Полный текст (8 095 стр.). Показаны 3011–3050 · переход к 3016.
стр. 3011
لأجل الضرورة وهي موجودة بعد الرسول ﷺ كما هي موجودة في زمنه ثم الضرورة تدعو إلى أن لا يخرج وقت الصلاة عن أدائها وذلك يقتضي إقامتها على خلاف المعتاد مطلقاً أعني في زمن الرسول ﷺ وبعده» اهـ.
وَقَالَ في [طَرْحِ الْتَثْرِيْبِ] (٣/ ٤٧٩):
«وخالف في ذلك إبراهيم ابن علية وأبو يوسف والمزني والحسن اللؤلؤي فقالوا: إنَّها غير مشروعة بعد النبي ﷺ لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْت فِيهِمْ فَأَقَمْت لَهُمْ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَك﴾ الآية وَقَالَ الجمهور: الأصل في الأحكام التشريع حتى يقوم دليل على التخصيص فهو كقوله تعالى:
﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ وليس ذلك من خصائصه اتفاقاً وإن كان هو المخاطب به فالحكم بعده باق لا سيما وقد قال ﵊: "صلوا كما رأيتموني أصلي"» اهـ.
٢ - وفيه جواز الحركة الكثيرة في الصلاة للضرورة.
٣ - وفيه جواز الانحراف عن القبلة للضرورة.
٤ - وفيه جواز مخالفة الْإِمَام للضرورة.
٥ - وفيه ما يدل على أنَّ صلاة الجماعة من الْأُمور المؤكدة ولهذا لم تسقط عليهم مع حصول الخوف، وترك من أجلها بعض الواجبات.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كما في [مَجْمُوعِ الْفَتَاوَى] (٢٣/ ٢٤٠):
стр. 3012
«وأيضاً فإنَّ الجماعة يترك لها أكثر واجبات الصلاة في صلاة الخوف وغيرها فلولا وجوبها لم يؤمر بترك بعض الواجبات لها؛ لأنَّه لا يؤمر بترك الواجبات لما ليس بواجب» اهـ.
٦ - وفيه أنَّ العدو إذا كان في غير جهة القبلة قسَّم الْأمير الجيش إلى قسمين قسم في مواجهة العدو وقسم في يصلي مع الْإمام، وأمَّا إذا كان العدو في جهة القبلة فلا يحتاج لمثل ذلك.
٧ - وفيه أخذ الحذر من العدو.
٨ - وفيه استحباب هذه الصفة في صلاة الخوف إن كان العدو في غير جهة القبلة.
قال أبو زرعة ﵀ في [طَرْحِ الْتَثْرِيْبِ] (٣/ ٤٨٠ - ٤٨١):
«وبهذا قال أبو حنيفة وأصحابه وأشهب صاحب مالك والأوزاعي والصحيح من قولي الشافعي جواز هذه الكيفية لصحة الحديث فيها وعدم المعارض، وبه قال أحمد بن حنبل ومحمد بن جرير الطبري لكنهم اختاروا كيفية أخرى وهي أنَّ الْإِمَام إذا قام إلى الثانية خرج المقتدون عن متابعته وأتموا لأنفسهم الركعة الثانية وتشهدوا وسلموا وذهبوا إلى وجه العدو وجاء أولئك فاقتدوا به في الثانية ويطيل الْإِمَام القيام إلى لحوقهم فإذا لحقوه صلى بهم الثانية فإذا جلس للتشهد قاموا وأتموا الثانية وهو ينتظرهم فإذا لحقوه سلم بهم.
وهذه رواية سهل بن أبي حثمة عن رسول الله ﷺ وهي ثابتة في الصحيحين فاختارها الشافعي وأحمد وغيرهما لسلامتها من كثرة المخالفة
стр. 3013
ولأنَّها أحوط لأمر الحرب مع تجويزهم الكيفية الأخرى وكذا نقل ابن عبد البر اختيار هذه الكيفية عن عبد الرحمن بن مهدي ويحيى بن يحيى النيسابوري وداود وطائفة من أصحابه وشرط القاضي من الحنابلة في هذه الكيفية أن يكون العدو في غير جهة القبلة.
ونص أحمد على خلافه فقيل له حديث سهل نستعمله مستقبلين القبلة كانوا أو مستدبرين؟ قال نعم هو إنكار، وللشافعي قول آخر أنَّه لا يصح صلاة الخوف على الكيفية التي في حديث ابن عمر وادعى ناصر هذا القول أنَّها منسوخة وهو مردود إذ النسخ لا يثبت بغير دليل وَقَالَ بعض الآخذين بحديث ابن عمر: إنَّ حديث سهل بن أبي حثمة مخالف سنتين من سنن الصلاة المجمع عليها لأنَّ فيه أنَّ الطائفة الأولى تصلي الركعة الثانية قبل أن يصليها الْإِمَام وتسلم قبل إمامها وهذا لا يجوز عند الجميع في غير هذا الموضع.
وذهب المالكية إلَّا أشهب إلى الكيفية التي في حديث سهل بن أبي حثمة.
وظاهر كلامهم عدم إجازة الكيفية التي في حديث ابن عمر ثم إنَّ المشهور عند المالكية أنَّ الْإِمَام يسلم وتأتي الطائفة الثانية بالركعة التي بقيت عليها بعد سلامه وبه قال أبو ثور والشافعية والحنابلة يقولون ينتظرهم حتى يأتوا بالركعة فإذا لحقوه سلم كما تقدم وزعم ابن حزم أنَّ ما قاله مالك في ذلك لم يأت في شيء مما صح عن رسول الله ﷺ أصلاً ولم يجده عن أحد قبله إلَّا عن سهل بن أبي حثمة» اهـ.
قُلْتُ: الصحيح جواز كل ما جاء عن رسول الله ﷺ من كيفيات صلاة الخوف.
стр. 3014
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كما في [مَجْمُوعِ الْفَتَاوَى] (٢٢/ ٧٠):
«ومنها أنواع صلاة الخوف ويجوز كل ما فعله النبي ﷺ من غير كراهة» اهـ.
وَقَالَ أيضاً في [طَرْحِ الْتَثْرِيْبِ] (٣/ ٤٨٩ - ٤٩٠):
«ظاهر حديث ابن عمر يقتضي أنَّه لا فرق في صلاة الخوف على هذه الكيفية بين أن يكون العدو في غير جهة القبلة أو في جهتها وبه قال أبو حنيفة فلم يفرقوا ولما قالت المالكية بحديث سهل بن أبي حثمة لم يفرقوا فيه أيضاً بين أن يكون العدو في جهة القبلة أو في غير جهتها، وذهب الشافعي وأحمد والأكثرون إلى حمل حديث ابن عمر وسهل بن أبي حثمة وما في معناهما على ما إذا كان العدو في غير جهة القبلة أو كان في جهة القبلة لكن بينهم وبين المسلمين حائل يمنع رؤيتهم لو هجموا فإن كانوا في جهة القبلة بلا حائل فالمشروع حينئذ صلاته ﵊ بعسفان وهو أن يرتبهم الْإِمَام صفين ويحرم بالجميع فيصلوا معه إلى أن ينتهي إلى الاعتدال عن ركوع الركعة الأولى فيسجد معه صف ويحرس آخر فإذا قام الْإِمَام والساجدون سجد أهل الصف الآخر ولحقوه فقرأ الجميع معه وركعوا واعتدلوا فإذا سجد سجد معه الحارسون في الركعة الأولى وحرس الآخرون فإذا جلس للتشهد سجدوا ولحقوه وتشهدوا كلهم معه وسلم بهم وهذه ثابتة في صحيح البخاري وغيره من حديث ابن عباس قال: "قام رسول الله ﷺ وقام الناس معه فكبر وكبروا معه وركع وركع ناس منهم معه ثم سجد وسجدوا معه ثم قام الثانية فقام الذين سجدوا وحرسوا إخوانهم وأتت
стр. 3015
الطائفة الأخرى فركعوا وسجدوا معه والناس كلهم في صلاة ولكن يحرس بعضهم بعضاً" وفي رواية للنسائي: "أنَّهم ركعوا معه جميعاً وإنَّما كانت الحراسة. في السجود" وكذا في صحيح مسلم عن جابر: "صفنا صفين والمشركون بيننا وبين القبلة قال فكبر رسول الله ﷺ فكبرنا وركع فركعنا ثم سجد وسجد معه الصف الأول فلما قاموا سجد الصف الثاني ثم تأخر الصف الأول وتقدم الثاني فقام مقام أولئك فكبر رسول الله ﷺ فكبرنا وركع فركعنا ثم سجد وسجد معه الصف الأول وقام الثاني فلما سجدوا سجد الصف الثاني ثم جلسوا جميعاً" الحديث وحكى القاضي عياض والنووي عن ابن أبي ليلى وأبو يوسف الأخذ بهذا الحديث وهو صلاة عسفان إذا كان العدو في جهة القبلة وحكى ابن عبد البر عن ابن أبي ليلى أنه أخذ به على كل حال كان العدو في القبلة أو لم يكن قال أبو داود في سُنَنِه وهو قول سفيان الثوري وحكى ابن عبد البر أنَّ الثوري مرة أخذ بهذا ومرة أخذ بحديث ابن مسعود كقول أبي حنيفة والمشهور من مذهب الشافعي أنَّ الحراسة في السجود خاصة دون الركوع وكذا قال الحنابلة ولهذه الصلاة تفاصيل وتفاريع مذكورة في كتب الفقه وَقَالَ الشافعي ﵀ في الْأُم لو صلى الْإِمَام في مثل هذه الصورة مثل صلاة الخوف يوم ذات الرقاع ومن معه كرهت له ولم يبن أنَّ على أحد ممن خلفه إعادة ولا عليه انتهى» اهـ.
٩ - وَقَالَ أبو زرعة ﵀ في [طَرْحِ الْتَثْرِيْبِ] (٣/ ٤٨٢):
«دل هذا الحديث على أنَّ كلاً من الطائفتين تصلي الركعة التي بقيت عليها بعد سلام الْإِمَام وهو كذلك إلَّا أنَّه لا سبيل إلى فعلهم ذلك في حالة واحدة لما فيه
стр. 3016
من تضييع أمر الحرب باشتغال الطائفتين معاً بالصلاة فلا بد وأن تصلي إحدى الفرقتين بعد الأخرى ولا سبيل إلى فعل ذلك وهم في مواجهة العدو إذ لا يمكنهم مع ذلك مراعاة الشروط المعتبرة فلا بد من مجيئهم إلى موضع الصلاة ليتموها هناك لكن أي الفرقتين تتم صلاتها أولاً الأولى أم الثانية؟.
