Полный текст (8 095 стр.). Показаны 2311–2350 · переход к 2316.
стр. 2311
والأول أصح؛ لما ذكرنا، وقول الأسود يدل على أنَّ الأولى والأحسن الإتيان بلفظه وحروفه، وهو الذي ذكرنا أنَّه المختار، وعلى أنَّ عبد الله كان يرخص في إبدال فظات من القرآن، فالتشهد أولى، فقد روي عنه أنَّ إنساناً كان يقرأ عليه: ﴿إنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ طَعَامُ الْأَثِيمِ﴾. فيقول: طعام اليتيم.
فقَالَ له عبد الله: قل طعام الفاجر.
فأمَّا ما اجتمعت عليه التشهدات كلها فيتعين الإتيان به، وهذا مذهب الشافعي» اهـ.
وَقَالَ الحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٥/ ١٨٠):
«والمحققون من أصحابنا على أنَّه يجوز التشهد بجميع أنواع التشهدات المروية عَنِ النَّبِيِّ ﷺ كما نص عليه أحمد.
وقَالَ طائفة، منهم: القاضي أبو يعلى في كتابه "الجامع الْكَبِيْر": إذا أسقط من التشهد ما هو ساقط في بعض الروايات دون بعض صحت صلاته، وإن أسقط ما هو ساقط في جميعها لم تصح.
وقيل لأحمد: لو قَالَ في تشهده: "أشهد أن لا إله إلَّا الله، وأنَّ محمداً عبده ورسوله" هل يجزئه؟ قَالَ: أرجو.
وقد ورد مثل ذلك في بعض روايات حديث أبي موسى، وهو في بعض نسخ "صحيح مُسْلِم"، وهي رواية لأبي داود والنسائي» اهـ.
стр. 2312
قُلْتُ: قوله: (وإن أسقط ما هو ساقط في جميعها لم تصح) عبارة مشكلة، ولعل صوابها: وإن أسقط ما هو ثابت في جميعها لم تصح.
وقَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِيُ رَحِمَهُ اللهُفي [الْمَجْمُوعِ] (٣/ ٤٥٨ - ٤٥٩):
«وأمَّا أقل التشهد فقَالَ الشافعي وأكثر الأصحاب أقله "التحيات لله سلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته سلام علينا وعلى عباد الله الصالحين أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله" وقَالَ جماعة: "وأن محمداً رسوله" كذا نقله الرافعي عن العراقيين والروياني. وقَالَ البغوي: "وأشهد أن محمداً رسوله" قَالَ ونقله ابن كج والصيدلاني فاسقطا قوله: "وبركاته" وقَالَا: "واشهد أن محمداً رسول الله" قُلْتُ: وكذا رأيت نص الشافعي في "الأم" كما نقله الصيدلاني وكذا نقله الشيخ أبو حامد في تعليقه عن "الأم" وقَالَ ابن سريج أقله "التحيات لله سلام عليك أيها النبي سلام علي عباد الله الصالحين أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسوله" واسقط بعضهم في الحكاية عن ابن سريج لفظ "السلام" الثاني فقَالَ: "السلام عليك أيها النبي وعلى عباد الله الصالحين" واسقط بعضهم "الصالحين" واختاره الإمام أبو عبد الله الحليمي من كبار أصحابنا المتقدمين والصحيح الأول لأنَّه تكرر في الأحاديث ولم يسقط في شيء من الروايات الصحيحة فيجب الإتيان به كله، ولهذا قَالَ الشافعي والأصحاب: يتعين لفظة "التحيات" لثبوتها في جميع الروايات بخلاف المباركات وما بعدها، ومما يدل لسقوط لفظة: "وأشهد" رواية أبي موسى السابقة، وأمَّا إسقاط "الصالحين" فخطأ لأنَّ الشرع لم يرد بالسلام على
стр. 2313
كل العباد هنا بل خص به الصالحين فيتعين أن يكون إسقاط "علينا" خطأ أيضاً لأنَّ المتكلم لا يدخل في الصالحين فلا يجوز حذفه فالحاصل أنَّ في قوله: "ورحمة الله وبركاته" ثلاثة أوجه:
أصحها: وجوبهما، والثاني: حذفهما، والثالث: وجوب الأول دون الثاني.
وفي "علينا والصالحين" ثلاثة أوجه:
أصحها: وجوبهما، والثاني: حذفهما، والثالث: وجوب "الصالحين" دون علينا وفي الشهادة الثانية ثلاثة أوجه: أحدها: وأشهد أن محمداً رسول الله.
والثاني: وهو الأصح "وأنَّ محمداً رسول الله". والثالث: "وأنَّ محمداً رسوله" وَاللَّهُ أَعْلَمُ» اهـ.
قُلْتُ: تنكير السلام وهو قوله: «سلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته سلام علينا وعلى عباد الله الصالحين». جاء في بعض ألفاظ حديث ابن عباس رواه أحمد (٢٦٦٥)، والترمذي (٢٩٠)، والنسائي (١١٧٤)
وجاء أيضاً في بعض ألفاظ حديث أبي موسى رواه النسائي (١٠٦٤).
ووقع في بعض روايات تشهد ابن عباس عند أحمد (٢٦٦٥): «وأنَّ محمداً رسول الله». من غير لفظ الشهادة.
وهكذا جاء في حديث عائشة في [الْمُوَطَأ] (٢٠٥).
стр. 2314
وجاء أيضاً في بعض ألفاظ حديث عبد الله بن مسعود عند أحمد (٤١٨٩)، والنسائي في [الْكُبْرَى] (٧٥٤).
وفي حديث أبي موسى الأشعري عند النسائي في [السنن الْكُبْرَى] (٦٥١)، وأبي يعلى في [مُسْنَدِهِ] (٧٢٢٤)، والبيهقي في [الْكُبْرَى] (٢٦٥٢، ٣٧٧٤).
قُلْتُ: ولفظة: «الزاكيات». لم تأت في كثير من التشهدات، ولفظة: «الطيبات». جاءت في سائر التشهدات إلَّا تشهد ابن عمر الموقوف عليه.
فتبين من هذا أنَّ التشهدات لم تتفق على ذكر الطيبات، والزاكيات، وتعريف السلام، ولفظ الشهادة في قوله:
«وأشهد أنَّ محمداً … » وذكر لفظة: «عبده». ولفظة: «السلام عليكم» آخر التشهد. جاء في بعض الروايات في حديث عائشة دون سائر التشهدات.
وجاء في تشهد ابن عمر الموقوف عليه «شهدت» بدل «أشهد».
وجاء في تشهد عائشة تقديم التشهد على السلام.
وأمَّا ما جاء في بعض التشهدات من حذف كاف الخطاب في السلام على النبي ﷺ واستبدال ذلك بضمير الغيبة فهو من اجتهادات بعض الصحابة كما سيأتي بيان ذلك بمشيئة الله تعالى.
وأمَّا زيادة التسمية في أوله فقد جاء في تشهد ابن عمر الموقوف عليه، لكن قَالَ الْحَافِظُ الْبَيْهَقِي ﵀ فِي [الْكُبْرَى] (٢/ ١٤٣):
стр. 2315
«وأمَّا الرواية فيها عَنِ ابْنِ عُمَرَ فهي وإن كانت صحيحة فيحتمل أن تكون زيادة من جهة ابن عمر فقد روينا عنه عَنِ النَّبِيِّ ﷺ حديث التشهد ليس فيه ذكر التسمية وَاللَّهُ أَعْلَمُ» اهـ.
وجاءت في تشهد عمر بن الخطاب وقد اختلف في إثباتها في تشهده فأثبتها هشام بن عروة ولم يثبتها الزهري.
والذي يظهر لي أنَّ حديث الزهري أصح لأنَّ حديثه موافق لسائر الأدلة الصحيحة في التشهد.
وجاءت أيضاً في تشهد عائشة، وجابر، وعبد الله بن الزبير، وعلي ولا يصح ذلك عنهم.
وروى ابن المنذر في [الْأَوْسَطِ] (١٤٧٩) حَدَّثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ قَالَ: ثنا سَعِيدٌ قَالَ: ثنا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: أَخْبَرَنَا دَاوُدُ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ، أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ: «سَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ: بِسْمِ اللهِ، التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ. فَانْتَهَرَهُ».
قُلْتُ: هَذَا أَثَرٌ صَحِيْحٌ، وسعيد هو ابن منصور، وداود هو ابن أبي هند.
وقد جاء في حديث أبي موسى ما يدل على عدم التسمية في التشهد وذلك في قول النبي ﷺ : «وَإِذَا كَانَ عِنْدَ الْقَعْدَةِ فَلْيَكُنْ مِنْ أَوَّلِ قَوْلِ أَحَدِكُمْ التَّحِيَّاتُ الطَّيِّبَاتُ الصَّلَوَاتُ لِلَّهِ … ». وهو عند مُسْلِم كما سبق.
стр. 2316
٢ - أنَّ التشهد يقَالَ كما ورد عَنِ النَّبِيِّ ﷺ لقول ابن مسعود ﵁: «عَلَّمَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ وَكَفِّي بَيْنَ كَفَّيْهِ التَّشَهُّدَ كَمَا يُعَلِّمُنِي السُّورَةَ مِنَ الْقُرَآنِ».
