Полный текст (8 095 стр.). Показаны 2906–2945 · переход к 2911.
стр. 2906
من ابن معين فقد روى الخطيب ﵀ في [الْكِفَايَةِ] ص (٢٢) بإسناده إلى أحمد بن أبي خيثمة قال: «قلت ليحيى بن معين: إنَّك تقول: فلان ليس به بأس وفلان ضعيف.
قال: إذا قُلْتُ: ليس به بأس فهو ثقة، وإذا قلت لك هو ضعيف فليس بثقة ولا يكتب حديثه» اهـ.
قُلْتُ: وهذا يدل على أن ابن معين يستعمل كلمة "ضعيف" في الضعف الشديد.
وآباؤه لم يعدلهم معتبر فهم في حيز الجهالة عدا سعد القرظ فهو صحابي معروف.
ومنها: ما رواه ابن ماجه (١٢٩٥) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْعُمَرِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ:
«كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَخْرُجُ إِلَى الْعِيدِ مَاشِيًا، وَيَرْجِعُ مَاشِيًا».
قُلْتُ: وَهَذَا الْحَدِيْثُ أَيْضاً شَدِيْدُ الْضَّعْفِ عبد الرحمن بن عبد الله العمري متروك الحديث، وأبوه ضعيف الحديث.
ومنها: ما رواه الترمذي (٥٣٠)، وابن ماجه (١٢٩٦) مِنْ طَرِيْقِ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ الحَارِثِ، عَنْ عَلِيٍّ، قَالَ: «مِنَ السُّنَّةِ أَنْ تَخْرُجَ إِلَى العِيدِ مَاشِيًا، وَأَنْ تَأْكُلَ شَيْئًا قَبْلَ أَنْ تَخْرُجَ».
قُلْتُ: فيه الحارث الأعور وهو كذاب كذبه غير واحد من علماء الحديث.
стр. 2907
ومنها: ما رواه ابن ماجه (١٢٩٧، ١٣٠٠) مِنْ طَرِيْقِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ: حَدَّثَنَا مِنْدَلٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي رَافِعٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَأْتِي الْعِيدَ مَاشِيًا».
قُلْتُ: وَهَذَا الْحَدِيْثُ أَيْضاً شَدِيْدُ الْضَّعْفِ مندل ضعيف الحديث، ومحمد بن عبيد الله بن أبي رافع متروك الحديث.
ومنها: ما رواه البزار في [مُسْنَدِه] (١١١٥) حَدَّثَنَا عَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْبَاكِسَّائِي، قَالَ: نا الْحَسَنُ بْنُ بِشْرٍ، قَالَ: نا الْمُعَافَى بْنُ عِمْرَانَ، عَنْ خَالِدِ بْنِ إِلْيَاسَ، عَنْ مُهَاجِرِ بْنِ مِسْمَارٍ، عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ، «أّنَّ الْنَّبِيَّ ﷺ : كَانَ يَخْرُجُ إِلَى الْعِيدِ مَاشِيًا وَيَرْجِعُ مَاشِيًا فِي طَرِيقٍ غَيْرَ الطَّرِيقِ الَّذِي خَرَجَ فِيهِ».
قُلْتُ: وَهَذَا الْحَدِيْثُ أَيْضاً شَدِيْدُ الْضَّعْفِ خالد بن إلياس متروك الحديث.
ومنها: قول الشافعي ﵀ في [الْأُم] (١/ ٢٣٣)، ومن طريقه رواه البيهقي في [الْمَعْرِفَة] (١٩٠٢):
بَلَغَنَا أَنَّ الزُّهْرِيَّ قَالَ: «مَا رَكِبَ النَّبِيُّ ﷺ فِي عِيدٍ وَلَا جِنَازَةٍ قَطُّ».
قُلْتُ: وهذا مما لا يعتمد عليه فلم يذكر الشافعي من حدثه عن الزهري، ولم يصله الزهري أيضاً.
ورواه الفريابي في [أَحْكَامِ الْعِيْدَيْنِ] (٢٥) ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ الْحِمْصِيُّ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ، ثنا الزُّبَيْدِيُّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَرْكَبْ فِي جَنَازَةٍ قَطُّ، وَلَا فِي خُرُوجِ أَضْحَى وَلَا فِطْرٍ».
стр. 2908
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ إلى الزهري، والزبيدي هو محمد بن الوليد.
وروى الفريابي في [أَحْكَامِ الْعِيْدَيْنِ] (١٧) نا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، ثنا لَيْثٌ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ خَالِدٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّهُ قَالَ: «سُنَّةُ الْفِطْرِ ثَلَاثٌ: الْمَشْيُ إِلَى الْمُصَلَّى، وَالْأَكْلُ قَبْلَ الْخُرُوجِ، وَالِاغْتِسَالُ».
قُلْتُ: وإِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ إلى ابن المسيب. واحتمال الرفع فيه وارد.
وفي الباب آثار عن بعض الصحابة.
منها: ما رواه ابن أبي شيبة في [مُصَنَفِه] (٥٦٥٣) حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحِيمِ، عَنْ مِسْعَرٍ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ زِرٍّ، قَالَ: «خَرَجَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فِي يَوْمِ فِطْرٍ، أَوْ فِي يَوْمِ أَضْحَى خَرَجَ فِي ثَوْبِ قُطْنٍ مُتَلَبِّبًا بِهِ يَمْشِي».
قُلْتُ: هَذَا أَثَرٌ حَسَنٌ. وعبد الرحيم هو ابن سليمان، وعاصم هو ابن بهدلة، وزر هو ابن حبيش.
والذي يظهر لي ثبوت هذه السنة بمرسل الزهري، وأثر ابن المسيب، وأثر عمر بن الخطاب ﵁.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ في [الْمُغْنِي] (٤/ ٢٣٣):
«فصل: ويستحب أن يخرج إلى العيد ماشياً، وعليه السكينة والوقار، كما ذكرنا في الجمعة.
وممن استحب المشي عمر بن عبد العزيز، والنخعي، والثوري والشافعي، وغيرهم» اهـ.
٦ - وتستحب مخالفة الطريق في الذهاب والإياب.
стр. 2909
لما رواه البخاري (٩٨٦) عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄، قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا كَانَ يَوْمُ عِيدٍ خَالَفَ الطَّرِيقَ».
قُلْتُ: وقد اختلف في صحابي الحديث هل هو أبو هريرة أو جابر بن عبد الله ولا يضر مثل ذلك في ثبوت الحديث. قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٢/ ٤٧٤):
«والذي يغلب على الظن أنَّ الاختلاف فيه من فليح فلعل شيخه سمعه من جابر ومن أبي هريرة ويقوى ذلك اختلاف اللفظين وقد رجح البخاري أنه عن جابر وخالفه أبو مسعود والبيهقي فرجحا أنه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ولم يظهر لي في ذلك ترجيح والله أعلم» اهـ.
وللحديث شاهد من حديث عبد الله بن عمر.
رواه أبو داود (١١٥٨) حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ يَعْنِي ابْنَ عُمَرَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَخَذَ يَوْمَ الْعِيدِ فِي طَرِيقٍ، ثُمَّ رَجَعَ فِي طَرِيقٍ آخَرَ».
ورواه ابن ماجه (١٢٩٩) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَكِيمٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو قُتَيْبَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، «أَنَّهُ كَانَ يَخْرُجُ إِلَى الْعِيدِ فِي طَرِيقٍ، وَيَرْجِعُ فِي أُخْرَى، وَيَزْعُمُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ».
قُلْتُ: العمري ضعيف والصحيح فيه الوقف.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ في [فَتْحِ الْبَارِي] (٦/ ١٦٥ - ١٦٦):
стр. 2910
«وقد استغربه الْإِمَام أحمد، وقال: لم أسمع هذا قط. وَقَالَ - أيضاً -: العمري يرفعه، ومالك وابن عيينة لا يرفعانه. يعني: يقفانه على ابن عمر من فعله.
قيل له: قد رواه عبيد الله - يعني: أخا العمري، عن نافع، عن ابن عمر؟ فأنكره، وقال: من رواه؟
قيل له: عبد العزيز بن محمد - يعني: الدراوردي. قال: عبد العزيز يروي مناكير.
وَقَالَ البرقاني: سألت الْدَارَقُطْنِي: هل رواه عن نافع غير العمري؟ قال: من وجه يثبت، لا. ثم قال: روي عن مالك، عن نافع، ولكن لا يثبت. انتهى.
والصحيح عن مالك وغيره: وقفه دون رفعه. وكذا رواه وكيع عن العمري - موقوفاً.
وقد استحب كثير من أهل العلم للإمام وغيره إذا ذهبوا في طريق إلى العيد أن يرجعوا في غيره، وهو قول مالك والثوري والشافعي وأحمد. وألحق الجمعة بالعيد في ذلك. ولو رجع من الطريق الذي خرج منه لم يكره.
وفي "سنن أبي داود" حديث، فيه: أن أصحاب رسول الله ﷺ كانوا يفعلون ذلك في زمانه.
وتكلم الناس في المعنى الذي لأجله يسحب مخالفة الطريق، وكثر قولهم في ذلك، وأكثره ليس بقوي» اهـ.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ في [الْمُغْنِي] (٤/ ٢٥٧):
стр. 2911
«وَقَالَ بعض أهل العلم: إنما فعل هذا قصدا لسلوك الأبعد في الذهاب ليكثر ثوابه وخطواته إلى الصلاة ويعود في الأقرب لأنه أسهل وهو راجع إلى منزله.
وقيل: كان يحب أن يشهد له الطريقان.
وقيل: كان يحب المساواة بين أهل الطريقين في التبرك بمروره بهم، وسرورهم برؤيته، وينتفعون بمسألته.
وقيل: لتحصل الصدقة ممن صحبه على أهل الطريقين من الفقراء.
وقيل: لتبرك الطريقين بوطئه عليهما.
وفي الجملة الاقتداء به سنة؛ لاحتمال بقاء المعنى الذي فعله من أجله، ولأنه قد يفعل الشيء لمعنى ويبقى في حق غيره سنة، مع زوال المعنى، كالرمل والاضطباع في طواف القدوم، فعله هو وأصحابه لإظهار الجلد للكفار، وبقي سنة بعد زوالهم.
