← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 30178

تحفة السائل في بيان ما في عمدة الأحكام من المسائل

أبو بكر الحمادي

Полный текст (8 095 стр.). Показаны 2241–2280 · переход к 2246.

стр. 2241

قُلْتُ: وسنده صحيح كما ترى. ورواه عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (٤١٥٢، ٤١٥٣، ٤١٥٨)، وابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٦٦٤٨، ٦٦٤٩) ابن المنذر في [الْأَوْسَطِ] (٧/ ٢٠٣/ ٢٠٤/ ٢٢٨٨، ٢٢٨٩)، والدارقطني في [سُنَنِهِ] (١٨٨٣، ١٨٨٤) من طرق، عَنْ نَافِعٍ، قَالَ: «مَرِضَ ابْنُ عُمَرَ أَيَّامًا لَمْ يَعْقِلِ الصَّلَاةَ ثُمَّ صَحَّ وَعَقَلَ فَلَمْ يَقْضِ مَا فَاتَهُ». ورواه ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٦٦٦٢) حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْعُمَرِيُّ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، «أَنَّهُ أُغْمِيَ عَلَيْهِ يَوْمَيْنِ فَلَمْ يَقْضِ». قُلْتُ: العمري هو عبد الله ضعيف الحديث لكنه متابع كما مضى. وروى ابن المنذر في [الْأَوْسَطِ] (٧/ ٢٠٥/ ٢٢٩٠) حَدَّثَنَا كَثِيرُ بْنُ شِهَابٍ، بِبَغْدَادَ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ سَابِقٍ، ثنا عَمْرٌو يَعْنِي ابْنَ أَبِي قَيْسٍ، عَنْ عَاصِمٍ، قَالَ: «أُغْمِيَ عَلَى أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ فَلَمْ يَقْضِ صَلَاتَهُ». قُلْتُ: هذا أثر إسناده حسن وعاصم هو ابن سليمان الأحول. وقَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِيُ رَحِمَهُ اللهُفي [الْمَجْمُوعِ] (٣/ ٦): «من زال عقله بسبب غير محرم كمن جن أو أغمى عليه أو زال عقله بمرض أو بشرب دواء لحاجة أو أكره علي شرب مسكر فزال عقله فلا صلاة عليه وإذا أفاق فلا قضاء عليه بلا خلاف للحديث سواء قل زمن الجنون والإغماء أم كثر هذا

стр. 2242

مذهبنا وقَالَ أبو حنيفة ﵀ إن كان الإغماء دون يوم وليلة لزمه قضاء ما فات فيه وإن كان أكثر فلا ونقل ابن حزم عن عمار بن ياسر وعطاء ومجاهد وإبراهيم النخعي وحماد بن أبي سليمان وقتادة أنَّ المغمى عليه يقضى دليلنا القياس على المجنون وعلي ما فوق يوم وليلة. أمَّا إذا زال عقله بمحرم بأن شرب المسكر عمداً عالماً به مختاراً أو شرب دواء لغير حاجة وهو مما يزول به العقل فزال عقله لم تصح صلاته في ذلك الحال فإذا عاد عقله لزمه القضاء» اهـ. قُلْتُ: وأمَّا من شرب المسكر فلم يعلم ما يقول فتلزمه الصلاة حتى يعلم ما يقول ولو خرج الوقت لقوله الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾. قُلْتُ: وقد علق الله صلاة السكران بغاية وهي أن يعلم ما يقول وهذه الغاية قد تمتد إلى بعد خروج الوقت. فإن قيل هذه الآية منسوخة قلنا: إنَّما المنسوخ منها إباحة الخمر أمَّا هذا الحكم فلم يأت ما يدل على نسخه. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٢/ ١٩٩): «فصل: ومن شرب دواء فزال عقله به نظرت؛ فإن كان زوالاً لا يدوم كثيراً، فهو كالإغماء، وإن كان يتطاول، فهو كالجنون.

стр. 2243

وأمَّا السكر، ومن شرب محرماً يزيل عقله وقتاً دون وقت، فلا يؤثر في إسقاط التكليف وعليه قضاء ما فاته في حال زوال عقله. لا نعلم فيه خلافاً؛ ولأنَّه إذا وجب عليه القضاء بالنوم المباح، فبالسكر المحرم أولى» اهـ. قُلْتُ: الذي يظهر لي في المغمى عليه أنَّه يفرق بين من أغمي عليه باختياره فحكمه حكم النائم والسكران. وأمَّا إذا لم يكن ذلك باختياره فحكمه حكم المجنون. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وبهذا تفتي اللجنة الدائمة للإفتاء برئاسة الشيخ ابن باز ﵀. فائدة/ في معنى قول الله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ في [الْوَابِلِ الْصَيِّبِ] ص (١٠٢): «قيل المصدر مضاف إلى الفاعل أي لأذكرك بها وقيل مضاف إلى المذكور أي لتذكروني بها واللام على هذا لام التعليل وقيل: هي اللام الوقتية أي أقم الصلاة عند ذكري كقوله: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ وَقَوْلُهُ تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ وهذا المعنى المراد بالآية لكن تفسيرها به يجعل معناها فيه نظر لأنَّ هذه اللام الوقتية يليها أسماء الزمان والظروف والذكر مصدر إلَّا أن يقدر زمان محذوف أي عند وقت ذكري وهذا محتمل. والأظهر أنَّها لام التعليل أي أقم الصلاة لأجل ذكري ويلزم من هذا أن تكون إقامتها عند ذكره وإذا ذكر العبد ربه فذكر الله تعالى سابق على ذكره فإنه لما ذكره ألهمه ذكره فالمعاني الثلاثة حق» اهـ.

стр. 2244

وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٢/ ٧٢): «واختلف في المراد بقوله: ﴿لِذِكْرِي﴾. فقيل المعنى لتذكرني فيها وقيل لأذكرك بالمدح وقيل إذا ذكرتها أي لتذكيري لك إياها وهذا يعضد قراءة من قرأ "للذكرى" وقَالَ النخعي اللام للظرف أي إذا ذكرتني أي إذا ذكرت أمري بعد ما نسيت وقيل لا تذكر فيها غيري وقيل شكراً لذكرى وقيل المراد بقوله ذكري ذكر أمري وقيل المعنى إذا ذكرت الصلاة فقد ذكرتني فإن الصلاة عبادة الله فمتى ذكرها ذكر المعبود فكأنَّه أراد لذكر الصلاة. وقَالَ التوربشتي الأولى أن يقصد إلى وجه يوافق الآية والحديث وكأنَّ المعنى أقم الصلاة لذكرها لأنَّه إذا ذكرها ذكر الله تعالى أو يقدر مضاف أي لذكر صلاتي أو ذكر الضمير فيه موضع الصلاة لشرفها» اهـ. ١٣ - وفيه أنَّ الكفارة قد تكون لغير ذنب. ١٤ - وتستثنى من الحديث صلاة الجمعة فإنَّها لا تقضى جمعة، وإنَّما تقضى ظهراً.

стр. 2245

* * * ١١١ - عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: «أَنَّ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ: كَانَ يُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ عِشَاءَ الآخِرَةِ. ثُمَّ يَرْجِعُ إلَى قَوْمِهِ، فَيُصَلِّي بِهِمْ تِلْكَ الصَّلاةَ». اللفظ الذي ذكره المؤلف هو لفظ مُسْلِم (٤٦٥). وفي الحديث مسائل منها: ١ - مشروعية صلاة المفترض خلف المتنفل. قُلْتُ: وقد ذهب إلى مشروعية ذلك الإمام الشافعي وأحمد في رواية عنه، وخالف في ذلك الجمهور فذهبوا إلى عدم المشروعية. واحتج الشافعي بهذا الحديث وقد تأوله من خالف في ذلك باحتمال أن تكون الصلاة التي صلاها معاذ خلف رسول الله ﷺ كانت نافلة، وصلاته في قومه فريضة فتكون صلاته في قومه من صلاة المفترض خلف المفترض، وصلاته خلف رسول الله ﷺ من صلاة المتنفل خلف المفترض وقد دلَّ على مشروعية ذلك الأدلة المتكاثرة. قُلْتُ: وهذا تأويل بعيد فيبعد من معاذ ﵁ الذي عرف بالفقه أن يترك الفريضة خلف رسول الله ﷺ ويفوِّت على نفسه فضل الصلاة في مسجده ﵊ من أجل أن يصلي بقومه الفريضة. قَالَ الْعَلاَّمَةُ الْخَطَّابِي ﵀ فِي [مَعَالِمِ الْسُنَنِ] (١/ ١٧١):

стр. 2246

«وقد زعم بعض من لم ير ذلك جائزاً أنَّ صلاة معاذ مع رسول الله ﷺ نافلة وبقومه فريضة وهذا فاسد إذ لا يجوز على معاذ أن يدرك الفرض وهو أفضل العمل مع أفضل الخلق فيتركه ويضيع حظه منه ويقنع من ذلك بالنفل الذي لا طائل فيه. ويدل على فساد هذا التأويل قول الراوي كان يصلي مع رسول الله ﷺ العشاء والعشاء هي صلاة الفريضة وقد قَالَ ﷺ : "إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلَّا المكتوبة" فلم يكن معاذ يترك المكتوبة بعد أن شهدها وقد أقيمت وقد أثنى عليه رسول الله ﷺ بالفقه فقَالَ: "أفقهكم معاذ"» اهـ. قُلْتُ: وقد جاء في بعض ألفاظ الحديث: «هِيَ لَهُ تَطَوُّعٌ، وَلَهُمْ فَرِيضَةٌ». وهي صريحة في أنَّ صلاته في قومه نافلة. وقد روى هذه اللفظة الطحاوي في [شَرْحِ مَعَانِي الْآثَارِ] (٢٣٦٠)، الدارقطني (١٠٧٥)، ومِنْ طَرِيقِه البيهقي في [الْكُبْرَى] (٤٨٨٤) مِنْ طَرِيقِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَرْزُوقٍ، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَمْرٍو، قَالَ: أَخْبَرَنِي جَابِرٌ ﵁: «أَنَّ مُعَاذًا كَانَ يُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ ﷺ الْعِشَاءَ، ثُمَّ يَنْصَرِفُ إِلَى قَوْمِهِ فَيُصَلِّيَهَا بِهِمْ، هِيَ لَهُ تَطَوُّعٌ، وَلَهُمْ فَرِيضَةٌ». قُلْتُ: هَذَا إِسْنَادٍ ضَعِيْفٌ ابن جريج مدلس وقد عنعن.

