← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 30178

تحفة السائل في بيان ما في عمدة الأحكام من المسائل

أبو بكر الحمادي

Полный текст (8 095 стр.). Показаны 2941–2980 · переход к 2946.

стр. 2941

إلى الصلاة»، ومن الجائز أنَّ الله تعالى يخفي هذا الكسوف عن قوم دون آخرين لحكمة يريدها» اهـ. * * *

стр. 2942

١٤٥ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «خَسَفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالنَّاسِ. فَأَطَالَ الْقِيَامَ، ثُمَّ رَكَعَ، فَأَطَالَ الرُّكُوعَ، ثُمَّ قَامَ، فَأَطَالَ الْقِيَامَ - وَهُوَ دُونَ الْقِيَامِ الأَوَّلِ - ثُمَّ رَكَعَ، فَأَطَالَ الرُّكُوعَ - وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الأَوَّلِ - ثُمَّ سَجَدَ، فَأَطَالَ السُّجُودَ، ثُمَّ فَعَلَ فِي الرَّكْعَةِ الأُخْرَى مِثْلَ مَا فَعَلَ فِي الرَّكْعَةِ الأُولَى، ثُمَّ انْصَرَفَ، وَقَدْ تَجَلَّتْ الشَّمْسُ، فَخَطَبَ النَّاسَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: "إنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ، لا يَخْسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلا لِحَيَاتِهِ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ فَادْعُوا اللَّهَ وَكَبِّرُوا، وَصَلُّوا وَتَصَدَّقُوا"، ثُمَّ قَالَ: "يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ، وَاَللَّهِ مَا مِنْ أَحَدٍ أَغْيَرُ مِنْ اللَّهِ أَنْ يَزْنِيَ عَبْدُهُ، أَوْ تَزْنِيَ أَمَتُهُ، يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ، وَاَللَّهِ لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلاً وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيراً"». وَفِي لَفْظٍ: «فَاسْتَكْمَلَ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ وَأَرْبَعَ سَجَدَاتٍ». وفي الحديث مسائل منها: ١ - أنَّ في كل ركعة من ركعتي صلاة الكسوف قيامين، وركوعين، وسجودين. قُلْتُ: ويقرأ في كل قيام الفاتحة وسورة كالشأن في سائر الصلوات، وهكذا إذا رفع رأسه من الركوع يأتي الْإِمَام بالتسميع والتحميد إن كان إماماً أو منفرداً، ويكتفي المؤتم بالتحميد كسائر الصلوات، وهذا الذي ذكره علماء المذاهب في مصنفاتهم. والله أعلم.

стр. 2943

وذهب بعض المالكية إلى عدم قراءة الفاتحة في القيام الثاني. والصحيح مذهب الجمهور وذلك أنَّ السنة دلت على القراءة في القيام الثاني، وأولى ما تقرأ هي الفاتحة فإنَّ الفاتحة أوكد ما يقرأ في الصلاة. وقد جاء في بعض ألفاظ حديث عَائِشَةَ ﵂ في البخاري (١٠٦٥) أنَّها قالت: «جَهَرَ النَّبِيُّ ﷺ فِي صَلَاةِ الخُسُوفِ بِقِرَاءَتِهِ، فَإِذَا فَرَغَ مِنْ قِرَاءَتِهِ كَبَّرَ، فَرَكَعَ وَإِذَا رَفَعَ مِنَ الرَّكْعَةِ قَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، رَبَّنَا وَلَكَ الحَمْدُ، ثُمَّ يُعَاوِدُ القِرَاءَةَ فِي صَلَاةِ الكُسُوفِ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ فِي رَكْعَتَيْنِ وَأَرْبَعَ سَجَدَاتٍ». وروى مسلم (٩٠١) حَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنِي ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، ح وحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، وَمُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ الْمُرَادِيُّ، قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ، زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَتْ: خَسَفَتِ الشَّمْسُ فِي حَيَاةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلَى الْمَسْجِدِ، فَقَامَ وَكَبَّرَ، وَصَفَّ النَّاسُ وَرَاءَهُ، فَاقْتَرَأَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قِرَاءَةً طَوِيلَةً، ثُمَّ كَبَّرَ فَرَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ، فَقَالَ: «سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ»، ثُمَّ قَامَ، فَاقْتَرَأَ قِرَاءَةً طَوِيلَةً هِيَ أَدْنَى مِنَ الْقِرَاءَةِ الْأُولَى، ثُمَّ كَبَّرَ، فَرَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا هُوَ أَدْنَى مِنَ الرُّكُوعِ الْأَوَّلِ، ثُمَّ قَالَ: «سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ»، ثُمَّ سَجَدَ - وَلَمْ يَذْكُرْ أَبُو الطَّاهِرِ: ثُمَّ سَجَدَ - ثُمَّ فَعَلَ فِي الرَّكْعَةِ الْأُخْرَى مِثْلَ ذَلِكَ، حَتَّى اسْتَكْمَلَ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ، وَأَرْبَعَ سَجَدَاتٍ، وَانْجَلَتِ الشَّمْسُ قَبْلَ أَنْ يَنْصَرِفَ، ثُمَّ قَامَ فَخَطَبَ النَّاسَ، فَأَثْنَى عَلَى اللهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، ثُمَّ قَالَ: «إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ

стр. 2944

آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللهِ، لَا يَخْسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ، وَلَا لِحَيَاتِهِ، فَإِذَا رَأَيْتُمُوهَا فَافْزَعُوا لِلصَّلَاةِ»، وَقَالَ أَيْضًا: «فَصَلُّوا حَتَّى يُفَرِّجَ اللهُ عَنْكُمْ»، وَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «رَأَيْتُ فِي مَقَامِي هَذَا كُلَّ شَيْءٍ وُعِدْتُمْ، حَتَّى لَقَدْ رَأَيْتُنِي أُرِيدُ أَنْ آخُذَ قِطْفًا مِنَ الْجَنَّةِ حِينَ رَأَيْتُمُونِي جَعَلْتُ أُقَدِّمُ - وقَالَ الْمُرَادِيُّ: أَتَقَدَّمُ - وَلَقَدْ رَأَيْتُ جَهَنَّمَ يَحْطِمُ بَعْضُهَا بَعْضًا، حِينَ رَأَيْتُمُونِي تَأَخَّرْتُ، وَرَأَيْتُ فِيهَا ابْنَ لُحَيٍّ، وَهُوَ الَّذِي سَيَّبَ السَّوَائِبَ». وَانْتَهَى حَدِيثُ أَبِي الطَّاهِرِ عِنْدَ قَوْلِهِ: «فَافْزَعُوا لِلصَّلَاةِ»، وَلَمْ يَذْكُرْ مَا بَعْدَهُ. ٢ - وفيه استحباب تطويل القيام والركوع والسجود في صلاة الكسوف، وأن يكون القيام الأول أطول من القيام الثاني، والركوع الأول أطول من الركوع الثاني، والسجود الأول أطول من السجود الثاني. قُلْتُ: وقد روى البخاري (٥١٩٧) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ قَالَ: «خَسَفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَالنَّاسُ مَعَهُ، فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلًا نَحْوًا مِنْ سُورَةِ البَقَرَةِ … ». ٣ - وليس في الحديث ذكر الرفع من الركوع الثاني، وقد جاء ذلك في بعض ألفاظ الحديث فروى البخاري (١٠٥٠، ١٠٥٦)، ومسلم (٩٠٣) عنها أنَّها قالت: «ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا، ثُمَّ رَفَعَ، فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلًا وَهُوَ دُونَ القِيَامِ الأَوَّلِ». وجاء أيضاً في حديث ابن عباس في البخاري (١٠٥٢)، ومسلم (٩٠٧). ٤ - وفيه استحباب خطبة الكسوف.

стр. 2945

قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ في [الْمَجْمُوْع] (٥/ ٥٣): «قد ذكرنا أنَّ مذهبنا استحباب خطبتين بعد صلاة الكسوف وبه قال جمهور السلف ونقله ابن المنذر عن الجمهور. وَقَالَ مالك وأبو حنيفة وأبو يوسف وأحمد في رواية لا تشرع لها الخطبة» اهـ. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٢/ ٣١٥) «فَصْلٌ: وَلَمْ يَبْلُغْنَا عَنْ أَحْمَدَ، ﵀ أَنَّ لَهَا خُطْبَةً، وَأَصْحَابُنَا عَلَى أَنَّهَا لَا خُطْبَةَ لَهَا. وَهَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يُخْطَبُ كَخُطْبَتَيْ الْجُمُعَةِ» اهـ. قُلْتُ: واستحباب ذلك هو الصحيح من أقوال أهل العلم، وأمَّا من قال: إنَّ الْنَّبِيَّ ﷺ لم يكن قاصداً للخطبة وإنَّما أراد إنكار ما بلغه من قول من قال: إنَّ الشمس انكسفت لموت إبراهيم فليس هذا بظاهر فإنَّ الْنَّبِيَّ ﷺ ذكر أشياء متعددة في خطبته ولم يقتصر على ذكر هذه القضية. والله أعلم. ٥ - وفيه استحباب التكبير والْدُعَاء والصدقة عند الكسوف. ٦ - وفيه أنَّ التكبير والْدُعَاء والصدقة عند الكسوف مما تكشف به النقم، ويرفع بها العذاب. ٧ - إثبات صفة الغيرة لله على ما يليق به . قُلْتُ: وقد أبى إثبات ذلك المعطلة وقالوا: الغيرة مشتقة من تغير حال الغيران لما رآه من قبيح فعل، والله تعالى يتقدس عن تغير ذاته وصفاته، وغيرته ما غيره من حال العاصي كان بانتقامه منه وأخذه له، ومعاقبته في الدنيا والآخرة.

стр. 2946

ومنهم من قال: إنَّه مؤول على أن يريد شدة المنع والحماية من الشيء لأنَّ الغائر على الشيء مانع له وحام منه فالمنع والحماية من لوازم الغيرة فأطلق لفظ الغيرة عليهما من مجاز الملازمة. قُلْتُ: وهذا من تحريف الكلم عن مواضعه. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ في [الصَّوَاعِقِ الْمُرْسَلَةِ] (٤/ ١٤٩٧ - ١٤٩٨): «فإنَّ الغيرة تتضمن البغض والكراهة فأخبر أنَّه لا أحد أغير منه وأنَّ من غيرته حرم الفواحش ولا أحد أحب إليه المدحة منه. والغيرة عند المعطلة النفاة من الكيفيات النفسية كالحياء والفرح والغضب والسخط والمقت والكراهية فيستحيل وصفه عندهم بذلك ومعلوم أنَّ هذه الصفات من صفات الكمال المحمودة عقلاً وشرعاً وعرفاً وفطرة وأضدادها مذمومة عقلاً وشرعاً وعرفاً وفطرة فإنَّ الذي لا يغار بل تستوي عنده الفاحشة وتركها مذموم غاية الذم مستحق للذم القبيح وهؤلاء المعطلة النفاة لحقيقة محبته ورضاه وغضبه عندهم الْأمران سواء بالنسبة إليه وأنَّ ما وجد من ذلك فهو يحبه ويرضاه وما لم يوجد من طاعاته وامتثال أوامره فهو يبغضه ويسخطه بناء على أصلهم الفاسد أنَّ المحبة هي عين الإرادة والمشيئة فكل ما شاءه فقد أحبه ورضيه وإذا جاء هؤلاء إلى النصوص الدالة على أنَّه لا يرضى بها ولا يحبها ولا يريدها أولوها بمعنى أنَّه لا يشرعها ولا يأمر بها ولا يحبها ولا يرضاها ديناً» اهـ.