٣ - أنَّه يسلم على النبي ﷺ بكاف الخطاب.
قَالَ الحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ في [فَتْحِ الْبَارِي] (٥/ ١٧٦):
«والسلام على النبي بلفظ: "السلام عليك أيها النبي"، وهكذا في سائر الروايات؛ ولذلك كان عمر يعلم الناس في التشهد على المنبر بمحضر من الصحابة.
وقد اختار بعضهم أن يقَالَ بعد زمان النَّبِيَّ ﷺ : "السلام على النبي"، وقد ذكر الْبُخَارِيّ في موضع آخر من "كتابه" أنَّهم كانوا يسلمون على النبي ﷺ بعد موته في التشهد كذلك، وهو رواية عَنِ ابْنِ عُمَرَ وعائشة» اهـ.
قُلْتُ: أثر ابن مسعود رواه الْبُخَارِيّ (٦٢٦٥) عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ مَسْعُودٍ يَقُولُ: «عَلَّمَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ وَكَفِّي بَيْنَ كَفَّيْهِ التَّشَهُّدَ كَمَا يُعَلِّمُنِي السُّورَةَ مِنَ الْقُرَآنِ: "التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ وَالصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّبَاتُ السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ السَّلَامُ عَلَيْنَا، وَعَلَى عِبَادِ اللهِ الصَّالِحِينَ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ". وَهْوَ بَيْنَ ظَهْرَانَيْنَا فَلَمَّا قُبِضَ قُلْنَا السَّلَامُ يَعْنِي عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ».
стр. 2317
وروى عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (٣٠٧٥) عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ: «أَنَّ أَصْحَابَ النَّبِيِّ ﷺ كَانُوا يُسَلِّمُونَ وَالنَّبِيُّ ﷺ حَيٌّ: السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، فَلَمَّا مَاتَ قَالُوا: السَّلَامُ عَلَى النَّبِيِّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ».
قُلْتُ: وسنده صحيح.
وقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ عُثَيْمِينَ ﵀ فِي [الشَّرْحُ الْمُمْتِعِ] (٣/ ١٥٠ - ١٥٢):
«وَقَوْلُهُ: "السلام عليك" هل هو خبر أو دعاء؟ يعني: هل أنت تخبر بأنَّ الرسول مُسْلِم، أو تدعو بأنَّ الله يسلمه؟
الجواب: هو دعاء تدعو بأنَّ الله يسلمه، فهو خبر بمعنى الْدُعَاء قوة رجاء الإجابة أمر واقع.
ثم هل هذا خطاب للرسول ﵊ كخطاب الناس بعضهم بعضاً؟
الجواب: لا، لو كان كذلك لبطلت الصلاة به؛ لأنَّ هذه الصلاة لا يصح فيها شيء من كلام الآدميين. ولأنَّه لو كان كذلك لجهر به الصحابة حتى يسمع النبي ﷺ ، ولرد ﵈ كما كان كذلك عند ملاقاتهم إياه، ولكن كما قَالَ شيخ الإسلام في كتاب "اقتضاء الصراط المستقيم": لقوة استحضارك للرسول ﵊ حين السلام عليه، كأنَّه أمامك تخاطبه.
стр. 2318
ولهذا كان الصحابة يقولون: السلام عليك، وهو لا يسمعهم، ويقولون: السلام عليك، وهم في بلد وهو في بلد آخر، ونحن نقول: السلام عليك، ونحن في بلد غير بلده وفي عصر غير عصره.
وأمَّا ما ورد في "صحيح الْبُخَارِيّ" عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ أنَّهم كانوا يقولون بعد وفاة الرسول ﷺ : "السلام على النبي ورحمة الله وبركاته" فهذا من اجتهاداته ﵁ التي خالفه فيها من هو أعلم منه؛ عمر بن الخطاب ﵁، فإنَّه خطب الناس على منبر رسول الله ﷺ وقَالَ في التشهد: "السلام عليك أيها النبي ورحمة الله" كما رواه مالك في "الْمُوَطَأ" بسند من أصح الأسانيد، وقَالَه عمر بمحضر الصحابة ﵃ وأقروه على ذلك.
ثم إنَّ الرسول ﵊ علمه أمته، حتى إنَّه كان يعلم ابن مسعود، وكفه بين كفيه من أجل أن يستحضر هذا اللفظ، وكان يعلمهم إياه كما يعلمهم السورة من القرآن، وهو يعلم أنَّه سيموت؛ لأنَّ الله قَالَ له: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ ولم يقل: بعد موتي قولوا: السلام على النبي، بل علمهم التشهد كما يعلمهم السورة من القرآن بلفظها. ولذلك لا يعول على اجتهاد ابن مسعود، بل يقَالَ: "السلام عليك أيها النبي"» اهـ.
وقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ في [بَدَائِعِ الْفَوَائِدِ] (٢/ ٤١٧ - ٤١٨)
стр. 2319
«أمَّا السؤال السادس والعشرون وهو ما الحكمة في كون السلام وقع بصيغة الخطاب والصلاة بصيغة الغيبة.
فجوابه يظهر مما تقدم فإنَّ الصلاة عليه طلب وسؤال من الله أن يصلي عليه فلا يمكن فيها إلَّا لفظ الغيبة إذ لا يقَالَ اللهم صل عليك، وأمَّا السلام عليه فأتى بلفظ الحاضر المخاطب تنزيلاً له منزلة المواجه لحكمة بديعة جداً وهي أنَّه لما كان أحب إلى المؤمن من نفسه التي بين جنبيه وأولى به منها وأقرب وكانت حقيقته الذهنية ومثاله العلمي موجوداً في قلبه بحيث لا يغيب عنه إلَّا شخصه كما قَالَ القائل:
مثالك في عيني وذكرك في فمي … ومثواك في قلبي فأين تغيب
ومن كان بهذه الحال فهو الحاضر حقاً وغيره وإن كان حاضراً للعيان فهو غائب عن الجنان فكان خطابه خطاب المواجهة والحضور بالسلام عليه أولى من سلام الغيبة تنزيلاً له منزلة المواجه المعاين لقربه من القلب وحلوله في جميع أجزائه بحيث لا يبقى في القلب جزء إلَّا ومحبته وذكره فيه كما قيل:
لو شق عن قلبي يرى وسطه ذكرك … » اهـ.
٤ - وفيه دليل على جواز الْدُعَاء بالرحمة للنبي ﷺ .
٥ - واحتج بقوله: «السَّلَامُ عَلَيْنَا، وَعَلَى عِبَادِ اللهِ الصَّالِحِينَ». من قَالَ من أهل العلم إنَّ الداعي يبدأ بالْدُعَاء لنفسه قبل أن يدعو لغيره.
стр. 2320
قَالَ الحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ في [فَتْحِ الْبَارِي] (٥/ ١٧٦):
«وفي هذا مستند لمن أستجب لمن يدعوه لغيره أن يبدأ بالْدُعَاء لنفسه قبله، وهو قول علماء الكوفة، وخالفهم آخرون» اهـ.
قُلْتُ: وقد روى الترمذي (٣٣٨٥)، والنسائي في [الْكُبْرَى] (١١٣١٠) مِنْ طَرِيقِ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إِذَا ذَكَرَ أَحَدًا فَدَعَا لَهُ بَدَأَ بِنَفْسِهِ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ.
وذكر الله عن نوح ﵇ أنه قَالَ: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَارًا﴾ [نوح/ ٢٨].
وعن خليله إبراهيم ﵇ ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ﴾ [إبراهيم: ٤١].
وعن موسى الكليم أنَّه قَالَ: ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [الأعراف/ ١٥١].
قُلْتُ: وحديث أبي هذا ليس على عمومه فقد روى الْبُخَارِيّ (٣١٥٠)، ومُسْلِم (١٠٦٢) عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ، ﵁، قَالَ: «لَمَّا كَانَ يَوْمُ حُنَيْنٍ آثَرَ النَّبِيُّ ﷺ أُنَاسًا فِي الْقِسْمَةِ فَأَعْطَى الأَقْرَعَ بْنَ حَابِسٍ مِئَةً مِنَ الإِبِلِ وَأَعْطَى عُيَيْنَةَ مِثْلَ ذَلِكَ وَأَعْطَى أُنَاسًا مِنْ أَشْرَافِ الْعَرَبِ فَآثَرَهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي
стр. 2321
الْقِسْمَةِ قَالَ رَجُلٌ وَاللَّهِ إِنَّ هَذِهِ الْقِسْمَةَ مَا عُدِلَ فِيهَا وَمَا أُرِيدَ بِهَا وَجْهُ اللهِ فَقُلْتُ وَاللَّهِ لأُخْبِرَنَّ النَّبِيَّ ﷺ فَأَتَيْتُهُ فَأَخْبَرْتُهُ فَقَالَ: "فَمَنْ يَعْدِلُ إِذَا لَمْ يَعْدِلِ اللَّهُ وَرَسُولُهُ رَحِمَ اللَّهُ مُوسَى قَدْ أُوذِيَ بِأَكْثَرَ مِنْ هَذَا فَصَبَرَ"».