стр. 2247

ورواه الشافعي في [مُسْنَدِهِ] (٢٤٦)، ومِنْ طَرِيقِه البيهقي في [معرفة السنن والآثار] (١٥٤٠)، والبغوي في [شرح السنة] (٨٥٧) أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنِ ابْنِ عَجْلانَ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مِقْسَمٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الأَنْصَارِيِّ: «أَنَّ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ كَانَ يُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ ﷺ الْعِشَاءَ، ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى قَوْمِهِ فَيُصَلِّي بِهِمُ الْعِشَاءَ، وَهِيَ لَهُ نَافِلَةٌ». قُلْتُ: إبراهيم بن محمد هو ابن أبي يحيى متروك الحديث. وعلى فرض صحته فقد قَالَ العلامة الطحاوي ﵀ فِي [شَرْحِ مَعَانِي الْآثَارِ] (١/ ٤٠٩): «فكان من الحجة للآخرين عليهم، أنَّ ابن عيينة قد روى هذا الحديث، عن عمرو بن دينار، كما رواه ابن جريج، وجاء به تاماً، وساقه أحسن من سياق ابن جريج، غير أنه لم يقل فيه، هذا الذي قَالَه ابن جريج: "هي له تطوع، ولهم فريضة". فيجوز أن يكون ذلك من قول ابن جريج، ويجوز أن يكون من قول عمرو بن دينار، ويجوز أن يكون من قول جابر. فمن أي هؤلاء الثلاثة كان القول، فليس فيه دليل على حقيقة فعل معاذ أنه كذلك، أم لا، لأنهم لم يحكوا ذلك عن معاذ، إنَّما قَالَوا قولاً، على أنه عندهم كذلك، وقد يجوز أن يكون في الحقيقة بخلاف ذلك» اهـ. وَقَالَ الحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٤/ ٢٣٠):

стр. 2248

«ولعل هذا مدرج من قول ابن جريج. وَاللَّهُ أَعْلَمُ» اهـ. قُلْتُ: ومما يحتج به على جواز صلاة المفترض خلف المتنفل ما رواه أحمد (٢٠٤٢٤)، وأبو داود (١٢٤٨)، والنسائي (٨٣٦، ١٥٥٥) مِنْ طَرِيقِ الْأَشْعَثِ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ أَبِي بَكْرَةَ، قَالَ: «صَلَّى النَّبِيُّ ﷺ فِي خَوْفٍ الظُّهْرَ، فَصَفَّ بَعْضُهُمْ خَلْفَهُ، وَبَعْضُهُمْ بِإِزَاءِ الْعَدُوِّ، فَصَلَّى بِهِمْ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ فَانْطَلَقَ الَّذِينَ صَلَّوْا مَعَهُ، فَوَقَفُوا مَوْقِفَ أَصْحَابِهِمْ، ثُمَّ جَاءَ أُولَئِكَ فَصَلَّوْا خَلْفَهُ، فَصَلَّى بِهِمْ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ، فَكَانَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَرْبَعًا، وَلِأَصْحَابِهِ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ». وَبِذَلِكَ كَانَ يُفْتِي الْحَسَنُ. قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَكَذَلِكَ فِي الْمَغْرِبِ يَكُونُ لِلْإِمَامِ سِتُّ رَكَعَاتٍ، وَلِلْقَوْمِ ثَلَاثٌ ثَلَاثٌ. قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَكَذَلِكَ رَوَاهُ يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ جَابِرٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَكَذَلِكَ قَالَ سُلَيْمَانُ الْيَشْكُرِيُّ: عَنْ جَابِرٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ اهـ. قُلْتُ: هذا لفظ أبي داود من رواية معاذ بن معاذ العنبري عن أشعث وهو ثقة حافظ، ورواية أحمد والنسائي مِنْ طَرِيقِ يحيى بن سعيد القطان عن أشعث وهو ابن عبد الملك الحمراني. وقد تابع معاذاً روح بن عبادة روى ذلك أحمد في [الْمُسْنَدِ] (٢٠٥١٥).

стр. 2249

وسعيد بن عامر الضبعي روى حديثه الدارقطني في [سُنَنِهِ] (١٨٠٢)، والبيهقي في [الْكُبْرَى] (٥٨٣٢). وخالد بن الحارث بن عبيد روى حديثه النسائي في [الْكُبْرَى] (١٩٣٩)، و [المجتبى] (١٥٥١). قُلْتُ: الذي يظهر لي هو صحة الحديث مع ذكر التسليم من كل ركعتين. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ الحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ في [فَتْحِ الْبَارِي] (٤/ ٢٣٠): «واستدلوا على منع ذلك بقول النبي ﷺ : "إنَّما الإمام ليؤتم به، فلا تختلفوا عليه". وقَالَوا: مخالفته في النية اختلاف عليه. لكن جمهورهم يجيزون اقتداء المتنفل بالمفترض، ولم يجعلوه اختلافاً عليه. وأعلم؛ أنَّ جمهور العلماء في هذه المسألة على المنع، منهم: مالك وأهل المدينة والثوري وأهل العراق والليث وأهل مصر، وهو قول جمهور التابعين من أهل المدينة والعراق. ولكن؛ قد قَالَ بالجواز خلق كثير من العلماء. وحديث معاذ، قد صح أنَّ النبي ﷺ علم به وأقر عليه، وقد توبع سفيان ابن عيينة على ذلك، كما أشرنا إليه، ولم يظهر عنه جواب قوي.

стр. 2250

فالأقوى: جواز المفترض بالمتنفل، وقد رجح ذلك صاحب "المغني" وغيره من أصحابنا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ» اهـ. ٢ - وفيه جواز تكرار الفريضة بنية النافلة لغرض شرعي كما حصل لمعاذ ﵁. ومن ذلك إعادة الصلاة خلف الأمراء الذين يخرجون الصلاة عن وقتها. ويدل على ذلك ما رواه مُسْلِم (٦٤٨) عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ: «كَيْفَ أَنْتَ إِذَا كَانَتْ عَلَيْكَ أُمَرَاءُ يُؤَخِّرُونَ الصَّلَاةَ عَنْ وَقْتِهَا أَوْ يُمِيتُونَ الصَّلَاةَ عَنْ وَقْتِهَا». قَالَ قُلْتُ فَمَا تَأْمُرُنِي قَالَ: «صَلِّ الصَّلَاةَ لِوَقْتِهَا فَإِنْ أَدْرَكْتَهَا مَعَهُمْ فَصَلِّ فَإِنَّهَا لَكَ نَافِلَةٌ». ومن ذلك إعادتها لمن دخل مسجد والجماعة فيه قائمة. فروى أحمد (١٧٤٧٤)، وأبو داود (٥٧٥)، والنسائي (٨٥٨)، والترمذي (٢١٩) عَنْ يَزِيدَ بْنِ الْأَسْوَدِ الْعَامِرِيُّ، قَالَ: شَهِدْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ صَلَاةَ الْفَجْرِ فِي مَسْجِدِ الْخَيْفِ، فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ إِذَا هُوَ بِرَجُلَيْنِ فِي آخِرِ الْقَوْمِ لَمْ يُصَلِّيَا مَعَهُ قَالَ: «عَلَيَّ بِهِمَا». فَأُتِيَ بِهِمَا تَرْعَدُ فَرَائِصُهُمَا فَقَالَ: «مَا مَنَعَكُمَا أَنْ تُصَلِّيَا مَعَنَا؟» قَالَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا قَدْ صَلَّيْنَا فِي رِحَالِنَا. قَالَ: «فَلَا تَفْعَلَا، إِذَا صَلَّيْتُمَا فِي رِحَالِكُمَا، ثُمَّ أَتَيْتُمَا مَسْجِدَ جَمَاعَةٍ فَصَلِّيَا مَعَهُمْ، فَإِنَّهَا لَكُمَا نَافِلَةٌ». قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ. ومن ذلك التصدق على من فاتته الجماعة.

стр. 2251

فقد روى أحمد (١١٤٠٨)، وأبو داود (٥٧٤) عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، أَنَّ رَجُلًا دَخَلَ الْمَسْجِدَ وَقَدْ صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِأَصْحَابِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ يَتَصَدَّقُ عَلَى هَذَا فَيُصَلِّيَ مَعَهُ؟». فَقَامَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ فَصَلَّى مَعَهُ. قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ. ومن هذا إعادة الإمام الصلاة للمأمومين في بعض صفات صلاة الخوف، وذلك فما رواه أحمد (٢٠٤٢٤)، وأبو داود (١٢٤٨)، والنسائي (٨٣٦، ١٥٥٥) مِنْ طَرِيقِ الْأَشْعَثِ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ أَبِي بَكْرَةَ، قَالَ: «صَلَّى النَّبِيُّ ﷺ فِي خَوْفٍ الظُّهْرَ، فَصَفَّ بَعْضُهُمْ خَلْفَهُ، وَبَعْضُهُمْ بِإِزَاءِ الْعَدُوِّ، فَصَلَّى بِهِمْ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ فَانْطَلَقَ الَّذِينَ صَلَّوْا مَعَهُ، فَوَقَفُوا مَوْقِفَ أَصْحَابِهِمْ، ثُمَّ جَاءَ أُولَئِكَ فَصَلَّوْا خَلْفَهُ، فَصَلَّى بِهِمْ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ، فَكَانَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَرْبَعًا، وَلِأَصْحَابِهِ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ». قُلْتُ: وسبق قريباً الكلام فيه. و لا تعارض بين ما سبق وبين ما رواه أبو داود (٥٧٩) عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ يَعْنِي مَوْلَى مَيْمُونَةَ، قَالَ: أَتَيْتُ ابْنَ عُمَرَ عَلَى الْبَلَاطِ وَهُمْ يُصَلُّونَ، فَقُلْتُ: أَلَا تُصَلِّي مَعَهُمْ، قَالَ: قَدْ صَلَّيْتُ، إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، يَقُولُ: «لَا تُصَلُّوا صَلَاةً فِي يَوْمٍ مَرَّتَيْنِ».