ولهذا روي عن عمر ﵁ أنه قال: فيم الرملان الآن، ولمن نبدي مناكبنا وقد نفى الله المشركين؟ ثم قال مع ذلك: لا ندع شيئا فعلناه مع رسول الله ﷺ » اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ في [زَادِ الْمَعَادِ] (١/ ٤٤٩):
«فقيل: ليسلم على أهل الطريقين، وقيل: لينال بركته الفريقان، وقيل: ليقضي حاجة من له حاجة منهما، وقيل: ليظهر شعائر الإسلام في سائر الفجاج والطرق، وقيل: ليغيظ المنافقين برؤيتهم عزة الإسلام وأهله، وقيام شعائره، وقيل: لتكثر شهادة البقاع، فإن الذاهب إلى المسجد والمصلى إحدى خطوتيه ترفع درجة،
стр. 2912
والأخرى تحط خطيئة حتى يرجع إلى منزله، وقيل وهو الأصح: إنه لذلك كله، ولغيره من الحكم التي لا يخلو فعله عنها» اهـ.
٧ - وليس للعيد سنة قبلية ولا بعدية.
فقد روى البخاري (٩٦٤)، ومسلم (٨٨٤) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: «أّنَّ الْنَّبِيَّ ﷺ صَلَّى يَوْمَ الفِطْرِ رَكْعَتَيْنِ لَمْ يُصَلِّ قَبْلَهَا وَلَا بَعْدَهَا، ثُمَّ أَتَى النِّسَاءَ وَمَعَهُ بِلَالٌ، فَأَمَرَهُنَّ بِالصَّدَقَةِ، فَجَعَلْنَ يُلْقِينَ تُلْقِي المَرْأَةُ خُرْصَهَا وَسِخَابَهَا».
قُلْتُ: وأمَّا ما رواه أحمد (١١٢٤٢، ١١٣٧٣)، وابن ماجه (١٢٩٣) مِنْ طَرِيْقِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو الرَّقِّيِّ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، لَا يُصَلِّي قَبْلَ الْعِيدِ شَيْئًا، فَإِذَا رَجَعَ إِلَى مَنْزِلِهِ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ».
فلا يثبت فابن عقيل الصحيح فيه الضعف.
قُلْتُ: وهذا لفظ ابن ماجه، وأمَّا لفظ أحمد: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُفْطِرُ يَوْمَ الْفِطْرِ قَبْلَ أَنْ يَخْرُجَ، وَكَانَ لَا يُصَلِّي قَبْلَ الصَّلَاةِ، فَإِذَا قَضَى صَلَاتَهُ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ».
٨ - ويستحب أن يقرأ فيهما بسورتي الأعلى، والغاشية، أو القمر وق.
لما رواه مسلم (٨٧٨) عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ، قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقْرَأُ فِي الْعِيدَيْنِ، وَفِي الْجُمُعَةِ بِسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى، وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ»، قَالَ: «وَإِذَا اجْتَمَعَ الْعِيدُ وَالْجُمُعَةُ، فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ، يَقْرَأُ بِهِمَا أَيْضًا فِي الصَّلَاتَيْنِ».
стр. 2913
وروى مسلم (٨٩١) عَنْ أَبِي وَاقِدٍ اللَّيْثِيِّ، قَالَ: سَأَلَنِي عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: عَمَّا قَرَأَ بِهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي يَوْمِ الْعِيدِ؟ فَقُلْتُ: «بِاقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ، وَق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ».
٩ - ويستحب رفع اليدين في تكبيرات العيد.
لما رواه أبو داود (٧٢٢) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُصَفَّى الْحِمْصِيُّ، حَدَّثَنَا بَقِيَّةُ، حَدَّثَنَا الزُّبَيْدِيُّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ رَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى تَكُونَ حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ، ثُمَّ كَبَّرَ وَهُمَا كَذَلِكَ فَيَرْكَعُ، ثُمَّ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَرْفَعَ صُلْبَهُ رَفَعَهُمَا حَتَّى تَكُونَ حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ وَلَا يَرْفَعُ يَدَيْهِ فِي السُّجُودِ وَيَرْفَعُهُمَا فِي كُلِّ تَكْبِيرَةٍ يُكَبِّرُهَا قَبْلَ الرُّكُوعِ حَتَّى تَنْقَضِيَ صَلَاتُهُ».
قُلْتُ: هَذَا إِسْنَادٌ حَسَنٌ. من أجل بقية وهو متابع
ورواه أحمد (٦١٧٥) حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَخِي ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَمِّهِ، حَدَّثَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ يَرْفَعُ يَدَيْهِ حَتَّى إِذَا كَانَتَا حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ كَبَّرَ، ثُمَّ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَرْكَعَ رَفَعَهُمَا حَتَّى يَكُونَا حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ، كَبَّرَ وَهُمَا كَذَلِكَ، رَكَعَ، ثُمَّ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَرْفَعَ صُلْبَهُ رَفَعَهُمَا حَتَّى يَكُونَا حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ»، ثُمَّ يَسْجُدُ، وَلَا يَرْفَعُ يَدَيْهِ فِي السُّجُودِ، وَيَرْفَعُهُمَا فِي كُلِّ رَكْعَةٍ وَتَكْبِيرَةٍ كَبَّرَهَا قَبْلَ الرُّكُوعِ، حَتَّى تَنْقَضِيَ صَلَاتُهُ.
قُلْتُ: وبهذا يكون الحديث صحيحاً لغيره.
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ ﵀ في [الْأَوْسَطِ] (٦/ ٤٧١):
стр. 2914
«وممن رأى أن يرفع يديه في كل تكبيرة من تكبيرات العيد عطاء، والأوزاعي، والشافعي، وأحمد. وفيه قول سواه: وهو أن يرفع يديه في أول تكبيرة هذا قول سفيان الثوري وَقَالَ مالك: ليس في ذلك سنة لازمة فمن شاء رفع يديه فيها كلها وفي الأولى أحب إلي. وفي كتاب محمد بن الحسن: إذا افتتح الصلاة رفع يديه ثم يكبر ثلاثا فيرفع يديه ثم يكبر الخامسة ولا يرفع يديه، فإذا قام في الثانية فقرأ كبر ثلاث تكبيرات ويرفع يديه ثم يكبر الرابعة للركوع ولا يرفع يديه.
قال أبو بكر: سن رسول الله ﷺ أن يرفع المصلي يديه إذا افتتح الصلاة، وإذا ركع، وإذا رفع رأسه من الركوع، وكل ذلك تكبير في حال القيام، فكل من كبر في حال القيام رفع يديه استدلالاً بالسنة» اهـ.
١٠ - ويستحب التكبير في الْعِيْدَيْنِ.
قُلْتُ: وقد اختلف الصحابة فمن بعدهم في زمن التكبير على أقوال:
فمنهم من قال: من فجر يوم عرفة إلى آخر أيام التشريق.
فروى الحاكم في [الْمُسْتَدْرَكِ] (١١١٣)، ومن طريقه البيهقي في [الْكُبْرَى] (٦٠٦٩) حَدَّثَنَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ، أَنْبَأَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، ثنا هَنَّادٌ، ثنا حُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ، عَنْ زَائِدَةَ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ شَقِيقٍ، قَالَ: «كَانَ عَلِيٌّ يُكَبِّرُ بَعْدَ صَلَاةِ الْفَجْرِ غَدَاةَ عَرَفَةَ، ثُمَّ لَا يَقْطَعُ حَتَّى يُصَلِّيَ الْإِمَامُ مِنْ آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، ثُمَّ يُكَبِّرُ بَعْدَ الْعَصْرِ».
قُلْتُ: هَذَا إِسْنَادٌ صَحِيْحٌ.
стр. 2915
وروى الحاكم في [المستدرك] (١١١٤)، ومن طريقه البيهقي في [الْكُبْرَى] (٦٠٧٠، ٦٠٧١) فقال: حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ بَالَوَيْهِ، ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، حَدَّثَنِي أَبِي، ثنا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، ثنا الْحَكَمُ بْنُ فَرُّوخٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ كَانَ «يُكَبِّرُ مِنْ غَدَاةِ عَرَفَةَ إِلَى صَلَاةِ الْعَصْرِ مِنْ آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ». وقال البيهقي: وَأَخْبَرَنَا أَبُو حَازِمٍ الْحَافِظُ، أنبأ أَبُو أَحْمَدَ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْحَافِظُ، أنبأ أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ زُهَيْرٍ الْقَيْسِيُّ بِطُوسَ، ثنا عَلِيُّ بْنُ سَلَمَةَ يَعْنِي اللَّبَقِيَّ، ثنا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، ثنا أَبُو يَعْقُوبَ الْخُرَاسَانِيُّ يَعْنِي إِسْحَاقَ بْنَ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيَّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّانِ، عَنِ الْحَكَمِ، فَذَكَرَهُ بِمِثْلِهِ وَزَادَ: «يُكَبِّرُ فِي الْعَصْرِ وَيَقْطَعُ فِي الْمَغْرِبِ».
قُلْتُ: هَذَا إِسْنَادٌ صَحِيْحٌ.
وقد جاء في ذلك حديث مرفوع ولا يصح.
فروى الْدَارَقُطْنِي (١٧٣٣) واللفظ له، والبيهقي في [الْكُبْرَى] (٦٠٧٢) مِنْ طَرِيْقِ عَمْرو بْنِ شِمْرٍ، عَنْ جَابِرٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَعَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ، «أَنَّهُمَا سَمِعَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَجْهَرُ فِي الْمَكْتُوبَاتِ بِـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: ١] فِي فَاتِحَةِ الْقُرْآنِ، وَيَقْنُتُ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ وَالْوِتْرِ، وَيُكَبِّرُ فِي دُبُرِ الصَّلَوَاتِ الْمَكْتُوبَاتِ مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ غَدَاةَ عَرَفَةَ إِلَى صَلَاةِ الْعَصْرِ آخِرَ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ يَوْمَ دَفْعَةِ النَّاسِ الْعُظْمَى».
ومنهم من ذهب إلى أنَّ التكبير يكون من فجر يوم عرفة إلى ظهر آخر أيام التشريق.
