← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 30178

تحفة السائل في بيان ما في عمدة الأحكام من المسائل

أبو بكر الحمادي

Полный текст (8 095 стр.). Показаны 2206–2245 · переход к 2211.

стр. 2206

وروى فيه بإسناده: أنَّ أبا عبيدة بن عبد الله بن مسعودٍ كان يروح إلى المسجد وقد صلى الظهر والعصر، فيجلس فينتظر، فيقول: ماله قاتله الله؟! يصيح على منبره صياحاً، وقد فاتته العصر، ولم يصل الظهر بعد. وبإسناده: عن عمرو بن هرم، قال: كان أنس بن مالكٍ يصلي الظهر والعصر في بيته، ثم يأتي الحجاج فيصلي معه الجمعة. وبإسناده: عن عبد الله بن أبي زكريا، أنَّه كان يجمع مع الوليد بن عبد الملك ما صلى الوليد في وقت الظهر الجمعة، ويعتد بها جمعةً، فإن أخرها عن وقت الظهر صلى الظهر في آخر وقت الظهر أربعاً إيماءً، ثم صلى الجمعة معه، وجعلها تطوعاً، فإن أخر العصر حتى يخرج وقتها صلاها في آخر وقتها ايماءً. وبإسناده: عن حصينٍ، قال: كان أبو وائل إذا أخر الحجاج الجمعة استقبل القبلة، يومئ ايماءً: يتناعس. وبإسناده: عن جريرٍ، قال: شهدت الجمعة مع ابن هبيرة، فأخر الصلاة إلى قريب من العصر، فرأيت الناس يخرجون، فرأيت أبا حنيفة خَّرج، فكان شيخ يصيح في المسجد: لو كان الحجاج ما خرجوا، وجعل فضيل بن غزوان ويقول: إنَّهم، إنَّهم. وبإسناده: عن ابن سيرين، أنَّه حضر الجمعة، فأخر الأمير الصلاة، فأدمى ظفره، ثم قام فخرج، وأخذته السياط حتى خَرج من المسجد. وعن عطاءٍ بن السائب: قال: رأيت سعيدٍ بن جبير وأبا البختري وأصحابه يومئون يوم الجمعة، والحجاج يخطب، وهم جلوسٌ.

стр. 2207

وعن محمد بن إسماعيل، قال: رأيت سعيد بن جبير وعطاء، وأخر الوليد الجمعة والعصر، فصلاهما جميعاً، قال: فأومئا إيماءً، ثم صليا معه بمنىً. وبإسناده: عن حميدٍ، أن الوليد بن عبد الملك خَّرج بمنىً بعد العصر، فخطب حتى صارت الشمس على رؤس الجبال، فنزل فصلى الظهر، ثم صلى العصر، ثم صلى المغرب. وروى بإسنادٍ له: عن سالم، أنَّه ذكر أنَّ الوليد قدم عليهم المدينة، فما زال يخطب ويقرأ الليث حتى مضى وقت الجمعة، ثم مضى وقت العصر، فقال القاسم بن محمد لسالم: أما قمت فصليت؟ قال: لا. قال: أفما أومأت؟ قال: لا. وقال: خشيت أن يقال: رجل من آل عمر. وروى بإسناده: عن عمارة بن زاذان: حدثني مكحولٌ، قال: خطب الحجاج بمكة، وأنا إلى جنب ابن عمر، يحبس الناس بالصلاة، فرفع ابن عمر رأسه، ونهض، وقال: يا معشر المُسْلِمين، انهضوا إلى صلاتكم، ونهض الناس، ونزل الحجاج، فلما صلى قال: ويحكم، من هذا؟ قالوا: ابن عمر. قال: أما والله لولا أن به لمماً لعاقبته. وروى أبو نعيم في "كتاب الصلاة": ثنا زهير، عن جابر -وهو: الجعفي -، عن نافع، قال: كان ابن عمر يصلي خلف الحجاج، فلما أخرها ترك الصلاة معه.

стр. 2208

وكان الحسن يأمر بالكف عن الإنكار عليهم، ثم غلبه الأمر فأنكر على الحجاج، وكان سبب اختفائه منه حتى مات الحجاج، والحسن متوار عنه بالبصرة. وقد روى أبو الفرج ابن الجوزي في كتاب "مناقب الحسن" بإسناد له، أنَّ الحسن شهد الجمعة مع الحجاج، فرقى الحجاج المنبر، فأطال الخطبة حتى دخل في وقت العصر، فقال الحسن: أما من رجل يقول: الصلاة جامعةٌ؟ فقالَ رجل: يا أبا سعيدٍ، تأمرنا أن نتكلم والإمام يخطب؟ فقال: إنَّما أمرنا أن ننصت لهم فيما أخذوا من أمر ديننا، فإذا أخذوا في أمر دنياهم أخذنا في أمر ديننا، قوموا، فقام الحسن وقام الناس لقيام الحسن، فقطع الحجاج خطبته، ونزل فصلى بهم، فطلب الحجاج الحسن فلم يقدر عليه. وهذا كله مما يدل على اجتماع السلف الصالح على أنَّ تأخير الجمعة إلى دخول وقت العصر حرام لا مساغ له في الإسلام. ولما ولي عمر بن عبد العزيز الخلافة صلى الجمعة في أول وقتها على ما كانت عليه السنة. فروى إسماعيل بن عياش، عن عمرو بن مهاجرٍ، أنَّ عمر بن عبد العزيز كان يصلي الجمعة في أول وقتها حين يفيء الفيء ذراعاً ونحوه، وذلك في الساعة السابعة. وقال ابن عونٍ: كانوا يصلون الجمعة في خلافة عمر بن عبد العزيز والظل هنية» اهـ.

стр. 2209

١١ - وفي الحديث حرص الشرع على الخشوع في الصلاة فإنَّ شدة الحر تمنع من ذلك.

стр. 2210

* * * ١١٠ - عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ نَسِيَ صَلاةً فَلْيُصَلِّهَا إذَا ذَكَرهَا، وَلا كَفَّارَةَ لَهَا إلاَّ ذَلِكَ: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾». وَلِمُسْلِم: «مَنْ نَسِيَ صَلاةً، أَوْ نَامَ عَنْهَا. فَكَفَّارَتُهَا: أَنْ يُصَلِّيَهَا إذَا ذَكَرَهَا». وفي الحديث مسائل منها: ١ - الأمر بقضاء الصلاة المنسية عند ذكرها. ٢ - الأمر بالقضاء يشمل الفريضة والسنة الراتبة. ٣ - واحتج به من قَالَ بقضاء المتروكة عمداً باعتبار أنَّ النسيان يطلق على الترك العمد كقول الله تعالى: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (٤٤)﴾ [الأنعام/ ٤٤]. وقَالَ الله تعالى: ﴿الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا وَمَا كَانُوا بِآَيَاتِنَا يَجْحَدُونَ (٥١)﴾ [الأعراف/ ٥١]. وقَالَ الله تعالى: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (١٦٥)﴾ [الأعراف/ ١٦٥].

стр. 2211

وقَالَ الله تعالى: ﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٦٧)﴾ [التوبة/ ٦٧]. وقَالَ الله تعالى: ﴿قَالَوا سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآَبَاءَهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا (١٨)﴾ [الفرقان/ ١٨، ١٩]. وقَالَ الله تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (١٩) [الحشر/ ١٩، ٢٠]. وقَالَ الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آَدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا (١١٥)﴾ [طه/ ١١٥]. وقَالَ الله تعالى: ﴿قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آَيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى (١٢٦)﴾ [طه/ ١٢٦]. قُلْتُ: والنسيان في هذه الآيات وارد في الترك العمد. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ في [الصلاة وحكم تاركها] ص (١١٣): «وأمَّا قولكم: إنَّ النسيان في لغة العرب هو الترك كقوله: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ الخ فنعم لعمر الله إنَّ النسيان في القرآن على وجهين:

стр. 2212

نسيان ترك ونسيان سهو، ولكن حمل الحديث على نسيان الترك عمداً باطل لأربعة أوجه: أحدها: أنَّه قَالَ: "فليصلها إذا ذكرها" وهذا صريح في أنَّ النسيان في الحديث نسيان سهو لا نسيان عمد وإلَّا كان قوله: "إذا ذكرها" كلاماً لا فائدة فيه فالنسيان إذا قوبل بالذكر لم يكن إلَّا نسيان سهو كقوله: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ وَقَوْلُهُ: "إذا نسيت فذكروني". الثاني: أنَّه قَالَ: "فكفارتها أن يصليها إذا ذكرها" ومعلوم أنَّ من تركها عمداً لا يكفر عنه فعلها بعد الوقت إثم التفويت هذا مما لا خلاف فيه بين الأمة ولا يجوز نسبته إلى رسول الله إذ يبقى معنى الحديث من ترك الصلاة عمداً حتى خرج وقتها فكفارة إثمه صلاتها بعد الوقت وشناعة هذا القول أعظم من شناعتكم علينا القول بأنَّها لا تنفعه ولا تقبل منه فأين هذا من قولكم. الثالث: أنَّه قابل الناسي في الحديث بالنائم وهذه المقابلة تقتضي أنَّه الساهي كما يقول جملة أهل الشرع النائم والناسي غير مؤاخذين. الرابع: أنَّ الناسي في كلام الشارع إذا علق به الأحكام لم يكن مراده إلَّا الساهي وهذا مطرد في جميع كلامه كقوله: "من أكل أو شرب ناسياً فليتم صومه فإنما أطعمه الله"» اهـ.