стр. 2252

قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ حَسَنٌ. فإنَّه محمول على من صلى مرتين بنية الفرض، وأمَّا من أعاد الصلاة نفلاً لسبب من الأسباب السابقة فلا يدخل في النهي. ومما يدل على ذلك ما رواه مالك في [الْمُوَطَأ] (٤٣٦) عَنْ نَافِعٍ، أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ فَقَالَ: إِنِّي أُصَلِّي فِي بَيْتِي، ثُمَّ أُدْرِكُ الصَّلَاةَ مَعَ الْإِمَامِ، أَفَأُصَلِّي مَعَهُ؟ فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: «نَعَمْ». فَقَالَ الرَّجُلُ: أَيَّتَهُمَا أَجْعَلُ صَلَاتِي؟ فَقَالَ لَهُ ابْنُ عُمَرَ: «أَوَ ذَلِكَ إِلَيْكَ. إِنَّمَا ذَلِكَ إِلَى اللَّهِ يَجْعَلُ أَيَّتَهُمَا شَاءَ». إسناده صحيح. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢٣/ ٢٦٠): «أَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ فَهُوَ فِي الْإِعَادَةِ مُطْلَقًا مِنْ غَيْرِ سَبَبٍ. وَلَا رَيْبَ أَنَّ هَذَا مَنْهِيٌّ عَنْهُ وَأَنَّهُ يُكْرَهُ لِلرَّجُلِ أَنْ يَقْصِدَ إعَادَةَ الصَّلَاةِ مِنْ غَيْرِ سَبَبٍ يَقْتَضِي الْإِعَادَةَ إذْ لَوْ كَانَ مَشْرُوعًا لِلصَّلَاةِ الشَّرْعِيَّةِ عَدَدٌ مُعَيَّنٌ كَانَ يُمْكِنُ الْإِنْسَانَ أَنْ يُصَلِّيَ الظُّهْرَ مَرَّاتٍ وَالْعَصْرَ مَرَّاتٍ وَنَحْوَ ذَلِكَ وَمِثْلُ هَذَا لَا رَيْبَ فِي كَرَاهَتِهِ». إلى أن قال ﵀ (٢٣/ ٢٦١) «لَكِنْ مِنْ الْعُلَمَاءِ مَنْ يَسْتَحِبُّ الْإِعَادَةَ مُطْلَقًا كَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَحِبُّهَا إذَا كَانَتْ الثَّانِيَةُ أَكْمَلَ كَمَالِكِ. فَإِذَا أَعَادَهَا فَالْأُولَى هِيَ الْفَرِيضَةُ عِنْدَ أَحْمَد وَأَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ؛ لِقَوْلِهِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ: "فَإِنَّهَا لَكُمَا نَافِلَةٌ" وَكَذَلِكَ قَالَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: "إنَّهُ سَيَكُونُ أُمَرَاءُ يُؤَخِّرُونَ الصَّلَاةَ عَنْ وَقْتِهَا فَصَلُّوا الصَّلَاةَ لِوَقْتِهَا ثُمَّ اجْعَلُوا صَلَاتَكُمْ مَعَهُمْ نَافِلَةً" وَهَذَا أَيْضًا يَتَضَمَّنُ إعَادَتَهَا

стр. 2253

لِسَبَبِ وَيَتَضَمَّنُ أَنَّ الثَّانِيَةَ نَافِلَةٌ. وَقِيلَ الْفَرِيضَةُ أَكْمَلُهُمَا. وَقِيلَ ذَلِكَ إلَى اللَّهِ. وَمِمَّا جَاءَ فِي الْإِعَادَةِ لِسَبَبِ الْحَدِيثِ الَّذِي فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد لَمَّا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "أَلَا رَجُلٌ يَتَصَدَّقُ عَلَى هَذَا يُصَلِّي مَعَهُ". فَهُنَا هَذَا الْمُتَصَدِّقُ قَدْ أَعَادَ الصَّلَاةَ لِيَحْصُلَ لِذَلِكَ الْمُصَلِّي فَضِيلَةُ الْجَمَاعَةِ ثُمَّ الْإِعَادَةُ الْمَأْمُورُ بِهَا مَشْرُوعَةٌ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد وَمَالِكٍ وَقْتَ النَّهْيِ وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لَا تُشْرَعُ وَقْتَ النَّهْيِ. وَأَمَّا الْمَغْرِبُ: فَهَلْ تُعَادُ عَلَى صِفَتِهَا؟ أَمْ تُشْفَعُ بِرَكْعَةِ؟ أَمْ لَا تُعَادُ؟ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ مَشْهُورَةٍ لِلْفُقَهَاءِ» اهـ. وقال في [طَرْحِ الْتَثْرِيْبِ] (٢/ ٢٨١) «وَفِي قَوْلِهِ فِي رِوَايَةِ الشَّافِعِيِّ "هِيَ لَهُ تَطَوُّعٌ" دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَنْ صَلَّى صَلَاةً وَاحِدَةً مَرَّتَيْنِ تَكُونُ الْفَرِيضَةُ هِيَ الْأُولَى، وَهُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَ أَصْحَابِنَا وَنَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ فِي الْجَدِيدِ لِلْأَحَادِيثِ السَّابِقَةِ وَذَهَبَ فِي الْقَدِيمِ إلَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَحْتَسِبُ بِأَيَّتِهِمَا شَاءَ لِأَثَرِ ابْنِ عُمَرَ الَّذِي فِي الْمُوَطَأ وَقَدْ تَقَدَّمَ وَذَهَبَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا إلَى أَنَّ كِلْتَيْهِمَا فَرْضٌ وَقَالَ بَعْضُهُمْ الْفَرْضُ أَكْمَلُهُمَا، وَكِلَاهُمَا ضَعِيفٌ» اهـ. قُلْتُ: وفي إعادة صلاة الجنازة نزاع. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢٣/ ٢٦٢ - ٢٦٣):

стр. 2254

«وَيُشْبِهُ هَذَا إعَادَةُ صَلَاةِ الْجِنَازَةِ لِمَنْ صَلَّى عَلَيْهَا أَوَّلًا؛ فَإِنَّ هَذَا لَا يُشْرَعُ بِغَيْرِ سَبَبٍ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ بَلْ لَوْ صَلَّى عَلَيْهَا مَرَّةً ثَانِيَةً ثُمَّ حَضَرَ مَنْ لَمْ يُصَلِّ، فَهَلْ يُصَلِّي عَلَيْهَا؟ عَلَى قَوْلَيْنِ لِلْعُلَمَاءِ. قِيلَ: يُصَلِّي عَلَيْهَا وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد وَيُصَلِّي عِنْدَهُمَا عَلَى الْقَبْرِ لِمَا ثَبَتَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ وَعَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ أَنَّهُمْ صَلَّوْا عَلَى جِنَازَةٍ بَعْدَ مَا صَلَّى عَلَيْهَا غَيْرُهُمْ. وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ يُنْهَى عَنْ ذَلِكَ كَمَا يَنْهَيَانِ عَنْ إقَامَةِ الْجَمَاعَةِ فِي الْمَسْجِدِ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ قَالُوا؛ لِأَنَّ الْفَرْضَ يَسْقُطُ بِالصَّلَاةِ الْأُولَى فَتَكُونُ الثَّانِيَةُ نَافِلَةً وَالصَّلَاةُ عَلَى الْجِنَازَةِ لَا يُتَطَوَّعُ بِهَا. وَهَذَا بِخِلَافِ مَنْ يُصَلِّي الْفَرِيضَةَ فَإِنَّهُ يُصَلِّيهَا بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمينَ؛ لِأَنَّهَا وَاجِبَةٌ عَلَيْهِ وَأَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد يُجِيبُونَ بِجَوَابَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الثَّانِيَةَ تَقَعُ فَرْضًا عَمَّنْ فَعَلَهَا وَكَذَلِكَ يَقُولُونَ فِي سَائِرِ فُرُوضِ الْكِفَايَاتِ: أَنَّ مَنْ فَعَلَهَا أَسْقَطَ بِهَا فَرْضَ نَفْسِهِ وَإِنْ كَانَ غَيْرُهُ قَدْ فَعَلَهَا فَهُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَنْ يَكْتَفِيَ بِإِسْقَاطِ ذَلِكَ وَبَيْنَ أَنْ يُسْقِطَ الْفَرْضَ بِفِعْلِ نَفْسِهِ. وَقِيلَ: بَلْ هِيَ نَافِلَةٌ وَيَمْنَعُونَ قَوْلَ الْقَائِلِ: إنَّ صَلَاةَ الْجِنَازَةِ لَا يُتَطَوَّعُ بِهَا بَلْ قَدْ يُتَطَوَّعُ بِهَا إذَا كَانَ هُنَاكَ سَبَبٌ يَقْتَضِي ذَلِكَ. وَيَنْبَنِي عَلَى هَذَيْنِ الْمَأْخَذَيْنِ أَنَّهُ إذَا حَضَرَ الْجِنَازَةَ مَنْ لَمْ يُصَلِّ أَوَّلًا: فَهَلْ لِمَنْ صَلَّى عَلَيْهَا أَوَّلًا أَنْ يُصَلِّيَ مَعَهُ تَبَعًا؟ كَمَا يَفْعَلُ مِثْلَ هَذَا فِي الْمَكْتُوبَةِ عَلَى وَجْهَيْنِ. قِيلَ: لَا يَجُوزُ هُنَا؛ لِأَنَّ فِعْلَهُ هُنَا نَفْلٌ بِلَا نِزَاعٍ، وَهِيَ لَا يَتَنَفَّلُ بِهَا، وَقِيلَ: بَلْ لَهُ الْإِعَادَةُ؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا صَلَّى عَلَى الْقَبْرِ صَلَّى خَلْفَهُ مَنْ كَانَ قَدْ صَلَّى أَوَّلًا، وَهَذَا أَقْرَبُ

стр. 2255

فَإِنَّ هَذِهِ الْإِعَادَةَ بِسَبَبِ اقْتَضَاهُ لَا إعَادَةً مَقْصُودَةً وَهَذَا سَائِغٌ فِي الْمَكْتُوبَةِ وَالْجِنَازَةِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ» اهـ. قُلْتُ: وفي إعادة المغرب نزاع، وحجة من منع ما رواه أحمد (١٦٣٣٩)، وأبو داود (١٤٣٩)، والترمذي (٤٧٠)، والنسائي (١٦٧٩) من طريق مُلَازِمِ بْنِ عَمْرٍو، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ بَدْرٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ طَلْقٍ، قَالَ: زَارَنَا طَلْقُ بْنُ عَلِيٍّ فِي يَوْمٍ مِنْ رَمَضَانَ، وَأَمْسَى عِنْدَنَا، وَأَفْطَرَ، ثُمَّ قَامَ بِنَا اللَّيْلَةَ، وَأَوْتَرَ بِنَا، ثُمَّ انْحَدَرَ إِلَى مَسْجِدِهِ، فَصَلَّى بِأَصْحَابِهِ، حَتَّى إِذَا بَقِيَ الْوِتْرُ قَدَّمَ رَجُلاً، فَقَالَ: أَوْتِرْ بِأَصْحَابِكَ، فَإِنِّي سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «لَا وِتْرَانِ فِى لَيْلَةٍ». قال الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِ ﵀ فِي [الْتَمْهِيْدِ] (٤/ ٢٥٨): «وَالْحُجَّةُ لِمَالِكٍ وَالْقَائِلِينَ بِقَوْلِهِ إِنَّ الصَّلَوَاتِ كُلَّهَا تُعَادُ مَعَ الْإِمَامِ إِلَّا الْمَغْرِبَ قَوْلُهُ ﷺ صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى وَقَوْلُهُ ﵊ لَا وِتْرَانِ فِي لَيْلَةٍ وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْمَغْرِبَ إِنْ أَعَادَهَا كَانَتْ إِحْدَى صَلَاتَيْهِ تَطَوُّعًا وَسُنَّةُ التَّطَوُّعِ أَنْ تُصَلَّى رَكْعَتَيْنِ وَغَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يَكُونَ وِتْرَانِ فِي لَيْلَةٍ لِأَنَّ ذَلِكَ لَوْ كَانَ صَارَ شَفْعًا وَبَطَلَ مَعْنَى الْوِتْرِ فَلَمَّا كَانَ فِي إِعَادَةِ الْمَغْرِبِ مُخَالَفَةٌ لِهَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ مَنَعَ مَالِكٌ مِنْ إِعَادَتِهَا» اهـ. قُلْتُ: واستثنى الإمام أحمد صلاة المغرب فذهب إلى عدم إعادتها، وفي رواية له تعاد شفعاً، وهو مذهب الشافعي فيما نقله ابن قُدَامَةَ.