.
стр. 2916
فروى الحاكم في [الْمُسْتَدْرَكِ] (١١١٢)، ومن طريقه البيهقي في [الْكُبْرَى] (٦٠٦٧) فَأَخْبَرَنِي أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ بَالَوَيْهِ، ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، حَدَّثَنِي أَبِي، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، ثنا شُعْبَةُ بْنُ الْحَجَّاجِ، قَالَ: سَمِعْتُ عَطَاءً، يُحَدِّثُ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ، قَالَ: كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ «يُكَبِّرُ بَعْدَ صَلَاةِ الْفَجْرِ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ إِلَى صَلَاةِ الظُّهْرِ مِنْ آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ».
قال الحافظ البيهقي ﵀: كَذَا رَوَاهُ الْحَجَّاجُ بْنُ أَرْطَاةَ عَنْ عَطَاءٍ، وَكَانَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ يُنْكِرُهُ، قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ الْقَاسِمُ بْنُ سَلَّامٍ ذَاكَرْتُ بِهِ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ فَأَنْكَرَهُ، وَقَالَ: هَذَا وَهْمٌ مِنَ الْحَجَّاجِ، وَإِنَّمَا الْإِسْنَادُ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يُكَبِّرُ فِي قُبَّتِهِ بِمِنًى. قَالَ الشَّيْخُ: وَالْمَشْهُورُ عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ أَنَّهُ كَانَ يُكَبِّرُ مِنْ صَلَاةِ الظُّهْرِ يَوْمَ النَّحْرِ إِلَى صَلَاةِ الْعَصْرِ مِنْ آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، وَلَوْ كَانَ عِنْدَ عَطَاءٍ عَنْ عُمَرَ هَذَا الَّذِي رَوَاهُ عَنْهُ الْحَجَّاجُ لَمَا اسْتجَازَ لِنَفْسِهِ خِلَافَ عُمَرَ، وَاللهُ أَعْلَمُ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ السَّبِيعِيِّ أَنَّهُ حَكَاهُ عَنْ عُمَرَ، وَعَلِيٍّ، وَهُوَ مُرْسَلٌ اهـ.
قُلْتُ: ولا يثبت هذا عن عمر فحجاج ممن لا يعتمد على حديثه.
* * *
стр. 2917
باب صلاة الكسوف.
١٤٣ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂: «أَنَّ الشَّمْسَ خَسَفَتْ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَبَعَثَ مُنَادِياً يُنَادِي: الصَّلاةُ جَامِعَةٌ. فَاجْتَمَعُوا. وَتَقَدَّمَ، فَكَبَّرَ وَصَلَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ فِي رَكْعَتَيْنِ، وَأَرْبَعَ سَجَدَاتٍ».
أقرب لفظ لما ذكره المصنف هو ما رواه مسلم (٩٠١) عَنْ عَائِشَةَ، «أَنَّ الشَّمْسَ خَسَفَتْ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَبَعَثَ مُنَادِيًا: الصَّلَاةُ جَامِعَةٌ، فَاجْتَمَعُوا، وَتَقَدَّمَ فَكَبَّرَ، وَصَلَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ فِي رَكْعَتَيْنِ، وَأَرْبَعَ سَجَدَاتٍ».
ورواه البخاري معلقاً (١٠٦٦) فقال: وَقَالَ الأَوْزَاعِيُّ، وَغَيْرُهُ، سَمِعْتُ الزُّهْرِيَّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂، «أَنَّ الشَّمْسَ خَسَفَتْ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَبَعَثَ مُنَادِيًا: بالصَّلَاةُ جَامِعَةٌ، فَتَقَدَّمَ فَصَلَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ فِي رَكْعَتَيْنِ، وَأَرْبَعَ سَجَدَاتٍ».
وفي الحديث مسائل منها:
١ - استحباب صلاة الكسوف، واختلف في وجوبها وسيأتي الكلام في ذلك بمشيئة الله.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ في [الْمُغْنِي] (٤/ ٣٠٩):
стр. 2918
«ولا نعلم بين أهل العلم في مشروعيتها لكسوف الشمس خلافاً، وأكثر أهل العلم على أنَّها مشروعة لخسوف القمر، فعله ابن عباس. وبه قال عطاء، والحسن، والنخعي، والشافعي، وإسحاق.
وَقَالَ مالك: ليس لكسوف القمر سنة.
وحكى ابن عبد البر عنه، وعن أبي حنيفة أنَّهما قالا: يصلي الناس لخسوف القمر وحداناً ركعتين ركعتين، ولا يصلون جماعة؛ لأنَّ في خروجهم إليها مشقة» اهـ.
٢ - صحة إطلاق الخسوف على الشمس.
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٢/ ٥٣٥):
«والمشهور في استعمال الفقهاء أنَّ الكسوف للشمس والخسوف للقمر واختاره ثعلب، وذكر الجوهري أنَّه أفصح، وقيل: يتعين ذلك وحكى عياض عن بعضهم عكسه وغلطه لثبوته بالخاء في القمر في القرآن وكأنَّ هذا هو السر في استشهاد المؤلف به في الترجمة، وقيل يقال بهما في كل منهما وبه جاءت الأحاديث ولا شك أنَّ مدلول الكسوف لغة غير مدلول الخسوف لأنَّ الكسوف التغير إلى سواد والخسوف النقصان أو الذل فإذا قيل في الشمس كسفت أو خسفت لأنَّها تتغير ويلحقها النقص ساغ وكذلك القمر ولا يلزم من ذلك أنَّ الكسوف والخسوف مترادفان وقيل بالكاف في الابتداء وبالخاء في الانتهاء وقيل بالكاف لذهاب جميع الضوء وبالخاء لبعضه وقيل بالخاء لذهاب كل اللون وبالكاف لتغيره» اهـ.
٣ - أنَّه ينادى لها بالصلاة جامعة. فلا يؤذن لها ولا يقيم.
стр. 2919
٤ - أنَّه يستحب فيها أن تصلى جماعة.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِ ﵀ في [الْاسْتِذْكَارِ] (٢/ ٣٣٥ - ٣٣٦):
«واختلفوا أيضاً في صلاة كسوف القمر فقال مالك وأبو حنيفة وأصحابهما لا يجمع في صلاة كسوف القمر ولكن يصلي الناس أفراداً ركعتين ركعتين كسائر الصلوات.
والحجة لهم قوله: "صلاة المرء في بيته أفضل إلَّا المكتوبة" وخص صلاة كسوف الشمس بالجمع لها ولم يفعل ذلك في صلاة القمر فخرجت صلاة كسوف الشمس بدليلها وما ورد من التوقيت فيها وبقيت صلاة القمر على أصل ما عليه النوافل.
وَقَالَ الليث بن سعد: لا يجمع في صلاة القمر ولكن الصلاة فيها كهيئة الصلاة في كسوف الشمس.
وهو قول عبد العزيز بن أبي سلمة ذكره بن وهب عنه وَقَالَ ذلك لقول رسول الله: "فإذا رأيتم ذلك فادعوا إلى الصلاة"
وَقَالَ الشافعي أصحابه وأحمد وإسحاق وأبو ثور وداود والطبري وسائر أهل الحديث في كسوف القمر كهي في كسوف الشمس سواء، وهو قول الحسن وإبراهيم وعطاء.
وحجتهم في ذلك قول رسول الله: "إنَّ الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته فإذا رأيتم ذلك فاذكروا الله "
قال الشافعي ﵀: فكان الذكر الذي فزع إليه رسول الله عند كسوف الشمس هي الصلاة المذكورة فكذلك خسوف القمر تجمع الصلاة لخسوفه كهي
стр. 2920
عند كسوف الشمس لأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قد جمع بينهما في الذكر وقال: "إنَّ الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته فإذا رأيتم ذلك فصلوا وادعوا" وفي حديث آخر: "فصلوا حتى يكشف ما بكم" وفي حديث آخر: "فافزعوا إلى الصلاة"
وقد عرفنا كيف الصلاة عند إحداهما فكان دليلاً على الصلاة عند الأخرى.
قال أبو عمر: روي عن عثمان بن عفان وابن عباس أنَّهما صليا في خسوف القمر جماعة ركعتين في كل ركعة ركوعان مثل قول الشافعي» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٤/ ٣٠٩ - ٣١٠):
«ويسن فعلها جماعة وفرادى. وبهذا قال مالك، والشافعي. وحكي عن الثوري أنَّه قال: إن صلاها الْإِمَام صلوها معه، وإلَّا فلا تصلوا.
ولنا، قوله ﵊: "فإذا رأيتموها فصلوا". ولأنَّها نافلة، فجازت في الانفراد، كسائر النوافل.
وإذا ثبت هذا فإن فعلها في الجماعة أفضل؛ لأّنَّ الْنَّبِيَّ ﷺ صلاها في جماعة» اهـ.
٥ - أنَّها تصلى ركعتين في كل ركعة ركوعان وسجودان.
قُلْتُ: وقد جاء ما يخالف ذلك فجاء أنَّه ﵊ صلاها بست ركوعات وأربع سجدات في ركعتين.
فروى مسلم في [صَحِيْحِهِ] (٩٠١) فقال: وحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، قَالَ: سَمِعْتُ عَطَاءً، يَقُولُ: سَمِعْتُ عُبَيْدَ بْنَ
стр. 2921
عُمَيْرٍ، يَقُولُ: حَدَّثَنِي مَنْ أُصَدِّقُ، حَسِبْتُهُ يُرِيدُ عَائِشَةَ، أَنَّ الشَّمْسَ انْكَسَفَتْ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَقَامَ قِيَامًا شَدِيدًا، يَقُومُ قَائِمًا، ثُمَّ يَرْكَعُ، ثُمَّ يَقُومُ، ثُمَّ يَرْكَعُ، ثُمَّ يَقُومُ، ثُمَّ يَرْكَعُ رَكْعَتَيْنِ فِي ثَلَاثِ رَكَعَاتٍ، وَأَرْبَعِ سَجَدَاتٍ، فَانْصَرَفَ وَقَدْ تَجَلَّتِ الشَّمْسُ، وَكَانَ إِذَا رَكَعَ، قَالَ: «اللهُ أَكْبَرُ»، ثُمَّ يَرْكَعُ، وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ، قَالَ: «سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ»، فَقَامَ، فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَا يَكْسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ، وَلَا لِحَيَاتِهِ، وَلَكِنَّهُمَا مِنْ آيَاتِ اللهِ، يُخَوِّفُ اللهُ بِهِمَا عِبَادَهُ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ كُسُوفًا، فَاذْكُرُوا اللهَ حَتَّى يَنْجَلِيَا».
