← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 30178

تحفة السائل في بيان ما في عمدة الأحكام من المسائل

أبو بكر الحمادي

Полный текст (8 095 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

فإنَّ الأحكام العامة للأمة لا بد من بيانها. فلما لم يقع ذلك - وكانت هذه الرؤية من ابن عمر على طريق الاتفاق، وعدم قصد الرسول ﷺ دل ذلك على الخصوص به ﷺ وعدم العموم في حق الأمة وفيه بعد ذلك بحث». قلت: قد استفاد من ذلك ابن عمر جواز التأسي بالنبي ﷺ في ذلك، والأصل هو التأسي بأفعال النبي ﷺ مطلقاً إلَّا ما دل الدليل على الخصوصية. قلت: ليس في هذه الرواية ذكر البنيان لكن قال الحافظ في [الفتح] (١/ ٢٩٩): «ولابن خزيمة "فأشرفت على رسول الله ﷺ وهو على خلائه" وفي رواية له: " فرأيته يقضي حاجته محجوباً عليه بلبن" وللحكيم الترمذي بسند صحيح " فرأيته في كنيف" وهو بفتح الكاف وكسر النون بعدها ياء تحتانية ثم فاء. وانتفى بهذا إيراد من قال ممن يرى الجواز مطلقاً: يحتمل أن يكون رآه في الفضاء وكونه رآه على لبنتين لا يدل على البناء لاحتمال أن يكون جلس عليهما ليرتفع بهما عن الأرض». * * *

стр. 247

قال المؤلف رحمه الله تعالى: ١٤ - عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدْخُلُ الْخَلاءَ، فَأَحْمِلُ أَنَا وَغُلامٌ نَحْوِي إدَاوَةً مِنْ مَاءٍ وَعَنَزَةً، فَيَسْتَنْجِي بِالْمَاءِ». قوله: «يَدْخُلُ الْخَلاءَ». قال الحافظ ابن حجر ﵀ في [فتح الباري] (١/ ٣٠٤): «المراد به هنا الفضاء لقوله في الرواية الأخرى " كان إذا خرج لحاجته " ولقرينة حمل العنزة مع الماء فإنَّ الصلاة إليها إنَّما تكون حيث لا سترة غيرها. وأيضاً فإنَّ الأخلية التي في البيوت كان خدمته فيها متعلقة بأهله» اهـ. قوله: «وَغُلامٌ نَحْوِي»: أي مقارب لي في السن. والغلام من الفطام إلى سبع سنين، وقد يطلق على الكبير. قال الحافظ ابن حجر ﵀ في [الفتح] (٥/ ٣١٤ - ٣١٥): «ظاهر الترجمة مع سياق الآية أنَّ الولد يطلق عليه صبي وطفل إلى أن يبلغ وهو كذلك، وأمَّا ما ذكره بعض أهل اللغة وجزم به غير واحد أن الولد يقال له جنين حتى يوضع، ثم صبي حتى يفطم، ثم غلام إلى سبع، ثم يافع إلى عشر، ثم حَزَوَّر إلى خمس عشرة، ثم قُمُدٌّ إلى خمس وعشرين، ثم عَنَطْنَط إلى ثلاثين، ثم ممل إلى أربعين، ثم كهل إلى خمسين، ثم شيخ إلى ثمانين، ثم هرم إذا زاد فلا يمنع إطلاق شيء من ذلك على غيره مما يقاربه به تجوزاً» اهـ.

стр. 248

وزاد الحافظ ﵀ (٨/ ٨٢٢): «فإذا بلغ تسعين فان». وذكر «صُّمُلُّ» بدل «ممل»، والأول هو المعروف في اللغة، وأمَّا «ممل»، فلا أدري ما وجهها، وأخشى أن تكون مصحفة ولله أعلم. قوله: «وَغُلامٌ نَحْوِي»: من أفراد مسلم ﵀، وعند البخاري بعدة ألفاظ وهي: وغلام معنا، وغلام منا معنا، أنا وغلام. ولم يأت في الرواية تسميته، وقد قيل: إنَّه عبد الله بن مسعود، وهذه الرواية ترده فإنَّ ابن مسعود ليس هو بنحو أنس، وقد وقع هذا الفعل وهو: حمل الطهور للنبي ﷺ من أنس، وابن مسعود، وأبي هريرة، وجابر ﵃ أجمعين، ذكر ذلك الحافظ ابن حجر في [الفتح] (١/ ٣٠٣). قوله: «إدَاوَةً» بكسر الهمزة إناء صغير من جلد. قوله: «مِنْ مَاءٍ» أي: مملوءة من ماء. قوله: «وَعَنَزَةً» العنزة بفتح النون عصا أقصر من الرمح لها سنان، وقيل هي الحربة القصيرة. وقيل: هي عصا طويلة في أسفلها زج. وقال الحافظ ابن رجب ﵀ في [شرح البخاري] (٣/ ٣١٣): «وقد فرق قوم بين العنزة والحربة، فعن الأصمعي قال: العنزة: ما دور نصله، والحربة: العريضة النصل. وأشار بعضهم إلى عكس ذلك» اهـ. قلت: وفي حمل العنزة للنبي ﷺ عدة احتمالات ذكرها الحافظ ابن حجر ﵀ في [فتح الباري] (١/ ٣٠٤) فقال: «يحتمل أن يركزها أمامه ويضع عليها الثوب الساتر، أو يركزها بجنبه لتكون إشارة إلى منع من يروم المرور بقربه، أو تحمل لنبش الأرض الصلبة، أو لمنع ما يعرض من هوام الأرض،

стр. 249

لكونه ﷺ كان يبعد عند قضاء الحاجة، أو تحمل لأنَّه كان إذا استنجى توضأ، وإذا توضأ صلى، وهذا أظهر الأوجه» اهـ. قوله: «فَيَسْتَنْجِي بِالْمَاءِ» قال الحافظ ابن حجر ﵀ في [فتح الباري] (١/ ٣٠٢ - ٣٠٣): «قوله: "يعني يستنجي به" قائل "يعني" هو هشام. وقد رواه المصنف بعد هذا عن سليمان بن حرب فلم يذكرها، لكنه رواه عقبه من طريق محمد بن جعفر عن شعبة فقال: "يستنجي بالماء" والإسماعيلي من طريق ابن مرزوق عن شعبة "فأنطلق أنا وغلام من الأنصار معنا إداوة فيها ماء يستنجي منها النبي ﷺ "، وللمصنف من طريق روح بن القاسم عن عطاء بن أبي ميمونة: "إذا تبرز لحاجته أتيته بماء فيغسل به"، ولمسلم من طريق خالد الحذاء عن عطاء عن أنس: "فخرج علينا وقد استنجى بالماء" وقد بان بهذه الروايات أنَّ حكاية الاستنجاء من قول أنس راوي الحديث، ففيه الرد على الأصيلي حيث تعقب على البخاري استدلاله بهذا الحديث على الاستنجاء بالماء قال: لأنَّ قوله: "يستنجي به" ليس هو من قول أنس إنَّما هو من قول أبي الوليد أي: أحد الرواة عن شعبة، وقد رواه سليمان بن حرب عن شعبة فلم يذكرها، قال: فيحتمل أن يكون الماء لوضوئه انتهى. وقد انتفى هذا الاحتمال بالروايات التي ذكرناها، وكذا فيه الرد على من زعم أنَّ قوله: "يستنجي بالماء" مدرج من قول عطاء الراوي عن أنس فيكون مرسلاً فلا حجة فيه كما حكاه ابن التين عن أبي عبد الملك البوني، فإنَّ رواية خالد

стр. 250

التي ذكرناها تدل على أنَّه قول أنس حيث قال: فخرج علينا. ووقع هنا في نكت البدر الزركشي تصحيف، فإنَّه نسب التعقب المذكور إلى الإسماعيلي وإنَّما هو للأصيلي، وأقره فكأنَّه ارتضاه وليس بمرضي كما أوضحناه. وكذا نسبه الكرماني إلى ابن بطال وأقره عليه، وابن بطال إنَّما أخذه عن الأصيلي» اهـ. وفي هذا الحديث عدة مسائل منها: ١ - فيه حجة على ابن حبيب حيث منع الاستنجاء بالماء لأنَّه مطعوم. ذكر ذلك الحافظ ابن حجر ﵀ في [فتح الباري] (١/ ٣٠٢، ٣٠٤)، ونقل عنه العلامة النووي ﵀ خلاف ذلك فقال في [شرح مسلم] (٣/ ١٥٥): «وقال ابن حبيب المالكي: لا يجزي الحجر إلَّا لمن عدم الماء، وهذا خلاف ما عليه العلماء من السلف والخلف وخلاف ظواهر السنن المتظاهرة. والله أعلم» اهـ. وقد اختلف العلماء في حكم الاستنجاء بالماء على قولين: قال العلامة ابن قدامة ﵀ في [المغني] (١/ ١٩٣): «وحكي عن سعد بن أبي وقاص، وابن الزبير أنَّهما أنكرا الاستنجاء بالماء. وقال سعيد بن المسيب: وهل يفعل ذلك إلَّا النساء، وقال عطاء: غسل الدبر محدث. وكان الحسن لا يستنجي بالماء. وروي عن حذيفة القولان جميعاً. وكان ابن عمر لا يستنجي بالماء ثم فعله، وقال لنافع: جربناه فوجدناه صالحاً. وهو مذهب رافع بن خديج وهو الصحيح؛ لما روى أنس، قال: "كان النبي ﷺ يدخل الخلاء فأحمل أنا وغلام نحوي إداوة من ماء وعنزة، فيستنجي بالماء". متفق عليه» اهـ. قلت: أثر ابن عمر رواه ابن المنذر في [الأوسط] (٣٠٥) حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: بَلَغَ ابْنَ عُمَرُ أَنَّ مُعَاوِيَةَ يَغْسِلُ عَنْهُ أَثَرَ الْغَائِطِ وَالْبَوْلِ، فَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَعْجَبُ مِنْهُ، ثُمَّ غَسَلَهُ بَعْدُ، فَقَالَ: «يَا نَافِعُ، جَرَّبْنَاهُ فَوَجَدْنَاهُ صَالِحًا».