стр. 2256

٣ - انتظار الإمام حتى يأتي إذا لم يكن في ذلك مشقة على المأمومين. * * *

стр. 2257

١١٢ - عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: «كُنَّا نُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي شِدَّةِ الْحَرِّ. فَإِذَا لَمْ يَسْتَطِعْ أَحَدُنَا أَنْ يُمَكِّنَ جَبْهَتَهُ مِنَ الأَرْضِ: بَسَطَ ثَوْبَهُ فَسَجَدَ عَلَيْهِ». وفي الحديث مسائل منها: ١ - أنَّه لا يلزم من الإبراد ذهاب الحر من الأرض كما سبق بيان ذلك. ٢ - جواز الصلاة على الثوب المتصل إذا دعت الحاجة إلى ذلك. ٣ - أنَّ السجود على الجبهة من دون حائل متصل هو الأحسن فإنَّ الصحابة ﵃ أجمعين لم يكونوا يصلون على الحائل إلَّا عند عدم تمكنهم من مباشرة الوجه بالسجود. قُلْتُ: وقد سبق الكلام على هذه المسألة عند شرحنا لحديث عبد الله بن عباس ﵄ مرفوعاً: «أُمِرْتُ أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ … ». وقد حمل الشافعي هذا الحديث على الصلاة في الثوب المنفصل لكن قَالَ الحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ في [فَتْحِ الْبَارِي] (٢/ ٢٧٠): «ومن تأول هذا الحديث على أنَّهم كانوا يسجدون على ثياب منفصلة عنهم، فقد أبعد، ولم يكن أكثر الصحابة - أو كثير منهم - يجد ثوبين يصلي فيهما، فكانوا يصلون في ثوب واحد كما سبق، فكيف كانوا يجدون ثياباً كثيرة يصلون في بعضها ويتقون الأرض ببعضها؟!» اهـ.

стр. 2258

قُلْتُ: وقد روى الْبُخَارِيّ (٣٦٥، ٣٥٨)، ومُسْلِم (١١٧٦) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. أَنَّ سَائِلاً سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنِ الصَّلَاةِ فِى الثَّوْبِ الْوَاحِدِ فَقَالَ: «أَوَلِكُلِّكُمْ ثَوْبَانِ». وروى الْبُخَارِيّ (٣٥٢) عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ قَالَ: صَلَّى جَابِرٌ فِي إِزَارٍ قَدْ عَقَدَهُ مِنْ قِبَلِ قَفَاهُ وَثِيَابُهُ مَوْضُوعَةٌ عَلَى الْمِشْجَبِ قَالَ لَهُ قَائِلٌ تُصَلِّي فِي إِزَارٍ وَاحِدٍ فَقَالَ: «إِنَّمَا صَنَعْتُ ذَلِكَ لِيَرَانِي أَحْمَقُ مِثْلُكَ وَأَيُّنَا كَانَ لَهُ ثَوْبَانِ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ ». ٤ - جواز العمل اليسير في الصلاة للحاجة. ومن هذا الباب ما رواه أبو داود (٣٩٩) عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: «كُنْتُ أُصَلِّي الظُّهْرَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَآخُذُ قَبْضَةً مِنَ الْحَصَى لِتَبْرُدَ فِي كَفِّي أَضَعُهَا لِجَبْهَتِي أَسْجُدُ عَلَيْهَا لِشِدَّةِ الْحَرِّ». قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ حَسَنٌ. * * *

стр. 2259

١١٣ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لا يُصَلِّي أَحَدُكُمْ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ، لَيْسَ عَلَى عَاتِقِهِ مِنْهُ شَيْءٌ». وفي الحديث مسائل منها: ١ - النهي عن كشف العاتق في الصلاة. قُلْتُ: الحديث الوارد في الصحيحين بتثنية العاتق. وأمَّا لفظة الإفراد فقد جاءت في بعض الروايات عند أحمد (٩٩٨١)، والنسائي (٧٦٩) وغيرهم. قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ فِي [شرح العمدة] (٤/ ٣١٨ - ٣١٩) - في تعليل الأمر بتغطية العاتقين -:

стр. 2260

«ولأنَّ المقصود من الاستتار في الصلاة التزين لله بدليل أنَّها تجب حيث يجوز الكشف خارج الصلاة فإنَّ المرأة الحرة يجوز لها أن تقعد في بيتها مكشوفة الرأس وكذلك بين النساء ولا تجوز صلاتها إلَّا مختمرة وكذلك يجوز للإنسان أن ينظر إلى عورة نفسه ولا تصح صلاته كذلك وفي إبداء المنكبين خروج عن التزين مطلقاً ولهذا لم تجر العادات الحسنة بأنَّ أحداً يجالس في مثل هذا الحال ولا أن يكشفه بين الناس والرأس بخلاف ذلك ولأنَّ من جرد منكبيه يسمى عارياً وإن كان مختمراً ومن سترهما مع عورته سمي كاسياً وإن كان بلا عمامة والتعري مكروه بين الناس لغير حاجة فجاز إن يكون شرطاً في الصلاة ولهذا لم يشرع التعري في الإحرام وإنَّما شرع كشف الرأس خاصة ونهيه ﷺ أن يطوف بالبيت عريان يعم تعرية المنكبين و تعرية السوءتين» اهـ. ٢ - ظاهر النهي يقتضي فساد الصلاة بكشف العاتق إذ أنَّ النهي يقتضي الفساد والنهي في الحديث وارد على الصلاة بهذه الهيئة فيقتضي فسادها فإنَّ الصلاة المنهي عنها فاسدة. قُلْتُ: الْعَاتِقُ هُوَ: مَا بَيْنَ الْمَنْكِبَيْنِ إِلَى أَصْلِ الْعُنُقِ. وقد جاءت الرواية بإثبات الياء في "يصلي" قَالَ الحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ في [فَتْحِ الْبَارِي] (٢/ ١٥١): «هكذا الرواية: "لا يصلي" بالياء، فيكون إخباراً عن الحكم الشرعي، أو إخباراً يراد به النهي» اهـ.

стр. 2261

وقَالَ الْعَلَّامَةُ الْعَيْنِي ﵀ فِي [عُمْدَةِ الْقَارِي] (٦/ ١٨٥): «قوله: "لا يصلي" بإثبات الياء لأنَّه نفي لأنَّ لا نافية ولا النافية لا تسقط» اهـ. قُلْتُ: وقد جاء الحديث بلفظ: «لَا يُصَلِّيَنَّ». بزيادة نون التوكيد كما رواه النسائي (٧٦٩) وغيره عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لَا يُصَلِّيَنَّ أَحَدُكُمْ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ لَيْسَ عَلَى عَاتِقِهِ مِنْهُ شَيْءٌ». وجاء بحذف الياء رواه أبو داود (٦٢٦) وغيره عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لَا يُصَلِّ أَحَدُكُمْ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ لَيْسَ عَلَى مَنْكِبَيْهِ مِنْهُ شَيْءٌ». وفي لفظ لأحمد (٩٩٨١) وغيره عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: «نَهَى النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يُصَلِّيَ الرَّجُلُ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ لَيْسَ عَلَى عَاتِقِهِ مِنْهُ شَيْءٌ». قُلْتُ: وقد اختلف العلماء في ذلك فأبطل الصلاة بذلك الإمام أحمد ﵀ وصحح الصلاة بذلك أكثر العلماء. قَالَ الحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ في [فَتْحِ الْبَارِي] (٢/ ١٥٢ - ١٥٣): «ولو صلى مكشوف المنكبين، فقَالَ أكثر الفقهاء: لا إعادة عليه، وحكي رواية عن أحمد. وقَالَ أبو جعفر محمد بن علي: عليه الإعادة لارتكابه النهي.

стр. 2262

والمشهور من مذهب أحمد: أنَّه إن صلى الفريضة كذلك أعاد، وفي إعادة النفل عنه روايتان. وقد قيل: إنَّ الشافعي نص على وجوبه في الصلاة، وحكى بعض المالكية عن أبي الفرج من أصحابهم: أنَّ ستر جميع الجسد في الصلاة لازم، وفي صحة هذا نظر. ونص أحمد على أنَّه لو ستر أحد منكبيه وأعرى الآخر صحت صلاته؛ لأنَّه لم يرتكب النهي، فإنَّ النهي هو إعراء عاتقيه، ولم يوجد ذلك. وقَالَ القاضي أبو يعلي: يجب ستر جميع منكبيه كالعورة. وقَالَ في موضع: يجزئ ستر بعضهما، ولا يجب سترهما بما لا يصف البشرة، كالعورة. ولأصحابنا وجه: أنَّه يجزئ أن يضع على عاتقيه ولو حبلاً أو خيطاً وإن لم يستره به. ولهم وجه آخر: أنَّه إن كان ذلك يسمى لباساً أجزأه، وإلَّا فلا. وقد سبق أنَّ من الصحابة من كان يضع على عاتقيه عقَالَاً ثم يصلي. وقَالَ النخعي: تقليد السيف في الصلاة بمنزلة الرداء. وكان سعيد بن جبير يفعله. وعن الحسن قَالَ: السيوف أردية الغزاة. وروي عن عمر بن عبد العزيز، أنَّه صلى بالناس في قوس ليس عليه رداء غيرهما. وروى أبو نعيم الفضل بن دكين: ثنا مندل، عن الأحوص بن حكيم، عن مكحول، قَالَ: صلى رسول الله عليه وسلم بالناس في قوس.

