← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 30178

تحفة السائل في بيان ما في عمدة الأحكام من المسائل

أبو بكر الحمادي

Полный текст (8 095 стр.). Показаны 2976–3015 · переход к 2981.

стр. 2976

ومنهم من قال: الصحيح أنَّها لا تختص بوقت، بل يجوز وتصح في كل وقت من ليل ونهار، إلَّا أوقات الكراهة - على أصح الوجهين -؛ لأنَّها لا تختص بيوم ولا تختص بوقت كصلاة الإحرام والاستخارة. وهذا مخالف لنص الشافعي، لما علم من سنة النبي ﷺ وأصحابه في صلاة الاستسقاء؛ فإنَّهم كانوا يخرجون نهاراً لا ليلاً، وجمع الناس لصلاة الاستسقاء ليلاً مما يشق عليهم، وهو سبب لامتناع حضور أكثرهم، فلا يكون ذلك مشروعاً بالكلية. وهذا بخلاف صلاة الإحرام والاستخارة، فإنَّه لا يشرع لهم الاجتماع، فلا يفوت بفعلهما ليلاً شيء من مصالحهما» اهـ. المسألة الثانية: لا أذان ولا إقامة في الاستسقاء. قال الْإِمَام البخاري ﵀ (١٠٢٢) وَقَالَ لَنَا أَبُو نُعَيْمٍ: عَنْ زُهَيْرٍ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، «خَرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ الأَنْصَارِيُّ وَخَرَجَ مَعَهُ البَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ، وَزَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ ﵃ فَاسْتَسْقَى، فَقَامَ بِهِمْ عَلَى رِجْلَيْهِ عَلَى غَيْرِ مِنْبَرٍ، فَاسْتَغْفَرَ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ يَجْهَرُ بِالقِرَاءَةِ، وَلَمْ يُؤَذِّنْ وَلَمْ يُقِمْ». قُلْتُ: وقد سبق ما رواه عبد الرزاق في [الْمُصَنَّفِ] (٤٨٩٩)، ومن طريقه ابن النذر في [الْأَوْسَطِ] (٢١٧٩) عَنِ الثَّوْرِيِّ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ الْخَطْمِيِّ، أَنَّ ابْنَ الزُّبَيْرِ: «خَرَجَ يَسْتَسْقِي بِالنَّاسِ، فَخَطَبَ، ثُمَّ صَلَّى بِغَيْرِ أَذَانٍ وَلَا إِقَامَةٍ قَالَ: وَفي النَّاسِ يَوْمَئِذٍ الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ وَزَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ». قُلْتُ: هَذَا أَثَرٌ صَحِيْحٌ كما مضى بيان ذلك.

стр. 2977

قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ بَطَّالٍ ﵀ في [شَرْحِ صَحِيْحِ الْبُخَارِي] (٣/ ١٦): «وكذلك لا خلاف بين العلماء أنَّه لا أذان، ولا إقامة لصلاة الاستسقاء» اهـ. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ في [الْمُغْنِي] (٤/ ٣٢٧): «فصل: ولا يسن لها أذان ولا إقامة. ولا نعلم فيه خلافاً». إلى أن قال ﵀: «قال أصحابنا: وينادى لها: الصلاة جامعة. كقولهم في صلاة العيد والكسوف» اهـ. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ في [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٣/ ٢٩٤): «وأجمعوا أنَّه لا يؤذن لها ولا يقام لكن يستحب أن يقال: الصلاة جامعة» اهـ. قُلْتُ: الصحيح أنَّه لا يستحب أن ينادى لها بالصلاة جامعة لعدم ورود ذلك في السنة ولا حاجة تستدعي لذلك. وقد جاء في حديث أبي هريرة عند أحمد وابن ماجه: « … فَصَلَّى بِنَا رَكْعَتَيْنِ بِلَا أَذَانٍ وَلَا إِقَامَةٍ … ». ولم يثبت هذا الحديث كما سبق بيان ذلك. المسألة الثالثة: يستحب الاستسقاء بأهل الخير والصلاح من أقرباء الرسول ﵊ وغيرهم. فروى البخاري (١٠١٠) عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ ﵁، كَانَ إِذَا قَحَطُوا اسْتَسْقَى بِالعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ، فَقَالَ: «اللَّهُمَّ إِنَّا كُنَّا نَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ بِنَبِيِّنَا فَتَسْقِينَا، وَإِنَّا نَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ بِعَمِّ نَبِيِّنَا فَاسْقِنَا»، قَالَ: فَيُسْقَوْنَ. وروى الفسوي في [الْمَعْرِفَة] (٢/ ٤٢٠ - ٤٢١)، وأبو زرعة في [تَارِيْخِهِ] (٨٦)، ومن طريقه ابن عساكر في [تَارِيْخِ دِمَشْق] (٦٥/ ١١١)، وأبو نعيم في [الْحِلْيَّةِ] (١٥١)

стр. 2978

مِنْ طَرِيْقِ صَفْوَانَ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ سُلَيْمِ بْنِ عَامِرٍ الْخَبَائِرِيِّ: «أَنَّ السَّمَاءَ قَحَطَتْ، فَخَرَجَ مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ وَأَهْلُ دِمَشْقَ يَسْتَسْقُونَ فَلَمَّا قَعَدَ مُعَاوِيَةُ عَلَى الْمِنْبَرِ، قَالَ: أَيْنَ يَزِيدُ بْنُ الْأَسْوَدِ الْجُرَشِيُّ؟ فَنَادَاهُ النَّاسُ فَأَقْبَلَ يَتَخَطَّى النَّاسَ، فَأَمَرَهُ مُعَاوِيَةُ فَصَعِدَ الْمِنْبَرَ فَقَعَدَ عِنْدَ رِجْلَيْهِ، فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْتَشْفِعُ إِلَيْكَ بِخَيْرِنَا، وَأَفْضَلِنَا اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْتَشْفِعُ إِلَيْكَ بِيَزِيدَ بْنِ الْأَسْوَدِ الْجُرَشِيِّ، يَا يَزِيدُ، ارْفَعْ يَدَيْكَ إِلَى اللَّهِ فَرَفَعَ يَدَيْهِ، وَرَفَعَ النَّاسُ أَيْدِيَهُمْ فَمَا كَانَ أَوْشَكَ أَنْ ثَارَتْ سَحَابَةٌ فِي الْغَرْبِ كَأَنَّهَا تُرْسٌ، وَهْبَّ لَهَا رِيحٌ فَسَقَتْنَا حَتَّى كَادَ النَّاسُ أَنْ لَا يَبْلُغُوا مَنَازِلَهُمْ». قُلْتُ: إِسْنَادُهَا صَحِيْحٌ. المسألة الرابعة: إخراج البهائم في الاستسقاء. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ في [الْمُغْنِي] (٤/ ٣٢٣ - ٣٢٤): «ولا يستحب إخراج البهائم؛ لأّنَّ الْنَّبِيَّ ﷺ لم يفعله» اهـ. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ في [الْمَجْمُوْع] (٥/ ٧١): «قال الشافعي في "الْأُم" ولا آمر بإخراج البهائم. هذا نصه وللأصحاب ثلاثة أوجه: أحدها: لا يستحب ولا يكره وهو ظاهر هذا النص وبه جزم سليم الرازي والمحاملي وآخرون. والثاني: يكره إخراجها حكاه صاحب الحاوي عن جمهور أصحابنا.

стр. 2979

والثالث: يستحب إخراجها وتوقف معزولة عن الناس لما ذكره الْمُصَنَّفِ وهذا الوجه قوله أبي إسحاق حكاه أيضا صاحب الحاوي عن ابن أبي هريرة وبه قطع البغوي وصححه الرافعي» اهـ. قُلْتُ: الصحيح عدم استحباب ذلك لعدم ثبوته عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ولا أصحابه. وأمَّا قصة سليمان فمن الإسرائيليات التي لا يعلم ثبوتها، وقد رواها عبد الرزاق في [الْمُصَنَّفِ] (٤٩٢١)، ومن طريقه الطبراني في [الْدُعَاء] (٩٦٧)، وابن عساكر في [تَارِيْخِ دِمَشْق] (٢٢/ ٢٨٨) عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، أَنَّ سُلَيْمَانَ بْنَ دَاوُدَ خَرَجَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ يَسْتَسْقُونَ، فَرَأَى نَمْلَةً قَائِمَةً رَافِعَةً إِحْدَى قَوَائِمَهَا تَسْتَسْقِي، فَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: «ارْجِعُوا فَقَدْ سُقِيتُمْ، إِنَّ هَذِهِ النَّمْلَةَ اسْتَسْقَتْ فَاسْتُجِيبَ لَهَا». وروى ابن أبي شيبة في [مُصَنَفِه] (٣٠١٠١، ٣٥٤١٤)، وأحمد في [الْزُهْدِ] (٤٤٦)، والطبراني في [الْدُعَاءِ] (٩٦٨)، وأبو نعيم في [الْحِلْيَةِ] (٣/ ١٠١)، وأبو بكر الشافعي في [الْغَيْلَانِيَّاتِ] (٦٤٧) مِنْ طَرِيْقِ مِسْعَرٍ، عَنْ زَيْدٍ الْعَمِّيِّ، عَنْ أَبِي الصِّدِّيقِ النَّاجِي: «أَنَّ سُلَيْمَانَ بْنَ دَاوُدَ، خَرَجَ بِالنَّاسِ يَسْتَسْقِي، فَمَرَّ عَلَى نَمْلَةٍ مُسْتَلْقِيَةٍ عَلَى قَفَاهَا، رَافِعَةٍ قَوَائِمَهَا إِلَى السَّمَاءِ، وَهِيَ تَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنَّا خَلْقٌ مِنْ خَلْقِكَ لَيْسَ لَنَا غِنًى عَنْ رِزْقِكَ، فَإِمَّا أَنْ تَسْقِيَنَا وَإِمَّا أَنْ تُهْلِكَنَا، فَقَالَ سُلَيْمَانُ لِلنَّاسِ: ارْجِعُوا فَقَدْ سُقِيتُمْ بِدَعْوَةِ غَيْرِكُمْ». قُلْتُ: العمي ضعيف.