стр. 251

قلت: هذا أثر حسن من أجل إِسْحَاقُ وهو ابْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّبَرِىُّ. وقال العلامة النووي ﵀ في [شرح مسلم] (٣/ ١٥٥): «وفيها: جواز الاستنجاء بالماء واستحبابه ورجحانه على الاقتصار على الحجر، وقد اختلف الناس في هذه المسألة فالذي عليه الجماهير من السلف والخلف وأجمع عليه أهل الفتوى من أئمة الأمصار: أنَّ الأفضل أن يجمع بين الماء والحجر فيستعمل الحجر أولاً لتخف النجاسة وتقل مباشرتها بيده، ثم يستعمل الماء، فإن أراد الاقتصار على أحدهما جاز الاقتصار على أيهما شاء سواء وجد الآخر أو لم يجده، فيجوز الاقتصار على الحجر مع وجود الماء، ويجوز عكسه، فإن اقتصر على أحدهما فالماء أفضل من الحجر لأنَّ الماء يطهر المحل طهارة حقيقة، وأمَّا الحجر فلا يطهره وإنَّما يخفف النجاسة ويبيح الصلاة مع النجاسة المعفو عنها. وبعض السلف ذهبوا إلى أنَّ الأفضل هو الحجر، وربما أوهم كلام بعضهم أنَّ الماء لا يجزي، وقال ابن

стр. 252

حبيب المالكي: لا يجزي الحجر إلَّا لمن عدم الماء، وهذا خلاف ما عليه العلماء من السلف والخلف وخلاف ظواهر السنن المتظاهرة. والله أعلم» اهـ. قلت: وممن نقل إجماع العلماء على استحباب الجمع بين الماء والحجارة في الاستنجاء العيني ﵀ قال صاحب [تحفة الأحوذي] (١/ ٢٥): «قال العيني: مذهب جمهور السلف والخلف والذي أجمع عليه أهل الفتوى من أهل الأمصار أنَّ الأفضل أن يجمع بين الماء والحجر» اهـ. قلت: بوب البخاري في [صحيحه]: «باب الاستنجاء بالماء». وقال الحافظ ابن حجر ﵀ في [الفتح] (١/ ٣٠٢): «أراد بهذه الترجمة الرد على من كرهه، وعلى من نفى وقوعه من النبي ﷺ وقد روى ابن أبي شيبة بأسانيد صحيحة عن حذيفة بن اليمان ﵁ أنَّه سئل عن الاستنجاء بالماء فقال: إذاً لا يزال في يدي نتن. وعن نافع أنَّ ابن عمر كان لا يستنجي بالماء. وعن ابن الزبير قال: ما كنا نفعله. ونقل ابن التين عن مالك أنَّه أنكر أن يكون النبي ﷺ استنجى بالماء. وعن ابن حبيب من المالكية أنَّه منع الاستنجاء بالماء لأنَّه مطعوم» اهـ. ٢ - وفيه جواز استخدام الأحرار. ٣ - وفيه خدمة المتعلم للعالم. ٤ - وفيه أنَّ الاستنجاء بالماء أفضل من الحجارة، وذلك لتكلف حمله للنبي ﷺ ، ولولا أنَّه أفضل من الحجارة لما تكلفوا حمل الماء مع النبي

стр. 253

ﷺ عند ذهابه لقضاء حاجته، ولأنَّ الماء يزيل العين والأثر، وأمَّا الحجارة فإنَّما تزيل العين دون الأثر. ٥ - واستدل به بعضهم على استحباب التوضؤ من الأواني دون الأنهار والبرك. وقال العلامة النووي ﵀ في [شرح مسلم] (٣/ ١٥٥): «وقد استدل بعض العلماء بهذه الأحاديث على أنَّ المستحب أن يتوضأ من الأواني دون المشارع والبرك ونحوها، إذ لم ينقل ذلك عن النبي ﷺ ، وهذا الذي قاله غير مقبول، ولم يوافق عليه أحد فيما نعلم. قال القاضي عياض: هذا الذي قاله هذا القائل لا أصل له، ولم ينقل أنَّ النبي ﷺ وجدها فعدل عنها إلى الأواني. والله أعلم» اهـ. وقال الحافظ ابن حجر ﵀ في [فتح الباري] (١/ ٣٠٤) «ولا يستقيم إلَّا لو كان النبي ﷺ وجد الأنهار والبرك فعدل عنها إلى الأواني». ٦ - واستدل به على استحباب ألَّا تقل السترة عن مقدار الرمح طولاً، وعرضاً. قال الحافظ ابن رجب ﵀ في [شرح البخاري] (٣/ ٣١٣ - ٣١٤): «وصلاته ﷺ إلى العنزة والحربة يستفاد منه: أنَّ السترة يستحب أن يكون عرضها كعرض الرمح ونحوه، وطولها ذراع فما فوقه. قال ابن المنذر: جاء الحديث عن النبي ﷺ قال: "إذا وضع أحدكم بين يديه مثل مؤخرة الرحل فليصل، ولا يبالي من مر وراء ذلك".

стр. 254

وقال أنس وأبو هريرة بذلك في الطول. وقال الأوزاعي: يجزئ السهم والسوط والسيف. وقال عطاء: قدر مؤخرة الرحل يكون حالقها على وجه الأرض ذراعاً. وبه قال الثوري وأصحاب الرأي. وقال مالك والشافعي: قدر عظم الذراع فصاعداً. وقال قتادة: ذراعاً وشبراً. وقال الأوزاعي: يستر المصلي مثل مؤخرة الرحل، وبه قال الثوري. انتهى. وسئل أبو العالية عن السترة؟ فقال: طول الرحل، والعرض ما عرض أحب إلي. وقال ابن عبد البر: قال مالك: أقل ما يجزئ المصلي في السترة غلظ الرمح، وكذلك السوط إن كان قائماً، وارتفاعها: قدر عظم الذراع، هذا أقل ما يجزئ عنده، ولا تفسد عنده صلاة من صلى إلى غير سترة، وإن كان ذلك مكروها له. وقول الشافعي في ذلك كقول مالك. وقال الثوري وأبو حنيفة: أقل السترة: قدر مؤخرة الرحل، ويكون ارتفاعها على ظهر الأرض ذراعاً، وهو قول عطاء. وقال قتادة: ذراع وشبر. وقال الأوزاعي: قدر مؤخرة الرحل، ولم يحد ذراعاً، ولا عظم ذراع، ولا غير ذلك، وقال: يجزئ السهم والسوط والسيف - يعني في الغلظ. انتهى.

стр. 255

وفي "تهذيب المدونة" للبرادعي المالكي: ويستره قدر مؤخرة الرحل، وهو نحو من عظم الذراع. قال مالك: وإني لأحب أن يكون في جلة الرمح أو الحربة، وليس السوط بسترة. انتهى. وأمَّا مذهب الشافعي وأصحابه، فيستحب عندهم أن يكون ارتفاع السترة قدر مؤخرة الرحل، واختلفوا في تقديرها، فالمشهور عندهم: إنَّها نحو ثلثي ذراع فصاعداً. وقيل: ذراع، وأمَّا عرضها فلا حد له عندهم، بل يكفي الغليظ والدقيق. وأمَّا مذهب أحمد وأصحابه، فنص أحمد على أن السترة قدر مؤخرة الرحل، وأن مؤخرة الرحل ذراع: نقله عنه أكثر أصحابه. ونقل ابن قاسم، عنه في قدر ما يستر المصلي، قال: قدر عظم الذراع من الأشياء، وهو كمؤخرة الرحل. وهذا مثل قول من قدره بنحو ثلثي ذراع؛ لأنَّ ذلك هو طول عظم ذراع الإنسان. وأمَّا عرضها فلا حد له عند أصحابنا، إلاَّ أنَّه كلما غلظ كان أولى. وقال إسحاق: قدر مؤخرة الرحل ذراع. وقد خرج البخاري حديث الصلاة إلى مؤخرة الرحل من حديث ابن عمر، وسيأتي قريباً- إن شاء الله-.

стр. 256

وخرج مسلم من حديث سماك، عن موسى ابن طلحة، عن أبيه طلحة بن عبيد الله، عن النبي ﷺ ، قال: "إذا وضع أحدكم بين يديه مثل مؤخرة الرحل فليصل، ولا يبالي بمن مر وراء ذلك". قال علي بن المديني: إسناده حسن. وخرج مسلم -أيضاً- من حديث أبي الأسود، عن عروة، عن عائشة، أن النبي ﷺ سئل في غزوة تبوك عن سترة المصلى؟ فقال: "كمؤخرة الرحل". ومن حديث عبد الله بن الصامت، عن أبي ذر، عن النبي ﷺ ، قال: "إذا قام أحدكم يصلي فإنه يستره إذا كان بين يديه مثل آخرة الرحل". وخرج الإمام أحمد من رواية عبد الملك بن الربيع بن سبرة، عن أبيه، عن جده، قال: قال رسول الله ﷺ : "يستر الرجل في صلاته السهم، وإذا صلى أحدكم فليستتر بسهم". وفي رواية له - أيضاً - بهذا الإسناد: "ليستتر أحدكم في صلاته، ولو بسهم". وخرجه الحاكم، وقال: صحيح على شرط مسلم. وخرج الحاكم - أيضاً - من حديث أبي هريرة، عن النبي ﷺ ، قال: "يجزئ من السترة مؤخرة الرحل، ولو بدقة شعرة".

стр. 257

وزعم أنَّه صحيح على شرطهما، وليس كذلك؛ فإنَّ هذا تفرد برفعة محمد بن القاسم الأسدي، عن ثور بن يزيد، عن يزيد بن يزيد بن جابر، عن مكحول، عن يزيد بن جابر، عن أبي هريرة. والأسدي، ضعيف جداً. قال الدارقطني: غيره لا يرفعه - يعني: أنَّه يقفه على أبي هريرة. وسئل ابن معين عن حديث أبي هريرة الموقوف. فقال: هو مستقيم الإسناد. وروى مسعر، عن الوليد بن أبي مالك، عن أبي عبيد الله، عن أبي هريرة: يجزئ المصلي مثل مؤخرة الرحل في مثل جلة السوط. كذا رواه الحفاظ عن مسعر، وهو المحفوظ -: قال الدار قطني وغيره» اهـ. قلت: حديث أبي هريرة الذي ذكره الحافظ رواه الحاكم في [مستدركه] (٩٢٤) حَدَّثَنِي أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ الْمَنْصُورِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الْحَافِظُ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْقَاسِمِ الأَسَدِيُّ، حَدَّثَنَا ثَوْرُ بْنُ يَزِيدَ، عَنْ يَزِيدَ بْنَ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ، عَنْ مَكْحُولٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنَ حَارِثَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «يُجْزِئُ مِنَ السُّتْرَةِ مِثْلُ مُؤْخِرَةِ الرَّحْلِ، وَلَوْ بِدَقَّةِ شَعْرَةٍ». هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه مفسراً بذكر دقة الشعر اهـ.