стр. 2263

وقَالَ النخعي: كان يكره القوس. وقَالَ الثوري: القوس والسيف بمنزلة الرداء. وعن الأوزاعي نحوه» اهـ. قُلْتُ: روى ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (١/ ٣٤٩/ ٣٥٣١) حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ قَالَ: «كَانَ الرَّجُلُ مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ ﷺ إِذَا لَمْ يَجِدْ رِدَاءً يُصَلِّي فِيهِ وَضَعَ عَلَى عَاتِقِهِ عِقَالًا، ثُمَّ صَلَّى». قُلْتُ: وهَذَا أَثَرٌ صَحِيْحٌ إن كان أبو إسحاق سمعه من التيمي. والصحيح صحة الصلاة مع كشف العاتقين مع كراهة ذلك لما رواه الْبُخَارِيّ (٣٦١)، ومُسْلِم (٣٠١٠) عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «فَإِنْ كَانَ وَاسِعًا فَالْتَحِفْ بِهِ وَإِنْ كَانَ ضَيِّقًا فَاتَّزِرْ بِهِ». والشاهد من الحديث أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أمره عند ضيق الثوب أن يتزر به ولم يأمره بتغطية العاتق بثوب آخر أو بالعمامة ونحوها من الثياب. ٣ - وَقَوْلُهُ: «عَلَى عَاتِقِهِ مِنْهُ شَيْءٌ». احتج به من أجاز وضع الحبل أو الخيط على العاتق وما كان خفيفاً يصف البشرة لأنَّ ذلك داخل في كلمة «شَيْءٌ». قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٣/ ١٥): «فصل: ولا يجب ستر المنكبين جميعهماً، بل يجزئ ستر بعضهما، ويجزئ سترهما بثوب خفيف يصف لون البشرة؛ لأنَّ وجوب سترهما بالحديث، ولفظه: "لا يصلي الرجل في الثوب الواحد ليس على عاتقه منه شيء".

стр. 2264

وهذا يقع على ما يعم المنكبين، وما لا يعمهما، وقد ذكرنا نص أحمد فيمن صلى وإحدى منكبيه مكشوفة، فلم يوجب عليه الإعادة. فإن طرح على كتفه حبلاً أو خيطاً ونحوه، فظاهر كلام الخرقي أنَّه لا يجزئه؛ لقوله شيئاً من اللباس، وهذا لا يسمى لباساً. وهو قول القاضي. وقَالَ بعض أصحابنا: يجزئه؛ لأنَّ هذا شيء، فيكون الحديث متناولاً له، وقد روي عن جابر، أنَّه صلى في ثوب واحد متوشحاً به، كأني أنظر إليه كأنَّ على عاتقه ذنب فأرة. وعنه قَالَ: كان أصحاب رسول الله ﷺ إذا لم يجد أحدهم ثوباً ألقى على عاتقه عقَالَاً وصلى. والصحيح: أنَّه لا يجزئه؛ لأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "إذا صلى أحدكم في ثوب واحد فليخالف بين طرفيه على عاتقيه". من الصحاح، ورواه أبو داود. ولأنَّ الأمر بوضعه على العاتقين للستر، ولا يحصل ذلك بوضع خيط ولا حبل، ولا يسمى سترة ولا لباساً. وما روي عن جابر لم يصح، وما روي عن الصحابة، إن صح عنهم؛ فلعدم ما سواه، وَاللَّهُ أَعْلَمُ» اهـ. قُلْتُ: ما رجحه العلامة ابن قُدَامَةَ هو الذي يظهر لي أنَّه الصواب. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ٤ - استدل من قَالَ: إنَّ المأمور به من الزينة أكثر من ستر العورة التي يجب سترها عن الأبصار، ويدل على ذلك أيضاً أنَّ المرآة الحرة لا تصح صلاتها بدون خمار، مع

стр. 2265

أنَّه يباح لها وضع خمارها عند محارمها، فدل على أنَّ الواجب في الصلاة أمر زائد على ستر العورة التي يجب سترها عن النظر. ٥ - ويدل الحديث على ستر العورة بطريق الأولى فإنَّه إذا أمر المصلي بستر ما ليس بعورة فأمره بستر العورة بطريق الأولى. * * * ١١٤ - عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّه قَالَ: «مَنْ أَكَلَ ثُوماً أَوْ بَصَلاً. فَلْيَعْتَزِلْنَا أَوْ لِيَعْتَزِلْ مَسْجِدَنَا، وَلْيَقْعُدْ فِي بَيْتِهِ» وَأُتِيَ بِقِدْرٍ فِيهِ خَضِرَاتٌ مِنْ بُقُولٍ. فَوَجَدَ لَهَا رِيحاً، فَسَأَلَ؟ فَأُخْبِرَ بِمَا فِيهَا مِنْ الْبُقُولِ. فَقَالَ: «قَرِّبُوهَا إلَى بَعْضِ أَصْحَابِي» فَلَمَّا رَآهُ كَرِهَ أَكْلَهَا. قَالَ: «كُلْ. فَإِنِّي أُنَاجِي مَنْ لا تُنَاجِي». قوله: «ثُوماً» الثُوم بضم المثلثة بقلة معروفة، واحدتها ثُومة. وَقَوْلُهُ: «خَضِرَاتٌ» بفتح الخاء وكسر الضاد، ويقال أيضاً خُضَرات بضم الخاء وفتح الضاد، ويقال أيضاً خُضُرات وخُضْرات بضم الضاد وتسكينها مع ضم الخاء. وفي الحديث مسائل منها: ١ - النهي عن إتيان المسجد لمن أكل ثوماً أو بصلاً.

стр. 2266

٢ - ويدل الحديث أيضاً على أنَّ أكل الثوم والبصل ليس بمحرم في الجملة وإنَّما نهي عنه عند إتيان المساجد. قَالَ الحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ في [فَتْحِ الْبَارِي] (٥/ ٢٨٨): «وذهب إلى تحريم أكله طائفة قليلة من أهل الظاهر. وروي عن بعض المتقدمين - أيضاً -، والنصوص الصحيحة صريحة برد هذا الكلام» اهـ. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ حَزْمٍ ﵀ فِي [الْمُحَلَّى] (٢/ ٣٦٨): «وَرُوِّينَا عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَشُرَيْكِ بْنِ حَنْبَلٍ مِنْ التَّابِعِينَ تَحْرِيمَ الثُّومِ النِّيءِ. قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ: لَيْسَ حَرَامًا لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَبَاحَهُ فِي الْأَخْبَارِ الْمَذْكُورَةِ. وَرُوِّينَا عَنْ عَطَاءٍ مَنْعَ آكِلِ الثُّومِ مِنْ جَمِيعِ الْمَسَاجِدِ» اهـ. قُلْتُ: الله أعلم بثبوته عنهما. ويحكى هذا أيضاً عن بكر بن أخت عبد الْوَاحِد بن زيد المعتزلي. فقال عبد القاهر البغدادي ﵀ فِي [الفرق بين الفرق] (ص: ٢٠١) «وَمِنْهَا أنَّه أبدع في الْفِقْه تَحْرِيم أكل الثوم والبصل وَأوجب الْوضُوء من قرقرة الْبَطن وَلَا اعْتِبَار عِنْد أهل السّنة بِخِلَاف أهل الأهواء في الْفِقْه» اهـ. ٣ - واحتج بهذا الحديث من قَالَ: إنَّ صلاة الجماعة ليست بفرض. قَالَ الْعَلَّامَةُ الْخَطَّابِي ﵀ في [مَعَالِمِ الْسُنَنِ] (٤/ ٢٥٥): «وَقَوْلُهُ: "فليعتزل مسجدنا" إنَّما أمره باعتزال المسجد عقوبة له وليس هذا من باب الأعذار التي تبيح للمرء التخلف عن الجماعة كالمطر والريح العاصف

стр. 2267

ونحوهما من الأمور، وقد رأيت بعض الناس صنف في الأعذار المانعة عن حضور الجماعة باباً ووضع فيها أكل الثوم والبصل وليس هذا من ذلك في شيء وَاللَّهُ أَعْلَمُ» اهـ. وقَالَ الْعَلَامَةُ ابْنُ دَقِيْقِ الْعِيْدِ ﵀ فِي [إِحْكَامِ الْأَحْكَامِ] ص (٢٠١): «وقد يقَالَ: إنَّ هذا الكلام خرج مخرج الزجر عنها فلا يقتضي ذلك: أن يكون عذراً في ترك الجماعة إلَّا أن تدعو إلى أكلها ضرورة ويبعد هذا من وجه تقريبه إلى بعض أصحابه فإنَّ ذلك ينافي الزجر» اهـ. قُلْتُ: الزجر إنَّما هو وارد فيمن أكلها قرب الصلوات لا مطلقاً. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وقَالَ الشيخ البسام ﵀ فِي [تيسير العلام] (١/ ١٧٩): «والحق أنَّه لا وجه لاستدلالهم، لأنَّ فعل المباحات، التي يترتب عليها سقوط واجب لا بأس بها، ما لم يتخذ حيلة لإسقاط ذلك الواجب، كالسفر المباح في رمضان، فإنَّه يبيح الفطر في نهار رمضان، ولا حرج في ذلك مادام أنَّه لم يسافر ليتوصل به إلى الإفطار» اهـ. ٤ - قَالَ الحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ في [فَتْحِ الْبَارِي] (٥/ ٢٩٠): «وقد ذكرنا: أنَّ هذا الحكم يتعدى إلى كل مأكول له رائحة كريهة، كالفجل وغيره، وأنَّ أحمد نص عليه. وكذلك قَالَ مالك: الكراث كالثوم، إذا وجدت ريحهما يؤذي.