وروى الْبُخَارِيّ (٢٦٥٥)، ومُسْلِم (٧٨٨) عَنْ عَائِشَةَ، ﵂، قَالَتْ سَمِعَ النَّبِيُّ ﷺ رَجُلاً يَقْرَأُ فِي الْمَسْجِدِ فَقَالَ: «﵀ لَقَدْ أَذْكَرَنِي كَذَا وَكَذَا آيَةً أَسْقَطْتُهُنَّ مِنْ سُورَةِ كَذَا وَكَذَا».
وغير ذلك من الأحاديث.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [النكت] (١/ ٨٩):
«وإذا جاز الإفراد فلأن يجوز التقديم عند الاجتماع من باب أولى» اهـ.
٦ - واستدل بقوله: «فَلْيَتَخَيَّرْ مِنْ الْمَسْأَلَةِ مَا شَاءَ». على جواز الْدُعَاء بما شاء الإنسان من أمر الدنيا والآخرة.
٧ - واحتج به على أبي حنيفة في قوله: لا يجوز إلَّا بالدعوات الواردة في القرآن والسنة.
٨ - واحتج به الجمهور في قولهم بعدم وجوب الصلاة على النبي ﷺ بعد التشهد.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِيُ ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِم] (٢/ ١٤٠):
стр. 2322
«واستدل به جمهور العلماء على أنَّ الصلاة على النبي ﷺ في التشهد الأخير ليست واجبة، ومذهب الشافعي وأحمد وإسحاق وبعض أصحاب مالك رَحِمَهُ اللهُ تعالى وجوبها في التشهد الأخير، فمن تركها بطلت صلاته» اهـ.
قُلْتُ: والصحيح هو وجوب الصلاة بعد التشهد الأخير للأمر بذلك.
قَالَ الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب/ ٥٦].
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ في [جَلَاءِ الْأَفْهَامِ] ص (٣٤٦ - ٣٤٩):
«ووجه الدلالة أنَّ الله سبحانه أمر المؤمنين بالصلاة والتسليم على رسول الله وأمره المطلق على الوجوب ما لم يقم دليل على خلافه.
وقد ثبت أنَّ أصحابه ﵃ سألوه عن كيفية هذه الصلاة المأمور بها فقَالَ: "قولوا: اللهم صل على محمد". الحديث. وقد ثبت أنَّ السلام الذي علموه هو السلام عليه في الصلاة وهو سلام التشهد فمخرج الأمرين والتعليمين والمحلين واحد.
يوضحه أنَّه علمهم التشهد أمراً لهم به فيه وفيه ذكر التسليم عليه فسألوه عن الصلاة عليه فعلمهم إياها ثم شبهها بما علموه من التسليم عليه وهذا يدل على أنَّ الصلاة والتسليم المذكورين في الحديث هما الصلاة والتسليم عليه في الصلاة.
стр. 2323
يوضحه أنَّه لو كان المراد بالصلاة والتسليم عليه خارج الصلاة لا فيها لكان كل مُسْلِم منهم إذا سلم عليه يقول له: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته. ومن المعلوم أنَّهم لم يكونوا يتقيدون في السلام عليه بهذه الكيفية بل كان الداخل منهم يقول السلام عليكم وربما قَالَ السلام على رسول الله وربما قَالَ السلام عليك يا رسول الله ونحو ذلك وهم لم يزالوا يسلمون عليه من أول الإسلام بتحية الإسلام وإنَّما الذي علموه قدر زائد عليها وهو السلام عليه في الصلاة.
يوضحه حديث أبي إسحاق: "كيف نصلي عليك إذا نحن صلينا في صلاتنا" وقد صحح هذه اللفظة جماعة من الحفاظ منهم ابن خزيمة وابن حبان والْحَاكِمُ والدارقطني والبيهقي وقد تقدم في أول الكتاب وما أعلت به والجواب عن ذلك. وإذا تقرر أنَّ الصلاة المسؤول عن كيفيتها هي الصلاة عليه في نفس الصلاة وقد خرج ذلك مخرج البيان المأمور به منها في القرآن ثبت أنَّها على الوجوب ويضاف إلى ذلك أمر النبي بها ولعل هذا وجه ما أشار إليه الإمام أحمد رَحِمَهُ اللهُ تعالى بقوله: كنت أتهيب ذلك ثم تبينت فإذا هي واجبة وقد تقدم حكاية كلامه.
وعلى هذا الاستدلال أسئلة:
أحدها: أنَّ قوله: "والسلام كما علمتم" يحتمل أمرين:
أحدهما: أن يراد به السلام عليه في الصلاة.
والثاني: أن يراد به السلام من الصلاة نفسها قَالَه ابن عبد البر.
стр. 2324
الثاني: أنَّ غاية ما ذكرتم إنَّما يدل دلالة اقتران الصلاة بالسلام والسلام واجب في التشهد فكذا الصلاة ودلالة الاقتران ضعيفة
الثالث: أنا لا نسلم وجوب السلام ولا الصلاة وهذا الاستدلال منكم إنَّما يتم بعد تسليم وجوب السلام عليه.
والجواب عند هذه الأسئلة:
أما الأول ففاسد جداً فإنَّ في نفس الحديث ما يبطله وهو أنَّهم قَالَوا: "هذا السلام عليك يا رسول الله قد عرفناه فكيف الصلاة عليك". لفظ الْبُخَارِيّ في حديث أبي سعيد ﵁.
وأيضاً فإنَّهم إنَّما سألوا النبي عن كيفية الصلاة والسلام المأمور بهما في الآية لا عن كيفية السلام من الصلاة.
وأمَّا السؤال الثاني فسؤال من لم يفهم وجه تقرير الدلالة فإنَّا لم نحتج بدلالة الاقتران وإنَّما استدللنا بالأمر بها في القرآن وبينا أنَّ الصلاة التي سألوا النبي أن يعلمهم إياها إنَّما هي الصلاة التي في الصلاة.
وأمَّا السؤال الثالث ففي غاية الفساد فإنَّه لا يعترض على الأدلة من الكتاب والسنة بخلاف المخالف فكيف يكون خلافكم في مسألة قد قام الدليل على قول منازعيكم فيها مبطلاً لدليل صحيح لا معارض له في مسألة أخرى وهل هذا إلَّا عكس طريقة أهل العلم فإنَّ الأدلة هي التي تبطل ما خالفها من الأقوال
стр. 2325
ويعترض بها على من خالف موجبها فتقدم على كل قول اقتضى خلافها لا أنَّ أقوال المجتهدين تعارض بها الأدلة وتبطل مقتضاها وتقدم عليها.
ثم إنَّ الحديث حجة عليكم في المسألتين فإنَّه دليل على وجوب التسليم والصلاة عليه فيجب المصير إليه» اهـ.
قُلْتُ: روى الْبُخَارِيّ (٣٣٦٩)، ومُسْلِم (٤٠٧) عن أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيُّ أَنَّهُمْ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ كَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْكَ قَالَ: «قُولُوا اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَأَزْوَاجِهِ وَذُرِّيَّتِهِ كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَأَزْوَاجِهِ وَذُرِّيَّتِهِ كَمَا بَارَكْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ».
وروى الْبُخَارِيّ (٦٣٥٧)، ومُسْلِم (٤٠٦) عن عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي لَيْلَى قَالَ: لَقِيَنِي كَعْبُ بْنُ عُجْرَةَ فَقَالَ أَلَا أُهْدِي لَكَ هَدِيَّةً إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَرَجَ عَلَيْنَا فَقُلْنَا يَا رَسُولَ اللهِ قَدْ عَلِمْنَا كَيْفَ نُسَلِّمُ عَلَيْكَ فَكَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْكَ قَالَ: «فَقُولُوا اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ اللَّهُمَّ بَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا بَارَكْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ».
وروى الْبُخَارِيّ (٣٣٧٠) عن عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي لَيْلَى قَالَ لَقِيَنِي كَعْبُ بْنُ عُجْرَةَ فَقَالَ أَلَا أُهْدِي لَكَ هَدِيَّةً سَمِعْتُهَا مِنَ النَّبِيِّ ﷺ فَقُلْتُ بَلَى فَأَهْدِهَا لِي فَقَالَ سَأَلْنَا رَسُولَ اللهِ ﷺ فَقُلْنَا يَا رَسُولَ اللهِ كَيْفَ
стр. 2326
الصَّلَاةُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ عَلَّمَنَا كَيْفَ نُسَلِّمُ قَالَ: «قُولُوا اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ، وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ اللَّهُمَّ بَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ، وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيد».
وروى الْبُخَارِيّ (٦٣٥٨)، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ قُلْنَا يَا رَسُولَ اللهِ هَذَا السَّلَامُ عَلَيْكَ فَكَيْفَ نُصَلِّي قَالَ: «قُولُوا اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَآلِ إِبْرَاهِيمَ».