стр. 2980

وروى الْدَارَقُطْنِي (١٧٩٧)، والحاكم في [الْمُسْتَدْرَكِ] (١٢١٥) مِنْ طَرِيْقِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ الْعُمَرِيُّ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَوْنٍ مَوْلَى أُمِّ يَحْيَى بِنْتِ الْحَكَمِ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ شِهَابٍ: أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «خَرَجَ نَبِيٌّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ بِالنَّاسِ يَسْتَسْقِي فَإِذَا هُوَ بِنَمْلَةٍ رَافِعَةٍ بَعْضَ قَوَائِمِهَا إِلَى السَّمَاءِ، فَقَالَ: ارْجِعُوا فَقَدِ اسْتُجِيبَ لَكُمْ مِنْ أَجْلِ شَأْنِ هَذِهِ النَّمْلَةِ». قُلْتُ: محمد بن عون وأبوه ذكرهما ابن حبان في "الثقات" ووثقهما الْدَارَقُطْنِي في سؤالات البرقاني له وقد علما تساهلما في توثيق المجاهيل، ورواية عون عن الزهري مرسلة قال الْإِمَام البخاري ﵀ في [الْتَّارِيْخِ الْكَبِيْر] (٧/ ١٦): «عون مولى أم حكيم بنت يحيى بن الحكم عن الزهري، مرسل» اهـ. المسألة الخامسة: تكرار الاستسقاء. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْمُنْذِرِ ﵀ في [الْأَوْسَطِ] (٧/ ٧٠): «الاستسقاء مرة بعد مرة كان مالك يقول: لا بأس أن يستسقي الناس في العام مرة أو مرتين أو ثلاثاً إذا احتاجوا إلى ذلك، وكان الشافعي يقول: إن لم يسقوا يومهم ذلك، أحببت له أن يتابع الاستسقاء ثلاثاً يصنع في كل يوم منها صنيعه في اليوم الأول. وحكي عنه أنَّه قال: ما لهذا حد ينتهي إليه وما بذلك بأس فاستسقوا ما بدا لكم» اهـ. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ في [الْمُغْنِي] (٢/ ٣٢٦):

стр. 2981

«مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (فَإِنْ سُقُوا، وَإِلَّا عَادُوا فِي الْيَوْمِ الثَّانِي وَالثَّالِثِ) وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ. وَقَالَ إِسْحَاقُ: لَا يَخْرُجُونَ إلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً؛ لِأّنَّ الْنَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَخْرُجْ إلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً، وَلَكِنْ يَجْتَمِعُونَ فِي مَسَاجِدِهِمْ، فَإِذَا فَرَغُوا مِنْ الصَّلَاةِ ذَكَرُوا اللَّهَ تَعَالَى، وَدَعَوْا، وَيَدْعُو الْإِمَامُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ عَلَى الْمِنْبَرِ، وَيُؤَمِّنُ النَّاسُ. وَلَنَا، أَنَّ هَذَا أَبْلَغُ فِي الدُّعَاءِ وَالتَّضَرُّعِ، وَقَدْ جَاءَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُلِحِّينَ فِي الدُّعَاءِ". وَأَمَّا النَّبِيُّ فَلَمْ يَخْرُجْ ثَانِيًا؛ لِاسْتِغْنَائِهِ عَنْ الْخُرُوجِ بِإِجَابَتِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ، وَالْخُرُوجُ فِي الْمَرَّةِ الْأُولَى آكَدُ مِمَّا بَعْدَهَا؛ لِوُرُودِ السُّنَّةِ بِهِ» اهـ. قُلْتُ: الذي يظهر لي هو مشروعية تكرار الاستسقاء إلى أن يمطروا والله أعلم. * * *

стр. 2982

١٤٨ - عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: «أَنَّ رَجُلاً دَخَلَ الْمَسْجِدَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ مِنْ بَابٍ كَانَ نَحْوَ دَارِ الْقَضَاءِ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَائِمٌ يَخْطُبُ، فَاسْتَقْبَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَائِمًا، ثُمَّ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلَكَتْ الأَمْوَالُ، وَانْقَطَعَتْ السُّبُلُ فَادْعُ اللَّهَ تَعَالَى يُغِيثُنَا، قَالَ: فَرَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدَيْهِ ثُمَّ قَالَ: "اللَّهُمَّ أَغِثْنَا، اللَّهُمَّ أَغِثْنَا، اللَّهُمَّ أَغِثْنَا". قَالَ أَنَسٌ: فَلا وَاَللَّهِ مَا نَرَى فِي السَّمَاءِ مِنْ سَحَابٍ وَلا قَزَعَةٍ، وَمَا بَيْنَنَا وَبَيْنَ سَلْعٍ مِنْ بَيْتٍ وَلا دَارٍ قَالَ: فَطَلَعَتْ مِنْ وَرَائِهِ سَحَابَةٌ مِثْلُ التُّرْسِ. فَلَمَّا تَوَسَّطَتْ السَّمَاءَ انْتَشَرَتْ ثُمَّ أَمْطَرَتْ، قَالَ: فَلا وَاَللَّهِ مَا رَأَيْنَا الشَّمْسَ سَبْتاً، قَالَ: ثُمَّ دَخَلَ رَجُلٌ مِنْ ذَلِكَ الْبَابِ فِي الْجُمُعَةِ الْمُقْبِلَةِ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَائِمٌ يَخْطُبُ النَّاسَ، فَاسْتَقْبَلَهُ قَائِماً، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلَكَتْ الأَمْوَالُ، وَانْقَطَعَتْ السُّبُلُ، فَادْعُ اللَّهَ أَنْ يُمْسِكَهَا عَنَّا، قَالَ: فَرَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدَيْهِ ثُمَّ قَالَ: "اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا وَلا عَلَيْنَا، اللَّهُمَّ عَلَى الآكَامِ وَالظِّرَابِ وَبُطُونِ الأَوْدِيَةِ وَمَنَابِتِ الشَّجَرِ"، قَالَ: فَأَقْلَعَتْ، وَخَرَجْنَا نَمْشِي فِي الشَّمْسِ». قَالَ شَرِيكٌ: فَسَأَلْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ: أَهُوَ الرَّجُلُ الأَوَّلُ قَالَ: لا أَدْرِي. الظراب: الجبال الصغار. و "والآكام" جمع " أكمة" وهي أعلى من الرابية ودون الهضبة و "دار القضاء": دار عمر بن الخطاب ﵁ سميت بذلك، لأنَّها بيعت في قضاء دينه. قوله: «فَادْعُ اللَّهَ تَعَالَى يُغِيثُنَا». أي يمطرنا والغيث المطر.

стр. 2983

وقوله: «وَلا قَزَعَةٍ». هي السحاب الرقيق، وقيل السحاب المتفرق. وقوله: «وَمَا بَيْنَنَا وَبَيْنَ سَلْعٍ». سَلْع جبل في المدينة بينه وبين المسجد النبوي قدر ميل. وقوله: «مِثْلُ التُّرْسِ» أي مستديرة. قوله: «هَلَكَتْ الأَمْوَالُ». أي المواشي، كما جاء في بعض الروايات عند البخاري. وقوله: «وَانْقَطَعَتْ السُّبُلُ». قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٢/ ٥٠٢ - ٥٠٣): «والمراد بذلك أنَّ الإبل ضعفت لقلة القوت عن السفر أو لكونها لا تجد في طريقها من الكلأ ما يقيم أودها وقيل المراد نفاد ما عند الناس من الطعام أو قلته فلا يجدون ما يحملونه يجلبونه إلى الأسواق» اهـ. وقَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٢/ ٥٠٥): «قوله: "اللهم حوالينا" بفتح اللام وفيه حذف تقديره اجعل أو أمطر والمراد به صرف المطر عن الأبنية والدور. قوله: "ولا علينا" فيه بيان للمراد بقوله حوالينا لأنَّها تشمل الطرق التي حولهم فأراد إخراجها بقوله: "ولا علينا"» اهـ. وَقَالَ ﵀ في [فَتْحِ الْبَارِي] (٢/ ٥٠٥): «قوله: "اللهم على الآكام" فيه بيان للمراد بقوله: "حوالينا" والآكام بكسر الهمزة وقد تفتح وتمد جمع أكمة بفتحات قال ابن البرقي: هو التراب المجتمع وَقَالَ الداودي: هي أكبر من الكدية. وَقَالَ القزاز: هي التي من حجر واحد وهو قول الخليل. وَقَالَ الخطابي: هي الهضبة الضخمة. وقيل: الجبل الصغير. وقيل: ما

стр. 2984

ارتفع من الأرض. وَقَالَ الثعالبي: الأكمة أعلى من الرابية وقيل دونها. قوله: والظراب بكسر المعجمة وآخره موحدة جمع ظرب بكسر الراء وقد تسكن وَقَالَ القزاز هو الجبل المنبسط ليس بالعالي وَقَالَ الجوهري الرابية الصغيرة» اهـ. وفي الحديث مسائل منها: ١ - أنَّ الاستسقاء يشرع في خطبة الجمعة. قُلْتُ: وقد جاء في الاستسقاء صورة أخرى وهي الاستسقاء بمجرد الْدُعَاء من غير صلاة ولا خطبة. ويدل على ذلك ما رواه أبو داود (١١٦٩) حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي خَلَفٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ، حَدَّثَنَا مِسْعَرٌ، عَنْ يَزِيدَ الْفَقِيرِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: أَتَتِ النَّبِيَّ ﷺ ، بَوَاكِي، فَقَالَ: «اللَّهُمَّ اسْقِنَا غَيْثًا مُغِيثًا، مَرِيئًا مَرِيعًا، نَافِعًا غَيْرَ ضَارٍّ، عَاجِلًا غَيْرَ آجِلٍ»، قَالَ: فَأَطْبَقَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ. قُلْتُ: هَذَا إِسْنَادٌ صَحِيْحٌ. لكن قال ابن أبي حاتم ﵀ في [الْعِلَلِ] (٣/ ٣٤٦ - ٣٤٧): «فحدثت بهذا الحديث أبي فقال أبي أعطانا محمد بن عبيد كتابه عن مسعر فنسخناه ولم يكن هذا الحديث فيه ليس هذا بشيء كأنَّه أنكره من حديث محمد بن عبيد. قال أبي: وحدثناه يعلى أخو محمد قال حدثنا مسعر عن يزيد الفقير مرسلاً ولم يقل بواكي خالفه» اهـ.

