Полный текст (8 095 стр.). Показаны 2381–2420 · переход к 2386.
стр. 2381
أبو روح قَالَ: حدثنا عبد الرحمن بن طلحة الحراني قَالَ: سمعت أبا جعفر محمد بن علي بن الحنفية، عن علي بن أبي طالب قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ . فذكره وجعله من مسند علي.
وهو معل أيضاً وقد مضى الكلام فيه.
وروى الشافعي في [الْمُسْنَدِ] (٢٧٨)، ومِنْ طَرِيقِه البيهقي في [معرفة السنن والآثار] (٩٤١): أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا صَفْوَانُ بْنُ سُلَيْمٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْكَ؟ يَعْنِي: فِي الصَّلَاةِ. فَقَالَ: «تَقُولُونَ: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ، ثُمَّ تُسَلِّمُونَ عَلَيَّ».
قُلْتُ: هذا حديث شديد الضعف إبراهيم بن محمد هو ابن أبي يحيى متروك الحديث.
وروى الْبُخَارِيّ في [الأدب المفرد] (٦٤١) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، مَوْلَى سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ قَالَ: حَدَّثَنَا حَنْظَلَةُ بْنُ عَلِيٍّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ قَالَ: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَآلِ إِبْرَاهِيمَ، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَآلِ إِبْرَاهِيمَ، وَتَرَحَّمْ عَلَى مُحَمَّدٍ،
стр. 2382
وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا تَرَحَّمْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَآلِ إِبْرَاهِيمَ، شَهِدْتُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِالشَّهَادَةِ، وَشَفَعْتُ لَهُ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ ضَعِيْفٌ لجهالة سعيد بن عبد الرحمن.
٨ - حديث عبد الله بن مسعود ﵁.
رواه أبو يعلى (٥٢٦٧)، والشاشي في [مُسْنَدِهِ] (٦٠٠)، والبيهقي في [الدعوات] (١٥٧)، وفي [شُعَبِ الْإِيْمَانِ] (١٤٥٣) مِنْ طَرِيقِ الْمَسْعُودِيِّ، عَنْ عَوْنٍ، عَنْ أَبِي فَاخِتَةَ، عَنِ الْأَسْوَدِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: إِذَا صَلَّيْتُمْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَحْسِنُوا الصَّلَاةَ عَلَيْهِ، فَإِنَّكُمْ لَا تَدْرُونَ لَعَلَّ ذَلِكَ يُعَرَضُ عَلَيْهِ، قَالُوا: فَعَلِّمْنَا يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَ: قُولُوا: «اللَّهُمَّ اجْعَلْ صَلَوَاتِكَ وَرَحْمَتَكَ وَبَرَكَاتِكَ عَلَى سَيِّدِ الْمُرْسَلِينَ، وَإِمَامِ الْمُتَّقِينَ، وَخَاتَمِ النَّبِيِّينَ مُحَمَّدٍ عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ، إِمَامِ الْخَيْرِ وَقَائِدِ الْخَيْرِ وَرَسُولِ الرَّحْمَةِ، اللَّهُمَّ ابْعَثْهُ مَقَامًا مَحْمُودًا يَغْبِطُهُ بِهِ الْأَوَّلُونَ وَالْآخِرُونَ، اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ ضَعِيْفٌ لاختلاط المسعودي واسمه عبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة بن عبد الله بن مسعود الكوفي.
وروى الْحَاكِمُ في [الْمُسْتَدْرَكِ] (٩٩١) ومِنْ طَرِيقِه البيهقي في [السنن الْكُبْرَى] (٤١٣٦) حَدَّثَنَا الشَّيْخُ أَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ، أَنْبَأَ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مِلْحَانَ، ثنا
стр. 2383
يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، ثنا اللَّيْثُ، عَنْ خَالِدِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلَالٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ السَّبَّاقِ، عَنْ رَجُلٍ، مِنْ بَنِي الْحَارِثِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «إِذَا تَشَهَّدَ أَحَدُكُمْ فِي الصَّلَاةِ فَلْيَقُلِ: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، وَارْحَمْ مُحَمَّدًا، وَآلَ مُحَمَّدٍ كَمَا صَلَّيْتَ، وَبَارَكْتَ، وَتَرَحَّمْتَ، عَلَى إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حُمَيْدٌ مَجِيدٌ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ ضَعِيْفٌ في إسناده رجل مبهم.
٩ - حديث عبد الله بن عباس ﵁.
روى ابن الأعرابي في [مُعْجَمِهِ] (٨٠٧) نَا أَبُو عَمْرٍو أَحْمَدُ بْنُ أَبِي غَرْزَةَ الْغِفَارِيُّ، نا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى، نا حَبِيبُ بْنُ حَسَّانَ بْنِ الْأَشْرَسِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ عَرَفْنَا السَّلَامَ عَلَيْكَ، فَكَيْفَ الصَّلَاةُ عَلَيْكَ؟ قَالَ: «قُولُوا: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ وَبَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ، وَآلِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ».
قُلْتُ: هذا حديث شديد الضعف حبيب بن حسان بن الأشرس صوابه ابن أبي الأشرس متروك الحديث.
وهناك أحاديث أخرى ضعيفة لكن نكتفي بما ذكرناه.
стр. 2384
وبهذا يتبين أنَّ ذكر آل النبي ﷺ لم يذكر في الصلاة في حديث أبي سعيد فلا يجب قوله، وهكذا قوله: «إنَّكَ حَمِيْدٌ مَجِيْدٌ». لم تأت في حديث أبي سعيد. وهكذا كلمة: «اللهمَ». عند الْدُعَاء بالبركة لم تأت في أكثر أحاديث الصلاة. وهكذا الجمع بين إبراهيم وآل إبراهيم لم يأت في أكثر أحاديث الصلاة. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
٣ - وفي الحديث جواز الصلاة على غير الأنبياء فأمَّا آل النبي ﷺ تبعاً للنبي ﷺ فتشرع إجماعاً.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ في [جَلَاءِ الْأَفْهَامِ] (٤٦٥ - ٤٦٦):
«وهل يصلى على آله منفردين عنه فهذه المسألة على نوعين:
أحدهما أن يقَالَ اللهم صل على آل محمد فهذا يجوز ويكون داخلاً في آله فالإفراد عنه وقع في اللفظ لا في المعنى.
الثاني أن يفرد واحد منهم بالذكر فيقَالَ اللهم صل على علي أو على حسن أو حسين أو فاطمة ونحو ذلك فاختلف في ذلك وفي الصلاة على غير آله من الصحابة ومن بعدهم فكره ذلك مالك وقَالَ لم يكن ذلك من عمل من مضى وهو مذهب أبي حنيفة أيضاً وسفيان بن عيينة وسفيان الثوري وبه قَالَ طاووس
وقَالَ ابن عباس لا ينبغي الصلاة إلَّا على النبي ﷺ .
стр. 2385
قَالَ إسماعيل بن إسحاق حدثنا عبد الله بن عبد الوهاب قَالَ حدثنا عبد الرحمن بن زياد حدثني عثمان بن حنيف عن عكرمة عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أنه قَالَ: لا تصلح الصلاة على أحد إلَّا على النبي ولكن يدعى للمُسْلِمين والمُسْلِمات بالاستغفار.
وهذا مذهب عمر بن عبد العزيز.
قَالَ أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا حسين بن علي عن جعفر بن برقان قَالَ كتب عمر بن عبد العزيز أما بعد فإن ناساً من الناس قد التمسوا الدنيا بعمل الآخرة وإن القصاص قد أحدثوا في الصلاة على خلفائهم وأمرائهم عدل صلاتهم على النبي ﷺ فإذا جاءك كتابي فمرهم أن تكون صلاتهم على النبيين ودعاؤهم للمُسْلِمين عامة ويدعو ما سوى ذلك.
وهذا مذهب أصحاب الشافعي ولهم ثلاثة أوجه:
أحدها: أنَّه منع تحريم.
والثاني: وهو قول الأكثرين أنَّه منع كراهية تنزيه.