стр. 2213

٤ - وفي الحديث بيان مبدأ القضاء وهو عند الذكر، ولم يحد النبي ﷺ لمنتهاه حد. قُلْتُ: وليس لذلك حد إلَّا زوال التكليف. ٥ - ليس في الحديث تكرار الصلاة المقضية ولا فعلها في وقتها من الغد وقد جاء ما قد يفهم منه خلاف هذا فروى مُسْلِم (٦٨١) مِنْ حَدِيْثِ أبي قتادة الطويل في نوم النبي ﷺ ومن معه عن صلاة الفجر حتى طلعت الشمس وفيه: ثم قَالَ: «أَمَا إِنَّهُ لَيْسَ فِي النَّوْمِ تَفْرِيطٌ إِنَّمَا التَّفْرِيطُ عَلَى مَنْ لَمْ يُصَلِّ الصَّلَاةَ حَتَّى يَجِيءَ وَقْتُ الصَّلَاةِ الْأُخْرَى فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَلْيُصَلِّهَا حِينَ يَنْتَبِهُ لَهَا فَإِذَا كَانَ الْغَدُ فَلْيُصَلِّهَا عِنْدَ وَقْتِهَا». لكن قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِيُ رَحِمَهُ اللهُفي [شَرْحِ مُسْلِم] (٢/ ٤٨٩): «وَقَوْلُهُ ﷺ : "فإذا كان من الغد فليصلها عند وقتها"، فمعناه: أنَّه إذا فاتته صلاة فقضاها لا يتغير وقتها، ويتحول في المستقبل، بل يبقى كما كان. فإذا كان الغد صلى صلاة الغد في وقتها المعتاد ويتحول، وليس معناه أنَّه يقضي الفائتة مرتين مرة في الحال، ومرة في الغد، وإنَّما معناه ما قدمناه، فهذا هو الصواب في معنى هذا الحديث، وقد اضطربت أقوال العلماء فيه، واختار المحققون ما ذكرته. وَاللَّهُ أَعْلَمُ» اهـ. وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٢/ ٧١):

стр. 2214

«فإنَّ بعضهم زعم أنَّ ظاهره إعادة المقضية مرتين عند ذكرها وعند حضور مثلها من الوقت الآتي ولكن اللفظ المذكور ليس نصاً في ذلك لأنَّه يحتمل أن يريد بقوله: "فليصلها عند وقتها". أي الصلاة التي تحضر لا أنَّه يريد أن يعيد التي صلاها بعد خروج وقتها» اهـ. قُلْتُ: وروى أبو داود (٤٣٨) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ نَصْرٍ، حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ، حَدَّثَنَا الْأَسْوَدُ بْنُ شَيْبَانَ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ سُمَيْرٍ، قَالَ: قَدِمَ عَلَيْنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبَاحٍ الْأَنْصَارِيُّ، مِنَ الْمَدِينَةِ وَكَانَتِ الْأَنْصَارُ تُفَقِّهُهُ، فَحَدَّثَنَا قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو قَتَادَةَ الْأَنْصَارِيُّ فَارِسُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ جَيْشَ الْأُمَرَاءِ - بِهَذِهِ الْقِصَّةِ - قَالَ: فَلَمْ تُوقِظْنَا إِلَّا الشَّمْسُ طَالِعَةً فَقُمْنَا وَهِلِينَ لِصَلَاتِنَا فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «رُوَيْدًا رُوَيْدًا»، حَتَّى إِذَا تَعَالَتِ الشَّمْسُ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يَرْكَعُ رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ فَلْيَرْكَعْهُمَا»، فَقَامَ مَنْ كَانَ يَرْكَعُهُمَا وَمَنْ لَمْ يَكُنْ يَرْكَعُهُمَا فَرَكَعَهُمَا ثُمَّ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُنَادَى بِالصَّلَاةِ فَنُودِيَ بِهَا فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَصَلَّى بِنَا فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ: «أَلَا إِنَّا نَحْمَدُ اللَّهَ أَنَّا لَمْ نَكُنْ فِي شَيْءٍ مِنْ أُمُورِ الدُّنْيَا يَشْغَلُنَا عَنْ صَلَاتِنَا وَلَكِنَّ أَرْوَاحَنَا كَانَتْ بِيَدِ اللَّهِ فَأَرْسَلَهَا أَنَّى شَاءَ فَمَنْ أَدْرَكَ مِنْكُمْ صَلَاةَ الْغَدَاةِ مِنْ غَدٍ صَالِحًا فَلْيَقْضِ مَعَهَا مِثْلَهَا». قُلْتُ: هذا إسناد ظاهره الصحة.

стр. 2215

لكن قَالَ الحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ في [فَتْحِ الْبَارِي] (٣/ ٣٣٨): «وقد ذهب إلى هذا سعد بن أبي وقاص وسمرة بن جندب، وأنَّ من نام عن صلاة صلاها إذا ذكرها، وصلاها لمثلها من الغد. وأنكر ذلك عمران بن حصين، وأخذ بقوله جمهور العلماء. وقد قيل: إنَّ هذه اللفظة في هذا الحديث وهم -: قَالَه الْبُخَارِيّ والبيهقي وغيرهما» اهـ. وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ فِي [شرح العمدة] (٤/ ٢٣٥): «وهذا و الله أعلم توهم من بعض الرواة بما فهم من المعنى وقد علل الْبُخَارِيّ هذه الرواية» اهـ. وروى أحمد (١٩٩٧٨) حَدَّثَنَا يَزِيدُ قَالَ: أَخْبَرَنَا هِشَامٌ، وَرَوْحٌ قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ: سَرَيْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَلَمَّا كَانَ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ عَرَّسْنَا فَلَمْ نَسْتَيْقِظْ حَتَّى أَيْقَظَنَا حَرُّ الشَّمْسِ، فَجَعَلَ الرَّجُلُ مِنَّا يَقُومُ دَهِشًا إِلَى طَهُورِهِ قَالَ: فَأَمَرَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَسْكُنُوا، ثُمَّ ارْتَحَلْنَا فَسِرْنَا حَتَّى إِذَا ارْتَفَعَتِ الشَّمْسُ تَوَضَّأَ، ثُمَّ أَمَرَ بِلَالًا فَأَذَّنَ، ثُمَّ صَلَّى الرَّكْعَتَيْنِ قَبْلَ الْفَجْرِ، ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّيْنَا فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَا نُعِيدُهَا فِي وَقْتِهَا مِنَ الْغَدِ؟ قَالَ: «أَيَنْهَاكُمْ رَبُّكُمْ عَنِ الرِّبَا وَيَقْبَلُهُ مِنْكُمْ؟». قُلْتُ: نفى سماع الحسن من عمران علي بن المديني وغيره.

стр. 2216

وقَالَ الْحَافِظُ الْعَلَّائِي ﵀ فِي [جَامِعِ الْتَحْصِيْلِ] ص (١٦٤): «وقَالَ علي بن المديني سمعت يحيى يعني القطان وقيل له كان الحسن يقول: سمعت عمران بن حصين فقَالَ أمَّا عن ثقة فلا. وذكر صالح بن أحمد أنَّه أنكر على من يقول عن الحسن حدثني عمران بن حصين أي أنَّه لم يسمع عنه. وقَالَ عباد بن سعد قُلْتُ ليحيى بن معين الحسن لقي عمران بن حصين قَالَ أمَّا في حديث البصريين فلا وأمَّا في حديث الكوفيين فنعم» اهـ. قُلْتُ: وقد روى الإمام أحمد بعد ذلك ما يدل على سماع الحسن من عمران لهذا الحديث فقَالَ ﵀: (١٩٩٧٩) حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ، حَدَّثَنَا زَائِدَةُ، عَنْ هِشَامٍ قَالَ: زَعَمَ الْحَسَنُ، أَنَّ عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ حَدَّثَهُ قَالَ: «أَسْرَيْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ لَيْلَةً». فَذَكَرَ الْحَدِيثَ. قُلْتُ: هشام بن حسان البصري. قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي "التهذيب": «قَالَ أبو داود: إنَّما تكلموا في حديثه عن الحسن وعطاء لأنَّه كان يرسل، وكانوا يرون أنَّه أخذ كتب حوشب» اهـ. قُلْتُ: الذي يظهر لي عدم صحة تصريح الحسن بالسماع من عمران وأنَّ القول ما قَالَه الحفاظ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ٦ - وَقَوْلُهُ: «فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا». يشمل فعلها في أوقات الكراهة.

стр. 2217

٧ - واحتج بقوله: «فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا». أنَّ من نسي صلاة في الحضر وذكرها وهو في السفر أنَّه يصليها كما نسيها صلاة حضر. ومن نسي صلاة سفر وذكرها في الحضر أنَّه يصليها كما نسيها صلاة سفر. وقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْمُنْذِرِ ﵀ فِي [الْأَوْسَطِ] (٤/ ٣٦٨ - ٣٦٩): «أجمع أهل العلم لا أعلم بينهم فيه اختلافاً على أنَّ من نسي صلاة في حضر فذكرها في السفر أنَّ عليه صلاة الحضر لا يجزيه غير ذلك، إلَّا شيء اختلف فيه عن الحسن. واختلفوا فيمن نسي صلاة في سفر فذكرها بعد قدومه في الحضر، فقَالَت طائفة: يصلي صلاة سفر كما كانت فرضت عليه، هذا قول الحسن البصري، ومالك بن أنس، وحماد بن أبي سليمان، وسفيان الثوري، وأصحاب الرأي، وكذلك قَالَ الشافعي إذ هو بالعراق، ثم رجع عنه لما صار بمصر. وقَالَت طائفة: يصليها أربعاً، هكذا قَالَ الأوزاعي، وبه قَالَ الشافعي آخر قوليه، وهو قول أحمد بن حنبل، وإسحاق، وبه قَالَ أبو ثور. وقد روينا عن الحسن في هذا الباب قولاً ثالثاً: وهي خلاف رواية يونس عنه، فيمن نسي صلاة في سفر فذكرها في حضر، وَقَوْلُهُ فيمن نسي صلاة في حضر فذكرها في السفر قول شاذ لا نعلم أحداً قَالَ به، ذكر خالد بن الحارث، عن الأشعث أنَّ الحسن قَالَ في رجل نسي صلاة الحضر حتى ذكرها في السفر، قَالَ:

стр. 2218

يصليها صلاة السفر، وإذا نسي صلاة في سفر ثم ذكرها في الحضر صلى صلاة الحضر» اهـ. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ [الْمُغْنِي] (٢/ ٢٠٨): «وَأَمَّا إنْ نَسِيَ صَلَاةَ السَّفَرِ، فَذَكَرَهَا فِي الْحَضَرِ، فَقَالَ أَحْمَدُ: عَلَيْهِ الْإِتْمَامُ احْتِيَاطًا. وَبِهِ قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ، وَدَاوُد، وَالشَّافِعِيُّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ. وَقَالَ مَالِكٌ، وَالثَّوْرِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ: يُصَلِّيهَا صَلَاةَ سَفَرٍ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَقْضِي مَا فَاتَهُ، وَلَمْ يَفُتْهُ إلَّا رَكْعَتَانِ. وَلَنَا، أَنَّ الْقَصْرَ رُخْصَةٌ مِنْ رُخَصِ السَّفَرِ، فَيَبْطُلُ بِزَوَالِهِ، كَالْمَسْحِ ثَلَاثًا. وَلِأَنَّهَا وَجَبَتْ عَلَيْهِ فِي الْحَضَرِ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ ﵇: "فَلْيُصَلِّهَا إذَا ذَكَرَهَا". وَلِأَنَّهَا عِبَادَةٌ تَخْتَلِفُ بِالْحَضَرِ وَالسَّفَرِ، فَإِذَا وُجِدَ أَحَدُ طَرَفَيْهَا فِي الْحَضَرِ، غَلَبَ فِيهَا حُكْمُهُ، كَمَا لَوْ دَخَلَتْ بِهِ السَّفِينَةُ الْبَلَدَ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ وَكَالْمَسْحِ. وَقِيَاسُهُمْ يَنْتَقِضُ بِالْجُمُعَةِ إذَا فَاتَتْ، وَبِالْمُتَيَمِّمِ إذَا فَاتَتْهُ الصَّلَاةُ، فَقَضَاهَا عِنْدَ وُجُودِ الْمَاءِ» اهـ. قُلْتُ: هذا الذي يظهر لي صحته، وذلك أنَّ القصر رخصه والأصل الإتمام، وشبيه بذلك من كان يصلي جالساً لعذر ثم فاتته صلاة وتذكرها حين تمكن من القيام فيلزمه القيام لزوال العذر. ٨ - واحتج به من قَالَ بتقديم الفائتة عند ذكرها على الصلاة الحاضرة. وهذا عند اتساع الوقت، وأمَّا إذا ضاق الوقت فالصحيح البداءة بالحاضرة حتى لا تكثر عليه الفوائت، ويسقط الترتيب حينئذ، وهذا مذهب الجمهور.

стр. 2219

قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٥/ ١٢٤ - ١٢٥): «من كان عليه صلاة فائتة، وقد ضاق وقت الصلاة الحاضرة عن فعل الصلاتين، فأكثر العلماء على أنَّه يبدأ بالحاضرة فيما بقي من وقتها، ثم يقضي الفائتة بعدها؛ لئلا تصير الصلاتان فائتتين، وهو قول الحسن وابن المسيب وربيعة والثوري والأوزاعي وأبي حنيفة، وأحمد في ظاهر مذهبه، وإسحاق وطائفة من أصحاب مالك. وهؤلاء أوجبوا الترتيب، ثم أسقطوه بخشية فوات الحاضرة. وكذلك قال الشافعي، فإنَّه لا يوجب الترتيب، إنَّما يستحبه، فأسقط هاهنا استحبابه وجوازه، وقال: يلزمه أن يبدأ بالحاضرة، ويأثم بتركه. وقالت طائفة: بل يبدأ بالفائتة، ولا يسقط الترتيب بذلك، وهو قول عطاء والنخعي والزهري ومالك والليث والحسن بن حي. وهو رواية عن أحمد، اختارها الخلال وصاحبه أبو بكر. وأنكر ثبوتها القاضي أبو يعلى، وذكر أنَّ أحمد رجع عنها» اهـ. قُلْتُ: وهكذا إذا أقيمت الحاضرة فتقدم على الفائتة. وقد جاء في [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢٢/ ١٠٦) لشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «وَسُئِلَ ﵀:

стр. 2220

عَنْ رَجُلٍ فَاتَتْهُ صَلَاةُ الْعَصْرِ: فَجَاءَ إلَى الْمَسْجِدِ فَوَجَدَ الْمَغْرِبَ قَدْ أُقِيمَتْ فَهَلْ يُصَلِّي الْفَائِتَةَ قَبْلَ الْمَغْرِبِ أَمْ لَا؟. فَأَجَابَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، بَلْ يُصَلِّي الْمَغْرِبَ مَعَ الْإِمَامِ ثُمَّ يُصَلِّي الْعَصْرَ بِاتِّفَاقِ الْأَئِمَّةِ وَلَكِنْ هَلْ يُعِيدُ الْمَغْرِبَ؟ فِيهِ قَوْلَانِ. أَحَدُهُمَا: يُعِيدُ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ وَمَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَحْمَد فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُ. وَالثَّانِي: لَا يُعِيدُ الْمَغْرِبَ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَقَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَالْقَوْلُ الْآخَرُ فِي مَذْهَبِ أَحْمَد. وَالثَّانِي أَصَحُّ فَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يُوجِبْ عَلَى الْعَبْدِ أَنْ يُصَلِّيَ الصَّلَاةَ مَرَّتَيْنِ إذَا اتَّقَى اللَّهَ مَا اسْتَطَاعَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ» اهـ. قُلْتُ: وهكذا يستثنى من ذلك من تذكر الفائتة وهو في أثناء الصلاة فإنَّه يتم الحاضرة ثم يصلي الفائتة. وَسُئِلَ شَيْخُ الْإِسْلَامُ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢٢/ ١٠٥): «عَنْ رَجُلٍ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ مِنْ فَرْضِ الظُّهْرِ فَسَلَّمَ ثُمَّ لَمْ يَذْكُرْهَا إلَّا وَهُوَ فِي فَرْضِ الْعَصْرِ فِي رَكْعَتَيْنِ مِنْهَا فِي التَّحِيَّاتِ. فَمَاذَا يَصْنَعُ؟. فَأَجَابَ: إنْ كَانَ مَأْمُومًا فَإِنَّهُ يُتِمُّ الْعَصْرَ ثُمَّ يَقْضِي الظُّهْرَ وَفِي إعَادَةِ الْعَصْرِ قَوْلَانِ لِلْعُلَمَاءِ فَإِنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ مَبْنِيَّةٌ عَلَى أَنَّ صَلَاةَ الظُّهْرِ بَطَلَتْ بِطُولِ الْفَصْلِ وَالشُّرُوعِ فِي غَيْرِهَا فَيَكُونُ بِمَنْزِلَةِ مَنْ فَاتَتْهُ الظُّهْرُ وَمَنْ فَاتَتْهُ الظُّهْرُ وَحَضَرَتْ جَمَاعَةُ الْعَصْرِ فَإِنَّهُ يُصَلِّي الْعَصْرَ ثُمَّ يُصَلِّي الظُّهْرَ ثُمَّ هَلْ يُعِيدُ الْعَصْرَ؟ فِيهِ قَوْلَانِ لِلصَّحَابَةِ وَالْعُلَمَاءِ.

стр. 2221

أَحَدُهُمَا: يُعِيدُهَا وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ وَالْمَشْهُورُ فِي مَذْهَبِ أَحْمَد. وَالثَّانِي: لَا يُعِيدُ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ. وَاخْتِيَارُ جَدِّي. وَمَتَى ذَكَرَ الْفَائِتَةَ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ كَانَ كَمَا لَوْ ذَكَرَ قَبْلَ الشُّرُوعِ فِيهَا وَلَوْ لَمْ يَذْكُرْ الْفَائِتَةَ حَتَّى فَرَغَتْ الْحَاضِرَةُ فَإِنَّ الْحَاضِرَةَ تُجْزِئُهُ عِنْدَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ. كَأَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد. وَأَمَّا مَالِكٌ فَغَالِبُ ظَنِّي أَنَّ مَذْهَبَهُ أَنَّهَا لَا تَصِحُّ وَاللَّهُ أَعْلَمُ» اهـ. فائدة: وفي صحة صلاة المأموم إذا كانت أقل من صلاة الإمام نزاع بين العلماء. قال العلامة عبد الملك الجويني الشافعي ﵀ فِي [نهاية المطلب في دراية المذهب] (٢/ ٣٧٥ - ٣٧٦): «فأمَّا إذا كان عدد ركعات صلاة المأموم أقل، ففي صحة القدوة على ظاهر المذهب قولان في هذه الصورة: أحدهما - الصحة، وهو الظاهر الذي قطع به الصيدلاني، ووجهُه اعتبارُه بالصورة قبيل هذه. فإذا توافقت الصلاتان في النظم، فينبغي ألا يؤثر تفاوت عدد الركعات، كما لو كان عدد ركعات صلاة المأموم أكثر. والقول الثاني - أنَّه لا تصح القدوة بخلاف الصورة الأولى؛ فإنَّ في الصورة الأولى لا يفارق إمامه، والإمام متمادٍ في صلاته، بل الإمام يفارقه، وهو يقوم إلى بقية صلاته، كفعل المسبوق. بخلاف صورة القولين على ما سنبين في التفريع.