وروى مُسْلِم (٤٠٥) عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ قَالَ أَتَانَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَنَحْنُ فِي مَجْلِسِ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ فَقَالَ لَهُ بَشِيرُ بْنُ سَعْدٍ أَمَرَنَا اللَّهُ تَعَالَى أَنَّ نُصَلِّيَ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَكَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْكَ قَالَ فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى تَمَنَّيْنَا أَنَّهُ لَمْ يَسْأَلْهُ ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ :
«قُولُوا اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا بَارَكْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ فِي الْعَالَمِينَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ وَالسَّلَامُ كَمَا قَدْ عَلِمْتُمْ».
وروى أحمد (٢٣٩٨٢)، وأبو داود (١٤٨٣)، والترمذي (٣٤٧٧) مِنْ طَرِيقِ أَبِي عَبْدِ الْرَّحْمَنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ، حَدَّثَنَا حَيْوَةُ، أَخْبَرَنِي أَبُو هَانِئٍ حُمَيْدُ بْنُ هَانِئٍ، أَنَّ أَبَا عَلِيٍّ عَمْرَو بْنَ مَالِكٍ، حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ فَضَالَةَ بْنَ عُبَيْدٍ، صَاحِبَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، يَقُولُ: سَمِعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى
стр. 2327
اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلًا يَدْعُو فِي صَلَاتِهِ لَمْ يُمَجِّدِ اللَّهَ تَعَالَى، وَلَمْ يُصَلِّ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «عَجِلَ هَذَا»، ثُمَّ دَعَاهُ فَقَالَ لَهُ: - أَوْ لِغَيْرِهِ - «إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ، فَلْيَبْدَأْ بِتَمْجِيدِ رَبِّهِ جَلَّ وَعَزَّ، وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ، ثُمَّ يُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، ثُمَّ يَدْعُو بَعْدُ بِمَا شَاءَ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ حَسَنٌ من أجل أبي هانئ حميد بن هانئ فإنَّه حسن الحديث.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ في [جَلَاءِ الْأَفْهَامِ] ص (٣٥٢):
«الاعتراض الثالث أنَّ الذي أمره أن يصلي فيه ويدعو بعد تحميد الله غير معين فلم قُلْتُم أنَّه بعد التشهد.
وجواب هذا أنَّه ليس في الصلاة موضع يشرع فيه الثناء على الله ثم الصلاة على رسوله ثم الْدُعَاء إلَّا في التشهد آخر الصلاة فإنَّ ذلك لا يشرع في القيام ولا الركوع ولا السجود اتفاقاً فعلم أنَّه إنَّما أراد به آخر الصلاة حال جلوسه في التشهد» اهـ.
قُلْتُ: بل هذا ابن مسعود راوي حديث الباب جاء عنه ما رواه ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٣٠٤٣)، والْحَاكِمُ في [مُسْتَدْرَكِهِ] (٩٩٠)، والبيهقي في [سُنَنِهِ الْكُبْرَى] (٢٦٩٩) مِنْ طَرِيقِ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ، وَأَبِي عُبَيْدَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: «يَتَشَهَّدُ الرَّجُلُ، ثُمَّ يُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
стр. 2328
وَسَلَّمَ، ثُمَّ يَدْعُو لِنَفْسِهِ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ. والمراد بالخبر ها هنا الأمر.
فلم يفهم ﵀ مِنْ حَدِيْثِهِ السابق عدم وجوب الصلاة.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (١١/ ١٦٤):
«وهذا أقوى شيء يحتج به للشافعي فإنَّ ابن مسعود ذكر أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ علمهم التشهد في الصلاة وأنَّه قَالَ: "ثم ليتخير من الْدُعَاء ما شاء" فلما ثبت عن ابن مسعود الأمر بالصلاة عليه قبل الْدُعَاء دل على أنَّه اطلع على زيادة ذلك بين التشهد والْدُعَاء واندفعت حجة من تمسك بحديث ابن مسعود في دفع ما ذهب إليه الشافعي مثل ما ذكر عياض قَالَ: وهذا تشهد ابن مسعود الذي علمه له النبي ﷺ ليس فيه ذكر الصلاة عليه» اهـ.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ ﵀ فِي [تفسيره] (٣/ ٢٣٠٧ - ٢٣٠٨):
«ومن ها هنا ذهب الشافعي، ﵀، إلى أنَّه يجب على المصلي أن يصلي على رسول الله ﷺ في التشهد الأخير، فإن تركه لم تصح صلاته. وقد شَرَع بعض المتأخرين من المالكية وغيرهم يُشنع على الإمام الشافعي في اشتراطه ذلك في الصلاة، ويزعم أنَّه قد تفرد بذلك، وحكى الإجماع على خلافه أبو جعفر الطبري والطحاوي والخطابي وغيرهم، فيما نقله القاضي عياض. وقد تَعَسَّف القائل في رده على الشافعي، وتكلف في دعواه الإجماع في ذلك، وقَالَ ما لم يحط به
стр. 2329
علماً، فإنَّه قد روينا وجوب ذلك والأمر بالصلاة على رسول الله ﷺ في الصلاة كما هو ظاهر الآية، ومفسر بهذا الحديث عن جماعة من الصحابة، منهم: ابن مسعود، وأبو مسعود البدري، وجابر بن عبد الله، ومن التابعين: الشعبي، وأبو جعفر الباقر، ومقاتل بن حيان. وإليه ذهب الشافعي، لا خلاف عنه في ذلك ولا بين أصحابه أيضاً، وإليه ذهب الإمام أحمد أخيراً فيما حكاه عنه أبو زُرْعَة الدمشقي، به. وبه قَالَ إسحاق بن راهويه، والفقيه الإمام محمد بن إبراهيم المعروف بابن الموّاز المالكي، ﵏، حتى إنَّ بعض أئمة الحنابلة أوجب أن يقَالَ في الصلاة عليه ﷺ كما علمهم أن يقولوا لما سألوه، وحتى إنَّ بعض أصحابنا أوجب الصلاة على الآل ممن حكاه البَنْدَنيجِيّ، وسُلَيم الرازي، وصاحبه نصر بن إبراهيم المقدسي، ونقله إمام الحرمين وصاحبه الغزالي قولا عن الشافعي. والصحيح أنَّه وجه، على أنَّ الجمهور على خلافه، وحكوا الإجماع على خلافه، وللقول بوجوبه ظواهر الحديث، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
والغَرَض أنَّ الشافعي، ﵀، لقوله بوجوب الصلاة على النبي ﷺ في الصلاة سَلَفٌ وَخَلَفٌ كما تقدم، لله الحمد والمنة، فلا إجماع على خلافه في هذه المسألة لا قديماً ولا حديثاً، وَاللَّهُ أَعْلَمُ» اهـ.
стр. 2330
٩ - ويدل الحديث على عدم وجوب الاستعاذة من أربع. وهو قول جماهير العلماء خلافاً لطاووس.
وقد روى مُسْلِم (٥٨٨) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إِذَا تَشَهَّدَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنْ أَرْبَعٍ يَقُولُ اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ وَمِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ وَمِنْ شَرِّ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ».
قُلْتُ: وأغرب ابن حزم فأوجب ذلك بعد التشهد في الجلستين فقَالَ ﵀ فِي [المحلى] (٣/ ٢٧١):
«ويلزمه فرض أن يقول إذا فرغ من التشهد في كلتا الجلستين: "اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم وأعوذ بك من عذاب القبر ومن فتنة المحيا والممات ومن شر فتنة المسيح الدجال" وهذا فرض كالتشهد ولا فرق» اهـ.
قُلْتُ: أمَّا إيجاب ذلك فقد سبق الكلام فيه.
وأمَّا حمل الحديث على الجلستين فيرده ما رواه مُسْلِم (٥٨٨) مِنْ حَدِيْثِ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إِذَا فَرَغَ أَحَدُكُمْ مِنْ التَّشَهُّدِ الْآخِرِ فَلْيَتَعَوَّذْ بِاللَّهِ مِنْ أَرْبَعٍ مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ وَمِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ وَمِنْ شَرِّ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ».
١٠ - وفي قوله: «إذَا قَعَدَ أَحَدُكُمْ فِي الصَّلاةِ فَلْيَقُلْ: "التَّحِيَّاتُ للهِ"». ما يدل على عدم استفتاح التشهد بالتسمية وذلك أنَّ الأصل عدم الفصل بين الشرط وجوابه. وقد سبق القول في هذه المسألة قريباً.
стр. 2331
وهذا اللفظ الذي ذكره المصنف لم أقف عليه في الصحيح لكن رواه الطحاوي في [شَرْحِ مَعَانِي الْآثَارِ] (١٥٦٦) بلفظ: «إِذَا قَعَدَ أَحَدُكُمْ فِي الرَّكْعَتَيْنِ فَلْيَقُلْ».
ورواه أبو نعيم في [الْمُسْنَدِ المستخرج على صحيح مُسْلِم] (٨٩٢) بلفظ:
«إِذَا قَعَدَ أَحَدُكُمْ فِي صَلاتِهِ فَلْيَقُلِ التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ وَالصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّبَاتُ».