والثالث: أنَّه من باب ترك الأولى وليس بمكروه حكاها النووي في الأذكار قَالَ والصحيح الذي عليه الأكثرون أنَّه مكروه كراهة تنزيه.
ثم اختلفوا في السلام هل هو في معنى الصلاة فيكره أن يقَالَ السلام على فلان أو قَالَ فلان ﵇ فكرهه طائفة منهم أبو محمد الجويني ومنع أن يقَالَ عن علي ﵇ وفرق آخرون بينه وبين الصلاة فقَالَوا السلام يشرع في حق كل
стр. 2386
مؤمن حي وميت وحاضر وغائب فإنَّك تقول بلغ فلاناً مني السلام وهو تحية أهل الإسلام بخلاف الصلاة فإنَّها من حقوق الرسول ولهذا يقول المصلي السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين ولا يقول الصلاة علينا وعلى عباد الله الصالحين فعلم الفرق».
إلى أن قَالَ ﵀ ص (٤٦٩ - ٤٧٠):
«وخالفهم في ذلك آخرون فقَالَوا: تجوز الصلاة على غير النبي وآله
قَالَ القاضي أبو الحسين بن الفراء في رؤوس مسائله وبذلك قَالَ الحسن البصري وخصيف ومجاهد ومقاتل بن سليمان ومقاتل بن حيان وكثير من أهل التفسير قَالَ وهو قول الإمام أحمد نص عليه في رواية أبي داود وقد سئل أينبغي أن يصلي على أحد إلَّا على النبي قَالَ أليس قَالَ علي لعمر ﵄ صلى الله عليك قَالَ وبه قَالَ إسحاق بن راهويه وأبو ثور ومحمد بن جرير الطبري وغيرهم وحكى أبو بكر بن أبي داود عن أبيه ذلك قَالَ أبو الحسين وعلى هذا العمل» اهـ.
قُلْتُ: وأقوى حجج المجيزين قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب/ ٤٣].
وَقَوْلُهُ تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [التوبة/ ١٠٣].
стр. 2387
وروى الْبُخَارِيّ (١٤٩٧)، ومُسْلِم (١٠٧٨) عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى قَالَ: كَانَّ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا أَتَاهُ قَوْمٌ بِصَدَقَتِهِمْ قَالَ: «اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى آلِ فُلَانٍ». فَأَتَاهُ أَبِي بِصَدَقَتِهِ، فقَالَ: «اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى آلِ أَبِي أَوْفَى».
وروى مُسْلِم (٢٨٧٢) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: «إِذَا خَرَجَتْ رُوحُ الْمُؤْمِنِ تَلَقَّاهَا مَلَكَانِ يُصْعِدَانِهَا» - قَالَ حَمَّادٌ: فَذَكَرَ مِنْ طِيبِ رِيحِهَا وَذَكَرَ الْمِسْكَ - قَالَ: وَيَقُولُ أَهْلُ السَّمَاءِ: رُوحٌ طَيِّبَةٌ جَاءَتْ مِنْ قِبَلِ الْأَرْضِ، صَلَّى الله عَلَيْكِ وَعَلَى جَسَدٍ كُنْتِ تَعْمُرِينَهُ، فَيُنْطَلَقُ بِهِ إِلَى رَبِّهِ ، ثُمَّ يَقُولُ: انْطَلِقُوا بِهِ إِلَى آخِرِ الْأَجَلِ، قَالَ: وَإِنَّ الْكَافِرَ إِذَا خَرَجَتْ رُوحُهُ - قَالَ حَمَّادٌ وَذَكَرَ مِنْ نَتْنِهَا، وَذَكَرَ لَعْنًا - وَيَقُولُ أَهْلُ السَّمَاءِ رُوحٌ: خَبِيثَةٌ جَاءَتْ مِنْ قِبَلِ الْأَرْضِ. قَالَ فَيُقَالُ: انْطَلِقُوا بِهِ إِلَى آخِرِ الْأَجَلِ، قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَرَدَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ رَيْطَةً كَانَتْ عَلَيْهِ، عَلَى أَنْفِهِ، هَكَذَا».
وروى أحمد (١٥٣١٦)، وأبو داود (١٥٣٥) عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّ امْرَأَةً، قَالَتْ لِلنَّبِيِّ ﷺ : صَلَّي عَلَيَّ وَعَلَى زَوْجِي، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «صَلَّى اللَّهُ عَلَيْكِ وَعَلَى زَوْجِكِ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ.
وقد فصل القول في هذه المسألة العلامة ابن القيم ﵀ فِي [جَلَاءِ الْأَفْهَامِ] (٤٨١ - ٤٨٢) فقَالَ: «وفصل الخطاب في هذه المسألة أنَّ الصلاة على غير النبي
стр. 2388
ﷺ إما أن يكون آله وأزواجه وذريته أو غيرهم فان كان الأول فالصلاة عليهم مشروعة مع الصلاة على النبي ﷺ وجائزة مفردة.
وأما الثاني: فإن كان الملائكة وأهل الطاعة عموما الذين يدخل فيهم الأنبياء وغيرهم جاز ذلك أيضاً فيقَالَ: اللهم صل على ملائكتك المقربين وأهل طاعتك أجمعين.
وإن كان شخصاً معيناً أو طائفة معينة كره أن يتخذ الصلاة عليه شعاراً لا يخل به ولو قيل بتحريمه لكان له وجه ولا سيما إذا جعلها شعاراً له ومنع منها نظيره أو من هو خير منه وهذا كما تفعل الرافضة بعلي ﵁ فإنهم حيث ذكروه قَالَوا ﵊ ولا يقولون ذلك فيمن هو خير منه فهذا ممنوع لا سيما إذا اتخذ شعاراً لا يخل به فتركه حينئذ متعين.
وأمَّا أن صلى عليه أحياناً بحيث لا يجعل ذلك شعاراً كما صلي على دافع الزكاة وكما قَالَ ابن عمر للميت صلى الله عليه وكما صلى النبي ﷺ على المرأة وزوجها وكما روي عن علي من صلاته على عمر فهذا لا بأس به.
وبهذا التفصيل تتفق الأدلة وينكشف وجه الصواب والله الموفق» اهـ.
٤ - ويدل الحديث أنَّ من جملة التهادي التهادي بالعلم بل هو من أنفس الهدايا.
* * *
стр. 2389
١١٨ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يدعو: «اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَعَذَابِ النَّارِ، وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ، وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ».
وَفِي لَفْظٍ لِمُسْلِم: «إذَا تَشَهَّدَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْتَعِذْ بِاَللَّهِ مِنْ أَرْبَعٍ، يَقُولُ: اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ».
يدل الحديث على استحباب هذا الْدُعَاء في الصلاة وموطنه بعد التشهد الآخر لما رواه مُسْلِم (٥٨٨) مِنْ حَدِيْثِ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إِذَا فَرَغَ أَحَدُكُمْ مِنْ التَّشَهُّدِ الْآخِرِ فَلْيَتَعَوَّذْ بِاللَّهِ مِنْ أَرْبَعٍ مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ وَمِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ وَمِنْ شَرِّ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ».
قُلْتُ: ولا يجب هذا الْدُعَاء وقد مضى القول في ذلك في شرح حديث ابن مسعود في التشهد.
قوله: «فَلْيَسْتَعِذْ بِاَللَّهِ». التعوذ يدل على معنى التحرز والتحصن بالله.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ في [بَدَائِعِ الْفَوَائِدِ] (٢/ ٤٢٦ - ٤٢٧):
«اعلم أنَّ لفظ عاذ وما تصرف منها يدل على التحرز والتحصن والنجاة وحقيقة معناها الهروب من شيء تخافه إلى من يعصمك منه ولهذا يسمى المستعاذ به معاذاً كما يسمى ملجأً ووزراً.
стр. 2390
وفي الحديث أنَّ ابنة الجون لما أدخلت على النبي ﷺ فوضع يده عليها قَالَتْ: أعوذ بالله منك فقَالَ لها: "قد عذت بمعاذ الحقي بأهلك".