ليس في حديث ابن عمر إفصاح عن ذلك وإنَّما فيه أنَّ كلاً من الطائفتين يصلون لأنفسهم ركعة بعد أن ينصرف الْإِمَام وهذا صادق بكل منهما والذي ذكره الحنفية أنَّ الأولى تعود إلى موضع الصلاة وتتم صلاتها ثم تذهب إلى وجه العدو ثم تجيء الطائفة الثانية إلى موضع الصلاة وتتم صلاتها وكذا ذكره الشافعية تفريعاً على إجازة الكيفية التي رواها ابن عمر والذي ذكره أشهب أنَّ الطائفة الثانية تكمل صلاتها وتذهب إلى وجه العدو ثم تجيء حينئذ الطائفة الأولى وتأتي بما بقي من صلاتها وقد يشهد له ما في سنن أبي داود من حديث ابن مسعود فقال بعد ذكر صلاة الخوف كما في حديث ابن عمر: "ثم سلم فقام هؤلاء فصلوا لأنفسهم ركعة ثم سلموا ثم ذهبوا فقاموا مقام أولئك مستقبلي العدو ورجع أولئك إلى مقامهم فصلوا لأنفسهم ركعة ثم سلموا" فالظاهر أنَّه إنَّما أشار بأولئك التي هي إشارة البعيد إلى الفرقة التي كانت بعيدة عن الْإِمَام وقت سلامه وهي الفرقة الأولى. وذكر ابن عبد البر والنووي في شَرْحِ مُسْلِمٍ أنَّ أبا حنيفة أخذ بهذا والذي في كتب أصحابه ما قدمته وذكر الرافعي في حديث ابن عمر أنَّ التي بدأت بقضاء الركعة الطائفة الأولى وَقَالَ والدي ﵀ في شرح الترمذي إنَّه لا أصل لهذه الزيادة في حديث ابن عمر في كتب الحديث وأنَّ حديث ابن مسعود
стр. 3017
أيضاً لم يصح قال: وما وقع في حديث ابن مسعود من قضاء الطائفة الثانية بعد تسليم الْإِمَام وراءه أولى لأنَّه أقل أفعالاً في صلاتهم من رجوعهم إلى العدو ثم عودهم إلى مصلاهم لقضاء الركعة.
قال وهو موافق لرواية مالك عن يحيى بن سعيد في حديث سهل بن أبي حثمة في كون الذين صلوا خلفه ركعته الثانية قاموا وراءه فصلوا لأنفسهم ركعة والله أعلم.
وَقَالَ النووي في شَرْحِ مُسْلِمٍ قيل: إنَّ الطائفتين قضوا ركعتهم الباقية معا وقيل مفترقين وهو الصحيح وحكى القاضي عياض الأول عن ابن حبيب والثاني عن أشهب وحكى ابن حزم مثل ما قاله ابن حبيب عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود وإبراهيم النخعي إلَّا قوله: إنَّ الطائفة الأولى لا تقرأ في ركعتها التي تقضيها» اهـ.
قُلْتُ: حديث ابن مسعود رواه أحمد (٣٥٦١)، وأبو داود (١٢٤٦)
مِنْ طَرِيْقِ مُحَمَّدِ بْنِ فُضَيْلٍ، عَنْ خُصَيْفٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عُبَيْدَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: «صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَلَاةَ الْخَوْفِ، فَقَامُوا صَفَّيْنِ، فَقَامَ صَفٌّ خَلْفَ النَّبِيِّ ﷺ ، وَصَفٌّ مُسْتَقْبِلَ الْعَدُوِّ، فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالصَّفِّ الَّذِينَ يَلُونَهُ رَكْعَةً، ثُمَّ قَامُوا فَذَهَبُوا، فَقَامُوا مَقَامَ أُولَئِكَ مُسْتَقْبِلِي الْعَدُوِّ، وَجَاءَ أُولَئِكَ فَقَامُوا مَقَامَهُمْ، فَصَلَّى بِهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَكْعَةً، ثُمَّ سَلَّمَ، ثُمَّ قَامُوا فَصَلَّوْا لِأَنْفُسِهِمْ رَكْعَةً، ثُمَّ سَلَّمُوا، ثُمَّ ذَهَبُوا فَقَامُوا مَقَامَ أُولَئِكَ مُسْتَقْبِلِي الْعَدُوِّ، وَرَجَعَ أُولَئِكَ إِلَى مَقَامِهِمْ، فَصَلَّوْا لِأَنْفُسِهِمْ رَكْعَةً، ثُمَّ سَلَّمُوا».
стр. 3018
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ ضَعِيْفٌ لضعف واختلاط خصيف وهو ابن عبد الرحمن الجزري.
وأبو عبيدة وإن كان لم يسمع من أبيه عبد الله بن مسعود لكن قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ في [شَرْحِ عِلَلِ الْتِّرْمِذِيّ] ص (١٨٢):
«قال ابن المديني - في حديث يرويه أبو عبيدة بن عبد الله بن مسعود عن أبيه -: "هو منقطع، وهو حديث ثبت".
قال يعقوب بن شيبة: "إنَّما استجاز أصحابنا أن يدخلوا حديث أبي عبيدة عن أبيه في الْمُسْنَد - يعني في الحديث المتصل - لمعرفة أبي عبيدة بحديث أبيه وصحتها، وأنه لم يأت فيها بحديث منكر"» اهـ.
وَقَالَ ﵀ في [فَتْحِ الْبَارِي] (٥/ ١٨٧):
«وأبو عبيدة، وإن لم يسمع من أبيه، إلَّا أنَّ أحاديثه عنه صحيحة، تلقاها عن أهل بيته الثقات العارفين بحديث أبيه -: قاله ابن المدني وغيره» اهـ.
وَقَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [النُّكَتِ] (١/ ٣٩٨ - ٣٩٩): «ورأيت لأبي عبد الرحمن النسائي نحو ذلك، فإنه روى حديثاً من رواية أبي عبيدة عن أبيه ثم قال: أبو عبيدة لم يسمع من أبيه إلَّا أن هذا الحديث جيد» اهـ.
قُلْتُ: وهذا الحديث وإن لم يصح لكن ما دل عليه من أنَّ الطائفة الثانية تبدأ بالقضاء قبل الأولى هو الأنسب تقليلاً لأمر الحركة في الصلاة والانحراف عن القبلة، والله أعلم.
стр. 3019
١٠ - تسمية هذه الصلاة بصلاة الخوف يدل على مشروعية فعلها في كل خوف كالخوف من العدو أو السبع أو غير ذلك، وهل تصلى في القتال المحرم إذا حصل الخوف في ذلك نزاع والأظهر أنَّها تصلى إذا أبو إلَّا القتال وذلك أولى من إخراج الصلاة عن وقتها. والله أعلم.
١١ - قال أبو زرعة ﵀ في [طَرْحِ الْتَثْرِيْبِ] (٣/ ٤٩٣):
«كونه ﵊ صلى بكل طائفة ركعة يدل على أنَّ تلك الصلاة كانت ثنائية أو كانت رباعية لكنها مقصورة فلو كانت رباعية غير مقصورة صلى بكل طائفة ركعتين ولو كانت ثلاثية وهي المغرب فهو مخير بين أن يصلي بالأولى ركعتين وبالثانية ركعة وبين أن يعكس فيصلي بالأولى ركعة وبالثانية ركعتين وأيهما أولى؟ فيه قولان للشافعي أصحهما أنَّ الأول أولى وَقَالَ الحنفية والمالكية والحنابلة يصلي بالأولى ركعتين وبالثانية ركعة وحكاه ابن قدامة عن الأوزاعي وسفيان الثوري» اهـ.
١٢ - وَقَالَ أبو زرعة ﵀ في [طَرْحِ الْتَثْرِيْبِ] (٣/ ٤٩٣ - ٤٩٤):
«قد يستدل بهذا الحديث وغيره من أحاديث صلاة الخوف في تفريقهم فرقتين على أنَّه لا يجوز أن يفرقهم أربع فرق فيصلي بكل فرقة ركعة فيما إذا كانت الصلاة رباعية ولم تقصر ولا أن يفرقهم ثلاث فرق في المغرب فيصلي بكل فرقة ركعة إذ لم يرد ذلك في شيء من أحاديث الباب والرخص يقتصر فيها على ما ورد وهذا أحد قولي الشافعي وبه قال الحنابلة إنَّ صلاة الْإِمَام باطلة لزيادته على انتظارين ولم يعهد في صلاة الخوف سواهما وتبطل صلاة الطائفة الثالثة والرابعة لأنَّهم هم المقتدون به بعد بطلان صلاته وأمَّا الطائفة الأولى والثانية فصلاتهم صحيحة
стр. 3020
لمفارقتهم الْإِمَام قبل طريان المبطل كما جزم به الرافعي وَقَالَ النووي: فيهم قولان المفارقة بغير عذر والقول الثاني للشافعي وهو الأصح أنَّ صلاة الْإِمَام صحيحة فإنَّه قد تدعو الحاجة إلى ذلك وحينئذ ففي صلاة المأمومين قولان أصحهما صحتها أيضاً قال إمام الحرمين وحيث جوزنا فيشترط أن تمس الحاجة إليه وتبعه الرافعي في المحرر وَقَالَ النووي في "شرح المهذب" لم يذكره الأكثرون والصحيح خلافه وَقَالَ سحنون في هذه المسألة صلاة الْإِمَام وصلاة من خلفه فاسدة والصحيح عند المالكية أنَّ الذي يبطل صلاة الأولى والثالثة خاصة وصلاة غيرهما صحيحة» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ في [الْمُغْنِي] (٤/ ٢٩٣):
«أمَّا إن فرقهم أربع فرق، فصلى في كل طائفة ركعة، أو ثلاث فرق فصلى بإحداهن ركعتين، وبالباقين ركعة ركعة. صحت صلاة الأولى والثانية، لأنَّهما ائتما بمن صلاته صحيحة، ولم يوجد منهما ما يبطل صلاتهما، وتبطل صلاة الْإِمَام بالانتظار الثالث؛ لأنَّه لم ينقل عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فزاد انتظاراً لم يرد الشرع به، فتبطل صلاته به، كما لو فعله من غير خوف.
ولا فرق بين أن تكون به حاجة إلى ذلك أو لم يكن؛ لأنَّ الرخص إنَّما يصار فيها إلى ما ورد الشرع به، ولا تصح صلاة الثالثة والرابعة؛ لائتمامها بمن صلاته باطلة، فأشبه ما لو كانت صلاته باطلة من أولها» اهـ.
قُلْتُ: إذا قيل بانقسام الطائفة الواحدة إلى عدة أقسام للحراسة ويصلي الْإِمَام مرة واحدة بالطائفة الأولى ثم تذهب الطائفة الأولى إلى مكان الطائفة الثانية
стр. 3021
وتنقسم في جهاتها، وتأتي الطائفة الثانية من جميع جهاتها وتصلي خلف الْإِمَام ركعة لكان أولى من كون الْإِمَام يفرق الجيش إلى أربع فرق ثم يصلي بكل فرقة ركعة واحدة. والله أعلم.
