أجاب ابن الزغواني: أمَّا الإشارة برد السلام فلا تبطل الصلاة من الأخرس والمتكلم وأمَّا غير ذلك فإنَّه يجري منهما مجرى العمل في الصلاة إن كان يسيراً عفي عنه وإن كان كثيراً أبطل الصلاة.

стр. 2183

وجواب أبي الخطاب إذا كثر ذلك منه بطلت صلاته. وجواب ابن عقيل إشارته المفهومة تجري مجرى الكلام فإن كانت برد السلام خاصة لم تبطل صلاته وما سوى ذلك تبطل. قُلْتُ: إشارة الأخرس منزلة منزلة كلامه مطلقاً وأمَّا تنزيلها منزلة الكلام في غير رد السلام خاصة فلا وجه له وإنَّما كان رد السلام من الناطق بالإشارة غير مبطل في أصح قولي العلماء كما دل على النص أنَّ إشارته لم تنزل منزلة كلامه بخلاف الأخرس فإنَّ إشارته المفهومة ككلام الناطق في سائر الأحكام» اهـ. ٥ - وفيه أنَّ الأمر بالقنوت مستلزم للسكوت، وترك الكلام، وذلك أنَّ القنوت هو المداومة على الطاعة والعبادة ومن لازم ذلك أن لا ينشغل المصلي في صلاته بغيرها. قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢٢/ ٥٤٧ - ٥٤٩): «فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ أَمْرٌ بِالْقُنُوتِ فِي الْقِيَامِ لِلَّهِ وَالْقُنُوتُ: دَوَامُ الطَّاعَةِ لِلَّهِ سَوَاءٌ كَانَ فِي حَالِ الِانْتِصَابِ أَوْ فِي حَالِ السُّجُودِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿أَمْ مَنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ﴾، وَقَالَ: ﴿وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ وَقَالَ:

стр. 2184

﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾. فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ إمَّا أَنْ يَكُونَ أَمْرًا بِإِقَامَةِ الصَّلَاةِ مُطْلَقًا كَمَا فِي قَوْلِهِ: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ﴾ فَيَعُمُّ أَفْعَالَهَا وَيَقْتَضِي الدَّوَامَ فِي أَفْعَالِهَا وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِهِ: الْقِيَامَ الْمُخَالِفَ لِلْقُعُودِ فَهَذَا يَعُمُّ مَا قَبْلَ الرُّكُوعِ وَمَا بَعْدَهُ وَيَقْتَضِي الطُّولَ وَهُوَ الْقُنُوتُ الْمُتَضَمِّنُ لِلدُّعَاءِ كَقُنُوتِ النَّوَازِلِ وَقُنُوتِ الْفَجْرِ عِنْدَ مَنْ يَسْتَحِبُّ الْمُدَاوَمَةَ عَلَيْهِ. وَإِذَا ثَبَتَ وُجُوبُ هَذَا ثَبَتَ وُجُوبُ الطُّمَأْنِينَةِ فِي سَائِرِ الْأَفْعَالِ. بِطَرِيقِ الْأَوْلَى. وَيُقَوِّي الْوَجْهَ الْأَوَّلَ: حَدِيثُ زَيْدِ بْنِ أَرْقَم الَّذِي فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْهُ قَالَ: كَانَ أَحَدُنَا يُكَلِّمُ الرَّجُلَ إلَى جَنْبِهِ إلَى الصَّلَاةِ فَنَزَلَتْ ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ قَالَ فَأُمِرْنَا بِالسُّكُوتِ وَنُهِينَا عَنْ الْكَلَامِ. حَيْثُ أَخْبَرَ أَنَّهُمْ كَانُوا يَتَكَلَّمُونَ فِي الصَّلَاةِ. وَمَعْلُومٌ أَنَّ السُّكُوتَ عَنْ خِطَابِ الْآدَمِيِّينَ وَاجِبٌ فِي جَمِيعِ الصَّلَاةِ فَاقْتَضَى ذَلِكَ الْأَمْرَ بِالْقُنُوتِ فِي جَمِيعِ الصَّلَاةِ وَدَلَّ الْأَمْرُ بِالْقُنُوتِ عَلَى السُّكُوتِ عَنْ مُخَاطَبَةِ النَّاسِ لِأَنَّ الْقُنُوتَ هُوَ دَوَامُ الطَّاعَةِ فَالْمُشْتَغِلُ بِمُخَاطَبَةِ الْعِبَادِ تَارِكٌ لِلِاشْتِغَالِ بِالصَّلَاةِ الَّتِي هِيَ عِبَادَةُ اللَّهِ وَطَاعَتُهُ فَلَا يَكُونُ مُدَاوِمًا عَلَى طَاعَتِهِ وَلِهَذَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لَمَّا سَلَّمَ عَلَيْهِ وَلَمْ يَرُدَّ بَعْدَ أَنْ كَانَ يَرُدُّ "إنَّ فِي الصَّلَاةِ لَشُغْلًا" فَأَخْبَرَ أَنَّ فِي الصَّلَاةِ مَا يَشْغَلُ الْمُصَلِّي عَنْ مُخَاطَبَةِ النَّاسِ وَهَذَا هُوَ الْقُنُوتُ فِيهَا وَهُوَ دَوَامُ الطَّاعَةِ» اهـ.

стр. 2185

* * * ١٠٩ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَأَبِي هُرَيْرَةَ ﵃ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إذَا اشْتَدَّ الْحَرُّ فَأَبْرِدُوا بِالصَّلاةِ. فَإِنَّ شِدَّةَ الْحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ». وفي الحديث مسائل منها: ١ - فيه استحباب الإبراد بصلاة الظهر عند اشتداد الحر. قَالَ الْعَلَّامَةُ الْخَطَّابِي ﵀ في [مَعَالِمِ الْسُنَنِ] (١/ ١٢٨): «معنى الإبراد في هذا الحديث انكسار شدة حر الظهيرة. وقَالَ محمد بن كعب القرظي: نحن نكون في السفر فإذا فات الأفياء وهبت الأرواح قَالَوا: أبردتم فالرواح. قُلْتُ: ومن تأول على بردى النهار فقد خرج عن جملة قول الأمة» اهـ. وقَالَ ﵀ (١/ ١٢٩): «وَقَوْلُهُ ﵊: "فيح جهنم" معناه سطوع حرها وانتشاره وأصله في كلامهم السعة والانتشار. ومنه قولهم في الغادة فيحي فياح، ومكان أفيح أي واسع، وأرض فيحاء أي واسعة ومعنى الكلام يحتمل وجهين:

стр. 2186

أحدهما: أنَّ شدة الحر في الصيف من وهج حر جهنم في الحقيقة. وروي أنَّ الله تعالى أذن لجهنم في نفسين نفس في الصيف ونفس في الشتاء فأشد ما تجدونه من الحر في الصيف فهو من نفسها وأشد ما ترونه من البرد في الشتاء فهو منها. والوجه الأخر: أنَّ هذا الكلام إنَّما خرج مخرج التشبيه والْتَقْرِيْب أي كأنَّه نار جهنم في الحر فاحذروها واجتنبوا ضررها» اهـ. قُلْتُ: الصواب إجراء الحديث على ظاهرة. والحديث الذي صدره ﵀ بروي حديث صحيح ثابت متفق عليه رواه الْبُخَارِيّ (٣٢٦٠)، ومُسْلِم (٦١٧) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «اشْتَكَتِ النَّارُ إِلَى رَبِّهَا فَقَالَتْ رَبِّ أَكَلَ بَعْضِي بَعْضًا فَأَذِنَ لَهَا بِنَفَسَيْنِ نَفَسٍ فِي الشِّتَاءِ وَنَفَسٍ فِي الصَّيْفِ فَأَشَدُّ مَا تَجِدُونَ فِي الْحَرِّ وَأَشَدُّ مَا تَجِدُونَ مِنَ الزَّمْهَرِيرِ». قُلْتُ: والأمر بالإبراد في الحديث للاستحباب في قول عامة العلماء. قَالَ الحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ في [فَتْحِ الْبَارِي] (٣/ ٦٨): «والأمر بالإبراد أمر ندب واستحباب لا أمر حتم وإيجاب، هذا مما لا خلاف فيه بين العلماء. فإن شذ أحد من أهل الظاهر جرياً على عادتهم، ولم يبال بخرق إجماع المُسْلِمين، كان محجوباً بالإجماع قبله، وبحديث عمرو بن عبسة وأبي هريرة المذكورين، فإنَّهما يصرحان بأنَّ الصلاة بعد الزوال مشهودة محضورة متقبلة، ولم يفرق بين فرض ونفل.

стр. 2187

وذهب طائفة من العلماء إلى أنَّ الإبراد رخصة، وأنَّ تركه سنة، والصلاة في أول الوقت بكل حال أفضل، وهو قول الليث بن سعد وطائفة من أصحاب الشافعي. والأحاديث الصحيحة ترده. وقد جعل مالك القول بترك الإبراد قول الخوارج» اهـ. ٢ - وَقَوْلُهُ: «فَأَبْرِدُوا». يشمل جميع المصلين سواء في ذلك من صلى في منزله أو في المسجد، ويستوي في ذلك من كان قريب المنزل من المسجد ومن كان بعيداً عنه، ومن صلى في مسجد جماعة أو في غير ذلك من المساجد. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وهذه المسألة فيها نزاع بين العلماء. قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ فِي [شرح العمدة] (٤/ ١٩٧ - ٢٠٠): «فأمَّا في شدة الحر فإنَّ الأفضل الإبراد بها لما روى أبو هريرة قَالَ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إذا اشتد الحر فأبردوا بالصلاة فإنَّ شدة الحر من فيح جهنم" رواه الجماعة وللبخاري عَنِ ابْنِ عُمَرَ وأبي سعيد الخدري مثله وعَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذا كان الحر أبرد بالصلاة و إذا كان البرد عجل رواه النسائي والْبُخَارِيّ بمعناه وسواء كان المصلي منفرداً أو في جماعة وسواء كان في مسجد الجماعة الذي ينتابه الناس من البعد أو من القرب و سواء كان المصلون مجتمعين أو منفردين هذا الذي دل عليه قول أحمد وفعله وهو قول القاضي أخيراً وأكثر أصحابنا لعموم الحديث فإنَّه أمر بالإبراد أمراً عاماً معموماً

стр. 2188

مقصوداً وعلله بعلة عامة توجد حال الصلاة وحال السعي إليها في الحر فإنَّ فيح جهنم يصيب المصلي كما يصيب الذاهب إلى الصلاة مع علمه ﷺ أنَّ أكثر المساجد إنَّما يصلي فيها جيرانها فلا يجوز حمل هذا الكلام على المساجد التي ينتابها الناس من البعد خاصة لأنَّ هذه صور قليلة بالنسبة إلى غيرها فحمل العام عليها يكون حملاً لها على الأقل دون الأكثر منه غير أن يكون في الكلام ما يدل عليه وذلك لا يجوز ولأنَّه على هذا التقدير تكون العلة بأذى الناس بالمشي في الحر وهذه علة تنفس الحر سواء كان من فيح جهنم أو لم يكن فلما قَالَ فإنَّ شدة الحر من فيح جهنم وعلل بعلة تعلم بالوحي علم أنَّه قصد معنى يخفى على أكثر الناس وهو كراهة إيقاع الصلاة حال تسعير النار كما كره إيقاعها وقت مقارنة الشيطان لها وكره الصلاة وقت الغضب من الله كما كره الصلاة في مكان الغصب لأنَّ القلوب لا تقبل على العبادة وقت تلك الساعة كل الإقبال ولا ينزل من الرحمة ما ينزل في غير ذلك الوقت. وأيضاً ما روى أبو ذر ﵁ قَالَ: كنا مع النبي ﷺ في سفر فأراد المؤذن أن يؤذن للظهر فقَالَ النبي ﷺ : "أبرد" ثم أراد إن يؤذن فقَالَ له: "أبرد" حتى رأينا فيء التلول فقَالَ النبي ﷺ : "إن شدة الحر من فيح جهنم فإذا اشتد الحر فأبردوا بالصلاة" متفق عليه فهذا إبراد مع اجتماع المصلين وهو نص في المسألة ولأنَّ سبب الإبراد إنَّما هو في شدة الحر من فيح جهنم وتنفسها وهذا كما أنَّه يؤذي الناس في حال بروزهم إلى المسجد

стр. 2189

فكذلك في حال صلاتهم بل أولى كما تقدم وكما أنَّه يؤذي من يصلي في الجماعة فإنَّه يؤذي المصلي وحده. وقَالَ القاضي في "المجرد" وأبو الحسن الآمدي وطائفة من أصحابنا: إنَّما يستحب الإبراد لمن يصلي في مساجد الجامعات سواء كان المسجد ينتابه البعيد منه أم لا لأنَّ الخروج إلى المسجد في الجملة مظنة المشقة في وقت القائلة فاستحب التأخير لتكثير الجماعة بخلاف المصلي وحده أو في بيته أو في القوم المجتمعين والأول هو الصحيح لما تقدم» اهـ. وَقَالَ الحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ في [فَتْحِ الْبَارِي] (٣/ ٦٥ - ٦٨): «وقَالَ غيره: الفيح سطوع الحر، يقَالَ: فاحت القدر تفوح إذا غلت. وأمَّا قول صاحب "الغريبين": أبردوا بالظهر: صلوها في أول وقتها. وبرد النهار أوله. فهو خطأ، وتغيير للمعنى، وصلاة الظهر في أول وقتها في شدة الحر ليس إبراداً، بل هو ضده، بخلاف أول النهار، كَمَا فِي الحديث: "من صلى البردين دخل الجنة". وقد بوب الْبُخَارِيّ على هذه الأحاديث: "الإبراد بالظهر في شدة الحر" فدلَّ ذلك على أنَّه يرى الإبراد في شدة الحر بكل حال، سواء كان في البلاد الحارة أو غيرها، وسواء كان يصلي جماعة أو وحده.

