← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 30178

تحفة السائل في بيان ما في عمدة الأحكام من المسائل

أبو بكر الحمادي

Полный текст (8 095 стр.). Показаны 3431–3470 · переход к 3436.

стр. 3431

قُلْتُ: ولعلَّ هذا هو السبب الذي من أجله جعل الْحَافِظُ الْذَهَبِيُّ ﵀ هذا الحديث من مناكير يحيى بن أيوب. ويمكن أن يجاب على ذلك بأنَّ الآثار التي جاءت عن عائشة أنَّها لم تكن تزكي الذهب محمولة على قليله الذي لم يبلغ النصاب ويؤيد ذلك اختلاف الآثار عنها في ذلك، وأصرح من ذلك ما رواه عبد الرزاق في [الْمُصَنَّفِ] (٧٠٥٢) عَنِ الثَّوْرِيِّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ عَائِشَةَ، «كَانَتْ تُحَلِّي بَنَاتِ أَخِيهَا بِالذَّهَبِ وَاللُّؤْلِؤِ فَلَا تُزَكِّيهِ وَكَانَ حُلِيُّهُمْ يَوْمَئِذٍ يَسِيرًا». قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ. وبهذا يتبين أنَّه ليس هناك تعارض بين ما روت وبين ما كانت تفعله. وجمع بين ذلك الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فقال في [الْتَلْخِيْصِ] (٢/ ٣٩٠): «وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّهَا كَانَتْ تَرَى الزَّكَاةَ فِيهَا وَلَا تَرَى إخْرَاجَ الزَّكَاةِ مُطْلَقًا عَنْ مَالِ الْأَيْتَامِ» اهـ. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْجَصَّاصُ الْحَنَفِي ﵀ في [أَحْكَامِ الْقُرْآنِ] (٤/ ٣٠٤) - عند كلامه على حديث عائشة -: «فَانْتَظَمَ هَذَا الْخَبَرُ مَعْنَيَيْنِ: أَحَدُهُمَا: وُجُوبُ زَكَاةِ الْحُلِيِّ. وَالْآخَرُ: أَنَّ الْمَصُوغَ يُسَمَّى وَرِقًا لِأَنَّهَا قالت: "فتحات مِنْ وَرَقٍ" فَاقْتَضَى ظَاهِرُ قَوْلِهِ: "فِي الرِّقَةِ رُبْعُ الْعُشْرِ". إيجَابُ الزَّكَاةِ فِي الْحُلِيِّ لِأَنَّ الرِّقَةَ وَالْوَرِقَ وَاحِدٌ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مِنْ جِهَةِ النَّظَرِ أَنَّ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ يَتَعَلَّقُ وُجُوبُ الزَّكَاةِ فِيهِمَا بِأَعْيَانِهِمَا فِي مِلْكِ مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الزَّكَاةِ لَا بِمَعْنَى يَنْضَمَّ إلَيْهِمَا وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّ النُّقَرَ وَالسَّبَائِكَ تَجِبُ فِيهِمَا الزَّكَاةُ

стр. 3432

وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مُرْصَدَةً لِلنَّمَاءِ وَفَارَقَا بِهَذَا غَيْرَهُمَا مِنْ الْأَموَالِ لِأَنَّ غَيْرَهُمَا لَا تَجِبُ الزَّكَاةُ فِيهِمَا بِوُجُودِ الْمِلْكِ إلَّا أَنْ تَكُونَ مُرْصَدَةً لِلنَّمَاءِ فَوَجَبَ أَنْ لَا يَخْتَلِفَ حُكْمُ الْمَصُوغِ وَالْمَضْرُوبِ وَأَيْضًا لَمْ يَخْتَلِفُوا أَنَّ الْحُلِيَّ إذَا كَانَ فِي مِلْكِ الرَّجُلِ تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ فَكَذَلِكَ إذَا كَانَ فِي مِلْكِ الْمَرْأَةِ كَالدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ وَأَيْضًا لَا يَخْتَلِفُ حُكْمُ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ فِيمَا يَلْزَمُهُمَا مِنْ الزَّكَاةِ فَوَجَبَ أَنْ لَا يَخْتَلِفَا فِي الْحُلِيِّ فَإِنْ قِيلَ الْحُلِيُّ كَالنُّقُرِ الْعَوَامِلِ وَثِيَابِ الْبِذْلَةِ قِيلَ لَهُ قَدْ بَيَّنَّا أَنَّ مَا عَدَاهُمَا يَتَعَلَّقُ وُجُوبُ الزَّكَاةِ فِيهِمَا بِأَنْ يَكُونَ مُرْصَدًا لِلنَّمَاءِ فَمَا لَمْ يُوجَدْ هَذَا الْمَعْنَى لَمْ تَجِبْ وَالذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ لِأَعْيَانِهِمَا بِدَلَالَةِ الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ وَالنُّقَرُ وَالسَّبَائِكُ إذَا أَرَادَ بِهِمَا الْقُنْيَةَ وَالتَّبْقِيَةَ لَا طَلَبَ النَّمَاءِ وَأَيْضًا لَمَّا لَمْ يَكُنْ لِلصَّنْعَةِ تَأْثِيرٌ فِيهِمَا وَلَمْ يُغَيِّرْ حُكْمَهُمَا فِي حَالٍ وَجَبَ أَنْ لَا يَخْتَلِفَ الْحُكْمُ بِوُجُودِ الصَّنْعَةِ وَعَدَمِهَا فَإِنْ قِيلَ زَكَاةُ الْحُلِيِّ عَارِيَّتُهُ قِيلَ لَهُ هَذَا غَلَطٌ لِأَنَّ الْعَارِيَّةَ غَيْرُ وَاجِبَةٍ وَالزَّكَاةُ وَاجِبَةٌ فَبَطَلِ أَنْ تَكُونَ الْعَارِيَّةُ زَكَاةً وَأَمَّا قَوْلُ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ إنَّ الزَّكَاةَ تَجِبُ فِي الْحُلِيِّ مَرَّةً وَاحِدَةً فَلَا وَجْهَ لَهُ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ مِنْ جِنْسِ مَا تَجِبُ فِيهِ الزكاة وجبت في كل حول» اهـ. قُلْتُ: ومن الأدلة في ذلك: ما رواه أبو طاهر المخلِّص في [الْمُخَلِّصِيَّاتِ] (١٦٩٩) حدثنا ابنُ منيعٍ قالَ: حدثنا داودُ قالَ: حدثنا محمدٌ، عن الزُّبيديِّ، عن الزُّهريِّ، أنَّ امرأَتينِ مِنْ أهلِ اليمنِ أَتتا رسولَ اللهِ ﷺ تُبايعانِهِ وفي أَيديهما سِوارانِ مِنْ ذهبٍ، فقَالَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ : «أَتُحبانِ أَنْ يُسوِّرَكما اللهُ بسوَارَينِ مِنْ نارٍ». قالَتا: لا، قالَ: «فأدِّيا زكاتَهُ». قُلْتُ: هَذَا مُرْسَلٌ مِنْ مَرَاسِيْلِ الزُّهْرِيِّ.