فمعنى أعوذ ألتجيء وأعتصم وأتحرز وفي أصله قولان:
أحدهما: أنَّه مأخوذ من الستر.
والثاني: أنَّه مأخوذ من لزوم المجاورة.
فأمَّا من قَالَ: إنَّه من الستر قَالَ: العرب تقول للبيت الذي في أصل الشجرة التي قد استتر بها عُوَّذ بضم العين وتشديد الواو وفتحها فكأنَّه لما عاذ بالشجرة واستتر بأصلها وظلها سموه عُوَّذاً فكذلك العائذ قد استتر من عدوه بمن استعاذ به منه واستجن به منه.
ومن قَالَ هو لزوم المجاورة قَالَ: العرب تقول للحم إذا لصق بالعظم فلم يتخلص منه عوذ لأنَّه اعتصم به واستمسك به فكذلك العائذ قد استمسك بالمستعاذ به واعتصم به ولزمه والقولان حق والاستعاذة تنتظمهما معاً فإنَّ المستعيذ مستتر بمعاذه متمسك به معتصم به قد استمسك قلبه به ولزمه كما يلزم الولد أباه إذا أشهر عليه عدوه سيفاً وقصده به فهرب منه فعرض له أبوه في طريق هربه فإنَّه يلقي نفسه عليه ويستمسك به أعظم استمساك فكذلك العائذ قد هرب من عدوه الذي يبغي هلاكه إلى ربه ومالكه وفرَّ إليه وألقى نفسه بين يديه واعتصم به واستجار به والتجأ إليه» اهـ.
стр. 2391
قُلْتُ: والاستعاذة تكون في الشر النازل والمتوقع النزول والدليل على ذلك ما رواه مُسْلِم (٢٢٠٢) عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ الثَّقَفِيِّ، أَنَّهُ شَكَا إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ وَجَعًا يَجِدُهُ فِي جَسَدِهِ مُنْذُ أَسْلَمَ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «ضَعْ يَدَكَ عَلَى الَّذِي تَأَلَّمَ مِنْ جَسَدِكَ، وَقُلْ بِاسْمِ اللهِ ثَلَاثًا، وَقُلْ سَبْعَ مَرَّاتٍ أَعُوذُ بِاللهِ وَقُدْرَتِهِ مِنْ شَرِّ مَا أَجِدُ وَأُحَاذِرُ».
قُلْتُ: وأمَّا الاستغاثة فتكون من الشر النازل.
وَقَوْلُهُ: «وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ». قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِيُ رَحِمَهُ اللهُفي [شَرْحِ مُسْلِم] (٥/ ٨٥):
«ومعنى فتنة المحيا والممات الحياة والموت، واختلفوا في المراد بفتنة الموت فقيل فتنة القبر، وقيل: يحتمل أن يراد بها الفتنة عند الاحتضار، وأمَّا الجمع بين فتنة المحيا والممات وفتنة المسيح الدجال وعذاب القبر فهو من باب ذكر الخاص بعد العام ونظائره كثيرة» اهـ.
وقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ في [إغاثة اللهفان] (٢/ ١٥٩ - ١٦١):
«ولفظ الفتنة في كتاب الله تعالى يراد بها الامتحان الذي لم يفتتن صاحبه بل خلص من الافتتان ويراد بها الامتحان الذي حصل معه افتتان.
فمن الأول قوله تعالى لموسى ﵇: ﴿وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا﴾.
стр. 2392
ومن الثاني قوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾، وَقَوْلُهُ: ﴿أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا﴾.
ويطلق على ما يتناول الأمرين كقوله تعالى: ﴿الم (١) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (٢) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾، ومنه قول موسى ﵇: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي﴾ أي امتحانك وابتلاؤك تضل بها من وقع فيها وتهدي من نجا منها.
وتطلق الفتنة على أعم من ذلك كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ قَالَ مقاتل: أي بلاء وشغل عن الآخرة. قَالَ ابن عباس: فلا تطيعوهم في معصية الله تعالى.
وقَالَ الزجاج أعلمهم الله أنَّ الأموال والأولاد مما يفتنون به وهذا عام في جميع الأولاد فإنَّ الإنسان مفتون بولده لأنَّه ربما عصى الله تعالى بسببه وتناول الحرام لأجله ووقع في العظائم إلَّا من عصمه الله تعالى.
ويشهد لهذا ما روى أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كان يخطب فجاء الحسن والحسين ﵄ وعليهما قميصان أحمران يعثران فنزل النبي ﷺ إليهما فأخذهما فوضعهما في حجره على المنبر وقَالَ: "صدق الله ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ رأيت هذين الصبيين فلم أصبر عنهما".
стр. 2393
وقَالَ ابن مسعود ﵁: لا يقولنَّ أحدكم اللهم إني أعوذ بك من الفتنة فإنَّه ليس منكم أحد إلَّا وهو مشتمل على فتنة لأنَّ الله تعالى يقول: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ فأيكم استعاذ فليستعذ بالله تعالى من مضلات الفتن.
ومنه قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً﴾ وهذا عام في جميع الخلق امتحن بعضهم ببعض فامتحن الرسل بالمرسل إليهم ودعوتهم إلى الحق والصبر على أذاهم وتحمل المشاق في تبليغهم رسالات ربهم وامتحن المرسل إليهم بالرسل وهل يطيعونهم وينصرونهم ويصدقونهم أم يكفرون بهم ويردون عليهم ويقاتلونهم وامتحن العلماء بالجهال هل يعلمونهم وينصحونهم ويصبرون على تعليمهم ونصحهم وإرشادهم ولوازم ذلك وامتحن الجهال بالعلماء هل يطيعونهم ويهتدون بهم وامتحن الملوك بالرعية والرعية بالملوك وامتحن الأغنياء بالفقراء والفقراء بالأغنياء وامتحن الضعفاء بالأقوياء والأقوياء بالضعفاء والسادة بالأتباع والأتباع بالسادة وامتحن المالك بمملوكه ومملوكه به وامتحن الرجل بامرأته وامرأته به وامتحن الرجال بالنساء والنساء بالرجال والمؤمنين بالكفار والكفار بالمؤمنين وامتحن الآمرين بالمعروف بمن يأمرونهم وامتحن المأمورين بهم ولذلك كان فقراء المؤمنين وضعفاؤهم من أتباع الرسل فتنة لأغنيائهم ورؤسائهم امتنعوا من الإيمان بعد معرفتهم بصدق الرسل وقَالَوا: ﴿لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ﴾ هؤلاء وقَالَوا لنوح ﵇: ﴿أَنُؤْمِنُ لَكَ
стр. 2394
وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ﴾ قَالَ تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا﴾ فإذا رأى الشريف الرئيس المسكين الذليل قد سبقه إلى الإيمان ومتابعة الرسول حمى وأنف أن يسلم فيكون مثله وقَالَ: أسلم فأكون أنا وهذا الوضيع على حد سواء … » اهـ.
وقَالَ ﵀ فِي [بَدَائِعِ الْفَوَائِدِ] (٢/ ٤٣٢ - ٤٣٣): «مدار المستعاذات على الآلام وأسبابها، ولما كان الشر هو الآلام وأسبابها كانت استعاذات النبي ﷺ جميعها مدارها على هذين الأصلين فكل ما استعاذ منه أو أمر بالاستعاذة منه فهو إمَّا مؤلم وإمَّا سبب يفضي إليه فكان يتعوذ في آخر الصلاة من أربع وأمر بالاستعاذة منهن وهي عذاب القبر وعذاب النار فهذان أعظم المؤلمات وفتنة المحيا والممات وفتنة المسيح الدجال وهذان سببا العذاب المؤلم فالفتنة سبب العذاب وذكر الفتنة خصوصاً وعموماً وذكر نوعي الفتنة لأنَّها إمَّا في الحياة وإمَّا بعد الموت ففتنة الحياة قد يتراخى عنها العذاب مدة وأمَّا فتنة الموت فيتصل بها العذاب من غير تراخ فعادت الاستعاذة إلى الألم والعذاب وأسبابها وهذا من أكد أدعية الصلاة حتى أوجب بعض السلف والخلف الإعادة على من لم يدع به في التشهد الأخير وأوجبه ابن حزم في كل تشهد فإن لم يأت به بطلت صلاته» اهـ.