стр. 2190

وهذا قول كثير من أهل العلم، وذكر طائفة من المالكية كالقاضي إسماعيل وأبي الفرج أنَّه مذهب مالك، وذكر صاحب "المغني" من أصحابنا أنَّه ظاهر كلام أحمد والخرقي، ورجحه، وكذلك حكاه ابن المنذر عن أحمد وإسحاق، وحكاه الخطابي عن أحمد ورجحه ابن المنذر، وحكاه عن أهل الرأي، وحكاه الترمذي في "جامعه" عن ابن المبارك وأحمد وإسحاق، ورجحه. ولذلك ذكر بعض الشافعية أنَّه ظاهر الحديث، ومال إليه، والمنصوص عن الشافعي: أنَّه لا يستحب الإبراد إلَّا في شدة الحر في البلاد الحارة لمن يصلي جماعة في موضع يقصده الناس من بعد، كذا نص عليه في "الأم"، وعليه جمهور أصحابه. ولهم وجه: أنَّه لا يشترط البلاد الحارة، وحكوا قولاً للشافعي: أنَّه لا يشترط بعد المسجد، بل يبرد ولو كانت منازلهم قريبة منه. واشترط طائفة من أصحابنا للإبراد: أن تكون الصلاة في مسجد، قَالَوا: وسواء كان مما ينتابه الناس أو لا، وأن تكون البلدان حارة شديدة الحر أو متوسطة. ومنهم من اشترط مسجد الجماعة فقط. وكذلك قَالَ ابن عبد الحكم وطائفة من المالكية العراقيين: أنَّه لا يبرد إلَّا بالصلاة في مساجد الجماعة دون من صلى منفرداً. وذكر القاضي إسماعيل، عن ابن أبي أويس، عن مالك، قَالَ: بلغني أن عمر قَالَ لأبي محذورة: إنَّك بأرض حارة، فأبرد، ثم أبرد، ثم ناد، فكأنني عندك.

стр. 2191

واختلفوا في المعنى الذي لأجله أمر بالإبراد. فمنهم من قَالَ: هو حصول الخشوع في الصلاة؛ فإنَّ الصلاة في شدة الحر كالصلاة بحضرة طعام تتوق نفسه إليه، وكصلاة من يدافع الأخبثين، فإنَّ النفوس حينئذ تتوق إلى القيلولة والراحة، وعلى هذا فلا فرق بين من يصلي وحده أو في جماعة. ومنهم من قَالَ: هو خشية المشقة على من بعد من المسجد بمشيه في الحر، وعلى هذا فيختص الإبراد بالصلاة في مساجد الجماعة التي تقصد من الأمكنة المتباعدة. ومنهم من قَالَ: هو وقت تنفس جهنم. وقد ثبت في "صحيح مُسْلِم" مِنْ حَدِيْثِ عمرو بن عبسة، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: "الصَّلَاةَ مَشْهُودَةٌ مَحْضُورَةٌ حَتَّى يَسْتَقِلَّ الظِّلُّ بِالرُّمْحِ ثُمَّ أَقْصِرْ عَنْ الصَّلَاةِ فَإِنَّ حِينَئِذٍ تُسْجَرُ جَهَنَّمُ فَإِذَا أَقْبَلَ الْفَيْءُ فَصَلِّ فَإِنَّ الصَّلَاةَ مَشْهُودَةٌ مَحْضُورَةٌ حَتَّى تُصَلِّيَ الْعَصْرَ". وفي "صحيحي" ابن خزيمة وابن حبان مِنْ حَدِيْثِ أبي هريرة - مرفوعاً، قَالَ: "فإذا انتصف النهار فاقصر عن الصلاة حتى تميل الشمس؛ فإن حينئذ تسعر جهنم، وشدة الحر من فيح جهنم، فإذا مالت الشمس فالصلاة محضورة مشهودة متقبلة حتى تصلي العصر".

стр. 2192

وخرجه ابن ماجه، ولفظه: "فإذا كانت - يعني: الشمس - على رأسك كالرمح فدع الصلاة؛ فإنَّ تلك الساعة تسعر فيها جهنم، وتفتح فيها أبوابها، حتى تزيغ الشمس عن حاجبك الأيمن، فإذا زالت فالصلاة محضورة متقبلة". وهذا يدل على أنَّ شدة الحر عقيب الزوال من أثر تسجرها، فكما تمنع الصلاة وقت الزوال، فإنَّه يستحب تأخرها بعد الزوال حتى يبرد حرها ويزول شدة وهجها؛ فإنَّه إثر وقت غضب، والمصلي يناجي ربه، فينبغي أن يتحرى بصلاته أوقات الرضا والرحمة، ويجتنب أوقات السخط والعذاب، وعلى هذا فلا فرق بين المصلي وحده وفي جماعة - أيضاً» اهـ. ٣ - وظاهر قوله: «فَأَبْرِدُوا». أنَّه يشمل التأخير إلى أن يحصل الإبراد حتى لو زاد عن نصف الوقت. وَقَالَ الحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٣/ ٦٨ - ٦٩): «وأمَّا حد الإبراد، فقَالَ القاضي أبو يعلى من أصحابنا: يكون بين الفراغ من الصلاة وبين آخر وقت الصلاة فضل. وقَالَ الشافعية: حقيقة الإبراد: أن يؤخر الصلاة عن أول الوقت بقدر ما يحصل للحيطان فيء يمشي فيه طالب الجماعة، ولا يؤخر عن النصف الأول من الوقت. وحكى سفيان الثوري وإسحاق بن راهويه عن بعض العلماء، أنَّه إذا أخر الصلاة إلى نصف وقتها فلم يفرط، وإذا أخرها حتى كانت إلى وقت الصلاة الأخرى أقرب فقد فرط.

