Полный текст (8 095 стр.). Показаны 2836–2875 · переход к 2841.
стр. 2836
١٣٩ - عَنْ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ﵄ قَالَ: «خَطَبَنَا النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ الأَضْحَى بَعْدَ الصَّلاةِ، فَقَالَ: "مَنْ صَلَّى صَلاتَنَا وَنَسَكَ نُسُكَنَا فَقَدْ أَصَابَ النُّسُكَ، وَمَنْ نَسَكَ قَبْلَ الصَّلاةِ فَلا نُسُكَ لَهُ". فَقَالَ أَبُو بُرْدَةَ بْنُ نِيَارٍ - خَالُ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ - يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنِّي نَسَكْتُ شَاتِي قَبْلَ الصَّلاةِ. وَعَرَفْتُ أَنَّ الْيَوْمَ يَوْمُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ. وَأَحْبَبْتُ أَنْ تَكُونَ شَاتِي أَوَّلَ مَا يُذْبَحُ فِي بَيْتِي. فَذَبَحْتُ شَاتِي، وَتَغَذَّيْتُ قَبْلَ أَنْ آتِيَ الصَّلاةَ. فَقَالَ: "شَاتُكَ شَاةُ لَحْمٍ". قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَإِنَّ عِنْدَنَا عِنَاقاً هِيَ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ شَاتَيْنِ أَفَتُجْزِي عَنِّي؟ قَالَ: "نَعَمْ، وَلَنْ تَجْزِيَ عَنْ أَحَدٍ بَعْدَكَ"».
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ بَطَّالٍ ﵀ في [شَرْحِ الْبُخَارِي] (٦/ ٢١): «والعناق من المعز ابن خمسة أشهر أو نحوها، وهو جذعة، ولا يجوز في الضحايا بإجماع، وإنَّما يجوز من المعز الثني فما فوقه» اهـ.
وفي الحديث مسائل منها:
١ - أنَّ خطبة العيد تكون بعد الصلاة.
٢ - أنَّ النسك قبل صلاة العيد لا يجزئ، وهل يجزئ قبل الخطبة؟ ظاهر قوله: «وَنَسَكَ نُسُكَنَا فَقَدْ أَصَابَ النُّسُكَ». أنَّه لا يجزئ فإنَّ نسك النبي ﷺ كان بعد الخطبة؛ لكن روى البخاري (٥٥٤٦) عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «مَنْ ذَبَحَ قَبْلَ الصَّلَاةِ فَإِنَّمَا ذَبَحَ لِنَفْسِهِ، وَمَنْ ذَبَحَ بَعْدَ الصَّلَاةِ فَقَدْ تَمَّ نُسُكُهُ، وَأَصَابَ سُنَّةَ المُسْلِمِينَ».
стр. 2837
وروى البخاري (٥٥٥٦)، ومسلم (١٩٦١) عَنِ البَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ﵄، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «مَنْ ذَبَحَ قَبْلَ الصَّلَاةِ فَإِنَّمَا يَذْبَحُ لِنَفْسِهِ، وَمَنْ ذَبَحَ بَعْدَ الصَّلَاةِ فَقَدْ تَمَّ نُسُكُهُ وَأَصَابَ سُنَّةَ المُسْلِمِينَ».
قُلْتُ: فهذان الحديثان يدلان على جواز ذبح الأضحية قبل الخطبة وبعد الصلاة. وهذا هو الصحيح.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٢١/ ٤٨٩):
«فإن ذبح بعد الصلاة قبل الخطبة أجزأ، في ظاهر كلام أحمد؛ لأّنَّ الْنَّبِيَّ ﷺ علق المنع على فعل الصلاة، فلا يتعلق بغيره، ولأنَّ الخطبة غير واجبة. وهذا قول الثوري» اهـ.
٣ - وفيه أنَّ وقت الأضحية يبدأ بفعل الصلاة، لا بمجرد أن يمضي زمان يصلح فيه أن تؤدى فيه صلاة العيد بخطبتها.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ في [الْمُغْنِي] (٢١/ ٤٨٨ - ٤٨٩): «أمَّا أوله، فظاهر كلام الخرقي أنَّه إذا مضى من نهار يوم العيد قدر تحل فيه الصلاة، وقدر الصلاة والخطبتين التامتين في أخف ما يكون، فقد حل وقت الذبح، ولا تعتبر نفس الصلاة، لا فرق في هذا بين أهل المصر وغيرهم.
وهذا مذهب الشافعي، وابن المنذر وظاهر كلام أحمد، أنَّ من شرط جواز التضحية في حق أهل المصر صلاة الْإِمَام وخطبته. وروي نحو هذا عن الحسن، والأوزاعي، ومالك، وأبي حنيفة، وإسحاق؛ لما روى جندب بن عبد الله البجلي، أّنَّ الْنَّبِيَّ ﷺ قال: "من ذبح قبل أن يصلي فليعد مكانها أخرى".
стр. 2838
وعن البراء، قال: قَالَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ : "من صلى صلاتنا، ونسك نسكنا، فقد أصاب النسك، ومن ذبح قبل أن يصلي، فليعد مكانها أخرى" متفق عليه.
وفي لفظ قال: "إنَّ أول نسكنا في يومنا هذا الصلاة ثم، الذبح، فمن ذبح قبل الصلاة، فتلك شاة لحم قدمها لأهله، ليس من النسك في شيء" وظاهر هذا اعتبار نفس الصلاة.
وَقَالَ عطاء: وقتها إذا طلعت الشمس؛ لأنَّها عبادة يتعلق آخرها بالوقت، فتعلق أولها بالوقت، كالصيام.
وهذا وجه قول الخرقي ومن وافقه.
والصحيح، إن شاء الله تعالى، أنَّ وقتها في الموضع الذي يصلى فيه بعد الصلاة لظاهر الخبر، والعمل بظاهره أولى.
فأمَّا غير أهل الْأمصار والقرى، فأول وقتها في حقهم قدر الصلاة والخطبة بعد الصلاة؛ لأنَّه لا صلاة في حقهم تعتبر، فوجب الاعتبار بقدرها.
وَقَالَ أبو حنيفة: أول وقتها في حقهم إذا طلع الفجر الثاني؛ لأنَّه من يوم النحر، فكان وقتها منه كسائر اليوم.
ولنا، أنَّها عبادة وقتها في حق أهل المصر بعد إشراق الشمس، فلا تتقدم وقتها في حق غيرهم، كصلاة العيد.
стр. 2839
وما ذكروه يبطل بأهل الْأمصار فإن لم يصل الْإِمَام في المصر، لم يجز الذبح حتى تزول الشمس؛ لأنَّها حينئذ تسقط، فكأنَّه قد صلى، وسواء ترك الصلاة عمداً أو غير عمد، لعذر أو غيره» اهـ.
وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كما في [مَجْمُوعِ الْفَتَاوَى] (٢١/ ٤٢٠):
«فهذا وقت الأضحية؛ وقته بعد فعل الصلاة كما بين الرسول ذلك في الأحاديث الصحيحة وهو قول الجمهور من العلماء: مالك وأبي حنيفة وأحمد بن حنبل وغيرهم. وإنَّما قدر وقتها بمقدار الصلاة: الشافعي ومن وافقه من أصحاب أحمد كالخرقي» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ في [إِعْلَامِ الْمُوَقِعِيْنَ] (٤/ ٣٠٤): «وهو صحيح صريح في أنَّ الذبح قبل الصلاة لا يجزئ سواء دخل وقتها ولم يدخل وهذا الذي ندين الله به قطعاً ولا يجوز غيره» اهـ.
٤ - وفيه أنَّه يستحب للإمام أن يبين للناس في خطبته ما يحتاجون إليه من أحكام الأضاحي.
٥ - وفيه أنَّ العمل الفاسد لا يصح مع الجهل، وغاية ما في الْأمر أن يرفع الإثم عن الجاهل بسبب جهله، ونظير ذلك أمر النبي ﷺ المسيء في صلاته أن يعيد الصلاة التي صلاها وهي فاسدة مع أنَّه كان جاهلاً كما يدل عليه الحديث.
٦ - وفيه أنَّ النية الصالحة لا تصحح العمل الفاسد فإنَّ نية خال البراء كانت صالحة كما يدل عليه قوله:
стр. 2840
«يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنِّي نَسَكْتُ شَاتِي قَبْلَ الصَّلاةِ. وَعَرَفْتُ أَنَّ الْيَوْمَ يَوْمُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ. وَأَحْبَبْتُ أَنْ تَكُونَ شَاتِي أَوَّلَ مَا يُذْبَحُ فِي بَيْتِي». ومع هذا ما صحح النبي ﷺ عمله.
٧ - أنَّ الجذعة من المعز لا تجزئ في الأضحية.
قُلْتُ: أمَّا الجذعة من الضأن فتجزي في الأضحية لما رواه مسلم (١٩٦٣) عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: قَالَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ : «لَا تَذْبَحُوا إِلَّا مُسِنَّةً، إِلَّا أَنْ يَعْسُرَ عَلَيْكُمْ، فَتَذْبَحُوا جَذَعَةً مِنَ الضَّأْنِ».
ويجزئ الجذع من الضأن وإن وجدت المسنة لما رواه أبو داود (٢٨٠١)، وابن ماجه (٣١٤٠) مِنْ طَرِيْقِ عَاصِمِ بْنِ كُلَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ مُجَاشِعِ بْنِ مَسْعُودٍ عَنْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّ الْجَذَعَ يُوَفِّي مِمَّا يُوَفِّي مِنْهُ الثَّنِيُّ».
ورواه النسائي (٤٣٨٣) مِنْ طَرِيْقِ عاصم به ولم يسمي الصحابي.
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ حَسَنٌ.
والمسنة هي الثني، والثني من سقطت ثناياه، والجذع من الضأن دون ذلك وهو من سقطت أسنانه وله علامتان:
الأولى: نوم الصوفة على ظهرة.