стр. 2222

فإن صححنا القدوة -على الأصح- فنفرع صوراً، فنقول: إن كان المقتدي في الصبح قضاء أم أداء، والإمام في صلاة رباعية، فيصلي ركعتين مع الإمام، ويجلس معه للتشهد، ثم الإمام يقوم إلى الثالثة، والمقتدي لا يقوم معه أصلاً، وهو بالخيار: إن شاء تحلل عن صلاته، وفارق إمامه، ولا يضره ذلك؛ لأنَّه معذور بمفارقته، وإن شاء بقي جالساً، وانتظر الإمام، حتى يصلي ركعتين، ويجلس، ويسلم، فيسلم معه. وفي هذا الانتظار، وفي بقاء المقتدي على حكم القدوة في سهو يقع، كلامٌ مُفصّل يأتي في صلاة الخَوْف إن شاء الله تعالى. فإن قيل: هلاّ تابع الإمامَ في ركعتيه الباقيتين، ثم لا تحسبان له كالمسبوق يدرك الإمام رافعاً رأسه عن الركوع، فإنَّه يتابعه في بقية الركعة، ثم لا تحسب له؟ قلنا: هذا محال؛ فإنَّ المتابعة في ركعة تامة، غير محسوبة، محال، فأمَّا بعض الركعة، فقد لا يحتسب. ثم ذلك في حق المسبوق يقع في صدر الصلاة، فلا وجه إذاً لما قاله السائل. فلو اقتدى في صلاة المغرب بمن يصلي أربع ركعات، فإذا رفع الإمام رأسه من سجود الركعة الثالثة، وقام إلى الرابعة، جلس المقتدي للتشهد، ولم يتابع إمامه أصلاً، ويسلم. ولو أراد أن ينتظر إمامَه في هذه الجلسة حتى يعود إليه ويسلم معه، لم يكن له ذلك على ظاهر المذهب، فإنَّه فارقه لمّا جلس للتشهد، فلا ينتظره بعدما فارقه.

стр. 2223

وليس كما لو كان المقتدي في صلاة الصبح والإمام في الظهر، فإنَّه يجلس مع إمامه، ثم يقوم الإمام إلى الثالثة، وله أن ينتظره؛ لأنَّه ما أحدث تشهداً، بل وافق إمامه فيه، فإذا انتظره، كان في حكم المطوِّل المستديم لتشهده، وفي صلاة المغرب تشهد، حيث لم يتشهد إمامه أصلاً، فكل ذلك مفارقة للإمام» اهـ. وقَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِيُ ﵀ فِي [الْمَجْمُوعِ] (٤/ ٢٧٠): «وَإِنْ كَانَ عَدَدُ رَكَعَاتِ الْمَأْمُومِ أَقَلَّ كَمَنْ صَلَّى الصُّبْحَ خَلْفَ رُبَاعِيَّةٍ أَوْ خَلْفَ الْمَغْرِبِ أَوْ صَلَّى الْمَغْرِبَ خَلْفَ رُبَاعِيَّةٍ فَفِيهِ طَرِيقَانِ حَكَاهُمَا الْخُرَاسَانِيُّونَ. أَصَحُّهُمَا: وَبِهِ قَطَعَ الْعِرَاقِيُّونَ جَوَازَهُ كَعَكْسِهِ وَالثَّانِي: حَكَاهُ الْخُرَاسَانِيُّونَ فِيهِ قَوْلَانِ: أَصَحُّهُمَا هَذَا. وَالثَّانِي: بُطْلَانُهُ لِأَنَّهُ يَدْخُلُ فِي الصَّلَاةِ بِنِيَّةِ مُفَارَقَةِ الْإِمَامِ فَإِذَا قُلْنَا بِالْمَذْهَبِ وَهُوَ صِحَّةُ الِاقْتِدَاءِ فَفَرَغَتْ صَلَاةُ الْمَأْمُومِ وَقَامَ الْإِمَامُ إلَى مَا بَقِيَ عَلَيْهِ فَالْمَأْمُومُ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ فَارَقَهُ وَسَلَّمَ وَإِنْ شَاءَ انْتَظَرَهُ لِيُسَلِّمَ مَعَهُ وَالْأَفْضَلُ انْتِظَارُهُ». إلى أن قال: «وَإِذَا صَلَّى الْمَغْرِبَ خَلْفَ الظُّهْرِ وَقَامَ الْإِمَامُ إلَى الرَّابِعَةِ لَمْ يَجُزْ لِلْمَأْمُومِ مُتَابَعَتُهُ بَلْ يُفَارِقُهُ وَيَتَشَهَّدُ وَهَلْ لَهُ أَنْ يُطَوِّلَ التَّشَهُّدَ وَيَنْتَظِرَهُ فِيهِ وَجْهَانِ حَكَاهُمَا إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَآخَرُونَ: أَحَدُهُمَا: لَهُ ذَلِكَ كَمَا قُلْنَا فِيمَنْ صَلَّى الصُّبْحَ خَلْفَ الظُّهْرِ وَالثَّانِي: قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَهُوَ الْمَذْهَبُ لَا يَجُوزُ لِأَنَّهُ يُحْدِثُ تَشَهُّدًا وَجُلُوسًا لَمْ يَفْعَلْهُ الْإِمَامُ» اهـ. وقال ﵀ فِي [روضة الطالبين] (١/ ٣٦٨): «وَلَوْ صَلَّى الْمَغْرِبَ خَلْفَ الظُّهْرِ، فَإِذَا قَامَ الْإِمَامُ إِلَى الرَّابِعَةِ، لَمْ يُتَابِعْهُ بَلْ يُفَارِقُهُ، وَيَتَشَهَّدُ وَيُسَلِّمُ. وَهَلْ لَهُ أَنْ يَتْرُكَ التَّشَهُّدَ وَيَنْتَظِرَهُ؟ وَجْهَانِ. أَحَدُهُمَا: لَهُ ذَلِكَ كَمَا قُلْنَا فِي الْمُقْتَدِي بِالصُّبْحِ خَلْفَ الظُّهْرِ. وَالثَّانِي: وَهُوَ الْمَذْهَبُ عِنْدَ إِمَامِ الْحَرَمَيْنِ، لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ، لِأَنَّهُ يُحْدِثُ تَشَهُّدًا لَمْ يَفْعَلْهُ الْإِمَامُ» اهـ.

стр. 2224

وقال العلامة محمد بن مفلح ﵀ فِي [الفروع] (٢/ ٤٤٣) «وَقِيلَ: أَوْ كَانَتْ صَلَاةُ الْمَأْمُومِ أَقَلَّ، اخْتَارَهُ شَيْخُنَا، وَصَاحِبُ الْمُحَرَّرِ، وَقَالَ: عَلَى نَصِّ أَحْمَدَ "وش" وَقِيلَ إلَّا الْمَغْرِبَ خَلْفَ الْعِشَاءِ، وَيُتِمُّ، وَيُسَلِّمُ، وَلَهُ أَنْ يَنْتَظِرَ لِيُسَلِّمَ مَعَهُ. وَفِي التَّرْغِيبِ يُتِمُّ، وَقِيلَ أَوْ يَنْتَظِرَهُ» اهـ. وقال العلامة إبراهيم بن مفلح الحنبلي ﵀ فِي [النكت والفوائد السنية على مشكل المحرر] (١/ ١٠١ - ١٠٢): «فَمَتَى اخْتلف عدد رَكْعَات الصَّلَاتَيْنِ وَصَلَاة الْمَأْمُوم أكثرهما كالظهر وَالْمغْرب خلف مصلي الْفجْر وكالعشاء خلف مصلي التَّرَاوِيح فَإِنَّهُ يَصح نَص عَلَيْهِ وَيتم إِذا سلم إِمَامه كالمسبوق وكالمقيم خلف الْقَاصِر، وَإِنْ كَانَتْ صَلَاة الْمَأْمُوم أقلهما كالفجر خلف مصلي الظُّهْر أَوْ الْمغرب صَحَّ أَيْضاً على مَنْصُوص أَحْمد وَالشَّافِعِيّ وَمن أصحابهما من منع الصِّحَّة هُنَا بِخِلَاف عَكسه لتعذر دوَام الْمُتَابَعَة كَمَا منعنَا من الِاقْتِدَاء بِمن يُصَلِّي الْكُسُوف، قَالَ: وَهَذَا لَيْسَ بشئ لأننا قد التزمنا مثله فِي اسْتِخْلَاف الْمَسْبُوق وفيمن صلى رَكْعَة مُنْفَرداً ثمَّ صَار مَأْمُوماً فعلى هَذَا يُفَارق

стр. 2225

إِمَامه فِي الْفجْر إِذا نَهَضَ الإِمَام إِلَى الثَّالِثَة وَفِي الْمغرب إِذا نَهَضَ إِلَى الرَّابِعَة ثمَّ يتم وَيسلم لِأَنَّهَا مُفَارقَة لعذر وَإِنْ شَاءَ انتظره حَتَّى يسلم مَعَه كاستخلاف الْمَسْبُوق وَحل كَلَام الرجل بعضه بِبَعْض أولى. وَقَالَ فِي الرِّعَايَة ثمَّ إِذا تمّ فَرْضه قبل فرَاغ إِمَامه هَلْ ينتظره أَوْ يسلم قبله أَوْ يُخَيّر فِيهِ أوجه لَكِن يَنْبَغِي أَنْ يعرف أَنْ جمَاعَة من الْأَصْحَاب مُقْتَضى كَلَامهم أَنْ الْخلاف إِنَّمَا هُوَ عِنْدهم فِيمَا إِذا اتّفقت الْأَفْعَال خَاصَّة وَأَنْ الأئتمام مَعَ اخْتِلَاف الْأَفْعَال مَانع من الصِّحَّة قولاً وَاحِدًا بل صَرِيح كَلَامهم وَالشَّيْخ موفق الدّين يخْتَار أَيْضاً أَنَّ الْخلاف فِيمَا إِذا اخْتلفت وَكَانَت صَلَاة الْمَأْمُوم أَكْثَرهَا عدداً كالعشاء خلف التَّرَاوِيح، وَصَاحب الْمُحَرر عِنْده الْخلاف فِي ذَلِك وَفِيمَا إِذا كَانَتْ صَلَاة الْمَأْمُوم أقلهما عدداً، وَمن أَصْحَابنَا من منع الْمغرب خلف الْعشَاء لإفضائه إِلَى جُلُوس فِي غير مَحَله وَإِنْ أجَاز الْفجْر خلفهَا» اهـ. وَقَاَل الْعَلَّامَةُ الْمَرْدَاوِي ﵀ فِي [الْإِنْصَافِ] (٢/ ٢٧٨): «تَنْبِيهٌ: ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ: عَدَمُ صِحَّةِ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ أَوْ الْفَجْرِ خَلْفَ مَنْ يُصَلِّي رُبَاعِيَّةً تَامَّةً أَوْ ثُلَاثِيَّةً، وَعَدَمُ صِحَّةِ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ خَلْفَ مَنْ يُصَلِّي الْعِشَاءَ، قَوْلًا وَاحِدًا، وَهُوَ أَحَدُ الطَّرِيقَتَيْنِ قَالَ الشَّارِحُ وَغَيْرُهُ: لَا تَصِحُّ رِوَايَةً وَاحِدَةً وَاخْتَارَهُ فِي الْمُسْتَوْعِبِ وَغَيْرِهِ، وَهُوَ مَعْنَى مَا فِي الْفُصُولِ وَغَيْرِهِ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالْفَائِقِ، وَالرِّعَايَةِ، وَالطَّرِيقَةُ الثَّانِيَةُ: الْخِلَافُ أَيْضًا جَارٍ هُنَا كَالْخِلَافِ فِيمَا قَبْلَهُ، وَأَطْلَقَ