стр. 2947

٨ - وفيه عظيم ذنب الزنا ولذا خصه النبي ﷺ بالذكر. وهو يدل على أنَّه من أسباب حصول الكسوف. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ في [الْجَوَابِ الْكَافِي] (١٦٣): «وفي ذكر هذه الْكَبِيْرة بخصوصها عقب صلاة الكسوف سر بديع لمن تأمله، وظهور الزنا من أمارات خراب العالم، وهو من أشراط الساعة، كما في الصحيحين عن أنس بن مالك أنَّه قال: لأحدثنكم حديثاً لا يحدثكموه أحد بعدي، سمعته من النبي ﷺ يقول: "من أشراط الساعة أن يرفع العلم ويظهر الجهل ويشرب الخمر ويظهر الزنا ويقل الرجال وتكثر النساء، حتى يكون لخمسين امرأة القيم الواحد". وقد جرت سنة الله سبحانه في خلقه أنَّه عند ظهور الزنا يغضب الله ويشتد غضبه، فلا بد أن يؤثر غضبه في الأرض عقوبة» اهـ. ٩ - وفيه جواز الحلف في توكيد الخبر الصادق. ١٠ - وفيه بيان لسعة علم النبي ﷺ الذي مَنَّ الله به عليه. ١١ - وفيه بيان لعظيم ما في اليوم الآخر من الأهوال. ١٢ - وفيه تغليب جانب الخوف عند تحذير الناس من الشر. ١٣ - وفيه رد على الحنفية في قولهم إنَّ صلاة الكسوف كسائر الصلوات. ١٤ - وفيه رد على ما ذهب إليه الْإِمَام الشافعي ﵀ من عدم استحبابه لتطويل السجود في صلاة الكسوف. فائدة: في المسبوق إذا أدرك الركوع الثاني من الركعة الأولى أو الثانية هل يحصل بذلك إدراك الركعة.

стр. 2948

قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ في [الْمَجْمُوْع] (٥/ ٦١): «"الرَّابِعَةُ" الْمَسْبُوقُ إذَا أَدْرَكَ الْإِمَامَ فِي الرُّكُوعِ الْأَوَّلِ مِنْ الركعة الأولي فقد أدرك كُلَّهَا وَيُسَلِّمُ مَعَ الْإِمَامِ كَسَائِرِ الصَّلَوَاتِ وَإِنْ أَدْرَكَهُ فِي الرُّكُوعِ الْأَوَّلِ مِنْ الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ فَقَدْ أَدْرَكَ الرَّكْعَةَ فَإِذَا سَلَّمَ الْإِمَامُ قَامَ فَصَلَّى رَكْعَةً أُخْرَى بِرُكُوعَيْنِ وَقِيَامَيْنِ كَمَا يَأْتِي بِهَا الْإِمَامُ وَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ. وَلَوْ أَدْرَكَهُ فِي الرُّكُوعِ الثَّانِي مِنْ إحْدَى الرَّكْعَتَيْنِ فَالْمَذْهَبُ الصَّحِيحُ الَّذِي نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ فِي الْبُوَيْطِيِّ وَاتَّفَقَ الْأَصْحَابُ عَلَى تَصْحِيحِهِ وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرُونَ مِنْهُمْ أَوْ أَكْثَرُهُمْ أَنَّهُ لَا يَكُونُ مدركاً لشيء مِنْ الرَّكْعَةِ كَمَا لَوْ أَدْرَكَ الِاعْتِدَالَ فِي سَائِرِ الصَّلَوَاتِ، وَحَكَى صَاحِبُ التَّقْرِيبِ وَجَمَاعَةٌ مِنْ الْخُرَاسَانِيِّينَ عَنْهُ قَوْلًا آخَرَ أَنَّهُ يَكُونُ مُدْرِكًا لِلْقَوْمَةِ الَّتِي قَبْلَهُ فَعَلَى هَذَا إذَا أَدْرَكَ الرُّكُوعَ الثَّانِي مِنْ الْأُولَى قَامَ بَعْدَ سَلَامِ الْإِمَامِ وَرَكَعَ وَاعْتَدَلَ وَجَلَسَ وَتَشَهَّدَ وَسَلَّمَ وَلَا يَسْجُدُ لِأَنَّ إدْرَاكَ الرُّكُوعِ إذَا حَصَلَ بِهِ الْقِيَامُ الَّذِي قَبْلَهُ كَانَ حُصُولُ السُّجُودِ الَّذِي بَعْدَهُ أَوْلَى وَعَلَى الْمَذْهَبِ لَوْ أَدْرَكَهُ فِي القيام الثاني لا يكون مدركاً لشيء مِنْ الرَّكْعَةِ أَيْضًا» اهـ. وَقالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ البَّرِ ﵀ فِي [الْكَافِي] (١/ ٢٦٧ - ٢٦٨): «ومن أدرك الركوع الثاني من الركعة الأولى فقد أدرك الصلاة كلها ولا يقضي شيئاً منها: وإن فاتته الركعة الأولى، والركوع الأول من الثانية قضى ركعة واحدة لا غير فيها ركوعان وقراءتان لأنَّه قد أدرك الركعة الثانية بإدراك الركوع الثاني ومن لم يدرك الركوع الثاني من كل ركعة من صلاة الكسوف فقد فاتته الركعة» اهـ.

стр. 2949

وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ في [الْمُغْنِي] (٢/ ٣١٧) «فَصْلٌ: إذَا أَدْرَكَ الْمَأْمُومُ الْإِمَامَ فِي الرُّكُوعِ الثَّانِي، احْتَمَلَ أَنْ تَفُوتَهُ الرَّكْعَةُ. قَالَ الْقَاضِي: لِأَنَّهُ قَدْ فَاتَهُ مِنْ الرَّكْعَةِ رُكُوعٌ، أَشْبَهَ مَا لَوْ فَاتَهُ الرُّكُوعُ مِنْ غَيْرِ هَذِهِ الصَّلَاةِ. وَيَحْتَمِلُ أَنَّ صَلَاتَهُ تَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُصَلِّيَ هَذِهِ الصَّلَاةَ بِرُكُوعٍ وَاحِدٍ، فَاجْتُزِئَ بِهِ فِي حَقِّ الْمَسْبُوقِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ» اهـ. قُلْتُ: الأظهر أنَّ الإدراك يكون بإدراك الركوع الأول من كل ركعة كالشأن في سائر الصلوات. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. * * *

стр. 2950

١٤٦ - عَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ ﵁ قَالَ: «خَسَفَتِ الشَّمْسُ عَلَى زَمَأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَامَ فَزِعاً، وَيَخْشَى أَنْ تَكُونَ السَّاعَةُ، حَتَّى أَتَى الْمَسْجِدَ. فَقَامَ، فَصَلَّى بِأَطْوَلِ قِيَامٍ وَسُجُودٍ، مَا رَأَيْتُهُ يَفْعَلُهُ فِي صَلاتِهِ قَطُّ، ثُمَّ قَالَ: "إنَّ هَذِهِ الآيَاتِ الَّتِي يُرْسِلُهَا اللَّهُ : لا تَكُونُ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلا لِحَيَاتِهِ. وَلَكِنَّ اللَّهَ يُرْسِلُهَا يُخَوِّفُ بِهَا عِبَادَهُ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ مِنْهَا شَيْئاً فَافْزَعُوا إلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَدُعَائِهِ وَاسْتِغْفَارِهِ"». وفي الحديث مسائل منها: ١ - أنَّ الخسوف من علامات الساعة. قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ في [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٣/ ٣٢٢): «هذا قد يستشكل من حيث أنَّ الساعة لها مقدمات كثيرة لا بد من وقوعها ولم تكن وقعت كطلوع الشمس من مغربها، وخروج الدابة والنار والدجال، وقتال الترك وأشياء أخر لا بد من وقوعها قبل الساعة كفتوح الشام والعراق ومصر وغيرهما وإنفاق كنوز كسرى في سبيل الله تعالى، وقتال الخوارج، وغير ذلك من الْأُمور المشهورة في الأحاديث الصحيحة ويجاب عنه بأجوبة أحدها: لعل هذا الكسوف كان قبل إعلام النبي ﷺ بهذه الْأُمور. الثاني: لعله خشي أن تكون بعض مقدماتها. الثالث: أنَّ الراوي ظن أّنَّ الْنَّبِيَّ ﷺ يخشى أن تكون الساعة وليس يلزم من ظنه أن يكون النبي ﷺ خشي ذلك حقيقة بل

стр. 2951

خرج النبي ﷺ مستعجلاً مهتماً بالصلاة وغيرها من أمر الكسوف، مبادراً إلى ذلك، وربما خاف أن يكون نوع عقوبة كما كان ﷺ عند هبوب الريح تعرف الكراهة في وجهه، ويخاف أن يكون عذاباً كما سبق في آخر كتاب الاستسقاء، فظن الراوي خلاف ذلك ولا اعتبار بظنه» اهـ. ٢ - وفيه أنَّ صلاة الكسوف تصلى جماعة في المسجد. ٣ - وفيه استحباب إطالة صلاة الكسوف. ٤ - وفيه شدة مراقبة النبي ﷺ لربه. ٥ - استحباب الذكر والاستغفار عند الكسوف. قُلْتُ: وأكثر هذه المسائل قد مرت فيما مضى. فائدة/ ويستحب الجهر في كسوف الشمس والقمر لما رواه البخاري (١٠٦٥)، ومسلم (٩٠١) عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «جَهَرَ النَّبِيُّ ﷺ فِي صَلَاةِ الخُسُوفِ بِقِرَاءَتِهِ … ». قُلْتُ: ورواه البيهقي في [الْكُبْرَى] (٢٠١٧) مِنْ طَرِيْقِ الإسماعيلي وفيه بيان أن ذلك كان في صلاة كسوف الشمس. قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٢/ ٥٥٠): «وَقَالَ به صاحبا أبي حنيفة وأحمد وإسحاق وابن خزيمة وبن المنذر وغيرهما من محدثي الشافعية وابن العربي من المالكية وَقَالَ الطبري يخير بين الجهر والإسرار وَقَالَ الأئمة الثلاثة يسر في الشمس ويجهر في القمر واحتج الشافعي بقول ابن عباس قرأ نحواً من سورة البقرة لأنَّه لو جهر لم يحتج إلى تقدير وتعقب باحتمال أن يكون بعيداً منه لكن ذكر الشافعي تعليقاً عن ابن عباس أنَّه صلى