стр. 2985

قُلْتُ: وحديث يعلى أصح وقد قال ابن أبي حاتم ﵀ في [الْجَرْحِ وَالْتَعْدِيْلِ] (٩/ ٣٠٥): «سألت أبي عن يعلى بن عبيد فقال: صدوق كان أثبت أولاد أبيه في الحديث» اهـ. وَقَالَ الْحَافِظُ الْدَارَقُطْنِي ﵀ في [الْعِلَلِ] (١٣/ ٣٩١): «يرويه مسعر، واختلف عنه؛ فرواه جعفر بن عون، ومحمد بن عبيد، عن مسعر، عن يزيد الفقير، عن جابر، أتت هوازن النبي ﷺ ، وغيرهما يرويه عن مسعر، عن يزيد الفقير، مرسلاً، وهو أشبه بالصواب» اهـ. وَقَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [الْتَلْخِيْصِ] (٢/ ٢٣١): «وقد أعله الْدَارَقُطْنِي في الْعِلَلِ بالإرسال وَقَالَ رواية من قال عن يزيد الفقير من غير ذكر جابر أشبه بالصواب وكذا قال أحمد بن حنبل وجرى النووي في الأذكار على ظاهره فقال صحيح على شرط مسلم» اهـ. قُلْتُ: وبهذا يتبين أنَّ الصحيح في الحديث الإرسال. وروى أحمد (٢١٩٩٤)، وأبو داود (١١٧٠) مِنْ طَرِيْقِ ابْنِ وَهْبٍ، عَنْ حَيْوَةَ، وَعُمَرَ بْنِ مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ الْهَادِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عُمَيْرٍ، مَوْلَى بَنِي آبِي اللَّحْمِ، «أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ ﷺ يَسْتَسْقِي عِنْدَ أَحْجَارِ الزَّيْتِ، قَرِيبًا مِنَ الزَّوْرَاءِ قَائِمًا، يَدْعُو يَسْتَسْقِي رَافِعًا يَدَيْهِ قِبَلَ وَجْهِهِ، لَا يُجَاوِزُ بِهِمَا رَأْسَهُ». هذا لفظ أبي داود ولفظ أحمد عَنْ عُمَيْرٍ، مَوْلَى آبِي اللَّحْمِ: أَنَّهُ «رَأَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَسْتَسْقِي عِنْدَ أَحْجَارِ الزَّيْتِ قَرِيبًا مِنَ الزَّوْرَاءِ قَائِمًا، يَدْعُو يَسْتَسْقِي رَافِعًا كَفَّيْهِ، لَا يُجَاوِزُ بِهِمَا رَأْسَهُ مُقْبِلٌ بِبَاطِنِ كَفَّيْهِ إِلَى وَجْهِهِ».

стр. 2986

قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ. والزيادة في آخره صحيحة زادها هارون بن معروف في روايته عن ابن وهب. ورواه أحمد (١٦٤٦٠، ٢٣٦٧٠)، وأبو داود (١١٧٤) مِنْ طَرِيْقِ شُعْبَةَ، عَنْ عَبْدِ رَبِّهِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنِي مَنْ رَأَى النَّبِيَّ ﷺ ، «يَدْعُو عِنْدَ أَحْجَارِ الزَّيْتِ بَاسِطًا كَفَّيْهِ». قُلْتُ: هَذَا إِسْنَادٌ صَحِيْحٌ. ولم يسم عبد ربه صحابي الحديث وقد سماه يزيد بن الهاد بأنَّه عمير مولى بني آبي اللحم كما سبق. ورواه أحمد (٢١٩٩٣)، والترمذي (٥٥٧)، والنسائي (١٥١٤) مِنْ طَرِيْقِ قُتَيْبَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ خَالِدِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلَالٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ عُمَيْرٍ، مَوْلَى آبِي اللَّحْمِ، عَنْ آبِي اللَّحْمِ، أَنَّهُ «رَأَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عِنْدَ أَحْجَارِ الزَّيْتِ يَسْتَسْقِي وَهُوَ مُقْنِعٌ بِكَفَّيْهِ يَدْعُو». قُلْتُ: ولم يذكر ابن أبي هلال محمد بن إبراهيم بن يزيد بن الهاد ولم يجعله من مسند عمير وإنَّما من مسند آبي اللحم، وزاد في متن الحديث: «وَهُوَ مُقْنِعٌ بِكَفَّيْهِ». وخالفه في ذلك حيوة بن شريح، وعمرو بن مالك وحديثهما هو المحفوظ. ٢ - وفيه أنَّ خطبة الجمعة تكون عن قيام. ٣ - جواز مخاطبة الخطيب فيما يحتاج إليه. ٤ - استحباب رفع اليدين في دعاء الاستسقاء. قُلْتُ: وقد جاءت في الرفع صفتان: الأولى: أن يرفع يديه ويجعل بطونهما مما يلي الأرض.

стр. 2987

ويدل على ذلك ما رواه مسلم (٨٩٦) وحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، «أّنَّ الْنَّبِيَّ ﷺ اسْتَسْقَى، فَأَشَارَ بِظَهْرِ كَفَّيْهِ إِلَى السَّمَاءِ». ورواه أبو داود (١١٧٣) حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الزَّعْفَرَانِيُّ، حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، أَخْبَرَنَا ثَابِتٌ، عَنْ أَنَسٍ، «أّنَّ الْنَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَسْتَسْقِي هَكَذَا - يَعْنِي - وَمَدَّ يَدَيْهِ وَجَعَلَ بُطُونَهُمَا مِمَّا يَلِي الْأَرْضَ، حَتَّى رَأَيْتُ بَيَاضَ إِبِطَيْهِ». قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ في [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٣/ ٣٠٠): «قال جماعة من أصحابنا وغيرهم: السنة في كل دعاء لرفع بلاء كالقحط ونحوه أن يرفع يديه ويجعل ظهر كفيه إلى السماء، وإذا دعا لسؤال شيء وتحصيله جعل بطن كفيه إلى السماء احتجوا بهذا الحديث» اهـ. وَقَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٢/ ٥١٨): «وَقَالَ غيره الحكمة في الإشارة بظهور الكفين في الاستسقاء دون غيره للتفاؤل بتقلب الحال ظهراً لبطن كما قيل في تحويل الرداء أو هو إشارة إلى صفة المسئول وهو نزول السحاب إلى الأرض» اهـ. وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ في [فَتْحِ الْبَارِي] (٦/ ٣٠٨): «وقد تأول بعض المتأخرين حديث أنس على أّنَّ الْنَّبِيَّ ﷺ لم يقصد قلب كفيه، إنَّما حصل له من شدة رفع يديه انحاء بطونهما إلى الأرض. وليس الْأمر كما ظنه، بل هو صفة مقصود لنفسه في رفع اليدين في الْدُعَاء» اهـ.

стр. 2988

قُلْتُ: لعله أراد بذلك شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ حيث قال كما في [مُخْتَصِرِ الْفَتَاوَى الْمَصْرِيَة] (١/ ١٥٤): «وحديث أنس الذي تقدم يدل على أنَّه لشدة الرفع انحنت يداه فصار كفه مما يلي السماء لشدة الرفع لا قصداً لذلك» اهـ. قُلْتُ: وأمَّا حديث: «لَا تَسْتُرُوا الْجُدُرَ مَنْ نَظَرَ فِي كِتَابِ أَخِيهِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، فَإِنَّمَا يَنْظُرُ فِي النَّارِ، سَلُوا اللَّهَ بِبُطُونِ أَكُفِّكُمْ، وَلَا تَسْأَلُوهُ بِظُهُورِهَا، فَإِذَا فَرَغْتُمْ، فَامْسَحُوا بِهَا وُجُوهَكُمْ». فرواه أبو داود (١٤٨٧) حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَيْمَنَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَعْقُوبَ بْنِ إِسْحَاقَ، عَمَّنْ حَدَّثَهُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ. فذكره. فَهُوَ حَدِيْثٌ ضَعِيْفٌ من هذا الوجه وجملة النهي عند الدعاء بظهور الأكف حسنة بشواهدها. قال أبو داود ﵀ بعد روايته للحديث: «رُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ كُلُّهَا وَاهِيَةٌ، وَهَذَا الطَّرِيقُ أَمْثَلُهَا وَهُوَ ضَعِيفٌ أَيْضًا» اهـ. قُلْتُ: وهو حديث مسلسل بالمجاهيل فعبد الملك لا يعرف حاله وقد نقل الذهبي تضعيف أبي داود له وإنَّما ضعف أبو داود الحديث ولم يصرح بتضعيف عبد الملك، وشيخه عبد الله بن يعقوب لا يعرف حاله، وأبهم من حدثه عن محمد بن كعب.

стр. 2989

ورواه ابن ماجه (٣٨٦٦) وغيره حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ قَالَ: حَدَّثَنَا عَائِذُ بْنُ حَبِيبٍ، عَنْ صَالِحِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِذَا دَعَوْتَ اللَّهَ فَادْعُ بِبُطُونِ كَفَّيْكَ، وَلَا تَدْعُ بِظُهُورِهِمَا، فَإِذَا فَرَغْتَ فَامْسَحْ بِهِمَا وَجْهَكَ». قُلْتُ: صالح بن حسان متروك الحديث. لكن تابعه صالح بن حيان وهو ضعيف الحديث ومنهم من بالغ في جرحه كالنسائي، والبخاري، وحديثه في [الْمُسْتَدْرَكِ] (١٩٦٨) للحاكم. قال الْحَافِظُ الْذَهَبِيُّ ﵀ في [تَذْكِرَةِ الْحُفَّاظِ] (٢/ ١٤٣) «أخرجه الحاكم في مستدركه وصالح واهٍ. قال البخاري: فيه نظر» اهـ. قُلْتُ: هذا إذا لم يكن قد تصحف الرجل من صالح بن حسان إلى صالح بن حيان فإنَّ كل من روى هذا الحديث من أصحاب الكتب الْمُصَنَّفَةِ ذكره مِنْ طَرِيْقِ صالح بن حسان ومما يؤيد التصحيف أنَّه قد جاء كذلك في بعض نسخ الْمُسْتَدْرَكِ. والله أعلم. وتابعه أيضاً عيسى بن ميمون المدني وهو متروك الحديث روى حديثه المروزي في [صَلَاةِ الْوِتْرِ] (٧٥). وله شاهد من حديث مالك بن يسار السكوني ﵁. رواه أبو داود (١٤٨٨)، وابن أبي عاصم في [الْآحَادِ وَالْمَثَانِي] (٢٤٥٩)، وابن قانع في [مُعْجَمِ الْصَحَابَةِ] (٩٩١)، وأبو نعيم في [مَعْرِفَةِ الْصَحَابَةِ] (٥٤٤١) مِنْ طَرِيْقِ إِسْمَاعِيلَ ابْنِ عَيَّاشٍ، حَدَّثَنِي ضَمْضَمٌ، عَنْ شُرَيْحٍ، حَدَّثَنَا أَبُو ظَبْيَةَ، أَنَّ أَبَا بَحْرِيَّةَ السَّكُونِيَّ، حَدَّثَهُ عَنْ مَالِكِ بْنِ يَسَارٍ السَّكُونِيِّ ثُمَّ الْعَوْفِيِّ، أَنَّ

стр. 2990

رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِذَا سَأَلْتُمُ اللَّهَ فَاسْأَلُوهُ بِبُطُونِ أَكُفِّكُمْ، وَلَا تَسْأَلُوهُ بِظُهُورِهَا». قُلْتُ: حديث أبي داود مِنْ طَرِيْقِ سليمان بن عبد الحميد البهراني قال فيه النسائي: كذاب، ليس بثقة ولا مأمون. وَقَالَ فيه أبو حاتم: صدوق. قُلْتُ: والجرح المفسر مقدم على التعديل. وحديث ابن أبي عاصم مِنْ طَرِيْقِ محمد بن عوف، حدثنا محمد بن إسماعيل بن عياش، حدثنا أبي به. قُلْتُ: ومحمد بن إسماعيل فيه لين ولم يسمع من أبيه. لكن قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي "تهذيب التهذيب" في ترجمته: «وقد أخرج أبو داود عن محمد بن عوف عنه عن أبيه عدة أحاديث لكن يروونها بأن محمد بن عوف رآها في أصل إسماعيل» اهـ. قُلْتُ: قد صرَّح ابن عوف في عدة أحاديث أنَّه رآها في أصل إسماعيل وأمَّا هذا الحديث فلم يصرح بذلك فليس لنا أن نخبر برؤيته له وهو لم يصرح بذلك. والله أعلم. وحديث ابن قانع، وأبي نعيم مِنْ طَرِيْقِ عبد الوهاب بن الضحاك، ثنا إسماعيل بن عياش به. قُلْتُ: وعبد الوهاب هذا أحد الكذابين الوضاعين. ورواه البغوي في [مُعْجَمِ الْصَحَابَةِ] (٢٠٨٢) حدثني أحمد بن سعد الزهري قال: حدثنا محمد بن إسماعيل بن عياش قال: حدثنا أبي قال: حدثنا ضمضم بن