والأخرى: النزو على الإناث. واختلفوا في سنه على أقوال وضبط ذلك بالوصف أصح.
٨ - تخصيص إجزاء الجذع بأبي بردة دون غيره، وفي هذه المرة دون غيرها.
стр. 2841
وذهب شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ إلى أنَّ التخصيص في الحديث باعتبار الحال لا باعتبار الأشخاص فقال ﵀ كما في [الْاخْتِيَارَاتِ الْفِقْهِيَّةِ] (٤٦٨) للبعلي: «وتجوز الأضحية بما كان أصغر من الجذع من الضأن لمن ذبح قبل صلاة العيد جاهلاً بالحكم ولم يكن عنده ما يعتد به في الأضحية وغيرها لقصة أبي بردة بن نيار ويحمل قوله ﷺ : "ولن يجزئ أحد بعدك" أي بعد حالك» اهـ.
وَقَالَ ﵀ كما في [مَجْمُوعِ الْفَتَاوَى] (١٧/ ١٢٦ - ١٢٧): «وأمَّا قول من قال: إنَّ هذا في شخص بعينه ففي غاية الفساد لفظاً ومعنى. ثم إنَّ الله إنَّما يخص الشيء المعين بحكم يخصه لمعنى يختص به كما قال لأبي بردة بن نيار - وكان قد ذبح في العيد قبل الصلاة - قبل أن يشرع لهم النبي ﷺ أن الذبح يكون بعد الصلاة فلما قال النبي ﷺ : "أول ما نبدأ به في يومنا هذا أن نصلي ثم نذبح فمن ذبح قبل الصلاة فليعد فإنَّما هي شاة لحم قدمها لأهله" ذكر له أبو بردة أنَّه ذبح قبل الصلاة ولم يكن يعرف أنَّ ذلك لا يجوز وذكر له أن عنده عناقاً خيراً من جذعة فقال: "تجزئ عنك ولا تجزئ عن أحد بعدك". فخصه بهذا الحكم لأنَّه كان معذوراً في ذبحه قبل الصلاة؛ إذ فعل ذلك قبل شرع الحكم فلم يكن ذلك الذبح منهياً عنه بعد، مع أنَّه لم يكن عنده إلَّا هذا السن» اهـ.
قُلْتُ: وكلامه هذا يدل على أنَّ هذا الحكم مخصوص بأبي بردة لأجل أنَّه فعل ذلك جهلاً قبل أن يشرع الحكم.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ عُثَيْمِيْن ﵀ في [الشَّرْحُ الْمُمْتِعِ] (١٢/ ٢٦٠):
стр. 2842
«فالقاعدة أنَّه لا يمكن أن يخص أحد بحكم من أحكام الشريعة أبداً لعينه، بل لوصفه» اهـ.
٩ - وفيه استحباب الأضحية وهي من الشعائر العظيمة في عيد الأضحى.
١٠ - وفيه مشروعية الكلام مع الْإِمَام في خطبة العيد.
١١ - وفيه أنَّ يوم العيد يوم أكل وشرب فإنَّ الْنَّبِيَّ ﷺ أقرَّ أبا بردة على قوله هذا.
١٢ - وفيه أنَّ الحيوان قد يُحب.
قُلْتُ: وهكذا أيضاً تكون المحبة لبعض الجمادات كما روى البخاري (١٤٨١)، ومسلم (١٣٩٢) عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ: أّنَّ الْنَّبِيَّ ﷺ قَالَ فِي جَبَلِ أُحُدٍ: «هَذَا جُبَيْلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ».
وروى البخاري (٢٨٨٩)، ومسلم (١٣٩٣) عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁، قَالَ: خَرَجْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، إِلَى خَيْبَرَ أَخْدُمُهُ، فَلَمَّا قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ ، رَاجِعًا وَبَدَا لَهُ أُحُدٌ، قَالَ: «هَذَا جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ».
* * *
стр. 2843
١٤٠ - عَنْ جُنْدُبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيِّ ﵄ قَالَ: صَلَّى النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ النَّحْرِ، ثُمَّ خَطَبَ، ثُمَّ ذَبَحَ، وَقَالَ: «مَنْ ذَبَحَ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ فَلْيَذْبَحْ أُخْرَى مَكَانَهَا، وَمَنْ لَمْ يَذْبَحْ فَلْيَذْبَحْ بِاسْمِ اللَّهِ».
وفي الحديث مسائل منها:
١ - أنَّ الأضحية لا تجزئ قبل الصلاة.
٢ - أنَّ من ذبح قبل الصلاة لزمه أن يذبح بعد الصلاة أخرى.
٤ - واحتج بقوله: «فَلْيَذْبَحْ». من قال بوجوب الأضحية.
قُلْتُ: ولا يدلَّ الحديث على وجوب الأَضحية ابتداءً بل غاية ما يدل عليه أنَّ من عين شاةً أضحية له وجب عليه أن يذبحها في أيام النحر.
وقد اختلف العلماء في حكم الأضحية فمنهم من أوجبها وهو قول أبي حنيفة ومالك في ظاهر مذهبه كما سيأتي في كلام شيخ الإسلام، ومنهم من استحبها وهو مذهب أكثر العلماء.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ في [الْمُغْنِي] (٢١/ ٤٤٩): «والأضحية سنة، لا يستحب تركها لمن يقدر عليها، أكثر أهل العلم يرون الأضحية سنة مؤكدة غير واجبة. روي ذلك عن أبي بكر وعمر وبلال وأبي مسعود البدري ﵃، وبه قال سويد بن غفلة وسعيد بن المسيب وعلقمة والأسود وعطاء والشافعي وإسحاق وأبو ثور وابن المنذر.
وَقَالَ ربيعة ومالك والثوري والأوزاعي والليث وأبو حنيفة: هي واجبة» اهـ.
стр. 2844
قُلْتُ: روى عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (٨١٣٩) عَنِ الثَّوْرِيِّ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ، وَمُطَرِّفٌ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ أَبِي سُرَيْحَةَ -حُذَيْفَةَ بْنِ أُسَيْدٍ- قَالَ: «رَأَيْتُ أَبَا بَكْرٍ، وَعُمَرَ وَمَا يُضَحِّيَانِ».
وراه الطبراني في [الْكَبِيْرِ] (٣٠٥٨)، والبيهقي في [الْكُبْرَى] (١٩٠٣٥)، وأحمد في [الْعِلَلِ] (٥٤٩٣)، والمحاملي في [أَمَالِيْهِ] (٣٣٥) من طريق مطرف به.
وعند أحمد والبيهقي والمحاملي زيادة: «خَشْيَةَ أَنْ يُسْتَنَّ بِهِمَا».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ.
وروى عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (٨١٤٨)، والبيهقي في [الْكُبْرَى] (١٩٠٣٩) عَنِ الثَّوْرِيِّ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ عُقْبَةَ بْنِ عَمْرٍو الْأَنْصَارِيِّ قَالَ: «لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ أَدَعَ الْأُضْحِيَةَ، وَإِنِّي لَمِنْ أَيْسَرِكُمْ بِهَا مَخَافَةَ أَنْ يُحْسَبَ أَنَّهَا حَتْمٌ وَاجِبٌ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ.
وروى عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (٨١٤٩)، والبيهقي في [الْكُبْرَى] (١٩٠٣٨)، و [الصُّغْرَى] (١٨١٥) عَنْ الثَّوْرِيِّ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ قَالَ: قَالَ أَبُو مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيُّ: «إِنِّي لَأَدَعُ الْأَضْحَى، وَإِنِّي لَمُوسِرٌ مَخَافَةَ أَنْ يَرَى جِيرَانِي أَنَّهُ حَتْمٌ عَلَيَّ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الشِّنْقِيطِيُّ ﵀ في [أَضْوَاءِ الْبَيَانِ] (٥/ ٢٠٠): «ونقل ابن قدامة في "الْمُغْنِي"، عن مالك وجوب الأضحية خلاف مذهبه، ومذهبه هو ما
стр. 2845
نقل عنه النووي: من أنَّها سنة، ولكنها عنده لا تسن على خصوص الحاج بمنى؛ لأنَّ ما يذبحه هدي لا أضحية» اهـ.
قُلْتُ: وقد نصرَّ القول بالوجوب شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ فقال كما في [مَجْمُوعِ الْفَتَاوَى] (٢٣/ ١٦٢ - ١٦٤): «وأمَّا الأضحية فالأظهر وجوبها أيضاً فإنَّها من أعظم شعائر الإسلام وهي النسك العام في جميع الْأمصار والنسك مقرون بالصلاة في قوله: ﴿إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. وقد قال تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ فأمر بالنحر كما أمر بالصلاة. وقد قال تعالى: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ﴾ وقال: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٣٦) لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ﴾ وهي من ملة إبراهيم الذي أمرنا باتباع ملته وبها يذكر قصة الذبيح فكيف يجوز أنَّ المسلمين كلهم يتركون هذا لا يفعله أحد منهم وترك المسلمين كلهم هذا أعظم من ترك الحج في بعض السنين. وقد قالوا: إنَّ
стр. 2846
الحج كل عام فرض على الكفاية؛ لأنَّه من شعائر الإسلام والضحايا في عيد النحر كذلك بل هذه تفعل في كل بلد هي والصلاة فيظهر بها عبادة الله وذكره والذبح له والنسك له ما لا يظهر بالحج كما يظهر ذكر الله بالتكبير في الأعياد.