стр. 2952

بجنب النبي ﷺ في الكسوف فلم يسمع منه حرفاً ووصله البيهقي من ثلاثة طرق أسانيدها واهية وعلى تقدير صحتها فمثبت الجهر معه قدر زائد فالأخذ به أولى» اهـ. قُلْتُ: حديث ابن عباس هو ما رواه البخاري (٥١٩٧) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ قَالَ: «خَسَفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَالنَّاسُ مَعَهُ، فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلًا نَحْوًا مِنْ سُورَةِ البَقَرَةِ … ». قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ في [إِعْلَامِ الْمُوَقِعِيْنَ] (٢/ ٢٦٧): «وَهَذَا يَحْتَمِلُ وُجُوهًا؛ أَحَدُهَا: أَنَّهُ لَمْ يَجْهَرْ، الثَّانِي: أَنَّهُ جَهَرَ وَلَمْ يَسْمَعْهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، الثَّالِثُ: أَنَّهُ سَمِعَ وَلَمْ يَحْفَظْ مَا قَرَأَ بِهِ فَقَدَّرَهُ بِسُورَةِ الْبَقَرَةِ؛ فَإِنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ لَمْ يَجْمَعْ الْقُرْآنَ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ ﷺ وَإِنَّمَا جَمَعَهُ بَعْدَهُ، الرَّابِعُ: أَنْ يَكُونَ نَسِيَ مَا قَرَأَ بِهِ وَحَفِظَ قَدْرَ قِرَاءَتِهِ، فَقَدَّرَهَا بِالْبَقَرَةِ، وَنَحْنُ نَرَى الرَّجُلَ يَنْسَى مَا قَرَأَ بِهِ الْإِمَامُ فِي صَلَاةِ يَوْمِهِ، فَكَيْفَ يُقَدَّمُ هَذَا اللَّفْظُ الْمُجْمَلُ عَلَى الصَّرِيحِ الْمُحْكَمِ الَّذِي لَا يَحْتَمِلُ إلَّا وَجْهًا وَاحِدًا» اهـ. قُلْتُ: وأمَّا ما رواه أحمد (٢٠١٦٠)، وأبو داود (١١٨٤)، والنسائي (١٤٨٤، ١٤٩٥)، والترمذي (٥٦٢)، وابن ماجه (١٢٦٤) مِنْ طَرِيْقِ الْأَسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ الْعَبْديِّ، عَنْ ثَعْلَبَةَ بْنِ عَبَّادٍ، عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ، قَالَ: «صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي كُسُوفٍ، فَلَمْ نَسْمَعْ لَهُ صَوْتًا». فلا يثبت فثعلبة لم يوثقه معتبر.

стр. 2953

وهو محمول على فرض صحته أنَّه كان في أخريات القوم لأنَّه جاء إلى المسجد وهو ممتلئ فقد جاء عند أبي داود (١١٨٤) قَالَ سَمُرَةُ: بَيْنَمَا أَنَا وَغُلَامٌ مِنَ الْأَنْصَارِ نَرْمِي غَرَضَيْنِ لَنَا، حَتَّى إِذَا كَانَتِ الشَّمْسُ قِيدَ رُمْحَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ فِي عَيْنِ النَّاظِرِ مِنَ الأُفُقِ اسْوَدَّتْ، حَتَّى آضَتْ كَأَنَّهَا تَنُّومَةٌ، فَقَالَ أَحَدُنَا لِصَاحِبِهِ: انْطَلِقْ بِنَا إِلَى الْمَسْجِدِ، فَوَاللَّهِ لَيُحْدِثَنَّ شَأْنُ هَذِهِ الشَّمْسِ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي أُمَّتِهِ حَدَثًا، قَالَ: «فَدَفَعْنَا فَإِذَا هُوَ بَارِزٌ، فَاسْتَقْدَمَ، فَصَلَّى، فَقَامَ بِنَا كَأَطْوَلِ مَا قَامَ بِنَا فِي صَلَاةٍ قَطُّ، لَا نَسْمَعُ لَهُ صَوْتًا». قَالَ الْخَطَّابِي ﵀ فِي [مَعَالِمِ الْسُّنَنِ] (١/ ٢٥٨) «وقوله فإذا هو بارز تصحيف من الراوي وإنَّما هو بأزز أي بجمع كثير، تقول العرب الفضاء منهم أزز والبيت منهم أزز إذا غص بهم لكثرتهم» اهـ. قُلْتُ: وهو عند أحمد (٢٠١٧٨) على الصواب. * * *

стр. 2954

باب الاستسقاء ١٤٧ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَاصِمٍ الْمَازِنِيِّ قَالَ: «خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ يَسْتَسْقِي، فَتَوَجَّهَ إِلَى القِبْلَةِ يَدْعُو وَحَوَّلَ رِدَاءَهُ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ جَهَرَ فِيهِمَا بِالقِرَاءَةِ». الاستسقاء استفعال بمعنى طلب السقيا، والمراد بهذا الباب الصلاة لأجل طلب السقيا من الله تعالى. وفي الحديث مسائل منها: ١ - استحباب صلاة الاستسقاء. قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ في [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٣/ ٢٩٤): «أجمع العلماء على أنَّ الاستسقاء سنة، واختلفوا هل تسن له صلاة أم لا؟ فقال أبو حنيفة: لا تسن له صلاة، بل يستسقى بالْدُعَاء بلا صلاة، وَقَالَ سائر العلماء من السلف والخلف الصحابة والتابعون فمن بعدهم: تسن الصلاة، ولم يخالف فيه إلَّا أبو حنيفة، وتعلق بأحاديث الاستسقاء التي ليس فيها صلاة واحتج الجمهور بالأحاديث الثابتة في الصحيحين وغيرهما أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صلى للاستسقاء ركعتين. وأمَّا الأحاديث التي ليس فيها ذكر الصلاة فبعضها محمول على نسيان الراوي، وبعضها كان في الخطبة للجمعة، ويتعقبه الصلاة للجمعة فاكتفى بها، ولو لم يصل أصلاً كان بياناً لجواز الاستسقاء بالْدُعَاء

стр. 2955

بلا صلاة. ولا خلاف في جوازه، وتكون الأحاديث المثبتة للصلاة مقدمة لأنَّها زيادة علم ولا معارضة بينهما» اهـ. وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ في [فَتْحِ الْبَارِي] (٦/ ٢٩٠): «وجمهور العلماء على أنَّه تشرع صلاة الاستسقاء. وخالف فيه طائفة من علماء أهل الكوفة، منهم: النخعي، وهو قول أبي حنيفة، وقالوا: إنَّما يستحب في الاستسقاء الْدُعَاء والاستغفار خاصة. وهؤلاء لم تبلغهم سنة الصلاة، كما بلغ جمهور العلماء» اهـ. ٢ - استحباب الْدُعَاء في الاستسقاء مستقبلاً القبلة. قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ في [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٣/ ٢٩٨): «فيه استحباب استقبالها للدعاء، ويلحق به الوضوء والغسل والتيمم والقراءة والأذكار والأذان وسائر الطاعات إلَّا ما خرج بدليل كالخطبة ونحوها» اهـ. قُلْتُ: وذلك أنَّ جهة القبلة هي خير الجهات وقد جاءت الأدلة المتكاثرة في استقبالها في كثير من العبادات، لكن القول باستحباب القبلة في جميع العبادات إلَّا ما استثناه الدليل فيه نظر. وجاء في بعض ألفاظ الحديث ما يدل على أنَّه ابتدأ الْدُعَاء مستقبلاً للناس ثم توجه إلى القبلة. فروى البخاري (١٠٢٣) حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبَّادُ بْنُ تَمِيمٍ، أَنَّ عَمَّهُ - وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ أَخْبَرَهُ: «أّنَّ الْنَّبِيَّ ﷺ خَرَجَ بِالنَّاسِ يَسْتَسْقِي لَهُمْ، فَقَامَ فَدَعَا اللَّهَ قَائِمًا، ثُمَّ تَوَجَّهَ قِبَلَ القِبْلَةِ وَحَوَّلَ رِدَاءَهُ فَأُسْقُوا».

стр. 2956

قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ في [فَتْحِ الْبَارِي] (٦/ ٢٨٨): «وهذا صريح في أنَّه ابتدأ الْدُعَاء مستقبل الناس، ثم أتمه مستقبل القبلة» اهـ. قُلْتُ: ويكون الْدُعَاء للإمام جهراً عند استقبال الناس، وسراً عند استقبال القبلة لقوله تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [الأعراف/ ٥٥]. وذهبت الشافعية إلى أنَّه يدعو في الخطبة الأولى جهراً، وفي الثانية سراً يجمع بين الجهر والإسرار. وأمَّا الحنابلة فاستحبوا أن تكون خطبة واحدة ويدعو سراً عند استقبال القبلة، ويجهر ببعضه حتى يؤمن الناس، وأمَّا عند استقبال الناس بالخطبة فيدعو جهراً ويؤمِّن الناس على دعائه. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ في [الْمُغْنِي] (٢/ ٣٢٢): «وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَدْعُوَ سِرًّا حَالَ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ، فَيَقُولُ: اللَّهُمَّ إنَّك أَمَرْتَنَا بِدُعَائِك، وَوَعَدْتَنَا إجَابَتَك، فَقَدْ دَعَوْنَاك كَمَا أَمَرْتنَا، فَاسْتَجِبْ لَنَا كَمَا وَعَدْتنَا، اللَّهُمَّ فَامْنُنْ عَلَيْنَا بِمَغْفِرَةِ ذُنُوبِنَا، وَإِجَابَتِنَا فِي سُقْيَانَا، وَسَعَةِ أَرْزَاقِنَا. ثُمَّ يَدْعُو بِمَا شَاءَ مِنْ أَمْرِ دِينٍ وَدُنْيَا. وَإِنَّمَا يُسْتَحَبُّ الْإِسْرَارُ؛ لِيَكُونَ أَقْرَبَ مِنْ الْإِخْلَاصِ، وَأَبْلَغَ فِي الْخُشُوعِ وَالْخُضُوعِ وَالتَّضَرُّعِ، وَأَسْرَعَ فِي الْإِجَابَةِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ [الأعراف: ٥٥]. وَاسْتُحِبَّ الْجَهْرُ بِبَعْضِهِ؛ لِيَسْمَعَ النَّاسُ، فَيُؤَمِّنُونَ عَلَى دُعَائِهِ» اهـ. وَقَالَ الْحَجَّاوِيُّ ﵀ فِي [الإِقْنَاعِ] (١/ ٢٠٧)