стр. 258

٧ - وفي الاستنجاء بالماء جواز مباشرة اليد للنجاسة عند الحاجة، وما جاز ملامسته جاز التداوي بالتلطخ به عند الحاجة كالتلطخ بشحم الخنزير ثم غسله بعد ذلك. وقد جاء في [مجموع الفتاوى لابن تيمية] (٢٤/ ٢٧٠): «وَسُئِلَ ﵀: عَنْ رَجُلٍ وُصِفَ لَهُ شَحْمُ الْخِنْزِيرِ لِمَرَضٍ بِهِ: هَلْ يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ؟ أَمْ لَا؟. فَأَجَابَ: وَأَمَّا التَّدَاوِي بِأَكْلِ شَحْمِ الْخِنْزِيرِ فَلَا يَجُوزُ. وَأَمَّا التَّدَاوِي بِالتَّلَطُّخِ بِهِ ثُمَّ يَغْسِلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ فَهَذَا يَنْبَنِي عَلَى جَوَازِ مُبَاشَرَةِ النَّجَاسَةِ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ، وَفِيهِ نِزَاعٌ مَشْهُورٌ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْحَاجَةِ. كَمَا يَجُوزُ اسْتِنْجَاءُ الرَّجُلِ بِيَدِهِ وَإِزَالَةُ النَّجَاسَةِ بِيَدِهِ. وَمَا أُبِيحَ لِلْحَاجَةِ جَازَ التَّدَاوِي بِهِ. كَمَا يَجُوزُ التَّدَاوِي بِلُبْسِ الْحَرِيرِ عَلَى أَصَحِّ الْقَوْلَيْنِ وَمَا أُبِيحَ لِلضَّرُورَةِ كَالْمَطَاعِمِ الْخَبِيثَةِ فَلَا يَجُوزُ التَّدَاوِي بِهَا. كَمَا لَا يَجُوزُ التَّدَاوِي بِشُرْبِ الْخَمْرِ لَا سِيَّمَا عَلَى قَوْلِ مَنْ يَقُولُ: إنَّهُمْ كَانُوا يَنْتَفِعُونَ بِشُحُومِ الْمَيْتَةِ فِي طَلْيِ السُّفُنِ وَدَهْنِ الْجُلُودِ وَالِاسْتِصْبَاحِ بِهِ وَأَقَرَّهُمْ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى ذَلِكَ. وَإِنَّمَا نَهَاهُمْ عَنْ ثَمَنِهِ. وَلِهَذَا رَخَّصَ مَنْ لَمْ يَقُلْ بِطَهَارَةِ جُلُودِ الْمَيْتَةِ بِالدِّبَاغِ فِي الِانْتِفَاعِ بِهَا فِي الْيَابِسَاتِ فِي أَصَحِّ الْقَوْلَيْنِ وَفِي الْمَائِعَاتِ الَّتِي لَا تُنَجِّسُهَا» اهـ. * * *

стр. 259

قال المؤلف رحمه الله تعالى: ١٥ - عَنْ أَبِي قَتَادَةَ الْحَارِثِ بْنِ رِبْعِيٍّ الأَنْصَارِيِّ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لا يُمْسِكَنَّ أَحَدُكُمْ ذَكَرَهُ بِيَمِينِهِ وَهُوَ يَبُولُ وَلا يَتَمَسَّحْ مِنْ الْخَلاءِ بِيَمِينِهِ وَلا يَتَنَفَّسْ فِي الإِنَاءِ». قوله: «وَلا يَتَمَسَّحْ»: أي لا يستنجي بيمينه. وفي الحديث عدة مسائل منها: ١ - قال الحافظ ابن دقيق العيد في [شرح العمدة] (١/ ٨٦ - ٨٧): «الحديث يقتضي النهي عن مس الذكر باليمين في حالة البول ووردت رواية أخرى في النهي عن مسه باليمين مطلقاً، من غير تقييد بحالة البول فمن الناس من أخذ بهذا العام المطلق، وقد يسبق إلى الفهم: أنَّ المطلق يحمل على المقيد، فيختص النهي بهذه الحالة وفيه بحث؛ لأنَّ هذا الذي يقال يتجه في باب الأمر والإثبات فإنَّا لو جعلنا الحكم للمطلق، أو العام في صورة الإطلاق، أو العموم مثلاً: كان فيه إخلال باللفظ الدال على المقيد وقد تناوله لفظ الأمر وذلك غير جائز. وأمَّا في باب النهي: فإنَّا إذا جعلنا الحكم للمقيد أخللنا بمقتضى اللفظ المطلق، مع تناول النهي له وذلك غير سائغ هذا كله بعد مراعاة أمر من صناعة الحديث وهو أن ينظر في الروايتين: هل هما حديث واحد، أو حديثان؟ وذلك أيضاً، بعد النظر في دلائل المفهوم، وما يعمل به منه، وما لا يعمل به، وبعد أن تنظر في تقديم المفهوم على ظاهر العموم - أعني رواية الإطلاق والتقييد - فإن كانا حديثاً

стр. 260

واحداً مخرجه واحد، اختلف عليه الرواة: فينبغي حمل المطلق على المقيد لأنَّها تكون زيادة من عدل في حديث واحد، فتقبل وهذا الحديث المذكور راجع إلى رواية يحيى بن أبي كثير عن عبد الله بن قتادة عن أبيه» اهـ. قلت: مخرج الحديث واحد كما ذكر ﵀ فهو بلفظيه راجع إلى طريق يحيى بن أبي كثير عن عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه. وقد اختلف فيه على يحيى ابن أبي كثير فرواه عنه بالتقييد: أبان العطار، والأوزاعي، وحجاج بن أبي عثمان، وشيبان بن عبد الرحمن التميمي، وأبو عثمان الصواف. ورواه عنه بالإطلاق أيوب، وهشام الدستوائي. قال السيوطي في [حاشيته على سنن النسائي] (١/ ٤٢): «وقد قال القاضي أبو الطيب: لا خلاف في حمل المطلق على المقيد عند اتحاد الواقعة» اهـ. ٢ - الحديث يدل على تحريم الاستنجاء باليمين إذا كانت اليد هي المباشرة للنجاسة من غير حائل أو كان بحائل كالحجر ونحوه، وقد ذهب إلى تحريم ذلك أهل الظاهر، وذهب جمهور أهل العلم إلى أنَّه للتنزيه. وقال بعض أصحاب الشافعي، وأهل الظاهر: لا يجزئه الاستنجاء بيمينه لمطابقة النهي، والنهي يقتضي الفساد. قلت: الذي يظهر لي أنَّ النهي لا يقتضي الفساد في هذه المسألة لأنَّها من باب التروك، والغرض من النجاسة إزالتها فإن أزالها على الوجه الشرعي أجر، وإن أزالها على غير الوجه الشرعي أثم، وصحت الإزالة. والله أعلم.

стр. 261

والذي يظهر لي أنَّ استعمال المرشَّات المائية باليد اليمنى لإزالة النجاسة لا يدخل في النهي لعدم مباشرة اليد للنجاسة، ولا تشبه مباشرة اليد للنجاسة بحائل كالحجر وذلك أنَّ المرش لا يلامس النجاسة بعكس الحجر، وهو أشبه ما يكون بصب الماء باليد اليمنى عند الاستنجاء وهو مشروع لا محذور فيه. وقد استشكل النهي عن مس الذكر بيمينه وعن الاستنجاء بها بأنَّه متعذر لأنَّه إن أمسك ذكره بيساره استنجى بيمينه وإن استنجى بيساره أمسك ذكره بيمينه فيقع في أمر منهي عنه على كلا الحالين. وهذا الإشكال وارد في الاستجمار بالحجارة دون الاستنجاء بالماء. قال الحافظ ابن حجر ﵀ في [فتح الباري] (١/ ٣٠٥ - ٣٠٦): «وقد أثار الخطابي هنا بحثاً وبالغ في التبجح به، وحكى عن أبي علي بن أبي هريرة أنَّه ناظر رجلاً من الفقهاء الخراسانيين فسأله عن هذه المسألة فأعياه جوابها، ثم أجاب الخطابي عنه بجواب فيه نظر، ومحصل الإيراد أنَّ المستجمر متى استجمر بيساره استلزم مس ذكره بيمينه، ومتى أمسكه بيساره استلزم استجماره بيمينه وكلاهما قد شمله النهي، ومحصل الجواب أنَّه يقصد الأشياء الضخمة التي لا تزول بالحركة كالجدار ونحوه من الأشياء البارزة فيستجمر بها بيساره، فإن لم يجد فليلصق مقعدته بالأرض ويمسك ما يستجمر به بين عقبيه أو إبهامي رجليه ويستجمر بيساره فلا يكون متصرفاً في شيء من ذلك بيمينه انتهى. وهذه هيئة منكرة بل يتعذر فعلها في غالب الأوقات، وقد تعقبه الطيبي بأنَّ النهي عن الاستجمار باليمين مختص بالدبر، والنهي عن المس مختص بالذكر فبطل