وقد جاءت الأحاديث بالْأمر بها. وقد خرج وجوبها قولاً في مذهب أحمد وهو قول أبي حنيفة وأحد القولين في مذهب مالك أو ظاهر مذهب مالك. ونفاة الوجوب ليس معهم نص فإنَّ عمدتهم قوله ﷺ : "من أراد أن يضحي ودخل العشر فلا يأخذ من شعره ولا من أظفاره". قالوا: والواجب لا يعلق بالإرادة. وهذا كلام مجمل فإنَّ الواجب لا يوكل إلى إرادة العبد. فيقال: إن شئت فافعله؛ بل قد يعلق الواجب بالشرط لبيان حكم من الأحكام. كقوله: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا﴾ وقد قدروا فيه: إذا أردتم القيام. وقدروا: إذا أردت القراءة فاستعذ. والطهارة واجبة والقراءة في الصلاة واجبة وقد قال: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (٢٧) لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ﴾ ومشيئة الاستقامة واجبة. وأيضاً فليس كل أحد يجب عليه أن يضحي وإنَّما تجب على القادر فهو الذي يريد أن يضحي. كما قال: "من أراد الحج فليتعجل فإنَّه قد تضل الضالة وتعرض الحاجة". والحج فرض على المستطيع. فقوله: "من أراد أن يضحي". كقوله: "من
стр. 2847
أراد الحج فليتعجل" ووجوبها حينئذ مشروط بأن يقدر عليها فاضلاً عن حوائجه الأصلية. كصدقة الفطر» اهـ.
قُلْتُ: وقد استدلَّ من أوجبها بأدلة:
الدليل الأول: قول الله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر/ ٢].
وسبق قول شَيْخِ الْإِسْلَامِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ ﵀: «فأمر بالنحر كما أمر بالصلاة» اهـ.
قَالَ الْأَمِيْرُ الْصَّنْعَانِي ﵀ في [سُبُلِ الْسَّلَامِ] (٤/ ٩١): «والآية محتملة قوله: ﴿وَانْحَرْ﴾ بوضع الكف على النحر في الصلاة أخرجه ابن أبي حاتم وابن أبي شاهين في سُنَنِه وابن مردويه والبيهقي عن ابن عباس وفيه روايات من الصحابة مثل ذلك ولو سلم فهي دالة على أنَّ النحر بعد الصلاة فهي تعيين لوقته لا لوجوبه» اهـ.
قُلْتُ: وهناك احتمال آخر وهو أنَّ الآية إنَّما تدل على وجوب كون النحر لله لا على ابتدائه، وهذه الاحتمالات تضعف القول بالوجوب من هذه الآية. والله أعلم.
الدليل الثاني: ما رواه ابن ماجه (٣١٢٣) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الْحُبَابِ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَيَّاشٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ كَانَ لَهُ سَعَةٌ، وَلَمْ يُضَحِّ، فَلَا يَقْرَبَنَّ مُصَلَّانَا».
стр. 2848
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ ضَعِيْفٌ لضعف عبد الله بن عيَّاش. وقد جاء موقوفاً، وهو أصح من المرفوع.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِ ﵀ فِي [الْتَمْهِيْدِ] (٢٣/ ١٩٠ - ١٩١): «هذا حديث رواه ابن وهب عن عبد الله بن عياش القتباني هذا عن الأعرج عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ موقوفاً لم يرفعه كذا هو في موطئه وكذلك رواه عبيد الله بن أبي جعفر عن الأعرج عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ موقوفاً وعبيد الله بن أبي جعفر فوق عبد الله بن عياش.
حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد بن إسماعيل الترمذي قال حدثنا ابن أبي مريم قال أخبرنا يحيى بن أيوب عن عبيد الله بن أبي جعفر عن الأعرج عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قال وأخبرنا الليث بن سعد وبكر بن مضر قالا أخبرنا عبيد الله بن أبي جعفر عن ابن هرمز قال سمعت أبا هريرة وهو في المصلى يقول "من قدر على سعة فلم يضح فلا يقربن مصلانا".
قال أبو عمر: الأغلب عندي في هذا الحديث أنَّه موقوف على أبي هريرة والله أعلم» اهـ.
وَقَالَ الْحَافِظُ الْبَيْهَقِيُّ ﵀ في [مَعْرِفَةِ الْسُّنَنِ وَالْآثَارِ] (١٤/ ١٧):
«وأمَّا حديث أبي هريرة، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : "من وجد سعة لأن يضحي فلم يضح، فلا يحضر مصلانا" فالصحيح أنَّه موقوف على أبي هريرة. كذا قاله أبو عيسى الترمذي» اهـ.
وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْهَادِي ﵀ في [تَنْقِيْحِ الْتَحْقِيْقِ] (٣/ ٥٦٤):
стр. 2849
«هذا الحديث رجاله كلهم مخرج لهم في "الصحيحين"، إلَّا عبد الله ابن عياش بن عباس القتباني فإنَّه من أفراد مسلم.
وقد رواه ابن ماجه عن أبي بكر بن أبي شيبة عن زيد بن الحباب عن عبد الله بن عياش، وكذلك رواه حيوة بن شريح وغيره عن عبد الله بن عياش.
ورواه ابن وهب عن عبد الله بن عياش عن الأعرج عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ موقوفاً، وكذلك رواه جعفر بن ربيعة وعبيد الله بن أبي جعفر عن الأعرج عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ موقوفاً، وهو أشبه بالصواب» اهـ.
وَقَالَ الْحَافِظُ الْذَهَبِيُّ ﵀ في [تَنْقِيْحِ الْتَحْقِيْقِ] (٢/ ٦٢): «رواه أحمد في "مُسْنَدِه" عنه، وقال: هذا منكر. وَقَالَ الْدَارَقُطْنِي: الأصح وقفه، ثم لا يدل على الوجوب، كما قال: "من أكل الثوم، فلا يقربن مسجدنا"» اهـ.
وَقَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (١٠/ ٣): «أخرجه ابن ماجه وأحمد ورجاله ثقات لكن اختلف في رفعه ووقفه والموقوف أشبه بالصواب قاله الطحاوي وغيره» اهـ.
قُلْتُ: قد تابع زيدَ بن الحباب على رفع الحديث عبدُ الله بن يزيد المقرئ أبو عبد الرحمن كما روى ذلك أحمد في [مُسْنَدِه] (٨٢٥٦) حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَيَّاشٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هُرْمُزَ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ : «مَنْ وَجَدَ سَعَةً فَلَمْ يُضَحِّ، فَلَا يَقْرَبَنَّ مُصَلَّانَا».
قُلْتُ: وقد روى حديث ابن وهب الحاكم في [الْمُسْتَدْرَكِ] (٧٥٦٦) فقال: فَحَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ، أَنْبَأَ ابْنُ
стр. 2850
وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَيَّاشٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَعْرَجِ، حَدَّثَهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، ﵁ قَالَ: «مَنْ وَجَدَ سَعَةً فَلَمْ يُضَحِّ مَعَنَا فَلَا يَقْرَبَنَّ مُصَلَّانَا».
أَوْقَفَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ إِلَّا أَنَّ الزِّيَادَةَ مِنَ الثِّقَةِ مَقْبُولَةٌ وَأَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمُقْرِئُ فَوْقَ الثِّقَةِ اهـ.
قُلْتُ: ورواه الْدَارَقُطْنِي (٤٨٢٥) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْفَضْلِ الزَّيَّاتُ، نا مُحَمَّدُ بْنُ حَبَّانَ، نا عَمْرُو بْنُ الْحُصَيْنِ، نا ابْنُ عُلَاثَةَ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ : «مَنْ وَجَدَ مِنْكُمْ سَعَةً فَلَمْ يُضَحِّ فَلَا يَقْرَبَنَّ مُصَلَّانَا».
قُلْتُ: عمرو بن الحصين متروك الحديث.
وقد رجح الحافظ الْدَارَقُطْنِي ﵀ في [الْعِلَلِ] (١٠/ ٣٠٤ - ٣٠٥) رفع الحديث فقال:
«يرويه عبد الله بن عياش القتباني، واختلف عنه؛ فرواه زيد بن الحباب، ويحيى بن سعيد العطار، عن عبد الله بن عياش القتباني، عن الأعرج، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . ورواه عبيد الله بن أبي جعفر، عن الأعرج، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مرفوعاً أيضاً، وهو الصواب» اهـ.
قُلْتُ: وعلى كل حال فسند المرفوع لا يصح كما سبق بيان ذلك.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [الْفُرُوسِيَّةِ] (ص: ٢٦١): «وَقَالَ في رواية حنبل: هذا حديث منكر» اهـ.
стр. 2851
الدليل الثالث: ما رواه أحمد (٢٠٧٥٠)، وأبو داود (٢٧٩٠)، والترمذي (١٥١٨)، وابن ماجه (٣١٢٥)، والنسائي في [الْمُجْتَبَى] (٤٢٢٤) [الْكُبْرَى] (٤٥٣٦) مِنْ طَرِيْقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَوْنٍ، عَنْ عَامِرٍ أَبِي رَمْلَةَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مِخْنَفُ بْنُ سُلَيْمٍ، قَالَ: وَنَحْنُ وُقُوفٌ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِعَرَفَاتٍ قَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ عَلَى كُلِّ أَهْلِ بَيْتٍ فِي كُلِّ عَامٍ أُضْحِيَّةً وَعَتِيرَةً، أَتَدْرُونَ مَا الْعَتِيرَةُ هَذِهِ؟ الَّتِي يَقُولُ النَّاسُ الرَّجَبِيَّةُ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ ضَعِيْفٌ فيه أبو رملة مجهول.
قَالَ الْخَطَّابِي ﵀ فِي [مَعَالِمِ الْسُّنَنِ] (٢/ ٢٢٦):
«قلت هذا الحديث ضعيف المخرج وأبو رملة مجهول» اهـ.
قُلْتُ: وعلى فرض صحته فلا حجة فيه للقائلين بوجوب الأضحية.
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (١٠/ ٤):
«ولا حجة فيه لأنَّ الصيغة ليست صريحة في الوجوب المطلق وقد ذكر معها العتيرة وليست بواجبة عند من قال بوجوب الأضحية» اهـ.