стр. 2957

«ويسن رفع يديه وقت الدعاء وتكون ظهورهما نحو السماء فيدعو قائماً ويكثر منه ويؤمن مأموم ويرفع يديه جالساً» اهـ. وأمَّا المالكية فاختلفوا، وقد جاء في [شَرْحِ مُخْتَصَرِ خَلِيْلٍ لِلْخَرَشِيّ] (٢/ ١١١): «وَيَكُونُ الدُّعَاءُ جَهْرًا كَمَا فِي الطِّرَازِ، وَذَكَرَ الزَّرْقَانِيُّ أَنَّهُ يَدْعُو سِرًّا وَلَا يَرْفَعُ يَدَيْهِ لِسَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ لَا يُعْجِبُنِي رَفْعُ يَدَيْهِ فِي الدُّعَاءِ (قَوْلُهُ فِي آخِرِ الْخُطْبَةِ الثَّانِيَةِ) ظَاهِرُ الْعِبَارَةِ أَنَّ الدُّعَاءَ مِنْ جُمْلَةِ الْخُطْبَةِ الثَّانِيَةِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ لَمَّا كَانَ مُتَّصِلًا بِهَا كَأَنَّهُ مِنْ آخِرِهَا» اهـ. قُلْتُ: الذي يظهر لي هو الجمع بين الجهر والإسرار كما سبق، وذلك أنَّه ثبت في الحديث أنَّه ابتدأ النبي ﷺ الدعاء وهو مستقبل الناس والظاهر أنَّه جهر بالدعاء عند استقباله للناس، والله أعلم. ٣ - استحباب تحويل الرداء في الْدُعَاء للاستسقاء. قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ في [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٣/ ٢٩٤): «وفيه استحباب تحويل الرداء في أثنائها للاستسقاء. قال أصحابنا: يحوله في نحو ثلث الخطبة الثانية، وذلك حين يستقبل القبلة قالوا: والتحويل شرع تفاؤلاً بتغير الحال من القحط إلى نزول الغيث والخصب، ومن ضيق الحال إلى سعته، وفيه دليل للشافعي ومالك وأحمد وجماهير العلماء في استحباب تحويل الرداء، ولم يستحبه أبو حنيفة، ويستحب عندنا أيضاً للمأمومين كما يستحب للإمام، وبه قال مالك وغيره، وخالف فيه جماعة من العلماء» اهـ. قُلْتُ: ولم يُبيَّن في هذا الحديث كيفية تحويل الرداء، وقد جاء بيان ذلك في أحاديث أخرى منها:

стр. 2958

حديث أبي هريرة ﵁. روى حديثه أحمد (٨٣١٠)، وابن ماجه (١٢٦٨) مِنْ طَرِيْقِ وَهْبِ بْنِ جَرِيرٍ، قَالَ حَدَّثَنَا أَبِي، قَالَ: سَمِعْتُ النُّعْمَانَ، يُحَدِّثُ عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّهُ قَالَ: «خَرَجَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ يَوْمًا يَسْتَسْقِي، فَصَلَّى بِنَا رَكْعَتَيْنِ بِلَا أَذَانٍ وَلَا إِقَامَةٍ، ثُمَّ خَطَبَنَا وَدَعَا اللَّهَ ، وَحَوَّلَ وَجْهَهُ نَحْوَ الْقِبْلَةِ رَافِعًا يَدَهُ، ثُمَّ قَلَبَ رِدَاءَهُ، فَجَعَلَ الْأَيْمَنَ عَلَى الْأَيْسَرِ، وَالْأَيْسَرَ عَلَى الْأَيْمَنِ». قُلْتُ: وفي إسناده النعمان وهو ابن راشد الجزري وهو ضعيف الحديث. ومنها حديث عبد الله بن عباس ﵁. روى حديثه الْدَارَقُطْنِي (١٨٠٠)، والحاكم في [الْمُسْتَدْرَكِ] (١٢١٧)، ومن طريقه البيهقي في [الْكُبْرَى] (٦١٩٨) مِنْ طَرِيْقِ سَهْلِ بْنِ بَكَّارٍ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ يَحْيَى، قَالَ: أَرْسَلَنِي مَرْوَانُ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ أَسْأَلُهُ عَنْ سُنَّةِ الِاسْتِسْقَاءِ فَقَالَ: «سُنَّةُ الِاسْتِسْقَاءِ سُنَّةُ الصَّلَاةِ فِي الْعِيدَيْنِ، إِلَّا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَلَبَ رِدَاءَهُ فَجَعَلَ يَمِينَهُ عَلَى يَسَارِهِ، وَيَسَارَهُ عَلَى يَمِينِهِ، فَصَلَّى الرَّكْعَتَيْنِ يُكَبِّرُ فِي الْأُولَى سَبْعَ تَكْبِيرَاتٍ، وَقَرَأَ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى، وَقَرَأَ فِي الثَّانِيَةِ: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾، وَكَبَّرَ فِيهَا خَمْسَ تَكْبِيرَاتٍ». قُلْتُ: ولا يصح هذا الحديث. قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ في [فَتْحِ الْبَارِي] (٦/ ٢٩١):

стр. 2959

«ومحمد بن عبد العزيز الزهري هذا، متروك الحديث، لا يحتج بما يرويه» اهـ. وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْهَادِي ﵀ في [تَنْقِيْحِ الْتَحْقِيْقِ] (٢/ ٦١٠): «وهو حديث منكر. ومحمد بن عبد العزيز هو: ابن عمر بن عبد الرحمن بن عوف الزهري القرشي المدني، وهو ضعيف، قال البخاري: منكر الحديث. وَقَالَ النسائي: متروك الحديث. وَقَالَ أبو حاتم: ضعيف الحديث، ليس له حديث مستقيم. وقد تكلم فيه أيضاً ابن حبان وغيره» اهـ. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْمُلَقِّنِ ﵀ فِي [الْبَدْرِ الْمُنِيْرِ] (٥/ ١٤٦): «قُلْتُ: وأمَّا الحاكم فإنَّه أخرج هذه الرواية في "مستدركه" ثم قال: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ الإسناد. لكنه قال: في إسناده محمد بن عبد العزيز بن عبد الملك عن أبيه. وكأنَّه وهم، والمعروف عبد العزيز بن عبد الرحمن، ولم ينبه الذهبي في "اختصاره للمستدرك" على هذا، بل قال: فيه عبد العزيز بن عبد الملك وقد ضعف. وليس بجيد منه، وكان ينبغي أن يعترض عليه من الوجه الذي ذكرته، فتنبه لذلك» اهـ. ومنها حديث عبد الله بن زيد بن عاصم المازني. روى حديثه أبو داود (١١٦٥)، ومن طريقه البيهقي في [الْكُبْرَى] (٦٢٠٨)، ورواه أيضاً أبو عوانة في [مُسْتَخْرَجِهِ] (٢٠٢٩) قالا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَوْفٍ الْحِمْصِيُّ، قَالَ: وَجَدْتُ فِي كِتَابِ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَالِمٍ، عَنِ الزُّبَيْدِيِّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبَّادُ بْنُ تَمِيمٍ، عَنْ عَمِّهِ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَرَجَ يَوْمًا فَاسْتَسْقَى، فَحَوَّلَ إِزَارَهُ، فَجَعَلَ عِطَافَهُ الْأَيْمَنَ عَلَى عَاتِقِهِ الْأَيْسَرِ، وَجَعَلَ عِطَافَهُ الْأَيْسَرَ عَلَى عَاتِقِهِ الْأَيْمَنِ، ثُمَّ دَعَا اللَّهَ». قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ ضَعِيْفٌ عمرو بن الحارث لا يعرف حاله.

стр. 2960

وأصل الحديث رواه البخاري (١٠١٢)، ومسلم (٨٩٤): عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ، «أّنَّ الْنَّبِيَّ ﷺ خَرَجَ إِلَى المُصَلَّى فَاسْتَسْقَى فَاسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ، وَقَلَبَ رِدَاءَهُ، وَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ». وروى أحمد (١٦٥٠٩، ١٦٥٢٠)، وأبو داود (١١٦٦) مِنْ طَرِيْقِ عَبْدِ الْعَزِيزِ الدَّرَاوَرْدِيُّ، عَنْ عُمَارَةَ بنِ غَزِيَّةَ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ، عَنْ عَمِّهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ اسْتَسْقَى وَعَلَيْهِ خَمِيصَةٌ لَهُ سَوْدَاءُ، فَأَرَادَ أَنْ يَأْخُذَ بِأَسْفَلِهَا فَيَجْعَلَهُ أَعْلَاهَا، فَثَقُلَتْ عَلَيْهِ فَقَلَبَهَا عَلَيْهِ الْأَيْمَنُ عَلَى الْأَيْسَرِ، وَالْأَيْسَرُ عَلَى الْأَيْمَنِ». قُلْتُ: عمارة بن غزية وثقه غير واحد غير أنَّه خالف في ذكره لإرادة النبي ﷺ جعل أسفل الخميصة إلى الأعلى، والأعلى إلى الأسفل كل من روى الحديث عن عباد كالزهري، وعبد الله بن أبي بكر، وعمرو بن يحيى، فالمحفوظ ما رواه الجماعة عن عباد والله أعلم. قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٢/ ٤٩٨ - ٤٩٩): «وقد استحب الشافعي في الجديد فعل ما هم به ﷺ من تنكيس الرداء مع التحويل الموصوف وزعم الْقُرْطُبِي كغيره أنَّ الشافعي اختار في الجديد تنكيس الرداء لا تحويله والذي في "الْأُم" ما ذكرته والجمهور على استحباب التحويل فقط ولا ريب أنَّ الذي استحبه الشافعي أحوط وعن أبي حنيفة وبعض المالكية لا يستحب شيء من ذلك واستحب الجمهور أيضاً أن يحول الناس بتحويل الْإِمَام، ويشهد له ما رواه أحمد مِنْ طَرِيْقِ أخرى عن عباد في

стр. 2961

هذا الحديث بلفظ: "وحول الناس معه". وَقَالَ الليث وأبو يوسف يحول الْإِمَام وحده واستثنى بن الماجشون النساء فقال: لا يستحب في حقهن. ثم إنَّ ظاهر قوله: "فقلب رداءه" أنَّ التحويل وقع بعد فراغ الاستسقاء وليس كذلك بل المعنى فقلب رداءه في أثناء الاستسقاء وقد بينه مالك في روايته المذكورة ولفظه: "حول رداءه حين استقبل القبلة" ولمسلم من رواية يحيى بن سعيد عن أبي بكر بن محمد وإنه لما أراد أن يدعو استقبل القبلة وحول رداءه وأصله للمصنف كما سيأتي بعد أبواب وله من رواية الزهري عن عباد: "فقام فدعا الله قائماً ثم توجه قبل القبلة وحول رداءه" فعرف بذلك أن التحويل وقع في أثناء الخطبة عند إرادة الْدُعَاء واختلف في حكمة هذا التحويل فجزم المهلب بأنَّه للتفاؤل بتحويل الحال عمَّا هي عليه وتعقبه ابن العربي بأنَّ من شرط الفأل أن لا يقصد إليه قال: وإنَّما التحويل أمارة بينه وبين ربه قيل له حول رداءك ليتحول حالك. وتعقب بأنَّ الذي جزم به يحتاج إلى نقل والذي رده ورد فيه حديث رجاله ثقات أخرجه الْدَارَقُطْنِي والحاكم مِنْ طَرِيْقِ جعفر بن محمد بن على عن أبيه عن جابر ورجح الْدَارَقُطْنِي إرساله وعلى كل حال فهو أولى من القول بالظن. وَقَالَ بعضهم: إنَّما حول رداءه ليكون أثبت على عاتقه عند رفع يديه في الْدُعَاء فلا يكون سنة في كل حال. وأجيب بأنَّ التحويل من جهة إلى جهة لا يقتضى الثبوت على العاتق فالحمل على المعنى الأول أولى فإنَّ الأتباع أولى من تركه لمجرد احتمال الخصوص والله أعلم» اهـ.