стр. 2226

الطَّرِيقَتَيْنِ ابْنُ تَمِيمٍ وَاخْتَارَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَصَاحِبُ مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَالْفَائِقِ، وَالشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: الصِّحَّةَ هُنَا قَالَ الْمَجْدُ: صَحَّ عَلَى مَنْصُوصِ أَحْمَدَ قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: هِيَ أَصَحُّ الطَّرِيقَتَيْنِ. وَقِيلَ: تَصِحُّ. إلَّا الْمَغْرِبَ خَلْفَ الْعِشَاءِ فَإِنَّهَا لَا تَصِحُّ، وَحَكَى الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فِي صَلَاةِ الْفَرِيضَةِ خَلْفَ صَلَاةِ الْجِنَازَةِ رِوَايَتَيْنِ وَاخْتَارَ الْجَوَازَ فَعَلَى الْقَوْلِ بِالصِّحَّةِ: مُفَارَقَةُ الْمَأْمُومِ عِنْدَ الْقِيَامِ إلَى الثَّالِثَةِ، وَيُتِمُّ لِنَفْسِهِ، وَيُسَلِّمُ قَبْلَهُ، وَلَهُ أَنْ يَنْتَظِرَهُ لِيُسَلِّمَ مَعَهُ. هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ قَالَ فِي التَّلْخِيصِ: هَذَا الْأَخِيرُ فِي الْمَذْهَبِ وَقَطَعَ بِهِ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَمَجْمَعُ الْبَحْرَيْنِ، وَنَصَرَاهُ قَالَ فِي التَّرْغِيبِ: يُتِمُّ وَقِيلَ: أَوْ يَنْتَظِرُهُ قَالَ فِي التَّلْخِيصِ: يُحْتَمَلُ أَنْ يُفَارِقَهُ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَتَخَيَّرَ بَيْنَ انْتِظَارِ الْإِمَامِ وَالْمُفَارَقَةِ قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: هَلْ يَنْتَظِرُهُ، أَوْ يُسَلِّمُ قَبْلَهُ؟ فِيهِ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا: يُسَلِّمُ قَبْلَهُ، وَالثَّانِي: إنْ شَاءَ سَلَّمَ وَإِنْ شَاءَ انْتَظَرَ قَالَ فِي الرِّعَايَةِ: وَهَلْ يُتِمُّ هُوَ لِنَفْسِهِ وَيُسَلِّمُ، أَوْ يَصْبِرُ لِيُسَلِّمَ مَعَهُ؟ فِيهِ وَجْهَانِ، وَفِي تَخْيِيرِهِ بَيْنَهُمَا احْتِمَالٌ، وَقِيلَ: وَجْهٌ» اهـ. وقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ عُثَيْمِينَ ﵀ فِي [الشَّرْحُ الْمُمْتِعِ] (٢/ ٣١٢ - ٣١٣): «ومن الأعذار أيضاً: أن تكون صلاة المأموم أقلَّ من صلاة الإمام، مثل: أن يُصلِّي المغرب خلف من يصلِّي العشاء على القول بالجواز؛ فإنَّه في هذه الحال له أن ينفرد ويقرأ التشهد ويُسَلِّمَ وينصرف، أو يدخل مع الإمام إذا كان يريد أن يجمع مع

стр. 2227

الإمام فيما بقي من صلاة العشاء، ثم يُتمُّ بعد سلامه. وهذا القولُ رواية عن الإمام أحمد ﵀. وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ وهو الحقُّ، ونوعُ العُذر هنا عُذر شرعيّ؛ لأنَّه لو قام مع الإمام في الرَّابعة لبطلت صلاتُه» اهـ. وقال ﵀ [الشَّرْحُ الْمُمْتِعِ] (٤/ ٢٦٠ - ٢٦٣): «وإذا صلَّى وراءَ إمامٍ وصلاتُهُ أقلُّ مِنْ صلاةِ الإِمامِ، فهنا قد يحدثُ فيه إشكالٌ؛ لأنَّ المأمومَ هنا إن تابع الإِمامَ زاد في صلاتِهِ؛ وإنْ جَلَسَ خالفَ إمامَه. مثاله: صَلَّى المغربَ خلف مَنْ يصلِّي العشاءَ، فهنا إذا قامَ الإِمامُ إلى رابعةِ العشاءِ فالمأمومُ بين أمرين: إما أن ينفردَ عن الإِمامِ، وهذه مفسدةٌ. وإما أن يتابعَ الإِمامَ وهذه أيضاً مفسدةٌ، لأنَّه إنْ تابعَ الإِمامَ زَادَ ركعةً، وإنْ تخلَّفَ خالفَ الإِمامَ، وقد قال النَّبيُّ ﷺ : "إنَّما جُعِلَ الإِمامُ ليُؤتمَّ به" فهل هذه الصُّورةُ تدخلُ في القولِ الصَّحيحِ الرَّاجحِ أنَّ اختلافَ النِّيةِ بين الصَّلاتين لا يَضرُّ؟ الجواب: نعم، تدخلُ في القولِ الرَّاجحِ، وأنه يجوزُ أن يصلِّيَ المغربَ خلفَ مَنْ يصلِّي العشاءَ، وهذه تقعُ كثيراً، فإنْ أدركَ الإِمامَ في الثانية فما بعدَها فلا إشكال، لأنه يتابعُ إمامَه ويُسلِّمُ معه، وإنْ دَخَلَ في الثالثةِ أتى بعدَه بركعةٍ، وإن دَخَلَ في

стр. 2228

الرابعةِ أتى بركعتين، لكن إنْ دَخَلَ في الأولى فإنَّه يَلزمُه إذا قامَ الإِمامُ إلى الرابعةِ أنْ يجلسَ ولا يقوم. ولكن إذا جَلَسَ هل ينوي الانفرادَ ويُسلِّمُ، أو ينتظرُ الإِمامَ؟ الجواب: هو مخيّرٌ، لكننا نستحبُّ له أن ينويَ الانفرادَ ويسلِّمُ، إذا كان يمكنه أن يدركَ ما بقيَ مِنْ صلاةِ العشاءِ مع الإِمامِ؛ مِنْ أجلِ أنْ يُدركَ صلاةَ الجماعةِ في العشاءِ. فإن قال قائلٌ: لماذا تُجيزونَ له الانفرادَ، والإِمامُ يجبُ أن يُؤتَمَّ به؟. فالجواب: لأجلِ العُذرِ الشَّرعيِّ، والانفرادُ للعُذرِ الشَّرعي أو الحِسِّيِّ جائزٌ. ودليل الانفراد للعُذرِ الشَّرعيِّ: صلاةُ الخوفِ، فالطَّائفةُ الأُولى تصلِّي مع الإِمامِ ركعةً، فإذا قامَ إلى الثانيةِ نوتِ الانفرادَ، وأتمَّت الركعةَ الثانيةَ، وسلَّمت وانصرفت. ودليلُ الانفرادِ للعُذرِ الحِسِّيِّ انفرادُ الصَّحَابِي عن معاذ بن جَبَل لتطويله. ومثاله: أن يصيبَ الإِنسانُ في صلاتِه ما يبيحُ له قطعَها أو تخفيفَها بأن يُصابَ وهو يصلِّي مع الإِمامِ بعُذرٍ يَشقُّ عليه أن يستمرَّ معه مع الإِمامِ، فنقول له: لك أن تنفردَ وتخفِّفَ الصَّلاةَ وتنصرفَ، إلَّا إذا كنت لا تستفيدُ بانفرادِك شيئاً، مثل: أن يكون الإِمامُ يخفِّفُ الصَّلاةَ تخفيفاً بقَدْرِ الواجب، فحينئذٍ لا يستفيدُ مِنْ الانفرادِ، فلا يتفرَّدُ، لكن لو أنَّ الإِمامَ يطبِّقُ السُّنَّةَ بالتأنِّي ويتعبُ المأمومُ لو بقيَ مع الإِمامِ لمدافعته الأخبثين، فنقول له: أنْ ينفردَ ويخفِّفَ الصَّلاةَ ويُسلِّمَ وينصرفَ.