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْمُنْذِرِ ﵀ فِي [الْأَوْسَطِ] (٣/ ٢١١):
«وكان أيوب السختياني، ويحيى بن سعيد، وهشام، يقولون: بسم الله خير الأسماء. وكان طاووس يقول: بسم الله الرحمن الرحيم، التحيات. وقد روي عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أنَّه سمع رجلاً يقول: بسم الله، التحيات لله. فانتهره» اهـ.
وقَالَ ﵀ (٣/ ٢١٢): «وكل من لقيناه من أهل العلم يرون أن يبدأ بالتشهد على ما جاءت به الأخبار الثابتة عن رسول الله ﷺ . وفي حديث أبي موسى دليل على صحة هذا القول، وقد ذكرته في هذا الكتاب، وهذا قول أهل المدينة، وأهل الكوفة، والشافعي، وأصحابه، ولو سمى الله من أراد التشهد لم يكن عليه شيء، وَاللَّهُ أَعْلَمُ» اهـ.
١١ - وفي قوله «فَإِنَّكُمْ إذَا فَعَلْتُمْ ذَلِكَ فَقَدْ سَلَّمْتُمْ عَلَى كُلِّ عَبْدٍ صَالِحٍ فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ». ما يدل على أنَّ للعموم صيغة، ومن صيغ العموم في هذا الحديث الجمع المضاف في قوله: «وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ».
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ في [بَدَائِعِ الْفَوَائِدِ] (٤/ ٩٤٠):
стр. 2332
«وتأمل قوله في التشهد وقد علمهم أن يقولوا السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين ثم قَالَ: "فإذا قُلْتُم ذلك أصابت كل عبد صالح لله في السماء والأرض" كيف قرر بهذا عموم اسم الجمع المضاف وأغنانا عن طريق الأصوليين وتعسفها» اهـ.
١٢ - وَقَوْلُهُ: «فَلْيَتَخَيَّرْ مِنْ الْمَسْأَلَةِ مَا شَاءَ». محمول على آخر الصلاة فإنَّه موطن الْدُعَاء.
ويشكل على هذا ما رواه أحمد (٤١٦٠)، والنسائي (١١٦٣) مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا إِسْحَاقَ، يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ، أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ مُحَمَّدًا ﷺ عُلِّمَ فَوَاتِحَ الْخَيْرِ، وَجَوَامِعَهُ، وَخَوَاتِمَهُ، فَقَالَ: «إِذَا قَعَدْتُمْ فِي كُلِّ رَكْعَتَيْنِ، فَقُولُوا: التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ، وَالصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّبَاتُ، السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللهِ الصَّالِحِينَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، ثُمَّ لِيَتَخَيَّرْ أَحَدُكُمْ مِنَ الْدُعَاء أَعْجَبَهُ إِلَيْهِ، فَلْيَدْعُ بِهِ رَبَّهُ ».
قُلْتُ: وهذا إسناد ظاهره الصحة. لكنه شاذ بهذا اللفظ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وقد تابع أبا الأحوص في ذلك الأسود بن يزيد إلَّا أنَّه لم يذكر الْدُعَاء في آخره وحديثه عند الترمذي (٢٨٩)، والنسائي (١١٦٢)، وعلقمة بن قيس، وحديثه عند النسائي (١١٦٦) رواه مِنْ طَرِيقِ أبي إسحاق حدثه عن الأسود وعلقمة عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ. فذكره.
стр. 2333
والذي يظهر لي أنَّ اللفظ للأسود دون علقمة فقد روى الحديث النسائي (١١٦٧) مِنْ طَرِيقِ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِي عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ قَالَ: كُنَّا لَا نَدْرِي مَا نَقُولُ: إِذَا صَلَّيْنَا فَعَلَّمَنَا نَبِيُّ اللهِ ﷺ ، جَوَامِعَ الْكَلَامِ فَقَالَ لَنَا: قُولُوا: «التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ وَالصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّبَاتُ، السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلَامٌ عَلَيْنَا وَعَلَى عَبَّادِ اللهِ الصَّالِحِينَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ».
ورواه أحمد (٤٠٠٦) مِنْ طَرِيقِ القاسم بن مخيمرة عن علقمة به.
قُلْتُ: وقد خالف أبو الأحوص في روايته لهذا الحديث عن ابن مسعود جمعاً من أصحاب ابن مسعود منهم:
١ - شقيق ين سلمة وحديثه في الْبُخَارِيّ (٨٣١)، ومُسْلِم (٤٠٢)
٢ - عبد الله بن سخبرة أبو معمر وحديثه في الْبُخَارِيّ (٦٢٦٥)، ومُسْلِم (٤٠٢)
٣ - أبو عبد الرحمن السلمي وحديثه عند الطبراني في [الْمُعْجَمِ الْكَبِيْر] (٩٧٨٧)
٤ - عمير بن سعيد وحديثه عند الطبراني في [الْمُعْجَمِ الْكَبِيْر] (٩٧٩٦)
ورواه الترمذي (١١٠٥)، والنسائي (١١٦٤) من طريق قُتَيْبَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْثَرُ بْنُ القَاسِمِ، عَنْ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي الأَحْوَصِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: عَلَّمَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ التَّشَهُّدَ فِي الصَّلَاةِ، وَالتَّشَهُّدَ فِي الحَاجَةِ قَالَ: التَّشَهُّدُ فِي الصَّلَاةِ: «التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ وَالصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّبَاتُ، السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا
стр. 2334
النَّبِيُّ، وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ». الحديث.
قُلْتُ: وهذا خلاف حديث شعبة عن أبي إسحاق. وقد تابع شعبة في ذلك إسرائيل وحديثه في [الْمُسْنَدِ] (٢٦٧٧) لأحمد إلَّا أنَّه ليس في حديثه الْدُعَاء بعد التشهد.
قُلْتُ: وقد تابع الأعمش في ذلك يونس بن أبي إسحاق السبيعي روى حديثه ابن ماجه (١٨٩٢).
ومعمر وحديثه في [الْمُصَنَّفِ] (٣٠٦٣) لعبد الرزاق، وفي [مسند] أحمد (٣٨٧٧).
وسفيان وحديثه في [مسند] أحمد (٣٩٢١)، وعند النسائي في [الْكُبْرَى] (٧٤٨)
وفطر بن خليفة عند ابن أبي شيبة في [مُسْنَدِهِ] (٤٢٢)، والطبراني في [الْكَبِيْر] (٩٧٧٥).
وعمرو بن قيس الملائي عند الطبراني في [الْأَوْسَطِ] (٦٨٣).
وزهير بن معاوية عند ابن أبي شيبة في [مُسْنَدِهِ] (٤٢٣)، وعلي بن الجعد في [مُسْنَدِهِ] (٢٥٤٩).
ورواه الطبراني في [الْمُعْجَمِ الْكَبِيْر] (٩٧٧٧) عن جماعة من الرواة عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ قَالَ: عَلَّمَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ التَّشَهُّدَ فِي الصَّلَاةِ: «التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ وَالصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّبَاتُ، السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا
стр. 2335
النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللهِ الصَّالِحِينَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ». وَاللَّفْظُ لِحَدِيثِ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، وَالْآخَرُونَ نَحْوُهُ اهـ.
قُلْتُ: وقد رواه سَلَمَةُ بْنُ كُهَيْلٍ، عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُعَلِّمُنَا التَّشَهُّدَ فِي الصَّلَاةِ كَمَا يُعَلِّمُنَا السُّورَةَ مِنَ الْقُرْآنِ: «التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ وَالصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّبَاتُ، السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ».
أخرجه البزار في [مُسْنَدِهِ] (٢٠٥٠).
ورواه أحمد (٤٣٨٢) حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَنْ تَشَهُّدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي وَسَطِ الصَّلَاةِ وَفِي آخِرِهَا، عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ النَّخَعِيُّ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: عَلَّمَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ التَّشَهُّدَ فِي وَسَطِ الصَّلَاةِ وَفِي آخِرِهَا، فَكُنَّا نَحْفَظُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ حِينَ أَخْبَرَنَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَّمَهُ إِيَّاهُ، قَالَ: فَكَانَ يَقُولُ: إِذَا جَلَسَ فِي وَسَطِ الصَّلَاةِ، وَفِي آخِرِهَا عَلَى وَرِكِهِ الْيُسْرَى: «التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ، وَالصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّبَاتُ، السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ، وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا
стр. 2336
عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ»، قَالَ: «ثُمَّ إِنْ كَانَ فِي وَسَطِ الصَّلَاةِ نَهَضَ حِينَ يَفْرُغُ مِنْ تَشَهُّدِهِ، وَإِنْ كَانَ فِي آخِرِهَا دَعَا بَعْدَ تَشَهُّدِهِ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَدْعُوَ ثُمَّ يُسَلِّمَ».
ورواه الطبري في [تَهْذِيْبِ الْآثَارِ] (٣٦٤) وحدثني عبيد الله بن سعد الزهري، قَالَ: حدثنا عمي، قَالَ: حدثنا أبي، عن ابن إسحاق. به.