стр. 2962

قُلْتُ: ما اختاره الشافعي من استحباب تنكيس الرداء مبني على الرواية السابقة وقد تبين عدم ثبوتها. والذي يظهر لي أنَّ مذهب الجمهور أرجح. وأمَّا ما احتج به الحافظ ابن حجر ﵀ على تحويل الناس أرديتهم. فأخرجه أحمد (١٦٥١٢) حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ الْأَنْصَارِيِّ ثُمَّ الْمَازِنِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَاصِمٍ - وَكَانَ أَحَدَ رَهْطِهِ - وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَدْ شَهِدَ مَعَهُ أُحُدًا قَالَ: «قَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حِينَ اسْتَسْقَى لَنَا أَطَالَ الدُّعَاءَ وَأَكْثَرَ الْمَسْأَلَةَ»، قَالَ: «ثُمَّ تَحَوَّلَ إِلَى الْقِبْلَةِ وَحَوَّلَ رِدَاءَهُ فَقَلَبَهُ ظَهْرًا لِبَطْنٍ، وَتَحَوَّلَ النَّاسُ مَعَهُ». قُلْتُ: ذكر تحويل الناس لأرديتهم مع النبي ﷺ لفظة شاذة شذ بها محمد بن إسحاق وخالف كل من روى الحديث عن عبد الله بن أبي بكر كأمثال سفيان بن عيينة، ومالك بن أنس، ويحيى بن سعيد الأنصاري وغيرهم. ويكفي في إثبات ذلك الأدلة العامة الدالة على استحباب التأسي بالنبي ﷺ . وقد جاء ما يدل على أنَّ تحويل الرداء يكون عند إرادة الْدُعَاء بعد الخطبة كما روى ذلك الروياني في [مُسْنَدِه] (١٠٢١)، والْدَارَقُطْنِي (١٨٠٤)، وأبو نعيم في [أَخْبَارِ أَصْبَهَانَ] (٢٠١) مِنْ طَرِيْقِ جَرِيرٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ الْأَنْصَارِيِّ، قَالَ: «خَرَجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ

стр. 2963

وَسَلَّمَ يَسْتَسْقِي فَخَطَبَ النَّاسَ، فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يَدْعُوَ أَقْبَلَ بِوَجْهِهِ إِلَى الْقِبْلَةِ وَحَوَّلَ رِدَاءَهُ». قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ. لكن جاء ما يدل على غير ذلك فروى البخاري (١٠٢٣) حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبَّادُ بْنُ تَمِيمٍ، أَنَّ عَمَّهُ - وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ أَخْبَرَهُ: «أّنَّ الْنَّبِيَّ ﷺ خَرَجَ بِالنَّاسِ يَسْتَسْقِي لَهُمْ، فَقَامَ فَدَعَا اللَّهَ قَائِمًا، ثُمَّ تَوَجَّهَ قِبَلَ القِبْلَةِ وَحَوَّلَ رِدَاءَهُ فَأُسْقُوا». فهذا يدل على أنَّ تحويل الرداء عند استقبال القبلة لا قبل ذلك عند إرادة الْدُعَاء. ولم يأت ما يدل على الوقت الذي ينتهي فيه التحويل للرداء. لَكِنْ قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ في [الْمَجْمُوْع] (٥/ ٧٩): «قال الشافعي: وإذا حولوا أرديتهم تركوها؟ محولة لينزعوها مع الثياب لأنَّه لم ينقل أّنَّ الْنَّبِيَّ ﷺ غيرها بعد التحويل» اهـ. ٤ - أنَّ صلاة الاستسقاء ركعتان. قُلْتُ: والصحيح أنَّها لا تصلى بتكبيرات زوائد كصلاة العيد لعدم ثبوت ذلك عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ في [فَتْحِ الْبَارِي] (٦/ ٢٩٠ - ٢٩١): «وفيه: دليل على أنَّ صلاة الاستسقاء ركعتان، وهذا لا اختلاف فيه بين من يقول: إنَّه يشرع للاستسقاء صلاة. ولكن اختلفوا: هل تصلى بتكبير كتكبير صلاة

стр. 2964

العيد، أم بغير تكبير كسائر الصلوات، فتستفتح بتكبيرة الإحرام، ثم يقرأ بعدها؟ على قولين: أحدهما: أنَّها تصلى كما تصلى العيد بتكبير قبل القراءة وقد روي عن ابن عباس، وعن ابن المسيب وعمر بن عبد العزيز وأبي بكر بن حزم، وهو قول الشافعي وأحمد - في ظاهر مذهبه - وأبي يوسف ومحمد. والثاني: تصلى بغير تكبير زائد، وهو قول مالك والثوري والأوزاعي وأحمد - في رواية - وإسحاق وأبي ثور وأبي خيثمة وسليمان بن داود الهاشمي. قال أبو إسحاق البرمكي من أصحابنا: يحتمل أنَّ هذه الرواية عن أحمد قول قديم رجع عنه. وحكي عن داود: إن شاء صلي بتكبير زائد، وإن شاء صلى بتكبيرة الإحرام فقط. واستدل من قال: يصلي بتكبير بظاهر حديث ابن عباس: "وصلى ركعتين كما يصلي في العيد"، وقد سبق ذكره» اهـ. قُلْتُ: حديث ابن عباس رواه أحمد (٢٠٣٩، ٣٣٣١)، وأبو داود (١١٦٧)، والترمذي (٥٥٨)، وابن ماجه (١٥٣)، والنسائي في [الْمُجْتَبَى] (١٥٠٨، ١٥٢١)، مِنْ طَرِيْقِ هِشَامِ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كِنَانَةَ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي، قَالَ: أَرْسَلَنِي الْوَلِيدُ بْنُ عُتْبَةَ - قَالَ عُثْمَانُ ابْنُ عُقْبَةَ: وَكَانَ أَمِيرَ الْمَدِينَةِ - إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، أَسْأَلُهُ عَنْ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الِاسْتِسْقَاءِ، فَقَالَ: «خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُتَبَذِّلًا مُتَوَاضِعًا، مُتَضَرِّعًا، حَتَّى أَتَى

стр. 2965

الْمُصَلَّى - زَادَ عُثْمَانُ، فَرَقَى عَلَى الْمِنْبَرِ، ثُمَّ اتَّفَقَا، - وَلَمْ يَخْطُبْ خُطَبَكُمْ هَذِهِ، وَلَكِنْ لَمْ يَزَلْ فِي الدُّعَاءِ، وَالتَّضَرُّعِ، وَالتَّكْبِيرِ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، كَمَا يُصَلِّي فِي الْعِيدِ». قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ ضَعِيْفٌ هشام بن إسحاق قال فيه أبو حاتم: "شيخ". وذهب أبو حاتم إلى أنَّ رواية إسحاق بن عبد الله عن ابن عباس مرسلة. قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ ﵀ في [الْجَرْحِ وَالْتَعْدِيْلِ] (٢/ ٢٢٦ - ٢٢٧): «إسحاق بن عبد الله بن كنانة مدني والد هشام بن إسحاق روى عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، مرسل، وابن عباس، مرسل، روى عنه هاشم … سمعت أبي يقول ذلك» اهـ. وله طريق أخرى رواها ابن المنذر في [الْأَوْسَطِ] (٢١٨٢) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ، ثنا سَعِيدٌ، ثنا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْقَاضِي الزُّهْرِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: «أَرْسَلَ مَرْوَانُ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ يَسْأَلُهُ عَنْ صَلَاةِ الِاسْتِسْقَاءِ، فَقَالَ: سُنَّةٌ كَسُنَّةِ الْعِيدَيْنِ». قُلْتُ: وهذه الطريق واهية من أجل محمد بن عبد العزيز وهو ابن عمر بن عبد الرحمن بن عوف فإنَّه من المتروكين. وأبوه مجهول الحال. وقد سبق حديث ابن عباس بذكر التكبير في الفقرة الثالثة. وروى الشافعي في [الْأُم] (١/ ٢٣٦)، وفي [الْمُسْنَد] (٤٥٧)، ومن طريقه البيهقي في [الْمَعْرِفَة] (١٩٢٦) أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ: «أّنَّ الْنَّبِيَّ ﷺ وَأَبَا بَكْرٍ، وَعُمَرَ كَبَّرُوا فِي الْعِيدَيْنِ وَالاسْتِسْقَاءِ سَبْعًا وَخَمْسًا، وَصَلَّوْا قَبْلَ الْخُطْبَةِ، وَجَهَرُوا بِالْقِرَاءَةِ».

стр. 2966

قُلْتُ: إِسْنَادُهُ فِي غَايَةٍ مِنَ الْضَّعْفِ فإنَّ إبراهيم هذا هو ابن محمد ابن أبي يحيى كذبه غير واحد من علماء الحديث. وهو مع ذلك معضل. ورواه عبد الرزاق في [الْمُصَنَّفِ] (٤٨٩٥) عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: «كَانَ عَلِيٌّ يُكَبِّرُ فِي الْفِطْرِ وَالْأَضْحَى وَالِاسْتِسْقَاءِ سَبْعًا فِي الْأُولَى، وَخَمْسًا فِي الْأُخْرَى، وَيُصَلِّي قَبْلَ الْخُطْبَةِ، وَيَجْهَرُ بِالْقِرَاءَةِ قَالَ: وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ». وهذه طريق واهية. وروى عبد الرزاق في [الْمُصَنَّفِ] (٤٨٩٦) عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنِ ابْنِ الْمُسَيِّبِ قَالَ: «سُنَّةُ الِاسْتِسْقَاءِ كَسُنَّةِ الْفِطْرِ وَالْأَضْحَى فِي التَّكْبِيرِ». قُلْتُ: أبو بكر هو ابن عبد الله بن محمد بن أبي سبرة بن أبي رهم القرشي. متروك الحديث. وحديث ابن عباس الذي ذكرناه أولاً يمكن أن يتأول على رض صحته. قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ في [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٦/ ١٨٩): «وَتَأَوَّلَهُ الْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ كَصَلَاةِ الْعِيدِ فِي الْعَدَدِ وَالْجَهْرِ وَالْقِرَاءَةِ وَفِي كَوْنِهَا قَبْلَ الْخُطْبَةِ» اهـ. ٥ - استحباب الجهر بالقراءة في صلاة الاستسقاء. قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِ ﵀ في [الْتَمْهِيْدِ] (١٧/ ١٧٦)، وفي [الْاسْتِذْكَارِ] (٢/ ٣٤٦): «ولم يختلفوا في الجهر في صلاة الاستسقاء» اهـ.