стр. 2193

ولعله يريد: أنَّه يكره ذلك، لا أنَّه يحرم. وأمَّا صلاة الظهر في غير شدة الحر، فجمهور العلماء على أنَّ الأفضل تعجيلها، وفيه خلاف عن مالك يأتي ذكره فيما بعد - إن شاء الله» اهـ. قُلْتُ: والذي يظهر لي هو جواز الإبراد إلى أن يبرد الجو ولو كان بعد نصف الوقت لما رواه الْبُخَارِيّ (٦٢٩) عن أبي ذر قَالَ: «كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي سَفَرٍ فَأَرَادَ الْمُؤَذِّنُ أَنْ يُؤَذِّنَ فَقَالَ لَهُ: "أَبْرِدْ". ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يُؤَذِّنَ فَقَالَ لَهُ: "أَبْرِدْ" ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يُؤَذِّنَ فَقَالَ لَهُ: "أَبْرِدْ" حَتَّى سَاوَى الظِّلُّ التُّلُولَ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "إِنَّ شِدَّةَ الْحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّم"». ورواه مُسْلِم (٦١٦) عن أبي ذر قَالَ: «أَذَّنَ مُؤَذِّنُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالظُّهْرِ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "أَبْرِدْ أَبْرِدْ". أَوْ قَالَ: انْتَظِرْ انْتَظِرْ. وَقَالَ: "إِنَّ شِدَّةَ الْحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ فَإِذَا اشْتَدَّ الْحَرُّ فَأَبْرِدُوا عَنْ الصَّلَاةِ". قَالَ أَبُو ذَرٍّ حَتَّى رَأَيْنَا فَيْءَ التُّلُولِ». قَالَ الحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ في [فَتْحِ الْبَارِي] (٣/ ٥٤٠ - ٥٤١): «وَقَوْلُهُ في هذه الرواية: "حتى ساوى الظل التلول" ظاهره أنَّه أخر صلاة الظهر يومئذ إلى أن صار ظل كل شيء مثله، وهو آخر وقتها. وهذا يحتمل أمرين: أحدهما: أنَّه صلاها في آخر وقتها قبل دخول وقت العصر.

стр. 2194

والثاني: أنَّه أخرها إلى دخول وقت العصر وجمع بينهما في وقت العصر. فإن كان قد أخرها إلى وقت العصر استدل بالحديث حينئذ على أن تأخير الصلاة الأولى من الْمَجْمُوعَتين إلى وقت الثانية للجمع في السفر لا يحتاج إلى نية الجمع؛ لأنهم كانوا يؤذنونه بالصلاة في وقتها، وهو يأمر بالتأخير، وهم لا يعلمون أنَّه يريد جمعها مع الثانية في وقتها، ولا أعلمهم بذلك. ولكن الأظهر هو الأول، ولا يلزم من مصير ظل التلول مثلها أن يكون قد خرج وقت الظهر؛ فإن وقت الظهر إنَّما يخرج إذا صار ظل الشيء مثله بعد الزوال. وقد خرجه الْبُخَارِيّ فيما تقدم من وجهين عن شعبة، وفيهما: "حتى رأينا فيء التلول". ويدل على هذا: أنَّه إنَّما أمره بالإبراد، لا بالجمع» اهـ. وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ فِي [شرح العمدة] (٤/ ٢٠١): «وينبغي أن يقصد في الإبراد بحيث يكون بين الفراغ منها وبين آخر الوقت فصل لأنَّ المقصود من الإبراد يحصل بذلك ولهذا فإنَّ في حديث أبي ذر: حتى رأينا فيء التلول. وقَالَ عبد الله بن مسعود: كانت صلاة رسول الله ﷺ في الصيف ثلاثة أقدام إلى خمسة أقدام. رواه أبو داود. ولأنَّ الإبراد الشديد يخاف معه إن يفعل بعض الصلاة بعد خروج الوقت» اهـ. قُلْتُ: وفي حديث أبي ذر تأخير الأذان أيضًا عند شدة الحر.

стр. 2195

وفي رواية أبي عوانة في [مُسْتَخْرَجِهِ] (١٠١٧) بَإِسْنَادٍ حَسَنٍ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي مَسِيرٍ فَأَرَادَ بِلَالٌ أَنْ يُؤَذِّنَ بِالظُّهْرِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَبْرِدْ»، ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يُؤَذِّنَ فَقَالَ لَهُ: «أَبْرِدْ»، حَتَّى رَأَيْنَا فَيْءَ التُّلُولِ، ثُمَّ أَمَرَهُ فَأَذَّنَ وَأَقَامَ، فَلَمَّا صَلَّى قَالَ: «إِنَّ شِدَّةَ الْحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ، فَإِذَا اشْتَدَّ الْحَرُّ فَأَبْرِدُوا عَنِ الصَّلَاةِ». قَالَ فِي [طَرْحِ التَّثْرِيْبِ] (٢/ ١٥٩): «وَكَذَا حَكَى ابْنُ الرِّفْعَةِ فِي الْمَطْلَبِ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ حَمَلَ تَأْخِيرَ الْأَذَانِ هُنَا عَلَى الْإِقَامَةِ لَكِنْ فِي رِوَايَةِ أَبِي عَوَانَةَ فِي صَحِيحِهِ بَعْدَ قَوْلِهِ: حَتَّى رَأَيْنَا فَيْءَ التُّلُولِ، ثُمَّ أَمَرَهُ فَأَذَّنَ وَأَقَامَ، وَهِيَ دَالَّةٌ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ أَذَّنَ أَوَّلًا أَوْ لَمْ يُعْتَدَّ بِأَذَانِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ» اهـ. وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ البَّارِيِّ] (٢/ ٢٠): «فَإِنْ قِيلَ الْإِبْرَادُ لِلصَّلَاةِ فَكَيْفَ أَمَرَ الْمُؤَذِّنَ بِهِ لِلْأَذَانِ فَالْجَوَابُ أَنَّ ذَلِكَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْأَذَانَ هَلْ هُوَ لِلْوَقْتِ أَوْ لِلصَّلَاةِ وَفِيهِ خِلَافٌ مَشْهُورٌ وَالْأَمْرُ الْمَذْكُورُ يُقَوِّي الْقَوْلَ بِأَنَّهُ لِلصَّلَاةِ وَأَجَابَ الْكِرْمَانِيُّ بِأَنَّ عَادَتَهُمْ جَرَتْ بِأَنَّهُمْ لَا يَتَخَلَّفُونَ عِنْدَ سَمَاعِ الْأَذَانِ عَنِ الْحُضُورِ إِلَى الْجَمَاعَةِ فَالْإِبْرَادُ بِالْأَذَانِ لِغَرَضِ الْإِبْرَادِ بِالْعِبَادَةِ قَالَ وَيُحْتَمَلُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالتَّأْذِينِ هُنَا الْإِقَامَةُ قُلْتُ وَيَشْهَدُ لَهُ رِوَايَةُ التِّرْمِذِيِّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي دَاوُدَ الطَّيَالِسِيِّ عَنْ شُعْبَةَ بِلَفْظِ فَأَرَادَ بِلَالٌ أَنْ يُقِيمَ لَكِنْ رَوَاهُ أَبُو عَوَانَةَ مِنْ طَرِيقِ