١٣ - يدل الحديث على مشروعية صلاة الخوف في السفر، وقد تنازع العلماء في مشروعية صلاتها في الحضر إذا وجد الخوف فذهب الجمهور إلى أنها تصلى في الحضر والسفر، وذهب الْإِمَام مالك في رواية له على خلاف المشهور وابن الماجشون من المالكية إلى عدم صلاتها في الحضر، والصحيح في ذلك عدم الفرق وليس لمن فرق بين الحضر والسفر معنى يقتضي التفريق في ذلك.
١٤ - قال أبو زرعة ﵀ في [طَرْحِ الْتَثْرِيْبِ] (٣/ ٤٩٩):
«ظاهر إطلاق الحديث أنَّ صلاة الخوف تأتي في صلاة الجمعة أيضاً إذا وجد الخوف فيها وقد قال أصحابنا الشافعية إنَّه يجوز أن يصليها على هيئة صلاة عسفان بأن يرتبهم صفين ويحرس في سجود كل ركعة صف على ما تقدم بيانه والذي نص عليه الشافعي وهو الصحيح المشهور أنَّه يجوز أن يصليها أيضاً على هيئة صلاة ذات الرقاع لكن بشرطين: أحدهما: أن يخطب بهم جميعاً ثم يفرقهم أو يخطب بفرقة ويجعل منها مع الفرقة الأخرى أربعين فصاعداً فلو خطب بفرقة وصلى بأخرى لم يجز.
الثاني: ألا ينقص الفرقة الأولى عن أربعين ولا يضر نقص الثانية عن ذلك على الأصح قالوا ولا يجوز صلاة بطن نخل على الأصح إذ لا تقام جمعة بعد جمعة وهذا كله مبني على جواز صلاة الخوف في الحضر وهو المشهور من مذاهب
стр. 3022
العلماء كما تقدم وكذا قال الحنابلة: يجوز أن تصلى الجمعة صلاة الخوف إذا كانت كل طائفة أربعين والله أعلم» اهـ.
قُلْتُ: الذي يظهر لي هو جواز أن تصلى صلاة الجمعة صلاة خوف إذا كانت في الحضر واشتراط الأربعين في صحة الجمعة مما لا حجة فيه معتبرة.
١٥ - وفي الحديث ما يدل على أنَّ الطائفة الواحدة لا تكتفي بركعة واحدة بل تقضي معها أخرى.
وقد جاء ما يدل على جواز الاقتصار على ركعة واحدة.
فمن ذلك ما رواه أبو داود (١٢٤٨)، والنسائي (١٥٣٠) مِنْ طَرِيْقِ يَحْيَى، عَنْ سُفْيَانَ، حَدَّثَنِي الْأَشْعَثُ بْنُ سُلَيْمٍ، عَنِ الْأَسْوَدِ بْنِ هِلَالٍ، عَنْ ثَعْلَبَةَ بْنِ زَهْدَمٍ، قَالَ: كُنَّا مَعَ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ بِطَبَرِسْتَانَ، فَقَامَ، فَقَالَ: أَيُّكُمْ صَلَّى مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ صَلَاةَ الْخَوْفِ؟ فَقَالَ حُذَيْفَةُ: أَنَا، «فَصَلَّى بِهَؤُلَاءِ رَكْعَةً، وَبِهَؤُلَاءِ رَكْعَةً، وَلَمْ يَقْضُوا».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ، وثعلبة بن زهدم اختلف في صحبته فأثبتها الثوري ونفاها البخاري ومسلم.
قال البخاري في [الْتَّارِيْخِ الْكَبِيْر] (٢/ ١٧٤): «وَقَالَ الثوري: له صحبة، ولا يصح، حديثه في الكوفيين» اهـ.
قُلْتُ: وعلى كل حال إذا لم تثبت له الصحبة فهو تابعي مخضرم جليل لا ينزل حديثه عن الاحتجاج. والله أعلم.
стр. 3023
وَقَالَ النسائي (١٥٣١) أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ: حَدَّثَنِي الرُّكَيْنُ بْنُ الرَّبِيعِ، عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِثْلَ صَلَاةِ حُذَيْفَةَ.
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ. إن كان القاسم سمع من زيد.
ومن ذلك أيضاً ما رواه النسائي (١٥٣٣) أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ سُفْيَانَ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي الْجَهْمِ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلَّى بِذِي قَرَدٍ، وَصَفَّ النَّاسُ خَلْفَهُ صَفَّيْنِ، صَفًّا خَلْفَهُ وَصَفًّا مُوَازِيَ الْعَدُوِّ، فَصَلَّى بِالَّذِينَ خَلْفَهُ رَكْعَةً، ثُمَّ انْصَرَفَ هَؤُلَاءِ إِلَى مَكَانِ هَؤُلَاءِ، وَجَاءَ أُولَئِكَ فَصَلَّى بِهِمْ رَكْعَةً وَلَمْ يَقْضُوا».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ.
وروى مسلم (٦٨٧) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «فَرَضَ اللهُ الصَّلَاةَ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّكُمْ ﷺ فِي الْحَضَرِ أَرْبَعًا، وَفِي السَّفَرِ رَكْعَتَيْنِ، وَفِي الْخَوْفِ رَكْعَةً».
وروى أحمد (١٤١٨٠)، والنسائي (١٥٤٥) مِنْ طَرِيْقِ شُعْبَةَ، عَنْ الْحَكَمِ، عَنْ يَزِيدَ الْفَقِيرِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلَّى بِهِمْ صَلَاةَ الْخَوْفِ، فَقَامَ صَفٌّ بَيْنَ يَدَيْهِ وَصَفٌّ خَلْفَهُ، صَلَّى بِالَّذِينَ خَلْفَهُ رَكْعَةً وَسَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ تَقَدَّمَ هَؤُلَاءِ حَتَّى قَامُوا فِي مَقَامِ أَصْحَابِهِمْ، وَجَاءَ أُولَئِكَ فَقَامُوا مَقَامَ هَؤُلَاءِ، وَصَلَّى بِهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَكْعَةً وَسَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ، فَكَانَتْ لِلنَّبِيِّ ﷺ رَكْعَتَانِ وَلَهُمْ رَكْعَةٌ».
стр. 3024
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ.
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٢/ ٤٣٣ - ٤٣٤):
«وبالاقتصار في الخوف على ركعة واحد يقول إسحاق والثوري ومن تبعهما وَقَالَ به أبو هريرة وأبو موسى الأشعري وغير واحد من التابعين ومنهم من قيد ذلك بشدة الخوف وسيأتي عن بعضهم في شدة الخوف أسهل من ذلك وَقَالَ الجمهور قصر الخوف قصر هيئة لا قصر عدد وتأولوا رواية مجاهد هذه على أنَّ المراد به ركعة مع الْإِمَام وليس فيه نفي الثانية وقالوا يحتمل أن يكون قوله في الحديث السابق لم يقضوا أي لم يعيدوا الصلاة بعد الْأَمن والله أعلم» اهـ.
قُلْتُ: هذا تأويل بعيد والصحيح جواز الاقتصار في صلاة الخوف على الركعة الواحدة إذا اشتد الخوف ولم يتمكنوا من صلاتها ركعتين.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ في [زَادِ الْمَعَادِ] (١/ ٥٣١):
«وتارة كان يصلي بإحدى الطائفتين ركعة، فتذهب ولا تقضي شيئاً، وتجيء الأخرى، فيصلي بهم ركعة، ولا تقضي شيئاً، فيكون له ركعتان، ولهم ركعة ركعة، وهذه الأوجه كلها تجوز الصلاة بها» اهـ.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ في [فَتْحِ الْبَارِي] (٦/ ٥٠ - ٥١) ناقلاً ما تضمنه كلام البخاري عن الأوزاعي:
«ومنها: أنَّهم إذا عجزوا عن صلاة ركعتين جاز لهم أن يصلوا ركعة واحدة تامة. وهذا قول كثير من العلماء، منهم: ابن عباس. ففي "صحيح مسلم"، عنه، قال: فرض الله الصلاة على لسان نبيكم ﷺ في السفر ركعتين،
стр. 3025
وفي الحضر أربعاً، وفي الخوف ركعة. وقد روي نحو ذلك عن جابر وابن عمر، وقد سبق ذكر قولهما.
ورواه الحسن، عن حطان الرقاشي، عن أبي موسى - أيضاً - أنَّه فعله. وهو مروي - أيضاً - عن الحسن وطاووس ومجاهد وسعيد بن جبير والنخعي والضحاك والحكم وقتادة وحماد، وقول إسحاق ومحمد بن نصر المروزي. حتى قاله في صلاة الصبح، مع أنَّ ابن حزم وغيره حكوا الإجماع على أنَّ الفجر والمغرب لا ينقص عن ركعتين وثلاث، في خوف ولا أمن، في حضر ولا سفر.
ولم يفرق هؤلاء بين حضر ولا سفر، وهذا يدل على أنَّهم رأوا قصر الصلاة في الحضر للخوف أشد القصر وأبلغه، وهو عود الصلوات كلها إلى ركعة واحدة.
وحكي رواية عن أحمد، وهو ظاهر كلامه في رواية جماعة، ورجحه بعض المتأخرين من أصحابنا، والمشهور عنه: المنع.
وقد نقل جماعة عنه، أنَّه قال: لا يعجبني ذلك. وهو قول .... أصحابنا.
والمنع منه قول النخعي والثوري وأبي حنيفة ومالك والشافعي» اهـ.
قُلْتُ: وقد ذهب ﵀ قبل ذلك إلى تأويل أحاديث الباب. والصحيح إجراء الأحاديث على ظاهرها. والله أعلم.
١٦ - وفي الحديث ما يدل على أنَّ الوقت من أعظم واجبات الصلاة ولهذا تصلى الصلاة فيه وإن كانت ناقصة ولا تؤخر إلى من أجل أن يؤتى بها تامة.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كما في [مَجْمُوعِ الْفَتَاوَى] (٢١/ ٤٥٥):
«حتى الخائف يصلي صلاة الخوف في الوقت بحسب الإمكان ولا يفوتها ليصلي صلاة أمن بعد خروج الوقت حتى في حال المقاتلة يصلي ويقاتل ولا
стр. 3026
يفوت الصلاة ليصلي بلا قتال فالصلاة المفروضة في الوقت وإن كانت ناقصة خير من تفويت الصلاة بعد الوقت وإن كانت كاملة» اهـ.
وَقَالَ ﵀ كما في [مَجْمُوعِ الْفَتَاوَى] (٢٢/ ٥٨):
«وكذلك صلاة الخوف تجب في الوقت مع إمكان أن يؤخرها فلا يستدبر القبلة ولا يعمل عملاً كثيراً في الصلاة ولا يتخلف عن الْإِمَام بركعة ولا يفارق الْإِمَام قبل السلام ولا يقضي ما سبق به قبل السلام ونحو ذلك مما يفعل في صلاة الخوف وليس ذلك إلاَّ لأجل الوقت وإلا ففعلها بعد الوقت ولو بالليل ممكن على الإكمال» اهـ.