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ حَسَنٌ من أجل ابن إسحاق، ووالد يعقوب هو إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف القرشي الزهري. وعم عبيد الله هو يعقوب بن إبراهيم.
والحديث يدل على أنَّ محل الْدُعَاء بعد التشهد الآخر.
قَالَ الحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ في [فَتْحِ الْبَارِي] (٥/ ١٦٣):
«والظاهر: أن قوله "على وركه" يعود إلى قوله: "وفي آخرها خاصة"» اهـ.
قُلْتُ: وقد روى الحديث الطبراني في [الْمُعْجَمِ الْكَبِيْر] (٩٧٨٩) حَدَّثَنَا عَبْدَانُ بْنُ أَحْمَدَ، ثنا أَزْهَرُ بْنُ مَرْوَانَ الرَّقَاشِيُّ، ثنا عَبْدُ الْأَعْلَى، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْأَسْوَدِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، «أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَتَشَهَّدُ فِي الصَّلَاةِ، قَالَ: وَكُنَّا نَحْفَظُهُ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ كَمَا نَحْفَظُ حُرُوفَ الْقُرْآنِ الْوَاوَاتِ وَالْأَلِفَاتِ، قَالَ: إِذَا جَلَسَ عَلَى وَرِكِهِ الْيُسْرَى قَالَ: "التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ وَالصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّبَاتُ، السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللهِ الصَّالِحِينَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ"، ثُمَّ يَدْعُو إِلَهَهُ ثُمَّ يُسَلِّمُ وَيَنْصَرِفُ».
стр. 2337
قُلْتُ: حديث عبد الأعلى كما ترى مخالف لحديث إبراهيم بن سعد والذي يظهر لي ثبوت الحديث بالوجهين. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وروى أبو يعلى (٤٣٧٣) دَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ السَّلَامِ بْنُ حَرْبٍ، عَنْ بُدَيْلِ بْنِ مَيْسَرَةَ، عَنْ أَبِي الْجَوْزَاءِ، عَنْ عَائِشَةَ، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ لَا يَزِيدُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ عَلَى التَّشَهُّدِ».
قُلْتُ: هذا حديث ظاهره الصحة وأبو الجوزاء ذكر ابن عبد البر وابن عدي أنَّه لم يسمع من عائشة.
لكن روى الحديث مُسْلِم (٤٩٨) مِنْ طَرِيقِ حُسَيْنٍ الْمُعَلِّمِ عَنْ بُدَيْلِ بْنِ مَيْسَرَةَ عَنْ أَبِي الْجَوْزَاءِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَسْتَفْتِحُ الصَّلَاةَ بِالتَّكْبِيرِ وَالْقِرَاءَةَ بِـ ﴿الْحَمْد لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ وَكَانَ إِذَا رَكَعَ لَمْ يُشْخِصْ رَأْسَهُ وَلَمْ يُصَوِّبْهُ وَلَكِنْ بَيْنَ ذَلِكَ وَكَانَ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ الرُّكُوعِ لَمْ يَسْجُدْ حَتَّى يَسْتَوِيَ قَائِمًا وَكَانَ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ السَّجْدَةِ لَمْ يَسْجُدْ حَتَّى يَسْتَوِيَ جَالِسًا وَكَانَ يَقُولُ فِي كُلِّ رَكْعَتَيْنِ التَّحِيَّةَ وَكَانَ يَفْرِشُ رِجْلَهُ الْيُسْرَى وَيَنْصِبُ رِجْلَهُ الْيُمْنَى وَكَانَ يَنْهَى عَنْ عُقْبَةِ الشَّيْطَانِ وَيَنْهَى أَنْ يَفْتَرِشَ الرَّجُلُ ذِرَاعَيْهِ افْتِرَاشَ السَّبُعِ وَكَانَ يَخْتِمُ الصَّلَاةَ بِالتَّسْلِيمِ».
стр. 2338
ورواه أبو داود الطيالسي (١٦٥١)، ومِنْ طَرِيقِه الطبراني في [الْأَوْسَطِ] (٧٦١٧) حدثنا عبد الرحمن بن بديل العقيلي، بصري ثقة صدوق عن أبيه، عن أبي الجوزاء، عَنْ عَائِشَةَ به.
قُلْتُ: وعبد الرحمن هذا حسن الحديث. وقد يقَالَ أنَّ هذا هو المحفوظ في الحديث، ويحتمل ثبوت الحديثين. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وروى أحمد (٣٦٥٦، ٣٨٩٥، ٤٠٧٤، ٤١٥٥، ٤٣٨٨، ٤٣٨٩، ٤٣٩٠)، وأبو داود (٩٩٧)، والترمذي (٣٦٦)، والنسائي (١١٧٦) مِنْ طَرِيقِ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ كَأَنَّهُ عَلَى الرَّضْفِ»، قَالَ: قُلْنَا: حَتَّى يَقُومَ؟ قَالَ: «حَتَّى يَقُومَ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ وأبو عبيدة وإن كان لم يسمع من أبيه عبد الله بن مسعود فإنَّ مرسلاته عن أبيه مقبولة.
قَالَ الحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ في [شَرْحِ عِلَلِ الْتِرْمِذي] ص (١٨٢):
«قَالَ ابن المديني - في حديث يرويه أبو عبيدة بن عبد الله بن مسعود عن أبيه -: "هو منقطع، وهو حديث ثبت". قَالَ يعقوب بن شيبة: "إنَّما استجاز أصحابنا أن يدخلوا حديث أبي عبيدة عن أبيه في الْمُسْنَدِ - يعني في الحديث المتصل - لمعرفة أبي عبيدة بحديث أبيه وصحتها، وأنه لم يأت فيها بحديث منكر"» اهـ.
وقَالَ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٥/ ١٨٧) - بعد ذكره لهذا الحديث -:
стр. 2339
«وأبو عبيدة، وإن لم يسمع من أبيه، إلَّا أن أحاديثه عنه صحيحة، تلقاها عن أهل بيته الثقات العارفين بحديث أبيه -: قَالَه ابن المدني وغيره» اهـ.
قُلْتُ: وهذا مما يدل على الاقتصار على مجرد التشهد في وسط الصلاة وألَّا يزيد على ذلك شيئاً فإنَّ الزيادة تنافي مدلول هذا الحديث. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
ويشهد لذلك ما رواه ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٣٠٣٤)
حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ تَمِيمِ بْنِ سَلَمَةَ، قَالَ: «كَانَ أَبُو بَكْرٍ، إِذَا جَلَسَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ كَأَنَّهُ عَلَى الرَّضْفِ، يَعْنِي، حَتَّى يَقُومَ».
قُلْتُ: هذا إسناد منقطع بين تميم وأبي بكر.
وروى أيضاً (٣٠٣٥) حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ رَجُلٍ، «صَلَّى خَلْفَ أَبِي بَكْرٍ، فَكَانَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ كَأَنَّهُ عَلَى الْجَمْرِ حَتَّى يَقُومَ».
قُلْتُ: وفي إسناده رجل مبهم لكنه يتقوى بما قبله.
والرَّضف: الحجارة المُحْماة على النار، واحدتُها رَضْفة.
ومما يدل أيضاً على أنَّ محل الْدُعَاء بعد الفراغ من التشهد الأخير ما رواه مُسْلِم (٥٨٨) مِنْ حَدِيْثِ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إِذَا فَرَغَ أَحَدُكُمْ مِنْ التَّشَهُّدِ الْآخِرِ فَلْيَتَعَوَّذْ بِاللَّهِ مِنْ أَرْبَعٍ مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ وَمِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ وَمِنْ شَرِّ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ» ..
стр. 2340
١٣ - الأحسن أن يتخير المصلي الأدعية الثابتة عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وقد وردت عدة أدعية في هذا الموطن منها:
١ - وروى مُسْلِم (٧٧١) عن علي ﵁ قَالَ - في حديث الاستفتاح الطويل في قيام الليل -: «ثُمَّ يَكُونُ مِنْ آخِرِ مَا يَقُولُ بَيْنَ التَّشَهُّدِ وَالتَّسْلِيمِ "اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ وَمَا أَسْرَرْتُ وَمَا أَعْلَنْتُ وَمَا أَسْرَفْتُ وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي أَنْتَ الْمُقَدِّمُ وَأَنْتَ الْمُؤَخِّرُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ"».
٢ - ما رواه أحمد (١٨٩٩٥)، وأبو داود (٩٨٧) واللفظ له، والنسائي (١٣٠١) مِنْ طَرِيقِ حُسَيْنِ الْمُعَلِّمِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ حَنْظَلَةَ بْنِ عَلِيٍّ، أَنَّ مِحْجَنَ بْنَ الْأَدْرَعِ، حَدَّثَهُ قَالَ: دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَسْجِدَ، فَإِذَا هُوَ بِرَجُلٍ قَدْ قَضَى صَلَاتَهُ، وَهُوَ يَتَشَهَّدُ وَهُوَ يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ يَا اَللَّهُ الْأَحَدُ الصَّمَدُ، الَّذِي لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ، أَنْ تَغْفِرَ لِي ذُنُوبِي، إِنَّكَ أَنْتَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ، قَالَ: فَقَالَ: «قَدْ غُفِرَ لَهُ، قَدْ غُفِرَ لَهُ» ثَلَاثًا.