الدليل الرابع: ما رواه الطبراني في [الْأَوْسَطِ] (٨٣١٩) حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ زَكَرِيَّا، نا عَمْرُو بْنُ الْحُصَيْنِ، نا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُلَاثَةَ، عَنْ عَبْدِ الْمَلَكِ بْنِ أَبِي غَنِيَّةَ، عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ حَنَشٍ الْكِنَانِيِّ، عَنْ عَلِيٍّ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، ضَحُّوا وَاحْتَسِبُوا بِدِمَائِهَا، فَإِنَّ الدَّمَ وَإِنْ وَقَعَ فِي الْأَرْضِ، فَإِنَّهُ يَقَعُ فِي حِرْزِ اللَّهِ جَلَّ وَعَزَّ».
قُلْتُ: هَذَا الْحَدِيْثُ شَدِيْدُ الْضَّعْفِ عمرو بن الحصين متروك الحديث، وابن علاثة متنازع فيه منهم من وثقه، ومنهم من ضعفه، ومنهم من بالغ في تضعيفه،
стр. 2852
والذي يظهر لي أنَّه ممن يستشهد بحديثه، وما رمي به فالبلاء من ابن حصين. والله أعلم.
الدليل الخامس: ما رواه البزار في [مُسْنَدِه] (٧٨٣٢) حدثنا محمد بن مسكين، قال: حدثنا عبد الله بن يوسف، قال: حدثنا ابن لهيعة عن بكير بن عبد الله بن الأشج، عن سعيد بن المسيب، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنِ الْعَتِيرَةِ، وَكَانَتْ ذَبِيحَةٌ يَذْبَحُونَهَا فِي رَجَبٍ، فَنَهَاهُمْ عَنْهَا، وَأَمَرَهُمْ بِالأُضْحِيَّةِ».
وهذا الحديث لا نعلم رواه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ إلَّا سعيد، ولا عن سعيد إلَّا بكير، ولا عن بكير إلَّا ابن لهيعة، ولا نعلم أسند بكير، عن سعيد، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، إلَّا هذا الحديث اهـ.
قُلْتُ: ابن لهيعة ضعيف الحديث. وهو ثابت في البخاري (٥٤٧٣)، ومسلم (١٩٧٦) مِنْ طَرِيْقِ الزُّهْرِيِّ، عَنِ ابْنِ المُسَيِّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا فَرَعَ وَلَا عَتِيرَةَ» وَالفَرَعُ: أَوَّلُ النِّتَاجِ، كَانُوا يَذْبَحُونَهُ لِطَوَاغِيتِهِمْ، وَالعَتِيرَةُ فِي رَجَبٍ.
قُلْتُ: وليس فيه الْأمر بالأضحية، والذي يظهر لي أنَّ زيادة الْأمر بالأضحية من منكرات ابن لهيعة. والله أعلم.
قُلْتُ: هذه أشهر الحجج التي احتج بها الموجبون للأضحية وقد تبين ما فيها. فالذي يظهر لي هو صحة ما ذهب إليه جمهور العلماء من القول باستحباب الأضحية. والله أعلم.
стр. 2853
٥ - وفي قوله: «فَلْيَذْبَحْ بِاسْمِ اللَّهِ». يدل على التسمية قبل الذبح.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٦/ ٤٥٠):
«أي قائلاً: باسم الله، هذا هو الصحيح في معناه، وَقَالَ القاضي: يحتمل أربعة أوجه: أحدهما: أن يكون معناه: فليذبح لله، والباء بمعنى اللام. والثاني: معناه فليذبح بسنة الله. والثالث: بتسمية الله على ذبيحته إظهارا للإسلام، ومخالفة لمن يذبح لغيره، وقمعاً للشيطان. والرابع: تبركاً باسمه وتيمناً بذكره كما يقال: سر على بركة الله، وسر باسم الله» اهـ.
قُلْتُ: والتسمية على الذبيحة شرط في حلها على الصحيح من أقوال العلماء؛ لقول الله تعالى: ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ (١٢١)﴾ [الأنعام/ ١٢١] ولغير ذلك من الأدلة الأتية.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ كَثِيْرٍ ﵀ في [تَفْسِيْرِهِ] (٣/ ٣٢٤ - ٣٢٧):
«استدل بهذه الآية الكريمة من ذهب إلى أنَّه لا تحل الذبيحة التي لم يذكر اسم الله عليها، ولو كان الذابح مسلماً، وقد اختلف الأئمة، ﵏، في هذه المسألة على ثلاثة أقوال:
فمنهم من قال: لا تحل هذه الذبيحة بهذه الصفة، وسواء متروك التسمية عمدًا أو سهوًا. وهو مروي عن ابن عمر، ونافع مولاه، وعامر الشعبي، ومحمد بن سيرين. وهو رواية عن الْإِمَام مالك، ورواية عن أحمد بن حنبل نصرها طائفة من أصحابه المتقدمين والمتأخرين، وهو اختيار أبي ثور، وداود الظاهري، واختار
стр. 2854
ذلك أبو الفتوح محمد بن محمد بن علي الطائي من متأخري الشافعية في كتابه "الأربعين"، واحتجوا لمذهبهم هذا بهذه الآية، وبقوله في آية الصيد: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾. ثم قد أكد في هذه الآية بقوله: ﴿وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ والضمير قيل: عائد على الأكل، وقيل: عائد على الذبح لغير الله -وبالأحاديث الواردة في الْأمر بالتسمية عند الذبيحة والصيد، كحديثي عدي بن حاتم وأبي ثعلبة: "إذا أرسلت كلبك المعلم وذكرت اسم الله عليه فكل ما أمسك عليك". وهما في الصحيحين، وحديث رافع بن خديج. "ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكلوه". وهو في الصحيحين أيضًا، وحديث ابن مسعود أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قال للجن: "لكم كل عظم ذكر اسم الله عليه" رواه مسلم. وحديث جُنْدَب بن سفيان البَجَلي قال: قَالَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ "من ذبح قبل أن يصلي فليذبح مكانها أخرى، ومن لم يكن ذبح حتى صلينا فليذبح باسم الله". أخرجاه. وعن عائشة، ﵂، أن ناساً قالوا: يا رسول الله، إن قوماً يأتوننا باللحم لا ندري: أذكر اسم الله عليه أم لا؟ قال: "سموا عليه أنتم وكلوا". قالت: وكانوا حديثي عهد بالكفر. رواه البخاري. ووجه الدلالة أنهم فهموا أن التسمية لا بد منها، وأنهم خشوا ألا تكون وجدت من أولئك، لحداثة إسلامهم، فأمرهم بالاحتياط بالتسمية عند الأكل، لتكون كالعوض عن المتروكة عند الذبح إن لم تكن وجدت، وأمرهم بإجراء أحكام المسلمين على السداد، والله تعالى أعلم.
стр. 2855
والمذهب الثاني في المسألة: أنه لا يشترط التسمية، بل هي مستحبة، فإن تركت عمدًا أو نسيانًا لم تضر وهذا مذهب الْإِمَام الشافعي، ﵀، وجميع أصحابه، ورواية عن الْإِمَام أحمد. نقلها عنه حنبل. وهو رواية عن الْإِمَام مالك، ونص على ذلك أشهب بن عبد العزيز من أصحابه، وحكي عن ابن عباس، وأبي هريرة، وعطاء بن أبي رباح، والله أعلم.
وحمل الشافعي الآية الكريمة: ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ على ما ذبح لغير الله، كقوله تعالى ﴿أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾.
وَقَالَ ابن جُرَيْج، عن عطاء: ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ قال: ينهى عن ذبائح كانت تذبحها قريش عن الأوثان، وينهى عن ذبائح المجوس، وهذا المسلك الذي طرقه الْإِمَام الشافعي ﵀ قوي، وقد حاول بعض المتأخرين أن يقويه بأن جعل "الواو" في قوله: ﴿وإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ حالية، أي: لا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه في حال كونه فسقًا، ولا يكون فسقاً حتى يكون قد أهل به لغير الله. ثم ادعى أن هذا متعين، ولا يجوز أن تكون "الواو" عاطفة. لأنه يلزم منه عطف جملة اسمية خبرية على جمله فعلية طلبية. وهذا ينتقض عليه بقوله: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ﴾ فإنَّها عاطفة لا محاولة، فإن كانت "الواو" التي ادعى أنها حالية صحيحة على ما قال؛ امتنع عطف هذه عليها، فإن عطفت على الطلبية ورد عليه ما أورد على غيره، وإن لم تكن "الواو" حالية، بطل ما قال من أصله، والله أعلم.
стр. 2856
وَقَالَ ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا يحيى بن المغيرة، أنبأنا جرير، عن عطاء، عن سعيد بن جُبَيْر، عن ابن عباس قوله: ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ قال: هي الميتة.
ثم رواه، عن أبي زُرْعَة، عن يحيى بن أبي كثير عن ابن لَهِيعَة، عن عطاء -وهو ابن السائب -به.
وقد استدل لهذا المذهب بما رواه أبو داود في الْمَرَاسِيْلِ، من حديث ثور بن يزيد، عن الصلت السدوسي -مولى سُوَيْد بن مَنْجوف أحد التابعين الذين ذكرهم أبو حاتم بن حبان في كتاب الثقات -قال: قَالَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ "ذَبِيحَة المسلم حلال ذُكِر اسمُ اللهِ أو لم يُذْكَرْ، إنه إن ذكر لم يذكر إلا اسم الله".
وهذا مرسل يعضد بما رواه الْدَارَقُطْنِي عن ابن عباس أنه قال: إذا ذبح المسلم -ولم يذكر اسم الله فليأكل، فإن المسلم فيه اسم من أسماء الله".
واحتج البيهقي أيضًا بحديث عائشة، ﵂، المتقدم أن ناساً قالوا: يا رسول الله، إن قوماً حديثي عهد بجاهلية يأتونا بلحم لا ندري أذكروا اسم الله عليه أم لا؟ فقال: "سَمّوا أنتم وكُلُوا". قال: فلو كان وجود التسمية شرطاً لم يرخص لهم إلا مع تحققها، والله أعلم.
المذهب الثالث في المسألة: أنَّه إن ترك البسملة على الذبيحة نسياناً لم يضر وإن تركها عمدًا لم تحل.