وحَدَّثَنِي أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَا: حَدَّثَنَا مُعَاذٌ وَهُوَ ابْنُ هِشَامٍ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ عَائِشَةَ، «أَنَّ نَبِيَّ اللهِ ﷺ صَلَّى سِتَّ رَكَعَاتٍ وَأَرْبَعَ سَجَدَاتٍ».
قُلْتُ: وهذه رواية معلولة لا تصح.
قَالَ الْحَافِظُ الْبَيْهَقِيُّ ﵀ في [مَعْرِفَةِ الْسُّنَنِ وَالْآثَارِ] (٥/ ١٤٧):
«وفي رواية ابن جريح دليل على أنَّ عطاء إنَّما أسنده عن عائشة بالظن والحسبان لا باليقين وكيف يكون عدد الركوع فيه محفوظاً عن عائشة وقد روينا عن عروة، وعمرة، عن عائشة بخلافه وإن كان عن عائشة كما توهمه، فعروة، وعمرة أخص بعائشة وألزم لها من عبيد بن عمير، وهما اثنان، فروايتهما أولى أن تكون هي المحفوظة. ورواه أيضاً يحيى بن أبي كثير، عن أبي حفصة، مولى عائشة أن عائشة، أخبرته عَنِ النَّبِيِّ ﷺ في صلاته في كسوف الشمس نحو رواية عروة وعمرة» اهـ.
стр. 2922
وروى مسلم (٩٠٤) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيْرٍ، ح وحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، وَتَقَارَبَا فِي اللَّفْظِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: «انْكَسَفَتِ الشَّمْسُ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، يَوْمَ مَاتَ إِبْرَاهِيمُ ابْنُ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَقَالَ النَّاسُ: إِنَّمَا انْكَسَفَتْ لِمَوْتِ إِبْرَاهِيمَ، فَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ ، فَصَلَّى بِالنَّاسِ سِتَّ رَكَعَاتٍ بِأَرْبَعِ سَجَدَاتٍ … ».
قُلْتُ: الحديث رواه مسلم (٩٠٤) مِنْ طَرِيْقِ هِشَامٍ الدَّسْتَوَائِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: «كَسَفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي يَوْمٍ شَدِيدِ الْحَرِّ، فَصَلَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ بِأَصْحَابِهِ، فَأَطَالَ الْقِيَامَ، حَتَّى جَعَلُوا يَخِرُّونَ، ثُمَّ رَكَعَ فَأَطَالَ، ثُمَّ رَفَعَ فَأَطَالَ، ثُمَّ رَكَعَ فَأَطَالَ، ثُمَّ رَفَعَ فَأَطَالَ، ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ قَامَ فَصَنَعَ نَحْوًا مِنْ ذَاكَ، فَكَانَتْ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ، وَأَرْبَعَ سَجَدَاتٍ».
قُلْتُ: وهذا أصح.
وجاء ما يدل أنَّه صلاها بثمان ركوعات وأربع سجدات في ركعتين.
فروى مسلم (٩٠٨) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ حَبِيبٍ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «صَلَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ حِينَ كَسَفَتِ الشَّمْسُ، ثَمَانَ رَكَعَاتٍ فِي أَرْبَعِ سَجَدَاتٍ». وَعَنْ عَلِيٍّ مِثْلُ ذَلِكَ.
стр. 2923
وروى مسلم (٩٠٩) فقال: وحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ خَلَّادٍ، كِلَاهُمَا عَنْ يَحْيَى الْقَطَّانِ، قَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ سُفْيَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَبِيبٌ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ «صَلَّى فِي كُسُوفٍ، قَرَأَ، ثُمَّ رَكَعَ، ثُمَّ قَرَأَ، ثُمَّ رَكَعَ، ثُمَّ قَرَأَ، ثُمَّ رَكَعَ، ثُمَّ قَرَأَ، ثُمَّ رَكَعَ، ثُمَّ سَجَدَ»، قَالَ: «وَالْأُخْرَى مِثْلُهَا».
قَالَ الْحَافِظُ الْبَيْهَقِيُّ ﵀ في [الْكُبْرَى] (٣/ ٣٢٧):
«وقد روينا عن عطاء بن يسار وكثير بن عباس عن ابن عباس عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : أنَّه صلاها ركعتين في كل ركعة ركوعين. وحبيب بن أبي ثابت وإن كان من الثقات فقد كان يدلس ولم أجده ذكر سماعه في هذا الحديث عن طاووس ويحتمل أن يكون حمله عن غير موثوق به عن طاووس. وقد روى سليمان الأحول عن طاووس عن ابن عباس من فعله: أنَّه صلاها ست ركعات في أربع سجدات فخالفه في الرفع والعدد جميعاً» اهـ.
قُلْتُ: وجاء ما يدل أنَّه صلاها بعشر ركوعات وأربع سجدات في ركعتين.
فروى عبد الله ابن الإمام أحمد في [زَوَائِدِهِ عَلَى الْمُسْنَدِ] (٢١٢٦٣)، وأبو داود (١١٨٤) مِنْ طَرِيْقِ أَبِي جَعْفَرٍ الرَّازِيُّ، عَنْ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: «انْكَسَفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلَّى بِهِمْ، فَقَرَأَ بِسُورَةٍ مِنَ الطُّوَلِ، ثُمَّ رَكَعَ خَمْسَ رَكَعَاتٍ وَسَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ قَامَ الثَّانِيَةَ فَقَرَأَ بِسُورَةٍ مِنَ الطُّوَلِ، ثُمَّ رَكَعَ خَمْسَ رَكَعَاتٍ وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ جَلَسَ كَمَا هُوَ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ يَدْعُو حَتَّى انْجَلَى كُسُوفُهَا».
стр. 2924
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ ضَعِيْفٌ من أجل أبي جعفر الرازي فإنَّه ممن لا يعتمد عليه عند التفرد.
وجاء أنَّها تصلى كأحدث صلاة صليت من المكتوبة.
فروى أحمد (٢٠٦٢٦)، وأبو داود (١١٨٧)، والنسائي (١٤٨٥) عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ قَبِيصَةَ الْهِلَالِيِّ، قَالَ: كُسِفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَخَرَجَ فَزِعًا يَجُرُّ ثَوْبَهُ وَأَنَا مَعَهُ يَوْمَئِذٍ بِالْمَدِينَةِ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، فَأَطَالَ فِيهِمَا الْقِيَامَ، ثُمَّ انْصَرَفَ وَانْجَلَتْ، فَقَالَ: «إِنَّمَا هَذِهِ الْآيَاتُ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهَا فَإِذَا رَأَيْتُمُوهَا فَصَلُّوا كَأَحْدَثِ صَلَاةٍ صَلَّيْتُمُوهَا مِنَ الْمَكْتُوبَةِ».
قُلْتُ: وَلَا يَصِحُ هَذَا الْحَدِيْثُ.
قَالَ الْحَافِظُ الْبَيْهَقِيُّ ﵀ في [الْكُبْرَى] (٣/ ٣٣٤ - ٣٣٥):
«وهذا أيضاً لم يسمعه أبو قلابة عن قبيصة إنَّما رواه عن رجل عن قبيصة.
أخبرنا أبو على الروذباري أخبرنا محمد بن بكر حدثنا أبو داود حدثنا أحمد بن إبراهيم حدثنا ريحان بن سعيد حدثنا عباد بن منصور عن أيوب عن أبى قلابة عن هلال بن عامر أن قبيصة الهلالي حدثه: "أنَّ الشمس كسفت" بمعنى حديث موسى بن إسماعيل قال: حتى بدت النجوم. وألفاظ هذه الأحاديث تدل على أنَّها راجعة إلى الأخبار عن صلاته يوم توفى ابنه ﵉ وقد أثبت جماعة من أصحابه الحفاظ عدد ركوعه في كل ركعة فهو أولى بالقبول من رواية من لم يثبته وبالله التوفيق» اهـ.
стр. 2925
قُلْتُ: وهلال هذا مجهول. ووقع في الحديث اضطراب لا مجال لذكره هاهنا وسيأتي بمشيئة الله في شرح حديث أبي مسعود بعد هذا.
قُلْتُ: صلاة النبي ﷺ كانت مرة واحدة عند موت ولده إبراهيم فلم تصل إلَّا على صفة واحدة وأكثر الحديث جاء بأنَّه صلاها ركعتين في كل ركعة ركوعان وسجودان فهذا هو الصحيح في كيفية صلاة النبي ﷺ لها وما سوى ذلك فخطأ من بعض الرواة وهذا هو الذي يرجحه الْإِمَام الشافعي، وأحمد، والبخاري، والبيهقي، وشَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ، وتلميذه الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵏ وغيرهم وهو الصحيح. والله أعلم.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ في [زَادِ الْمَعَادِ] (١/ ٤٥٢ - ٤٥٣):
«فهذا الذي صح عنه ﷺ : من صفة صلاة الكسوف وخطبتها. وقد روي عنه أنَّه صلاها على صفات أخر.
منها: كل ركعة بثلاث ركوعات.
ومنها: كل ركعة بأربع ركوعات.
ومنها: إنَّها كأحدث صلاة صليت كل ركعة بركوع واحد، ولكن كبار الأئمة، لا يصححون ذلك، كالْإِمَام أحمد، والبخاري، والشافعي، ويرونه غلطاً. قال الشافعي وقد سأله سائل، فقال: روى بعضهم أن النبي ﷺ صلى بثلاث ركعات في كل ركعة، قال الشافعي: فقلت له: أتقول به أنت؟ قال: لا، ولكن لم لم تقل به أنت وهو زيادة على حديثكم؟ يعني حديث الركوعين في الركعة، فقُلْتُ: هو من وجه منقطع، ونحن لا نثبت المنقطع على الانفراد» اهـ.