стр. 2991

زرعة عن شريح بن عبيد قال: حدثنا ظبيان أن أبا بحرية حدثه عن مالك بن يسار السكوني أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قال: «إذا سألتم الله المسألة فسلوه ببطون أكفكم ولا تسألوه بظهورها». قُلْتُ: أحمد بن سعد هو أبو إبراهيم أحمد بن سعد بن إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف القرشي الزهري. وثقه العقيلي كما ذكر ذلك الحافظ ابن حجر ﵀ في ترجمة أبيه سعد. وَقَالَ الخطيب ﵀ في [تَارِيْخِ بِغْدَاد] (٤/ ١٨١): «وكان مذكوراً بالعلم والفضل موصوفاً بالصلاح والزهد ومن أهل بيت كلهم علماء ومحدثون. وَقَالَ يحيى بن محمد بن صاعد حدثنا احمد بن سعد الزهري وكان ثقة» اهـ. قُلْتُ: ووقع في إسناد البغوي ظبيان والصواب أبو ظبية. وأحسن طريق هي طريق أبي عاصم، والبغوي مع ما فيها من الضعف. وله شاهد مرسل أخرجه ابن أبي شيبة في [مُصَنَفِه] (٣٠٠١٨) حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ، عَنْ خَالِدٍ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ أَبِي مُحَيْرِيزٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِذَا سَأَلْتُمُ اللَّهَ فَاسْأَلُوهُ بِبُطُونِ أَكُفِّكُمْ، وَلَا تَسْأَلُوهُ بِظُهُورِهَا». قُلْتُ: هَذَا إِسْنَادٌ مُرْسَلٌ صَحِيْحِ الْإِسْنَادِ. وخالد هو الحذاء، وأبو قلابة هو عبد الله بن زيد الجرمي، وابن محيريز هو عبد الله. ومنهم من سماه عبد الرحمن والأول أصح. قال عبد الله بن الْإِمَام أحمد ﵀ في [الْعِلَلِ] (٢٢٢٧):

стр. 2992

حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ قَالَ خَالِدٌ الْحَذَّاءُ أَخْبَرَنَا عَنْ أَبِي قِلابَةَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُحَيْرِيزٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِذَا سَأَلْتُمُ اللَّهَ فَسَلُوهُ بِبُطُونِ أَكُفِّكُمْ وَلا تَسْأَلُوهُ بِظُهُورِهَا». سَمِعْتُ أَبِي يَقُول عبد الرَّحْمَن بن عبد اللَّهِ بْنِ مُحَيْرِيزٍ رَوَى عَنْهُ الصِّغَارُ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ وَإِنَّمَا يَرْوِي أَبُو قِلابَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَيْرِيزٍ وَلَكِنْ كَذَا قَالَ خَالِدٌ اهـ. وَقَالَ ابن أبي حاتم ﵀ في [الْعِلَلِ] (٢/ ٢٠٦/ ٢١١٠): «وسمعت أبي يقول، وذكر حديثاً رواه بشر بن المفضل، عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن عبد الرحمن بن محيريز، قال: قَالَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ : "إذا سألتم الله فسلوه ببطون أكفكم" وذكر الحديث. قال أبي: يقال: هو عبد الله بن محيريز الصحيح، وكذلك قال خالد، عن أبي قلابة» اهـ. وله شاهد آخر من حديث أبي بكرة. رواه علي بن عمر الحربي في [الْفَوَائِدِ الْمُنْتَقَاةِ عَنِ الْشُيُوخِ الْعَوَالِي] (١٤١) ثنا أَحْمَدُ بْنُ كَعْبٍ، ثنا عَمَّارُ بْنُ خَالِدٍ، ثنا الْقَاسِمُ بْنُ مَالِكٍ، عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِذَا سَأَلْتُمُ اللَّهَ فَسَلُوهُ بِبُطُونِ أَكُفِّكُمْ وَلَا تَسَلُوهُ بِظُهُورِهَا». قُلْتُ: أحمد بن كعب هو الزهري ضعيف الحديث وانظر لذلك "لِسَانِ الْمِيزَان" لابن حجر ﵀.

стр. 2993

قُلْتُ: لكنه متابع فقد رواه أبو نعيم في [أَخْبَارِ أَصْبَهَان] (١٧٩٠) حَدَّثَنَا الْقَاضِي مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَبَّاسِ بْنِ أَيُّوبَ بْنِ سَعِيدٍ أَبُو جَعْفَرٍ الأَخْرَمُ، ثنا عَمَّارُ بْنُ خَالِدٍ، ثنا الْقَاسِمُ بْنُ مَالِكٍ الْمُزَنِيُّ، عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكَرَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِذَا سَأَلْتُمُ اللَّهَ فَسَلُوهُ بِبُطُونِ أَكُفِّكُمْ، وَلا تَسْأَلُوْهُ بِظُهُورِهَا». قُلْتُ: ومحمد بن العباس هذا من حفاظ الحديث لكن قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [لِسَانِ الْمِيزَان] (٧/ ٢٢٦): «قال أبو نعيم اختلط قبل موته بسنة» اهـ. قُلْتُ: لكن رواه حفص بن غياث، وهشيم، وبشر بن المفضل عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن ابن محيريز مرسلاً كما سبق وحديث حفص، وهشيم، وبشر أصح. قَالَ الْحَافِظُ الْدَارَقُطْنِي ﵀ في [أَطْرَافِ الْغَرَائِبِ والْأَفْرَادِ] (٤٥٥٠): «تفرد به القاسم بن مالك عن خالد الحذاء عنه وغيره يرويه عن خالد عن أبي قلابة عن ابن محيريز مرسلاً» اهـ. وَقَالَ ﵀ في [الْعِلَلِ] (٧/ ١٥٧): «يرويه القاسم بن مالك المزني، عن خالد الحذاء، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة، عن أبيه. وهم فيه على خالد، والمحفوظ عن خالد، عن أبي قلابة، عن ابن محيريز مرسلاً، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . وكذلك رواه أيوب، عن أبي قلابة، عن ابن سيرين مرسلاً» اهـ.

стр. 2994

قُلْتُ: وخلاصة القول أنَّ حديث ابن عباس مع حديث مالك بن يسار السكوني مع مرسل ابن محيريز يتقوى ويرتقي إلى مرتبة الحسن. وهذا الحديث محمول على غير الْدُعَاء في الاستسقاء لصحة السنة في ذلك. وقد جاءت تلك الكيفية في غير الاستسقاء ولا يصح. فروى أحمد (١١١٠٨) حَدَّثَنَا رَوْحٌ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ بِشْرِ بْنِ حَرْبٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَاقِفًا بِعَرَفَةَ يَدْعُو هَكَذَا، وَرَفَعَ يَدَيْهِ حِيَالَ ثَنْدُوَتَيْهِ، وَجَعَلَ بُطُونَ كَفَّيْهِ مِمَّا يَلِي الْأَرْضَ». قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ ضَعِيْفٌ لضعف بشر بن حرب. وروى أحمد (١٦٦١٣ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ حَبَّانَ بْنِ وَاسِعٍ، عَنْ خَلَّادِ بْنِ السَّائِبِ الْأَنْصَارِيِّ، «أّنَّ الْنَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا سَأَلَ جَعَلَ بَاطِنَ كَفَّيْهِ إِلَيْهِ، وَإِذَا اسْتَعَاذَ جَعَلَ ظَاهِرَهُمَا إِلَيْهِ». قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ ضَعِيْفٌ من أجل عبد الله بن لهيعة. والصفة الأخرى أن يدعو الله ببطن كفيه كسائر الْدُعَاء. وقد مضى ما رواه أحمد (٢١٩٩٤)، وأبو داود (١١٧٠) مِنْ طَرِيْقِ ابْنِ وَهْبٍ، عَنْ حَيْوَةَ، وَعُمَرَ بْنِ مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ الْهَادِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عُمَيْرٍ، مَوْلَى بَنِي آبِي اللَّحْمِ، «أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ ﷺ يَسْتَسْقِي عِنْدَ أَحْجَارِ الزَّيْتِ، قَرِيبًا مِنَ الزَّوْرَاءِ قَائِمًا، يَدْعُو يَسْتَسْقِي رَافِعًا يَدَيْهِ قِبَلَ وَجْهِهِ، لَا يُجَاوِزُ بِهِمَا رَأْسَهُ».

стр. 2995

هذا لفظ أبي داود ولفظ أحمد عَنْ عُمَيْرٍ، مَوْلَى آبِي اللَّحْمِ: أَنَّهُ «رَأَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَسْتَسْقِي عِنْدَ أَحْجَارِ الزَّيْتِ قَرِيبًا مِنَ الزَّوْرَاءِ قَائِمًا، يَدْعُو يَسْتَسْقِي رَافِعًا كَفَّيْهِ، لَا يُجَاوِزُ بِهِمَا رَأْسَهُ مُقْبِلٌ بِبَاطِنِ كَفَّيْهِ إِلَى وَجْهِهِ». قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ. كما سبق. ورواه أحمد (١٦٤٦٠، ٢٣٦٧٠)، وأبو داود (١١٧٤) مِنْ طَرِيْقِ شُعْبَةَ، عَنْ عَبْدِ رَبِّهِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنِي مَنْ رَأَى النَّبِيَّ ﷺ ، «يَدْعُو عِنْدَ أَحْجَارِ الزَّيْتِ بَاسِطًا كَفَّيْهِ». قُلْتُ: هَذَا إِسْنَادٌ صَحِيْحٌ. كما سبق. وجاءت صفة ثالثة وهي الْدُعَاء مشيراً بالسبابة غير أنَّها لا تصح وجاء في ذلك حديث. وهو ما رواه الطبراني في [الْأَوْسَطِ] (٥٩٨١)، وفي [الْدُعَاء] (٢١٩٤)، والعقيلي في [الْضُعَفَاءِ] (٣/ ٣٠٨) مِنْ طَرِيْقِ حَفْصِ بْنش النَّضْرِ السَّلَمِيُّ قَالَ: نا عَامِرُ بْنُ خَارِجَةَ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ سَعْدٌ، أَنَّ قَوْمًا شَكَوْا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَحْطَ الْمَطَرِ، فَقَالَ: «اجْثُوا عَلَى الرُّكَبِ، وَقُولُوا: يَا رَبِّ، يَا رَبِّ» وَرَفَعَ السَّبَّابَةَ إِلَى السَّمَاءِ، فَفَعَلُوا، فَسُقُوا حَتَّى أَحَبُّوا أَنْ يُكْشَفَ عَنْهُمْ. قُلْتُ: وزاد الطبراني في "الْأَوْسَطِ" آخره هو: «وَرَفَعَ السَّبَّابَةَ إِلَى السَّمَاءِ، فَفَعَلُوا، فَسُقُوا حَتَّى أَحَبُّوا أَنْ يُكْشَفَ عَنْهُمْ». قُلْتُ: قال البخاري ﵀ في ترجمة عامر بن خارجة من [الْتَّارِيْخِ الْكَبِيْر] (٦/ ٤٥٧): «في إسناده نظر» اهـ. وَقَالَ ابن أبي حاتم ﵀ في [الْجَرْحِ وَالْتَعْدِيْلِ] (٣/ ١٨٨):