هذا هو المشهور من مذهب الْإِمَام مالك، وأحمد بن حنبل، وبه يقول أبو حنيفة وأصحابه، وإسحاق بن راهويه: وهو محكي عن علي، وابن عباس، وسعيد
стр. 2857
بن المُسَيَّب، وعَطَاء، وطاووس، والحسن البصري، وأبي مالك، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وجعفر بن محمد، وربيعة بن أبي عبد الرحمن.
ونقل الْإِمَام أبو الحسن المرغيناني في كتابه "الهداية" الإجماع -قبل الشافعي على تحريم متروك التسمية عمداً، فلهذا قال أبو يوسف والمشايخ: لو حكم حاكم بجواز بيعه لم ينفذ لمخالفة الإجماع.
وهذا الذي قاله غريب جدًا، وقد تقدم نقل الخلاف عمن قبل الشافعي، والله أعلم.
وَقَالَ الْإِمَام أبو جعفر بن جرير: من حرم ذبيحة الناسي، فقد خرج من قول جميع الحجة، وخالف الخبر الثابت عن رسول الله ﷺ في ذلك.
يعني ما رواه الحافظ أبو بكر البيهقي: أنبأنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا أبو العباس الأصم، حدثنا أبو أمية الطرسوسي، حدثنا محمد بن يزيد، حدثنا معقل بن عبيد الله، عن عمرو بن دينار، عن عِكْرِمة، عن ابن عباس، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قال: "المسلم يكفيه اسمه، إن نسي أن يسمي حين يذبح، فليذكر اسم الله وليأكله".
وهذا الحديث رفعه خطأ، أخطأ فيه معقل بن عبيد الله الجزيري فإنه وإن كان من رجال مسلم إلا أن سعيد بن منصور، وعبد الله بن الزبير الحميدي روياه عن سفيان بن عيينة، عن عمرو، عن أبي الشعثاء، عن عِكْرِمة، عن ابن عباس، من قوله. فزادا في إسناده "أبا الشعثاء"، ووقفا والله تعالى أعلم. وهذا أصح، نص عليه البيهقي وغيره من الحفاظ.
стр. 2858
وقد نقل ابن جرير وغيره. عن الشعبي، ومحمد بن سيرين، أنهما كرها متروك التسمية نسياناً، والسلف يطلقون الكراهية على التحريم كثيراً، والله أعلم. إلا أن من قاعدة ابن جرير أنَّه لا يعتبر قول الواحد ولا الاثنين مخالفاً لقول الجمهور، فيعده إجماعاً، فليعلم هذا، والله الموفق.
قال ابن جرير: حدثنا ابن وَكِيع، حدثنا أبو أسامة، عن جَهِير بن يزيد قال: سئل الحسن، سأله رجل أتيت بطير كَرًى فمنه ما قد ذبح فذكر اسم الله عليه، ومنه ما نسي أن يذكر اسم الله عليه، واختلط الطير، فقال الحسن: كله، كله. قال: وسألت محمد بن سيرين فقال: قال الله تعالى: ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾.
واحتج لهذا المذهب بالحديث المروي من طرق عند ابن ماجه، عن ابن عباس، وأبي هريرة، وأبي ذر وعقبة بن عامر، وعبد الله بن عمرو، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : "إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان، وما استكرهوا عليه". وفيه نظر، والله أعلم.
وقد روى الحافظ أبو أحمد بن عدي، من حديث مروان بن سالم القرقساني، عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، أرأيت الرجل منا يذبح وينسى أن يسمي؟ فقال النبي ﷺ : "اسم الله على كل مسلم".
ولكن هذا إِسْنَادُهُ ضَعِيْفٌ، فإن مروان بن سالم القرقساني أبا عبد الله الشامي، ضعيف، تكلم فيه غير واحد من الأئمة، والله أعلم.
стр. 2859
وقد أفردت هذه المسألة على حدة، وذكرت مذاهب الأئمة ومآخذهم وأدلتهم، ووجه الدلالات والمناقضات والمعارضات، والله أعلم» اهـ.
قُلْتُ: حمل قول الله تعالى: ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ على ما ذبح لغير الله خلاف ظاهر الآية بل هي أوسع من ذلك فتشمل ما لم يذكر عليه اسم الله، وما ذكر عليه اسم غيره.
وخلاصة ما احتج به من لم يوجب التسمية هي كالآتي:
الحجة الأولى: ما رواه أبو داود في [الْمَرَاسِيْلِ] (٣٥٥) حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دَاوُدَ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ يَزِيدَ، عَنِ الصَّلْتِ، قَالَ: قَالَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ : «ذَبِيحَةُ الْمُسْلِمِ حَلَالٌ، ذَكَرَ اسْمَ اللَّهِ أَوْ لَمْ يَذْكُرْ، إِنَّهُ إِنْ ذَكَرَ لَمْ يَذْكُرْ إِلَّا اسْمَ اللَّهِ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ ضَعِيْفٌ الصلت هو السدوسي مجهول، وقد أرسل الحديث.
الحجة الثانية: ما رواه الْدَارَقُطْنِي (٤٨٠٣)، والبيهقي في [الْكُبْرَى] (١٨٦٧٣)
مِنْ طَرِيْقِ مَرْوَانَ بْنِ سَالِمٍ، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: سَأَلَ رَجُلٌ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ الرَّجُلَ مِنَّا يَذْبَحُ وَيَنْسَى أَنْ يُسَمِّيَ اللَّهَ؟، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «اسْمُ اللَّهِ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ شَدِيْدُ الْضَّعْفِ مروان بن سالم هو الغفاري متروك الحديث.
الحجة الثالثة: ما رواه الْدَارَقُطْنِي (٤٨٠٨)، والبيهقي في [الْكُبْرَى] (١٨٦٦٩) مِنْ طَرِيْقِ أَبِي حَاتِمٍ الرَّازِيُّ، نا مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ، نا مَعْقِلٌ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ
стр. 2860
عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أّنَّ الْنَّبِيَّ ﷺ ، قَالَ: «الْمُسْلِمُ يَكْفِيهِ اسْمُهُ فَإِنْ نَسِيَ أَنْ يُسَمِّيَ حِينَ يَذْبَحُ فَلْيُسَمِّ وَلْيَذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ ثُمَّ لِيَأْكُلْ».
قُلْتُ: محمد بن يزيد هو ابن سنان ضعيف الحديث. والصحيح في الحديث الوقف على ابن عباس كما روى ذلك سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار أخرج حديثه عبد الرزاق في [مُصَنَفِه] (٨٥٤٨)، والبيهقي في [الْكُبْرَى] (١٨٦٧٠، ١٨٦٧١)، وفي [الْمَعْرِفَة] (٥٥٩٦).
وروى ذلك أيضاً عطاء عن ابن عباس أخرج ذلك البيهقي في [الْكُبْرَى] (١٨٦٧٢).
الحجة الرابعة: ما رواه الحارث بن أبي أسامة كما في [بُغْيَةِ الْبَاحِثِ عَنْ زَوَائِدِ مُسْنَدِ الْحَارِثِ] (٤١٠) للهيثمي
حَدَّثَنَا الْحَكَمُ بْنُ مُوسَى، ثنا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، عَنِ الْأَحْوَصِ بْنِ حَكِيمٍ، عَنْ رَاشِدِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: قَالَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ : «ذَبِيحَةُ الْمُسْلِمِ حَلَالٌ وَإِنْ لَمْ يُسَمِّ مَا لَمْ يَتَعَمَّدْ، وَالصَّيْدُ كَذَلِكَ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ ضَعِيْفٌ فيه علتان:
الأولى: ضعف الأحوص بن حكيم.
والأخرى: الإرسال.
ولا يتقوى بمرسل الصلت لأنَّه يخشى أن يكون مخرجهما واحد. والله أعلم.
стр. 2861
وأمَّا الأدلة الواردة الدالة على عدم المؤاخذة بالنسيان فهي محمولة على سقوط الإثم ولا يلزم من ذلك صحة العمل؛ فإنَّ من نسي فصلى صلاة من غير وضوء مثلاً فلا إثم عليه مع فساد الصلاة. والله أعلم.
وقد نصرَّ القول بوجوب التسمية على الذبيحة مطلقاً شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ فقال كما في [مَجْمُوعِ الْفَتَاوَى] (٣٥/ ٢٣٩ - ٢٤٠):
«والتسمية على الذبيحة مشروعة؛ لكن قيل: هي مستحبة كقول الشافعي. وقيل: واجبة مع العمد وتسقط مع السهو كقول أبي حنيفة ومالك وأحمد في المشهور عنه. وقيل: تجب مطلقاً؛ فلا تؤكل الذبيحة بدونها سواء تركها عمداً أو سهواً كالرواية الأخرى عن أحمد اختارها أبو الخطاب وغيره وهو قول غير واحد من السلف. وهذا أظهر الأقوال؛ فإنَّ الكتاب والسنة قد علق الحل بذكر اسم الله في غير موضع كقوله: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ وقوله ﴿فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ ﴿وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ وفي الصحيحين أنَّه قال: "ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكلوا" وفي الصحيح أنه قال لعدي: "إذا أرسلت كلبك المعلم وذكرت اسم الله فقتل فكل وإن خالط كلبك كلاب آخر فلا تأكل؛ فإنك إنما سميت على كلبك ولم تسم على غيره".
وثبت في الصحيح أن الجن سألوه الزاد لهم ولدوابهم فقال: "لكم كل عظم ذكر اسم الله عليه أوفر ما يكون لحماً وكل بعرة علفاً لدوابكم" قال النبي ﷺ "فلا تستنجوا بهما؛ فإنهما زاد إخوانكم من الجن" فهو صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
стр. 2862
وَسَلَّمَ لم يبح للجن المؤمنين إلَّا ما ذكر اسم الله عليه؛ فكيف بالإنس؛ ولكن إذا وجد الإنسان لحماً قد ذبحه غيره جاز له أن يأكل منه ويذكر اسم الله عليه؛ لحمل أمر الناس على الصحة والسلامة كما ثبت في الصحيح "أن قوماً قالوا يا رسول الله إن ناساً حديثي عهد بالإسلام يأتون باللحم ولا ندري أذكروا اسم الله عليه أم لم يذكروا؟ فقال: سموا أنتم وكلوا"» اهـ.