إلى أن قال ﵀ (١/ ٤٥٦):
стр. 2926
«قُلْتُ: والمنصوص عن أحمد أيضاً أخذه بحديث عائشة وحده في كل ركعة ركوعان وسجودان. قال في رواية المروزي: وأذهب إلى أنَّ صلاة الكسوف أربع ركعات، وأربع سجدات، في كل ركعة ركعتان وسجدتان، وأذهب إلى حديث عائشة، أكثر الأحاديث على هذا. وهذا اختيار أبي بكر وقدماء الأصحاب، وهو اختيار شيخنا أبي العباس ابن تيمية؟ كان يضعف كل ما خالفه من الأحاديث، ويقول: هي غلط، وإنَّما صلى النبي ﷺ الكسوف مرة واحدة يوم مات ابنه إبراهيم. والله أعلم» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ في [الْمَجْمُوْع] (٥/ ٦٢):
«"فرع" في مذاهب العلماء في عدد ركوع الكسوف.
قد ذكرنا أنَّ مذهبنا أنَّها ركعتان في كل ركعة قيامان وركوعان وسجدتان وبه قال مالك وأحمد وإسحق وأبو ثور وداود وغيرهم، وحكاه الشيخ أبو حامد عن عثمان بن عفان وابن عباس، وَقَالَ النخعي والثوري وأبو حنيفة هي ركعتان كالجمعة والصبح، وحكى ابن المنذر عن حذيفة وابن عباس أنَّها ركعتان في كل ركعة ثلاثة ركوعات، وعن علي ﵁ خمس ركوعات في كل ركعة، وعن إسحاق أنَّها تجوز ركوعان في كل ركعة وثلاثة وأربعة لأنَّه ثبت هذا ولم يثبت عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أكثر منه، وَقَالَ العلاء بن زياد: لا يزال يركع ويقوم ويراقب الشمس حتى تنجلي فإذا انجلت سجدتم صلى ركعة أخرى» اهـ.
٦ - أنَّه يستحب صلاتها في المسجد.
قَالَ العلامة ابن قدامة ﵀ في [الْمُغْنِي] (٤/ ٣١٠):
стр. 2927
«والسنة أن يصليها في المسجد؛ لأّنَّ الْنَّبِيَّ ﷺ فعلها فيه.
قالت عائشة: خسفت الشمس في حياة رسول الله ﷺ فخرج إلى المسجد، فصف الناس وراءه. رواه البخاري.
ولأنَّ وقت الكسوف يضيق، فلو خرج إلى المصلى احتمل التجلي قبل فعلها» اهـ.
стр. 2928
١٤٤ - عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ - عُقْبَةَ بْنِ عَمْرٍو الأَنْصَارِيِّ الْبَدْرِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ : «إنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ، يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِمَا عِبَادَهُ، وَإِنَّهُمَا لا يَنْخَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ مِنْ النَّاسِ. فَإِذَا رَأَيْتُمْ مِنْهَا شَيْئًا فَصَلُّوا، وَادْعُوا حَتَّى يَنْكَشِفَ مَا بِكُمْ».
وفي الحديث مسائل منها:
١ - أنَّ الشَّمس والقمر من آيات الله الدالة على عظمته.
٢ - أنَّ الحكمة من كسوفهما تخويف العباد حتى يتوبوا من ذنوبهم ويرجعوا إلى ربهم.
٣ - أنَّهما لا يكسفان لموت أحد ولا لحياته وفي هذا رد على المنجمين وعباد الكواكب الذين يعتقدون تأثيرها في الحوادث الأرضية. وفيه إبطال لعقيدة المشركين حيث كانوا يعتقدون أنَّ كسوف الشمس والقمر يكون لموت عظيم.
٤ - استحباب الصلاة والْدُعَاء عند رؤية ذلك.
٥ - استمرار الصلاة والْدُعَاء إلى وقت انكشاف الكسوف.
قُلْتُ: وليس المراد أنَّ الصلاة تكرر إذا لم يحصل الانكشاف فالغاية في الحديث للمجموع لا لكل فرد من أفراد الْمَجْمُوْع فإذا قضيت الصلاة ولم يحصل الانكشاف استمروا بالْدُعَاء وغيره إلى حصول الانكشاف.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ دَقِيْقِ الْعِيْدِ ﵀ فِي [إِحْكَامِ الْأَحْكَامِ] (٢٣٦):
стр. 2929
«وقد ذكروا: أنَّها إذا صليت صلاة الكسوف على الوجه المذكور ولم تنجل الشمس: إنَّها لا تعاد على تلك الصفة وليس في قوله: "فصلوا وادعوا حتى ينكشف ما بكم" ما يدل على خلاف هذا لوجهين.
أحدهما: أنَّه أمر بمطلق الصلاة لا بالصلاة على هذا الوجه المخصوص ومطلق الصلاة سائغ إلى حين الانجلاء.
الثاني: لو سلما أنَّ المراد الصلاة الموصوفة بالوصف المذكور: لكان لنا أن نجعل هذه الغاية لمجموع الْأمرين - أعني الصلاة والْدُعَاء - ولا يلزم من كونهما غاية لمجموع الْأمرين: أن تكون غاية لكل واحد منهما على انفراده فجاز أن يكون الْدُعَاء ممتداً إلى غاية الانجلاء بعد الصلاة على الوجه المخصوص مرة واحدة ويكون غاية للمجموع» اهـ.
قُلْتُ: قد جاء ما يدل على أنَّ صلاة الكسوف تكرر إلى وقت الانجلاء، وهو ما رواه أبو داود (١١٩٥) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي شُعَيْبٍ الْحَرَّانِيُّ، حَدَّثَنِي الْحَارِثُ بْنُ عُمَيْرٍ الْبَصْرِيُّ، عَنْ أَيُّوبَ السَّخْتِيَانِيِّ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ، قَالَ: «كُسِفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَجَعَلَ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، رَكْعَتَيْنِ وَيَسْأَلُ عَنْهَا، حَتَّى انْجَلَتْ».
قُلْتُ: هكذا رواه الحارث بن عمير، وتابعه عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي عند أحمد (١٨٣٩١)، وهيب بن خالد عند الطبراني في [الْدُعَاء] (٢٢٣٨).
ورواه خالد الحذاء عن أيوب بخلاف ذلك.
فروى النسائي (١٤٨٥)، وابن ماجه (١٢٦٢) مِنْ طَرِيْقِ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ، قَالَ: «انْكَسَفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ
стр. 2930
ﷺ ، فَخَرَجَ يَجُرُّ ثَوْبَهُ فَزِعًا، حَتَّى أَتَى الْمَسْجِدَ، فَلَمْ يَزَلْ يُصَلِّي بِنَا حَتَّى انْجَلَتْ … ».
ورواه عبد الوارث بن سعيد وزاد رجلاً مبهما بين أبي قلابة والنعمان.
قال الْإِمَام أحمد ﵀ (١٨٣٧٧) حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، فَذَكَرَ حَدِيثًا قَالَ: وَحَدَّثَ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ رَجُلٍ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ، قَالَ: «كَسَفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: وَكَانَ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ يَسْأَلُ، ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ يَسْأَلُ، حَتَّى انْجَلَتِ الشَّمْسُ … ».
قُلْتُ: ورجح الحافظ البيهقي الانقطاع بين أبي قلابة وبين النعمان فقال مشيراً لهذه الطريق في [سُنَنِه الْكُبْرَى] (٣/ ٣٣٢): «هذا مرسل أبو قلابة لم يسمعه من النعمان بن بشير إنَّما رواه عن رجل عن النعمان وليس فيه هذه اللفظة الأخيرة» اهـ.
وَقَالَ الحافظ ابن معين ﵀ كما في [تَارِيْخِ ابْنِ مَعِيْن رِوَايَّةِ الْدَّوْرِي] (٤٠٢٥): «أبو قلابة عن النعمان بن بشير مرسل» اهـ.
وَقَالَ ابن أبي حاتم ﵀ في [الْمَرَاسِيْلِ] (٢٢):
«قال أبي قد أدرك أبو قلابة النعمان بن بشير ولا أعلم سمع منه» اهـ.
قُلْتُ: وثم اختلاف آخر فروى الطحاوي في [شَرْحِ مَعَانِي الْآثَارِ] (١٩٤٣) حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي دَاوُدَ، وَفَهْدٌ، قَالَا: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مَعْبَدٍ، قَالَ: ثنا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَمْرٍو، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ، أَوْ غَيْرِهِ، قَالَ: «كَسَفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَجَعَلَ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ وَيُسَلِّمُ وَيَسْأَلُ حَتَّى انْجَلَتْ … ».
стр. 2931
قُلْتُ: وثم اختلاف آخر فهناك من رواه عن أيوب عن أبي قلابة عن قبيصة. منهم:
وهيب بن خالد وحديثه عند أحمد (٢٠٦٢٧)، وأبي داود (١١٨٧).
وعبيد الله بن الوازع وحديثه عند النسائي (١٤٨٦).
وعبد الوهاب الثقفي في رواية أخرى وحديثه عند أحمد (٢٠٦٢٦).
وعبد الوارث بن سعيد في رواية أخرى عند البيهقي في [الْكُبْرَى] (٦١٣١).
ورواه النسائي (١٤٩٠) أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ الْحَسَنِ، عَنْ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ، «عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، أَنَّهُ خَرَجَ يَوْمًا مُسْتَعْجِلًا إِلَى الْمَسْجِدِ وَقَدْ انْكَسَفَتِ الشَّمْسُ، فَصَلَّى حَتَّى انْجَلَتْ، ثُمَّ قَالَ: "إِنَّ أَهْلَ الْجَاهِلِيَّةِ كَانُوا يَقُولُونَ: إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَا يَنْخَسِفَانِ إِلَّا لِمَوْتِ عَظِيمٍ مِنْ عُظَمَاءِ أَهْلِ الْأَرْضِ، وَإِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَا يَنْخَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ، وَلَكِنَّهُمَا خَلِيقَتَانِ مِنْ خَلْقِهِ، يُحْدِثُ اللَّهُ فِي خَلْقِهِ مَا يَشَاءُ، فَأَيُّهُمَا انْخَسَفَ فَصَلُّوا حَتَّى يَنْجَلِيَ أَوْ يُحْدِثَ اللَّهُ أَمْرًا"».