стр. 2196

حَفْصِ بْنِ عُمَرَ عَنْ شُعْبَةَ بِلَفْظِ فَأَرَادَ بِلَالٌ أَنْ يُؤَذِّنَ وَفِيهِ ثُمَّ أَمَرَهُ فَأَذَّنَ وَأَقَامَ وَيُجْمَعُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ إِقَامَتَهُ كَانَتْ لَا تَتَخَلَّفُ عَنِ الْأَذَانِ لِمُحَافَظَتِهِ ﷺ عَلَى الصَّلَاةِ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ فَرِوَايَةُ فَأَرَادَ بِلَالٌ أَنْ يُقِيمَ أَيْ أَنْ يُؤَذِّنَ ثُمَّ يُقِيمَ وَرِوَايَةُ فَأَرَادَ أَنْ يُؤَذِّنَ أَيْ ثُمَّ يُقِيمَ» اهـ. ٤ - وَقَوْلُهُ: «فَأَبْرِدُوا» يشمل البلاد التي لها حر دون البلاد الباردة. قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ فِي [شرح العمدة] (٤/ ٢٠٠ - ٢٠١): «وإنَّما يستحب الإبراد في البلاد التي لها حر في الجملة سواء كان شديداً أو قليلاً كبلاد الحجاز والعراق والشام واليمن ومصر. فأمَّا البلاد الباردة التي لا حر فيها وإنَّما حرها في منزلة الربيع في غيرها مثل البلاد الشمالية وبلاد خراسان فإنَّه لا يستحب الإبراد فيها هكذا ذكره القاضي وغيره من أصحابنا لأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "إذا اشتد الحر فأبردوا بالصلاة" وقَالَ: "فإنَّ شدة الحر من فيح جهنم" وهناك لا يشتد الحر ولا يتنفس بالبرد فيظهر هناك زمهريرها كما قَالَ النبي ﷺ : "إنَّ النار اشتكت إلى ربها وقَالَت أكل بعضي بعضاً فأذن لها بنفسين نفس في الشتاء ونفس في الصيف فأشد ما تجدون من الحر من حر جهنم وأشد ما تجدون من البرد من زمهرير جهنم" متفق عليه.

стр. 2197

وقد حكا بعض أصحابنا وجها أنَّه لا فرق بين البلاد الحارة والباردة. ووجهاً بأنَّ ذلك مخصوص بالبلاد التي يشتد فيها الحر والذي قدمناه أصوب فإنَّ الحرَّ والبرد لا بد من وجودهما في جميع الأرض المعمورة ولو لا وجودهما لما عاش الحيوان ولا نبت الشجر. ولا بد أيضاً أن يكون الحر في القيظ أشد منه في فصل الصيف والربيع الذين يسميان الربيع والخريف في كل أرض بحسبها لكن إذا كان في شدة الحر في بعض البلاد بحيث لا تكره الشمس ولا يؤذى الجالس في الصبح فليس هذا بحر شديد فلا يستحب الإبراد في مثل هذه البلاد ألبتة وإذا كان الحر يؤذي فيها فقد اشتد الحر وإن لم يكن في أرض الحجاز» اهـ. ٥ - لا تعارض بين حديث الأمر بالإبراد وبين ما رواه مُسْلِم (٦١٩) عَنْ خَبَّابٍ قَالَ: «شَكَوْنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الصَّلَاةَ فِي الرَّمْضَاءِ فَلَمْ يُشْكِنَا». وفي لفظ له: «أَتَيْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَشَكَوْنَا إِلَيْهِ حَرَّ الرَّمْضَاءِ فَلَمْ يُشْكِنَا». قَالَ الحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ في [فَتْحِ الْبَارِي] (٣/ ٦٩ - ٧٠): «واستدل من لم ير استحباب الإبراد بحديث خباب بن الأرت: شكونا إلى رسول الله ﷺ حر الرمضاء، فلم يشكنا، وقد ذكرناه في "باب: السجود على الثوب"،

стр. 2198

وذكرنا أنَّ الصحيح في تفسيره: أنَّهم طلبوا منه تأخير الصلاة بالهاجرة، فلم يجبهم إلى ذلك، وأمرهم بالصلاة إذا زالت الشمس. وقد أجيب عنه بوجهين: أحدهما: أنَّهم طلبوا منه التأخير الفاحش المقارب آخر الوقت، فلم يجبهم إليه. والثاني: أنَّه منسوخ بالأمر بالإبراد، وهو جواب الإمام أحمد والأثرم. واستدلا بحديث المغيرة بن شعبة، قَالَ: كنا نصلي مع رسول الله ﷺ الظهر بالهاجرة، فقَالَ لنا: "أبردوا بالصلاة؛ فإن شدة الحر من فيح جهنم". وأمَّا حد الإبراد، فقَالَ القاضي أبو يعلى من أصحابنا: يكون بين الفراغ من الصلاة وبين آخر وقت الصلاة فضل. خرجه الإمام أحمد وابن حبان في "صَحِيْحِهِ" وابن ماجه. وزعمت طائفة أنَّ معنى حديث خباب: أنهم شكوا إلى النبي ﷺ أنَّهم يعذبون في رمضاء مكة في شدة الحر، وسألوه أن يدعو لهم، فلم يجبهم. وهذا بعيد، وألفاظ الحديث ترده، وقد سبق ذكره» اهـ. وقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ في [عدة (١) الصابرين] ص (٥٥ - ٦٦):

стр. 2199

«وفي صحيح الْبُخَارِيّ مِنْ حَدِيْثِ خباب بن الأرت قَالَ: شكونا إلى رسول الله وهو متوسد ببردة له في ظل الكعبة فقلنا ألا تستنصر لنا ألا تدعو لنا فقَالَ: "قد كان من قبلكم يؤخذ الرجل فيحفر له في الأرض فيجعل فيها ثم يؤتى بالمنشار فيوضع على رأسه فيجعل نصفين ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه ما يصده ذلك عن دينه والله ليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلاَّ الله والذئب على غنمه ولكنكم تستعجلون". وفي لفظ للبخاري: أتيت رسول الله وهو متوسد بردة في ظل الكعبة وقد لقينا من المشركين شدة فقلنا ألا تدعو الله فقعد وهو محمر وجهه فقَالَ: "لقد كان الرجل ليمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه ما يصده ذلك عن دينه" وقد حمل أهل العلم قول خباب "شكونا إلى رسول الله حر الرمضاء فلم يشكنا" على هذا المحمل وقَالَ شكوا إليه حر الرمضاء الذي كان يصيب جباههم وأكفهم من تعذيب الكفار فلم يشكهم وإنَّما دلهم على الصبر. وهذا الوجه أنسب من تفسير من فسر ذلك بالسجود على الرمضاء واحتج به على وجوب مباشرة المصلى بالجبهة لثلاثة أوجه: أحدها: أنَّه لا دليل في اللفظ على ذلك.