١٧ - وفيه مشروعية الجمع بين نية الصلاة ونية الحراسة.
* * *
стр. 3027
١٥٠ - عَنْ يَزِيدَ بْنِ رُومَانَ عَنْ صَالِحِ بْنِ خَوَّاتِ بْنِ جُبَيْرٍ عَمَّنْ صَلَّى مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ صَلاةَ ذَاتِ الرِّقَاعِ، صَلاةَ الْخَوْفِ: «أَنَّ طَائِفَةً صُفَّتْ مَعَهُ، وَطَائِفَةً وِجَاهَ الْعَدُوِّ، فَصَلَّى بِاَلَّذِينَ مَعَهُ رَكْعَةً، ثُمَّ ثَبَتَ قَائِماً، وَأَتَمُّوا لأَنْفُسِهِمْ، ثُمَّ انْصَرَفُوا، فَصُفُّوا وِجَاهَ الْعَدُوِّ، وَجَاءَتْ الطَّائِفَةُ الأُخْرَى، فَصَلَّى بِهِمْ الرَّكْعَةَ الَّتِي بَقِيَتْ، ثُمَّ ثَبَتَ جَالِساً، وَأَتَمُّوا لأَنْفُسِهِمْ، ثُمَّ سَلَّمَ بِهِمْ».
الرجل الذي صلى مع رسول الله ﷺ ، هو سهل بن أبي حثمة.
.
قوله: «ذَاتِ الرِّقَاعِ». سبب تسميتها بذلك ما رواه البخاري (٤١٢٨)، ومسلم (١٨١٦) عَنْ أَبِي مُوسَى ﵁، قَالَ: «خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي غَزْوَةٍ وَنَحْنُ سِتَّةُ نَفَرٍ، بَيْنَنَا بَعِيرٌ نَعْتَقِبُهُ، فَنَقِبَتْ أَقْدَامُنَا، وَنَقِبَتْ قَدَمَايَ، وَسَقَطَتْ أَظْفَارِي، وَكُنَّا نَلُفُّ عَلَى أَرْجُلِنَا الخِرَقَ، فَسُمِّيَتْ غَزْوَةَ ذَاتِ الرِّقَاعِ، لِمَا كُنَّا نَعْصِبُ مِنَ الخِرَقِ عَلَى أَرْجُلِنَا».
وفي الحديث مسائل منها:
١ - استحباب صلاة الخوف على هذه الصفة.
قَالَ الْخَطَّابِي ﵀ في [مَعَالِمِ الْسُّنَنِ] (١/ ٢٦٩):
«قلت وإلى هذا ذهب مالك والشافعي إذا كان العدو من ورائهم. وأمَّا أصحاب الرأي فإنَّهم ذهبوا إلى حديث ابن عمر» اهـ.
стр. 3028
قُلْتُ: إلَّا أنَّ الْإِمَام مالك ذهب إلى أنَّ الطائفة الثانية تقضي صلاتها بعد سلام الْإِمَام وهو خلاف ما دلَّ عليه هذا الحديث فإنَّه يدل أنَّ الْإِمَام يثبت جالساً منتظراً للطائفة الثانية ثم يسلم بها.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ دَقِيْقِ الْعِيْدِ ﵀ في [إِحْكَامِ الْأَحْكَامِ] (٢٤٤):
«وظاهر مذهب مالك: أنَّ الْإِمَام يسلم وتقضي الطائفة الثانية بعد سلامه» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ في [الْمُغْنِي] (٤/ ٢٨١):
«وَقَالَ مالك: يتشهدون معه، فإذا سلم الْإِمَام قاموا فقضوا ما فاتهم كالمسبوق. وما ذكرناه أولى.
لقول الله تعالى: ﴿وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ﴾. وهذا يدل على أنَّ صلاتهم كلها معه.
وفي حديث سهل، أّنَّ الْنَّبِيَّ ﷺ قعد حتى صلى الذين خلفه ركعة، ثم سلم.
رواه أبو داود. وروي أنَّه سلم بالطائفة الثانية.
ولأنَّ الأولى أدركت معه فضيلة الإحرام، فينبغي أن يسلم بالثانية، ليسوي بينهم» اهـ.
٢ - وفيه مشروعية مفارقة المأموم للإمام وإتمامه للصلاة قبل إتمام الْإِمَام لها إذا دعت الحاجة لذلك.
٣ - وفيه مشروعية الإطالة في الركن من أجل إدراك المسبوقين لشيء من صلاة الْأمام.
стр. 3029
قُلْتُ: ومن ذلك تطويل الْإِمَام للركوع من أجل انتظار مصل يريد الاقتداء.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ في [الْمُغْنِي] (٣/ ٤٩٤ - ٤٩٥):
«فصل: إذا أحس بداخل، وهو في الركوع، يريد الصلاة معه، وكانت الجماعة كثيرة، كره انتظاره؛ لأنَّه يبعد أن يكون فيهم من لا يشق عليه، وإن كانت الجماعة يسيرة، وكان انتظاره يشق عليهم، كره أيضاً؛ لأنَّ الذين معه أعظم حرمة من الداخل، فلا يشق عليهم لنفعه، وإن لم يشق لكونه يسيراً، فقد قال أحمد: ينتظره ما لم يشق على من خلفه.
وهذا مذهب أبي مجلز، والشعبي، والنخعي، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وإسحاق، وأبي ثور.
وَقَالَ الأوزاعي، والشافعي، وأبو حنيفة: لا ينتظره؛ لأنَّ انتظاره تشريك في العبادة، فلا يشرع، كالرياء.
ولنا، أنَّه انتظار ينفع ولا يشق، فشرع، كتطويل الركعة وتخفيف الصلاة، وقد ثبت أن النبي ﷺ كان يطيل الركعة الأولى حتى لا يسمع وقع قدم.
وأطال السجود حين ركب الحسن على ظهره، وقال: "إنَّ ابني هذا ارتحلني فكرهت أن أعجله".
وقال: "إني لأسمع بكاء الصبي وأنا في الصلاة فأخففها كراهة أن أشق على أمه".
وقال: "من أم الناس فليخفف فإن فيهم الْكَبِيْر والضعيف وذا الحاجة".
стр. 3030
وشرع الانتظار في صلاة الخوف لتدركه الطائفة الثانية، ولأنَّ منتظر الصلاة في صلاة، وقد كان النبي ﷺ ينتظر الجماعة، فقال جابر: "كان النبي ﷺ يصلي العشاء أحياناً، وأحياناً إذا رآهم قد اجتمعوا عجل، وإذا رآهم قد أبطئوا أخر" وبهذا كله يبطل ما ذكروه من التشريك.
قال القاضي: والانتظار جائز، غير مستحب، وإنَّما ينتظر من كان ذا حرمة، كأهل العلم ونظرائهم من أهل الفضل» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ في [الْمَجْمُوْع] (٤/ ٢٣٠):
«والصحيح استحباب الانتظار مطلقاً بشروط أن يكون المسبوق داخل المسجد حين الانتظار وألَّا يفحش طول الانتظار وأن يقصد به التقرب الله تعالي لا التودد إلى الداخل وتمييزه» اهـ.
قُلْتُ: الذي يظهر لي هو جواز انتظار الْإِمَام إذا أحس بداخل إذا لم يشق ذلك على المأمومين لما ذكره العلامة ابن قدامة ﵀ من الأدلة.
وما ذكره العلامة ابن قدامة ﵀ من أّنَّ الْنَّبِيَّ ﷺ كان يطيل الركعة الأولى حتى لا يسمع وقع قدم. فقد رواه أحمد (١٩١٦٩)، وأبو داود (٨٠٢) مِنْ طَرِيْقِ عَفَّانَ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جُحَادَةَ، عَنْ رَجُلٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى، «أّنَّ الْنَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقُومُ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى مِنْ صَلَاةِ الظُّهْرِ حَتَّى لَا يُسْمَعَ وَقْعُ قَدَمٍ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ ضَعِيْفٌ لإبهام الرجل عن عبد الله بن أبي أوفى، وقد جاءت تسميته عند البيهقي بطرفة الحضرمي.
стр. 3031
فروى البيهقي [الْكُبْرَى] (٢٣١٨) مِنْ طَرِيْقِ أَبِي إِسْحَاقَ الْحُمَيْسِيُّ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ جُحَادَةَ، عَنْ طَرَفَةَ الْحَضْرَمِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى.
قُلْتُ: هذه زيادة منكرة أبو إسحاق الحميسي ضعيف وقد خالف في تسميته للمبهم هماماً، وطرفة الحضرمي مجهول.
وحديث: "إن ابني هذا ارتحلني فكرهت أن أعجله".
رواه أحمد (١٦٠٧٦)، والنسائي (١١٤١) مِنْ طَرِيْقِ جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي يَعْقُوبَ الْبَصْرِيُّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدَّادٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي إِحْدَى صَلَاتَيِ الْعِشَاءِ وَهُوَ حَامِلٌ حَسَنًا أَوْ حُسَيْنًا، فَتَقَدَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَوَضَعَهُ، ثُمَّ كَبَّرَ لِلصَّلَاةِ فَصَلَّى فَسَجَدَ بَيْنَ ظَهْرَانَيْ صَلَاتِهِ سَجْدَةً أَطَالَهَا، قَالَ أَبِي: فَرَفَعْتُ رَأْسِي وَإِذَا الصَّبِيُّ عَلَى ظَهْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَهُوَ سَاجِدٌ فَرَجَعْتُ إِلَى سُجُودِي، فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الصَّلَاةَ قَالَ النَّاسُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّكَ سَجَدْتَ بَيْنَ ظَهْرَانَيْ صَلَاتِكَ سَجْدَةً أَطَلْتَهَا حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ قَدْ حَدَثَ أَمْرٌ أَوْ أَنَّهُ يُوحَى إِلَيْكَ، قَالَ: «كُلُّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ وَلَكِنَّ ابْنِي ارْتَحَلَنِي فَكَرِهْتُ أَنْ أُعَجِّلَهُ حَتَّى يَقْضِيَ حَاجَتَهُ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ.
وحديث: "إني لأسمع بكاء الصبي وأنا في الصلاة فأخففها كراهة أن أشق على أمه".
стр. 3032
رواه البخاري (٧٠٩)، ومسلم (٤٧٠) عَنْ قَتَادَةَ، أَنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ، حَدَّثَهُ أّنَّ الْنَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إِنِّي لَأَدْخُلُ فِي الصَّلَاةِ وَأَنَا أُرِيدُ إِطَالَتَهَا، فَأَسْمَعُ بُكَاءَ الصَّبِيِّ، فَأَتَجَوَّزُ فِي صَلَاتِي مِمَّا أَعْلَمُ مِنْ شِدَّةِ وَجْدِ أُمِّهِ مِنْ بُكَائِهِ».