стр. 262

الإيراد من أصله، كذا قال. وما ادعاه من تخصيص الاستنجاء بالدبر مردود، والمس وإن كان مختصاً بالذكر لكن يلحق به الدبر قياساً، والتنصيص على الذكر لا مفهوم له بل فرج المرأة كذلك، وإنَّما خص الذكر بالذكر لكون الرجال في الغالب هم المخاطبون والنساء شقائق الرجال في الأحكام إلَّا ما خص. والصواب في الصورة التي أوردها الخطابي ما قاله إمام الحرمين، ومن بعده كالغزالي في الوسيط، والبغوي في التهذيب أنَّه يمر العضو بيساره على شيء يمسكه بيمينه وهي قارة غير متحركة فلا يعد مستجمراً باليمين ولا ماساً بها، ومن ادعى أنَّه في هذه الحالة يكون مستجمراً بيمينه فقد غلط، وإنَّما هو كمن صب بيمينه الماء على يساره حال الاستنجاء» اهـ. قلت: ويمكنه إذا كان الحجر صغيراً أن يضعه بين أصابعه ويمسح به، فيكون مس الذكر ومسحه بيده اليسار. على أنَّ الحديث وارد في النهي عن مسه حال البول غير أنَّ العلماء أدخلوا في النهي مس الذكر عند الاستنجاء والجامع بينهما هو خشية التلوث بالبول، أو تكريم اليمين. ٣ - احتج بعضهم بالنهي عن مس الذكر باليمين حال البول على النهي عن ذكر الله في ذلك الموطن فقال: فإذا نزهت اليمنى عن ذلك فذكر الله أعظم. قلت: ويدل على هذه المسألة ما رواه البخاري (٣٣٧) عن أَبِي الْجُهَيْمِ الأنصاري قال: «أَقْبَلَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ نَحْوِ بِئْرِ جَمَلٍ فَلَقِيَهُ رَجُلٌ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ حَتَّى أَقْبَلَ عَلَى الْجِدَارِ فَمَسَحَ بِوَجْهِهِ وَيَدَيْهِ ثُمَّ رَدَّ عَلَيْهِ¬ السَّلَامَ».

стр. 263

وهو عند مسلم (٨٢٠) معلقاً. وروى أحمد (١٩٠٥٦)، وأبو داود (١٧) من طريق سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ حُضَيْنِ بْنِ الْمُنْذِرِ أَبِي سَاسَانَ، عَنِ الْمُهَاجِرِ بْنِ قُنْفُذٍ: أَنَّهُ أَتَى النَّبِيَّ ﷺ وَهُوَ يَبُولُ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ حَتَّى تَوَضَّأَ، ثُمَّ اعْتَذَرَ إِلَيْهِ فَقَالَ: «إِنِّي كَرِهْتُ أَنْ أَذْكُرَ اللَّهَ إِلاَّ عَلَى طُهْرٍ» أَوْ قَالَ: «عَلَى طَهَارَةٍ». قلت: هذا حديث صحيح. ٤ - قال الحافظ ابن حجر ﵀ في [فتح الباري] (١/ ٣٠٧): «واستنبط منه بعضهم منع الاستنجاء باليد التي فيها الخاتم المنقوش فيه اسم الله تعالى لكون النهي عن ذلك لتشريف اليمين فيكون ذلك من باب الأولى، وما وقع في "العتبية" عن مالك من عدم الكراهة قد أنكره حذاق أصحابه» اهـ. ٥ - قال العلامة النووي ﵀ في [شرح مسلم] (٣/ ١٥١): «قوله ﷺ : "وَلا يَتَنَفَّسْ فِي الإِنَاءِ" معناه: لا يتنفس في نفس الإناء، وأمَّا التنفس ثلاثاً خارج الإناء فسنة معروفة، قال العلماء: والنهي عن التنفس في الإناء هو من طريق الأدب؛ مخافة من تقذيره ونتنه وسقوط شيء من الفم والأنف فيه ونحو ذلك. والله أعلم» اهـ. وقال الأمير الصنعاني ﵀ في [سبل السلام] (١/ ٢٤٤): «والنهي عن التنفس في الإناء لئلا يقذره على غيره، أو يسقط من فمه أو أنفه ما يفسده على الغير، وظاهره أنَّه للتحريم، وحمله الجماهير على الأدب» اهـ. قلت: ونقل عن الظاهرية أنَّه للتحريم.

стр. 264

فإن قيل: قد روى البخاري (٥٦٣١)، ومسلم (٢٠٢٨) عَنْ أَنَسٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَتَنَفَّسُ فِي الْإِنَاءِ ثَلَاثًا». هذا لفظ مسلم. ولفظ البخاري عن ثُمَامَةَ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: «كَانَ أَنَسٌ يَتَنَفَّسُ فِي الإِنَاءِ مَرَّتَيْنِ، أَوْ ثَلَاثًا وَزَعَمَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَتَنَفَّسُ ثَلَاثًا». وفي لفظ لمسلم (٢٠٢٨) عَنْ أَنَسٍ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَتَنَفَّسُ فِي الشَّرَابِ ثَلَاثًا وَيَقُولُ: "إِنَّهُ أَرْوَى وَأَبْرَأُ وَأَمْرَأُ"». والجواب: أنَّ المراد بذلك التنفس في شربه، وليس التنفس داخل الإناء. قال العلامة ابن القيم ﵀ في [زاد المعاد] (٤/ ٢١٦): «فَإِنْ قِيلَ: فَمَا تَصْنَعُونَ بِمَا فِي " الصَّحِيحَيْنِ " مِنْ حَدِيثِ أنس، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ "كَانَ يَتَنَفَّسُ فِي الْإِنَاءِ ثَلَاثًا"؟ قِيلَ: نُقَابِلُهُ بِالْقَبُولِ وَالتَّسْلِيمِ، وَلَا مُعَارَضَةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْأَوَّلِ، فَإِنَّ مَعْنَاهُ أَنَّهُ كَانَ يَتَنَفَّسُ فِي شُرْبِهِ ثَلَاثًا، وَذَكَرَ الْإِنَاءَ لِأَنَّهُ آلَةُ الشُّرْبِ، وَهَذَا كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: "أَنَّ إبراهيم ابن رسول الله ﷺ مَاتَ فِي الثَّدْيِ، أَيْ فِي مُدَّةِ الرَّضَاعِ"» اهـ. * * *

стр. 265

قال المؤلف رحمه الله تعالى: ١٦ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: «مَرَّ النَّبِيُّ ﷺ بِقَبْرَيْنِ، فَقَالَ: "إنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ، وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ أَمَّا أَحَدُهُمَا: فَكَانَ لا يَسْتَتِرُ مِنْ الْبَوْلِ، وَأَمَّا الآخَرُ: فَكَانَ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ" فَأَخَذَ جَرِيدَةً رَطْبَةً، فَشَقَّهَا نِصْفَيْنِ، فَغَرَزَ فِي كُلِّ قَبْرٍ وَاحِدَةً، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لِمَ فَعَلْتَ هَذَا؟ قَالَ: "لَعَلَّهُ يُخَفَّفُ عَنْهُمَا مَا لَمْ يَيْبَسَا"». قوله: «فَكَانَ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ» النميمة حقيقتها: نقل كلام الناس بعضهم إلى بعض على جهة الإفساد. وأمَّا إذا كانت على جهة النصيحة فليست بنميمة. قال العلامة النووي ﵀ في [شرح مسلم] (١/ ٢١٤): «وَكُلّ هَذَا الْمَذْكُور فِي النَّمِيمَة إِذَا لَمْ يَكُنْ فِيهَا مَصْلَحَة شَرْعِيَّة فَإِنْ دَعَتْ حَاجَةٌ إِلَيْهَا فَلَا مَنْع مِنْهَا؛ وَذَلِكَ كَمَا إِذَا أَخْبَرَهُ بِأَنَّ إِنْسَانًا يُرِيد الْفَتْك بِهِ، أَوْ بِأَهْلِهِ، أَوْ بِمَالِهِ، أَوْ أَخْبَرَ الْإِمَام، أَوْ مَنْ لَهُ وِلَايَةٌ بِأَنَّ إِنْسَانًا يَفْعَل كَذَا، وَيَسْعَى بِمَا فِيهِ مَفْسَدَة. وَيَجِب عَلَى صَاحِب الْوِلَايَةِ الْكَشْف عَنْ ذَلِكَ وَإِزَالَته. فَكُلّ هَذَا وَمَا أَشْبَهَ لَيْسَ بِحَرَامٍ، وَقَدْ يَكُون بَعْضه وَاجِبًا، وَبَعْضه مُسْتَحَبًّا عَلَى حَسَب الْمَوَاطِن. وَاَللَّه أَعْلَم» اهـ. قوله: «جَرِيدَةً رَطْبَةً» الجريد أغصان النخل إذا جرد عنها أي زال منها الخوص أي ورقها. وفي هذا الحديث عدة مسائل وهي:

стр. 266

١ - أنَّ عدم الاستتار من البول، والنميمة من كبائر الذنوب، وقد جاء في رواية للبخاري (٢١٦، ١٣٧٨): «وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ». ثُمَّ قَالَ: «بَلَى»، وفي رواية أخرى للبخاري (٦٠٥٥): «وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ، وَإِنَّهُ لَكَبِيرٌ». قال الحافظ ابن حجر ﵀ في [فتح الباري] (١/ ٣٧٩): «وقد اختلف في معنى قوله: "وإنَّه لكبير" فقال أبو عبد الملك البوني: يحتمل أنَّه ﷺ ظنَّ أنَّ ذلك غير كبير، فأوحي إليه في الحال بأنَّه كبير، فاستدرك. وتعقب بأنَّه يستلزم أن يكون نسخاً والنسخ لا يدخل الخبر. وأجيب بأنَّ الحكم بالخبر يجوز نسخه فقوله: "وما يعذبان في كبير" إخبار بالحكم، فإذا أوحي إليه أنَّه كبير فأخبر به كان نسخاً لذلك الحكم. وقيل: يحتمل أنَّ الضمير في قوله: "وإنَّه" يعود على العذاب، لما ورد في صحيح ابن حبان من حديث أبي هريرة: "يعذبان عذاباً شديداً في ذنب هين"، وقيل الضمير يعود على أحد الذنبين وهو النميمة لأنَّها من الكبائر بخلاف كشف العورة، وهذا مع ضعفه غير مستقيم لأنَّ الاستتار المنفي ليس المراد به كشف العورة فقط كما سيأتي. وقال الداودي وابن العربي: "كبير" المنفي بمعنى أكبر، والمثبت واحد الكبائر، أي: ليس ذلك بأكبر الكبائر كالقتل مثلاً، وإن كان كبيراً في الجملة. وقيل: المعنى ليس بكبير في الصورة لأنَّ تعاطي ذلك يدل على الدناءة والحقارة، وهو كبير الذنب. وقيل ليس بكبير في اعتقادهما، أو في اعتقاد المخاطبين وهو عند الله كبير كقوله تعالى: ﴿وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ (١٥)﴾ [النور: ١٥]، وقيل ليس بكبير في مشقة الاحتراز، أي: كان لا يشق عليهما