стр. 2967

وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ في [فَتْحِ الْبَارِي] (٦/ ٢٨٦): «ولا اختلاف بين العلماء الذين يرون صلاة الاستسقاء، أنَّه يجهر فيها بالقراءة» اهـ. ٦ - أنَّ السنة في صلاة الاستسقاء أن تصلى في المصلى. قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ في [فَتْحِ الْبَارِي] (٦/ ٢٩٤): «الخروج لصلاة الاستسقاء إلى المصلى مجمع عليه بين العلماء» اهـ. قُلْتُ: ويستثنى أهل مكة فإنَّهم يصلون في المسجد الحرام كالعيد. ٧ - أنَّ خطبة الاستسقاء متقدمة على الصلاة. قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ في [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٣/ ٢٩٨): «فيه دليل لمن يقول بتقديم الخطبة على صلاة الاستسقاء وأصحابنا يحملونه على الجواز» اهـ. قُلْتُ: وذهب أحمد في رواية إلى أنَّه يخير بين أن يخطب قبل الصلاة وبعدها. واختار الخطبة قبل الصلاة العلامة ابن المنذر ﵀ في [الْأَوْسَطِ] (٧/ ٥٣) حيث قال: «وروينا أنَّ عمر بن عبد العزيز استسقى على المنبر ثم نزل فصلى، وروينا عن عبد الله بن يزيد أنَّه صلى ثم استسقى، قال أبو إسحاق الراوي لهذا الحديث: فمشيت يومئذ إلى جنب زيد بن أرقم، وَقَالَ مالك والشافعي، ومحمد بن الحسن: يبدأ بالصلاة قبل الخطبة، وقد روينا عن عمر بن الخطاب أنَّه خطب قبل الصلاة. قال أبو بكر: يخطب قبل الصلاة» اهـ. ونقل ذلك عن ابن الزبير وسيأتي ذكر ذلك عنه. وهي رواية عن أحمد. وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِ ﵀ في [الْاسْتِذْكَارِ] (٢/ ٣٤٤):

стр. 2968

«وَقَالَ الليث بن سعد الخطبة في الاستسقاء قبل الصلاة». قُلْتُ: وذهب جمهور الفقهاء إلى أنَّ خطبة الاستسقاء بعد الصلاة. وقد جاء ما يدل على أّنَّ الْنَّبِيَّ ﷺ خطب بعد الصلاة فيما رواه أحمد (١٦٥١٣) قَرَأْتُ عَلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ: مَالِكٌ، وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، أَنَّهُ سَمِعَ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ زَيْدٍ الْمَازِنِيَّ يَقُولُ: «خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى الْمُصَلَّى وَاسْتَسْقَى، وَحَوَّلَ رِدَاءَهُ حِينَ اسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ». قُلْتُ: إسحاق هو ابن عيسى الطباع كما ذكر ذلك ابن عبد البر في [الْتَمْهِيْدِ] (١٧/ ١٦٧) حيث قال: «هكذا روى مالك هذا الحديث بهذا الإسناد وهذا اللفظ لم يذكر فيه الصلاة لم يختلف رواة الْمُوَطَّأِ في ذلك عنه فيما علمت إلاَّ أن إسحاق بن عيسى الطباع روى هذا الحديث عن مالك فزاد فيه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بدأ في الاستسقاء بالصلاة قبل الخطبة … » اهـ. قُلْتُ: وإسحاق هذا حسن الحديث لكنه لم يتابع على ذلك بل خالف كل من روى الحديث عن مالك كعبد الرحمن بن مهدي، ويحيى بن يحيى الليثي، وقتيبة بن سعيد. وسبق ما رواه أحمد (٨٣١٠)، وابن ماجه (١٢٦٨) مِنْ طَرِيْقِ وَهْبِ بْنِ جَرِيرٍ، قَالَ حَدَّثَنَا أَبِي، قَالَ: سَمِعْتُ النُّعْمَانَ، يُحَدِّثُ عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّهُ قَالَ: «خَرَجَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ يَوْمًا يَسْتَسْقِي، فَصَلَّى بِنَا رَكْعَتَيْنِ بِلَا أَذَانٍ وَلَا إِقَامَةٍ، ثُمَّ خَطَبَنَا

стр. 2969

وَدَعَا اللَّهَ ، وَحَوَّلَ وَجْهَهُ نَحْوَ الْقِبْلَةِ رَافِعًا يَدَهُ، ثُمَّ قَلَبَ رِدَاءَهُ، فَجَعَلَ الْأَيْمَنَ عَلَى الْأَيْسَرِ، وَالْأَيْسَرَ عَلَى الْأَيْمَنِ». قُلْتُ: ولا يصح هذا الحديث كما سبق. وروى الشافعي في [الْأُم] (١/ ٢٣٦)، وفي [الْمُسْنَد] (٤٥٧)، ومن طريقه البيهقي في [الْمَعْرِفَة] (١٩٢٦) أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، «أّنَّ الْنَّبِيَّ ﷺ وَأَبَا بَكْرٍ، وَعُمَرَ: كَبَّرُوا فِي الْعِيدَيْنِ وَالِاسْتِسْقَاءِ سَبْعًا وَخَمْسًا، وَصَلُّوا قَبْلَ الْخُطْبَةِ وَجَهَرُوا بِالْقِرَاءَةِ». وهَذَا الْحَدِيْثُ شَدِيْدُ الْضَّعْفِ كما سبق بيان ذلك. وفي حديث الباب ما يدل على أنَّ الخطبة متقدمة على الصلاة وهو ما رواه البخاري (١٠٢٤)، ومسلم (٨٩٤) مِنْ طَرِيْقِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ، عَنْ عَمِّهِ، قَالَ: «خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ يَسْتَسْقِي، فَتَوَجَّهَ إِلَى القِبْلَةِ يَدْعُو وَحَوَّلَ رِدَاءَهُ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ جَهَرَ فِيهِمَا بِالقِرَاءَةِ». وهذه الرواية صريحة في أنَّ الصلاة متأخرة عن الخطبة، وهي وإن لم يكن فيها ذكر للخطبة إلَّا أنَّ الْدُعَاء وتحويل الرداء يكون بعدها كما تدل عليه الأحاديث. ومثله ما رواه أحمد (٢٠٣٩، ٣٣٣١)، وأبو داود (١١٦٧)، والترمذي (٥٥٨)، وابن ماجه (١٥٣)، والنسائي في [الْمُجْتَبَى] (١٥٠٨، ١٥٢١)، مِنْ طَرِيْقِ هِشَامُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كِنَانَةَ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي، قَالَ: أَرْسَلَنِي الْوَلِيدُ بْنُ عُتْبَةَ - قَالَ عُثْمَانُ ابْنُ عُقْبَةَ: وَكَانَ أَمِيرَ الْمَدِينَةِ - إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، أَسْأَلُهُ عَنْ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الِاسْتِسْقَاءِ، فَقَالَ: «خَرَجَ رَسُولُ

стр. 2970

اللَّهِ ﷺ مُتَبَذِّلًا مُتَوَاضِعًا، مُتَضَرِّعًا، حَتَّى أَتَى الْمُصَلَّى - زَادَ عُثْمَانُ، فَرَقَى عَلَى الْمِنْبَرِ، ثُمَّ اتَّفَقَا، - وَلَمْ يَخْطُبْ خُطَبَكُمْ هَذِهِ، وَلَكِنْ لَمْ يَزَلْ فِي الدُّعَاءِ، وَالتَّضَرُّعِ، وَالتَّكْبِيرِ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، كَمَا يُصَلِّي فِي الْعِيدِ». قُلْتُ: وقد سبق بيان عدم صحته. ومن ذلك ما رواه الطبراني في [الْأَوْسَطِ] (٩١٠٨)، وابن المنذر في [الْأَوْسَطِ] (٢١٧٩) مِنْ طَرِيْقِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْمُنْذِرِ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ فُلَيْحٍ، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حُسَيْنِ بْنِ عَطَاءٍ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ بَكْرِ بْنِ الْفُرَاتِ، عَنْ شَرِيكِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي نَمِرٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ اسْتَسْقَى، فَخَطَبَ قَبْلَ الصَّلَاةِ، وَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، وَحَوَّلَ رِدَاءَهُ، ثُمَّ نَزَلَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ لَمْ يُكَبِّرْ فِيهِمَا إِلَّا تَكْبِيرَةً تَكْبِيرَةً». قُلْتُ: وفي إسناده عبد الله بن حسين بن عطاء وهو ضعيف الحديث. ومن ذلك أيضاً ما رواه أبو داود (١١٧٥) حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ نِزَارٍ، حَدَّثَنِي الْقَاسِمُ بْنُ مَبْرُورٍ، عَنْ يُونُسَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، ﵂ قَالَتْ: شَكَا النَّاسُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قُحُوطَ الْمَطَرِ، فَأَمَرَ بِمِنْبَرٍ، فَوُضِعَ لَهُ فِي الْمُصَلَّى، وَوَعَدَ النَّاسَ يَوْمًا يَخْرُجُونَ فِيهِ، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، حِينَ بَدَا حَاجِبُ الشَّمْسِ، فَقَعَدَ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَكَبَّرَ ﷺ ، وَحَمِدَ اللَّهَ ، ثُمَّ قَالَ: «إِنَّكُمْ شَكَوْتُمْ جَدْبَ دِيَارِكُمْ، وَاسْتِئْخَارَ الْمَطَرِ عَنْ إِبَّانِ زَمَانِهِ عَنْكُمْ، وَقَدْ أَمَرَكُمُ اللَّهُ أَنْ تَدْعُوهُ، وَوَعَدَكُمْ أَنْ يَسْتَجِيبَ لَكُمْ»، ثُمَّ قَالَ:

стр. 2971

«الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ، اللَّهُمَّ أَنْتَ اللَّهُ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ الْغَنِيُّ وَنَحْنُ الْفُقَرَاءُ، أَنْزِلْ عَلَيْنَا الْغَيْثَ، وَاجْعَلْ مَا أَنْزَلْتَ لَنَا قُوَّةً وَبَلَاغًا إِلَى حِينٍ»، ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ، فَلَمْ يَزَلْ فِي الرَّفْعِ حَتَّى بَدَا بَيَاضُ إِبِطَيْهِ، ثُمَّ حَوَّلَ إِلَى النَّاسِ ظَهْرَهُ، وَقَلَبَ، أَوْ حَوَّلَ رِدَاءَهُ، وَهُوَ رَافِعٌ يَدَيْهِ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ وَنَزَلَ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، فَأَنْشَأَ اللَّهُ سَحَابَةً فَرَعَدَتْ وَبَرَقَتْ، ثُمَّ أَمْطَرَتْ بِإِذْنِ اللَّهِ، فَلَمْ يَأْتِ مَسْجِدَهُ حَتَّى سَالَتِ السُّيُولُ، فَلَمَّا رَأَى سُرْعَتَهُمْ إِلَى الْكِنِّ ضَحِكَ ﷺ ، حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ، فَقَالَ: «أَشْهَدُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وَأَنِّي عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ»، قَالَ أَبُو دَاوُدَ: «وَهَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ، إِسْنَادُهُ جَيِّدٌ» اهـ. قُلْتُ: القاسم بن مبرور لم يوثقه معتبر لكن تجويد أبي داود لإسناده يرفع من شأنه. وروى عبد الرزاق في [الْمُصَنَّفِ] (٤٨٩٩)، ومن طريقه ابن النذر في [الْأَوْسَطِ] (٢١٧٩) عَنِ الثَّوْرِيِّ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ الْخَطْمِيِّ، أَنَّ ابْنَ الزُّبَيْرِ: «خَرَجَ يَسْتَسْقِي بِالنَّاسِ، فَخَطَبَ، ثُمَّ صَلَّى بِغَيْرِ أَذَانٍ وَلَا إِقَامَةٍ قَالَ: وَفي النَّاسِ يَوْمَئِذٍ الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ وَزَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ». قُلْتُ: هَذَا أَثَرٌ صَحِيْحٌ. وبهذا يتبين أنَّ من ذهب إلى أنَّ الخطبة في الاستسقاء إنَّما تكون قبل الصلاة أنَّه هو القول الصحيح الذي تؤيده الأدلة. والله أعلم. قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ في [فَتْحِ الْبَارِي] (٦/ ٢٨٤ - ٢٨٥):

стр. 2972

«واختلف القائلون بأنَّه يخطب - وهم الجمهور -: هل يخطب خطبة واحدة، أو خطبتين؟ على قولين: أحدهما: يخطب خطبة واحدة، وهو قول ابن مهدي وأحمد وأبي يوسف ومحمد. والثاني: أنَّه يخطب خطبتين، بينهما جلسة كالعيد، وهو قول الليث ومالك والشافعي، وروي عن الفقهاء السبعة، وهو وجه ضعيف لأصحابنا. وقالت طائفة: يخير بين الْأمرين، وهو قول ابن جرير الطبري، وحكي مثله عن أبي يوسف ومحمد - أيضاً. واختلفوا: بماذا تستفتح الخطبة؟ فقالت طائفة: بالحمد لله، وحكي عن مالك وأبي يوسف ومحمد، وهو قول طائفة من أصحابنا، وهو الأظهر. وقد سبق في "الجمعة" توجيه ذلك. ومذهب مالك: ليس في خطبة الاستسقاء تكبير ذكره في "تهذيب المدونة". وقالت طائفة: يفتتحها بالتكبير كخطبة الْعِيْدَيْنِ، وهو قول أكثر أصحابنا، وطائفة من الشافعية، ونقل أنَّه نص الشافعي. وقد تقدم من حديث عائشة ما يشهد له. وقالت طائفة: يستفتحها بالاستغفار، وهو قول أبي بكر بن جعفر من أصحابنا، وأكثر أصحاب الشافعي. قال أبو بكر - من أصحابنا -: يستفتحها بالاستغفار، ويختمها به، ويكثر من الاستغفار بين ذلك.

стр. 2973

وهو منصوص الشافعي، ونص على أنه يختمها بقوله: استغفر الله لي ولكم» اهـ. قُلْتُ: الذي يظهر لي أنَّ خطبة الاستسقاء واحدة، وأنَّها تستفتح بالحمد والتكبير كما دل عليه حديث عائشة. والله أعلم. وهل يخطب للاستسقاء على المنبر أم على الأرض؟ جاء في حديث عائشة الماضي عند أبي داود: « … فَأَمَرَ بِمِنْبَرٍ، فَوُضِعَ لَهُ فِي الْمُصَلَّى، وَوَعَدَ النَّاسَ يَوْمًا يَخْرُجُونَ فِيهِ، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، حِينَ بَدَا حَاجِبُ الشَّمْسِ، فَقَعَدَ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَكَبَّرَ … ». وجاء في حديث ابن عباس المضي: «خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُتَبَذِّلًا مُتَوَاضِعًا، مُتَضَرِّعًا، حَتَّى أَتَى الْمُصَلَّى، فَرَقَى عَلَى الْمِنْبَرِ». قُلْتُ: ذكر المنبر في حديث ابن عباس غير محفوظ كما رواه سفيان الثوري، وغيره عن هشام بن إسحاق، وجاء ذكر المنبر في حديث حاتم بن إسماعيل وقد اختلف عليه. فالعمدة في ذلك حديث عائشة. وفعل ذلك أيضاً معاوية كما سيأتي في الاستسقاء بأهل الخير والصلاح. ولم يفعل ذلك ابن الزبير كما سيأتي في مسألة: لا أذان ولا إقامة في الاستسقاء. ٨ - استحباب الجماعة في صلاة الاستسقاء. قُلْتُ: وتصح مع الانفراد قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ في [الْمَجْمُوْع] (٥/ ٦٤): «ويستحب ذلك للمنفرد إلَّا الخطبة» اهـ.

стр. 2974

فصل: في ذكر بعض المسائل المتعلقة بالاستسقاء. المسألة الأولى: وقت صلاة الاستسقاء. تصلى صلاة الاستسقاء في غير أوقات الكراهة. وتصلى نهاراً لا ليلاً لما في ذلك من المشقة على الناس. وقد جاء في وقت خروج النبي ﷺ للاستسقاء ما رواه أبو داود (١١٧٥) حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ نِزَارٍ، حَدَّثَنِي الْقَاسِمُ بْنُ مَبْرُورٍ، عَنْ يُونُسَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، ﵂ قَالَتْ: شَكَا النَّاسُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قُحُوطَ الْمَطَرِ، فَأَمَرَ بِمِنْبَرٍ، فَوُضِعَ لَهُ فِي الْمُصَلَّى، وَوَعَدَ النَّاسَ يَوْمًا يَخْرُجُونَ فِيهِ، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، حِينَ بَدَا حَاجِبُ الشَّمْسِ، فَقَعَدَ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَكَبَّرَ ﷺ ، وَحَمِدَ اللَّهَ ، ثُمَّ قَالَ: «إِنَّكُمْ شَكَوْتُمْ جَدْبَ دِيَارِكُمْ، وَاسْتِئْخَارَ الْمَطَرِ عَنْ إِبَّانِ زَمَانِهِ عَنْكُمْ، وَقَدْ أَمَرَكُمُ اللَّهُ أَنْ تَدْعُوهُ، وَوَعَدَكُمْ أَنْ يَسْتَجِيبَ لَكُمْ»، ثُمَّ قَالَ: «الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ، اللَّهُمَّ أَنْتَ اللَّهُ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ الْغَنِيُّ وَنَحْنُ الْفُقَرَاءُ، أَنْزِلْ عَلَيْنَا الْغَيْثَ، وَاجْعَلْ مَا أَنْزَلْتَ لَنَا قُوَّةً وَبَلَاغًا إِلَى حِينٍ»، ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ، فَلَمْ يَزَلْ فِي الرَّفْعِ حَتَّى بَدَا بَيَاضُ إِبِطَيْهِ، ثُمَّ حَوَّلَ إِلَى النَّاسِ ظَهْرَهُ، وَقَلَبَ، أَوْ حَوَّلَ رِدَاءَهُ، وَهُوَ رَافِعٌ يَدَيْهِ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ وَنَزَلَ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، فَأَنْشَأَ اللَّهُ سَحَابَةً فَرَعَدَتْ وَبَرَقَتْ، ثُمَّ أَمْطَرَتْ بِإِذْنِ اللَّهِ، فَلَمْ يَأْتِ مَسْجِدَهُ حَتَّى سَالَتِ السُّيُولُ، فَلَمَّا رَأَى سُرْعَتَهُمْ إِلَى الْكِنِّ ضَحِكَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ

стр. 2975

وَسَلَّمَ، حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ، فَقَالَ: «أَشْهَدُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وَأَنِّي عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ»، قَالَ أَبُو دَاوُدَ: «وَهَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ، إِسْنَادُهُ جَيِّدٌ» اهـ. قُلْتُ: وقد مضى قريباً. قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ في [فَتْحِ الْبَارِي] (٦/ ٢٩٢ - ٢٩٣): «ووقت صلاة الاستسقاء وقت صلاة العيد، وقد تقدم حديث عائشة في خروج النبي ﷺ لها حين بدا حاجب الشمس، وأنَّه قعد على المنبر ودعا، ثم صلى بعد ذلك. وذكر ابن عبد البر أنَّ الخروج لها في أول النهار عند جماعة العلماء، إلَّا أبا بكر بن حزم؛ فإنَّه قال: الخروج إليها عند زوال الشمس. وكأنَّه ألحقها بالجمعة. ولا يفوت وقتها بفوات وقت العيد، بل تصلى في جميع النهار. قال بعض أصحابنا: إلَّا أنَّه لا تصلى في أوقات النهي بغير خلاف، إذ لا حاجة إلى ذلك، ووقتها متسع. ومن أصحابنا من حكى وجهاً آخر بجواز صلاتها في وقت النهي، إذا جوزنا فعل ذوات الأسباب فيه، وهو ضعيف. كذا قال الشافعي في "الْأُم"، قال: إذا لم يصل للاستسقاء قبل الزوال يصلها بعد الظهر وقبل العصر. ومراده: أنَّه لا يصلى بعد العصر في وقت النهي. ولأصحابه في ذلك وجهان. ومن أصحابه من قال: وقتها وقت صلاة العيد. ومنهم من قال: أول وقتها وقت العيد، ويمتد إلى أن يصلى العصر. وهذا موافق لنص الشافعي كما تقدم.