ورواه النسائي (١٤٨٧) أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا مُعَاذٌ وَهُوَ ابْنُ هِشَامٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ قَبِيصَةَ الْهِلَالِيِّ.
قَالَ الْحَافِظُ الْبَيْهَقِيُّ ﵀ في [سُنَنِه الْكُبْرَى] (٣/ ٣٣٣) - بعد ذكره لهذه الطريق -:
«هذا أشبه أن يكون محفوظاً» اهـ.
قُلْتُ: وفي السند انقطاع بين الحسن والنعمان. فالحسن لا يصح له سماع من النعمان بن بشير كما ذكر ذلك الْإِمَام علي بن المديني.
стр. 2932
وهذا اختلاف شديد في الحديث وعلى كلٍ أبو قلابة لم يسمع الحديث من النعمان، ولا من قبيصة فهو منقطع على كل حال وقد سبق أن ذكرنا حديث قبيصة في شرحنا للحديث الماضي.
وذهب إلى مشروعية التكرار ابن حزم فقال في [الْمُحَلَّى] (٣/ ٣١٢):
«وَإِنْ شَاءَ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ وَيُسَلِّمُ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ وَيُسَلِّمُ، هَكَذَا حَتَّى يَنْجَلِيَ الْكُسُوفُ فِي الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ، وَالْآيَاتُ» اهـ.
٦ - أنَّها تصلى في جميع الأوقات حتى في أوقات الكراهة لعموم قوله: «فَإِذَا رَأَيْتُمْ مِنْهُمَا شَيْئًا، فَصَلُّوا».
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كما في [مَجْمُوعِ الْفَتَاوَى] (٢٣/ ١٩١):
«وأمَّا سائر ذوات الأسباب: مثل تحية المسجد وسجود التلاوة وصلاة الكسوف ومثل ركعتي الطواف في الأوقات الثلاثة ومثل الصلاة على الجنازة في الأوقات الثلاثة. فاختلف كلامه فيها. والمشهور عنه النهي وهو اختيار كثير من أصحابه: كالخرقي والقاضي وغيرهما وهو مذهب مالك وأبي حنيفة. لكن أبو حنيفة يجوز السجود بعد الفجر والعصر لا واجب عنده. والرواية الثانية: جواز جميع ذوات الأسباب وهي اختيار أبي الخطاب وهذا مذهب الشافعي وهو الراجح في هذا» اهـ.
٧ - واحتج بقوله: «فَإِذَا رَأَيْتُمْ مِنْهُمَا شَيْئًا، فَصَلُّوا». على الصلاة في جميع الآيات.
стр. 2933
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْمُنْذِرِ ﵀ في [الْأَوْسَطِ] (٩/ ١٩):
«وممن رأى الصلاة عند الزلزلة أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وَقَالَ أحمد: يصلى عند الزلزلة جماعة ثماني ركعات في أربع سجدات كالصلاة في الكسوف، وَقَالَ أبو ثور: كسوف الشمس والقمر من الآيات فكل آية تخاف عندها صلوا حتى يكشفها الله، وفيه قول ثان وهو أن لا يصلى في زلزلة، ولا ظلمة، ولا صواعق، ولا ريح، ولا غير ذلك، إلَّا أن يصلوا منفردين، وهذا قول الشافعي، وأنكر مالك الصلاة عند الزلزلة وقال: ما أسرع الناس إلى البدع. وَقَالَ أصحاب الرأي في الصلاة في غير كسوف الشمس في الظلمة تكون، أو في الريح الشديدة: الصلاة في ذلك حسنة» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ بَطَّالٍ ﵀ في [شَرْحِ صَحِيْحِ الْبُخَارِي] (٣/ ٢٦ - ٢٧): «وهو قول أحمد، وإسحاق، وأبي ثور. وكان مالك، والشافعي، لا يريان ذلك. وَقَالَ الكوفيون: الصلاة في ذلك حسنة، يعنى في الظلمة والريح الشديدة. قال المؤلف: وقوله في هذا الحديث: "فإذا رأيتم شيئًا من ذلك"، تضم الزلازل وجميع الآيات، فهو حجة لمن رأى الصلاة عند جميعها، وحجة مالك والشافعي، قوله ﷺ : "فإذا رأيتموهما فصلوا"، يعنى الشمس والقمر المذكورين في أول الكلام وهما اللذان صلى فيهما ﷺ ، ونقل ذلك من فعله» اهـ.
قُلْتُ: قوله ﷺ : «فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُمَا، فَصَلُّوا» جاء من حديث أبي بكرة في البخاري (١٠٤٠). وجاء من حديث أبي مسعود أيضاً في البخاري (١٠٥٧).
стр. 2934
وجاء من حديث عبد الله بن عمر في البخاري (٣٢٠١)، ومسلم (٩١٤).
قُلْتُ: وصلاة الآيات جاء بها آثار عن بعض الصحابة منهم:
عبد الله بن عباس ﵄.
فروى عبد الرزاق في [مُصَنَفِه] (٤٩٢٩) ومن طريقه ابن المنذر في [الْأَوْسَطِ] (٢٨٤٨)، والبيهقي في [الْكُبْرَى] (٦١٧٥) عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ، وَعَاصِمٍ الْأَحْوَلِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّهُ صَلَّى فِي الزَّلْزَلَةِ بِالْبَصْرَةِ فَأَطَالَ الْقُنُوتَ ثُمَّ رَكَعَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَأَطَالَ الْقُنُوتَ، ثُمَّ رَكَعَ، ثُمَّ رَكَعَ، ثُمَّ سَجَدَ، ثُمَّ صَلَّى الثَّانِيَةَ كَذَلِكَ، فَصَارَتْ صَلَاتُهُ ثَلَاثَ رَكَعَاتٍ وَأَرْبَعَ سَجَدَاتٍ، وَقَالَ: هَكَذَا صَلَاةُ الْآيَاتِ».
ولفظ ابن المنذر: «أَنَّهُ صَلَّى فِي الزَّلْزَلَةِ بِالْبَصْرَةِ، فَأَطَالَ الْقُنُوتَ ثُمَّ رَكَعَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ، فَأَطَالَ الْقُنُوتَ، ثُمَّ رَكَعَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَأَطَالَ الْقُنُوتَ، ثُمَّ رَكَعَ، ثُمَّ سَجَدَ، ثُمَّ صَلَّى الثَّانِيَةَ كَذَلِكَ، فَصَارَتْ صَلَاتُهُ ثَلَاثَ رَكَعَاتٍ وَأَرْبَعَ سَجَدَاتٍ، وَقَالَ: هَكَذَا صَلَاةُ الْآيَاتِ».
قُلْتُ: هَذَا إِسْنَادٌ صَحِيْحٌ.
وروى عبد الرزاق في [مُصَنَفِه] (٤٩٣١)، ومن طريقه ابن المنذر في [الْأَوْسَطِ] (٢٨٥٣) عَنِ الثَّوْرِيِّ، عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ، أَوْ عَاصِمٍ الْأَحْوَلِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّهُ صَلَّى فِي الزَّلْزَلَةِ بِالْبَصْرَةِ - فَاتَّفَقَا عَلَى أَنَّهُ رَكَعَ فِي رَكْعَتَيْنِ سِتَّ رَكَعَاتٍ، ثَلَاثٌ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ "، وَاخْتَلَفَا - فَقَالَ عَاصِمٌ: قَرَأَ مَا بَيْنِ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ، وَقَالَ خَالِدٌ: قَرَأَ فِي الْأُولَى مِنْ كُلِّ رَكْعَةٍ مِنْهَا ثُمَّ عَادَ بَعْدُ».
стр. 2935
ورواه ابن المنذر في [الْأَوْسَطِ] (٢٨٤٩) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، قَالَ: ثنا مَرْوَانُ، قَالَ: ثنا عَاصِمٌ الْأَحْوَلُ به.
وجاء عن علي بن أبي طالب ﵁.
فروى الشافعي في [الْأُم] (٧/ ١٦٨)، والبيهقي في [سُنَنِه الْكُبْرَى] (٦١٧٤)، وفي [الْمَعْرِفَة] (٢٠٥٢) أَخْبَرَنَا عَبَّادٌ عَنْ عَاصِمٍ الْأَحْوَلِ عَنْ قَزْعَةَ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - «أَنَّهُ صَلَّى فِي زَلْزَلَةٍ سِتَّ رَكَعَاتٍ فِي أَرْبَعِ سَجَدَاتٍ خَمْسَ رَكَعَاتٍ وَسَجْدَتَيْنِ فِي رَكْعَةٍ وَرَكْعَةٍ وَسَجْدَتَيْنِ فِي رَكْعَةٍ».
قال الشافعي: ولو ثبت هذا الحديث عندنا عن علي ﵁ لقلنا به. قال البيهقي ﵀ هو عن ابن عباس ثابت اهـ.
قُلْتُ: رواية البيهقي فيها: «قال الشافعي فيما بلغه عن عباد». وليس فيه سماع الشافعي من عباد وهو عباد بن عباد بن حبيب بن المهلب، وهذا خلاف ما في "الْأُم".
وهذا الذي يظهر لي فلم يذكر في ترجمة الشافعي أنَّه سمع من عباد، ولا في ترجمة عباد أنَّه ممن سمع منه الْإِمَام الشافعي. وقزعة هو ابن يحيى. فالذي يظهر لي عدم ثبوت هذا الأثر. والله أعلم.
وجاء عن عبد الله بن مسعود ﵁.
فروى ابن المنذر في [الْأَوْسَطِ] (٢٨٥١)، والبيهقي في [الْكُبْرَى] (٦١٧٣) مِنْ طَرِيْقِ سُفْيَانَ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ حَسَّانَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: «إِذَا سَمِعْتُمْ هَذَا مِنَ السَّمَاءِ فَافْزَعُوا إِلَى الصَّلَاةِ».
قُلْتُ: ولا يثبت هذا فحبيب بن حسان متروك الحديث.