ورواه البخاري (٧٠٧) عَنْ أَبِي قَتَادَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنِّي لَأَقُومُ فِي الصَّلَاةِ أُرِيدُ أَنْ أُطَوِّلَ فِيهَا، فَأَسْمَعُ بُكَاءَ الصَّبِيِّ، فَأَتَجَوَّزُ فِي صَلَاتِي كَرَاهِيَةَ أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمِّهِ».
قُلْتُ: وهذه الأحاديث هي أقوى ما يستدل بها على هذه المسألة.
٤ - وفيه مشروعية تطويل الركعة الثانية على الأولى.
٥ - وفيه استحباب التراص عند حراسة العدو وتستحب أيضاً عند القتال لقول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾ [الصف: ٤].
* * *
стр. 3033
١٥١ - عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الأَنْصَارِيِّ ﵄ قَالَ: «شَهِدْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ صَلاةَ الْخَوْفِ فَصَفَفْنَا صَفَّيْنِ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَالْعَدُوُّ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ، وَكَبَّرَ النَّبِيُّ ﷺ وَكَبَّرْنَا جَمِيعاً، ثُمَّ رَكَعَ وَرَكَعْنَا جَمِيعاً، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ الرُّكُوعِ وَرَفَعْنَا جَمِيعاً، ثُمَّ انْحَدَرَ بِالسُّجُودِ وَالصَّفُّ الَّذِي يَلِيهِ، وَقَامَ الصَّفُّ الْمُؤَخَّرُ فِي نَحْرِ الْعَدُوِّ، فَلَمَّا قَضَى النَّبِيُّ ﷺ السُّجُودَ، وَقَامَ الصَّفُّ الَّذِي يَلِيهِ: انْحَدَرَ الصَّفُّ الْمُؤَخَّرُ بِالسُّجُودِ، وَقَامُوا، ثُمَّ تَقَدَّمَ الصَّفُّ الْمُؤَخَّرُ، وَتَأَخَّرَ الصَّفُّ الْمُقَدَّمُ، ثُمَّ رَكَعَ النَّبِيُّ ﷺ وَرَكَعْنَا جَمِيعاً، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ الرُّكُوعِ وَرَفَعْنَا جَمِيعاً، ثُمَّ انْحَدَرَ بِالسُّجُودِ، وَالصَّفُّ الَّذِي يَلِيهِ - الَّذِي كَانَ مُؤَخَّرًا فِي الرَّكْعَةِ الأُولَى - فَقَامَ الصَّفُّ الْمُؤَخَّرُ فِي نَحْرِ الْعَدُوِّ، فَلَمَّا قَضَى النَّبِيُّ ﷺ السُّجُودَ وَالصَّفُّ الَّذِي يَلِيهِ: انْحَدَرَ الصَّفُّ الْمُؤَخَّرُ بِالسُّجُودِ، فَسَجَدُوا ثُمَّ سَلَّمَ ﷺ وَسَلَّمْنَا جَمِيعاً، قَالَ جَابِرٌ: كَمَا يَصْنَعُ حَرَسُكُمْ هَؤُلاءِ بِأُمَرَائِهِمْ».
وَذَكَرَهُ مُسْلِمٌ بِتَمَامِهِ. وَذَكَرَ الْبُخَارِيُّ طَرَفاً مِنْهُ، وَأَنَّهُ صَلَّى صَلاةَ الْخَوْفِ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْغَزْوَةِ السَّابِعَةِ، غَزْوَةِ "ذَاتِ الرِّقَاعِ".
وفي الحديث مسائل:
١ - استحباب الصفة المذكورة في هذا الحديث إذا كان العدو تجاه القبلة. خلافاً لأبي حنيفة.
стр. 3034
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ في [الْمَجْمُوْع] (٤/ ٤٢٣):
«ذكرنا أنَّ صلاة عُسْفَانَ هذه مشروعة عندنا وبه قال مالك وأحمد. وَقَالَ أبو حنيفة: لا يجوز بل تتعين صلاة ذات الرقاع» اهـ.
٢ - عدلُ النبي ﷺ بين الطائفتين في هذه الكيفية وفيما سبق من كيفيات صلاة الخوف.
٣ - وفيه أنَّ الحراسة لا تكون إلَّا في حال السجود فقط دون حال الركوع لأنَّ حال الركوع لا يمتنع معه إدراك أحوال العدو. وخالف بعض الشافعية فجعلها في الركوع أيضاً وهو خلاف ما يدل عليه الحديث.
٤ - ويدل الحديث علي أنَّ الحراسة في الصلاة في الركعة الأولى إنَّما هي للصف الثاني، ونقل الخلاف عن الشافعي وأنَّه جعلها على الصف الأول.
لكن قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ في [رَوْضَةِ الْطَالِبِيْنَ] (٢/ ٥٠):
«النَّوْعُ الثَّانِي: صَلَاةُ عُسْفَانَ. وَهِيَ: أَنْ يُرَتِّبَهُمُ الْإِمَامُ صَفَّيْنِ وَيُحْرِمَ بِالْجَمِيعِ، فَيُصَلُّوا مَعَهُ إِلَى أَنْ يَنْتَهِيَ إِلَى الِاعْتِدَالِ عَنْ رُكُوعِ الْأُولَى، فَإِذَا سَجَدَ، سَجَدَ مَعَهُ الصَّفُّ الثَّانِي، وَلَمْ يَسْجُدِ الصَّفُّ الْأَوَّلُ، بَلْ يَحْرُسُوا لَهُمْ قِيَامًا، فَإِذَا قَامَ الْإِمَامُ وَالسَّاجِدُونَ، سَجَدَ أَهْلُ الصَّفِّ الْأَوَّلِ وَلَحِقُوهُ، وَقَرَأَ الْجَمِيعُ مَعَهُ وَرَكَعُوا وَاعْتَدَلُوا، فَإِذَا سَجَدَ، سَجَدَ مَعَهُ الصَّفُّ الْحَارِسُونَ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى، وَحَرَسَ الْآخَرُونَ، فَإِذَا جَلَسَ لِلتَّشَهُّدِ، سَجَدُوا، وَلَحِقُوهُ وَتَشَهَّدُوا كُلُّهُمْ مَعَهُ وَسَلَّمَ بِهِمْ.
هَذِهِ الْكَيْفِيَّةُ ذَكَرَهَا الشَّافِعِيُّ ﵀ فِي "الْمُخْتَصَرِ". وَاخْتَلَفَ الْأَصْحَابُ، فَأَخَذَ كَثِيرُونَ بِهَا، مِنْهُمْ أَصْحَابُ الْقَفَّالِ، وَتَابَعَهُمُ الْغَزَّالِيُّ، وَقَالُوا:
стр. 3035
هِيَ مَنْقُولَةٌ عَنْ فِعْلِ النَّبِيِّ ﷺ وَمَنْ مَعَهُ بِعُسْفَانَ، وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَمَنْ تَابَعَهُ: مَا ذَكَرَهُ الشَّافِعِيُّ خِلَافُ الثَّابِتِ فِي السُّنَّةِ، فَإِنَّ الثَّابِتَ أَنَّ الصَّفَّ الْأَوَّلَ سَجَدُوا مَعَهُ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى، وَالصَّفَّ الثَّانِي سَجَدُوا مَعَهُ الثَّانِيَةَ، وَالشَّافِعِيُّ عَكَسَ ذَلِكَ.
قَالُوا: وَالْمَذْهَبُ مَا ثَبَتَ فِي الْخَبَرِ، لِأَنَّ الشَّافِعِيَّ ﵀ قَالَ: إِذَا رَأَيْتُمْ قَوْلِي مُخَالِفًا لِلسُّنَّةِ فَاطْرَحُوهُ. وَاعْلَمْ أَنَّ الشَّافِعِيَّ لَمْ يَقُلْ: إِنَّ الْكَيْفِيَّةَ الَّتِي ذَكَرَهَا هِيَ صَلَاةُ النَّبِيِّ ﷺ بِعُسْفَانَ، بَلْ قَالَ: وَهَذَا نَحْوُ صَلَاةِ النَّبِيِّ ﷺ بِعُسْفَانَ، فَأَشْبَهَ تَجْوِيزُهُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا. وَقَدْ صَرَّحَ بِهِ الرُّويَانِيُّ وَصَاحِبُ "التَّهْذِيبِ" وَغَيْرُهُمَا.
قُلْتُ: الصَّحِيحُ الْمُخْتَارُ: جَوَازُ الْأَمْرَيْنِ، وَهُوَ مُرَادُ الشَّافِعِيِّ، فَإِنَّهُ ذَكَرَ الْحَدِيثَ كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ، ثُمَّ ذَكَرَ الْكَيْفِيَّةَ الْمَذْكُورَةَ، فَأَشَارَ إِلَى جَوَازِهِمَا. - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -.
ثُمَّ الْمَذْهَبُ الصَّحِيحُ الْمَنْصُوصُ الْمَشْهُورُ: أَنَّ الْحِرَاسَةَ فِي السُّجُودِ خَاصَّةً، وَأَنَّ الْجَمِيعَ يَرْكَعُونَ مَعَهُ، وَفِيهِ وَجْهٌ: أَنَّهُمْ يَحْرُسُونَ فِي الرُّكُوعِ أَيْضًا، وَهُوَ شَاذٌّ مُنْكَرٌ» اهـ.
٥ - فيه استحباب تأخر الصف الأول عند القيام إلى الركعة الثانية وتقدم الصف الثاني إلى مقام الأول.
٦ - وفيه ما يدل على أنَّ المسبوق ببعض الأركان لعذر له أن يصلي ما فاته ويدرك الْإِمَام إن أمكنه ذلك وقد سبق الكلام في هذه المسألة.
* * *
стр. 3036
فصل: في ذكر صفات أخرى لصلاة الخوف:
فمن ذلك أن يصلي بكل طائفة ركعتين من غير أن يفصل بينهما بسلام فيكون للإمام أربع ركعات ولكل طائفة ركعتان.