وفي الحديث مسائل منها:
стр. 2395
١ - استحباب الاستعاذة من هذه الأربع.
٢ - إثبات الاستعاذة بالله.
٣ - إثبات عذاب القبر.
٤ - إثبات عذاب جهنم.
قُلْتُ: وسميت جهنم بذلك لبعد قعرها. قَالَ العلامة ابن منظور ﵀ فِي [لِسَانِ الْعَرَبِ] (١٢/ ١١٢): «الجِهنَّامُ القَعْرُ البعيد وبئر جَهَنَّمٌ وجِهِنَّامٌ بكسر الجيم والهاء بعيدة القَعْر وبه سميت جَهَنَّم لبُعْدِ قَعْرِها» اهـ.
٥ - إثبات الفتنة في الحياة.
٦ - إثبات فتنة القبر.
* * *
стр. 2396
١١٩ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَو بْنِ الْعَاصِ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ: أنَّه قَالَ لِرَسِولِ اللهِ ﷺ : عَلِّمْنِي دُعَاءً أَدْعُو بِهِ فِي صَلاتِي. قَالَ: «قُلْ: اللَّهُمَّ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ظُلْماً كَثِيرَاً. وَلا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلاَّ أَنْتَ. فَاغْفِرْ لِي مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِكَ. وَارْحَمْنِي، إنَّكَ أَنْتَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ».
قَالَ الْعَلَامَةُ ابْنُ دَقِيْقِ الْعِيْدِ ﵀ فِي [إِحْكَامِ الْأَحْكَامِ] ص (٢٠٨ - ٢٠٩):
«وَقَوْلُهُ: "فاغفر لي مغفرة من عندك" فيه وجهان:
أحدهما: أن يكون إشارة إلى التوحيد المذكورة كأنَّه قَالَ: لا يفعل هذا إلَّا أنت فافعله أنت.
والثاني: - وهو الأحسن -: أن يكون إشارة إلى طلب المغفرة متفضل بها من عند الله تعالى ولا يقتضيها سبب من العبد من عمل حسن ولا غيره فهي رحمة من عنده بهذا التفسير ليس للعبد فيها سبب وهذا تبرؤ من الأسباب والإدلال بالأعمال والاعتقاد في كونها موجبة للثواب وجوباً عقلياً» اهـ.
وفي الحديث مسائل منها:
١ - استحباب هذا الْدُعَاء في الصلاة وهو يعم الْدُعَاء في السجود وبعد التشهد الأخير.
٢ - هذا الْدُعَاء العظيم من جوامع الأدعية.
стр. 2397
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (١١/ ١٣١ - ١٣٢):
«وقَالَ الكرماني هذا الْدُعَاء من الجوامع لأنَّ فيه الاعتراف بغاية التقصير وطلب غاية الإنعام فالمغفرة ستر الذنوب ومحوها والرحمة إيصال الخيرات ففي الأول طلب الزحزحة عن النار وفي الثاني طلب إدخال الجنة وهذا هو الفوز العظيم» اهـ.
٣ - وفيه أنَّ الْدُعَاء في الصلاة أوكد من خارجها ولهذا كان سؤال الصديق من النبي ﷺ أن يعلمه دعاءً فيها.
٤ - وفيه استحباب أن يقدم الداعي بين يدي طلبه للمغفرة هضم النفس والاعتراف بالتقصير.
٥ - وفيه أنَّ الله وحده هو المنفرد بمغفرة الذنوب كما قَالَ الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران: ١٣٥].
خلافاً لما يزعمه بعض الصوفية من أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ له حق في مغفرة الذنوب.
وبهذا يعلم ضلال الأبيات التي كان يرددها حسن البناء - مؤسس حزب الإخوان المُسْلِمين- في المولد التي فيها:
هذا الحبيب مع الأحباب قد حضرا … وسامح الكل فيما قد مضى وجرى.
стр. 2398
٦ - اشتمل هذا الحديث على أكمل أنواع الطلب.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (١٠/ ٢٤٧):
«فهذا فيه وصف العبد لحال نفسه المقتضي حاجته إلى المغفرة، وفيه وصف ربه الذي يوجب أنَّه لا يقدر على هذا المطلوب غيره، وفيه التصريح بسؤال العبد لمطلوبه، وفيه بيان المقتضي للإجابة وهو وصف الرب بالمغفرة والرحمة فهذا ونحوه أكمل أنواع الطلب» اهـ.
وقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ في [الْوَابِلِ الْصَيِّبِ] ص (١٢٠):
«فجمع في هذا الْدُعَاء الشريف العظيم القدر بين الاعتراف بحاله والتوسل إلى ربه بفضله وجوده وأنَّه المنفرد بغفران الذنوب ثم سأل حاجته بعد التوسل بالأمرين معاً فهكذا أدب الْدُعَاء وآداب العبودية» اهـ.
وقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ في [جَلَاءِ الْأَفْهَامِ] ص (١٥٣):
«والْدُعَاء ثلاثة أقسام:
أحدها: أن يسأل الله تعالى بأسمائه وصفاته وهذا أحد التأويلين في قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾
والثاني: أن تسأله بحاجتك وفقرك وذلك فتقول أنا العبد الفقير المسكين البائس الذليل المستجير ونحو ذلك.
стр. 2399
والثالث: أن تسأل حاجتك ولا تذكر واحداً من الأمرين فالأول أكمل من الثاني والثاني أكمل من الثالث فإذا جمع الْدُعَاء الأمور الثلاثة كان أكمل.
وهذه عامة أدعية النبي ﷺ .
وفي الْدُعَاء الذي علمه صديق الأمة ﵁ ذكر الأقسام الثلاثة فإنه قَالَ في أوله: "ظلمت نفسي ظلماً كثيراً" وهذا حال السائل ثم قَالَ: "وإنَّه لا يغفر الذنوب إلا أنت" وهذا حال المسؤول ثم قَالَ: "فاغفر لي" فذكر حاجته وختم الْدُعَاء باسمين من الأسماء الحسنى تناسب المطلوب وتقتضيه» اهـ.
قُلْتُ: وسؤال الله بصيغة الخبر أعظم من الطلب المجرد وهو كثير في دعاء الأنبياء.
قَالَ الله تعالى في شأن آدم ﵇: ﴿قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف/ ٢٣].
وقَالَ الله تعالى في شأن نوح ﵇: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [هود/ ٤٧].
وقَالَ الله تعالى في شأن يوسف ﵇: ﴿قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ (٣٣) فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [يوسف: ٣٣،٣٤].
стр. 2400
وقَالَ الله تعالى في شأن موسى ﵇: ﴿فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ [القصص/ ٢٤].
وقَالَ الله تعالى في شأن يونس ﵇: ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (٨٧) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنبياء/ ٨٧، ٨٨].
وقَالَ الله تعالى في شأن أيوب ﵇: ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [الأنبياء/ ٨٣].
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (١٠/ ٢٤٥ - ٢٤٦):
«فوصف نفسه ووصف ربه بوصف يتضمن سؤال رحمته بكشف ضره وهي صيغة خبر تضمنت السؤال. وهذا من باب حسن الأدب في السؤال والْدُعَاء فقول القائل لمن يعظمه ويرغب إليه: أنا جائع أنا مريض حسن أدب في السؤال. وإن كان في قوله: أطعمني وداوني ونحو ذلك مما هو بصيغة الطلب طلب جازم من المسئول فذاك فيه إظهار حاله وإخباره على وجه الذل والافتقار المتضمن لسؤال الحال وهذا فيه الرغبة التامة والسؤال المحض بصيغة الطلب» اهـ.
٧ - وفيه ختم الْدُعَاء بالاسم المناسب لمضمون الْدُعَاء.
٨ - وفيه إثبات اسمين من أسماء الله وهما الغفور والرحيم.