стр. 267

الاحتراز من ذلك. وهذا الأخير جزم به البغوي وغيره ورجحه ابن دقيق العيد وجماعة، وقيل ليس بكبير بمجرده وإنَّما صار كبيراً بالمواظبة عليه، ويرشد إلى ذلك السياق فإنه وصف كلا منهما بما يدل على تجدد ذلك منه واستمراره عليه للإتيان بصيغة المضارعة بعد حرف كان. والله أعلم» اهـ. قلت: الحديث الذي عزاه الحافظ لابن حبان رواه (٨٢٥) فقال أَخْبَرَنَا أَبُو عَرُوبَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ وَهْبِ بْنِ أَبِي كَرِيمَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحِيمِ، قَالَ: حَدَّثَنِي زَيْدُ بْنُ أَبِي أُنَيْسَةَ، عَنِ الْمِنْهَالِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: «كُنَّا نَمْشِي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَمَرَرْنَا عَلَى قَبْرَيْنِ، فَقَامَ، فَقُمْنَا مَعَهُ، فَجَعَلَ لَوْنُهُ يَتَغَيَّرُ حَتَّى رَعَدَ كُمُّ قَمِيصِهِ، فَقُلْنَا: مَا لَكَ يَا نَبِيَّ اللَّهِ؟، قَالَ: " مَا تَسْمَعُونَ مَا أَسْمَعُ؟ " قُلْنَا: وَمَا ذَاكَ يَا نَبِيَّ اللَّهِ؟، قَالَ: " هَذَانِ رَجُلَانِ يُعَذَّبَانِ فِي قُبُورِهِمَا عَذَابًا شَدِيدًا فِي ذَنْبٍ هَيِّنٍ "، قُلْنَا: مِمَّ ذَلِكَ يَا نَبِيَّ اللَّهِ؟، قَالَ: " كَانَ أَحَدُهُمَا لَا يَسْتَنْزِهُ مِنَ الْبَوْلِ، وَكَانَ الْآخَرُ يُؤْذِي النَّاسَ بِلِسَانِهِ، وَيَمْشِي بَيْنَهُمْ بِالنَّمِيمَةِ " فَدَعَا بِجَرِيدَتَيْنِ مِنْ جَرَائِدِ النَّخْلِ، فَجَعَلَ فِي كُلِّ قَبْرٍ وَاحِدَةً. قُلْنَا: وَهَلْ يَنْفَعُهُمَا ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟، قَالَ: " نَعَمْ، يُخَفِّفُ عَنْهُمَا مَا دَامَا رَطْبَتَيْنِ "». قلت: هذا حديث حسن، ويستغنى به في تفسير حديث الباب. والله أعلم. وقوله في هذا الحديث: «فِي ذَنْبٍ هَيِّنٍ» يحتمل أن يراد به هين الاجتناب، أو أنَّه من صغائر الذنوب، والأول أظهر عندي لقيد العذاب الشديد، والله أعلم.

стр. 268

٢ - قوله: «فَكَانَ لا يَسْتَتِرُ مِنْ الْبَوْلِ» يعنى: أنَّه كان لا يستر جسده ولا ثيابه من مماسة البول. قال الحافظ ابن دقيق العيد ﵀ في [شرح العمدة] (١/ ٩٠ - ٩١): «هذه اللفظة - أعني " يستتر" - قد اختلفت فيها الرواية على وجوه، وهذه اللفظة تحتمل وجهين: أحدهما: الحمل على حقيقتها من الاستتار عن الأعين، ويكون العذاب على كشف العورة. والثاني: وهو الأقرب -: أن يحمل على المجاز ويكون المراد بالاستتار: التنزه عن البول والتوقي منه، إمَّا بعدم ملابسته، أو بالاحتراز عن مفسدة تتعلق به، كانتقاض الطهارة، وعبر عن التوقي بالاستتار مجازاً، ووجه العلاقة بينهما: أنَّ المستتر عن الشيء فيه بعد عنه واحتجاب، وذلك شبيه بالبعد عن ملابسة البول، وإنَّما رجحنا المجاز - وإن كان الأصل الحقيقة لوجهين: أحدهما: أنَّه لو كان المراد: أنَّ العذاب على مجرد كشف العورة: كان ذلك سبباً مستقلاً أجنبياً عن البول، فإنَّه حيث حصل الكشف للعورة حصل العذاب المرتب عليه، وإن لم يكن ثمة بول فيبقى تأثير البول بخصوصه مطرح الاعتبار والحديث يدل على أنَّ للبول بالنسبة إلى عذاب القبر خصوصية، فالحمل على ما يقتضيه الحديث المصرح بهذه الخصوصية أولى، وأيضاً فإنَّ لفظة "من" لما أضيفت إلى البول - وهي غالباً لابتداء الغاية حقيقة، أو ما يرجع إلى معنى ابتداء الغاية مجازاً - تقتضي نسبة الاستتار الذي عدمه سبب العذاب إلى البول، بمعنى أن ابتداء سبب عذابه من البول، وإذا حملناه على كشف العورة زال هذا المعنى.

стр. 269

الوجه الثاني: أنَّ بعض الروايات في هذه اللفظة يشعر بأنَّ المراد: التنزه من البول وهي رواية وكيع " لا يتوقى " وفي رواية بعضهم " لا يستنزه " فتحمل هذه اللفظة على تلك، ليتفق معنى الروايتين» اهـ. قلت: رواية: «لَا يَسْتَبْرِئُ» أخرجها النسائي (٢٠٦٨). ورواية: «لَا يَسْتَنْزِهُ» أخرجها مسلم (٦٧٦). ورواية: «لَا يَتَوَقَّى» أخرجها البيهقي في [السنن الكبرى] (١/ ١٠٤)، و [الصغرى] (١/ ٤٠) برقم (٣٦)، وأبو الشيخ الأصبهاني في [التوبيخ والتنبيه] (١/ ٢١١) برقم (١٩٢) من طريق وكيع، عن الأعمش، عن مجاهد، عن طاووس، عن ابن عباس، قال: «مر النبي ﷺ على قبرين يعذبان، قال: "إِنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ وَمَا يُعَذَّبَانِ فِى كَبِيرٍ، أَمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانَ يَمْشِى بِالنَّمِيمَةِ، وَأَمَّا الآخَرُ فَكَانَ لَا يَتَوَقَّى مِنْ بَوْلِهِ». إذا تبين لك أنَّ الاستتار هو التوقي من البول، وليس المراد به ستر العورة، فقد احتج به من قال بوجوب اتقاء البول في الثوب أو البدن، وهو ظاهر في ذلك. قال ابن بطال ﵀ في [شرح البخاري] (١/ ٣٤٨): «واختلف الفقهاء في إزالة النجاسة من الأبدان والثياب، فقال مالك: إزالتها ليست بفرض. وقال بعض أصحابه: إزالتها فرض، وهو قول أبي حنيفة، والشافعي، إلَّا أن أبا حنيفة يعتبر في النجاسات ما زاد على مقدار الدرهم». ٣ - الحديث فيه: إثبات عذاب القبر، وهو مذهب أهل السنة خلافاً للمعتزلة.

стр. 270

قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كما [مجموع الفتاوى] (٤/ ٢٨٢ - ٢٨٥): «الحمد لله رب العالمين بل العذاب والنعيم على النفس والبدن جميعاً باتفاق أهل السنة والجماعة تنعم النفس وتعذب منفردة عن البدن وتعذب متصلة بالبدن والبدن متصل بها فيكون النعيم والعذاب عليهما في هذه الحال مجتمعين كما يكون للروح منفردة عن البدن. وهل يكون العذاب والنعيم للبدن بدون الروح هذا فيه قولان مشهوران لأهل الحديث والسنة والكلام وفى المسالة أقوال شاذة ليست من أقوال أهل السنة والحديث قول من يقول: إنَّ النعيم والعذاب لا يكون إلَّا على الروح وأنَّ البدن لا ينعم ولا يعذب، وهذا تقوله الفلاسفة المنكرون لمعاد الأبدان وهؤلاء كفار بإجماع المسلمين. ويقوله كثير من أهل الكلام من المعتزلة وغيرهم الذين يقولون: لا يكون ذلك في البرزخ وإنَّما يكون عند القيامة من القبور، وقول من يقول: إن الروح بمفردها لا تنعم ولا تعذب وإنَّما الروح هي الحياة، وهذا يقوله طوائف من أهل الكلام المعتزلة وأصحاب أبي الحسن الأشعري، كالقاضي أبي بكر وغيرهم وينكرون أن الروح تبقى بعد فراق البدن وهذا قول باطل خالفه الأستاذ أبو المعالي الجويني وغيره، بل قد ثبت في الكتاب والسنة واتفاق سلف الأمة أن الروح تبق بعد فراق البدن وأنَّها منعمة، أو معذبة. والفلاسفة الإلهيون يقولون بهذا، لكن ينكرون معاد الأبدان، وهؤلاء يقرون بمعاد الأبدان لكن ينكرون معاد الأرواح ونعيمها، وعذابها بدون الأبدان، وكلا

стр. 271

القولين خطأ وضلال، لكن قول الفلاسفة أبعد عن أقوال أهل الإسلام وإن كان قد يوافقهم عليه من يعتقد أنه متمسك بدين الإسلام، بل من يظن انه من أهل المعرفة والتصوف والتحقيق والكلام. والقول الثالث الشاذ: قول من يقول: إنَّ البرزخ ليس فيه نعيم ولا عذاب، بل لا يكون ذلك حتى تقوم القيامة الكبرى كما يقول ذلك من يقوله من المعتزلة ونحوهم الذين ينكرون عذاب القبر ونعيمه بناء على أن الروح لا تبقى بعد فراق البدن وأنَّ البدن لا ينعم ولا يعذب. فجميع هؤلاء الطائفتين ضلال في أمر البرزخ لكنهم خير من الفلاسفة لأنَّهم يقرون بالقيامة الكبرى. فإذا عرفت هذه الأقوال الثلاثة الباطلة فليعلم أنَّ مذهب سلف الأمة وأئمتها أنَّ الميت إذا مات يكون في نعيم أو عذاب، وأنَّ ذلك يحصل لروحه ولبدنه، وأنَّ الروح تبقى بعد مفارقة البدن منعمة، أو معذبة وأنَّها تتصل بالبدن أحياناً فيحصل له معها النعيم والعذاب. ثم إذا كان يوم القيامة الكبرى أعيدت الأرواح إلى أجسادها، وقاموا من قبورهم لرب العالمين. ومعاد الأبدان متفق عليه عند المسلمين واليهود والنصارى، وهذا كله متفق عليه عند علماء الحديث والسنة. وهل يكون للبدن دون الروح نعيم أو عذاب اثبت ذلك طائفة منهم وأنكره أكثرهم».