ويدل عليه ما رواه مسلم (٨٤٣) عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: «أَقْبَلْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ حَتَّى إِذَا كُنَّا بِذَاتِ الرِّقَاعِ، قَالَ: كُنَّا إِذَا أَتَيْنَا عَلَى شَجَرَةٍ ظَلِيلَةٍ تَرَكْنَاهَا لِرَسُولِ اللهِ ﷺ ، قَالَ: فَجَاءَ رَجُلٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَسَيْفُ رَسُولِ اللهِ ﷺ مُعَلَّقٌ بِشَجَرَةٍ، فَأَخَذَ سَيْفَ نَبِيِّ اللهِ ﷺ فَاخْتَرَطَهُ، فَقَالَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ : أَتَخَافُنِي؟ قَالَ: "لَا"، قَالَ: فَمَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّي؟ قَالَ: "اللهُ يَمْنَعُنِي مِنْكَ"، قَالَ: فَتَهَدَّدَهُ أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَأَغْمَدَ السَّيْفَ، وَعَلَّقَهُ، قَالَ: فَنُودِيَ بِالصَّلَاةِ، فَصَلَّى بِطَائِفَةٍ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ تَأَخَّرُوا، وَصَلَّى بِالطَّائِفَةِ الْأُخْرَى رَكْعَتَيْنِ، قَالَ: فَكَانَتْ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ أَرْبَعُ رَكَعَاتٍ، وَلِلْقَوْمِ رَكْعَتَانِ».
وفي لفظ آخر عنده من حديث جابر: «أَنَّهُ صَلَّى مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ صَلَاةَ الْخَوْفِ، فَصَلَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ بِإِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ صَلَّى بِالطَّائِفَةِ الْأُخْرَى رَكْعَتَيْنِ، فَصَلَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ، وَصَلَّى بِكُلِّ طَائِفَةٍ رَكْعَتَيْنِ».
قُلْتُ: ويدل هذا على جواز الإتمام في السفر.
وقد رواه البخاري (٤١٣٦) معلقاً وَقَالَ أَبَانُ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: «كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ بِذَاتِ الرِّقَاعِ، فَإِذَا أَتَيْنَا عَلَى شَجَرَةٍ ظَلِيلَةٍ تَرَكْنَاهَا لِلنَّبِيِّ ﷺ ، فَجَاءَ رَجُلٌ مِنَ
стр. 3037
المُشْرِكِينَ وَسَيْفُ النَّبِيِّ ﷺ مُعَلَّقٌ بِالشَّجَرَةِ، فَاخْتَرَطَهُ، فَقَالَ: تَخَافُنِي؟ قَالَ: "لَا"، قَالَ: فَمَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّي؟ قَالَ: "اللَّهُ" فَتَهَدَّدَهُ أَصْحَابُ النَّبِيِّ ﷺ ، وَأُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، فَصَلَّى بِطَائِفَةٍ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ تَأَخَّرُوا، وَصَلَّى بِالطَّائِفَةِ الأُخْرَى رَكْعَتَيْنِ، وَكَانَ لِلنَّبِيِّ ﷺ أَرْبَعٌ، وَلِلْقَوْمِ رَكْعَتَانِ».
قُلْتُ: وظاهر ذلك أنَّه لم يفصل بينهما بسلام.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ في [الْمُغْنِي] (٤/ ٢٩٩)
«الوجه الخامس: أن يصلي بالطائفة الأولى ركعتين، ولا يسلم، ثم تسلم الطائفة، وتنصرف ولا تقضي شيئاً. وتأتي الطائفة الأخرى، فيصلي بها ركعتين، ويسلم بها، ولا تقضي شيئاً» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ في [زَادِ الْمَعَادِ] (١/ ٥٣٠):
«وتارة كان يصلي بإحدى الطائفتين ركعتين، فتسلم قبله، وتأتي الطائفة الأخرى، فيصلي بهم الركعتين الأخيرتين، ويسلم بهم، فتكون له أربعاً، ولهم ركعتين ركعتين» اهـ.
قُلْتُ: لكن جاء الحديث بزيادة التسليم بين الركعتين فيما رواه النسائي (١٥٥٢) أَخْبَرَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَاصِمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ الْحَسَنِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، «أّنَّ الْنَّبِيَّ ﷺ صَلَّى بِطَائِفَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ، ثُمَّ صَلَّى بِآخَرِينَ أَيْضًا رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ مُنْقَطِعٌ الحسن لم يسمع من جابر.
стр. 3038
ومن ذلك أن يصلي بكل طائفة ركعتين ويفصل بينهما بسلام فتكون للإمام ركعتان فريضة، وركعتان نافلة، ولكل طائفة ركعتان.
ويدل على ذلك ما رواه أبو داود (١٢٥٠)، النسائي (١٥٥١) مِنْ طَرِيْقِ أَشْعَثَ، عَنْ الْحَسَنِ، عَنْ أَبِي بَكْرَةَ، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلَّى بِالْقَوْمِ فِي الْخَوْفِ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ، ثُمَّ صَلَّى بِالْقَوْمِ الْآخَرِينَ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ، فَصَلَّى النَّبِيُّ ﷺ أَرْبَعًا».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ.
ويدل هذا على صحة صلاة المفترض خلف المتنفل.
قُلْتُ: فهاتان صفتان، وثلاث صفات أوردهما المؤلف، ومرت معنا صفة أخرى وهي أن يصلي بكل طائفة ركعة، فيكون له ركعتان، ولهم ركعة ركعة. فهذه ست صفات ثابتة في كيفية صلاة الخوف.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ في [زَادِ الْمَعَادِ] (١/ ٥٣٢):
«وقد روى عنه ﷺ في صلاة الخوف صفات أخر، ترجع كلها إلى هذه وهذه أصولها، وربما اختلف بعض ألفاظها، وقد ذكرها بعضهم عشر صفات، وذكرها أبو محمد بن حزم نحو خمس عشرة صفة، والصحيح: ما ذكرناه أولاً، وهؤلاء كلما رأوا اختلاف الرواة في قصة، جعلوا ذلك وجوها من فعل النبي ﷺ ، وإنما هو من اختلاف الرواة. والله أعلم» اهـ.
стр. 3039
قُلْتُ: وهذه الصفات تفعل إذا لم يشتد الخوف وأمَّا إذا اشتد الخوف والتحم الجيشان فيصلي كل رجل على ما يتيسر له فمن كان راكباً صلى على حاله، ومن كان راجلاً صلى على حاله.
لقول الله تعالى: ﴿فَإنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَانًا﴾ [البقرة: ٢٣٩].
ولما رواه البخاري (٤٥٣٥) عَنْ نَافِعٍ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ﵄، كَانَ إِذَا سُئِلَ عَنْ صَلَاةِ الخَوْفِ قَالَ: «يَتَقَدَّمُ الإِمَامُ وَطَائِفَةٌ مِنَ النَّاسِ، فَيُصَلِّي بِهِمُ الإِمَامُ رَكْعَةً، وَتَكُونُ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ العَدُوِّ لَمْ يُصَلُّوا، فَإِذَا صَلَّى الَّذِينَ مَعَهُ رَكْعَةً، اسْتَأْخَرُوا مَكَانَ الَّذِينَ لَمْ يُصَلُّوا، وَلَا يُسَلِّمُونَ، وَيَتَقَدَّمُ الَّذِينَ لَمْ يُصَلُّوا فَيُصَلُّونَ مَعَهُ رَكْعَةً، ثُمَّ يَنْصَرِفُ الإِمَامُ وَقَدْ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، فَيَقُومُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الطَّائِفَتَيْنِ فَيُصَلُّونَ لِأَنْفُسِهِمْ رَكْعَةً بَعْدَ أَنْ يَنْصَرِفَ الإِمَامُ، فَيَكُونُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الطَّائِفَتَيْنِ قَدْ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، فَإِنْ كَانَ خَوْفٌ هُوَ أَشَدَّ مِنْ ذَلِكَ، صَلَّوْا رِجَالًا قِيَامًا عَلَى أَقْدَامِهِمْ أَوْ رُكْبَانًا، مُسْتَقْبِلِي القِبْلَةِ أَوْ غَيْرَ مُسْتَقْبِلِيهَا».
قَالَ مَالِكٌ: قَالَ نَافِعٌ: لَا أُرَى عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ذَكَرَ ذَلِكَ إِلَّا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ في [الْمُغْنِي] (٤/ ٣٠٣ - ٣٠٤):
«أمَّا إذا اشتد الخوف، والتحم القتال، فلهم أن يصلوا كيفما أمكنهم؛ رجالاً وركباناً، إلى القبلة إن أمكنهم، وإلى غيرها إن لم يمكنهم، يومئون بالركوع والسجود على قدر الطاقة، ويجعلون السجود أخفض من الركوع، ويتقدمون
стр. 3040
ويتأخرون، ويضربون ويطعنون، ويكرون ويفرون، ولا يؤخرون الصلاة عن وقتها. وهذا قول أكثر أهل العلم.
وَقَالَ أبو حنيفة، وابن أبي ليلى: لا يصلي مع المسايفة، ولا مع المشي؛ لأّنَّ الْنَّبِيَّ ﷺ لم يصل يوم الخندق، وأخر الصلاة، ولأنَّ ما منع الصلاة في غير شدة الخوف منعها معه، كالحدث والصياح.
وَقَالَ الشافعي: يصلي، ولكن إن تابع الطعن، أو الضرب، أو المشي، أو فعل ما يطول، بطلت صلاته؛ لأنَّ ذلك من مبطلات الصلاة، أشبه الحدث.
ولنا، قول الله تعالى: ﴿فَإنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَانًا﴾، قال ابن عمر: فإن كان خوف أشد من ذلك، صلوا رجالاً قياماً على أقدامهم، وركبانا مستقبلي القبلة وغير مستقبليها. متفق عليه.
وروي ذلك عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ولأّنَّ الْنَّبِيَّ ﷺ صلى بأصحابه في غير شدة الخوف، فأمرهم بالمشي إلى وجاه العدو، ثم يعودون لقضاء ما بقي من صلاتهم، وهذا مشي كثير، وعمل طويل، واستدبار للقبلة، وأجاز ذلك من أجل الخوف الذي ليس بشديد، فمع الخوف الشديد أولى.
ومن العجب أنَّ أبا حنيفة اختار هذا الوجه دون سائر الوجوه التي لا تشتمل على العمل في أثناء الصلاة، وسوغه مع الغنى عنه، وإمكان الصلاة بدونه، ثم منعه في حال لا يقدر إلَّا عليه، وكان العكس أولى، سيما مع نص الله تعالى على الرخصة في هذه الحال، ولأنَّه مكلف تصح طهارته، فلم يجز له إخلاء وقت
стр. 3041
الصلاة عن فعلها، كالمريض، ويخص الشافعي بأنَّه عمل أبيح من أجل الخوف، فلم تبطل الصلاة به، كاستدبار القبلة، والركوب، والإيماء.
ولأنَّه لا يخلو عند الحاجة إلى العمل الكثير من أجل ثلاثة أمور: إما تأخير الصلاة عن وقتها، ولا خلاف بيننا في تحريمه، أو ترك القتال وفيه هلاكه، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾.
وأجمع المسلمون على أنَّه لا يلزمه هذا، أو متابعة العمل للمتنازع فيه، وهو جائز بالإجماع، فتعين فعله وصحة الصلاة معه.