стр. 2401
٩ - وفيه ما يدل على أنَّ أسماء الله تعالى أعلام وأوصاف، وذلك أنَّه لو كانت أعلاماً لما روعي في الْدُعَاء الاسم المناسب لمضمون الْدُعَاء فلما روعي ذلك دل ذلك على أنَّ لها معاني وليست أعلاماً محضة وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 2402
* * *
١٢٠ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: مَا صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَلَاةً بَعْدَ أَنْ نَزَلَتْ عَلَيْهِ: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ إلَّا يَقُولُ فِيهَا:
«سُبْحَانَكَ رَبَّنَا وَبِحَمْدِكَ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي». وفي لفظ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ فِي رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ: «سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَبِحَمْدِكَ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي».
قوله: «سُبْحَانَكَ». التسبيح هو التنزيه، وسبحان منصوب على المصدر والفعل محذوف وهو أُسبح، والتقدير: أُسبح سبحاناً.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ في [شِفَاءِ الْعَلِيْلِ] ص (١٨٠):
«وأصل اللفظة من المباعدة من قولهم سبحت في الأرض إذا تباعدت فيها ومنه: ﴿كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ فمن أثنى على الله ونزهه عن السوء فقد سبحه» اهـ.
وقَالَ ﵀ فِي [طَرِيْقِ الْهِجْرَتِيْنِ] ص (٢٣٦):
«ومن تمام حمده تسبيحه وتنزيهه عمَّا وصفه به أعداؤه والجاهلون به مما لا يليق به وكان في تنوع تنزيهه عن ذلك من العلوم والمعارف وتقرير صفات الكمال وتكميل أنواع الحمد ما في بيان محاسن الشيء وكماله عند معرفة ما يضاده ويخالفه ولهذا كان تسبيحه تعالى من تمام حمده وحمده من تمام تسبيحه ولهذا كان التسبيح والتحميد قرينين» اهـ.
стр. 2403
وَقَوْلُهُ: «وَبِحَمْدِكَ». تحتمل عدة معاني:
منها: أنَّ الواو للحال والتقدير أسبح الله متلبساً بحمدي له.
ومنها: أنَّ الواو عاطفة والتقدير أسبح الله وأتلبس بحمده.
ومنها: الباء للمقارنة والواو زائدة أي أسبحه تسبيحاً مقروناً بحمده.
وقَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِيُ ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِم] (٢/ ٢٣٢):
«وَقَوْلُهُ: وبحمدك أي وبحمدك سبحتك، ومعناه بتوفيقك لي وهدايتك وفضلك علي سبحتك لا بحولي وقوتي. ففيه شكر الله تعالى على هذه النعمة والاعتراف بها والتفويض إلى الله تعالى، وأن كل الأفعال له وَاللَّهُ أَعْلَمُ» اهـ.
وقَالَ الْعَلَامَةُ ابْنُ دَقِيْقِ الْعِيْدِ ﵀ فِي [إِحْكَامِ الْأَحْكَامِ] ص (٢٠٩):
«وَقَوْلُهُ: "وبحمدك" قيل معناه: وبحمدك سبحت وهذا يحتمل أن يكون فيه حذف أي بسبب حمد الله سبحت ويكون المراد بالسبب ههنا: التوفيق والإعانة على التسبيح» اهـ.
وفي الحديث مسائل منها:
١ - استحباب هذا الذكر في الركوع والسجود.
٢ - أنَّ التسبيح يكون بأي لفظ يدل عليه ولا يجب أن يقول: سبحان ربي العظيم في الركوع ولا سبحان ربي الأعلى في السجود.
стр. 2404
وأمَّا ما رواه أحمد (١٧٤٥٠)، وأبو داود (٨٦٩)، وابن ماجه (٨٨٧) مِنْ طَرِيقِ مُوسَى بْنِ أَيُّوبَ: عَنْ عَمِّهِ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ، قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ [الواقعة: ٧٤]، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «اجْعَلُوهَا فِي رُكُوعِكُمْ»، فَلَمَّا نَزَلَتْ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١]، قَالَ: «اجْعَلُوهَا فِي سُجُودِكُمْ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ ضَعِيْفٌ عم موسى وهو إياس بن عامر لم يوثقه معتبر، وموسى بن أيوب اختلف فيه قول ابن معين فتارة يقول: فيه منكر الحديث، وتارة يوثقه، وقد وثقه أيضاً أبو داود.
وهكذا ما رواه أبو داود (٨٨٦)، والترمذي (٢٦١)، وابن ماجه (٨٩٠) مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ يَزِيدَ الْهُذَلِيِّ، عَنْ عَوْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ :
«إِذَا رَكَعَ أَحَدُكُمْ فَلْيَقُلْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ: سُبْحَانَ رَبِّيَ الْعَظِيمِ، وَذَلِكَ أَدْنَاهُ، وَإِذَا سَجَدَ فَلْيَقُلْ: سُبْحَانَ رَبِّيَ الْأَعْلَى ثَلَاثًا، وَذَلِكَ أَدْنَاهُ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ ضَعِيْفٌ إسحاق بن يزيد الهذلي مجهول، عون بن عبد الله لا يصح له سماع من ابن مسعود.
٣ - استحباب الثناء على الله تعالى قبل الْدُعَاء.
٤ - مشروعية الْدُعَاء في الركوع.
стр. 2405
٥ - استحباب ختم الأعمال بالاستغفار. وذلك أنَّ الله أمر نبيه أن يستغفر الله عند ختم الرسالة.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (١٦/ ٤١٧ - ٤١٨):
«وقد كان عمر يسأل ويسأل عن معاني الآيات الدقيقة وقد سأل أصحابه عن قوله: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ فذكروا ظاهر لفظها. ولما فسرها ابن عباس بأنَّها إعلام النبي ﷺ بقرب وفاته قَالَ: ما أعلم منها إلَّا ما تعلم. وهذا باطن الآية الموافق لظاهرها. فإنَّه لما أمر بالاستغفار عند ظهور الدين والاستغفار يؤمر به عند ختام الأعمال وبظهور الدين حصل مقصود الرسالة علموا أنَّه إعلام بقرب الأجل مع أمور أخر وفوق كل ذي علم عليم» اهـ.
قُلْتُ: وقد كَانَّ النَّبِيُّ ﷺ يختم الصلاة بالاستغفار. ويختم مجلسه أيضاً بالاستغفار.
* * *
стр. 2406
باب الوتر.
١٢١ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: سَأَلَ رَجُلٌ النَّبِيَّ ﷺ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ: مَا تَرَى فِي صَلاةِ اللَّيْلِ؟ قَالَ: «مَثْنَى، مَثْنَى. فَإِذَا خَشِيَ أَحَدُكُمْ الصُّبْحَ صَلَّى وَاحِدَةً. فَأَوْتَرَتْ لَهُ مَا صَلَّى».
وَإِنَّهُ كَانَ يَقُولُ: «اجْعَلُوا آخِرَ صَلاتِكُمْ بِاللَّيْلِ وِتْراً».
قوله: «مَثْنَى، مَثْنَى». أي مرتين مرتين ومثنى معدول عن اثنين اثنين.
قُلْتُ: وقد فسَّر معنى ذلك عبد الله بن عمر بالتسليم من كل ركعتين فروى مُسْلِم (٧٤٩) أنَّه قِيْلَ لِابْنِ عُمَرَ: مَا مَثْنَى مَثْنَى؟ قَالَ: «أَنْ تُسَلِّمَ فِي كُلِّ رَكْعَتَيْنِ».
وفي الحديث مسائل منها:
١ - أنَّ صلاة الليل لا تقيد بعدد معين خلافاً لما قرره الْعَلَّامَةُ الْأَلْبَانِيُ ﵀ فِي كتابه "صلاة التراويح" حيث قَالَ ﵀ ص (٢٢ - ٢٤): «اقتصاره ﷺ على الإحدى عشرة ركعة دليل على عدم جواز الزيادة عليها.