стр. 272

٤ - قوله: «فَكَانَ لا يَسْتَتِرُ مِنْ الْبَوْلِ» احتج به من قال بنجاسة الأبوال كلها. قلت: المراد بقوله: «مِنْ الْبَوْلِ» أي بول نفسه، وقد جاءت رواية في الصحيحين «فَكَانَ لا يَسْتَتِرُ مِنْ بَوْلِهِ». وقد حمل البخاري ﵀ الروايتين على هذا حيث قال ﵀: «باب ما جاء في غسل البول. وقال النبي ﷺ لصاحب القبر " كَانَ لا يَسْتَتِرُ مِنْ بَوْلِهِ " ولم يذكر سوى بول الناس» اهـ. وقال ابن بطال في [شرح البخاري] (١/ ٣٤٨): «وقول البخاري: ولم يذكر سوى بول الناس، فإنَّه أراد أن يبين أنَّ معنى روايته في هذا الباب: "أمَّا أحدهما فكان لا يستتر من البول"، أنَّ المراد بول الناس لا بول سائر الحيوان، لأنَّه قد روى الحديث في هذا الباب قبل هذا وغيره "لا يستتر من بوله"، فلا تعلق في حديث هذا الباب لمن احتج به في نجاسة بول سائر الحيوان» اهـ. وقال الحافظ ابن حجر ﵀ في [فتح الباري] (١/ ٣٨٣) بعد ذكره لكلام ابن بطال السابق: «ومحصل الرد أنَّ العموم في رواية "من البول " أريد به الخصوص لقوله "من بوله" والألف واللام بدل من الضمير، لكن يلتحق ببوله بول من هو في معناه من الناس لعدم الفارق» اهـ. وقال صاحب [تحفة الأحوذي] (١/ ٨٣): «فالتعريف في البول للعهد» اهـ.

стр. 273

ولشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ فصلاً طويلاً نفيساً في [مجموع الفتاوى] (٢١/ ٥٤٣ - ٥٨٧) انتصر فيه للقول بعدم نجاسة أبوال، وأرواث مأكول اللحم، ولنفاسته وعظيم تحريره لهذه المسألة سوف أنقله بنصه مع طوله. قال ﵀: «الفصل الأول القول في طهارة الأرواث والأبوال من الدواب والطير التي لم تحرم وعلى ذلك عدة أدلة. الدليل الأول: أنَّ الأصل الجامع طهارة جميع الأعيان حتى تتبين نجاستها فكل ما لم يبين لنا أنَّه نجس فهو طاهر وهذه الأعيان لم يبين لنا نجاستها فهي طاهرة. أما الركن الأول من الدليل فقد ثبت بالبراهين الباهرة والحجج القاهرة. وأمَّا الثاني فنقول: إنَّ المنفي على ضربين: نفي نحصره ونحيط به كعلمنا بأنَّ السماء ليس فيها شمسان ولا قمران طالعان، وأنَّه ليس لنا إلَّا قبلة واحدة، وأنَّ محمداً لا نبي بعده؛ بل علمنا أنَّه لا إله إلا الله وأنَّ ما ليس بين اللوحين ليس بقرآن وأنَّه لم يفرض إلاَّ صوم شهر رمضان وعلم الإنسان أنَّه ليس في دراهم قبل ولا تغير، وأنَّه لم يطعم وأنَّه البارحة لم ينم وغير ذلك مما يطول عده. فهذا كله نفي مستيقن يبين خطأ من يطلق قوله لا تقبل الشهادة على النفي. الثاني: ما لا يستيقن نفيه وعدمه. ثم منه ما يغلب على القلب ويقوى في الرأي، ومنه ما لا يكون كذلك. فإذا رأينا حكماً منوطاً ينفي من الصنف الثاني فالمطلوب أن نرى النفي ويغلب على قلوبنا. والاستدلال بالاستصحاب وبعدم المخصص وعدم الموجب لحمل الكلام على مجازه هو من هذا القسم. فإذا بحثنا وسبرنا عما يدل على نجاسة هذه الأعيان والناس يتكلمون فيها منذ مئات من السنين فلم

стр. 274

نجد فيها إلا أدلة معروفة. شهدنا شهادة جازمة في هذا المقام بحسب علمنا أن لا دليل إلاَّ ذلك. فنقول الاستدلال بهذا الدليل إنما يتم بفسخ ما استدل به على النجاسة ونقض ذلك، وقد احتج لذلك بمسلكين: أثري ونظري: أمَّا الأثري: فحديث ابن عباس المخرج في الصحيحين " أنَّ رسول الله ﷺ مر بقبرين فقال: "إنَّهما ليعذبان وما يعذبان في كبير. أمَّا أحدهما فكان لا يستتر من البول" وروي "لا يستنزه" والبول اسم جنس محلى باللام فيوجب العموم. كالإنسان في قوله: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا (٣)﴾ [العصر: ٢ - ٣] فإنَّ المرتضى أنَّ أسماء الأجناس تقتضي من العموم ما تقتضيه أسماء الجموع لست أقول: الجنس الذي يفصل بين واحده وكثيره الهاء: كالتمر، والبر، والشجر، فإنَّ حكم تلك حكم الجموع بلا ريب. وإنَّما أقول: اسم الجنس المفرد الدال على الشيء وعلى ما أشبهه: كإنسان، ورجل، وفرس، وثوب، وشبه ذلك. وإذا كان النبي ﷺ قد أخبر بالعذاب من جنس البول وجب الاحتراز والتنزه من جنس البول فيجمع ذلك أبوال جميع الدواب، والحيوان الناطق، والبهيم ما يؤكل، وما لا يؤكل، فيدخل بول الأنعام في هذا العموم وهو المقصود. وهذا قد اعتمد عليه بعض من يدعي الاستدلال بالسمع وبعض الرأي وارتضاه بعض من يتكايس وجعله مفزعاً وموئلاً. المسلك الثاني النظري: وهو من ثلاثة أوجه:

стр. 275

أحدها: القياس على البول المحرم فنقول: بول وروث فكان نجساً كسائر الأبوال، فيحتاج هذا القياس أن يبين أنَّ مناط الحكم في الأصل هو أنَّه بول وروث، وقد دل على ذلك تنبيهات النصوص مثل قوله: "اتقوا البول" وقوله: "كان بنو إسرائيل إذا أصاب ثوب أحدهم البول قرضه بالمقراض". والمناسبة أيضاً: فإنَّ البول والروث مستخبث مستقذر تعافه النفوس على حد يوجب المباينة، وهذا يناسب التحريم حملاً للناس على مكارم الأخلاق، ومحاسن الأحوال وقد شهد له بالاعتبار تنجس أرواث الخبائث. الثاني: أن نقول: إذا فحصنا وبحثنا عن الحد الفاصل بين النجاسات والطهارات؛ وجدنا ما استحال في أبدان الحيوان عن أغذيتها فما صار جزءاً فهو طيب الغذاء وما فضل فهو خبيثه، ولهذا يسمى رجيعاً. كأنَّه أخذ ثم رجع أي رد. فما كان من الخبائث يخرج من الجانب الأسفل: كالغائط، والبول، والمني، والوذي، والودي فهو نجس. وما خرج من الجانب الأعلى: كالدمع، والريق، والبصاق، والمخاط، ونخامة الرأس فهو طاهر. وما تردد كبلغم المعدة ففيه تردد. وهذا الفصل بين ما خرج من أعلى البدن وأسفله قد جاء عن سعيد بن المسيب ونحوه وهو كلام حسن في هذا المقام الضيق الذي لم يفقه كل الفقه حتى زعم زاعمون أنَّه تعبد محض وابتلاء وتمييز بين من يطيع وبين من يعصي. وعندنا أنَّ هذا الكلام لا حقيقة له بمفرده حتى يضم إليه أشياء أخر فرق من فرق بين ما استحال في معدة الحيوان كالروث والقيء وما استحال من معدته كاللبن. وإذا ثبت ذلك: فهذه الأبوال والأرواث مما يستحيل في بدن الحيوان وينصع طيبه

стр. 276

ويخرج خبيثه من جهة دبره وأسفله ويكون نجساً. فإن فرق بطيب لحم المأكول وخبث لحم المحرم فيقال: طيب الحيوان وشرفه وكرمه لا يوجب طهارة روثه فإنَّ الإنسان إنَّما حرم لحمه كرامة له وشرفاً ومع ذلك فبوله أخبث الأبوال. ألا ترى أنَّكم تقولون: إنَّ مفارقة الحياة لا تنجسه وأنَّ ما أبين منه وهو حي فهو طاهر أيضاً كما جاء في الأثر وإن لم يؤكل لحمه، فلو كان إكرام الحيوان موجباً لطهارة روثه لكان الإنسان في ذلك القدح المعلى. وهذا سر المسألة ولبابها. الوجه الثالث: أنَّه في الدرجة السفلى من الاستخباث والطبقة النازلة من الاستقذار. كما شهد به أنفس الناس. وتجده طبائعهم وأخلاقهم حتى لا نكاد نجد أحداً ينزله منزلة در الحيوان ونسله وليس لنا إلاَّ طاهر أو نجس، وإذا فارق الطهارات دخل في النجاسات، والغالب عليه أحكام النجاسات. من مباعدته ومجانبته فلا يكون طاهراً؛ لأنَّ العين إذا تجاذبتها الأصول لحقت بأكثرها شبهاً وهو متردد بين اللبن وبين غيره من البول وهو بهذا أشبه. ويقوي هذا أنَّه قال تعالى: ﴿فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا (٦٦)﴾ [النحل: ٦٦] قد ثبت أنَّ الدم نجس فكذلك الفرث لتظهر القدرة والرحمة في إخراج طيب من بين خبيثين. ويبين هذا جميعه أنَّه يوافق غيره من البول في خلقه ولونه وريحه وطعمه فكيف يفرق بينهما مع هذه الجوامع التي تكاد تجعل حقيقة أحدهما حقيقة الآخر. فالوجه الأول: قياس التمثيل وتعليق الحكم بالمشترك المدلول عليه. والثاني: قياس التعليل بتنقيح مناط الحكم وضبط أصل كلي. والثالث: التفريق بينه وبين جنس الطاهرات فلا يجوز إدخاله فيها فهذه أنواع القياس. أصل ووصل وفصل.