ثم ما ذكره يبطل بالمشي الكثير، والعدو في الهرب وغيره.
وأمَّا تأخير الصلاة يوم الخندق، فروى أبو سعيد، أنه كان قبل نزول صلاة الخوف.
ويحتمل أنه شغله المشركون فنسي الصلاة، فقد نقل ما يدل على ذلك، وقد ذكرناه فيما مضى، وأكده أن النبي ﷺ وأصحابه لم يكونوا في مسايفة توجب قطع الصلاة.
وأمَّا الصياح، والحدث، فلا حاجة بهم إليه، ويمكنهم التيمم، ولا يلزم من كون الشيء مبطلاً مع عدم العذر أن يبطل معه، كخروج النجاسة من المستحاضة، ومن به سلس البول» اهـ.
* * *
стр. 3042
كتاب الجنائز.
١٥٢ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: «نَعَى النَّبِيُّ ﷺ النَّجَاشِيَّ فِي الْيَوْمِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ، خَرَجَ بِهِمْ إلَى الْمُصَلَّى، فَصَفَّ بِهِمْ، وَكَبَّرَ أَرْبَعاً».
قَالَ أَبُو الْحَسَنِ عَلِي الْعَدَوِي ﵀ فِي [حَاشِيَتِهِ عَلَى كِفَايَةِ الْطَّالِبِ الْرَّبَانِي] (١/ ٤٢٤):
«(الصَّلَاةِ عَلَى الْجَنَائِزِ) جَمْعُ جِنَازَةٍ. ابْنُ الْعَرَبِيِّ: وَمَذْهَبُ الْخَلِيلِ أَنَّ الْجِنَازَةَ بِالْكَسْرِ خَشَبُ سَرِيرِ الْمَوْتَى، وَبِالْفَتْحِ الْمَيِّتُ وَعَكَسَ الْأَصْمَعِيُّ وَقَالَ الْفَرَّاءُ: هُمَا لُغَتَانِ.
وَقَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الْجِنَازَةُ بِكَسْرِ الْجِيمِ الْمَيِّتُ.
وَقَالَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ: وَالْجِنَازَةُ بِكَسْرِ الْجِيمِ النَّعْشُ إذَا كَانَ عَلَيْهِ الْمَيِّتُ وَلَا يُقَالُ دُونَ مَيِّتٍ جِنَازَةٌ وَاشْتِقَاقُهَا مِنْ جَنَزَ إذَا ثَقُلَ» اهـ.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ في [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٧/ ٢٣):
«وَالنَّجَاشِيُّ لَقَبٌ لِكُلِّ مَنْ مَلَكَ الْحَبَشَةَ وَأَمَّا أَصْحَمَةُ فَهُوَ اسْمُ عَلَمٍ لِهَذَا الْمَلِكِ الصَّالِحِ الَّذِي كَانَ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ .
قال المطرز وبن خَالَوَيْهِ وَآخَرُونَ مِنَ الْأَئِمَّةِ كَلَامًا مُتَدَاخِلًا حَاصِلُهُ أَنَّ كُلَّ مَنْ مَلَكَ الْمُسْلِمِينَ يُقَالُ لَهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ مَلَكَ الْحَبَشَةَ النَّجَاشِيُّ وَمَنْ مَلَكَ الرُّومَ قَيْصَرُ وَمَنْ مَلَكَ الْفَرَسَ كِسْرَى وَمَنْ مَلَكَ التُّرْكَ خاقَانُ وَمَنْ مَلَكَ الْقِبْطَ فِرْعَوْنُ
стр. 3043
وَمَنْ مَلَكَ مِصْرَ الْعَزِيزُ وَمَنْ مَلَكَ الْيَمَنَ تُبَّعُ وَمَنْ مَلَكَ حِمْيَرَ الْقَيْلُ بِفَتْحِ الْقَافِ وَقِيلَ الْقَيْلُ أَقَلُّ دَرَجَةً مِنَ المَلِكِ» اهـ.
وَقَالَ الْقَاسِمُ بنُ سَلَّامٍ ﵀ فِي [غَرِيْبِ الْحَدِيْثِ] (١/ ٢١٢):
«قَالَ أَبُو عُبَيْدَة وَغَيره من أهل الْعلم: دخل كَلَام بَعضهم فِي بعض فِي الْأَقْيَال العباهلة قَالَ: الْأَقْيَال مُلُوك بِالْيمن دون الْملك الْأَعْظَم واحدهم قيل يكون ملكاً على قومه ومخلافه ومحجره والعباهلة الَّذين قد أقرُّوا على ملكهم لَا يزالون عَنْهُ وَكَذَلِكَ كل شَيْء أهملته فَكَانَ مهملا لَا يمْنَع مِمَّا يُرِيد وَلَا يضْرب على يَدَيْهِ فَهُوَ معبهل قَالَ تأبط شرا:
مَتى تَبِغني مَا دُمْتُ حَيًّا مُسَلَّماً … تَجِدني مَعَ الْمُسْتَرْعِلِ المتعبهلِ
فالمسترعل: الَّذِي يخرج فِي الرعيل وَهِي الْجَمَاعَة من الْخَيل وَغَيرهَا والمتعبهل: الَّذِي لَا يمْنَع من شَيْء وَقَالَ الراجز يذكر الْإِبِل أَنَّهَا قد أرْسلت على المَاء ترده كَيفَ شَاءَت فَقَالَ:
عَبَاهِلٍ عبهلها الوراد» اهـ.
وفي الحديث مسائل منها:
١ - مشروعية الإخبار بموت الميت من أجل الصلاة عليه.
وقد جاء في النهي عن النعي ما رواه أحمد (٢٣٥٠٢)، والترمذي (٩٨٦)، وابن ماجه (١٤٧٦) مِنْ طَرِيْقِ حَبِيبِ بْنِ سُلَيْمٍ العَبْسِيُّ، عَنْ بِلَالِ بْنِ يَحْيَى العَبْسِيِّ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ اليَمَانِ قَالَ: «إِذَا مِتُّ فَلَا تُؤْذِنُوا بِي، إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَكُونَ نَعْيًا، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَنْهَى عَنِ النَّعْيِ».
стр. 3044
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ ضَعِيْفٌ حبيب لا يعرف حاله، ورواية بلال عن حذيفة مرسلة.
ومن ذلك ما رواه الترمذي (٩٨٤) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حُمَيْدٍ الرَّازِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا حَكَّامُ بْنُ سَلْمٍ، وَهَارُونُ بْنُ المُغِيرَةِ، عَنْ عَنْبَسَةَ، عَنْ أَبِي حَمْزَةَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِيَّاكُمْ وَالنَّعْيَ، فَإِنَّ النَّعْيَ مِنْ عَمَلِ الجَاهِلِيَّةِ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ شَدِيْدُ الْضَّعْفِ فيه محمد بن حميد الرازي كذبه غير واحد من حفاظ الحديث، و أبو حمزة واسمه ميمون وهو متروك الحديث.
ثم رواه الترمذي (٩٨٥) مِنْ طَرِيْقِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، عَنْ أَبِي حَمْزَةَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ نَحْوَهُ، وَلَمْ يَرْفَعْهُ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ وَالنَّعْيُ أَذَانٌ بِالمَيِّتِ.
قَالَ الْدَارَقُطْنِي ﵀ في [الْعِلَلِ] (٥/ ١٦٦): «والصحيح من قول عبد الله» اهـ.
قُلْتُ: الموقوف أرجح وإن كان أيضاً لا يثبت لأنَّه مِنْ طَرِيْقِ أبي حمزة أيضاً.
وروى الطبراني [الْكَبِيْر] (١٠٩٤٨) حَدَّثَنَا عَبْدَانُ بْنُ أَحْمَدَ، ثنا زَيْدٌ، ثنا عَبْدُ اللهِ، عَنِ الْعَوَّامِ بْنِ حَوْشَبٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ يُؤْذِنُ بِجِنَازَةِ النَّاسِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «أَيُّهَا النَّاسُ سَلُوا إِلَى اللهِ مَوْتَاكُمْ، وَلَا تُؤْذِنُوا بِهِمُ النَّاسَ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ شَدِيْدُ الْضَّعْفِ زيد هو ابن الحريش مجهول الحال، وعبد الله هو ابن خراش من المتروكين وهناك من كذبه.
стр. 3045
قُلْتُ: هذه أدلة واهية وقد دلت الأدلة المتكاثرة على جواز الإخبار بموت الميت من غير نياحة إنَّما من أجل الصلاة عليه أو ليُعلم أصحابه وأقرباءه بموته ومن تلك الأدلة حديث الباب.
ومن ذلك: ما رواه البخاري (٤٥٨)، ومسلم (٩٥٦) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَجُلًا أَسْوَدَ أَوِ امْرَأَةً سَوْدَاءَ كَانَ يَقُمُّ المَسْجِدَ فَمَاتَ، فَسَأَلَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْهُ، فَقَالُوا: مَاتَ، قَالَ: «أَفَلَا كُنْتُمْ آذَنْتُمُونِي بِهِ دُلُّونِي عَلَى قَبْرِهِ - أَوْ قَالَ قَبْرِهَا - فَأَتَى قَبْرَهَا فَصَلَّى عَلَيْهَا».
وروى البخاري (١٢٤٧) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: مَاتَ إِنْسَانٌ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَعُودُهُ، فَمَاتَ بِاللَّيْلِ، فَدَفَنُوهُ لَيْلًا، فَلَمَّا أَصْبَحَ أَخْبَرُوهُ، فَقَالَ: «مَا مَنَعَكُمْ أَنْ تُعْلِمُونِي؟» قَالُوا: كَانَ اللَّيْلُ فَكَرِهْنَا، وَكَانَتْ ظُلْمَةٌ أَنْ نَشُقَّ عَلَيْكَ فَأَتَى قَبْرَهُ فَصَلَّى عَلَيْهِ.
وروى البخاري (٣٧٥٧) عَنْ أَنَسٍ ﵁، أّنَّ الْنَّبِيَّ ﷺ ، نَعَى زَيْدًا، وَجَعْفَرًا، وَابْنَ رَوَاحَةَ لِلنَّاسِ، قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَهُمْ خَبَرُهُمْ، فَقَالَ «أَخَذَ الرَّايَةَ زَيْدٌ، فَأُصِيبَ، ثُمَّ أَخَذَ جَعْفَرٌ فَأُصِيبَ، ثُمَّ أَخَذَ ابْنُ رَوَاحَةَ فَأُصِيبَ، وَعَيْنَاهُ تَذْرِفَانِ حَتَّى أَخَذَ سَيْفٌ مِنْ سُيُوفِ اللَّهِ حَتَّى فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ».