стр. 2229

فإن قال قائلٌ: ما تقولون في رَجُلٍ مسافرٍ صَلَّى خلفَ إمامٍ يصلِّي أربعاً، هل تُبيحونَ له إذا صَلَّى الركعتين أن ينفردَ ويُسلِّمَ؛ لأنَّ المسافرَ يقصر الصَّلاةَ؟ فنقول: لا نُبيحُ لك ذلك. إذاً؛ ما الفَرْقُ بين هذه المسألةِ، ومسألة مَنْ يصلِّي المغربَ خلفَ مَنْ يصلِّي العشاءَ؟ الجواب: الفَرْقُ بينهما ظاهرٌ، لأن إتمامَ الرُّباعيةِ إتمامَ صِفةٍ مشروعةٍ في الحضر، أمَّا إتمام المغربِ أربعاً فليست صفةً مشروعةً إطلاقاً» اهـ. وسئل الشيخ ابن عثيمين ﵀ كَمَا فِي [لقاءات الباب المفتوح] (٣/ ٤٢٥): «تأخر المصلون عن صلاة المغرب، فوجدوا أنَّ الإمام قام إلى صلاة العشاء، فهل يصلون المغرب جماعة أم يدخلون مع الإمام؟ وكيف يكون حالهم في الصلاة؟ فأجاب: الصحيح أنَّ الإنسان إذا جاء والإمام في صلاة العشاء، سواء كان معه جماعة أم لم يكن، فإنَّه يدخل مع الإمام بنية المغرب، ولا يضر أن تختلف نية الإمام والمأموم لعموم قول النبي ﷺ : "إنَّما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى". فإن دخلوا معه في الركعة الثانية سلموا معه، لأنَّهم يكونون صلوا ثلاثاً، ولا يضر أن يكون جلسوا في الركعة الأولى، وإن دخلوا معه في أول ركعة، فإذا

стр. 2230

قام إلى الرابعة جلسوا وتشهدوا وسلموا، ثم دخلوا معه فيما بقي من صلاة العشاء. القول الثاني في المسألة: أن يدخلوا معه بنية العشاء، ويصلوا بعده المغرب ويسقط الترتيب هنا مراعاةً للجماعة. القول الثالث: أن يصلوا وحدهم صلاة المغرب، ثم يدخلوا معه فيما بقي من صلاة العشاء، والقولان الأخيران فيهما محذور، أمَّا الأول فمحذوره فوات الترتيب حيث قدم صلاة العشاء على صلاة المغرب، وأمَّا الثاني فمحذوره إقامة جماعتين في مسجد واحد وفي آن واحد، وهذا تفريق للأمة. أمَّا القول الأول الذي ذكرنا أنَّه الصحيح، فربما قال قائل إنَّ فيه محذوراً وهو تسليم هؤلاء قبل أن يسلم إمامهم، وهذا في الحقيقة ليس فيه محذور، فقد ورد انفراد المأموم عن الإمام في مواضع من السُّنَّة، منها: صلاة الخوف، فإن الإمام يصلي بهم ركعة ثم يتمون لأنفسهم وينصرفون. ومنها: قصة الرجل الذي دخل مع معاذ بن جبل ﵁، فلما بدأ بسورة البقرة أو سورة نحوها انفصل عنه ولم يكمل معه. ومنها: أن العلماء قالوا: لو أن الإنسان أثناء الصلاة وهو مأموم ثارت عليه الريح الغازات أو احتاج إلى نقض الوضوء ببول أو غائط، فإنَّه لا بأس أن ينوي الانفراد ويكمل صلاته وينصرف، فهذا يدل على أن الانفراد لحاجة لا يعتبر محذوراً» اهـ. قُلْتُ: قوله: «وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ وهو الحقُّ».

стр. 2231

الذي وقفت عليه من مذهب شيخ الإسلام ما سبق، وهكذا ما جاء في [الْاخْتِيَارَاتِ الْفِقْهِيَّةِ] (ص: ٤٣١) قوله: «وأصح الطريقين لأصحاب أحمد: أنه يصح ائتمام القاضي بالمؤدي وبالعكس لا يخرج عن ذلك ائتمام المفترض بالمنتفل ولو اختلفا أو كانت صلاة المأموم أقل وهو اختيار أبي البركات وغيره وحكى أبو العباس في صلاة الفريضة خلف صلاة الجنازة روايتين واختار الجواز» اهـ. ولم أقف من كلام شيخ الإسلام ما يدل على التفصيل الذي ذكره العلامة ابن عثيمين ﵀. وما ذكره العلامة ابن عثيمين قد قاله بعض العلماء كما سبق وهو أصح الأقوال في هذه المسألة، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. واختار العلامة ابن باز ﵀ أن ينتظر المؤتم حتى يسلم مع إمامه. قال العلامة ابن باز ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (١٢/ ١٨٧): «وهكذا من صلى المغرب خلف من يصلي العشاء ودخل معه من أولها فإنه يجلس بعد انتهاء الركعة الثالثة، ولا يتابع الإمام في الرابعة، والأفضل له أن ينتظر الإمام حتى يسلم فإذا سلم الإمام سلم بعده» اهـ. وجاء في [فَتَاوَى الْلَّجْنَةِ الْدَائِمَةِ - ٢] (٦/ ٢٤٤):

стр. 2232

«واجب على من يصلي المغرب خلف من يصلي العشاء إذا قام الإمام إلى الركعة الرابعة في صلاة العشاء أن ينتظر بعد الركعة الثالثة حتى يسلم الإمام فيسلم معه، أو ينوي الانفصال ويجلس بعد الثالثة للتشهد ثم يسلم» اهـ. قُلْتُ: ويشكل على ما سبق ما رواه عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (٢٢٦٤) عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ، وَعَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ: «أَنَّ أَبَا الدَّرْدَاءِ انْتَهَى إِلَى أَهْلِ حِمْصٍ، وَهُمْ يُصَلُّونَ الْعِشَاءَ، وَهُوَ يَظُنُّ أَنَّهَا الْمَغْرِبُ، فَلَمَّا سَلَّمَ الْإِمَامُ قَامَ فَصَلَّى رَكْعَةً أُخْرَى، فَاعْتَدَّ بثَلَاثِ الْمَغْرِبِ وَجَعَلَ الرَّكْعَتَيْنِ تَطَوُّعًا، ثُمَّ صَلَّى الْعِشَاءَ بَعْدَ ذَلِكَ». قَالَ مَعْمَرٌ: وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: «يُعِيدُ الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ». قُلْتُ: ولا يثبت هذا لانقطاعه، فلا يثبت فأنس لا يصح له رواية عن أحد من الصحابة غير أنس كما ذكر ذلك الإمام أحمد، وعطاء لا تصح له رواية عن الصحابة. وروى ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٤٧٦٩) حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ كَثِيرِ بْنِ أَفْلَحَ، قَالَ: «انْتَهَيْنَا إِلَى الْمَسْجِدِ وَلَمْ أُصَلِّ الْمَغْرِبَ فَأُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَصَلَّيْتُ مَعَهُمْ وَأَنَا أَرَى أَنَّهَا الْمَغْرِبُ فَإِذَا هِيَ الْعِشَاءُ فَقُمْتُ فَصَلَّيْتُ الْمَغْرِبَ ثُمَّ صَلَّيْتُ الْعِشَاءَ ثُمَّ سَأَلْتُ فَأَمَرُونِي بِالَّذِي صَنَعْتُ». قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ. وكثير تابعي. ٩ - واحتج به من قَالَ أنَّ قضاء الفوائت على الفور. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ في [الصلاة وحكم تاركها] ص (٩٠ - ٩٣):

стр. 2233

«وأمَّا المسألة الحكمية فهل تجب المبادرة إلى فعلها على الفور حين يستيقظ ويذكر أم يجوز له التأخير فيه قولان: أصحهما وجوبها على الفور وهذا قول جمهور الفقهاء منهم إبراهيم النخعي ومحمد بن شهاب الزهري وربيعة ابن أبي عبد الرحمن ويحيى بن سعيد الأنصاري وأبو حنيفة ومالك والإمام أحمد وأصحابهم وأكثر العلماء وظاهر مذهب الشافعي أنه على التراخي واحتج من نص على هذا القول بأَنَّ النَّبِيَّ لم يصلها في المكان الذي ناموا به بل أمرهم فاقتادوا رواحلهم إلى مكان آخر فصلى فيه وفي حديث أبي قتادة فلما استيقظوا قَالَ اركبوا فركبنا فسرنا حتى ارتفعت الشمس نزل ثم دعا بميضأة فيها ماء فتوضأ ثم أذن بلال بالصلاة فصلى رسول الله ركعتين ثم صلى الغداة. قَالَوا: ولو وجب القضاة على الفور لم يفارق منزله حتى يفعلها. قَالَوا: ولا يصح الاعتذار عن هذا بأن ذلك المكان كان فيه شيطان فلم يصلوا فيه فإن حضور الشيطان في المكان لا يكون عذراً في تأخير الواجب. قَالَ الشافعي ولو كان وقت الفائتة يضيق لما أخره لأجل الشيطان فقد صلى وهو يخنق الشيطان. قَالَ الشافعي: فخنقه للشيطان في الصلاة أبلغ من واد فيه شيطان.

стр. 2234

قَالَوا: ولأنَّها عبادة مؤقتة فإذا فاتت لم يجب قضاؤها على الفور كصوم رمضان بل أولى لأنَّ الأداء متوسع في الصلاة دون الصوم فكانت التوسعة في القضاء أولى. وقَالَ أبو إسحاق إبراهيم بن أحمد المروزي الشافعي إن أخرها لعذر قضاها على التراخي للحديث وإن أخرها لغير عذر قضاها على الفور لئلا يثبت بتفريطه ومعصيته رخصة لم تكن. واحتج الجمهور بما رواه مُسْلِم في صَحِيْحِهِ مِنْ حَدِيْثِ أبي قتادة أنهم ذكروا للنبي نومهم عن الصلاة فقَالَ: "ليس في النوم تفريط فإذا نسي أحدكم صلاة أو نام عنها فليصلها إذا ذكرها لا كفارة لها إلَّا ذلك" وفي صَحِيْحِهِ أيضاً عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللهِ: "من نسي الصلاة فليصلها إذا ذكرها فإن الله قَالَ: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ ". وعند الدارقطني في هذا الحديث: "من نسي صلاة فوقتها إذا ذكرها" وهذه الألفاظ صريحة في الوجوب على الفور. قَالَوا: وما استدللتم به على جواز التأخير فإنَّما يدل على التأخير اليسير الذي لا يصير صاحبه مهملاً معرضاً عن القضاء بل يفعله لتكميل الصلاة من اختيار بقعة على بقعة وانتظار رفقة أو جماعة لتكثير أجر الصلاة ونحو ذلك من تأخير يسير لمصلحتها وتكميلها فكيف يؤخذ من هذا التأخير اليسير لمصلحتها جواز تأخير جواز تأخيرها سنين عدداً.