стр. 2200

الثاني: أنَّهم قد أخبروا أنَّهم كانوا مع النبي فكان أحدهم إذا لم يستطع أن يسجد على الأرض يبسط ثوبه فسجد عليه والظاهر أنَّ هذا يبلغه ويعلم به وقد أقرهم عليه. الثالث: أنَّ شدة الحر في الحجاز تمنع من مباشرة الجبهة والكف للأرض بل يكاد يشوي الوجه والكف فلا يتمكن من الطمأنينة في السجود ويذهب خشوع الصلاة ويتضرر البدن ويتعرض للمرض والشريعة لا تأتى بهذا فتأمل رواية خباب لهذا والذي قبله واجمع بين اللفظين والمعنيين وَاللَّهُ أَعْلَمُ ولا تستوحش من قوله "فلم يشكنا" فإنَّه هو معنى إعراضه عن شكايتهم وإخباره لهم بصبر من قبلهم وَاللَّهُ أَعْلَمُ» اهـ. قُلْتُ: ولا يستقيم هذا التأويل لأنَّه وارد في الصلاة فإنَّ لفظه: «شَكَوْنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الصَّلَاةَ فِي الرَّمْضَاءِ فَلَمْ يُشْكِنَا». وقد سبق الحديث قريباً. ٦ - قُلْتُ: والمراد بالصلاة صلاة الظهر لما رواه الْبُخَارِيّ (٥٣٨) عن أبي سعيد الخدري قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «أَبْرِدُوا بِالظُّهْرِ فَإِنَّ شِدَّةَ الْحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ». ٧ - قُلْتُ: والمراد بالإبراد انكسار حدة الحر لا ذهاب الحر بالكلية، وليس المراد به أيضاً برودة الأرض فإنَّ هذا لا يكون إلَّا بعد خروج الصلاة بالكلية ويدل على

стр. 2201

ذلك ما رواه الْبُخَارِيّ (١٢٠٨)، ومُسْلِم (١٤٠٦) عَنْ أَنَسِ بن مالك ﵁ قَالَ: «كُنَّا نُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي شِدَّةِ الْحَرِّ فَإِذَا لَمْ يَسْتَطِعْ أَحَدُنَا أَنْ يُمَكِّنَ وَجْهَهُ مِنَ الأَرْضِ بَسَطَ ثَوْبَهُ فَسَجَدَ عَلَيْهِ». ٨ - ويدل الحديث على أنَّ شدة الحر من فيح جهنم لا من الشمس ولا يعني هذا نفي كون الشمس سبب من أسباب الحرارة لكن شدة الحر ليس منها وإنَّما من فيح جهنم. والنبي ﷺ لم يخبر بأنَّ الحر من جهنم حتى ننفي كون الشمس لها تأثير في الحر وإنَّما أخبر أنَّ شدته من فيح جهنم. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. لكن الطبراني في [الْكَبِيْر] (٨٨٩٥) حَدَّثَنَا زَكَرِيَّا بْنُ يَحْيَى السَّاجِيُّ، ثنا هُدْبَةُ بْنُ خَالِدٍ، ثنا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ زِرٍّ، عَنْ عَبْدِ اللهِ قَالَ: «تَطْلُعُ الشَّمْسُ مِنْ جَهَنَّمَ فِي قَرْنِ شَيْطَانٍ، وَبَيْنَ قَرْنِ شَيْطَانٍ، فَمَا تَرْتَفِعُ فِي السَّمَاءِ قَضْمَةً إِلَّا فُتِحَ بَابٌ مِنْ أَبْوَابِ النَّارِ، فَإِذَا اشْتَدَّ الْحَرُّ فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا كُلُّهَا». قُلْتُ: هذا أثر حسن وله حكم الرفع. وابن مسعود لا يعرف عنه الأخذ عن أهل الكتاب. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وفي الحديث أمران غريبان وهما: أنَّ جميع الحر من نار جهنم، وأنَّ الشمس تخرج عند طلوعها من نار جهنم. ٩ - ويفهم من الحديث أنَّ الحر إذا لم يشتد فإنَّ صلاة الظهر تصلى في أول وقتها.

стр. 2202

وقد روى الْبُخَارِيّ (٩٠٦) عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا اشْتَدَّ الْبَرْدُ بَكَّرَ بِالصَّلَاةِ، وَإِذَا اشْتَدَّ الْحَرُّ أَبْرَدَ بِالصَّلَاةِ». ١٠ - وهل مثل الظهر في الإبراد الجمعة في ذلك نزاع بين أهل العلم. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٢/ ١٧٩): «فأمَّا الجمعة فيسن تعجيلها في كل وقت بعد الزوال من غير إبراد؛ لأنَّ سلمة بن الأكوع، قَالَ: "كنا نجمع مع رسول الله ﷺ إذا زالت الشمس". متفق عليه، ولم يبلغنا أنَّه أخرها، بل كان يعجلها، حتى قَالَ سهل بن سعد: ما كنا نقيل ولا نتغدى إلَّا بعد الجمعة. أخرجه الْبُخَارِيّ؛ ولأنَّ السنة التبكير بالسعي إليها، ويجتمع الناس لها، فلو أخرها لتأذى الناس بتأخير الجمعة» اهـ. وقَالَ الحافظ ابن دقيق العيد ﵀ فِي [إحكام الأحكام] ص (١٩٤): «الثالث: اختلف أصحاب الشافعي في الإبراد بالجمعة على وجهين وقد يؤخذ من الحديث الإبراد بها من وجهين: أحدهما: لفظة الصلاة فإنَّها تطلق على الظهر والجمعة. والثاني: التعليل فإنَّه مستمر فيها وقد وجه القول بأنَّه لا يبرد بها لأنَّ التبكير سنة فيها وجواب هذا ما تقدم وبأنَّه قد يحصل التأذي بحر المسجد عند انتظار الإمام» اهـ. وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ فِي [شرح العمدة] (٤/ ٢٠١):