стр. 2268

وألحق أصحاب مالك به: كل من له رائحة كريهة يتأذى بها، كالحرَّاث والحوَّات. وفيه نظر، فإنَّ هذا أثر عمل مباح، وصاحبه محتاج إليه، فينبغي أن يؤمر إذا شهد الصلاة في جماعته بالغسل وإزالة ما يتأذى برائحته منه، كما أمر النبي ﷺ من كان يشهد الجمعة من الأنصار الذين كانوا يعملون في نخلهم ويلبسون الصوف ويفوح ريحهم بالغسل، وأمرهم بشهود الجمعة في ثوبين غير ثوبي المهنة. وذكر ابن عبد البر عن بعض شيوخه، أنَّه ألحق بأكل الثوم من كان أهل المسجد يتأذون بشهوده معهم من أذاه لهم بلسانه ويده، لسفهه عليهم وإضراره بهم، وأنَّه يمنع من دخول المسجد ما دام كذلك، وهذا حسن. وكذلك يمنع المجذوم من مخالطة الناس في مساجدهم وغيره؛ لما روي من الأمر بالفرار منه. وَاللَّهُ أَعْلَمُ» اهـ. وقَالَ العلامة ابن بطال ﵀ فِي [شرح الْبُخَارِيّ] (٢/ ٤٦٦): «وأفتى أبو عمر أحمد بن عبد الملك بن هاشم في رجل شكا جيرانه أنَّه يؤذيهم في المسجد بلسانه، قَالَ: يخرج عن المسجد، ويبعد عنه ونزع بهذا الحديث، وقَالَ: أذاه أكثر من أذى الثوم» اهـ. وقَالَ العلامة ابن عبد البر ﵀ فِي [الْتَمْهِيْدِ] (٦/ ٤٢٢ - ٤٢٤): «وَفِي الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ أَيْضًا مِنَ الْفِقْهِ أَنَّ آكِلَ الثُّومِ يُبْعَدُ مِنَ الْمَسْجِدِ وَيُخْرَجُ عَنْهُ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "لَا يَقْرَبْ مَسْجِدَنَا" أَوْ "مَسَاجِدَنَا" لِأَنَّهُ

стр. 2269

يُؤْذِينَا بِرِيحِ الثُّومِ وَإِذَا كَانَتِ الْعِلَّةُ في إخراجه مِنَ الْمَسْجِدِ أَنَّهُ يُتَأَذَّى بِهِ فَفِي الْقِيَاسِ أَنَّ كُلَّ مَا يَتَأَذَّى بِهِ جِيرَانُهُ فِي الْمَسْجِدِ بِأَنْ يَكُونَ ذَرِبَ اللِّسَانِ سَفِيهًا عَلَيْهِمْ فِي الْمَسْجِدِ مُسْتَطِيلًا أَوْ كَانَ ذَا رِيحَةٍ قَبِيحَةٍ لَا تَرِيمُهُ لِسُوءِ صناعته أو عاهة موذية كَالْجُذَامِ وَشَبَهِهِ وَكُلُّ مَا يَتَأَذَّى بِهِ النَّاسُ إِذَا وُجِدَ فِي أَحَدِ جِيرَانِ الْمَسْجِدِ وَأَرَادُوا إِخْرَاجَهُ عَنِ الْمَسْجِدِ وَإِبْعَادَهُ عَنْهُ كَانَ ذَلِكَ لَهُمْ مَا كَانَتِ الْعِلَّةُ مَوْجُودَةً فِيهِ حَتَّى تَزُولَ فَإِذَا زَالَتْ بِإِفَاقَةٍ أَوْ تَوْبَةٍ أَوْ أَيِّ وَجْهٍ زَالَتْ كَانَ لَهُ مُرَاجَعَةُ الْمَسْجِدِ وَقَدْ شَاهَدْتُ شَيْخَنَا أَبَا عُمَرَ أَحْمَدَ بْنَ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ هَاشِمٍ ﵀ أَفْتَى فِي رَجُلٍ شَكَاهُ جِيرَانُهُ وَأَثْبَتُوا عَلَيْهِ أَنَّهُ يُؤْذِيهِمْ فِي الْمَسْجِدِ بِلِسَانِهِ وَيَدِهِ فَشُوِّرَ فِيهِ فَأَفْتَى بِإِخْرَاجِهِ عَنِ الْمَسْجِدِ وَإِبْعَادِهِ عَنْهُ وَأَنْ لَا يُشَاهِدُ مَعَهُمُ الصَّلَاةَ إِذْ لَا سَبِيلَ مَعَ جُنُونِهِ وَاسْتِطَالَتِهِ إِلَى السَّلَامَةِ مِنْهُ فَذَاكَرْتُهُ يَوْمًا أَمْرَهُ وَطَالَبْتُهُ بِالدَّلِيلِ فِيمَا أَفْتَى بِهِ مِنْ ذَلِكَ وَرَاجَعْتُهُ فِيهِ الْقَوْلَ فَاسْتَدَلَّ بِحَدِيثِ الثُّومِ وَقَالَ هُوَ عِنْدِي أَكْثَرُ أَذًى مِنْ آكِلِ الثُّومِ وَصَاحِبُهُ يُمْنَعُ مِنْ شُهُودِ الْجَمَاعَةِ فِي الْمَسْجِدِ وَذَكَرَ الْحَدِيثَ أَنَّهُ كَانَ إِذَا وُجِدَ مِنْ أَحَدٍ رِيحُ ثُومٍ فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أُخْرِجَ عَنْهُ وَرُبَّمَا أُبْعِدَ حَتَّى يُبْلَغَ بِهِ الْبَقِيعُ» اهـ. وقَالَ العلامة القرطبي ﵀ فِي [تفسيره] (١٢/ ٢٦٨): «وَكُلُّ مَا يَتَأَذَّى بِهِ النَّاسُ كَانَ لهم إخراجه ما كانت العلة موجودة فيه حَتَّى تَزُولَ. وَكَذَلِكَ يَجْتَنِبُ مُجْتَمَعَ النَّاسِ حَيْثُ كَانَ لِصَلَاةٍ أَوْ غَيْرِهَا كَمَجَالِسِ الْعِلْمِ

стр. 2270

وَالْوَلَائِمِ وَمَا أَشْبَهَهَا، مِنْ أَكْلِ الثُّومِ وَمَا فِي مَعْنَاهُ، مِمَّا لَهُ رَائِحَةٌ كَرِيهَةٌ تُؤْذِي النَّاسَ. وَلِذَلِكَ جَمَعَ بَيْنَ الْبَصَلِ وَالثُّومِ وَالْكُرَّاثِ، وَأَخْبَرَ أَنَّ ذَلِكَ مِمَّا يُتَأَذَّى بِهِ. قَالَ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: وَقَدْ شَاهَدْتُ شَيْخَنَا أَبَا عُمَرَ أَحْمَدَ بْنَ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ هِشَامٍ ﵀ أَفْتَى فِي رَجُلٍ شَكَاهُ جِيرَانُهُ وَاتَّفَقُوا عَلَيْهِ أَنَّهُ يُؤْذِيهِمْ فِي الْمَسْجِدِ بِلِسَانِهِ وَيَدِهِ فَشُووِرَ فِيهِ، فَأَفْتَى بِإِخْرَاجِهِ مِنَ الْمَسْجِدِ وَإِبْعَادِهِ عَنْهُ، وَأَلَّا يُشَاهِدَ مَعَهُمُ الصَّلَاةَ، إِذْ لَا سَبِيلَ مَعَ جُنُونِهِ وَاسْتِطَالَتِهِ إِلَى السَّلَامَةِ مِنْهُ، فَذَاكَرْتُهُ يَوْمًا أَمْرَهُ وَطَالَبْتُهُ بِالدَّلِيلِ فِيمَا أَفْتَى بِهِ مِنْ ذَلِكَ وَرَاجَعْتُهُ فِيهِ الْقَوْلَ، فَاسْتَدَلَّ بِحَدِيثِ الثُّومِ، وَقَالَ: هُوَ عِنْدِي أَكْثَرُ أَذًى مِنْ أَكْلِ الثُّومِ، وَصَاحِبُهُ يُمْنَعُ مِنْ شُهُودِ الْجَمَاعَةِ فِي الْمَسْجِدِ. قُلْتُ: وَفِي الْآثَارِ الْمُرْسَلَةِ" إِنَّ الرَّجُلَ لَيَكْذِبُ الْكَذْبَةَ فَيَتَبَاعَدُ الْمَلَكُ مِنْ نَتْنِ رِيحِهِ". فَعَلَى هَذَا يُخْرَجُ مَنْ عُرِفَ مِنْهُ الْكَذِبُ وَالتَّقَوُّلُ بِالْبَاطِلِ فَإِنَّ ذَلِكَ يُؤْذِي» اهـ. قُلْتُ: وقد جاء ذكر الكراث في حديث جابر فروى مُسْلِم (٥٦٣) عن جابر قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ أَكْلِ الْبَصَلِ وَالْكُرَّاثِ فَغَلَبَتْنَا الْحَاجَةُ فَأَكَلْنَا مِنْهَا فَقَالَ: "مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ الْمُنْتِنَةِ فَلَا يَقْرَبَنَّ مَسْجِدَنَا فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ تَأَذَّى مِمَّا يَتَأَذَّى مِنْهُ الْإِنْسُ"». قُلْتُ: ويدخل في ذلك أيضاً شرب السجائر فإنَّها تتصاعد من شاربها الروائح المنتنة.

стр. 2271

٥ - وألحق جماعة من العلماء بآكل الثوم والبصل صاحب الجذام وغيره من أصحاب الأمراض المعدية الذي يستضر به الناس. قال العلامة ابن القيم ﵀ فِي [الطرق الحكمية] (ص: ٢٤٢ - ٢٤٥): «فَصْلٌ: فِي الْمَرَضِ الْمُعْدِي: كَالْجُذَامِ إذَا اسْتَضَرَّ النَّاسُ بِأَهْلِهِ: قَالَ ابْنُ وَهْبٍ - فِي الْمُبْتَلَى يَكُونُ لَهُ فِي مَنْزِلِهِ سَهْمٌ، وَلَهُ حَظٌّ فِي شِرْبٍ فَأَرَادَ مَنْ مَعَهُ فِي الْمَنْزِلِ إخْرَاجَهُ مِنْهُ، وَزَعَمُوا أَنَّ اسْتِقَاءَهُ مِنْ مَائِهِمْ الَّذِي يَشْرَبُونَهُ مُضِرٌّ بِهِمْ، فَطَلَبُوا إخْرَاجَهُ مِنْ الْمَنْزِلِ. قَالَ ابْنُ وَهْبٍ: إذَا كَانَ لَهُ مَالٌ: أُمِرَ أَنْ يَشْتَرِيَ لِنَفْسِهِ مَنْ يَقُومُ بِأَمْرِهِ، وَيَخْرُجُ فِي حَوَائِجِهِ، وَيَلْزَمُ هُوَ بَيْتَهُ فَلَا يَخْرُجُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ: خَرَجَ مِنْ الْمَنْزِلِ، إذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ شَيْءٌ، وَيُنْفَقُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ. وَقَالَ عِيسَى - فِي قَوْمٍ اُبْتُلُوا بِالْجُذَامِ وَهُمْ فِي قَرْيَةٍ مَوْرِدُهُمْ وَاحِدٌ، وَمَسْجِدُهُمْ وَاحِدٌ، فَيَأْتُونَ الْمَسْجِدَ فَيُصَلُّونَ فِيهِ، وَيَجْلِسُونَ فِيهِ مَعَهُمْ، وَيَرِدُونَ الْمَاءَ وَيَتَوَضَّئُونَ، فَيَتَأَذَّى بِذَلِكَ أَهْلُ الْقَرْيَةِ، وَأَرَادُوا مَنْعَهُمْ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ - قَالَ: أَمَّا الْمَسْجِدُ فَلَا يُمْنَعُونَ الصَّلَاةَ فِيهِ، وَلَا مِنْ الْجُلُوسِ، أَلَا تَرَى إلَى قَوْلِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ لِلْمَرْأَةِ الْمُبْتَلَاةِ - لَمَّا رَآهَا تَطُوفُ بِالْبَيْتِ مَعَ النَّاسِ: "لَوْ جَلَسْتِ فِي بَيْتِك لَكَانَ خَيْرًا لَك؟ " وَلَمْ يَعْزِمْ عَلَيْهَا بِالنَّهْيِ عَنْ الطَّوَافِ، وَدُخُولِ الْبَيْتِ، وَأَمَّا