стр. 2936
وجاء عن حذيفة بن اليمان بإسناد منقطع.
فروى عبد الرزاق في [مُصَنَفِه] (٤٩٣٠) عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: «صَلَّى حُذَيْفَةُ بِالْمَدَائِنِ بِأَصْحَابِهِ مِثْلَ صَلَاةِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي الْآيَاتِ».
قُلْتُ: هَذَا إِسْنَادٌ مُنْقَطِعٌ بين قتادة وحذيفة.
وقد ذهب إلى الصلاة في الزلزلة ونحوها شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ فقد قال ﵀ كما في [الْاخْتِيَارَاتِ الْفِقْهِيَّةِ] ص (٤٤٢):
«وتصلى صلاة الكسوف لكل آية كالزلزلة وغيرها وهو قول أبي حنيفة ورواية عن أحمد وقول محققي أصحابنا وغيرهم» اهـ.
قُلْتُ: الذي يظهر لي أنَّه لا يصلى لغير الكسوف لعدم ثبوت ذلك عن رسول الله ﷺ ولأنَّ الزلزلة قد حصلت في عهد عمر بن الخطاب ﵁ ولم يصل لها.
فروى ابن أبي شيبة في [الْمُصَنَّفِ] (٨٤٢١)، والبيهقي في [الْكُبْرَى] (٦١٧٠) مِنْ طَرِيْقِ نَافِعٍ، عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ أَبِي عُبَيْدٍ قَالَتْ: «زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ عَلَى عَهْدِ عُمَرَ حَتَّى اصْطَفَقَتِ السُّرُرُ، وَابْنُ عُمَرَ يُصَلِّي فَلَمْ يَدْرِ بِهَا، وَلَمْ يُوَافِقْ أَحَدًا يُصَلِّي، فَدَرَى بِهَا، فَخَطَبَ عُمَرُ النَّاسَ، فَقَالَ: " أَحْدَثْتُمْ، لَقَدْ عَجِلْتُمْ، قَالَتْ: وَلَا أَعْلَمُهُ إِلَّا قَالَ: " لَئِنْ عَادَتْ لَأَخْرُجَنَّ مِنْ بَيْنِ ظَهْرَانَيْكُمْ"».
قُلْتُ: وهَذَا أَثَرٌ صَحِيْحٌ. وصفية هذه هي زوج عبد الله بن عمر اختلف في إدراكها للنبي ﷺ ، والصحيح أنَّه لم يثبت إدراكها، وهي وإن لم يوثقها معتبر فقد احتج بها مسلم في "صَحِيْحِهِ". والله أعلم.
стр. 2937
٨ - واحتج بالْأمر في هذا الحديث وغيره من أوجب صلاة الكسوف وممن ذهب إلى وجوبها أبو عوانة فقد قال في [مُسْتَخْرَجِهِ] (٣/ ٤٦) مبوباً على هذا الحديث: «بيان وجوب صلاة الكسوف» اهـ.
وَقَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٢/ ٥٢٧):
«قوله: "باب الصلاة في كسوف الشمس" أي مشروعيتها وهو أمر متفق عليه لكن اختلف في الحكم وفي الصفة فالجمهور على أنَّها سنة مؤكدة وصرح أبو عوانة في صَحِيْحِهِ بوجوبها ولم أره لغيره إلَّا ما حكي عن مالك أنَّه أجراها مجرى الجمعة ونقل الزين بن المنير عن أبي حنيفة أنَّه أوجبها وكذا نقل بعض مصنفي الحنفية أنَّها واجبة» اهـ.
وَقَالَ العلامة الشوكاني ﵀ في [الْسَّيْلِ الْجَرَّارِ] (١/ ١٩٧):
«والظاهر الوجوب فإن صح ما قيل من الإجماع على عدم الوجوب كان صارفاً وإلَّا فلا» اهـ.
قُلْتُ: وأكثر العلماء على استحبابها. وقد جاء الْأمر بالصلاة مقروناً بالْأمر بالتكبير، والْدُعَاء، والصدقة كما في حديث عائشة الآتي ولا قائل بوجوب ذلك.
٩ - ويدل أنَّ صلاة الكسوف لا تشرع بعد الانكشاف، فإذا حصل الانكشاف وهم في الصلاة أتموها على وجه التخفيف مع مراعاة صفتها التي جاءت بها السنة.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ في [الْمُغْنِي] (٤/ ٣١٨):
«وإن انجلت وهو في الصلاة أتمها، وخففها.
стр. 2938
وإن استترت الشمس والقمر بالسحاب، وهما منكسفان، صلى؛ لأنَّ الأصل بقاء الكسوف.
وإن غابت الشمس كاسفة، أو طلعت على القمر وهو خاسف، لم يصل؛ لأنَّه قد ذهب وقت الانتفاع بنورهما.
وإن غاب القمر ليلاً، فقال القاضي: يصلي؛ لأنَّه لم يذهب وقت الانتفاع بنوره وضوئه.
ويحتمل أن لا يصلي؛ لأنَّ ما يصلي له قد غاب، أشبه ما لو غابت الشمس.
وإن فرغ من الصلاة والكسوف قائم لم يزد، واشتغل بالذكر والْدُعَاء؛ لأَنَّ الْنَّبِيَّ ﷺ لم يزد على ركعتين» اهـ.
١٠ - وقوله: «فَإِذَا رَأَيْتُمْ مِنْهُمَا شَيْئًا، فَصَلُّوا». دليل على عدم الاعتماد على أخبار الفلكين في الكسوف بل لا بد من رؤية.
١١ - وقوله: «فَإِذَا رَأَيْتُمْ مِنْهُمَا شَيْئًا، فَصَلُّوا». يدل على أنَّه إذا لم ير ذلك في بلد فلا يستحب لهم أن يصلوا الكسوف وإن رؤي ذلك في بلد آخر.
فإن قيل: لما لا تجعل الرؤية في ذلك كرؤية الهلال بحيث أنَّه إذا رؤي في بلد لزم سائر البلدان الصوم بهذه الرؤية؟
أقول: الفرق بينَّهما أنَّ رؤية الهلال المراد بها اثبات دخول الشهر فيستوي فيه جميع الناس، وأمَّا الكسوف ففيه تخويف الناس كما روى البخاري (١٠٥٩)، ومسلم (٩١٢) عَنْ أَبِي مُوسَى، قَالَ: خَسَفَتِ الشَّمْسُ، فَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ فَزِعًا، يَخْشَى أَنْ تَكُونَ السَّاعَةُ، فَأَتَى المَسْجِدَ، فَصَلَّى بِأَطْوَلِ قِيَامٍ وَرُكُوعٍ
стр. 2939
وَسُجُودٍ رَأَيْتُهُ قَطُّ يَفْعَلُهُ، وَقَالَ: «هَذِهِ الآيَاتُ الَّتِي يُرْسِلُ اللَّهُ، لَا تَكُونُ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ، وَلَكِنْ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ، فَافْزَعُوا إِلَى ذِكْرِهِ وَدُعَائِهِ وَاسْتِغْفَارِهِ».
وجاء عن أبي بكرة في البخاري (١٠٤٨).
وروى مسلم بنحوه أيضاً عن عائشة (٩٠١)، وعن أبي مسعود الأنصاري (٩١١).
قُلْتُ: والتخويف لا يحصل إلَّا لمن شاهد ذلك.
وهكذا فإنَّ الْنَّبِيَّ ﷺ مد الصلاة حتى ينجلي الكسوف فروى البخاري (١٠٦٠)، ومسلم (٩١٥) عَنِ المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، قَالَ: انْكَسَفَتِ الشَّمْسُ يَوْمَ مَاتَ إِبْرَاهِيمُ، فَقَالَ النَّاسُ: انْكَسَفَتْ لِمَوْتِ إِبْرَاهِيمَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّ الشَّمْسَ وَالقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ، لَا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ، فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُمَا، فَادْعُوا اللَّهَ وَصَلُّوا حَتَّى يَنْجَلِيَ».
قُلْتُ: وهذا يدل على أنَّ صلاة الكسوف شرعت في حق من حصل له كسوف فإنَّ هذا هو الذي يصلي حتى ينكشف الكسوف.
وهذه المسألة لا أعلم فيها كلاماً للمتقدمين، وذلك أنَّها غير واردة في أزمانهم فإنَّ الخبر من الْأماكن البعيدة لا يصل حتى يزول الكسوف، وإنَّما خاضوا في هلال رمضان وذلك لامتداد الشهر فقد يأتي الخبر برؤيته من في البلاد البعيدة قبل انقضاء الشهر.
وقد خاض في هذه المسألة أهل العلم المعاصرين فقد قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ بَازٍ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوعِ الْفَتَاوَى] (١٣/ ٣١): «ويعلم أيضاً أنَّه لا يشرع لأهل بلد
стр. 2940
لم يقع عندهم الكسوف أن يصلوا؛ لأنَّ الرسول ﷺ علق الْأمر بالصلاة، وما ذكر معها برؤية الكسوف لا بالخبر من أهل الحساب بأنَّه سيقع، ولا بوقوعه في بلد آخر» اهـ.
١٢ - وقوله: «فَإِذَا رَأَيْتُمْ مِنْهُمَا شَيْئًا، فَصَلُّوا». فيه أنَّه إذا لم ير الكسوف لحائل كالغمام فإنَّه لا يصلى للكسوف.
قَالَ الْرَّافِعِي ﵀ فِي [الشَّرْحُ الْكَبِيْرِ] (٥/ ٧٩)
«لو كانت تحت الغمام فظن الكسوف لم يصل حتى يستيقن» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [الْمَجْمُوْعِ] (٥/ ٥٤):
«ولو كانت الشمس تحت غمام وشك هل كسفت لم يصل بلا خلاف لأنَّ الأصل عدم الكسوف» اهـ.
وَقَالَ ﵀ في [رَوْضَةِ الْطَالِبِيْنَ] (٢/ ٨٦):
«ولو كانت الشمس تحت غمام فظن الكسوف لم يصل حتى يستيقن» اهـ.