стр. 2203

«وأمَّا الجمعة فالسنة أن تصلى في أول وقتها في جميع الأزمنة لأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كان يصليها في أول الوقت شتاء وصيفاً ولم يؤخرها هو ولا أحد من أصحابه بل ربما كانوا يصلونها قبل الزوال و ذاك لأنَّ الناس يجتمعون لها إذ السنة التبكير إليها ففي تأخيرها إضرار بهم» اهـ. قُلْتُ: ومن ذهب إلى الإبراد بالجمعة احتج بما رواه الْبُخَارِيّ (٩٠٦) عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا اشْتَدَّ الْبَرْدُ بَكَّرَ بِالصَّلَاةِ، وَإِذَا اشْتَدَّ الْحَرُّ أَبْرَدَ بِالصَّلَاةِ يَعْنِي الْجُمُعَةَ». لكن قال الإمام الْبُخَارِيّ ﵀ بعده: قَالَ يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو خَلْدَةَ فَقَالَ بِالصَّلَاةِ وَلَمْ يَذْكُرِ الْجُمُعَةَ. وَقَالَ بِشْرُ بْنُ ثَابِتٍ، حَدَّثَنَا أَبُو خَلْدَةَ قَالَ صَلَّى بِنَا أَمِيرٌ الْجُمُعَةَ ثُمَّ قَالَ لأَنَسٍ، ﵁، كَيْفَ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي الظُّهْرَ اهـ. قُلْتُ: وروى ابن خزيمة في [صَحِيْحِهِ] (١٨٤٢) نا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، ثنا حَرَمِيُّ بْنُ عُمَارَةَ بْنِ أَبِي حَفْصَةَ، حَدَّثَنِي أَبُو خَلْدَةَ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ، وَنَادَاهُ يَزِيدُ الضَّبِّيُّ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فِي زَمَنِ الْحَجَّاجِ، فَقَالَ: يَا أَبَا حَمْزَةَ، قَدْ شَهِدْتَ الصَّلَاةَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَشَهِدْتَ الصَّلَاةَ مَعَنَا، فَكَيْفَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي؟ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا اشْتَدَّ الْبَرْدُ بَكَّرَ بِالصَّلَاةِ، وَإِذَا اشْتَدَّ الْحَرُّ أَبْرَدَ بِالصَّلَاةِ».

стр. 2204

قُلْتُ: إسناده حسن. ورواه البيهقي في [الْكُبْرَى] (٥٦٧٧) أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرٍو الْأَدِيبُ، أنبأ أَبُو بَكْرٍ الْإِسْمَاعِيلِيُّ، أَخْبَرَنِي الْمَنِيعِيُّ، ثنا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، ثنا حِرْمِيُّ بْنُ عُمَارَةَ بْنِ أَبِي حَفْصَةَ، حَدَّثَنِي أَبُو خَلْدَةَ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ، وَنَادَاهُ يَزِيدُ الضَّبِّيُّ يَوْمَ جُمُعَةٍ: يَا أَبَا حَمْزَةَ، قَدْ شَهِدْتَ الصَّلَاةَ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَشَهِدْتَ الصَّلَاةَ مَعَنَا، فَكَيْفَ كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُصَلِّي الْجُمُعَةَ؟ فَقَالَ: «كَانَ إِذَا اشْتَدَّ الْبَرْدُ بَكَّرَ بِالصَّلَاةِ، وَإِذَا اشْتَدَّ الْحَرُّ أَبْرَدَ بِالصَّلَاةِ». قُلْتُ: الذي يظهر لي صوابه هو ما قَالَه العلامة ابن قُدَامَةَ ﵀ وشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وقَالَ الحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ في [فَتْحِ الْبَارِي] (٨/ ١٨٥ - ١٨٩): «وأكثر العلماء على أنَّ الجمعة لا يبرد بها بعد الزوال، بل تعجل في أول الوقت، وللشافعية في ذلك وجهان. وقد كان الصحابة والتابعون مع أولئك الظلمة في جهدٍ جهيدٍ، لا سيما في تأخير الصلاة عن ميقاتها، وكانوا يصلون الجمعة في أخر وقت العصر، فكان أكثر من يجيء إلى الجمعة يصلي الظهر والعصر في بيته، ثم يجيء إلى المسجد تقية لهم، ومنهم من كان إذا ضاق وقت الصلاة وهو في المسجد أومأ بالصلاة خشية القتل. وكانوا يحلفون من دخل المسجد أنَّه ما صلى في بيته قبل أن يجيء.

стр. 2205

قال إبراهيم بن مهاجرٍ: كنت أنا وسعيد بن جبيرٍ وإبراهيم نصلي الظهر، ثم نجلس فنتحدث والحجاج يخطب يوم الجمعة. خرّجه أبو نعيمٍ الفضل بن دكين في "كتاب الصلاة". وخَّرج -أيضاً - بإسناده، عن أبي بكر بن عتبة، قال صليت إلى جنب أبي جحيفة، فتمسى الحجاج بالصلاة، فقام يصلي الجمعة، ثم قام فصلى ركعتين، ثم قال: يا أبا بكر، أشهدك أنَّها الجمعة. وهذا غريبٌ، يدل على أنَّه يصح أن يصلي الرجل الجمعة وحده. وبإسناده: عن الأعمش، عن إبراهيم وخيثمة، أنَّهما كانا يصليان الظهر والعصر، ثم يأتيان الحجاج يوم الجمعة، فيصليان معه. وعن أبي وائل، أنَّه كان يأمرهم أن يصلوا في بيوتهم، ثم يأتوا الحجاج فيصلون معه الجمعة. وعن محمد بن أبي إسماعيل، قال: كنت في مسجد منى، وصحف تقرأ للوليد، فأخروا الصلاة: قال: فنظرت إلى سعيدٍ بن جبير وعطاء يومئان، وهما قاعدان. وقد ذكر أبو زيد عمر بن شبة النميري البصري في "كتاب أدب السلطان" باباً في تأخير الأمراء الصلاة، خَرَّج فيه الأحاديث المرفوعة، والآثار الموقوفة في ذلك، وقد سبق ذكر بعضها في "أبواب: المواقيت".