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ.
٣ - وروى الْبُخَارِيّ (٨٣٢)، ومُسْلِم (٥٨٩) عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ أخبرته أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَدْعُو فِي الصَّلَاةِ:
«اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَفِتْنَةِ الْمَمَاتِ اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْمَأْثَمِ وَالْمَغْرَمِ». فَقَالَ لَهُ قَائِلٌ مَا
стр. 2341
أَكْثَرَ مَا تَسْتَعِيذُ مِنَ الْمَغْرَمِ فَقَالَ: «إِنَّ الرَّجُلَ إِذَا غَرِمَ حَدَّثَ فَكَذَبَ وَوَعَدَ فَأَخْلَفَ».
قُلْتُ: هذا الْدُعَاء وارد قبل السلام وإن لم يأت التصريح بذلك في الحديث لكن يدل على ذلك الحديث الآتي بعد هذا. وقد بوَّب على هذا الحديث الإمام الْبُخَارِيّ بقوله: «باب الْدُعَاء قبل السلام».
٤ - وروى مُسْلِم (٥٨٨) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إِذَا تَشَهَّدَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنْ أَرْبَعٍ يَقُولُ اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ وَمِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ وَمِنْ شَرِّ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ».
٥ - روى أبو داود (١٥٢٤) حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ مَيْسَرَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ يَزِيدَ الْمُقْرِئُ، حَدَّثَنَا حَيْوَةُ بْنُ شُرَيْحٍ، قَالَ: سَمِعْتُ عُقْبَةَ بْنَ مُسْلِم، يَقُولُ: حَدَّثَنِي أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحُبُلِيُّ، عَنْ الصُّنَابِحِيّ، عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، أَنَّ رَسُولَ صَلَّى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخَذَ بِيَدِهِ، وَقَالَ: «يَا مُعَاذُ، وَاللَّهِ إِنِّي لَأُحِبُّكَ، وَاللَّهِ إِنِّي لَأُحِبُّكَ»، فَقَالَ: «أُوصِيكَ يَا مُعَاذُ لَا تَدَعَنَّ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ تَقُولُ: اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ، وَشُكْرِكَ، وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ.
стр. 2342
٦ - وروى أحمد (١٢٦٣٢، ١٣٥٩٥)، وأبو داود (١٤٩٥) النسائي (١٣٠٠) مِنْ طَرِيقِ خَلَفُ بْنُ خَلِيفَةَ، عَنْ حَفْصِ بْنِ أَخِي أَنَسٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: كُنْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ جَالِسًا - يَعْنِي - وَرَجُلٌ قَائِمٌ يُصَلِّي، فَلَمَّا رَكَعَ وَسَجَدَ وَتَشَهَّدَ دَعَا، فَقَالَ فِي دُعَائِهِ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِأَنَّ لَكَ الْحَمْدَ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ الْمَنَّانُ بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، يَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ، يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ، إِنِّي أَسْأَلُكَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِأَصْحَابِهِ: «تَدْرُونَ بِمَا دَعَا؟» قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَقَدْ دَعَا اللَّهَ بِاسْمِهِ الْعَظِيمِ، الَّذِي إِذَا دُعِيَ بِهِ أَجَابَ، وَإِذَا سُئِلَ بِهِ أَعْطَى».
وليس في حديث أبي داود ذكر للتشهد.
قُلْتُ: خلف بن خليفة اختلط في آخر عمره، وقد جاء الحديث بأصح من هذا الإسناد من غير ذكر للتشهد.
فروى أحمد (١٢٢٢٦)، وابن ماجه (٣٨٥٨) مِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ، عَنْ مَالِكِ بْنِ مِغْوَلٍ، أَنَّهُ سَمِعَهُ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: سَمِعَ النَّبِيُّ ﷺ رَجُلًا يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِأَنَّكَ أَنْتَ اللَّهُ الْأَحَدُ الصَّمَدُ، الَّذِي لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَقَدْ سَأَلَ اللَّهَ بِاسْمِهِ الْأَعْظَمِ، الَّذِي إِذَا سُئِلَ بِهِ أَعْطَى، وَإِذَا دُعِيَ بِهِ أَجَابَ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ حَسَنٌ أبو خزيمة هو العبدي، البصري، قيل اسمه نصر بن مرداس، و قيل صالح بن مرداس وهو حسن الحديث.
стр. 2343
قُلْتُ: وهذا أحسن إسناد لهذا الحديث.
وروى أحمد (١٣٨٢٤) حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الرَّازِيُّ، حَدَّثَنَا سَلَمَةُ بْنُ الْفَضْلِ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ مُسْلِم، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ رِفَاعَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِأَبِي عَيَّاشٍ زَيْدِ بْنِ صَامِتٍ الزُّرَقِيِّ وَهُوَ يُصَلِّي، وَهُوَ يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِأَنَّ لَكَ الْحَمْدَ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، يَا مَنَّانُ، يَا بَدِيعَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، يَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَقَدْ دَعَا اللَّهَ بِاسْمِهِ الْأَعْظَمِ، الَّذِي إِذَا دُعِيَ بِهِ أَجَابَ، وَإِذَا سُئِلَ بِهِ أَعْطَى».
قُلْتُ: قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [تعجيل المنفعة] (١/ ٢٨٨ - ٢٨٩):
«إسحاق بن إبراهيم الرازي ختن سلمة بن الفضل الأبرش روى عن سلمة وغيره وعنه أحمد زاد في الإكمال فيه نظر
قُلْتُ: وروى عنه أيضاً الحسن بن علي بن مهران ومحمد بن منصور القهستاني قَالَ بن أبي حاتم عن أبيه سمعت يحيى بن معين أثنى عليه خيراً» اهـ.
قُلْتُ: وابن إسحاق مدلس وقد عنعن، وعبد العزيز بن مُسْلِم لا يعرف حاله.
وروى الْحَاكِمُ في [الْمُسْتَدْرَكِ] (١٨٥٧)، وابن مندة في [التوحيد] (٣٠٩) مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ وَهْبٍ قَالَ: حَدَّثَنِي عِيَاضُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْفِهْرِيُّ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُبَيْدٍ يَعْنِي ابْنَ رِفَاعَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ
стр. 2344
سَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِأَنَّ لَكَ الْحَمْدَ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ الْمَنَّانُ، بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ، ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ، أَسْأَلُكَ الْجَنَّةَ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ النَّارِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «لَقَدْ كَانَ يَدْعُو اللَّهَ بِاسْمِهِ الَّذِي إِذَا دُعِيَ بِهِ أَجَابَ، وَإِذَا سُئِلَ بِهِ أَعْطَى».
قُلْتُ: عياض بن عبد الله الفهري ضعيف الحديث.
وروى الطبراني في [الْمُعْجَمِ الْكَبِيْر] (٤٥٨٩) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَأَبُو مُسْلِم الْكَشِّيُّ، قَالَا: ثنا حَجَّاجُ بْنُ الْمِنْهَالِ، ثنا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ أَنَّ أَبَانَ بْنَ أَبِي عَيَّاشٍ أَخْبَرَهُمْ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أَبِي طَلْحَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَتَى عَلَى رَجُلٍ وَهُوَ يَقُولُ: اللهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكُ بِأَنَّ لَكَ الْحَمْدَ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ الْمَنَّانُ بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ فَقَالَ: «لَقَدْ سَأَلَ اللهَ بِالِاسْمِ الَّذِي إِذَا دُعِيَ بِهِ أَجَابَ».
قُلْتُ: أبان بن أبي عياش متروك الحديث.
وروى الطبراني في [مُسْنَدِ الْشَّامِيِيْنَ] (٢٧) حَدَّثَنَا سَلَامَةُ بْنُ نَاهِضٍ، ثنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ الْفِرْيَابِيُّ، ثنا عَمْرُو بْنُ بَكْرٍ السَّكْسَكِيُّ، ثنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي عَبْلَةَ، عَنْ بِلَالِ بْنِ أَبِي الدَّرْدَاءِ، أَوْ غَيْرِهِ - الشَّكُّ مِنْ إِبْرَاهِيمَ - عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ، قَالَ: مَرَّ النَّبِيُّ ﷺ بِرَجُلٍ وَهُوَ سَاجِدٌ يَقُولُ فِي سُجُودِهِ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِأَنَّ لَكَ الْحَمْدَ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، وَحْدَكَ لَا شَرِيكَ لَكَ، الْمَنَّانُ بَدِيعُ
стр. 2345
السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَقَدْ سَأَلَ اللَّهَ بِاسْمِهِ الَّذِي إِذَا دُعِيَ بِهِ أَجَابَ، وَإِذَا سُئِلَ بِهِ أَعْطَى».