تبين لنا مما سق أنَّ عدد ركعات قيام الليل إنَّما هو إحدى عشرة ركعة بالنص الصحيح من فعل رسول الله ﷺ وإذا تأملنا فيه يظهر لنا بوضوح أنَّه ﷺ استمر على هذا العدد طيلة حياته لا يزيد عليه سواء ذلك في رمضان أو في غيره فإذا استحضرنا في أذهاننا أنَّ السنن الرواتب
стр. 2407
وغيرها كصلاة الاستسقاء والكسوف التزم النبي ﷺ أيضاً فيها جميعاً عدداً معيناً من الركعات وكان هذا الالتزام دليلاً مُسْلِماً عند العلماء على أنَّه لا يجوز الزيادة عليها فكذلك صلاة التراويح لا يجوز الزيادة فيها على العدد المسنون لاشتراكها مع الصلوات المذكورات في التزامه ﷺ عدداً معيناً فيها لا يزيد عليه فمن ادعى الفرق فعليه الدليل ودون ذلك خرط القتاد» اهـ.
قُلْتُ: بل هنالك فرق بين صلاة التراويح والسنن الرواتب تقضي بجواز الزيادة في الأولى دون الأخرى.
وهذه الفروق هي:
الفرق الأول: أنَّ الزيادة في صلاة الليل قد وقع الاتفاق على جوازها بعكس السنن الرواتب فلم يرد فيها ذلك.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِ ﵀ فِي [الْاسْتِذْكَارِ] (٥/ ١٥٧): «وهو قول جمهور العلماء وبه قَالَ الكوفيون والشافعي وأكثر الفقهاء وهو الصحيح عن أبي بن كعب من غير خلاف من الصحابة، وقَالَ عطاء أدركت الناس وهم يصلون ثلاثاً وعشرين ركعة بالوتر» اهـ.
стр. 2408
وقَالَ ﵀ فِي [الْاسْتِذْكَارِ] (٥/ ٢٤٤): «وقد أجمع العلماء على أن لا حد ولا شيء مقدراً في صلاة الليل وأنَّها نافلة فمن شاء أطال فيها القيام وقلَّت ركعاته ومن شاء أكثر الركوع والسجود» اهـ.
وقَالَ ﵀ فِي [الْتَمْهِيْدِ] (١٣/ ٢١٤): «وليس في عدد الركعات من صلاة الليل حد محدود عند أحد من أهل العلم لا يتعدى وإنَّما الصلاة خير موضوع وفعل بر وقربة فمن شاء استكثر ومن شاء استقل والله يوفق ويعين من يشاء برحمته لا شريك له» اهـ.
وقَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِيُ رَحِمَهُ اللهُفي [شَرْحِ مُسْلِم] (٦/ ١٩):
«قَالَ القاضي: ولا خلاف أنَّه ليس في ذلك حد لا يزاد عليه ولا ينقص منه وأن صلاة الليل من الطاعات التي كلما زاد فيها زاد الأجر وإنما الخلاف في فعل النبي صلى الله عليه و سلم وما اختاره لنفسه وَاللَّهُ أَعْلَمُ» اهـ.
وقَالَ العراقي ﵀ فِي [طَرْحِ الْتَثْرِيْبِ] (٣/ ٤٣): «وقد اتفق العلماء على أنَّه ليس له حد محصور» اهـ.
قُلْتُ: وهناك نزاع في الوتر خاصة إذا أراد يجمعه المصلي في عدة ركعات أو نوى بالجميع الوتر.
قَالَ الْعَلَامَةُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٦/ ٢٠٦):
стр. 2409
«ومن العلماء من قَالَ: الوتر ثلاث عشرة، وهو قول بعض الشافعية، ووجه لأصحابنا.
ولو زاد على ذلك لم يجز ولم يصح وتره عند جمهور الشافعية. ولهم وجه آخر: بصحته وجوازه.
وهذا إذا كان الجميع بسلام واحد، أو نوى بالجميع الوتر» اهـ.
الفرق الثاني: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أذن في صلاة الليل إذناً مطلقاً لمن سأله عن ذلك كَمَا فِي حديث ابن عمر الماضي وهو حديث الباب. ولو كان في صلاة الليل حد معين لا يتجوز الزيادة عليه لبينه النبي ﷺ للسائل فإنَّ تأخير البيان عند وقت الحاجة لا يجوز. ومثل هذا لم يوجد في السنن الرواتب ولا العيدين ولا الكسوف ولا الاستسقاء.
فإن قيل: إنَّما لم يحدد له النبي ﷺ حداً معيناً لقيام الليل لأنَّه قد علم ذلك من فعله ﷺ فلم يحتج حينئذ إلى أن يبين ذلك له.
فالجواب أن يقَالَ: إنَّه لو شاهد صلاة النبي ﷺ في الليل لما احتاج إلى مثل هذا السؤال.
الفرق الثالث: أنَّ الزيادة على الإحدى عشرة ركعة أو الثلاث عشرة ركعة قد ثبتت عن صحابة النبي ﷺ كما يدل ذلك ما رواه ابن أبي شيبة في
стр. 2410
[مُصَنَّفِهِ] (٧٧٧٠) حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ، عَنْ عَطَاءٍ، قَالَ: «أَدْرَكْتُ النَّاسَ وَهُمْ يُصَلُّونَ ثَلَاثًا وَعِشْرِينَ رَكْعَةً بِالْوِتْرِ».
قُلْتُ: هَذَا إِسْنَادٌ حَسَنٌ من أجل عبد الملك وهو ابن أبي سليمان العزرمي فإنَّه حسن الحديث وابن نمير هو عبد الله بن نمير.
وقد أدرك عطاء خلافة عثمان فإنَّه ولد في أوائلها سنة ٢٧ من الهجرة وهكذا أدرك خلافة علي وقد قَالَ ﵀: «أدركت مئتين من الصحابة» كَمَا فِي "التهذيب".
قُلْتُ: وأمَّا السنن الرواتب فلا أعلم عن أحد من الصحابة الزيادة فيها وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
ثم قَالَ الْعَلَّامَةُ الْأَلْبَانِيُ ﵀:
«وليست صلاة التراويح من النوافل المطلقة حتى يكون للمصلي الخيار في أن يصليها بأي عدد شاء بل هي سنة مؤكدة تشبه الفرائض من حيث أنَّها تشرع مع الجماعة، كما قَالَتْ الشافعية فهي من هذه الحيثية أولى بأن لا يزاد عليها من السنن الرواتب ولهذا منعوا من جمع أربع ركعات من التراويح في تسليمة واحدة ظناً منهم أنَّها لم تردوا واحتجوا "بأنَّ التراويح أشبهت الفرض بطلب الجماعة فلا تغير عمَّا ورد فيها". فتأمل كيف منعوا من وصل ركعتين بركعتين كل منها وارد لأنَّ في الوصل _ عندهم _ تغيير لما ورد فيها من الفصل، أفلا يحق لنا حينئذٍ أن تمنع بهذه الحجة ذاتها من زيادة عشر ركعات لا أصل لها في السنة الصحيحة البتة؟ اللهم بلى، بل هذا بالمنع أولى وأحرى فهل من مدكر؟» اهـ.
стр. 2411
قُلْتُ: هناك فرق بين كيفية صلاة الليل وبين كمية صلاة الليل فأمّا الكيفية فهي مثنى مثنى إلَّا فيما ورد به الدليل بخلاف ذلك، وأمَّا الكميَّة فليس في ذلك حد معين يجب التزامه كما بينا ذلك قريباً.
ومنع من منع من أهل العلم صلاة أربع ركعات بسلام واحد هو من أجل قول النبي ﷺ «صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى» فهذه الكيفية لا يجوز مخالفتها إلَّا بحجة ولم يرد ذلك في الكمية بل ظاهر الحديث الإذن بها إذناً مطلقاً فظهر بهذا الفرق بين كيفية صلاة الليل وبين كمية صلاة الليل.
وأمَّا من لم يفرق بينهما فمنع أيضاً من الكمية إلَّا فيما ورد فيه فعل النبي ﷺ فيلزمه أن لا يجيز قيام الليل بثلاث ركعات وبخمس ركعات وبركعة واحدة لعدم ثبوت ذلك عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَتْ عائشة ﵂: «وَلَمْ يَكُنْ يُوتِرُ بِأَنْقَصَ مِنْ سَبْعٍ، وَلَا بِأَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثَ عَشْرَةَ» أخرجه أبو داود (١٣٦٢) بإسناد حسن.