٥ - وفي الحديث ما يدل أن التسمية على الذبيحة يقتصر فيها على قوله: بسم الله. ولا يضيف إلى ذلك الرحمن الرحيم.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كما في [الْاخْتِيَارَاتِ الْفِقْهِيَّةِ] (٥٦١) للبعلي:
«وإذا قال عند الأكل: بسم الله الرحمن الرحيم كان حسناً فإنَّه أكمل بخلاف الذبح فإنَّه قد قيل: إنَّ ذلك لا يناسب» اهـ.
قُلْتُ: وأمَّا زيادة الرحمن الرحيم في التسمية عند الأكل فقد قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٩/ ٥٢١):
«المراد بالتسمية على الطعام قول: بسم الله في ابتداء الأكل وأصرح ما ورد في صفة التسمية ما أخرجه أبو داود والترمذي مِنْ طَرِيْقِ أم كلثوم عن عائشة مرفوعاً: "إذا أكل أحدكم طعاماً فليقل بسم الله فإن نسي في أوله فليقل بسم الله في أوله وآخره" وله شاهد من حديث أمية بن مخشي عند أبي داود والنسائي. وأمَّا قول النووي في أدب الأكل من الأذكار صفة التسمية من أهم ما ينبغي معرفته والأفضل أن يقول بسم الله الرحمن الرحيم فإن قال بسم الله كفاه وحصلت
стр. 2863
السنة فلم أر لما ادعاه من الأفضلية دليلاً خاصاً، وأمَّا ما ذكره الغزالي في آداب الأكل من "الأحياء" أنَّه لو قال في كل لقمة بسم الله كان حسناً وأنَّه يستحب أن يقول مع الأولى بسم الله ومع الثانية بسم الله الرحمن ومع الثالثة بسم الله الرحمن الرحيم فلم أر لاستحباب ذلك دليلاً والتكرار قد بين هو وجهة بقوله حتى لا يشغله الأكل عن ذكر الله» اهـ.
قُلْتُ: حديث عائشة رواه أحمد (٢٥١٤٩، ٢٥٧٧٤، ٢٦١٣١، ٢٦٣٣٥)، وأبو داود (٣٧٦٩)، والترمذي (١٨٥٨) مِنْ طَرِيْقِ هِشَامٍ يَعْنِي ابْنَ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الدَّسْتُوَائِيَّ، عَنْ بُدَيْلٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدٍ، عَنْ - امْرَأَةٍ، مِنْهُمْ يُقَالُ لَهَا - أُمُّ كُلْثُومٍ عَنْ عَائِشَةَ ﵂، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِذَا أَكَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ تَعَالَى، فَإِنْ نَسِيَ أَنْ يَذْكُرَ اسْمَ اللَّهِ تَعَالَى فِي أَوَّلِهِ فَلْيَقُلْ بِسْمِ اللَّهِ أَوَّلَهُ وَآخِرَهُ».
قُلْتُ: هَذَا إِسْنَادٌ ضَعِيْفٌ لجهالة أم كلثوم.
ورواه ابن ماجه (٣٢٦٤) وليس فيه ذكر لأم كلثوم والصواب إثباتها.
ورواه أبو يعلى (٧١٥٣) حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْحَجَّاجِ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ بُدَيْلِ بْنِ مَيْسَرَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ، عَنِ امْرَأَةٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أُتِيَ بِوَطْبَةٍ فَأَخَذَهَا أَعْرَابِيٌّ بِثَلَاثِ لُقَمٍ، فَقَالَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ : «أَمَا إِنَّهُ لَوْ قَالَ: بِسْمِ اللَّهِ لَوَسِعَكُمْ»، وَقَالَ: «إِذَا نَسِيَ أَحَدُكُمُ اسْمَ اللَّهِ عَلَى طَعَامِهِ فَلْيَقُلْ إِذَا ذَكَرَ: بِسْمِ اللَّهِ، أَوَّلَهُ وَآخِرَهُ».
قُلْتُ: أخشى أن يكون هذا من أوهام إبراهيم بن الحجاج، والمحفوظ ما سبق.
стр. 2864
فقد روى الحديث وكيع، ويزيد بن هارون، وأبو داود الطيالسي، وإسماعيل بن علية، وروح بن عبادة، وعبد الوهاب بن عطاء الخفاف، وغيرهم عن هشام الدستوائي وجعلوا الحديث من مسند عائشة.
قُلْتُ: وله شاهد من حديث أمية بن مخشي.
روى حديثه أحمد (١٨٩٨٣)، وأبو داود (٣٧٧٠)، والنسائي في [الْكُبْرَى] (٦٧٥٨، ١٠١١٣) مِنْ طَرِيْقِ جَابِرِ بْنِ صُبْحٍ، حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْخُزَاعِيُّ، عَنْ عَمِّهِ أُمَيَّةَ بْنِ مَخْشِيٍّ - وَكَانَ مَنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ جَالِسًا وَرَجُلٌ يَأْكُلُ فَلَمْ يُسَمِّ حَتَّى لَمْ يَبْقَ مِنْ طَعَامِهِ إِلَّا لُقْمَةٌ فَلَمَّا رَفَعَهَا إِلَى فِيهِ قَالَ: بِسْمِ اللَّهِ أَوَّلَهُ وَآخِرَهُ، فَضَحِكَ النَّبِيُّ ﷺ ثُمَّ قَالَ: «مَا زَالَ الشَّيْطَانُ يَأْكُلُ مَعَهُ، فَلَمَّا ذَكَرَ اسْمَ اللَّهِ اسْتَقَاءَ مَا فِي بَطْنِهِ».
قُلْتُ: المثنى بن عبد الرحمن الخزاعي مجهول.
وله شاهد آخر من حديث ابن مسعود ﵁.
رواه ابن حبان في [صَحِيْحِهِ] (٥٢١٣)، والطبراني في [الْكَبِيْر] (١٠٢٠٠)، و [الْأَوْسَطِ] (٤٥٧٦)، و [الْدُعَاء] (٨٨٩)، وابن السني في [الْيَومِ وَاللَّيْلَةِ] (٤٥٨) مِنْ طَرِيْقِ خَلِيفَةَ بْنِ خَيَّاطٍ الْعُصْفُرِيُّ قَالَ: نَا عُمَرُ بْنُ عَلِيٍّ الْمُقَدَّمِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي مُوسَى الْجُهَنِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي الْقَاسِمُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، أّنَّ الْنَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَنْ نَسِيَ أَنْ يَذْكُرَ اسْمَ اللَّهِ فِي أَوَّلِ طَعَامِهِ
стр. 2865
فَلْيَقُلْ حِينَ يَذْكُرُ: بِسْمِ اللَّهِ فِي أَوَّلِهِ وَآخِرِهِ؛ فَإِنَّهُ يَسْتَقْبِلُ طَعَامًا جَدِيدًا، وَيَمْنَعُ الْخَبِيثَ مَا كَانَ يُصِيبُ مِنْهُ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ حَسَنٌ رجاله كلهم ثقات غير خليفة بن خياط وهو حسن الحديث.
* * *
стр. 2866
١٤١ - عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: «شَهِدْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ الْعِيدِ. فَبَدَأَ بِالصَّلاةِ قَبْلَ الْخُطْبَةِ، بِلا أَذَانٍ وَلا إقَامَةٍ. ثُمَّ قَامَ مُتَوَكِّئًا عَلَى بِلالٍ، فَأَمَرَ بِتَقْوَى اللَّهِ تَعَالَى، وَحَثَّ عَلَى طَاعَتِهِ، وَوَعَظَ النَّاسَ وَذَكَّرَهُمْ، ثُمَّ مَضَى حَتَّى أَتَى النِّسَاءَ فَوَعَظَهُنَّ وَذَكَّرَهُنَّ، وَقَالَ: "يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ، تَصَدَّقْنَ. فَإِنَّكُنَّ أَكْثَرُ حَطَبِ جَهَنَّمَ"، فَقَامَتْ امْرَأَةٌ مِنْ سِطَةِ النِّسَاءِ، سَفْعَاءُ الْخَدَّيْنِ فَقَالَتْ: لِمَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ: "لأَنَّكُنَّ تُكْثِرْنَ الشَّكَاةَ، وَتَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ". قَالَ: فَجَعَلْنَ يَتَصَدَّقْنَ مِنْ حُلِيِّهِنَّ يُلْقِينَ فِي ثَوْبِ بِلالٍ مِنْ أَقْرَاطِهِنَّ وَخَوَاتِيمِهِنَّ».
وفي الحديث مسائل منها:
١ - تقديم الصلاة على الخطبة في العيد.
٢ - أنَّه ليس في العيد أذان ولا إقامة.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ في [فَتْحِ الْبَارِي] (٦/ ٩٤ - ٩٥):
«ولا خلاف بين أهل العلم في هذا، وأّنَّ الْنَّبِيَّ ﷺ وأبا بكر وعمر كانوا يصلون العيد بغير أذان ولا إقامة.
قال مالك: تلك السنة التي لا اختلاف فيها عندنا. واتفق العلماء على أنَّ الأذان والإقامة للعيدين بدعة ومحدث.
وممن قال: إنَّه بدعة: عبد الرحمن بن أبزى والشعبي والحكم. وَقَالَ ابن سيرين: وهو محدث.
стр. 2867
وَقَالَ سعيد بن المسيب والزهري: أول من أحدث الأذان في الْعِيْدَيْنِ معاوية. وَقَالَ ابن سيرين: أول من أحدثه آل مروان.