стр. 2272

اسْتِقَاؤُهُمْ مِنْ مَائِهِمْ، وَوُرُودُهُمْ الْمَوْرِدَ لِلْوُضُوءِ وَغَيْرِ ذَلِكَ: فَيُمْنَعُونَ، وَيَجْعَلُونَ لِأَنْفُسِهِمْ صَحِيحًا يَسْتَقِي لَهُمْ الْمَاءَ فِي آنِيَةٍ، ثُمَّ يَفْرُغُهَا فِي آنِيَتِهِمْ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ" وَذَلِكَ ضَرَرٌ بِالْأَصِحَّاءِ فَأَرَى أَنْ يُحَالَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ ذَلِكَ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ يُفَرَّقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ زَوْجَتِهِ، وَيُحَالُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ وَطْءِ جَوَارِيهِ لِلضَّرَرِ؟ فَهَذَا مِنْهُ. وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مُطَرِّفٍ فِي الْجُذَامَى: وَأَمَّا الْوَاحِدُ وَالنَّفَرُ الْيَسِيرُ: فَلَا يُخْرَجُونَ مِنْ الْحَاضِرَةِ، وَلَا مِنْ قَرْيَةٍ، وَلَا مِنْ سُوقٍ، وَلَا مِنْ مَسْجِدٍ جَامِعٍ، لِأَنَّ عُمَرَ لَمْ يَعْزِمْ عَلَى الْمَرْأَةِ وَهِيَ تَطُوفُ بِالْبَيْتِ، وَكَذَلِكَ مُعَيْقِيبٌ الدَّوْسِيُّ قَدْ جَعَلَهُ عُمَرُ ﵁ عَلَى بَيْتِ الْمَالِ، وَكَانَ عُمَرُ يُجَالِسُهُ وَيُؤَاكِلُهُ، وَيَقُولُ لَهُ: "كُلْ مِمَّا يَلِيك" فَإِذَا كَثُرُوا: رَأَيْتُ أَنْ يَتَّخِذُوا لِأَنْفُسِهِمْ مَوْضِعًا، كَمَا صَنَعَ بِمَرْضَى مَكَّةَ، وَلَا يُمْنَعُونَ مِنْ الْأَسْوَاقِ لِتِجَارَتِهِمْ، وَشِرَاءِ حَوَائِجِهِمْ، أَوْ الطَّوَافِ لِلسُّؤَالِ، إذَا لَمْ يَكُنْ إمَامٌ يَرْزُقُهُمْ مِنْ الْفَيْءِ، وَلَا يُمْنَعُونَ مِنْ الْجُمُعَةِ، وَيُمْنَعُونَ مِنْ غَيْرِ ذَلِكَ. وَرَوَى سَحْنُونٌ: أَنَّهُمْ لَا يُجَمِّعُونَ مَعَ النَّاسِ الْجُمُعَةَ. وَأَمَّا مَرْضَى الْقُرَى: فَلَا يَخْرُجُونَ مِنْهَا، وَإِنْ كَثُرُوا، وَلَكِنْ يُمْنَعُونَ مِنْ أَذَى النَّاسِ وَقَالَ أَصْبَغُ: لَيْسَ عَلَى مَرْضَى الْحَوَاضِرِ الْخُرُوجُ مِنْهَا إلَى نَاحِيَةٍ أُخْرَى، وَلَكِنْ إنْ كَفَاهُمْ الْإِمَامُ الْمُؤْنَةَ مُنِعُوا مِنْ مُخَالَطَةِ النَّاسِ بِلُزُومِ بُيُوتِهِمْ وَالتَّنَحِّي عَنْهُمْ وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: يُحْكَمُ عَلَيْهِمْ بِتَنَحِّيهِمْ نَاحِيَةً إذَا كَثُرُوا، وَهُوَ الَّذِي عَلَيْهِ فُقَهَاءُ الْأَمْصَارِ.

стр. 2273

قُلْتُ: يَشْهَدُ لِهَذَا: الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ الَّذِي رَوَاهُ الْبُخَارِيّ مِنْ حَدِيثِ سَعِيدِ بْنِ مِينَاءَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا عَدْوَى؛ وَلَا هَامَةَ، وَلَا صَفَرَ، وَفِرَّ مِنْ الْمَجْذُومِ فِرَارَك مِنْ الْأَسَدِ، أَوْ قَالَ: مِنْ الْأَسْوَدِ". وَرَوَى مُسْلِم فِي "صَحِيْحِهِ" مِنْ حَدِيثِ يَعْلَى بْنِ عَطَاءٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ الشَّرِيدِ عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: كَانَ فِي وَفْدِ ثَقِيفٍ رَجُلٌ مَجْذُومٌ، فَأَرْسَلَ إلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ : "إنَّا بَايَعْنَاك فَارْجِعْ". وَفِي " مُسْنَدِ أَبِي دَاوُد الطَّيَالِسِيِّ ": حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْقُرَشِيِّ، عَنْ أُمِّهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "لَا تُدِيمُوا النَّظَرَ إلَيْهِمْ: يَعْنِي الْمَجْذُومِينَ" وَمُحَمَّدٌ هَذَا هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ. وَلَا تَعَارُضَ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ مَا رَوَاهُ مُفَضَّلُ بْنُ فَضَالَةَ عَنْ حَبِيبِ بْنِ الشَّهِيدِ عَنْ ابْنِ الْمُنْكَدِرِ عَنْ جَابِرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَخَذَ بِيَدِ مَجْذُومٍ، فَوَضَعَهَا مَعَهُ فِي قَصْعَتِهِ، وَقَالَ: "كُلْ بِاسْمِ اللَّهِ، وَتَوَكُّلًا عَلَى اللَّهِ". فَإِنَّ هَذَا يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ الْأَمْرَيْنِ، وَهَذَا فِي حَقِّ طَائِفَةٍ، وَهَذَا فِي حَقِّ طَائِفَةٍ، فَمَنْ قَوِيَ تَوَكُّلُهُ وَاعْتِمَادُهُ وَيَقِينُهُ مِنْ الْأُمَّةِ: أَخَذَ بِهَذَا الْحَدِيثِ، وَمَنْ ضَعُفَ عَنْ ذَلِكَ: أَخَذَ بِالْحَدِيثِ الْآخَرِ، وَهَذِهِ سُنَّةٌ، وَهَذِهِ سُنَّةٌ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 2274

فَإِذَا أَرَادَ أَهْلُ الدَّارِ أَنْ يُؤَاكِلُوا الْمَجْذُومِينَ وَيُشَارِبُوهُمْ وَيُضَاجِعُوهُمْ: فَلَهُمْ ذَلِكَ، وَإِنْ أَرَادُوا مُجَانَبَتَهُمْ وَمُبَاعَدَتَهُمْ: فَلَهُمْ ذَلِكَ. وَفِي قَوْلِهِ ﷺ : "لَا تُدِيمُوا النَّظَرَ إلَى الْمَجْذُومِينَ"، فَائِدَةٌ طِبِّيَّةٌ عَظِيمَةٌ، وَهِيَ أَنَّ الطَّبِيعَةَ نَقَّالَةٌ، فَإِذَا أَدَامَ النَّظَرَ إلَى الْمَجْذُومِ خِيفَ عَلَيْهِ أَنْ يُصِيبَهُ ذَلِكَ بِنَقْلِ الطَّبِيعَةِ، وَقَدْ جَرَّبَ النَّاسُ أَنَّ الْمُجَامِعَ إذَا نَظَرَ إلَى شَيْءٍ عِنْدَ الْجِمَاعِ وَأَدَامَ النَّظَرَ إلَيْهِ، انْتَقَلَ مِنْ صِفَتِهِ إلَى الْوَلَدِ، وَحَكَى بَعْضُ رُؤَسَاءِ الْأَطِبَّاءِ أَنَّهُ أَجْلَسَ ابْنَ أَخٍ لَهُ لِلْكُحْلِ فَكَانَ يَنْظُرُ فِي أَعْيُنِ الرُّمْدِ فَيَرْمَدُ، فَقَالَ لَهُ: اُتْرُكْ الْكُحْلَ، فَتَرَكَهُ فَلَمْ يَعْرِضْ لَهُ رَمَدٌ، قَالَ: لِأَنَّ الطَّبِيعَةَ نَقَّالَةٌ. وَذَكَرَ الْبَيْهَقِيّ وَغَيْرُهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَزَوَّجَ امْرَأَةً مِنْ غِفَارٍ، فَدَخَلَ عَلَيْهَا، فَأَمَرَهَا فَنَزَعَتْ ثِيَابَهَا، فَرَأَى بَيَاضًا عِنْدَ ثَدْيَيْهَا، فَانْحَازَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ الْفِرَاشِ، فَلَمَّا أَصْبَحَ قَالَ: "الْحَقِي بِأَهْلِك". وَحَمَلَ لَهَا صَدَاقَهَا» اهـ. قُلْتُ: أثر عمر رواه مالك في [الْمُوَطَأ] (٢٥٠)، ومن طريقه عبد الرزاق في [الْمُصَنَّفِ] (٩٠٣١) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ مَرَّ بِامْرَأَةٍ مَجْذُومَةٍ وَهِيَ تَطُوفُ بِالْبَيْتِ، فَقَالَ لَهَا: «يَا أَمَةَ اللَّهِ. لَا تُؤْذِي النَّاسَ. لَوْ جَلَسْتِ فِي بَيْتِكِ». فَجَلَسَتْ. فَمَرَّ بِهَا رَجُلٌ بَعْدَ ذَلِكَ. فَقَالَ لَهَا: إِنَّ الَّذِي كَانَ قَدْ نَهَاكِ قَدْ مَاتَ، فَاخْرُجِي. فَقَالَتْ: «مَا كُنْتُ لِأُطِيعَهُ حَيًّا وَأَعْصِيَهُ مَيِّتًا».