فإن قيل: إنَّما أجزنا قيام الليل بأقل من سبع ركعات لإذن النبي ﷺ في ذلك ومنعنا من الزيادة على الإحدى عشرة أو الثلاث عشرة لعدم ورود الإذن بذلك.
стр. 2412
فقد جاء عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «الْوِتْرُ حَقٌّ عَلَى كُلِّ مُسْلِم، فَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُوتِرَ بِخَمْسٍ فَلْيَفْعَلْ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُوتِرَ بِثَلَاثٍ فَلْيَفْعَلْ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُوتِرَ بِوَاحِدَةٍ فَلْيَفْعَلْ».
أخرجه أحمد (٢٣٥٩١)، أبو داود (١٤٢٢) والنسائي (١٧١٢) وابن ماجه (١١٩٠) مِنْ طَرِيقِ الزهري عن عطاء بن يزيد الليثي عن أبي أيوب الأنصاري عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . به
فالجواب: أنَّ الصواب في هذا الحديث الوقف على أبي أيوب ولا يصح رفعه كما رجح ذلك الحفاظ كأبي حاتم، والذهلي، والدارقطني، والبيهقي، والحافظ ابن حجر.
وانظر ما ذكره الشيخ مقبل ﵀ فِي كتابه [أحاديث معلة ظاهرها الصحة] ص (١٢٥ - ١٢٦) رقم (١٢٨).
فإن قيل: قول النبي ﷺ : «صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى». دليل على جواز قيام الليل بأقل من سبع ركعات.
قيل له: وهو دليل أيضاً على الزيادة ولا فرق.
فإن قيل: النقصان قد ثبت من فعل الصحابة فجاء عن عمر، وعثمان، وسعد بن أبي وقاص، وتميم الداري، وأبي موسى، وابن عمر، وابن عباس، وأبي أيوب، ومعاوية الإيتار بواحدة كما نقل ذلك عنهم الْحَافِظُ الْبَيْهَقِي ﵀، ولم تثبت الزيادة عن أحد من أصحاب النبي ﷺ .
стр. 2413
قيل له: بلى قد ثبت ذلك عن الصحابة في زمن عثمان وعلي بن أبي طالب ﵄ كما يدل عليه كلام عطاء المتقدم. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
٢ - ويدل الحديث بمفهوم المخالفة أنَّ صلاة النهار يجوز أن تصلى أربعاً. كذا قيل وفيه نظر كما سيأتي.
قَالَ الحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ في [فَتْحِ الْبَارِي] (٦/ ١٩١ - ١٩٣):
«ويدل بمفهومه على أنَّ صلاة النهار ليست كذلك، وأنَّه يجوز أن تصلى أربعاً.
قد كان ابن عمر - وهو راوي الحديث - يصلي بالنهار أربعاً، فدل على أنَّه عمل بمفهوم ما روى.
فروى يحيى الأنصاري وعبيد الله بن عمر، عن نافع، أنَّ ابن عمر كان يتطوع بالنهار بأربع، لا يفصل بينهن.
وبهذا رد يحيى بن معين وغيره الحديث المروي، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "صلاة الليل والنهار مثنى مثنى". خرجه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه، من رواية شعبة، عن يعلى بن عطاء، عن علي الأزدي، عَنِ ابْنِ عُمَرَ.
وقد أعله الترمذي، بأنَّ شعبة اختلف عليه في رفعه ووقفه. وذكر الإمام أحمد: أنَّ شعبة كان يتهيبه.
стр. 2414
وأعله ابن معين وغيره، بأنَّ أصحاب ابن عمر الحفاظ رووا كلهم، عنه، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : "صلاة الليل مثنى مثنى"، من غير ذكر النهار، أكثر من خمسة عشر نفساً، فلا يقبل تفرد علي الأزدي بما يخالفهم.
وأعله الإمام أحمد وغيره بأنَّه روي عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أنَّه كان يصلي بالنهار أربعاً، فلو كان عنده نص عَنِ النَّبِيِّ ﷺ لم يخالفه. وتوقف أحمد - في رواية، عنه - في حديث الأزدي.
وقَالَ - مرة -: إسناده جيد، ونحن لا نتقيه.
وقد روي، عَنِ ابْنِ عُمَرَ موقوفاً عليه - أيضاً - "صلاة الليل والنهار مثنى مثنى".
وروي عنه - مرفوعاً - من وجه آخر. وقيل: إنَّه ليس بمحفوظ. قَالَه الدارقطني وغيره.
وذكر مالك، أنَّه بلغه، أنَّ ابن عمر كان يقول: صلاة الليل والنهار مثنى مثنى، يسلم من كل ركعتين.
قُلْتُ: من يقول: لا مفهوم لقوله ﷺ : "صلاة والليل مثنى مثنى" يقول: إنَّ ذكر الليل إنَّما كان جواباً لسؤال سائل، سأل عن صلاة الليل، ومثل هذا يدفع أن يكون له مفهوم معتبر. والله أعلم» اهـ.
قُلْتُ: أثر ابن عمر رواه ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٦٦٣٥) حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، «أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي بِالنَّهَارِ أَرْبَعًا أَرْبَعًا».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ.
стр. 2415
٣ - ويدل الحديث على أنَّ التطوع بالليل كله مثنى مثنى، سوى ركعة الوتر، فإنَّها واحدة.
قُلْتُ: وقد يبدو معارضة ذلك لعدة أحاديث منها:
ما رواه مُسْلِم (٧٣٧) عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً، يُوتِرُ مِنْ ذَلِكَ بِخَمْسٍ، لَا يَجْلِسُ فِي شَيْءٍ إِلَّا فِي آخِرِهَا».
قُلْتُ: وقد وَهَّمَ هشاماً في هذا الحديث غيرُ واحد من أهل العلم قَالَ الحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ في [فَتْحِ الْبَارِي] (٦/ ١٩٤): «وقد تكلم في حديث هشام هذا غير واحد.
قَالَ ابن عبد البر: قد أنكر مالك. وقَالَ: مذ صار هشام إلى العراق أتانا عنه ما لم يعرف منه.
وقد أعله الأثرم، بأن يقَالَ في حديثه: "كان يوتر بواحدة"، كذا رواه مالك وغيره عن الزهري.
ورواه عمرو بن الحارث ويونس، عن الزهري، وفي حديثهما: "يسلم من كل ركعتين، ويوتر بواحدة".
وقد خرجه مُسْلِم مِنْ طَرِيقِهما - أيضاً.
وكذا رواه ابن أبي ذئب والأوزاعي، عن الزهري. خرج حديثهما أبو داود.
стр. 2416
قَالَ الأثرم: وقد روى هذا الحديث عَنْ عَائِشَةَ غير واحد، لم يذكروا في حديثهم ما ذكره هشام عن أبيه، من سرد الخمس.
ورواه القاسم، عَنْ عَائِشَةَ، في حديثه: "يوتر بواحدة".
ولم يوافق هشاماً على قوله إلَّا ابن إسحاق، فرواه عن محمد بن جعفر بن الزبير، عن عروة بن الزبير، عَنْ عَائِشَةَ - بنحو رواية هشام. وخرجه أبو داود مِنْ طَرِيقِه كذلك» اهـ.
إلى أن قَالَ ﵀ (٦/ ١٩٦):
«وكذلك الروايات الصحيحة عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ في وصفه صلاة النبي ﷺ ليلة بات عند خالته ميمونة، يدل عليه: أنَّه سلم من كل ركعتين وأوتر بواحدة.
فلهذا رجحت طائفة حديث ابن عمر وابن عباس، وقَالَوا: لا يصلي بالليل إلَّا مثنى مثنى، ويوتر بواحدة.
وهذه طريقة الْبُخَارِيّ والأثرم.