стр. 2235

وقد نص الإمام أحمد على أنَّ المسافر إذا نام في منزله عن الصلاة حتى فاتت أنَّه يستحب له أن ينتقل عنه إلى غيره فيقضيها فيه للخبر مع أنَّ مذهبه وجوب فعلها على الفور وإذا كانت أوامر الله ورسوله المطلقة على الفور فكيف المقيدة ولهذا أوجب الفورية في المقيدة أكثر من نفاها في المطلقة. وأمَّا ما تمسكوا به من القياس على قضاء رمضان فجوابه من وجهين: أحدهما: أنَّ السنة فرقت بين الموضعين فجوزت تأخير قضاء رمضان وأوجبت فعل المنسية عند ذكرها فليس لنا أن نجمع ما فرقت السنة بينهما. الثاني: أنَّ هذا القياس حجة عليهم فإنَّ تأخير رمضان إنَّما يجوز إذا لم يأت رمضان وهم يجوزون تأخير الفائتة وإن أتى عليها أوقات صلوات كثيرة فأين القياس. وأمَّا قولهم: لو وجب الفور لما جاز التأخير لأجل الشيطان فقد تقدم جوابه وهو أنَّ الموجبين للفور يجوزون التأخير اليسير لمصلحة التكميل. وأمَّا نقضهم بخنق النبي للشيطان في صلاته فمن أعجب النقض فإنَّ التأخير اليسير للعدول عن مكان الشيطان لا تترك به الصلاة ولا يذهب به وقتها ولا يقطعها المصلي بخلاف من عرض له الشيطان في صلاته فإنَّه لو تركها لأجله لكان قد أبطل صلاته وقطعها بعد دخوله فيها ولعله إن تعرض له في الصلاة الثانية فيقطعها فيترك الصلاة بالكلية فأين إحدى المسألتين من الأخرى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بالصواب» اهـ.

стр. 2236

١٠ - وَقَوْلُهُ: «فَلْيُصَلِّهَا». أي تلك الصلاة التي فاتته وهذا إذا علم عينها وأمَّا إذا لم يعلم عينها صلى صلوات يوم وليلة. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٣/ ٧٧): «فصل: وإن نسي صلاة من يوم، لا يعلم عينها، أعاد صلاة يوم وليلة. نص عليه أحمد. وهو قول أكثر أهل العلم؛ وذلك لأنَّ التعيين شرط في صحة الصلاة المكتوبة، ولا يتوصل إلى ذلك هاهنا إلَّا بإعادة الصلوات الخمس فلزمه» اهـ. ١١ - واستشهاد النبي ﷺ على ذلك بقول الله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ مما احتج به العلماء على أنَّ شرع من قبلنا الثابت في شرعنا الذي لم يأت في شرعنا ما يخالفه شرع لنا. قُلْتُ: وهو قول جمهور السلف وقد سبق الكلام على هذه المسألة عند شرحنا لقول النبي ﷺ : «وكَانَ النَّبِيُّ يبعث إلى قومه … » الحديث. ١٢ - وَقَوْلُهُ: «أَوْ نَامَ عَنْهَا». فيه أنَّ النوم كالنسيان في القضاء ومثل النائم المغمى إذا كان باختياره وهكذا السكران. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٢/ ١٩٧ - ١٩٨): «وجملة ذلك أنَّ المغمى عليه حكمه حكم النائم، لا يسقط عنه قضاء شيء من الواجبات التي يجب قضاؤها على النائم؛ كالصلاة والصيام.

стр. 2237

وقَالَ مالك، والشافعي: لا يلزمه قضاء الصلاة إلَّا أن يفيق في جزء من وقتها؛ لأنَّ عائشة سألت رسول الله ﷺ عن الرجل يغمى عليه، فيترك الصلاة، فقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "ليس من ذلك قضاء إلَّا أن يغمى عليه، فيفيق في وقتها، فيصليها". وقَالَ أبو حنيفة: إن أغمي عليه خمس صلوات قضاها، وإن زادت سقط فرض القضاء في الكل؛ لأنَّ ذلك يدخل في التكرار، فأسقط القضاء، كالجنون. ولنا ما روي، أن عماراً غشي عليه أياماً لا يصلي، ثم استفاق بعد ثلاث، فقَالَ: هل صليت؟ فقيل: ما صليت منذ ثلاث. فقَالَ: أعطوني وضوءاً، فتوضأ، ثم صلى تلك الليلة. وروى أبو مجلز، أنَّ سمرة بن جندب، قَالَ: المغمى عليه - يترك الصلاة، أو فيترك الصلاة - يصلي مع كل صلاة صلاةً مثلها قَالَ: قَالَ عمران: زعم، ولكن ليصلهن جميعاً. وروى الأثرم هذين الحديثين في "سُنَنِهِ". وهذا فعل الصحابة وَقَوْلُهُم، ولا نعرف لهم مخالفاً، فكان إجماعاً. ولأنَّ الإغماء لا يسقط فرض الصيام، ولا يؤثر في استحقاق الولاية على المغمى عليه، فأشبه النوم.

стр. 2238

فأمَّا حديثهم فباطل يرويه الْحَاكِمُ بن سعد، وقد نهى أحمد ﵀، عن حديثه، وضعفه ابن المبارك، وقَالَ الْبُخَارِيّ: تركوه. وفي إسناده خارجة بن مصعب. ولا يصح قياسه على المجنون؛ لأنَّ المجنون تتطاول مدته غالباً، وقد رفع القلم عنه، ولا يلزمه صيام، ولا شيء من أحكام التكليف، وتثبت الولاية عليه، ولا يجوز على الأنبياء ﵈، والإغماء بخلافه، وما لا يؤثر في إسقاط الخمس لا يؤثر في إسقاط الزائد عليها، كالنوم» اهـ. قُلْتُ: أثر عمار رواه ابن المنذر ﵀ فِي [الْأَوْسَطِ] (٧/ ٢٠٧/ ٢٢٩٢): حَدَّثَنَا مُوسَى، ثنا أَبُو بَكْرٍ الْأَثْرَمُ، ثنا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ وَهُوَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ أَبِي الْحَسَنِ الْمَخْزُومِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ الْحَارِثِ الْأَنْصَارِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أُمِّ سَعِيدٍ، مَوْلَاةِ عَمَّارٍ وَكَانَتْ جَارِيَةَ عَمَّارٍ: «أَنَّهُ غُشِيَ عَلَيْهِ ثَلَاثًا لَا يُصَلِّي، ثُمَّ اسْتَفَاقَ بَعْدَ ثَلَاثٍ فَقَالَ: هَلْ صَلَّيْتُ؟ فَقَالُوا: مَا صَلَّيْتَ مُنْذُ ثَلَاثٍ، فَقَالَ: أَعْطُونِي وُضُوءًا فَتَوَضَّأَ ثُمَّ صَلَّى تِلْكَ الثَّلَاثَ». قُلْتُ: هذا الأثر شديد الضعف فيه محمد بن الحسن قَالَ الحافظ عثمان بن سعيد الدارمي ﵀ فِي [تاريخ ابن معين] ص (٢١٤): «وسألته عن محمد بن الحسن بن أبي الحسن المخزومي بن زبالة فقَالَ ليس بثقة» اهـ.

стр. 2239

قُلْتُ: ورواه مِنْ طَرِيقِه ابن عدي في [الكامل] (٦/ ١٧١)، والعقيلي في [الضعفاء] (١٦٠٩). ورواه أيضاً عن ابن معين ابن خيثمة في [تاريخه] (٤/ ٣٦٧). وفي الإسناد من لم أعرفه. وقد اضطرب الرواة في الحديث في مولى عمار من هو كما سوف يظهر ذلك في الروايات الآتية. وروى ابن المنذر في [الْأَوْسَطِ] (٧/ ٢٠٦/ ٢٢٩١) حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ هَارُونَ، ثنا أَبُو مُوسَى الْأَنْصَارِيُّ، ثنا مَعْنُ بْنُ عِيسَى، ثنا عَبْدُ اللهِ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ فُضَيْلٍ الْخَطْمِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ لُؤْلُؤَةَ، مَوْلَاةِ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ: «أَنَّهُ أُغْمِيَ عَلَيْهِ ثَلَاثًا فَتَرَكَ الصَّلَاةَ ثُمَّ أَفَاقَ فَدَعَا بِوُضُوءٍ فَتَوَضَّأَ، ثُمَّ ابْتَدَأَ صَلَوَاتِ الثَّلَاثِ حَتَّى فَرَغَ مِنْهَا». قُلْتُ: رجاله كلهم ثقات غير لؤلؤة فلم أعرفها. ورواه عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (٤١٥٦)، وابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٦٦٤٦)، والدارقطني (١٨٨١)، ومِنْ طَرِيقِه البيهقي في [الْكُبْرَى] (١٦٩٢)، وفي [معرفة السنن والآثار] (٦٢٤) مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ الْثَوْرِيِّ عَنِ السُّدِّيِّ، عَنْ يَزِيدَ، مَوْلَى عَمَّارٍ: «أَنَّ عَمَّارَ بْنَ يَاسِرٍ، أُغْمِيَ عَلَيْهِ فِي الظُّهْرِ، وَالْعَصْرِ، وَالْمَغْرِبِ، وَالْعِشَاءِ، فَأَفَاقَ نِصْفَ اللَّيْلِ، فَصَلَّى الظُّهْرَ، وَالْعَصْرَ، وَالْمَغْرِبَ، وَالْعِشَاءَ». ونقل البيهقي ﵀ فِي [معرفة السنن والآثار] (٢/ ٢٢١) عن الإمام الشافعي ﵀ أنَّه قَالَ:

стр. 2240

«وليس هذا أيضاً بثابت عن عمار» اهـ. قَالَ الْحَافِظُ الْبَيْهَقِي ﵀: «وإنَّما قَالَ الشافعي في حديث عمار: أنَّه ليس بثابت، لأنَّ راويه يزيد مولى عمار وهو مجهول والراوي عنه: إسماعيل بن عبد الرحمن السدي، كان يحيى بن معين يضعفه، ولم يحتج به الْبُخَارِيّ، وكان يحيى بن سعيد، وعبد الرحمن بن مهدي لا يريان به بأساً» اهـ. وأمَّا أثر عمران فرواه ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٦٦٤٧)، وابن المنذر أيضاً في [الْأَوْسَطِ] (٧/ ٢٠٨/ ٢٢٩٣) مِنْ طَرِيقِ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِي مِجْلَزٍ، أَنَّ سَمُرَةَ بْنَ جُنْدُبٍ، قَالَ: «الْمُغْمَى عَلَيْهِ تَرَكَ الصَّلَاةَ أَوْ قَالَ: يَتْرُكُ الصَّلَاةَ يُصَلِّي مَعَ كُلِّ صَلَاةٍ مِثْلَهَا حَتَّى يَقْضِيَهَا قَالَ: وَقَالَ عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ: لِيُصَلِّهُنَّ جَمِيعًا». قُلْتُ: هَذَا أَثَرٌ صَحِيْحٌ. وأمَّا قول ابن قُدَامَةَ ﵀: «وهذا فعل الصحابة وَقَوْلُهُم، ولا نعرف لهم مخالفاً، فكان إجماعاً» اهـ. فليس بصواب فقد خالف في ذلك من أصحاب النبي ﷺ ابن عمر وأنس بن مالك. فروى مالك في [الْمُوَطَأ] (٢٤) ومِنْ طَرِيقِه البيهقي في [الْكُبْرَى] (١٦٨٨)، وفي [معرفة السنن والآثار] عَنْ نَافِعٍ: «أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ أُغْمِيَ عَلَيْهِ، فَذَهَبَ عَقْلُهُ، فَلَمْ يَقْضِ الصَّلَاةَ».

стр. 2241

قُلْتُ: وسنده صحيح كما ترى. ورواه عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (٤١٥٢، ٤١٥٣، ٤١٥٨)، وابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٦٦٤٨، ٦٦٤٩) ابن المنذر في [الْأَوْسَطِ] (٧/ ٢٠٣/ ٢٠٤/ ٢٢٨٨، ٢٢٨٩)، والدارقطني في [سُنَنِهِ] (١٨٨٣، ١٨٨٤) من طرق، عَنْ نَافِعٍ، قَالَ: «مَرِضَ ابْنُ عُمَرَ أَيَّامًا لَمْ يَعْقِلِ الصَّلَاةَ ثُمَّ صَحَّ وَعَقَلَ فَلَمْ يَقْضِ مَا فَاتَهُ». ورواه ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٦٦٦٢) حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْعُمَرِيُّ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، «أَنَّهُ أُغْمِيَ عَلَيْهِ يَوْمَيْنِ فَلَمْ يَقْضِ». قُلْتُ: العمري هو عبد الله ضعيف الحديث لكنه متابع كما مضى. وروى ابن المنذر في [الْأَوْسَطِ] (٧/ ٢٠٥/ ٢٢٩٠) حَدَّثَنَا كَثِيرُ بْنُ شِهَابٍ، بِبَغْدَادَ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ سَابِقٍ، ثنا عَمْرٌو يَعْنِي ابْنَ أَبِي قَيْسٍ، عَنْ عَاصِمٍ، قَالَ: «أُغْمِيَ عَلَى أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ فَلَمْ يَقْضِ صَلَاتَهُ». قُلْتُ: هذا أثر إسناده حسن وعاصم هو ابن سليمان الأحول. وقَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِيُ رَحِمَهُ اللهُفي [الْمَجْمُوعِ] (٣/ ٦): «من زال عقله بسبب غير محرم كمن جن أو أغمى عليه أو زال عقله بمرض أو بشرب دواء لحاجة أو أكره علي شرب مسكر فزال عقله فلا صلاة عليه وإذا أفاق فلا قضاء عليه بلا خلاف للحديث سواء قل زمن الجنون والإغماء أم كثر هذا

стр. 2242

مذهبنا وقَالَ أبو حنيفة ﵀ إن كان الإغماء دون يوم وليلة لزمه قضاء ما فات فيه وإن كان أكثر فلا ونقل ابن حزم عن عمار بن ياسر وعطاء ومجاهد وإبراهيم النخعي وحماد بن أبي سليمان وقتادة أنَّ المغمى عليه يقضى دليلنا القياس على المجنون وعلي ما فوق يوم وليلة. أمَّا إذا زال عقله بمحرم بأن شرب المسكر عمداً عالماً به مختاراً أو شرب دواء لغير حاجة وهو مما يزول به العقل فزال عقله لم تصح صلاته في ذلك الحال فإذا عاد عقله لزمه القضاء» اهـ. قُلْتُ: وأمَّا من شرب المسكر فلم يعلم ما يقول فتلزمه الصلاة حتى يعلم ما يقول ولو خرج الوقت لقوله الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾. قُلْتُ: وقد علق الله صلاة السكران بغاية وهي أن يعلم ما يقول وهذه الغاية قد تمتد إلى بعد خروج الوقت. فإن قيل هذه الآية منسوخة قلنا: إنَّما المنسوخ منها إباحة الخمر أمَّا هذا الحكم فلم يأت ما يدل على نسخه. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٢/ ١٩٩): «فصل: ومن شرب دواء فزال عقله به نظرت؛ فإن كان زوالاً لا يدوم كثيراً، فهو كالإغماء، وإن كان يتطاول، فهو كالجنون.

стр. 2243

وأمَّا السكر، ومن شرب محرماً يزيل عقله وقتاً دون وقت، فلا يؤثر في إسقاط التكليف وعليه قضاء ما فاته في حال زوال عقله. لا نعلم فيه خلافاً؛ ولأنَّه إذا وجب عليه القضاء بالنوم المباح، فبالسكر المحرم أولى» اهـ. قُلْتُ: الذي يظهر لي في المغمى عليه أنَّه يفرق بين من أغمي عليه باختياره فحكمه حكم النائم والسكران. وأمَّا إذا لم يكن ذلك باختياره فحكمه حكم المجنون. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وبهذا تفتي اللجنة الدائمة للإفتاء برئاسة الشيخ ابن باز ﵀. فائدة/ في معنى قول الله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ في [الْوَابِلِ الْصَيِّبِ] ص (١٠٢): «قيل المصدر مضاف إلى الفاعل أي لأذكرك بها وقيل مضاف إلى المذكور أي لتذكروني بها واللام على هذا لام التعليل وقيل: هي اللام الوقتية أي أقم الصلاة عند ذكري كقوله: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ وَقَوْلُهُ تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ وهذا المعنى المراد بالآية لكن تفسيرها به يجعل معناها فيه نظر لأنَّ هذه اللام الوقتية يليها أسماء الزمان والظروف والذكر مصدر إلَّا أن يقدر زمان محذوف أي عند وقت ذكري وهذا محتمل. والأظهر أنَّها لام التعليل أي أقم الصلاة لأجل ذكري ويلزم من هذا أن تكون إقامتها عند ذكره وإذا ذكر العبد ربه فذكر الله تعالى سابق على ذكره فإنه لما ذكره ألهمه ذكره فالمعاني الثلاثة حق» اهـ.

стр. 2244

وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٢/ ٧٢): «واختلف في المراد بقوله: ﴿لِذِكْرِي﴾. فقيل المعنى لتذكرني فيها وقيل لأذكرك بالمدح وقيل إذا ذكرتها أي لتذكيري لك إياها وهذا يعضد قراءة من قرأ "للذكرى" وقَالَ النخعي اللام للظرف أي إذا ذكرتني أي إذا ذكرت أمري بعد ما نسيت وقيل لا تذكر فيها غيري وقيل شكراً لذكرى وقيل المراد بقوله ذكري ذكر أمري وقيل المعنى إذا ذكرت الصلاة فقد ذكرتني فإن الصلاة عبادة الله فمتى ذكرها ذكر المعبود فكأنَّه أراد لذكر الصلاة. وقَالَ التوربشتي الأولى أن يقصد إلى وجه يوافق الآية والحديث وكأنَّ المعنى أقم الصلاة لذكرها لأنَّه إذا ذكرها ذكر الله تعالى أو يقدر مضاف أي لذكر صلاتي أو ذكر الضمير فيه موضع الصلاة لشرفها» اهـ. ١٣ - وفيه أنَّ الكفارة قد تكون لغير ذنب. ١٤ - وتستثنى من الحديث صلاة الجمعة فإنَّها لا تقضى جمعة، وإنَّما تقضى ظهراً.

стр. 2245

* * * ١١١ - عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: «أَنَّ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ: كَانَ يُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ عِشَاءَ الآخِرَةِ. ثُمَّ يَرْجِعُ إلَى قَوْمِهِ، فَيُصَلِّي بِهِمْ تِلْكَ الصَّلاةَ». اللفظ الذي ذكره المؤلف هو لفظ مُسْلِم (٤٦٥). وفي الحديث مسائل منها: ١ - مشروعية صلاة المفترض خلف المتنفل. قُلْتُ: وقد ذهب إلى مشروعية ذلك الإمام الشافعي وأحمد في رواية عنه، وخالف في ذلك الجمهور فذهبوا إلى عدم المشروعية. واحتج الشافعي بهذا الحديث وقد تأوله من خالف في ذلك باحتمال أن تكون الصلاة التي صلاها معاذ خلف رسول الله ﷺ كانت نافلة، وصلاته في قومه فريضة فتكون صلاته في قومه من صلاة المفترض خلف المفترض، وصلاته خلف رسول الله ﷺ من صلاة المتنفل خلف المفترض وقد دلَّ على مشروعية ذلك الأدلة المتكاثرة. قُلْتُ: وهذا تأويل بعيد فيبعد من معاذ ﵁ الذي عرف بالفقه أن يترك الفريضة خلف رسول الله ﷺ ويفوِّت على نفسه فضل الصلاة في مسجده ﵊ من أجل أن يصلي بقومه الفريضة. قَالَ الْعَلاَّمَةُ الْخَطَّابِي ﵀ فِي [مَعَالِمِ الْسُنَنِ] (١/ ١٧١):
следующие страницы →