وروى النسائي (٢٠٢٢)، وابن ماجه (١٥٢٨) مِنْ طَرِيْقِ عُثْمَانَ بْنِ حَكِيمٍ، عَنْ خَارِجَةَ بْنِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، عَنْ عَمِّهِ يَزِيدَ بْنِ ثَابِتٍ، أَنَّهُمْ خَرَجُوا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ فَرَأَى قَبْرًا جَدِيدًا، فَقَالَ: «مَا هَذَا؟» قَالُوا: هَذِهِ فُلَانَةُ مَوْلَاةُ بَنِي فُلَانٍ، فَعَرَفَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، مَاتَتْ ظُهْرًا وَأَنْتَ نَائِمٌ قَائِلٌ فَلَمْ نُحِبَّ أَنْ نُوقِظَكَ بِهَا، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَصَفَّ
стр. 3046
النَّاسَ خَلْفَهُ، وَكَبَّرَ عَلَيْهَا أَرْبَعًا، ثُمَّ قَالَ: «لَا يَمُوتُ فِيكُمْ مَيِّتٌ مَا دُمْتُ بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ إِلَّا آذَنْتُمُونِي بِهِ، فَإِنَّ صَلَاتِي لَهُ رَحْمَةٌ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ.
وروى أحمد (١٥٧١١)، وابن ماجه (١٥٢٩) مِنْ طَرِيْقِ عَبْدِ الْعَزِيزِ يَعْنِي ابْنَ مُحَمَّدٍ الدَّرَاوَرْدِيَّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدٍ التَّيْمِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِقَبْرٍ فَقَالَ: «مَا هَذَا الْقَبْرُ؟» قَالُوا: قَبْرُ فُلَانَةَ، قَالَ: «أَفَلَا آذَنْتُمُونِي» قَالُوا: كُنْتَ نَائِمًا فَكَرِهْنَا أَنْ نُوقِظَكَ، قَالَ: «فَلَا تَفْعَلُوا فَادْعُونِي لِجَنَائِزِكُمْ فَصَفَّ عَلَيْهَا فَصَلَّى».
قُلْتُ: هَذَا إِسْنَادٌ حَسَنٌ والحديث صحيح كما سبق.
إلى غير ذلك من الأحاديث المتكاثرة في الباب وهي تدل على مشروعية ما ذكرناه.
قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْقُرْطُبِي ﵀ في [الْمُفْهِم] (٨/ ٨٦):
«وهذا النعي الذي كان من عمل الجاهلية إنَّما كان أنَّ الشريف إذا مات فيهم بعثوا الركبان إلى أحياء العرب، فيندبون الميت ويثنون عليه بنياحة وبكاء وصراخ وغير ذلك، وذلك هو الذي نهى عنه» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ في [الْمُغْنِي] (٥/ ٨٣ - ٨٤):
«واستحب جماعة من أهل العلم أن لا يعلم الناس بجنائزهم؛ منهم عبد الله بن مسعود، وأصحابه علقمة، والربيع بن خيثم، وعمرو بن شرحبيل.
قال علقمة: لا تؤذنوا بي أحداً.
стр. 3047
وَقَالَ عمرو بن شرحبيل: إذا أنا مت فلا أنعى إلى أحد.
وَقَالَ كثير من أهل العلم: لا بأس أن يعلم بالرجل إخوانه ومعارفه وذوو الفضل، من غير نداء.
قال إبراهيم النخعي: لا بأس إذا مات الرجل أن يؤذن صديقه وأصحابه، وإنَّما كانوا يكرهون أن يطاف في المجالس: أنعي فلاناً كفعل الجاهلية.
وممن رخص في هذا؛ أبو هريرة، وابن عمر، وابن سيرين.
وروي عن ابن عمر أنَّه نعي إليه رافع بن خديج، قال: كيف تريدون أن تصنعوا به؟ قال: نحبسه حتى نرسل إلى قباء، وإلى من قد بات حول المدينة ليشهدوا جنازته. قال: نعم ما رأيتم.
وَقَالَ النبي ﷺ : في الذي دفن ليلاً: "ألا آذنتموني".
وقد صح عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نعى للناس النجاشي، في اليوم الذي مات فيه، وخرج بهم إلى المصلى، فصف بهم، وكبر أربع تكبيرات. متفق عليه.
وفي لفظ: "إنَّ أخاكم النجاشي قد مات، فقوموا فصلوا عليه".
وروي عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : أنه قال: "لا يموت فيكم أحد إلا آذنتموني به".
أو كما قال. ولأنَّ في كثرة المصلين عليه أجراً لهم، ونفعاً للميت، فإنَّه يحصل لكل مصل منهم قيراط من الأجر» اهـ.
٢ - وفيه أنَّ النجاشي مات على الإسلام مع تركه لكثير من شعائر الإسلام لعجزه.
стр. 3048
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كما في [مَجْمُوعِ الْفَتَاوَى] (١٩/ ٢١٨ - ٢١٩) وفي [مِنْهَاجِ الْسُنَّةِ] (٥/ ٧١):
«وكثير من شرائع الإسلام أو أكثرها لم يكن دخل فيها لعجزه عن ذلك فلم يهاجر ولم يجاهد ولا حج البيت بل قد روي أنَّه لم يصل الصلوات الخمس ولا يصوم شهر رمضان ولا يؤد الزكاة الشرعية؛ لأنَّ ذلك كان يظهر عند قومه فينكرونه عليه وهو لا يمكنه مخالفتهم. ونحن نعلم قطعاً أنَّه لم يكن يمكنه أن يحكم بينهم بحكم القرآن والله قد فرض على نبيه بالمدينة أنَّه إذا جاءه أهل الكتاب لم يحكم بينهم إلَّا بما أنزل الله إليه وحذره أن يفتنوه عن بعض ما أنزل الله إليه. وهذا مثل الحكم في الزنا للمحصن بحد الرجم وفي الديات بالعدل؛ والتسوية في الدماء بين الشريف والوضيع النفس بالنفس والعين بالعين وغير ذلك. والنجاشي ما كان يمكنه أن يحكم بحكم القرآن؛ فإنَّ قومه لا يقرونه على ذلك وكثيراً ما يتولى الرجل بين المسلمين والتتار قاضياً بل وإماماً وفي نفسه أمور من العدل يريد أن يعمل بها فلا يمكنه ذلك بل هناك من يمنعه ذلك ولا يكلف الله نفساً إلَّا وسعها. وعمر بن عبد العزيز عودي وأوذي على بعض ما أقامه من العدل وقيل: إنَّه سم على ذلك. فالنجاشي وأمثاله سعداء في الجنة وإن كانوا لم يلتزموا من شرائع الإسلام ما لا يقدرون على التزامه بل كانوا يحكمون بالأحكام التي يمكنهم الحكم بها» اهـ.
٣ - وفيه مشروعية الصلاة على الغائب الذي لم يصل عليه.
قُلْتُ: وقد اختلف العلماء في هذه المسألة على أقوال:
стр. 3049
القول الأول: أنَّ ذلك من خصائص النجاشي دون غيره وهذا مذهب مالك وأبي حنيفة ورواية عن أحمد.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ بَطَّالٍ ﵀ في [شَرْحِ الْبُخَارِي] (٣/ ٢٤٣ - ٢٤٤):
«وإنَّما نعى ﷺ النجاشي للناس، وخصه بالصلاة عليه، وهو غائب، لأنَّه كان عند الناس على غير الإسلام، فأراد أن يعلم الناس كلهم بإسلامه، فيدعو له في جملة المسلمين ليناله بركة دعوتهم، ويرفع عنه اللعن المتوجه إلى قومه. والدليل على ذلك أنَّه لم يصل ﷺ على أحد من المسلمين ومتقدمي المهاجرين والأنصار الذين ماتوا في أقطار البلدان، وعلى هذا جرى عمل المسلمين بعد النبي ﷺ ، ولم يصل على أحدٍ مات غائبًا، لأنَّ الصلاة على الجنائز من فروض الكفاية يقوم بها من صلى على الميت في البلد التي يموت فيها، ولم يحضر النجاشي مسلمٌ يصلى على جنازته، فذلك خصوص للنجاشي، بدليل إطباق الْأُمة على ترك العمل بهذا الحديث. وَقَالَ بعض العلماء: إنَّ روح النجاشي أحضر بين يدي النبي ﷺ ، فصلى عليه، ورفعت له جنازته كما كشف له عن بيت المقدس حين سألته قريش عن صفته، وعلم يوم موته ونعاه لأصحابه، وخرج فأمهم في الصلاة عليه قبل أن يُوارَى، وهذه أدلة الخصوص، يدل على ذلك أيضًا إطباق الْأُمة على ترك العمل بهذا الحديث، ولم أجد لأحد من العلماء إجازة الصلاة على الغائب إلَّا ما ذكره ابن أبي زيد، عن عبد العزيز بن أبى سلمة، فإنَّه قال: إذا استوقن أنَّه غرق، أو قتل، أو أكلته السباع، ولم يوجد منه شيء صلى عليه كما فعل ﷺ بالنجاشي، وبه قال ابن حبيب» اهـ.
стр. 3050
قُلْتُ: ما قاله ابن بطال ﵀ هاهنا على حسب ما بلغه من العلم وإلَّا فإنَّ النزاع فيها شهير كما سيأتي بيان ذلك.
والقول الثاني: مشروعية الصلاة على كل غائب وهذا ما ذهب إليه الشافعي، وإحدى الروايتين عن أحمد.
القول الثالث: أنَّه يصلى على الغائب الذي لم يصل عليه فإن صلي عليه في بلده لم يصل عليه وهذا قول في مذهب أحمد واختيار شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ وتلميذه الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ في [زَادِ الْمَعَادِ] (١/ ٥١٩ - ٥٢١):
«ولم يكن من هديه وسنته ﷺ الصلاة على كل ميت غائب.
فقد مات خلق كثير من المسلمين وهم غيب، فلم يصل عليهم، وصح عنه: أنَّه صلى على النجاشي صلاته على الميت، فاختلف الناس في ذلك على ثلاثة طرق، أحدها: أنَّ هذا تشريع منه، وسنة للأمة الصلاة على كل غائب، وهذا قول الشافعي وأحمد في إحدى الروايتين عنه، وَقَالَ أبو حنيفة ومالك: هذا خاص به، وليس ذلك لغيره، قال أصحابهما: ومن الجائز أن يكون رفع له سريره فصلى عليه وهو يرى صلاته على الحاضر المشاهد، وإن كان على مسافة من البعد، والصحابة وإن لم يروه، فهم تابعون للنبي ﷺ في الصلاة. قالوا: ويدل على هذا، أنَّه لم ينقل عنه أنَّه كان يصلي على كل الغائبين غيره، وتركه سنة، كما أنَّ فعله سنة، ولا سبيل لأحد بعده إلى أن يعاين سرير الميت من المسافة البعيدة، ويرفع له حتى يصلي عليه، فعلم أنَّ ذلك مخصوص به. وقد روي عنه، أنَّه صلى على معاوية
следующие страницы →