وعن الشعبي، قال: أول من أحدثه بالكوفة ابن دراج، وكان المغيرة بن شعبة استخلفه. وَقَالَ حصين: أول من أذن في الْعِيْدَيْنِ زياد.
وروى ابن أبي شيبة: نا يحيى بن سعيد، عن ابن جريج، عن عطاء بن يسار، أنَّ ابن الزبير سأل ابن عباس - وكان الذي بينهما حسناً يومئذ - فقال: لا تؤذن ولا تقم، فلما ساء الذي بينهما أذن وأقام.
وَقَالَ الشافعي: قال الزهري: وكان النبي ﷺ يأمر في الْعِيْدَيْنِ المؤذن فيقول: الصلاة جامعة.
واستحب ذلك الشافعي وأصحابنا. واستدلوا بمرسل الزهري، وهو ضعيف، وبالقياس على صلاة الكسوف؛ فإنَّ الْنَّبِيَّ ﷺ صح عنه أنَّه أرسل منادياً ينادي: الصَّلاة جامعة.
وقد يفرق بين الكسوف والعيد، بأنَّ الكسوف لم يكن الناس مجتمعين لهُ، بل كانوا متفرقين في بيوتهم وأسواقهم، فنودوا لذلك، وأمَّا العيد، فالناس كلهم مجتمعون له قبل خروج الْإِمَام» اهـ.
قُلْتُ: الذي يظهر لي أنَّ أول من أحدث الأذان للعيدين معاوية ﵁ لما رواه ابن أبي شيبة في [مُصَنَفِه] (٥٧١٢، ٣٦٩٠٥) حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ ابْنِ الْمُسَيِّبِ، قَالَ: «أَوَّلُ مَنْ أَحْدَثَ الْأَذَانَ فِي الْعِيدَيْنِ مُعَاوِيَةُ».
قُلْتُ: هَذَا أَثَرٌ صَحِيْحٌ.
стр. 2868
وأمَّا ما رواه ابن أبي شيبة في [مُصَنَفِه] (٣٦٩٠٦) حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا أَبِي عَاصِمُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، قَالَ: «أَوَّلُ مَنْ أَحْدَثَ الْأَذَانَ فِي الْعِيدَيْنِ ابْنُ الزُّبَيْرِ».
وهكذا ما رواه ابن أبي شيبة في [مُصَنَفِه] (٣٧١٤٥) عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ، عَنْ مُحَمَّدٍ، قَالَ: «أَوَّلُ مَنْ أَحْدَثَ الْأَذَانَ فِي الْفِطْرِ وَالْأَضْحَى مَرْوَانُ».
وهكذا ما رواه ابن أبي شيبة في [مُصَنَفِه] (٥٧١٦) حَدَّثَنَا ابْنُ إِدْرِيسَ، عَنْ حُصَيْنٍ، قَالَ: «أَوَّلُ مَنْ أَذَّنَ فِي الْعِيدِ زِيَادٌ».
فكل واحد أخبر عمَّا بلغه علمه من ذلك، وكلام سعيد بن المسيب مقدم عليهم لما فيه من زيادة علم.
٣ - الاعتماد عند الخطبة على شيء ومن ذلك الاتكاء على بعض الناس.
٤ - وفيه استحباب أمر الناس بتقوى الله ووعظهم وتذكيرهم بما يحتاجون إليه.
٥ - جاء عند البخاري (٩٦١) بلفظ: «فَلَمَّا فَرَغَ نَزَلَ، فَأَتَى النِّسَاءَ، فَذَكَّرَهُنَّ وَهُوَ يَتَوَكَّأُ عَلَى يَدِ بِلَالٍ». فإنَّ النزول يكون من علو.
قُلْتُ: فيستحب أن يخطب الخطيب على شيء مرتفع لدلالة هذا الحديث على ذلك فإنَّ النزول يكون من علو.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (١/ ٤٤٧):
стр. 2869
«فلعله ﷺ كان يقوم في المصلى على مكان مرتفع، أو دكان وهي التي تسمى مصطبة، ثم ينحدر منه إلى النساء، فيقف عليهن، فيخطبهن، فيعظهن، ويذكرهن. والله أعلم» اهـ.
قُلْتُ: ولم يكن للنبي صلى منبر يقوم عليه في خطبة العيد ويدل على ذلك:
ما رواه البخاري (٩٥٦) عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَخْرُجُ يَوْمَ الفِطْرِ وَالأَضْحَى إِلَى المُصَلَّى، فَأَوَّلُ شَيْءٍ يَبْدَأُ بِهِ الصَّلَاةُ، ثُمَّ يَنْصَرِفُ، فَيَقُومُ مُقَابِلَ النَّاسِ، وَالنَّاسُ جُلُوسٌ عَلَى صُفُوفِهِمْ فَيَعِظُهُمْ، وَيُوصِيهِمْ، وَيَأْمُرُهُمْ، فَإِنْ كَانَ يُرِيدُ أَنْ يَقْطَعَ بَعْثًا قَطَعَهُ، أَوْ يَأْمُرَ بِشَيْءٍ أَمَرَ بِهِ، ثُمَّ يَنْصَرِفُ. قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: فَلَمْ يَزَلِ النَّاسُ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى خَرَجْتُ مَعَ مَرْوَانَ - وَهُوَ أَمِيرُ المَدِينَةِ - فِي أَضْحًى أَوْ فِطْرٍ، فَلَمَّا أَتَيْنَا المُصَلَّى إِذَا مِنْبَرٌ بَنَاهُ كَثِيرُ بْنُ الصَّلْتِ، فَإِذَا مَرْوَانُ يُرِيدُ أَنْ يَرْتَقِيَهُ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ، فَجَبَذْتُ بِثَوْبِهِ، فَجَبَذَنِي، فَارْتَفَعَ، فَخَطَبَ قَبْلَ الصَّلَاةِ، فَقُلْتُ لَهُ: غَيَّرْتُمْ وَاللَّهِ، فَقَالَ أَبَا سَعِيدٍ: قَدْ ذَهَبَ مَا تَعْلَمُ، فَقُلْتُ: مَا أَعْلَمُ وَاللَّهِ خَيْرٌ مِمَّا لَا أَعْلَمُ، فَقَالَ: إِنَّ النَّاسَ لَمْ يَكُونُوا يَجْلِسُونَ لَنَا بَعْدَ الصَّلَاةِ، فَجَعَلْتُهَا قَبْلَ الصَّلَاةِ».
وفي رواية مسلم (٨٨٩): « … حَتَّى أَتَيْنَا الْمُصَلَّى، فَإِذَا كَثِيرُ بْنُ الصَّلْتِ قَدْ بَنَى مِنْبَرًا مِنْ طِينٍ وَلَبِنٍ … ».
قُلْتُ: لكن قد صح عنه الخطبة على الراحلة كما روى أبو يعلى (١١٨٢)، وابن خزيمة (١٤٤٥)، وابن حبان (٢٨٢٥) مِنْ طَرِيْقِ أَبِي خَيْثَمَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ قَالَ: حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ قَيْسٍ، عَنْ عِيَاضُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَطَبَ يَوْمَ الْعِيدِ عَلَى رَاحِلَتِهِ».
стр. 2870
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ. وقد سبق الكلام على هذا الحديث وذكر شواهده في أول أحاديث الباب.
٦ - ويدل الحديث على استحباب أن يخطب الْإِمَام للنساء خطبة أخرى إذا لم يسمعنَّ خطبة الرجال أو إذا أراد أن يعظهن بما يخصهن ويحتجن إليه وقد قال ابن جريج بعد روايته للحديث كما في الصحيحين: «قُلْتُ لِعَطَاءٍ: زَكَاةَ يَوْمِ الفِطْرِ، قَالَ: لَا، وَلَكِنْ صَدَقَةً يَتَصَدَّقْنَ حِينَئِذٍ، تُلْقِي فَتَخَهَا، وَيُلْقِينَ، قُلْتُ: أَتُرَى حَقًّا عَلَى الإِمَامِ ذَلِكَ، وَيُذَكِّرُهُنَّ؟ قَالَ: إِنَّهُ لَحَقٌّ عَلَيْهِمْ، وَمَا لَهُمْ لَا يَفْعَلُونَهُ».
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ في [فَتْحِ الْبَارِي] (٦/ ٩٦):
«وفي الحديث: أنَّ الْإِمَام إذا رأى أنَّه لم يسمع الموعظة النساء، فإنَّه يأتيهنَّ بعد فراغه من موعظة الرجال، فيعظهن ويذكرهن.
وقد قال عطاء: إنَّ ذلك حق عليهِ. ولعله أراد أنَّه مندوب إليه، متأكد الندب.
قال طائفة من أصحاب الشافعي: إذا علم الْإِمَام أنَّ قوماً فاتهم سماع الخطبة استحب أن يعيد لهم الخطبة، سواء كانوا رجالاً أو نساءً، واستدلوا بهذا الحديث» اهـ.
وروى البخاري (١٤٤٩)، ومسلم (٨٨٤) عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: «أَشْهَدُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَصَلَّى قَبْلَ الخُطْبَةِ، فَرَأَى أَنَّهُ لَمْ يُسْمِعِ النِّسَاءَ، فَأَتَاهُنَّ وَمَعَهُ بِلَالٌ نَاشِرَ ثَوْبِهِ، فَوَعَظَهُنَّ، وَأَمَرَهُنَّ أَنْ يَتَصَدَّقْنَ»، فَجَعَلَتِ المَرْأَةُ تُلْقِي وَأَشَارَ أَيُّوبُ إِلَى أُذُنِهِ وَإِلَى حَلْقِهِ.
стр. 2871
ولفظ مسلم «أَشْهَدُ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ لَصَلَّى قَبْلَ الْخُطْبَةِ»، قَالَ: «ثُمَّ خَطَبَ، فَرَأَى أَنَّهُ لَمْ يُسْمِعِ النِّسَاءَ، فَأَتَاهُنَّ، فَذَكَّرَهُنَّ، وَوَعَظَهُنَّ، وَأَمَرَهُنَّ بِالصَّدَقَةِ، وَبِلَالٌ قَائِلٌ بِثَوْبِهِ، فَجَعَلَتِ الْمَرْأَةُ تُلْقِي الْخَاتَمَ، وَالْخُرْصَ، وَالشَّيْءَ».