стр. 2996

«سمعت أبي يقول وسألته عن حفص بن النضر السلمي روى عن عامر بن خارجة بن سعد فقال: هذا إسناد منكر» اهـ. وَقَالَ (٦/ ٣٢٠): «عامر بن خارجة بن سعد روى عن جده سعد بن أبي وقاص روى عنه حفص بن النضر السلمي سمعت أبى يقول ذلك، وسمعته يقول هذا إسناد منكر» اهـ. وَقَالَ ابن حبان ﵀ في [الْثِّقَاتِ] (٤٥١٤): «عامر بن خارجة بن سعد يروى عن جده عَنِ النَّبِيِّ ﷺ حديثاً منكراً في المطر روى عنه حفص بن النضر السلمي لا يعجبني ذكره» اهـ. قُلْتُ: وقد ثبتت الإشارة بالسبابة في دعاء الخطيب يوم الجمعة على المنبر كما مضى في الجمعة. وجاء في دعاء السفر وهو ما رواه الترمذي (٣٤٣٨)، والنسائي (٥٥٠١) مِنْ طَرِيْقِ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَلِيٍّ المُقَدَّمِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بِشْرٍ الخَثْعَمِيِّ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا سَافَرَ فَرَكِبَ رَاحِلَتَهُ، قَالَ بِإِصْبَعِهِ - وَمَدَّ شُعْبَةُ إِصْبَعَهُ - قَالَ: «اللَّهُمَّ أَنْتَ الصَّاحِبُ فِي السَّفَرِ، وَالخَلِيفَةُ فِي الأَهْلِ، اللَّهُمَّ اصْحَبْنَا بِنُصْحِكَ، وَاقْلِبْنَا بِذِمَّةٍ، اللَّهُمَّ ازْوِ لَنَا الأَرْضَ، وَهَوِّنْ عَلَيْنَا السَّفَرَ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ وَعْثَاءِ السَّفَرِ، وَكَآبَةِ المُنْقَلَبِ».

стр. 2997

قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ مُحْتَمِلٌ لِلْتَحْسِيْنِ، ورجاله كلهم ثقات غير عبد الله بن بشر الخثعمي قال فيه أبو حاتم: "شيخ"، وذكره ابن حبان في "الثقات" ويقوي من شأنه رواية شعبة له. قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [الْفَتْحِ] (١/ ٣٦٠) تحت حديث برقم (١٩٣): «وقد أعله قوم بسماك ابن حرب راويه عن عكرمة لأنَّه كان يقبل التلقين، لكن قد رواه عنه شعبة، وهو لا يحمل عن مشايخه إلَّا صحيح حديثهم» اهـ. وجاء أثر عن ابن عباس بين فيه أحوال رفع اليدين. فروى أبو داود (١٤٩١) حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ يَعْنِي ابْنَ خَالِدٍ، حَدَّثَنِي الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْبَدِ بْنِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «الْمَسْأَلَةُ أَنْ تَرْفَعَ يَدَيْكَ حَذْوَ مَنْكِبَيْكَ، أَوْ نَحْوَهُمَا، وَالِاسْتِغْفَارُ أَنْ تُشِيرَ بِأُصْبُعٍ وَاحِدَةٍ، وَالِابْتِهَالُ أَنْ تَمُدَّ يَدَيْكَ جَمِيعًا». ورواه أيضاً (١٤٩٢) حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنِي عَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْبَدِ بْنِ عَبَّاسٍ، بِهَذَا الْحَدِيثِ قَالَ فِيهِ: «وَالِابْتِهَالُ هَكَذَا وَرَفَعَ يَدَيْهِ وَجَعَلَ ظُهُورَهُمَا مِمَّا يَلِي وَجْهَهُ». قُلْتُ: هَذَا أَثَرٌ صَحِيْحٌ. وقد جاء مرفوعاً فيما رواه أبو داود أيضاً (١٤٩٣) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ فَارِسٍ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ حَمْزَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْبَدِ بْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ أَخِيهِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: فَذَكَرَ نَحْوَهُ.

стр. 2998

قُلْتُ: الرفع يعد شاذاً شذ به عبد العزيز بن محمد وهو الدراوردي وخالف سفيان بن عيينة، ووهيب بن خالد. ٥ - وفيه استحباب تكرر الْدُعَاء ثلاثاً. ٦ - قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ في [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٣/ ٣٠١): «واغترت به الحنفية وقالوا: هذا هو الاستسقاء المشروع لا غير، وجعلوا الاستسقاء بالبروز إلى الصحراء والصلاة بدعة، وليس كما قالوا، بل هو سنة للأحاديث الصحيحة السابقة، وقد قدمنا في أول الباب أنَّ الاستسقاء أنواع فلا يلزم من ذكر نوع إبطال نوع ثابت، والله أعلم» اهـ. ٧ - وفيه جواز الحلف لتوكيد الخبر. ٨ - وفي الحديث آية من آيات الله لرسوله ﷺ حيث استجاب الله له دعاءه مع عدم وجود أسباب المطر من سحاب ولا قزعة. ٩ - وفيه إطلاق السبت على الأسبوع. قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٢/ ٥٠٤): «وأمَّا قوله: "سبتاً" فوقع للأكثر بلفظ السبت يعني أحد الأيام والمراد به الأسبوع وهو من تسمية الشيء باسم بعضه كما يقال جمعة قاله صاحب النهاية قال: ويقال أراد قطعة من الزمان وَقَالَ الزين بن المنير قوله: "سبتاً" أي من السبت إلى السبت أي جمعة وَقَالَ المحب الطبري مثله وزاد أنَّ فيه تجوزاً لأنَّ السبت لم يكن مبدأ ولا الثاني منتهى وإنَّما عبر أنس بذلك لأنَّه كان من الأنصار

стр. 2999

وكانوا قد جاوروا اليهود فأخذوا بكثير من اصطلاحهم وإنَّما سموا الأسبوع سبتاً لأنَّه أعظم الأيام عند اليهود كما أنَّ الجمعة عند المسلمين» اهـ. ١٠ - قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِ ﵀ في [الْاسْتِذْكَارِ] (٢/ ٣٥٠): «وينبغي لمن استصحا أن لا يدعو في رفع الغيث جملة ولكن اقتداء بالنبي ﵇ وما أدب به أمته في ذلك بقوله اللهم حوالينا ولا علينا ثم بين ذلك بقوله منابت الشجر وبطون الأودية يعني حيث لا يخشى هدم بيت ولا هلاك حيوان ولا نبات» اهـ. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ في [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٣/ ٣٠١): «وفيه أدبه ﷺ في الْدُعَاء فإنَّه لم يسأل رفع المطر من أصله، بل سأل رفع ضرره وكشفه عن البيوت والمرافق والطرق بحيث لا يتضرر به ساكن ولا ابن سبيل، وسأل بقاءه في مواضع الحاجة بحيث يبقى نفعه وخصبه وهي بطون الأودية وغيرها من المذكور» اهـ. وَقَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٢/ ٥٠٧): «وفيه الأدب في الْدُعَاء حيث لم يدع برفع المطر مطلقاً لاحتمال الاحتياج إلى استمراره فاحترز فيه بما يقتضي رفع الضرر وإبقاء النفع» اهـ. ١١ - قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٢/ ٥٠٧): «ويستنبط منه أنَّ من أنعم الله عليه بنعمة لا ينبغي له أن يتسخطها لعارض يعرض فيها بل يسأل الله رفع ذلك العارض وإبقاء النعمة» اهـ. ١٢ - وفيه أنَّه يدعى للاستصحاء كما يدعى للاستسقاء. ١٣ - قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ في [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٣/ ٣٠١):

стр. 3000

«قوله: "ثم أمطرت" هكذا هو في النسخ، وكذا جاء في البخاري: أمطرت بالألف، وهو صحيح. وهو دليل للمذهب المختار الذي عليه الأكثرون والمحققون من أهل اللغة أنَّه يقال: مطرت وأمطرت لغتان في المطر، وَقَالَ بعض أهل اللغة لا يقال أمطرت بالألف إلَّا في العذاب كقوله تعالى: ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَة﴾ والمشهور الأول، ولفظة "أمطرت" تطلق في الخير والشر، وتعرف بالقرينة. قال الله تعالى: ﴿قَالُوا هَذَا عَارِض مُمْطِرنَا﴾ وهذا من أمطر والمراد به المطر في الخير لأنَّهم ظنوه خيراً، فقال الله تعالى: ﴿بَلْ هُوَ مَا اِسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ﴾» اهـ. قُلْتُ: ويدل على ذلك أيضاً ما رواه البخاري (٣٢٠٦) عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ ، إِذَا رَأَى مَخِيلَةً فِي السَّمَاءِ، أَقْبَلَ وَأَدْبَرَ، وَدَخَلَ وَخَرَجَ، وَتَغَيَّرَ وَجْهُهُ، فَإِذَا أَمْطَرَتِ السَّمَاءُ سُرِّيَ عَنْهُ، فَعَرَّفَتْهُ عَائِشَةُ ذَلِكَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «مَا أَدْرِي لَعَلَّهُ كَمَا قَالَ قَوْمٌ: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ﴾ [الأحقاف: ٢٤]» الآيَةَ. قُلْتُ: ورواه مسلم (٨٩٩) بلفظ: «مطرت». ١٤ - وفيه إقامة الجمعة مع نزول الْأمطار. ١٥ - وفيه أنَّ الجمع بين الصلاتين في المطر ليس من السنن فإنَّه لم يثبت عَنِ النَّبِيِّ ﷺ الجمع بين الصلاتين في الأسبوع الذي استمر فيه المطر، وغاية الْأمر أنَّ الجمع من الرخص إن احتيج لذلك. والله أعلم. ١٦ - وفيه الاكتفاء بدعاء الخطبة في الاستسقاء وعدم الدعاء دبر صلاة الجمعة.