стр. 2275

قُلْتُ: إِسْنَادُهُ مُنْقَطِعٌ بين عبد الله بن أبي مليكة وعمر ﵁. وقَالَ الحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ في [فَتْحِ الْبَارِي] (٥/ ٢٩٠): «وكذلك يمنع المجذوم من مخالطة الناس في مساجدهم وغيره؛ لما روي من الأمر بالفرار منه. وَاللَّهُ أَعْلَمُ» اهـ. وقال العلامة ابن بطال ﵀ فِي [شرح الْبُخَارِيّ] (٩/ ٤١٢): «قال ابن حبيب: وكذلك يمنع المجذوم من المسجد والدخول بين الناس واختلاطه بهم» اهـ. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْبَاجِيُ الْمَالِكِي ﵀ فِي [الْمُنْتَقَى] (٧/ ٢٦٦): «وَيُمْنَعُ الْمَجْذُومُ مِنْ الْمَسْجِدِ وَلَا يُمْنَعُ مِنْ الْجُمُعَةِ وَلَا يُمْنَعُ مِنْ غَيْرِهَا قَالَهُ مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ» اهـ. وقال سليمان البُجَيْرَمِي الشافعي ﵀ فِي [حاشيته على تحفة الحبيب] (٢/ ١٢٩): «وَمِنْ ثَمَّ قَالَ الْعُلَمَاءُ يُمْنَعُ الْمَجْذُومُ وَالْأَبْرَصُ مِنْ اخْتِلَاطِهِمَا بِالنَّاسِ وَمِنْ الْمَسْجِدِ وَالْجُمُعَةِ» اهـ. وقال الْعَلَّامَةُ الْأَلْبَانِيُ ﵀ فِي [حاشية الثمر المستطاب] (٢/ ٦٦٣): «إلَّا أنَّه قد يقال: إنَّه يجوز منع المجذوم لا لعلة الرائحة بل لأنَّ داءه يعدي فيضر المصلي وهو مأمور بالابتعاد عنه بقوله ﵊: "فر من المجذوم

стр. 2276

فرارك من الأسد". ولما كان تطبيق هذا الأمر يستلزم ابتعاد المصلين جميعاً أو بعضهم عن المسجد وتعطيل صلاة الجماعة أو تقليلها ولا يخفى ما في ذلك من المخالفة ولذلك يقتضي أن يمنع المجذوم من هذه الوجهة ويلحق به كل من به داء معد. وَاللَّهُ أَعْلَمُ» اهـ. ٦ - قوله: «وَلْيَعْتَزِلْ مَسْجِدَنَا». احتج به من قَالَ: إنَّ هذا الحكم مختص بمسجد رسول الله ﷺ . قُلْتُ: وهذا احتجاج فاسد من وجهين: الوجه الأول: أنَّ الحديث قد جاء بجمع المساجد فروى الْبُخَارِيّ (٨٥٤) عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: قَالَ النبي ﷺ : «مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ - يُرِيدُ الثُّومَ - فَلَا يَغْشَانَا فِي مَسَاجِدِنَا». وروى مُسْلِم (٥٦١) عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ الْبَقْلَةِ فَلَا يَقْرَبَنَّ مَسَاجِدَنَا حَتَّى يَذْهَبَ رِيحُهَا يَعْنِي الثُّومَ». الوجه الآخر: أنَّ التعليل الذي علل به النبي ﷺ النهي عن أكل هذه الأشجار يعم سائر المساجد وهو قوله في الحديث السابق: «فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ تَأَذَّى مِمَّا يَتَأَذَّى مِنْهُ الْإِنْسُ». ٧ - قَالَ العلامة ابن بطال ﵀ فِي [شرح الْبُخَارِيّ] (٢/ ٤٦٧): «في قوله: "أناجي من لا تناجي"، دليل أنَّ الملائكة أفضل من بنى آدم» اهـ.

стр. 2277

قُلْتُ: هذه المسألة طويلة الذيل استوفي الكلام فيها شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ فِي رسالة مستقلة فلا نطيل القول بذكرها. ٨ - قَالَ العلامة ابن بطال ﵀ فِي [شرح الْبُخَارِيّ] (٢/ ٤٦٧): «وفيه: أنَّ بني آدم يلزم من بر بعضهم ما لا يلزم لجميعهم؛ ألا ترى أنَّه لم يؤمر آكل الثوم باجتناب أهل الأسواق ومهنة الناس وباعتهم. قَالَ مالك: ما سمعت في أكل الثوم كراهية في دخول السوق، وإنَّما ذلك في المسجد» اهـ. ٩ - وفيه ما يدل على أنَّ الإنسان إذا كره طعاماً تركه ولا لوم عليه في تركه. قُلْتُ: ويدل على هذا أيضاً ما رواه الْبُخَارِيّ (٣٥٦٣)، ومُسْلِم (٢٠٦٤) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، ﵁، قَالَ: «مَا عَابَ النَّبِيُّ ﷺ طَعَامًا قَطُّ إِنِ اشْتَهَاهُ أَكَلَهُ وَإِلاَّ تَرَكَهُ». ١٠ - قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِيُ ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِم] (٥/ ٤٩): «قَالَ العلماء وفي هذا الحديث دليل على منع آكل الثوم ونحوه من دخول المسجد وإن كان خالياً لأنَّه محل الملائكة ولعموم الأحاديث» اهـ. * * *

стр. 2278

١١٥ - عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَنْ أَكَلَ الثُّومَ وَالْبَصَلَ وَالْكُرَّاثَ فَلا يَقْرَبَنَّ مَسْجِدَنَا، فَإِنَّ الْمَلائِكَةَ تَتَأَذَّى مِمَّا يَتَأَذَّى مِنْهُ الإِنْسَانُ» وفي رواية: «بَنُو آَدَمَ». وفي الحديث مسائل منها: ١ - النهي عن قربان المسجد لمن أكل ثوماً أو بصلاً أو كراثاً. وقد سبق الكلام في ذلك في الحديث الماضي. ٢ - تعليل النهي عن ذلك بأنَّ الملائكة تتأذى مما يتأذى منه الإنسان. ٣ - وهذا التعليل يقتضي عدم قصر النهي على مسجد رسول الله ﷺ . كما سبق. ٤ - ويقتضي التعليل النهي عن كل ما يؤذي المصلين كما سبق بيان ذلك. قُلْتُ: وهل يلحق في ذلك الحدث في المسجد في ذلك نزاع بين أهل العلم ومن أجازه احتج بما رواه الْبُخَارِيّ (٤٤٥) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «الْمَلَائِكَةُ تُصَلِّي عَلَى أَحَدِكُمْ مَا دَامَ فِي مُصَلاَّهُ الَّذِي صَلَّى فِيهِ مَا لَمْ يُحْدِثْ تَقُولُ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ».

стр. 2279

ورواه الْبُخَارِيّ (٤٧٧)، ومُسْلِم (٦٤٩) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «صَلَاةُ الْجَمِيعِ تَزِيدُ عَلَى صَلَاتِهِ فِي بَيْتِهِ وَصَلَاتِهِ فِي سُوقِهِ خَمْسًا وَعِشْرِينَ دَرَجَةً فَإِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ وَأَتَى الْمَسْجِدَ لَا يُرِيدُ إِلاَّ الصَّلَاةَ لَمْ يَخْطُ خُطْوَةً إِلَّا رَفَعَهُ اللَّهُ بِهَا دَرَجَةً وَحَطَّ عَنْهُ خَطِيئَةً حَتَّى يَدْخُلَ الْمَسْجِدَ، وَإِذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ كَانَ فِي صَلَاةٍ مَا كَانَتْ تَحْبِسُهُ وَتُصَلِّي، يَعْنِي عَلَيْهِ - الْمَلَائِكَةُ مَا دَامَ فِي مَجْلِسِهِ الَّذِي يُصَلِّي فِيهِ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ مَا لَمْ يُحْدِثْ فِيهِ». قُلْتُ: وبوَّب الْبُخَارِيّ ﵀ على اللفظ الأول: «باب الحدث في المسجد». قَالَ الحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ في [فَتْحِ الْبَارِي] (٢/ ٤٦٩ - ٤٧٠): «ومقصوده: أنَّه يجوز تعمد إخراج الحدث في المسجد؛ لأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ذكره، ولم ينه عنه، إنَّما أخبر أنَّه يقطع صلاة الملائكة. وقد رخص في تعمد إخراج الحدث في المسجد الحسن وعطاء وإسحاق. وقد تقدم أنَّ النوم في المسجد جائز للضرورة بغير خلاف، ومنه نوم المعتكف لضرورة صحة اعتكافه، ولغير ضرورة عند الأكثرين، والنوم مظنة خروج الحدث، فلو منع من خروج الريح في المسجد لمنع من النوم فيه بكل حال، وهو مخالف للنصوص والإجماع.

стр. 2280

قَالَ أصحاب الشافعي: والأولى اجتناب إخراج الريح فيه لقول النبي ﷺ : "فإنَّ الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم". قَالَوا: ولا يكره الجلوس فيه للمحدث، سواء كان له غرض شرعي أو لم يكن. ومن أصحابهم من كرهه لغير غرض. وقيل: أنه لم يوافق على ذلك» اهـ. قُلْتُ: الذي يظهر لي هو كراهة تعمد الحدث في المسجد لما في ذلك من أذية الناس والملائكة، لكن ذلك وَاللَّهُ أَعْلَمُ أخف من دخول المسجد بعد أكل الثوم والبصل لورود النهي الصريح عن ذلك ولأنَّ بقاء رائحة الثوم والبصل أطول من بقاء الحدث. ٥ - ويقتضي التعليل أيضاً النهي عن ذلك في غير المساجد كمجامع الناس في صلاة العيدين والاستسقاء. وأمَّا الأسواق ونحوها فلا تدخل في ذلك. قُلْتُ: وينبغي للآكل الثوم والبصل ونحوهما أن يعتزل مجالس الصالحين وإن كانت في غير المسجد، فقد روى مسلم (٥٦٦) عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ مَرَّ عَلَى زَرَّاعَةِ بَصَلٍ هُوَ وَأَصْحَابُهُ، فَنَزَلَ نَاسٌ مِنْهُمْ فَأَكَلُوا مِنْهُ، وَلَمْ يَأْكُلْ آخَرُونَ، فَرُحْنَا إِلَيْهِ فَدَعَا الَّذِينَ لَمْ يَأْكُلُوا الْبَصَلَ وَأَخَّرَ الْآخَرِينَ، حَتَّى ذَهَبَ رِيحُهَا». ٦ - إنَّما يكره أكل الثوم والبصل نيئاً وأمَّا بعد طبخها فلا يكره ولا يحرم قربان المسجد حينئذ لما رواه مُسْلِم (٥٦٧) عن عمر بن الخطاب ﵁ قَالَ:
следующие страницы →