стр. 2206

وروى فيه بإسناده: أنَّ أبا عبيدة بن عبد الله بن مسعودٍ كان يروح إلى المسجد وقد صلى الظهر والعصر، فيجلس فينتظر، فيقول: ماله قاتله الله؟! يصيح على منبره صياحاً، وقد فاتته العصر، ولم يصل الظهر بعد. وبإسناده: عن عمرو بن هرم، قال: كان أنس بن مالكٍ يصلي الظهر والعصر في بيته، ثم يأتي الحجاج فيصلي معه الجمعة. وبإسناده: عن عبد الله بن أبي زكريا، أنَّه كان يجمع مع الوليد بن عبد الملك ما صلى الوليد في وقت الظهر الجمعة، ويعتد بها جمعةً، فإن أخرها عن وقت الظهر صلى الظهر في آخر وقت الظهر أربعاً إيماءً، ثم صلى الجمعة معه، وجعلها تطوعاً، فإن أخر العصر حتى يخرج وقتها صلاها في آخر وقتها ايماءً. وبإسناده: عن حصينٍ، قال: كان أبو وائل إذا أخر الحجاج الجمعة استقبل القبلة، يومئ ايماءً: يتناعس. وبإسناده: عن جريرٍ، قال: شهدت الجمعة مع ابن هبيرة، فأخر الصلاة إلى قريب من العصر، فرأيت الناس يخرجون، فرأيت أبا حنيفة خَّرج، فكان شيخ يصيح في المسجد: لو كان الحجاج ما خرجوا، وجعل فضيل بن غزوان ويقول: إنَّهم، إنَّهم. وبإسناده: عن ابن سيرين، أنَّه حضر الجمعة، فأخر الأمير الصلاة، فأدمى ظفره، ثم قام فخرج، وأخذته السياط حتى خَرج من المسجد. وعن عطاءٍ بن السائب: قال: رأيت سعيدٍ بن جبير وأبا البختري وأصحابه يومئون يوم الجمعة، والحجاج يخطب، وهم جلوسٌ.

стр. 2207

وعن محمد بن إسماعيل، قال: رأيت سعيد بن جبير وعطاء، وأخر الوليد الجمعة والعصر، فصلاهما جميعاً، قال: فأومئا إيماءً، ثم صليا معه بمنىً. وبإسناده: عن حميدٍ، أن الوليد بن عبد الملك خَّرج بمنىً بعد العصر، فخطب حتى صارت الشمس على رؤس الجبال، فنزل فصلى الظهر، ثم صلى العصر، ثم صلى المغرب. وروى بإسنادٍ له: عن سالم، أنَّه ذكر أنَّ الوليد قدم عليهم المدينة، فما زال يخطب ويقرأ الليث حتى مضى وقت الجمعة، ثم مضى وقت العصر، فقال القاسم بن محمد لسالم: أما قمت فصليت؟ قال: لا. قال: أفما أومأت؟ قال: لا. وقال: خشيت أن يقال: رجل من آل عمر. وروى بإسناده: عن عمارة بن زاذان: حدثني مكحولٌ، قال: خطب الحجاج بمكة، وأنا إلى جنب ابن عمر، يحبس الناس بالصلاة، فرفع ابن عمر رأسه، ونهض، وقال: يا معشر المُسْلِمين، انهضوا إلى صلاتكم، ونهض الناس، ونزل الحجاج، فلما صلى قال: ويحكم، من هذا؟ قالوا: ابن عمر. قال: أما والله لولا أن به لمماً لعاقبته. وروى أبو نعيم في "كتاب الصلاة": ثنا زهير، عن جابر -وهو: الجعفي -، عن نافع، قال: كان ابن عمر يصلي خلف الحجاج، فلما أخرها ترك الصلاة معه.

стр. 2208

وكان الحسن يأمر بالكف عن الإنكار عليهم، ثم غلبه الأمر فأنكر على الحجاج، وكان سبب اختفائه منه حتى مات الحجاج، والحسن متوار عنه بالبصرة. وقد روى أبو الفرج ابن الجوزي في كتاب "مناقب الحسن" بإسناد له، أنَّ الحسن شهد الجمعة مع الحجاج، فرقى الحجاج المنبر، فأطال الخطبة حتى دخل في وقت العصر، فقال الحسن: أما من رجل يقول: الصلاة جامعةٌ؟ فقالَ رجل: يا أبا سعيدٍ، تأمرنا أن نتكلم والإمام يخطب؟ فقال: إنَّما أمرنا أن ننصت لهم فيما أخذوا من أمر ديننا، فإذا أخذوا في أمر دنياهم أخذنا في أمر ديننا، قوموا، فقام الحسن وقام الناس لقيام الحسن، فقطع الحجاج خطبته، ونزل فصلى بهم، فطلب الحجاج الحسن فلم يقدر عليه. وهذا كله مما يدل على اجتماع السلف الصالح على أنَّ تأخير الجمعة إلى دخول وقت العصر حرام لا مساغ له في الإسلام. ولما ولي عمر بن عبد العزيز الخلافة صلى الجمعة في أول وقتها على ما كانت عليه السنة. فروى إسماعيل بن عياش، عن عمرو بن مهاجرٍ، أنَّ عمر بن عبد العزيز كان يصلي الجمعة في أول وقتها حين يفيء الفيء ذراعاً ونحوه، وذلك في الساعة السابعة. وقال ابن عونٍ: كانوا يصلون الجمعة في خلافة عمر بن عبد العزيز والظل هنية» اهـ.

стр. 2209

١١ - وفي الحديث حرص الشرع على الخشوع في الصلاة فإنَّ شدة الحر تمنع من ذلك.

стр. 2210

* * * ١١٠ - عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ نَسِيَ صَلاةً فَلْيُصَلِّهَا إذَا ذَكَرهَا، وَلا كَفَّارَةَ لَهَا إلاَّ ذَلِكَ: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾». وَلِمُسْلِم: «مَنْ نَسِيَ صَلاةً، أَوْ نَامَ عَنْهَا. فَكَفَّارَتُهَا: أَنْ يُصَلِّيَهَا إذَا ذَكَرَهَا». وفي الحديث مسائل منها: ١ - الأمر بقضاء الصلاة المنسية عند ذكرها. ٢ - الأمر بالقضاء يشمل الفريضة والسنة الراتبة. ٣ - واحتج به من قَالَ بقضاء المتروكة عمداً باعتبار أنَّ النسيان يطلق على الترك العمد كقول الله تعالى: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (٤٤)﴾ [الأنعام/ ٤٤]. وقَالَ الله تعالى: ﴿الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا وَمَا كَانُوا بِآَيَاتِنَا يَجْحَدُونَ (٥١)﴾ [الأعراف/ ٥١]. وقَالَ الله تعالى: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (١٦٥)﴾ [الأعراف/ ١٦٥].
следующие страницы →