قُلْتُ: عمرو بن بكر السكسكي متروك الحديث.
* * *
стр. 2346
١١٧ - عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى قَالَ: لَقِيَنِي كَعْبُ بْنُ عُجْرَةَ فَقَالَ أَلا أُهْدِي لَكَ هَدِيَّةً؟ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَرَجَ عَلَيْنَا، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ عَلَّمَنَا اللَّهُ كَيْفَ نُسَلِّمُ عَلَيْكَ: فَكَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْكَ؟ فَقَالَ: «قُولُوا: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إبْرَاهِيمَ إنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إبْرَاهِيمَ إنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ».
الحديث جاء في الصحيحين بذكر آل إبراهيم، وفي رواية للبخاري ذكر إبراهيم وآل إبراهيم. وسيأتي ذكره عند ذكر صيغ الصلوات.
معنى قوله: «اللَّهُمَّ». أي يا الله.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ في [جَلَاءِ الْأَفْهَامِ] ص (١٤٣):
«لا خلاف أنَّ لفظة "اللهم" معناها يا الله ولهذا لا تستعمل إلَّا في الطلب فلا يقَالَ: اللهم غفور رحيم بل يقَالَ اللهم اغفر لي وارحمني» اهـ.
قُلْتُ: اختلف النحاة في الميم المشددة من آخر الاسم على أقوال ذكرها العلامة ابن القيم في الكتاب المشار إليه فقَالَ سيبويه: زيدت عوضاً من حرف النداء ولذلك لا يجوز عنده الجمع بينهما في اختيار الكلام فلا يقَالَ: يا اللهم إلَّا فيما ندر.
والضمة التي على الهاء ضمة الاسم المنادى المفرد.
стр. 2347
وإعراب «اللَّهُمَّ» منادى مفرد علم بياء النداء المحذوفة المعوض عنها بالميم المشددة.
وقيل الميم عوض عن جملة محذوفة والتقدير يا الله أمنَّا بخير أي اقصدنا ثم حذف الجار والمجرور وحذف المفعول فبقي في التقدير يَا أَللَّهُ أُمَّ، ثم حذفوا الهمزة لكثرة دوران هذا الاسم في الْدُعَاء على ألسنتهم فبقي يا اللهم وهذا قول الفراء.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ في [جَلَاءِ الْأَفْهَامِ] ص (١٤٤):
«ورد البصريون هذا بوجوه:
أحدها: أنَّ هذه تقادير لا دليل عليها ولا يقتضيها القياس فلا يصار إليها بغير دليل.
الثاني: أنَّ الأصل عدم الحذف فتقدير هذه المحذوفات الكثيرة خلاف الأصل.
الثالث: أنَّ الداعي بهذا قد يدعو بالشر على نفسه وعلى غيره فلا يصح هذا التقدير فيه» اهـ.
قُلْتُ: وذكر ﵀ أوجهاً أخرى.
وقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ في [جَلَاءِ الْأَفْهَامِ] ص (١٤٧):
«وقيل زيدت الميم للتعظيم والتفخيم كزيادتها في زرقم لشديد الزرقة وابنم في الابن وهذا القول صحيح ولكن يحتاج إلى تتمة وقائله لحظ معنى صحيحاً لا بد من بيانه وهو أنَّ الميم تدل على الجمع وتقتضيه ومخرجها يقتضي ذلك وهذا مطرد
стр. 2348
على أصل من أثبت المناسبة بين اللفظ والمعنى كما هو مذهب أساطين العربية وعقد له أبو الفتح بن جني باباً في "الخصائص" وذكره عن سيبويه واستدل عليه بأنواع من تناسب اللفظ والمعنى ثم قَالَ: ولقد كنت برهة يرد علي اللفظ لا أعلم موضوعه وآخذ معناه من قوة لفظه ومناسبة تلك الحروف لذلك المعنى ثم أكشفه فأجده كما فهمته أو قريباً منه فحكيت لشيخ الإسلام هذا عن ابن جني فقَالَ: وأنا كثيراً ما يجري لي ذلك ثم ذكر لي فصلاً عظيم النفع في التناسب بين اللفظ والمعنى ومناسبة الحركات لمعنى اللفظ … » اهـ.
إلى أن قَالَ ﵀ ص (١٥٠ - ١٥٢):
«فنقول الميم حرف شفهي يجمع الناطق به شفتيه فوضعته العرب علماً على الجمع فقَالَوا للواحد أنت فإذا جاوزوه إلى الجمع قَالَوا أنتم. وقَالَوا للواحد الغائب هو فإذا جاوزوه إلى الجمع قَالَوا هم. وكذلك في المتصل يقولون ضربت وضربتم وإياك وإياكم وإياه وإياهم ونظائره نحو به وبهم ويقولون للشيء الأزرق أزرق فإذا اشتدت زرقته واستحكمت قَالَوا زرقم ويقولون للكبير الأست ستهم.
وتأمل الألفاظ التي فيها الميم كيف تجد الجمع معقوداً بها مثل لمَّ الشيء يلمه إذا جمعه ومنه لمَّ الله شعثه أي جمع ما تفرق من أموره ومنه قولهم دار لمومة أي تلم الناس وتجمعهم ومنه ﴿أَكْلًا لَمًّا﴾ جاء في تفسيرها يأكل نصيبه ونصيب صاحبه وأصله من اللم وهو الجمع كما يقَالَ لفه يلفه ومنه ألم بالشيء إذا قارب الاجتماع
стр. 2349
به والوصول إليه ومنه اللمم وهو مقاربة الاجتماع بالكبائر ومنه الملمة وهي النازلة التي تصيب العبد ومنه اللمة وهي الشعر الذي قد اجتمع وتقلص حتى جاوز شحمة الأذن ومنه تم الشيء وما تصرف منها ومنه بدر التم إذا كمل واجتمع نوره ومنه التوأم للولدين المجتمعين في بطن ومنه الأم وأم الشيء أصله الذي تفرع منه فهو الجامع له وبه سميت مكة أم القرى والفاتحة أم القرآن واللوح المحفوظ أم الكتاب.
قَالَ الجوهري: أم الشيء أصله ومكة أم القرى وأم مثواك صاحبة منزلك يعني التي تأوي إليها وتجتمع معها وأم الدماغ الجلدة التي تجمع الدماغ ويقَالَ لها أم الرأس وَقَوْلُهُ تعالى في الآيات المحكمات ﴿هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ والأمة الجماعة المتساوية في الخلقة والزمان قَالَ تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾.
وقَالَ النبي ﷺ : "لولا أنَّ الكلاب أمة من الأمم لأمرت بقتلها"
ومنه الإمام الذي يجتمع المقتدون به على اتباعه ومنه أم الشيء يؤمه إذا اجتمع قصده وهمه إليه ومنه رم الشيء يرمه إذا أصلحه وجمع متفرقة.
قيل ومنه سمي الرمان لاجتماع حبه وتضامه. ومنه ضم الشيء يضمه إذا جمعه، ومنه هم الإنسان وهمومه وهي إرادته وعزائمه التي تجتمع في قلبه.
стр. 2350
ومنه قولهم للأسود أحم وللفحمة السوداء حممة وحمم رأسه إذا اسود بعد حلقه كل هذا لأنَّ السواد لون جامع للبصر لا يدعه يتفرق ولهذا يجعل على عيني الضعيف البصر لوجع أو غيره شيء أسود من شعر أو خرقة ليجمع عليه بصره فتقوى القوة الباصرة وهذا باب طويل فلنقتصر منه على هذا القدر.
وإذا علم هذا من شأن الميم فهم ألحقوها في آخر هذا الاسم الذي يسأل الله سبحانه به في كل حاجة وكل حال إيذاناً بجميع أسمائه وصفاته فالسائل إذا قَالَ: اللهم إني أسألك كأنَّه قَالَ أدعو الله الذي له الأسماء الحسنى والصفات العلى بأسمائه وصفاته فأتى بالميم المؤذنة بالجمع في آخر هذا الاسم إيذاناً بسؤاله تعالى بأسمائه كلها كما قَالَ النبي ﷺ في الحديث الصحيح: "ما أصاب عبداً قط هم ولا حزن فقَالَ اللهم إني عبدك ابن عبدك ابن أمتك ناصيتي بيدك ماض في حكمك عدل في قضاؤك أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك أو علمته أحداً من خلقك أو استأثرت به في علم الغيب عندك أن تجعل القرآن ربيع قلبي ونور صدري وجلاء حزني وذهاب همي وغمي إلا أذهب الله همه وغمه وأبدله مكانه فرحاً" قَالَوا يا رسول الله أفلا نتعلمهن قَالَ: "بلى ينبغي لمن سمعهن أن يتعلمهن".
فالداعي مندوب إلى أن يسأل الله تعالى بأسمائه وصفاته كَمَا فِي الاسم الأعظم اللهم إنِّي أسألك بأنَّ لك الحمد لا إله إلَّا أنت الحنان المنان بديع السماوات والأرض يا ذا الجلال والإكرام يا حي يا قيوم» اهـ.
следующие страницы →