وجاء في [مَجْمُوْعِ فَتَاوِى وَرَسَائِل ابْنِ عُثَيْمِيْن] (١٦/ ١٨٦):
«سئل فضيلة الشيخ - رَحِمَهُ اللهُ تعالى -: ما الحكم لو كانت الشمس عليها غمام ونشر في الصحف قبل ذلك بأنَّه سوف يحصل كسوف بإذن الله تعالى في ساعة كذا وكذا فهل تصلى صلاة الكسوف ولو لم ير؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا يجوز أن يصلي اعتماداً على ما ينشر في الجرائد، أو يذكر بعض الفلكيين، إذا كانت السماء غيماً ولم ير الكسوف؛ لأنَّ الْنَّبِيَّ ﷺ علق الحكم بالرؤية، فقال ﵊: «فإذا رأيتموهما فافزعوا
стр. 2941
إلى الصلاة»، ومن الجائز أنَّ الله تعالى يخفي هذا الكسوف عن قوم دون آخرين لحكمة يريدها» اهـ.
* * *
стр. 2942
١٤٥ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «خَسَفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالنَّاسِ. فَأَطَالَ الْقِيَامَ، ثُمَّ رَكَعَ، فَأَطَالَ الرُّكُوعَ، ثُمَّ قَامَ، فَأَطَالَ الْقِيَامَ - وَهُوَ دُونَ الْقِيَامِ الأَوَّلِ - ثُمَّ رَكَعَ، فَأَطَالَ الرُّكُوعَ - وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الأَوَّلِ - ثُمَّ سَجَدَ، فَأَطَالَ السُّجُودَ، ثُمَّ فَعَلَ فِي الرَّكْعَةِ الأُخْرَى مِثْلَ مَا فَعَلَ فِي الرَّكْعَةِ الأُولَى، ثُمَّ انْصَرَفَ، وَقَدْ تَجَلَّتْ الشَّمْسُ، فَخَطَبَ النَّاسَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: "إنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ، لا يَخْسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلا لِحَيَاتِهِ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ فَادْعُوا اللَّهَ وَكَبِّرُوا، وَصَلُّوا وَتَصَدَّقُوا"، ثُمَّ قَالَ: "يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ، وَاَللَّهِ مَا مِنْ أَحَدٍ أَغْيَرُ مِنْ اللَّهِ أَنْ يَزْنِيَ عَبْدُهُ، أَوْ تَزْنِيَ أَمَتُهُ، يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ، وَاَللَّهِ لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلاً وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيراً"».
وَفِي لَفْظٍ: «فَاسْتَكْمَلَ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ وَأَرْبَعَ سَجَدَاتٍ».
وفي الحديث مسائل منها:
١ - أنَّ في كل ركعة من ركعتي صلاة الكسوف قيامين، وركوعين، وسجودين.
قُلْتُ: ويقرأ في كل قيام الفاتحة وسورة كالشأن في سائر الصلوات، وهكذا إذا رفع رأسه من الركوع يأتي الْإِمَام بالتسميع والتحميد إن كان إماماً أو منفرداً، ويكتفي المؤتم بالتحميد كسائر الصلوات، وهذا الذي ذكره علماء المذاهب في مصنفاتهم. والله أعلم.
стр. 2943
وذهب بعض المالكية إلى عدم قراءة الفاتحة في القيام الثاني.
والصحيح مذهب الجمهور وذلك أنَّ السنة دلت على القراءة في القيام الثاني، وأولى ما تقرأ هي الفاتحة فإنَّ الفاتحة أوكد ما يقرأ في الصلاة.
وقد جاء في بعض ألفاظ حديث عَائِشَةَ ﵂ في البخاري (١٠٦٥) أنَّها قالت:
«جَهَرَ النَّبِيُّ ﷺ فِي صَلَاةِ الخُسُوفِ بِقِرَاءَتِهِ، فَإِذَا فَرَغَ مِنْ قِرَاءَتِهِ كَبَّرَ، فَرَكَعَ وَإِذَا رَفَعَ مِنَ الرَّكْعَةِ قَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، رَبَّنَا وَلَكَ الحَمْدُ، ثُمَّ يُعَاوِدُ القِرَاءَةَ فِي صَلَاةِ الكُسُوفِ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ فِي رَكْعَتَيْنِ وَأَرْبَعَ سَجَدَاتٍ».
وروى مسلم (٩٠١) حَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنِي ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، ح وحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، وَمُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ الْمُرَادِيُّ، قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ، زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَتْ: خَسَفَتِ الشَّمْسُ فِي حَيَاةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلَى الْمَسْجِدِ، فَقَامَ وَكَبَّرَ، وَصَفَّ النَّاسُ وَرَاءَهُ، فَاقْتَرَأَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قِرَاءَةً طَوِيلَةً، ثُمَّ كَبَّرَ فَرَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ، فَقَالَ: «سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ»، ثُمَّ قَامَ، فَاقْتَرَأَ قِرَاءَةً طَوِيلَةً هِيَ أَدْنَى مِنَ الْقِرَاءَةِ الْأُولَى، ثُمَّ كَبَّرَ، فَرَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا هُوَ أَدْنَى مِنَ الرُّكُوعِ الْأَوَّلِ، ثُمَّ قَالَ: «سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ»، ثُمَّ سَجَدَ - وَلَمْ يَذْكُرْ أَبُو الطَّاهِرِ: ثُمَّ سَجَدَ - ثُمَّ فَعَلَ فِي الرَّكْعَةِ الْأُخْرَى مِثْلَ ذَلِكَ، حَتَّى اسْتَكْمَلَ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ، وَأَرْبَعَ سَجَدَاتٍ، وَانْجَلَتِ الشَّمْسُ قَبْلَ أَنْ يَنْصَرِفَ، ثُمَّ قَامَ فَخَطَبَ النَّاسَ، فَأَثْنَى عَلَى اللهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، ثُمَّ قَالَ: «إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ
стр. 2944
آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللهِ، لَا يَخْسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ، وَلَا لِحَيَاتِهِ، فَإِذَا رَأَيْتُمُوهَا فَافْزَعُوا لِلصَّلَاةِ»، وَقَالَ أَيْضًا: «فَصَلُّوا حَتَّى يُفَرِّجَ اللهُ عَنْكُمْ»، وَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «رَأَيْتُ فِي مَقَامِي هَذَا كُلَّ شَيْءٍ وُعِدْتُمْ، حَتَّى لَقَدْ رَأَيْتُنِي أُرِيدُ أَنْ آخُذَ قِطْفًا مِنَ الْجَنَّةِ حِينَ رَأَيْتُمُونِي جَعَلْتُ أُقَدِّمُ - وقَالَ الْمُرَادِيُّ: أَتَقَدَّمُ - وَلَقَدْ رَأَيْتُ جَهَنَّمَ يَحْطِمُ بَعْضُهَا بَعْضًا، حِينَ رَأَيْتُمُونِي تَأَخَّرْتُ، وَرَأَيْتُ فِيهَا ابْنَ لُحَيٍّ، وَهُوَ الَّذِي سَيَّبَ السَّوَائِبَ». وَانْتَهَى حَدِيثُ أَبِي الطَّاهِرِ عِنْدَ قَوْلِهِ: «فَافْزَعُوا لِلصَّلَاةِ»، وَلَمْ يَذْكُرْ مَا بَعْدَهُ.
٢ - وفيه استحباب تطويل القيام والركوع والسجود في صلاة الكسوف، وأن يكون القيام الأول أطول من القيام الثاني، والركوع الأول أطول من الركوع الثاني، والسجود الأول أطول من السجود الثاني.
قُلْتُ: وقد روى البخاري (٥١٩٧) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ قَالَ: «خَسَفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَالنَّاسُ مَعَهُ، فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلًا نَحْوًا مِنْ سُورَةِ البَقَرَةِ … ».
٣ - وليس في الحديث ذكر الرفع من الركوع الثاني، وقد جاء ذلك في بعض ألفاظ الحديث فروى البخاري (١٠٥٠، ١٠٥٦)، ومسلم (٩٠٣) عنها أنَّها قالت: «ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا، ثُمَّ رَفَعَ، فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلًا وَهُوَ دُونَ القِيَامِ الأَوَّلِ».
وجاء أيضاً في حديث ابن عباس في البخاري (١٠٥٢)، ومسلم (٩٠٧).
٤ - وفيه استحباب خطبة الكسوف.
стр. 2945
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ في [الْمَجْمُوْع] (٥/ ٥٣):
«قد ذكرنا أنَّ مذهبنا استحباب خطبتين بعد صلاة الكسوف وبه قال جمهور السلف ونقله ابن المنذر عن الجمهور. وَقَالَ مالك وأبو حنيفة وأبو يوسف وأحمد في رواية لا تشرع لها الخطبة» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٢/ ٣١٥)
«فَصْلٌ: وَلَمْ يَبْلُغْنَا عَنْ أَحْمَدَ، ﵀ أَنَّ لَهَا خُطْبَةً، وَأَصْحَابُنَا عَلَى أَنَّهَا لَا خُطْبَةَ لَهَا. وَهَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يُخْطَبُ كَخُطْبَتَيْ الْجُمُعَةِ» اهـ.
قُلْتُ: واستحباب ذلك هو الصحيح من أقوال أهل العلم، وأمَّا من قال: إنَّ الْنَّبِيَّ ﷺ لم يكن قاصداً للخطبة وإنَّما أراد إنكار ما بلغه من قول من قال: إنَّ الشمس انكسفت لموت إبراهيم فليس هذا بظاهر فإنَّ الْنَّبِيَّ ﷺ ذكر أشياء متعددة في خطبته ولم يقتصر على ذكر هذه القضية. والله أعلم.
٥ - وفيه استحباب التكبير والْدُعَاء والصدقة عند الكسوف.
٦ - وفيه أنَّ التكبير والْدُعَاء والصدقة عند الكسوف مما تكشف به النقم، ويرفع بها العذاب.
٧ - إثبات صفة الغيرة لله على ما يليق به .
قُلْتُ: وقد أبى إثبات ذلك المعطلة وقالوا: الغيرة مشتقة من تغير حال الغيران لما رآه من قبيح فعل، والله تعالى يتقدس عن تغير ذاته وصفاته، وغيرته ما غيره من حال العاصي كان بانتقامه منه وأخذه له، ومعاقبته في الدنيا والآخرة.
следующие страницы →