стр. 277

فالوجه الأول: هو الأصل والجمع بينه وبين غيره من الأخباث. والثاني: هو الأصل والقاعدة والضابط الذي يدخل فيه. والثالث: الفصل بينه وبين غيره من الطاهرات، وهو قياس العكس. فالجواب عن هذه الحجج والله المستعان. أمَّا المسلك الأول: فضعيف جداً لوجهين: أحدهما: أنَّ اللام في البول للتعريف فتفيد ما كان معروفاً عند المخاطبين فإن كان المعروف واحداً معهوداً فهو المراد وما لم يكن ثم عهد بواحد أفادت الجنس إمَّا جميعه على المرتضى أو مطلقه على رأي بعض الناس وربما كانت كذلك. وقد نص أهل المعرفة باللسان والنظر في دلالات الخطاب أنَّه لا يصار إلى تعريف الجنس إلاَّ إذا لم يكن ثم شيء معهود، فأمَّا إذا كان ثم شيء معهود مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شَاهِدًا عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا (١٥) فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ (١٦)﴾ [المزمل: ١٥ - ١٦] صار معهوداً بتقدم ذكره وقوله: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ (٦٣)﴾ [النور: ٦٣] هو معين لأنَّه معهود بتقدم معرفته وعلمه فإنَّه لا يكون لتعريف جنس ذلك الاسم حتى ينظر فيه هل يفيد تعريف عموم الجنس، أو مطلق الجنس فافهم هذا فإنَّه من محاسن المسالك. فإنَّ الحقائق ثلاثة: عامة وخاصة ومطلقة. فإذا قلت: الإنسان قد تريد جميع الجنس، وقد تريد مطلق الجنس، وقد تريد شيئاً بعينه من الجنس. فأمَّا الجنس العام: فوجوده في القلوب والنفوس علماً ومعرفة وتصوراً. وأمَّا الخاص من الجنس: مثل زيد وعمرو فوجوده هو حيث حل، وهو الذي يقال له وجود في

стр. 278

الأعيان وفي خارج الأذهان، وقد يتصور هكذا في القلب خاصاً متميزاً. وأمَّا الجنس المطلق مثل الإنسان المجرد عن عموم وخصوص الذي يقال له نفس الحقيقة ومطلق الجنس فهذا كما لا يتقيد في نفسه لا يتقيد بمحله إلاَّ أنَّه لا يدرك إلاَّ بالقلوب فتجعل محلاً له بهذا الاعتبار، وربما جعل موجوداً في الأعيان باعتبار أنَّ في كل إنسان حظاً من مطلق الإنسانية، فالموجود في العين المعينة من النوع حظها وقسطها. فإذا تبين هذا فقوله: فإنَّه كان لا يستنزه من البول بيان للبول المعهود، وهو الذي كان يصيبه وهو بول نفسه. يدل على هذا أيضاً سبعة أوجه: أحدها: ما روي " فإنَّه كان لا يستبرئ من البول " والاستبراء لا يكون إلَّا من بول نفسه؛ لأنَّه طلب براءة الذكر كاستبراء الرحم من الولد. الثاني: أنَّ اللام تعاقب الإضافة فقوله: "من البول" كقوله: "من بوله" وهذا مثل قوله: ﴿مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوَابُ (٥٠)﴾ [ص: ٥٠] أي أبوابها. الثالث: أنَّه قد روي هذا الحديث من وجوه صحيحة "فكان لا يستتر من بوله" وهذا يفسر تلك الرواية. ثم هذا الاختلاف في اللفظ متأخر: عن منصور روى الأعمش عن مجاهد عن ابن عباس، ومعلوم أنَّ المحدث لا يجمع بين هذين اللفظين، والأصل، والظاهر عدم تكرر قول النبي ﷺ فعلم أنَّهم رووه بالمعنى، ولم يبن أي اللفظين هو الأصل. ثم إن كان النبي ﷺ قد قال اللفظين مع أنَّ معنى أحدهما يجوز أن يكون موافقاً لمعنى الآخر ويجوز أن يكون مخالفاً فالظاهر الموافقة.

стр. 279

يبين هذا أنَّ الحديث في حكاية حال لما مر النبي ﷺ بقبرين ومعلوم أنَّها قضية واحدة. الرابع: أنَّه إخبار عن شخص بعينه أنَّ البول كان يصيبه ولا يستتر منه، ومعلوم أنَّ الذي جرت العادة به بول نفسه. الخامس: أنَّ الحسن قال: البول كله نجس، وقال أيضاً: لا بأس بأبوال الغنم، فعلم أنَّ البول المطلق عنده هو بول الإنسان. السادس: أنَّ هذا هو المفهوم للسامع عند تجرد قلبه عن الوسواس والتمريح فإنَّه لا يفهم من قوله: "فإنَّه كان لا يستتر من البول" إلَّا بول نفسه. ولو قيل: أنَّه لم يخطر لأكثر الناس على بالهم جميع الأبوال: من بول بعير. وشاة وثور لكان صدقاً. السابع: أنَّه يكفي بأن يقال: إذا احتمل أن يريد بول نفسه؛ لأنَّه المعهود، وأن يريد جميع جنس البول لم يجز حمله على أحدهما إلَّا بدليل فيقف الاستدلال. وهذا لعمري تنزل، وإلَّا فالذي قدمنا أصل مستقر من أنَّه يجب حمله على البول المعهود وهو نوع من أنواع البول وهو بول نفسه الذي يصيبه غالباً ويترشرش على أفخاذه وسوقه، وربما استهان بإنقائه ولم يحكم الاستنجاء منه، فأمَّا بول غيره من الآدميين فإنَّ حكمه وإن ساوى حكم بول نفسه فليس ذلك من نفس هذه الكلمة بل لاستوائهما في الحقيقة، والاستواء في الحقيقة يوجب الاستواء في الحكم. ألا ترى أن أحداً لا يكاد يصيبه بول غيره ولو أصابه لساءه ذلك والنبي ﷺ إنَّما أخبر عن أمر موجود غالب في هذا الحديث وهو قوله: "اتقوا البول فإنَّ عامة عذاب القبر منه" فكيف يكون عامة عذاب القبر من شيء لا يكاد يصيب أحداً من الناس وهذا بين لا خفاء به.

стр. 280

الوجه الثاني: أنَّه لو كان عاماً في جميع الأبوال فسوف نذكر من الأدلة الخاصة على طهارة هذا النوع ما يوجب اختصاصه من هذا الاسم العام، ومعلوم من الأصول المستقرة إذا تعارض الخاص والعام فالعمل بالخاص أولى؛ لأنَّ ترك العمل به إبطال له وإهدار والعمل به ترك لبعض معاني العام وليس استعمال العام وإرادة الخاص ببدع في الكلام بل هو غالب كثير. ولو سلمنا التعارض على التساوي من هذا الوجه فإنَّ في أدلتنا من الوجوه الموجبة للتقديم والترجيح وجوها أخرى من الكثرة والعمل وغير ذلك مما سنبينه إن شاء الله تعالى. ومن عجيب ما اعتمد عليه بعضهم قوله ﷺ : " أكثر عذاب القبر من البول ". والقول فيه كالقول فيما تقدم مع أنَّا نعلم إصابة الإنسان بول غيره قليل نادر وإنَّما الكثير إصابته بول نفسه ولو كان أراد أن يدرج بوله في الجنس الذي يكثر وقوع العذاب بنوع منه لكان بمنزلة قوله أكثر عذاب القبر من النجاسات. واعتمد أيضاً على قوله ﷺ "لا يصلي أحدكم بحضرة طعام ولا وهو يدافعه الأخبثان" يعني البول والنجو. وزعم أنَّ هذا يفيد تسمية كل بول ونجو أخبث، والأخبث حرام نجس وهذا في غاية السقوط. فإنَّ اللفظ ليس فيه شمول لغير ما يدافع أصلاً. وقوله: "إنَّ الاسم يشمل الجنس كله". فيقال له: وما الجنس العام؟ أكل بول ونجو؟ أم بول الإنسان ونجوه؟ وقد علم أنَّ الذي يدافع كل شخص من جنس الذي يدافع غيره، فأمَّا ما لا يدافع أصلاً فلا مدخل له في الحديث فهذه عمدة المخالف. وأمَّا المسلك النظري: فالجواب عنه من طريقين: مجمل ومفصل.