стр. 3001

ولا أعلم حجة صحيحة في الاستسقاء دبر صلاة الجمعة. وهناك من أهل العلم من استحب الاستسقاء أدبار الصلوات ومنها الجمعة. قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ في [الْمَجْمُوْع] (٥/ ٦٤): «قَالَ فِي الْأُمِّ وأصحابنا والاستسقاء أنواع: أدناها: الدعاء بِلَا صَلَاةٍ وَلَا خَلْفَ صَلَاةٍ فُرَادَى وَمُجْتَمِعِينَ لِذَلِكَ فِي مَسْجِدٍ أَوْ غَيْرِهِ وَأَحْسَنُهُ مَا كَانَ مِنْ أَهْلِ الْخَيْرِ. النَّوْعُ الثَّانِي: وَهُوَ أَوْسَطُهَا الدُّعَاءُ خَلْفَ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ أَوْ غَيْرِهَا مِنْ الصَّلَوَاتِ وَفِي خُطْبَةِ الْجُمُعَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي "الْأُمِّ" وَقَدْ رَأَيْت مَنْ يُقِيمُ مُؤَذِّنًا فَيَأْمُرُهُ بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ وَالْمَغْرِبِ أَنْ يَسْتَسْقِيَ وَيَحُضَّ النَّاسَ عَلَى الدُّعَاءِ فَمَا كَرِهْت مَا صَنَعَ مِنْ ذَلِكَ. النَّوْعُ الثَّالِثُ: أَفْضَلُهَا وَهُوَ الِاسْتِسْقَاءُ بِصَلَاةِ رَكْعَتَيْنِ وَخُطْبَتَيْنِ وَتَأَهُّبٍ لَهَا قَبْلَ ذَلِكَ» اهـ. قُلْتُ: وذهب إلى ذلك القاضي أبو يعلى كما في [الْمُغْنِي] (٢/ ٣٢٨) حيث قال: «وَالثَّالِثُ أَنْ يَدْعُوَ اللَّهَ تَعَالَى عَقِيبَ صَلَوَاتِهِمْ، وَفِي خَلَوَاتِهِمْ» اهـ. قُلْتُ: الأظهر أنَّه يكتفى يوم الجمعة بالدعاء في الخطبة ولا يدعى بعد الصلاة ولا يقنت فيها لأنَّ هذا لا أصل له فيما أعلم. وهل يشرع القنوت عند القحط في الصلوات المكتوبات أولا؟ أَقُوْلُ: ذهب إلى ذلك بعض العلماء. قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ في [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٥/ ١٧٦)

стр. 3002

«الصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ أَنَّهُ إِنْ نَزَلَتْ نَازِلَةٌ كَعَدُوٍّ وَقَحْطٍ وَوَبَاءٍ وَعَطَشٍ وَضَرَرٍ ظَاهِرٍ فِي الْمُسْلِمِينَ وَنَحْوِ ذَلِكَ قَنَتُوا فِي جَمِيعِ الصَّلَوَاتِ الْمَكْتُوبَةِ» اهـ. وأمَّا الْعَلَّامَةُ ابْنُ عُثَيْمِيْن ﵀ فاستنكر ذلك حيث قال في [الْقَوْلِ الْمُفِيْدِ] (١/ ٣٠٠): «وظاهر السنة أنَّ القنوت إنَّما يشرع في النوازل التي تكون من غير الله، مثل: إيذاء المسلمين والتضييق عليهم، أما ما كان من فعل الله؛ فإنه يشرع له ما جاءت به السنة، مثل الكسوف؛ فيشرع له صلاة الكسوف، والزلازل شرع لها صلاة الكسوف كما فعل ابن عباس ﵄، وقال: هذه صلاة الآيات، والجدب يشرع له الاستسقاء، وهكذا. وما علمت لساعتي هذه أن القنوت شرع لأمر نزل من الله، بل يدعى له بالأدعية الواردة الخاصة، لكن إذا ضيق على المسلمين وأوذوا وما أشبه ذلك؛ فإنه يقنت اتباعا للسنة في هذا الأمر» اهـ. قُلْتُ: ما قاله العلامة ابن عثيمين ﵀ هو الأظهر. فائدة: وهكذا إذا نزلت نازلة بالمسلمين فإنَّ القنوت يكون في خطبة الجمعة ولا يكون في صلاتها على الصحيح لعدم ورود ذلك في السنة ولأنَّه خلاف الآثار عن السلف. وقد روى ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٥٤١٨) حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ، عَنْ زَائِدَةَ، عَنْ أَشْعَثَ بْنِ أَبِي الشَّعْثَاءِ، عَنْ نَافِعٍ، قَالَ: «لَمْ يَكُنْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، يَقْنُتُ فِي الْفَجْرِ وَالْجُمُعَةِ». قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ

стр. 3003

وروى ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٥٤١٦) حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ، عَنْ شَرِيكٍ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، قَالَ: «صَلَّيْتُ خَلْفَ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، وَالنُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ، الْجُمُعَةَ فَلَمْ يَقْنُتَا» وَخَلْفَ عَلِيٍّ فَقُلْتُ: أَقَنَتَ بِكُمْ؟ قَالَ: «لَا». ورواه ابن المنذر في [الْأَوْسَطِ] (١٨٧٤) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، قَالَ: ثنا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ، قَالَ: ثنا شَرِيكٌ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، قَالَ: «صَلَّيْتُ خَلْفَ عَلِيٍّ، وَالْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، وَالنُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ، فَلَمْ يَكُونُوا يَقْنُتُونَ فِي الْجُمُعَةِ». قُلْتُ: إِسْنَادُهُ ضَعِيْفٌ فيه شريك وهو القاضي النخعي سيء الحفظ. وروى مالك في [الْمُوَطَّأِ] رواية أبي مصعب الزهري (٤٥٧) حَدَّثَنَا أَبُو مُصْعَبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَالِكٌ، أَنَّهُ سَأَلَ ابْنَ شِهَابٍ عَنِ الْقُنُوتِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، فَقَالَ: «مُحْدَثٌ لَا أَعْرِفُهُ». قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ. وروى عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (٥٢٨٧) عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، وَقَتَادَةَ، قَالَا: «لَيْسَ فِي الْجُمُعَةِ قُنُوتٌ»، قَالَ مَعْمَرٌ: وَأَخْبَرَنِي مَنْ سَمِعَ الْحَسَنَ يَقُولُ مِثْلَ ذَلِكَ. قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ إلى الزهري. وروى عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (٥٢٨٨) عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ قَالَ: قُلْتُ لَهُ: الْقُنُوتُ فِي رَكْعَتَيِ الْجُمُعَةِ؟ قَالَ: «لَمْ أَسْمَعْ بِالْقُنُوتِ فِي الْمَكْتُوبَةِ إِلَّا فِي الصُّبْحِ، وَأَنْكَرَ أَنْ يَكُونَ فِي الْجُمُعَةِ قُنُوتٌ». قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ.

стр. 3004

وروى ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٥٤١٤) حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى، عَنْ بُرْدٍ، عَنْ مَكْحُولٍ، أَنَّهُ «كَانَ يَكْرَهُ الْقُنُوتَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ». قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ. وروى عبد الله بن أحمد ﵀ في [الْعِلَلِ] (٢٥٤) حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنِ الْعُمَرِيِّ عَنْ نَافِعٍ عَنِ بن عُمَرَ: «أَنَّ عُمَرَ كَانَ لَا يَقْنُتُ فِي الْجُمُعَةِ». سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ هَذَا مُنْكَرٌ يَعْنِي حَدِيثَ الْعُمَرِيِّ اهـ. وروى ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٥٤١٣) حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ، عَنْ لَيْثٍ، عَنْ طَاوُوسٍ، قَالَ: «الْقُنُوتُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ بِدْعَةٌ». قُلْتُ: إِسْنَادُهُ ضَعِيْفٌ فيه ليث وهو ابن أبي سليم مختلط. وروى ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٥٤١٥) حَدَّثَنَا شَرِيكٌ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: «الْقُنُوتُ فِي الْجُمُعَةِ بِدْعَةٌ». قُلْتُ: إِسْنَادُهُ ضَعِيْفٌ فيه شريك وهو القاضي النخعي سيء الحفظ. وروى عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (٥٢٨٩) عَنِ الثَّوْرِيِّ، عَنْ رَجُلٍ، سَمَّاهُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: «رَفْعُ الْيَدَيْنِ، وَالْقُنُوتُ فِي الْجُمُعَةِ بِدْعَةٌ». قُلْتُ: إِسْنَادُهُ ضَعِيْفٌ فيه رجل مبهم. وروى ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٥٤١٧) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي بُكَيْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو بُكَيْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: «أَدْرَكْتُ النَّاسَ قَبْلَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، يَقْنُتُونَ فِي الْجُمُعَةِ فَلَمَّا كَانَ زَمَنُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، تَرَكَ الْقُنُوتَ فِي الْجُمُعَةِ».

стр. 3005

قُلْتُ: قال الحافظ ابن مندة ﵀ في [فَتْحِ الْبَابِ فِي الْكُنَى وَالْأَلْقَابِ] (ص: ١٥٤) «أَبُو بكير: بشير بن أسيد. أدْرك عمر بن عبد الْعَزِيز، وَشهر بن حَوْشَب. روى عَنهُ: ابْنه يحيى بن أبي بكير» اهـ. قُلْتُ: لم أقف لأبي بكير ولا لأبيه على جرح أو تعديل. وَقَالَ الْإِمَامُ الْشَّافِعِي ﵀ فِي [الْأُمِ] (١/ ٢٣٦): «حَكَى عَدَدٌ صَلَاةَ النَّبِيِّ ﷺ الْجُمُعَةَ فَمَا عَلِمْت أَحَدًا مِنْهُمْ حَكَى أَنَّهُ قَنَتَ فِيهَا إلَّا أَنْ تَكُونَ دَخَلَتْ فِي جُمْلَةِ قُنُوتِهِ فِي الصَّلَوَاتِ كُلِّهِنَّ حِينَ قَنَتَ عَلَى قَتَلَةِ أَهْلِ بِئْرِ مَعُونَةَ، وَلَا قُنُوتَ فِي شَيْءٍ مِنْ الصَّلَوَاتِ إلَّا الصُّبْحَ إلَّا أَنْ تَنْزِلَ نَازِلَةٌ فَيُقْنَتَ فِي الصَّلَوَاتِ كُلِّهِنَّ إنْ شَاءَ الْإِمَامُ» اهـ. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْمُنْذِرِ ﵀ في [الْأَوْسَطِ] (٤/ ١٢٢): «اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي الْقُنُوتِ فِي الْجُمُعَةِ، فَكَرِهَتْ طَائِفَةٌ الْقُنُوتَ فِي الْجُمُعَةِ، وَمِمَّنْ كَانَ لَا يَقْنُتُ فِي صَلَاةِ الْجُمُعَةِ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَالْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ، وَالنُّعْمَانُ بْنُ بَشِيرٍ، وَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ، وَالزُّهْرِيُّ، وَقَتَادَةُ، وَمَالِكٌ، وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَقَالَ أَحْمَدُ: بَنُو أُمَيَّةَ كَانَتْ تَقْنُتُ» اهـ. وقَالَ الْعَلَّامَةُ الْمَرْدَاوِي ﵀ فِي [الْإِنْصَافِ] (٢/ ١٧٥): «وَعَنْهُ يَقْنُتُ فِي جَمِيعِ الصَّلَوَاتِ الْمَكْتُوبَاتِ خَلَا الْجُمُعَةِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ نَصَّ عَلَيْهِ اخْتَارَهُ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَابْنُ عَبْدُوسٍ فِي تَذْكِرَتِهِ، وَالشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِي

стр. 3006

الصَّغِيرِ، وَالْفَائِقِ، وَقِيلَ: يَقْنُتُ فِي الْجُمُعَةِ أَيْضًا اخْتَارَهُ الْقَاضِي، لَكِنَّ الْمَنْصُوصَ خِلَافُهُ» اهـ. وجاء في [فَتَاوَى الْلَّجْنَةِ الْدَّائِمَةِ]- ٢ (٧/ ٩٧): «وأمَّا صلاة الجمعة فلم ينقل عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فيما نعلم أنَّه قنت فيها، ولعل سبب ذلك الاكتفاء بما يكون في الخطبة من الدعاء للمسلمين والدعاء على الكافرين، فيقتصر على ما ورد في الأحاديث عنه ﷺ . وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم. اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء عضو … عضو … نائب الرئيس … الرئيس بكر أبو زيد … صالح الفوزان … عبد العزيز آل الشيخ … عبد العزيز بن عبد الله بن باز» اهـ. قُلْتُ: وهنالك من أهل العلم من ذهب إلى مشروعية القنوت في صلاة الجمعة، ومنهم القاضي أبو يعلى كما سبق في كلام المرداوي. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ عُثَيْمِيْن ﵀ في [الشَّرْحُ الْمُمْتِعِ] (٤/ ٤٦) «واستثنى بعضُ العلماءِ الجُمعةَ وقال: إنَّه لا يقنتُ فيها؛ لأن الأحاديثَ الواردةَ عن رسولِ الله ﷺ أنَّه قَنَتَ في الصَّلوات الخمسِ الفجرِ والظُّهرِ والعصرِ والمغربِ والعشاءِ. ولم تذكر الجُمُعَةَ. والجُمُعَةُ صلاةٌ مستقلَّة لا تدخل في مُسَمَّى الظُّهر عند الإطلاق، ولهذا لا تُجمع العصرُ إليها فيما لو كان الإنسان

стр. 3007

مسافراً وصَلَّى الجُمُعَة، وهو يريد أن يمشي وأراد أنْ يجمعَ العصرَ إلى الجُمُعَةِ فلا يجوز، لأنها صلاةٌ من جنس آخر مستقلَّة. وعلَّلَ بعضُهم أيضاً ذلك: بأن الإمام يدعو في خُطبة الجُمُعَةِ دُعاءً عامًّا يؤمِّنُ النَّاسُ عليه، فيدعو لرفع النَّازلة في خُطبة الجُمُعة، ويُكتفى بهذا الدُّعاء عن القنوت في صلاة الجُمُعة. ويرى بعضُ أهلِ العِلم: أنَّه لا وجه للاستثناء، وإنَّما لم ينصَّ عليها في الأحاديث الواردة عن رسولِ الله ﷺ ؛ لأنها يومٌ واحد في الأسبوع فلهذا تُركت، ويدلُّ لهذا: أنَّ الرَّسول ﷺ إذا ذكر الصَّلاة المفروضة لا يذكر إلا الصَّلوات الخمس؛ لأنها هي الرَّاتبة التي تَرِدُ على الإنسان في كُلِّ يوم، بخلاف الجُمُعة. فالظَّاهر: أنه يَقْنُتُ حتى في صلاة الجُمُعة» اهـ. قُلْتُ: ومع هذا فيرى ﵀ أنَّ الأولى الترك والاكتفاء بالدعاء في الخطبة. فقد جاء في [مَجْمُوْعِ فَتَاوِى وَرَسَائِل ابْنِ عُثَيْمِيْن] (١٦/ ١١٥) عنه أنَّه قال: «يقول العلماء إنَّه لا يُقنت في صلاة الجمعة؛ لأنَّ الخطبة فيها دعاء للمؤمنين، ويُدعى لمن يُقنت لهم في أثناء الخطبة. هكذا قال أهل العلم، والله أعلم. فالأحسن أن يدعو لمن أراد القنوت لهم في أثناء الخطبة» اهـ. فائدة أخرى: لم يأت في السنة الصحيحة ما قرأ به النبي ﷺ في صلاة الاستسقاء. وأمَّا ما رواه الطبراني في [الْأَوْسَطِ] (٧٦١٩)، و [الْدُعَاءِ] (٢١٧٩)، و [الْأَحَادِيْثِ الْطِوَالِ] (٢٧) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ شَاذَانَ، ثَنَا

стр. 3008

أَبِي، ثَنَا مُجَاشِعُ بْنُ عَمْرٍو، نَا ابْنُ لَهِيعَةَ، نَا عُقَيْلُ بْنُ خَالِدٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: مَحَلَ النَّاسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَأَتَاهُ الْمُسْلِمُونَ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَحَطَ الْمَطَرُ، وَيَبَسَ الشَّجَرُ، وَهَلَكَتِ الْمَوَاشِي، وأَسْنَتَ النَّاسُ، فَاسْتَسْقِ لَنَا رَبَّكَ. فَقَالَ: «إِذَا كَانَ يَوْمُ كَذَا وَكَذَا فَاخْرُجُوا وَاخْرُجُوا مَعَكُمْ بِصَدَقَاتٍ» فَلَمَّا كَانَ ذَلِكَ الْيَوْمُ خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَالنَّاسُ، يَمْشِي وَيَمْشُونَ، عَلَيْهِمُ السَّكِينَةُ وَالْوَقَارُ حَتَّى أَتَوَا الْمُصَلَّى، فَتَقَدَّمَ النَّبِيُّ ﷺ فَصَلَّى بِهِمْ رَكْعَتَيْنِ يَجْهَرُ فِيهِمَا بِالْقِرَاءَةِ. وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقْرَأُ فِي الْعِيدَيْنِ وَالِاسْتِسْقَاءِ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ، وَسَبَّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى، وَفِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ، وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ. فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ اسْتَقْبَلَ الْقَوْمَ بِوَجْهِهِ، وَقَلَبَ رِدَاءَهُ، ثُمَّ جَثَا عَلَى رُكْبَتَيْهِ، وَرَفَعَ يَدَيْهِ، وَكَبَّرَ تَكْبِيرَةً قَبْلَ أَنْ يَسْتَسْقِيَ، ثُمَّ قَالَ: «اللَّهُمَّ اسْقِنَا، وأَغِثْنَا، اللَّهُمَّ اسْقِنَا غَيْثًا مُغِيثًا، رَحْبًا، رَبيعًا، وَجدًا، غَدَقًا، طَبقًا، مُغْدِقًا، هَنِيئًا، مَرِيئًا، مَرِيعًا، مُرْتِعًا وابِلًا، شامِلًا، مُسْبِلًا، مُجَلَّلًا، دَائِمًا دَرَرًا، نَافِعًا غَيْرَ ضَارٍّ، عَاجِلًا غَيْرَ رَائِثٍ، غَيْثًا، اللَّهُمَّ تُحْيِي بِهِ الْبِلَادَ، وتُغِيثُ بِهِ الْعِبَادَ، وَتَجْعَلُهُ بَلَاغًا لِلْحَاضِرِ مِنَّا وَالْبَادِ، اللَّهُمَّ أُنْزِلْ عَلَيْنَا فِي أَرْضِنَا زِينَتَهَا، وَأَنْزِلْ فِي أَرْضِنَا سَكَنَهَا، اللَّهُمَّ أُنْزِلْ عَلَيْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا، فَأَحْيِ بِهِ بَلْدَةً مَيْتَةً، وأَسْقِهِ مِمَّا خَلَقْتَ لَنَا أَنْعَامًا وأَنَاسِيَّ كَثِيرًا». قَالَ: فَمَا بَرِحُوا حَتَّى أَقْبَلَ قَزَعٌ مِنَ السَّحَابِ، فَالْتَأَمَ بَعْضُهُ إِلَى بَعْضٍ، ثُمَّ مَطَرَتْ عَلَيْهِمْ سَبْعَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيَهُنَّ، لَا يُقْلَعُ عَنِ الْمَدِينَةِ، فَأَتَاهُ الْمُسْلِمُونَ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ غَرَقَتِ الْأَرْضُ، وتَهَدَّمَتِ الْبُيُوتُ، وَانْقَطَعَتِ السُّبُلُ، فَادْعُ اللَّهَ لَنَا

стр. 3009

أَنْ يَصْرِفَهَا عَنَّا قَالَ: فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ تَعَجُّبًا لِسُرْعَةِ مَلَالَةِ بَنِي آدَمَ، ثُمَّ قَالَ، «اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا وَلَا عَلَيْنَا، اللَّهُمَّ عَلَى رُءُوسِ الظِّرَابِ، وَمَنَابِتِ الشَّجَرِ، وَبُطُونِ الْأَوْدِيَةِ، وَظُهُورِ الْآكَامِ» قَالَ: فَتَصَدَّعَتْ عَنِ الْمَدِينَةِ، وَكَانَتْ فِي مِثْلِ التُّرْسِ تُمْطِرُ مَرَاعِيَها وَلَا تَقْطُرُ فِيهَا قَطْرَةً». فَهُوَ حَدِيْثٌ وَاهٍ فمجاشع بن عمرو كذبه ابن معين ورماه ابن حبان بوضع الحديث، وابن لهيعة ضعيف. * * *