стр. 2976

ومنهم من قال: الصحيح أنَّها لا تختص بوقت، بل يجوز وتصح في كل وقت من ليل ونهار، إلَّا أوقات الكراهة - على أصح الوجهين -؛ لأنَّها لا تختص بيوم ولا تختص بوقت كصلاة الإحرام والاستخارة. وهذا مخالف لنص الشافعي، لما علم من سنة النبي ﷺ وأصحابه في صلاة الاستسقاء؛ فإنَّهم كانوا يخرجون نهاراً لا ليلاً، وجمع الناس لصلاة الاستسقاء ليلاً مما يشق عليهم، وهو سبب لامتناع حضور أكثرهم، فلا يكون ذلك مشروعاً بالكلية. وهذا بخلاف صلاة الإحرام والاستخارة، فإنَّه لا يشرع لهم الاجتماع، فلا يفوت بفعلهما ليلاً شيء من مصالحهما» اهـ. المسألة الثانية: لا أذان ولا إقامة في الاستسقاء. قال الْإِمَام البخاري ﵀ (١٠٢٢) وَقَالَ لَنَا أَبُو نُعَيْمٍ: عَنْ زُهَيْرٍ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، «خَرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ الأَنْصَارِيُّ وَخَرَجَ مَعَهُ البَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ، وَزَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ ﵃ فَاسْتَسْقَى، فَقَامَ بِهِمْ عَلَى رِجْلَيْهِ عَلَى غَيْرِ مِنْبَرٍ، فَاسْتَغْفَرَ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ يَجْهَرُ بِالقِرَاءَةِ، وَلَمْ يُؤَذِّنْ وَلَمْ يُقِمْ». قُلْتُ: وقد سبق ما رواه عبد الرزاق في [الْمُصَنَّفِ] (٤٨٩٩)، ومن طريقه ابن النذر في [الْأَوْسَطِ] (٢١٧٩) عَنِ الثَّوْرِيِّ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ الْخَطْمِيِّ، أَنَّ ابْنَ الزُّبَيْرِ: «خَرَجَ يَسْتَسْقِي بِالنَّاسِ، فَخَطَبَ، ثُمَّ صَلَّى بِغَيْرِ أَذَانٍ وَلَا إِقَامَةٍ قَالَ: وَفي النَّاسِ يَوْمَئِذٍ الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ وَزَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ». قُلْتُ: هَذَا أَثَرٌ صَحِيْحٌ كما مضى بيان ذلك.

стр. 2977

قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ بَطَّالٍ ﵀ في [شَرْحِ صَحِيْحِ الْبُخَارِي] (٣/ ١٦): «وكذلك لا خلاف بين العلماء أنَّه لا أذان، ولا إقامة لصلاة الاستسقاء» اهـ. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ في [الْمُغْنِي] (٤/ ٣٢٧): «فصل: ولا يسن لها أذان ولا إقامة. ولا نعلم فيه خلافاً». إلى أن قال ﵀: «قال أصحابنا: وينادى لها: الصلاة جامعة. كقولهم في صلاة العيد والكسوف» اهـ. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ في [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٣/ ٢٩٤): «وأجمعوا أنَّه لا يؤذن لها ولا يقام لكن يستحب أن يقال: الصلاة جامعة» اهـ. قُلْتُ: الصحيح أنَّه لا يستحب أن ينادى لها بالصلاة جامعة لعدم ورود ذلك في السنة ولا حاجة تستدعي لذلك. وقد جاء في حديث أبي هريرة عند أحمد وابن ماجه: « … فَصَلَّى بِنَا رَكْعَتَيْنِ بِلَا أَذَانٍ وَلَا إِقَامَةٍ … ». ولم يثبت هذا الحديث كما سبق بيان ذلك. المسألة الثالثة: يستحب الاستسقاء بأهل الخير والصلاح من أقرباء الرسول ﵊ وغيرهم. فروى البخاري (١٠١٠) عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ ﵁، كَانَ إِذَا قَحَطُوا اسْتَسْقَى بِالعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ، فَقَالَ: «اللَّهُمَّ إِنَّا كُنَّا نَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ بِنَبِيِّنَا فَتَسْقِينَا، وَإِنَّا نَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ بِعَمِّ نَبِيِّنَا فَاسْقِنَا»، قَالَ: فَيُسْقَوْنَ. وروى الفسوي في [الْمَعْرِفَة] (٢/ ٤٢٠ - ٤٢١)، وأبو زرعة في [تَارِيْخِهِ] (٨٦)، ومن طريقه ابن عساكر في [تَارِيْخِ دِمَشْق] (٦٥/ ١١١)، وأبو نعيم في [الْحِلْيَّةِ] (١٥١)

стр. 2978

مِنْ طَرِيْقِ صَفْوَانَ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ سُلَيْمِ بْنِ عَامِرٍ الْخَبَائِرِيِّ: «أَنَّ السَّمَاءَ قَحَطَتْ، فَخَرَجَ مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ وَأَهْلُ دِمَشْقَ يَسْتَسْقُونَ فَلَمَّا قَعَدَ مُعَاوِيَةُ عَلَى الْمِنْبَرِ، قَالَ: أَيْنَ يَزِيدُ بْنُ الْأَسْوَدِ الْجُرَشِيُّ؟ فَنَادَاهُ النَّاسُ فَأَقْبَلَ يَتَخَطَّى النَّاسَ، فَأَمَرَهُ مُعَاوِيَةُ فَصَعِدَ الْمِنْبَرَ فَقَعَدَ عِنْدَ رِجْلَيْهِ، فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْتَشْفِعُ إِلَيْكَ بِخَيْرِنَا، وَأَفْضَلِنَا اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْتَشْفِعُ إِلَيْكَ بِيَزِيدَ بْنِ الْأَسْوَدِ الْجُرَشِيِّ، يَا يَزِيدُ، ارْفَعْ يَدَيْكَ إِلَى اللَّهِ فَرَفَعَ يَدَيْهِ، وَرَفَعَ النَّاسُ أَيْدِيَهُمْ فَمَا كَانَ أَوْشَكَ أَنْ ثَارَتْ سَحَابَةٌ فِي الْغَرْبِ كَأَنَّهَا تُرْسٌ، وَهْبَّ لَهَا رِيحٌ فَسَقَتْنَا حَتَّى كَادَ النَّاسُ أَنْ لَا يَبْلُغُوا مَنَازِلَهُمْ». قُلْتُ: إِسْنَادُهَا صَحِيْحٌ. المسألة الرابعة: إخراج البهائم في الاستسقاء. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ في [الْمُغْنِي] (٤/ ٣٢٣ - ٣٢٤): «ولا يستحب إخراج البهائم؛ لأّنَّ الْنَّبِيَّ ﷺ لم يفعله» اهـ. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ في [الْمَجْمُوْع] (٥/ ٧١): «قال الشافعي في "الْأُم" ولا آمر بإخراج البهائم. هذا نصه وللأصحاب ثلاثة أوجه: أحدها: لا يستحب ولا يكره وهو ظاهر هذا النص وبه جزم سليم الرازي والمحاملي وآخرون. والثاني: يكره إخراجها حكاه صاحب الحاوي عن جمهور أصحابنا.

стр. 2979

والثالث: يستحب إخراجها وتوقف معزولة عن الناس لما ذكره الْمُصَنَّفِ وهذا الوجه قوله أبي إسحاق حكاه أيضا صاحب الحاوي عن ابن أبي هريرة وبه قطع البغوي وصححه الرافعي» اهـ. قُلْتُ: الصحيح عدم استحباب ذلك لعدم ثبوته عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ولا أصحابه. وأمَّا قصة سليمان فمن الإسرائيليات التي لا يعلم ثبوتها، وقد رواها عبد الرزاق في [الْمُصَنَّفِ] (٤٩٢١)، ومن طريقه الطبراني في [الْدُعَاء] (٩٦٧)، وابن عساكر في [تَارِيْخِ دِمَشْق] (٢٢/ ٢٨٨) عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، أَنَّ سُلَيْمَانَ بْنَ دَاوُدَ خَرَجَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ يَسْتَسْقُونَ، فَرَأَى نَمْلَةً قَائِمَةً رَافِعَةً إِحْدَى قَوَائِمَهَا تَسْتَسْقِي، فَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: «ارْجِعُوا فَقَدْ سُقِيتُمْ، إِنَّ هَذِهِ النَّمْلَةَ اسْتَسْقَتْ فَاسْتُجِيبَ لَهَا». وروى ابن أبي شيبة في [مُصَنَفِه] (٣٠١٠١، ٣٥٤١٤)، وأحمد في [الْزُهْدِ] (٤٤٦)، والطبراني في [الْدُعَاءِ] (٩٦٨)، وأبو نعيم في [الْحِلْيَةِ] (٣/ ١٠١)، وأبو بكر الشافعي في [الْغَيْلَانِيَّاتِ] (٦٤٧) مِنْ طَرِيْقِ مِسْعَرٍ، عَنْ زَيْدٍ الْعَمِّيِّ، عَنْ أَبِي الصِّدِّيقِ النَّاجِي: «أَنَّ سُلَيْمَانَ بْنَ دَاوُدَ، خَرَجَ بِالنَّاسِ يَسْتَسْقِي، فَمَرَّ عَلَى نَمْلَةٍ مُسْتَلْقِيَةٍ عَلَى قَفَاهَا، رَافِعَةٍ قَوَائِمَهَا إِلَى السَّمَاءِ، وَهِيَ تَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنَّا خَلْقٌ مِنْ خَلْقِكَ لَيْسَ لَنَا غِنًى عَنْ رِزْقِكَ، فَإِمَّا أَنْ تَسْقِيَنَا وَإِمَّا أَنْ تُهْلِكَنَا، فَقَالَ سُلَيْمَانُ لِلنَّاسِ: ارْجِعُوا فَقَدْ سُقِيتُمْ بِدَعْوَةِ غَيْرِكُمْ». قُلْتُ: العمي ضعيف.

стр. 2980

وروى الْدَارَقُطْنِي (١٧٩٧)، والحاكم في [الْمُسْتَدْرَكِ] (١٢١٥) مِنْ طَرِيْقِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ الْعُمَرِيُّ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَوْنٍ مَوْلَى أُمِّ يَحْيَى بِنْتِ الْحَكَمِ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ شِهَابٍ: أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «خَرَجَ نَبِيٌّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ بِالنَّاسِ يَسْتَسْقِي فَإِذَا هُوَ بِنَمْلَةٍ رَافِعَةٍ بَعْضَ قَوَائِمِهَا إِلَى السَّمَاءِ، فَقَالَ: ارْجِعُوا فَقَدِ اسْتُجِيبَ لَكُمْ مِنْ أَجْلِ شَأْنِ هَذِهِ النَّمْلَةِ». قُلْتُ: محمد بن عون وأبوه ذكرهما ابن حبان في "الثقات" ووثقهما الْدَارَقُطْنِي في سؤالات البرقاني له وقد علما تساهلما في توثيق المجاهيل، ورواية عون عن الزهري مرسلة قال الْإِمَام البخاري ﵀ في [الْتَّارِيْخِ الْكَبِيْر] (٧/ ١٦): «عون مولى أم حكيم بنت يحيى بن الحكم عن الزهري، مرسل» اهـ. المسألة الخامسة: تكرار الاستسقاء. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْمُنْذِرِ ﵀ في [الْأَوْسَطِ] (٧/ ٧٠): «الاستسقاء مرة بعد مرة كان مالك يقول: لا بأس أن يستسقي الناس في العام مرة أو مرتين أو ثلاثاً إذا احتاجوا إلى ذلك، وكان الشافعي يقول: إن لم يسقوا يومهم ذلك، أحببت له أن يتابع الاستسقاء ثلاثاً يصنع في كل يوم منها صنيعه في اليوم الأول. وحكي عنه أنَّه قال: ما لهذا حد ينتهي إليه وما بذلك بأس فاستسقوا ما بدا لكم» اهـ. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ في [الْمُغْنِي] (٢/ ٣٢٦):
следующие страницы →