стр. 281

أمَّا المفصل فالجواب عن الوجه الأول من وجهين: أحدهما: لا نسلم أنَّ العلة في الأصل أنَّه بول وروث وما ذكروه من تنبيه النصوص فقد سلف الجواب بأنَّ المراد بها بول الإنسان. وما ذكروه من المناسبة فنقول: التعليل: إمَّا أن يكون بجنس استخباث النفس واستقذارها، أو بقدر محدود من الاستخباث والاستقذار. فإن كان الأول: وجب تنجيس كل مستخبث مستقذر فيجب نجاسة المخاط والبصاق والنخامة؛ بل نجاسة المني الذي جاء الأثر بإماطته من الثياب؛ بل ربما نفرت النفوس عن بعض هذه الأشياء أشد من نفورها عن أرواث المأكول من البهائم مثل مخطة المجذوم إذا اختلطت بالطعام، ونخامة الشيخ الكبير إذا وضعت في الشراب، وربما كان ذلك مدعاة لبعض الأنفس إلى أن يذرعه القيء. وإن كان التعليل بقدر موقت من الاستقذار فهذا قد يكون حقاً لكن لا بد من بيان الحد الفاصل بين القدر من الاستخباث الموجب للتنجيس وبين ما لا يوجب ولم يبين ذلك، ولعل هذه الأعيان مما ينقض بيان استقذارها الحد المعتبر. ثم إنَّ التقديرات في الأسباب والأحكام إنَّما تعلم من جهة استقذارها عن الشرع في الأمر الغالب، فنقول: متى حكم بنجاسة نوع علمنا أنَّه مما غلظ استخباثه، ومتى لم يحكم بنجاسة نوع علمنا أنَّه لم يغلظ استخباثه فنعود مستدلين بالحكم على المعتبر من العلة فمتى استربنا في الحكم فنحن في العلة أشد استرابة فبطل هذا. وأمَّا الشاهد بالاعتبار فكما أنَّه شهد لجنس الاستخباث شهد للاستخباث الشديد والاستقذار الغليظ. وثانيهما أن نقول: لم لا يجوز أن تكون العلة في الأصل

стр. 282

أنَّه بول ما يؤكل لحمه؟ وهذه علة مطردة بالإجماع منَّا ومن المخالفين. في هذه المسألة والانعكاس إن لم يكن واجباً فقد حصل الغرض، وإن كان شرطاً في العلل فنقول فيه ما قالوا في اطراد العلة وأولى حيث خولفوا فيه وعدم الانعكاس أيسر من عدم الاطراد. وإذا افترق الصنفان في اللحم والعظم واللبن والشعر فلم لا يجوز افتراقهما في الروث والبول وهذه المناسبة أبين؛ فإنَّ كل واحد من هذه الأجزاء هو بعض من أبعاض البهيمة أو متولد منها فيلحق سائرها قياساً لبعض الشيء على جملته. فإن قيل: هذا منقوض بالإنسان فإنَّه طاهر ولبنه طاهر وكذلك سائر أمواهه وفضلاته ومع هذا فروثه وبوله من أخبث الأخباث فحصل الفرق فيه بين البول وغيره. فنقول: اعلم أنَّ الإنسان فارق غيره من الحيوان في هذا الباب طرداً وعكساً فقياس البهائم بعضها ببعض وجعلها في حيز يباين حيز الإنسان وجعل الإنسان في حيز هو الواجب، ألا ترى أنَّه لا ينجس بالموت على المختار وهي تنجس بالموت، ثم بوله أشد من بولها، ألا ترى أنَّ تحريمه مفارق لتحريم غيره من الحيوان لكرم نوعه وحرمته حتى يحرم الكافر وغيره وحتى لا يحل أن يدبغ جلده مع أنَّ بوله أشد وأغلظ فهذا وغيره يدل على أنَّ بول الإنسان فارق سائر فضلاته أشد من مفارقة بول البهائم فضلاتها إمَّا لعموم ملابسته حتى لا يستخف به أو لغير ذلك مما الله أعلم به، على أنَّه يقال في عذرة الإنسان وبوله من الخبث والنتن والقذر ما ليس في عامة الأبوال والأرواث. وفي الجملة فإلحاق الأبوال باللحوم في الطهارة والنجاسة أحسن طرداً من غيره والله أعلم. وأمَّا الوجه الثاني: فنقول ذلك الأصل في الآدميين مسلم والذي جاء عن السلف إنَّما جاء فيهم من الاستحالة في أبدانهم وخروجه من الشق الأعلى، أو

стр. 283

الأسفل فمن أين يقال كذلك سائر الحيوان؛ وقد مضت الإشارة إلى الفرق ثم مخالفوهم يمنعونهم أكثر الأحكام في البهائم؛ فيقولون: قد ثبت أنَّ ما خبث لحمه خبث لبنه ومنيه؛ بخلاف الآدمي فبطلت هذه القاعدة في الاستحالة: بل قد يقولون: إنَّ جميع الفضلات الرطبة من البهائم حكمها سواء فما طاب لحمه طاب لبنه وبوله وروثه ومنيه وعرقه وريقه ودمعه. وما خبث لحمه خبث لبنه وريقه وبوله وروثه ومنيه وعرقه ودمعه وهذا قول يقوله أحمد في المشهور عنه وقد قاله غيره. وبالجملة فاللبن والمني يشهد لهم بالفرق بين الإنسان والحيوان شهادة قاطعة وباستواء الفضلات من الحيوان ضرباً من الشهادة؛ فعلى هذا يقال للإنسان يفرق بين ما يخرج من أعلاه وأسفله لما الله أعلم به فإنَّه منتصب القامة نجاسته كلها في أعاليه. ومعدته التي هي محل استحالة الطعام والشراب في الشق الأسفل. وأمَّا الثدي ونحوه فهو في الشق الأعلى وليس كذلك البهيمة. فإن ضرعها في الجانب المؤخر منها وفيه اللبن الطيب ولا مطمع في إثبات الأحكام بمثل هذه الحزورات. وأمَّا الوجه الثالث: فمداره على الفصل بينه وبين غيره من الطاهرات فإن فصل بنوع الاستقذار بطل بجميع المستقذرات التي ربما كانت أشد استقذاراً منه، وإن فصل بقدر خاص فلا بد من توقيته وقد مضى تقرير هذا. وأمَّا الجواب العام فمن أوجه ثلاثة: أحدها: أنَّ هذا قياس في مقابلة الآثار المنصوصة وهو قياس فاسد الوضع ومن جمع بين ما فرقت السنة بينه فقد ضاهى قول الذين قالوا: ﴿إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ

стр. 284

الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا (٢٧٥)﴾ [البقرة: ٢٧٥] ولذلك طهرت السنة هذا ونجست هذا. الثاني: أنَّ هذا قياس في باب لم تظهر أسبابه وأنواطه ولم يتبين مأخذه وما بل الناس فيه على قسمين: إمَّا قائل يقول هذا استعباد محض وابتلاء صرف فلا قياس ولا إلحاق ولا اجتماع ولا افتراق، وإمَّا قائل يقول: دقت علينا علله وأسبابه وخفيت علينا مسالكه ومذاهبه وقد بعث الله إلينا رسولًا يزكينا ويعلمنا الكتاب والحكمة بعثه إلينا ونحن لا نعلم شيئا فإنَّما نصنع ما رأيناه يصنع والسنة لا تضرب لها الأمثال ولا تعارض بآراء الرجال والدين ليس بالرأي ويجب أن يتهم الرأي على الدين والقياس في مثل هذا الباب ممتنع باتفاق أولي الألباب. الثالث: أن يقال: هذا كله مداره على التسوية بين بول ما يؤكل لحمه وبول ما لا يؤكل لحمه وهو جمع بين شيئين مفترقين فإنَّ ريح المحرم خبيثة وأمَّا ريح المباح فمنه ما قد يستطاب: مثل أرواث الظباء وغيرها. وما لم يستطب منه فليس ريحه كريح غيره وكذلك خلقه غالباً فإنَّه يشتمل على أشياء من المباح وهذا لأنَّ الكلام في حقيقة المسألة وسنعود إليه إن شاء الله في آخرها. الدليل الثاني: الحديث المستفيض أخرجه أصحاب الصحيح وغيرهم حديث أنس بن مالك: " أنَّ ناساً من عكل أو عرينة قدموا المدينة فاجتووها فأمر لهم النبي ﷺ بلقاح وأمرهم أن يشربوا من أبوالها وألبانها فلما صحوا قتلوا راعي رسول الله ﷺ واستاقوا الذود ". وذكر الحديث.

стр. 285

فوجه الحجة أنَّه أذن لهم في شرب الأبوال ولا بد أن يصيب أفواههم وأيديهم وثيابهم وآنيتهم فإذا كانت نجسة وجب تطهير أفواههم وأيديهم وثيابهم للصلاة وتطهير آنيتهم فيجب بيان ذلك لهم: لأنَّ تأخير البيان عن وقت الاحتياج إليه لا يجوز، ولم يبين لهم النبي ﷺ أنَّه يجب عليهم إماطة ما أصابهم منه فدل على أنَّه غير نجس ومن البين أن لو كانت أبوال الإبل كأبوال الناس لأوشك أن يشتد تغليظه في ذلك. ومن قال: إنَّهم كانوا يعلمون أنَّها نجسة وإنَّهم كانوا يعلمون وجوب التطهير من النجاسات فقد أبعد غاية الإبعاد وأتى بشيء قد يستيقن بطلانه لوجوه: أحدها: أنَّ الشريعة أول ما شرعت كانت أخفى وبعد انتشار الإسلام وتناقل العلم وإفشائه صارت أبدى وأظهر، وإذا كنا إلى اليوم لم يستبن لنا نجاستها بل أكثر الناس على طهارتها وعامة التابعين عليه بل قد قال أبو طالب وغيره: إنَّ السلف ما كانوا ينجسونها ولا يتقونها. وقال أبو بكر بن المنذر: وعليه اعتماد أكثر المتأخرين في نقل الإجماع والخلاف وقد ذكر طهارة الأبوال عن عامة السلف. ثم قال: قال الشافعي: الأبوال كلها نجس. قال: ولا نعلم أحداً قال قبل الشافعي إنَّ أبوال الأنعام وأبعارها نجس. قلت: وقد نقل عن ابن عمر أنَّه سئل عن بول الناقة فقال: اغسل ما أصابك منه. وعن الزهري فيما يصيب الراعي من أبوال الإبل قال: ينضح. وعن حماد بن أبي سليمان في بول الشاة والبعير يغسل. ومذهب أبي حنيفة نجاسة ذلك على تفصيل لهم فيه، فلعل الذي أراده ابن المنذر القول بوجوب اجتناب قليل البول والروث وكثيره. فإنَّ هذا لم يبلغنا عن أحد من
следующие страницы →