стр. 3010

باب صلاة الخوف ١٤٩ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵄ قَالَ: «صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَلاةَ الْخَوْفِ فِي بَعْضِ أَيَّامِهِ، فَقَامَتْ طَائِفَةٌ مَعَهُ، وَطَائِفَةٌ بِإِزَاءِ الْعَدُوِّ، فَصَلَّى بِاَلَّذِينَ مَعَهُ رَكْعَةً، ثُمَّ ذَهَبُوا، وَجَاءَ الآخَرُونَ، فَصَلَّى بِهِمْ رَكْعَةً، وَقَضَتِ الطَّائِفَتَانِ رَكْعَةً، رَكْعَةً». وفي الحديث مسائل منها: ١ - مشروعية صلاة الخوف وهو قول جماهير السلف ونقل عن أبي يوسف والمزني وإبراهيم بن علية والحسن اللؤلؤي أنِّها مخصوصة بزمن رسول الله ﷺ أخذوا ذلك من قوله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ﴾ [النساء: ١٠٢] وذلك يقتضي تخصيصه بوجوده فيهم. قُلْتُ: وهذا قول غير صحيح بل يعد من شواذ الأقوال والأصل هو التأسي برسول الله ﷺ في أفعاله والمصلحة التي من أجلها شرعت صلاة الخوف موجودة بعد زمن رسول الله ﷺ كوجودها في زمنه فلا معنى للتخصيص. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ دَقِيْقِ الْعِيْدِ ﵀ في [إِحْكَامِ الْأَحْكَامِ] (٢٤٢): «وقد يؤيد هذا بأنَّها صلاة على خلاف المعتاد وفيها أفعال منفية فيجوز أن تكون المسامحة فيها بسبب فضيلة إمامة الرسول ﷺ والجمهور يدل على مذهبهم دليل التأسي بالرسول ﷺ والمخالفة المذكورة

стр. 3011

لأجل الضرورة وهي موجودة بعد الرسول ﷺ كما هي موجودة في زمنه ثم الضرورة تدعو إلى أن لا يخرج وقت الصلاة عن أدائها وذلك يقتضي إقامتها على خلاف المعتاد مطلقاً أعني في زمن الرسول ﷺ وبعده» اهـ. وَقَالَ في [طَرْحِ الْتَثْرِيْبِ] (٣/ ٤٧٩): «وخالف في ذلك إبراهيم ابن علية وأبو يوسف والمزني والحسن اللؤلؤي فقالوا: إنَّها غير مشروعة بعد النبي ﷺ لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْت فِيهِمْ فَأَقَمْت لَهُمْ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَك﴾ الآية وَقَالَ الجمهور: الأصل في الأحكام التشريع حتى يقوم دليل على التخصيص فهو كقوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ وليس ذلك من خصائصه اتفاقاً وإن كان هو المخاطب به فالحكم بعده باق لا سيما وقد قال ﵊: "صلوا كما رأيتموني أصلي"» اهـ. ٢ - وفيه جواز الحركة الكثيرة في الصلاة للضرورة. ٣ - وفيه جواز الانحراف عن القبلة للضرورة. ٤ - وفيه جواز مخالفة الْإِمَام للضرورة. ٥ - وفيه ما يدل على أنَّ صلاة الجماعة من الْأُمور المؤكدة ولهذا لم تسقط عليهم مع حصول الخوف، وترك من أجلها بعض الواجبات. قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كما في [مَجْمُوعِ الْفَتَاوَى] (٢٣/ ٢٤٠):

стр. 3012

«وأيضاً فإنَّ الجماعة يترك لها أكثر واجبات الصلاة في صلاة الخوف وغيرها فلولا وجوبها لم يؤمر بترك بعض الواجبات لها؛ لأنَّه لا يؤمر بترك الواجبات لما ليس بواجب» اهـ. ٦ - وفيه أنَّ العدو إذا كان في غير جهة القبلة قسَّم الْأمير الجيش إلى قسمين قسم في مواجهة العدو وقسم في يصلي مع الْإمام، وأمَّا إذا كان العدو في جهة القبلة فلا يحتاج لمثل ذلك. ٧ - وفيه أخذ الحذر من العدو. ٨ - وفيه استحباب هذه الصفة في صلاة الخوف إن كان العدو في غير جهة القبلة. قال أبو زرعة ﵀ في [طَرْحِ الْتَثْرِيْبِ] (٣/ ٤٨٠ - ٤٨١): «وبهذا قال أبو حنيفة وأصحابه وأشهب صاحب مالك والأوزاعي والصحيح من قولي الشافعي جواز هذه الكيفية لصحة الحديث فيها وعدم المعارض، وبه قال أحمد بن حنبل ومحمد بن جرير الطبري لكنهم اختاروا كيفية أخرى وهي أنَّ الْإِمَام إذا قام إلى الثانية خرج المقتدون عن متابعته وأتموا لأنفسهم الركعة الثانية وتشهدوا وسلموا وذهبوا إلى وجه العدو وجاء أولئك فاقتدوا به في الثانية ويطيل الْإِمَام القيام إلى لحوقهم فإذا لحقوه صلى بهم الثانية فإذا جلس للتشهد قاموا وأتموا الثانية وهو ينتظرهم فإذا لحقوه سلم بهم. وهذه رواية سهل بن أبي حثمة عن رسول الله ﷺ وهي ثابتة في الصحيحين فاختارها الشافعي وأحمد وغيرهما لسلامتها من كثرة المخالفة

стр. 3013

ولأنَّها أحوط لأمر الحرب مع تجويزهم الكيفية الأخرى وكذا نقل ابن عبد البر اختيار هذه الكيفية عن عبد الرحمن بن مهدي ويحيى بن يحيى النيسابوري وداود وطائفة من أصحابه وشرط القاضي من الحنابلة في هذه الكيفية أن يكون العدو في غير جهة القبلة. ونص أحمد على خلافه فقيل له حديث سهل نستعمله مستقبلين القبلة كانوا أو مستدبرين؟ قال نعم هو إنكار، وللشافعي قول آخر أنَّه لا يصح صلاة الخوف على الكيفية التي في حديث ابن عمر وادعى ناصر هذا القول أنَّها منسوخة وهو مردود إذ النسخ لا يثبت بغير دليل وَقَالَ بعض الآخذين بحديث ابن عمر: إنَّ حديث سهل بن أبي حثمة مخالف سنتين من سنن الصلاة المجمع عليها لأنَّ فيه أنَّ الطائفة الأولى تصلي الركعة الثانية قبل أن يصليها الْإِمَام وتسلم قبل إمامها وهذا لا يجوز عند الجميع في غير هذا الموضع. وذهب المالكية إلَّا أشهب إلى الكيفية التي في حديث سهل بن أبي حثمة. وظاهر كلامهم عدم إجازة الكيفية التي في حديث ابن عمر ثم إنَّ المشهور عند المالكية أنَّ الْإِمَام يسلم وتأتي الطائفة الثانية بالركعة التي بقيت عليها بعد سلامه وبه قال أبو ثور والشافعية والحنابلة يقولون ينتظرهم حتى يأتوا بالركعة فإذا لحقوه سلم كما تقدم وزعم ابن حزم أنَّ ما قاله مالك في ذلك لم يأت في شيء مما صح عن رسول الله ﷺ أصلاً ولم يجده عن أحد قبله إلَّا عن سهل بن أبي حثمة» اهـ. قُلْتُ: الصحيح جواز كل ما جاء عن رسول الله ﷺ من كيفيات صلاة الخوف.

стр. 3014

قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كما في [مَجْمُوعِ الْفَتَاوَى] (٢٢/ ٧٠): «ومنها أنواع صلاة الخوف ويجوز كل ما فعله النبي ﷺ من غير كراهة» اهـ. وَقَالَ أيضاً في [طَرْحِ الْتَثْرِيْبِ] (٣/ ٤٨٩ - ٤٩٠): «ظاهر حديث ابن عمر يقتضي أنَّه لا فرق في صلاة الخوف على هذه الكيفية بين أن يكون العدو في غير جهة القبلة أو في جهتها وبه قال أبو حنيفة فلم يفرقوا ولما قالت المالكية بحديث سهل بن أبي حثمة لم يفرقوا فيه أيضاً بين أن يكون العدو في جهة القبلة أو في غير جهتها، وذهب الشافعي وأحمد والأكثرون إلى حمل حديث ابن عمر وسهل بن أبي حثمة وما في معناهما على ما إذا كان العدو في غير جهة القبلة أو كان في جهة القبلة لكن بينهم وبين المسلمين حائل يمنع رؤيتهم لو هجموا فإن كانوا في جهة القبلة بلا حائل فالمشروع حينئذ صلاته ﵊ بعسفان وهو أن يرتبهم الْإِمَام صفين ويحرم بالجميع فيصلوا معه إلى أن ينتهي إلى الاعتدال عن ركوع الركعة الأولى فيسجد معه صف ويحرس آخر فإذا قام الْإِمَام والساجدون سجد أهل الصف الآخر ولحقوه فقرأ الجميع معه وركعوا واعتدلوا فإذا سجد سجد معه الحارسون في الركعة الأولى وحرس الآخرون فإذا جلس للتشهد سجدوا ولحقوه وتشهدوا كلهم معه وسلم بهم وهذه ثابتة في صحيح البخاري وغيره من حديث ابن عباس قال: "قام رسول الله ﷺ وقام الناس معه فكبر وكبروا معه وركع وركع ناس منهم معه ثم سجد وسجدوا معه ثم قام الثانية فقام الذين سجدوا وحرسوا إخوانهم وأتت

стр. 3015

الطائفة الأخرى فركعوا وسجدوا معه والناس كلهم في صلاة ولكن يحرس بعضهم بعضاً" وفي رواية للنسائي: "أنَّهم ركعوا معه جميعاً وإنَّما كانت الحراسة. في السجود" وكذا في صحيح مسلم عن جابر: "صفنا صفين والمشركون بيننا وبين القبلة قال فكبر رسول الله ﷺ فكبرنا وركع فركعنا ثم سجد وسجد معه الصف الأول فلما قاموا سجد الصف الثاني ثم تأخر الصف الأول وتقدم الثاني فقام مقام أولئك فكبر رسول الله ﷺ فكبرنا وركع فركعنا ثم سجد وسجد معه الصف الأول وقام الثاني فلما سجدوا سجد الصف الثاني ثم جلسوا جميعاً" الحديث وحكى القاضي عياض والنووي عن ابن أبي ليلى وأبو يوسف الأخذ بهذا الحديث وهو صلاة عسفان إذا كان العدو في جهة القبلة وحكى ابن عبد البر عن ابن أبي ليلى أنه أخذ به على كل حال كان العدو في القبلة أو لم يكن قال أبو داود في سُنَنِه وهو قول سفيان الثوري وحكى ابن عبد البر أنَّ الثوري مرة أخذ بهذا ومرة أخذ بحديث ابن مسعود كقول أبي حنيفة والمشهور من مذهب الشافعي أنَّ الحراسة في السجود خاصة دون الركوع وكذا قال الحنابلة ولهذه الصلاة تفاصيل وتفاريع مذكورة في كتب الفقه وَقَالَ الشافعي ﵀ في الْأُم لو صلى الْإِمَام في مثل هذه الصورة مثل صلاة الخوف يوم ذات الرقاع ومن معه كرهت له ولم يبن أنَّ على أحد ممن خلفه إعادة ولا عليه انتهى» اهـ. ٩ - وَقَالَ أبو زرعة ﵀ في [طَرْحِ الْتَثْرِيْبِ] (٣/ ٤٨٢): «دل هذا الحديث على أنَّ كلاً من الطائفتين تصلي الركعة التي بقيت عليها بعد سلام الْإِمَام وهو كذلك إلَّا أنَّه لا سبيل إلى فعلهم ذلك في حالة واحدة لما فيه
следующие страницы →