وقَالَ ابن عبد البر: هو قول أهل الحجاز، وبعض أهل العراق.
ثم حكا عن مالك والشافعي وابن أبي ليلى وأبي يوسف ومحمد، أنَّ صلاة الليل مثنى مثنى.
قَالَ: وقَالَ أبو حنيفة في صلاة الليل: إن شئت ركعتين، وإن شئت أربعاً، وإن شئت ستاً وثمانياً، ولا تسلم إلَّا في آخرهن.
стр. 2417
وقَالَ الثوري والحسن بن حي: صلاة الليل ما شئت، بعد أن تقعد في كل ركعتين وتسلم في آخرهن.
وحكى الترمذي في "كتابه" أنَّ العمل عند أهل العلم على أنَّ صلاة الليل مثنى مثنى.
قَالَ: وهو قول سفيان وابن المبارك والشافعي وأحمد وإسحاق.
وحكاه ابن المنذر وغيره عَنِ ابْنِ عُمَرَ وعمار، وعن الحسن وابن سيرين والشعبي والنخعي وسعيد بن جبير وحماد ومالك والأوزاعي.
وحكي عن عطاء، أنَّه قَالَ: في صلاة الليل والنهار: يجزئك التشهد. وهذا يشبه ما حكاه ابن عبد البر، عن الثوري والحسن بن حي. وهو مبني على أنَّ السلام ليس من الصلاة، وأنَّه يخرج منها بدونه، كما سبق ذكره. وقد روي عن النخعي نحوه.
ومذهب سفيان الذي حكاه أصحابه أنَّه لا بأس أن يصلي بالليل والنهار أربعاً أو ستاً أو أكثر من ذلك، لا يفصل بينهن إلَّا في آخرهن.
قَالَ: وإذا صلى بالليل مثنى، فهو أحب إلي» اهـ.
قُلْتُ: ومن ذلك أيضاً ما رواه مُسْلِم (٧٤٦) عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ لسعد بن هشام بن عامر: «كُنَّا نُعِدُّ لَهُ سِوَاكَهُ وَطَهُورَهُ، فَيَبْعَثُهُ اللهُ مَا شَاءَ أَنْ يَبْعَثَهُ مِنَ اللَّيْلِ، فَيَتَسَوَّكُ، وَيَتَوَضَّأُ، وَيُصَلِّي تِسْعَ رَكَعَاتٍ لَا يَجْلِسُ فِيهَا إِلَّا فِي الثَّامِنَةِ، فَيَذْكُرُ اللهَ وَيَحْمَدُهُ وَيَدْعُوهُ، ثُمَّ يَنْهَضُ وَلَا يُسَلِّمُ، ثُمَّ يَقُومُ فَيُصَلِّ التَّاسِعَةَ، ثُمَّ
стр. 2418
يَقْعُدُ فَيَذْكُرُ اللهَ وَيَحْمَدُهُ وَيَدْعُوهُ، ثُمَّ يُسَلِّمُ تَسْلِيمًا يُسْمِعُنَا، ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ مَا يُسَلِّمُ وَهُوَ قَاعِدٌ، فَتِلْكَ إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً يَا بُنَيَّ، فَلَمَّا أَسَنَّ نَبِيُّ اللهِ ﷺ ، وَأَخَذَهُ اللَّحْمُ أَوْتَرَ بِسَبْعٍ، وَصَنَعَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ مِثْلَ صَنِيعِهِ الْأَوَّلِ، فَتِلْكَ تِسْعٌ يَا بُنَيَّ … ».
قُلْتُ: وقد جمع العلامة ابن القيم ﵀ بين هذه الأدلة بجمع حسن فقَالَ في [إِعْلَامِ الْمُوَقِعِيْنَ] (٢/ ٤٢٤ - ٤٢٥):
«فالنبي ﷺ أجاب السائل له عن صلاة الليل بأنَّها مثنى مثنى ولم يسأله عن الوتر وأمَّا السبع والخمس والتسع والواحدة فهي صلاة الوتر والوتر اسم للواحدة المنفصلة مما قبلها وللخمس والسبع والتسع المتصلة كالمغرب اسم للثلاث المتصلة فإن انفصلت الخمس والسبع بسلامين كالإحدى عشرة كان الوتر اسماً للركعة المفصولة وحدها كما قَالَ النبي ﷺ : "صلاة الليل مثنى مثنى فإذا خشي الصبح أوتر بواحدة توتر له ما صلى" فاتفق فعله ﷺ وَقَوْلُهُ وصدق بعضه بعضاً» اهـ.
٤ - وفي الحديث بيان آخر وقت الوتر ينتهي بطلوع الفجر وهذا قول الجمهور.
وهذا في غير النائم والناسي فإنَّ له أن يوتر بعد طلوع الفجر وقبل صلاة الفجر.
قَالَ الحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ في [فَتْحِ الْبَارِي] (٦/ ٢٣٩):
стр. 2419
«وذهب طائفة إلى أنَّ الوتر لا يفوت وقته حتى يصلي الصبح: فروي عن علي وابن مسعود، وقَالَ: الوتر ما بين الصلاتين. يريدان: صلاة العشاء وصلاة الفجر.
وعَنْ عَائِشَةَ - معنى ذلك.
وممن روي عنه، أنَّه أوتر بعد طلوع الفجر: عبادة بن الصامت وأبو الدرداء وحذيفة وابن عمر وابن مسعود وابن عباس وعائشة وفضالة بن عبيد وغيرهم.
وقَالَ أيوب وحميد الطويل: أكثر وترنا لبعد طلوع الفجر. وهو قول القاسم بن محمد وغيره.
وذكر ابن عبد البر: أنَّه لا يعرف لهؤلاء الصحابة مخالف في قولهم. قَالَ: ويحتمل أن يكونوا قَالَوه فيمن نسيه أو نام عنه، دون من تعمده.
وممن ذهب إلى هذا: مالك والشافعي - في القديم - وأحمد - في رواية عنه - وإسحاق» اهـ.
قُلْتُ: وقد روى أحمد (٢٣٩٠٢) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ يَعْنِي ابْنَ الْمُبَارَكِ، أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ يَزِيدَ، حَدَّثَنِي ابْنُ هُبَيْرَةَ، عَنْ أَبِي تَمِيمٍ الْجَيْشَانِيِّ، أَنَّ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ، خَطَبَ النَّاسَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَقَالَ: إِنَّ أَبَا بَصْرَةَ حَدَّثَنِي أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ زَادَكُمْ صَلَاةً، وَهِيَ الْوِتْرُ، فَصَلُّوهَا فِيمَا بَيْنَ صَلَاةِ الْعِشَاءِ إِلَى صَلَاةِ الْفَجْرِ» قَالَ أَبُو تَمِيمٍ: فَأَخَذَ بِيَدِي أَبُو ذَرٍّ فَسَارَ فِي الْمَسْجِدِ إِلَى أَبِي
стр. 2420
بَصْرَةَ، فَقَالَ لَهُ: أَنْتَ سَمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: مَا قَالَ عَمْرٌو؟ قَالَ أَبُو بَصْرَةَ: أَنَا سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ.
وروى أبو داود (١٤٣٣) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَوْفٍ، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي غَسَّانَ مُحَمَّدِ بْنِ مُطَرِّفٍ الْمَدَنِيِّ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «مَنْ نَامَ عَنْ وِتْرِهِ، أَوْ نَسِيَهُ، فَلْيُصَلِّهِ إِذَا ذَكَرَهُ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ.
وأمَّا ما رواه أحمد (١١٤١٣) حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ يَعْنِي ابْنَ زَيْدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ نَسِيَ الْوَتْرَ، أَوْ نَامَ عَنْهَا، فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا، أَوْ إِذَا أَصْبَحَ».
قُلْتُ: زيادة «أَوْ إِذَا أَصْبَحَ». زيادة منكرة زادها عبد الرحمن بن زيد وهو ابن أسلم وهو ضعيف الحديث.
وَسُئِلَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢٣/ ٨٩ - ٩١) عمن نام عن صلاة الوتر؟.
فأجاب:
следующие страницы →