وجاء أنَّه أتى النساء بعد ثلاث.
فروى إسحاق بن راهويه في [مُسْنَدِهِ] (٩١٧) أخبرنا سليمان بن حرب، حَدَّثَنا حماد بن زيد، عَنْ أيوب قال: سمعت عطاء يقول: سمعت ابن عَبَّاس يقول: «أشهد على رسول الله ﷺ ، أَوْ قال: أشهد على ابن عَبَّاس أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خرج في يوم عيد فصلى، ثُم خطب فظن أنه لم يسمع النساء فأتاهن بعد ثلاث ومعه بلال فوعظهن وحثهن على الصدقة فجعلت المرأة تلقى بالقرط وبالخاتم ويأخذ بلال ذلك يجمعه في ثوبه».
قُلْتُ: هَذَا الْإِسْنَادُ ظَاهِرُهُ الْصِّحَةُ وحماد بن زيد من أثبت أصحاب أيوب.
وقد خالفه في ذلك إسماعيل بن علية، وسفيان الثوري، ومعمر، وعبد الوارث، وعاصم بن هلال، وعبد الأعلى بن حماد، ووهيب بن خالد.
واختلف فيه عن حماد فرواه سليمان بن حرب عنه كما مضى، ورواه عنه مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ حِسَابٍ ولم يذكر هذه الزيادة، وروى حديثه الفريابي في [أَحْكَامِ الْعِيْدَيْنِ] (ص ١٣٢).
فالذي يظهر لي أنَّ هذه الزيادة شاذة، والله أعلم.
وسئل الْعَلَّامَةُ ابْنُ عُثَيْمِيْن ﵀ كما في [مَجْمُوْعِ فَتَاوِى وَرَسَائِل ابْنِ عُثَيْمِيْن] (١٦/ ١٥١):
стр. 2872
«هل للعيد خطبة أم خطبتان؟ أفيدونا مأجورين؟.
فأجاب فضيلته بقوله: السنة أن تكون للعيد خطبة واحدة، وإن جعلها خطبتين فلا حرج؛ لأنه قد روي ذلك عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، ولكن لا ينبغي أن يهمل عظة النساء الخاصة بهنَّ؛ لأّنَّ الْنَّبِيَّ ﵊ وعظهن.
فإن كان يتكلم من مكبر تسمعه النساء فليخصص آخر الخطبة بموعظة خاصة للنساء، وإن كان لا يخطب بمكبر وكان النساء لا يسمعن فإنه يذهب إليهن، ومعه رجل أو رجلان يتكلم معهن بما تيسر» اهـ.
٧ - وفيه استحباب حث الناس على الصدقة في خطبة العيد لا سيما النساء.
٨ - وفيه أنَّ أكثر أهل النار النساء لكثرة الشكاة، وكفران العشير وهو الزوج.
٩ - وفيه تحذير النساء من هاتين الصفتين المذمومتين كثرة الشكاة، وكفران العشير.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٣/ ٢٧٨):
«قوله ﷺ : "تكثرن الشكاة" هو بفتح الشين أي الشكوى.
قوله ﷺ : "وتكفرن العشير"
قال أهل اللغة: يقال: هو العشير المعاشر والمخالط، وحمله الأكثرون هنا على الزوج. وَقَالَ آخرون: هو كل مخالط. قال الخليل: يقال: هو العشير والشعير على القلب ومعنى الحديث أنَّهنَّ يجحدن الإحسان لضعف عقلهن وقلة معرفتهن» اهـ.
وَقَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (١/ ١٤٠):
стр. 2873
«وَقَوله: "يكثرن الشكاة"، وَقَول بن الزبير: وَتلك شكاة ظَاهر عَنْك عارها وَيُرَاد بالشكاة الذَّم وَالْعَيْب» اهـ.
وجاء في البخاري (٣٠٤) من حديث أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، وفي مسلم (٧٩) عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «تُكْثِرْنَ اللَّعْنَ، وَتَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ».
١٠ - ويستدل به على ذم من يجحد إحسان ذي إحسان. قاله النووي.
١١ - وفيه عظيم حق الزوج على زوجه.
وقد روى الترمذي (١١٥٩) حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ قَالَ: حَدَّثَنَا النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَوْ كُنْتُ آمِرًا أَحَدًا أَنْ يَسْجُدَ لِأَحَدٍ لَأَمَرْتُ المَرْأَةَ أَنْ تَسْجُدَ لِزَوْجِهَا». وَفِي البَاب عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، وَسُرَاقَةَ بْنِ مَالِكِ بْنِ جُعْشُمٍ، وَعَائِشَةَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى، وَطَلْقِ بْنِ عَلِيٍّ، وَأُمِّ سَلَمَةَ، وَأَنَسٍ، وَابْنِ عُمَرَ.: «حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الوَجْهِ مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ» اهـ.
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ حَسَنٌ. وقد جاء عن جمع من الصحابة.
١٢ - وفي قوله: «وَتَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ». ما يدل على أنَّ الكفر يأتي والمراد به الكفر الأصغر الذي لا يخرج من الإسلام.
١٣ - وفيه أنَّ الصدقة من أسباب النجاة من النار.
١٤ - وفيه خروج النساء لصلاة العيد.
١٥ - وفيه اعتزال النساء للرجال في صلاة العيد.
стр. 2874
١٦ - واحتج بقوله: «فَقَامَتْ امْرَأَةٌ مِنْ سِطَةِ النِّسَاءِ، سَفْعَاءُ الْخَدَّيْنِ». من قال بجواز كشف المرأة لوجهها.
قُلْتُ: قَالَ ابْنُ مَنْظُوْرٍ ﵀ في [لِسَانِ الْعَرَبِ] (٨/ ١٥٦)
«السُّفْعةُ والسَّفَعُ السَّوادُ والشُّحُوبُ وقيل نَوْع من السَّواد ليس بالكثير وقيل السواد مع لون آخر وقيل السواد المُشْرَبُ حُمْرة» اهـ.
وقوله: «مِنْ سِطَةِ النِّسَاءِ». قيل من خيارهن، وقيل: قاعدة في وسطهن.
قُلْتُ: روى الحديث بهذا اللفظ مسلم (٨٨٥) فقال: وحدثنا محمد بن عبد الله بن نمير حدثنا أبي حدثنا عبد الملك بن أبي سليمان عن عطاء عن جابر بن عبد الله وذكره.
وبهذا اللفظ رواه أيضاً ابن خزيمة (١٤٦٠) مِنْ طَرِيْقِ محمد بن بشر عن عبد الملك بن أبي سليمان به.
وقد جاء الحديث بلفظ: «مِنْ سَفَلَةِ النِّسَاءِ». أخرجه أحمد (١٤٤٦٠)، والنسائي (١٥٧٥) مِنْ طَرِيْقِ يحيى بن سعيد عن عبد الملك بن أبي سليمان عن عطاء عن جابر به.
ورواه الدارمي (١٦١٠)، والفريابي في [الْعِيْدَيْنِ] (٨٧) مِنْ طَرِيْقِ يعلى بن عبيد ثنا عبد الملك عن عطاء عن جابر به.
ورواه البيهقي في [الْكُبْرَى] (٥٩٩٣) مِنْ طَرِيْقِ إسحاق بن يوسف الأزرق ثنا عبد الملك عن عطاء ثنا جابر بن عبد الله به.
ورواه البيهقي في [الْكُبْرَى] (٦٠١٤)، و [الْصُغْرَى] (٥١٥) أيضاً مِنْ طَرِيْقِ يزيد بن هارون أنبأ عبد الملك بن أبي سليمان عن عطاء عن جابر بن عبد الله به.
ورواه الفريابي في [الْعِيْدَيْنِ] (٨٦) مِنْ طَرِيْقِ جرير بن عبد الحميد، عن عبد الملك، عن عطاء، قال: أخبرني جابر بن عبد الله به.
стр. 2875
قُلْتُ: أكثر الرواة عن عبد الملك رووا الحديث بلفظ: «مِنْ سَفَلَةِ النِّسَاءِ». وهذا هو الذي يظهر لي أنَّه المحفوظ في حديث جابر. والله أعلم.
قُلْتُ: ولا حجة في هذا الحديث على جواز كشف الوجه للمرأة لوجوه منها:
الأول: لعل ذلك كان قبل نزول آية الحجاب، والقول بأنَّ هذا كان بعد آية الحجاب احتجاجاً بحديث أُمِّ عَطِيَّةَ، قَالَتْ: أُمِرْنَا أَنْ نُخْرِجَ الحُيَّضَ يَوْمَ العِيدَيْنِ، وَذَوَاتِ الخُدُورِ فَيَشْهَدْنَ جَمَاعَةَ المُسْلِمِينَ، وَدَعْوَتَهُمْ وَيَعْتَزِلُ الحُيَّضُ عَنْ مُصَلَّاهُنَّ، قَالَتِ امْرَأَةٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِحْدَانَا لَيْسَ لَهَا جِلْبَابٌ؟ قَالَ: «لِتُلْبِسْهَا صَاحِبَتُهَا مِنْ جِلْبَابِهَا». رواه البخاري (٣٥١)، ومسلم (٨٩٠) فليس بصريح لأنَّه ليس هناك ما يدل أنَّ هذا كان أول ما فرضت صلاة العيد، فلعل حديث جابر كان في عيد متقدم على هذا. والله أعلم.
الوجه الثاني: لعلَّ هذه المرأة كانت من القواعد من النساء وقد قال الله فيهن: ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [النور/ ٦٠].
الوجه الثالث: لعلَّ هذه المرأة كانت من الإماء، والإماء لا يجب عليهن ذلك.
следующие страницы →