стр. 3433

ومن ذلك ما رواه محمد بن الحسن الشيباني في [الْحُجَةِ عَلَى أَهْلِ الْمَدِيْنَةِ] (١/ ٤٤٩) أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بن رَاشد عَنْ مَكْحُول أنَّ امْرَأَة كَانَتْ تَطوف بِالْبَيْتِ وَمَعَهَا ابْنة لَهَا فِي يَدهَا سوار من ذهب فَقَالَ لَهَا رَسُول الله ﷺ : «أَتُحِبِّينَ أَنْ يَكُونَ لَكِ سِوَارٌ مِنْ نَارٍ». قَالَتْ: لَا يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ: «فَأَدِّي زَكَاتَهُ». قُلْتُ: هَذَا مُرْسَلٌ أَيْضَاً. ومن ذلك ما رواه ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (١٠٢٦٧) حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ الأَحْمَرِ، عَنْ حَجَّاجٍ، عَنْ عَطَاءٍ، وَالزُّهْرِيِّ، وَمَكْحُولٍ قَالُوا: فِي الْحُلِيِّ زَكَاةٌ. وَقَالُوا: «مَضَتِ السُّنَّةُ أَنَّ فِي الْحُلِيِّ، الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، زَكَاةً». قُلْتُ: حجاج هو ابن أرطأة ضعيف الحديث، وهو مع ذلك مرسل. ومن الأدلة في ذلك ما رواه أبو داود (١٥٦٤) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى، حَدَّثَنَا عَتَّابٌ يَعْنِي ابْنَ بَشِيرٍ، عَنْ ثَابِتِ بْنِ عَجْلَانَ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، قَالَتْ: كُنْتُ أَلْبَسُ أَوْضَاحًا مِنْ ذَهَبٍ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَكَنْزٌ هُوَ؟ فَقَالَ: «مَا بَلَغَ أَنْ تُؤَدَّى زَكَاتُهُ، فَزُكِّيَ فَلَيْسَ بِكَنْزٍ». قُلْتُ: إِسْنَادُهُ مُنْقَطِعٌ بين عطاء بن أبي رباح وأم سلمة فإنَّ عطاء لم يسمع من أم سلمه قاله علي بن المديني كما ذكر ذلك ابن أبي حاتم في [الْمَرَاسِيْلِ] ص (٢٥). وَقَالَ الْحَافِظُ الْذَهَبِيُّ ﵀ في [الْمِيْزَانِ] (١/ ٣٦٥) في ترجمة ثابت بن عجلان: «فمما أنكر عليه: حديث عتاب بن بشير، عنه، عن عطاء، عن أم سلمة، قالت». فذكره. وَقَالَ الْعَيْنِي ﵀ في [شَرْحِهِ لِسُنَنِ أَبِي دَاوْدَ] (٦/ ٢٢٠):

стр. 3434

«قوله: "أوضاحاً" الأوضاح جمع وَضَح بفتحتين، وهو نوع من الحلي، يعمل من الفضة، سميت به لبياضها، ثم استعملت في التي تعمل من الذهب أيضا، وقيل: حلي من الدراهم الصحاح، والوَضَح الدرهم» اهـ. ومن ذلك أيضاً ما رواه أحمد (٢٧٦١٤) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَاصِمٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ خُثَيْمٍ، عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ، عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ يَزِيدَ، قَالَتْ: «دَخَلْتُ أَنَا وَخَالَتِي عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَعَلَيْهَا أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ، فَقَالَ لَنَا: "أَتُعْطِيَانِ زَكَاتَهُ؟ " قَالَتْ: فَقُلْنَا: لَا، قَالَ: "أَمَا تَخَافَانِ أَنْ يُسَوِّرَكُمَا اللهُ أَسْوِرَةً مِنْ نَارٍ؟ أَدِّيَا زَكَاتَهُ"». قُلْتُ: علي بن عاصم وشهر ضعيفان. وفي الباب أحاديث أخرى واهية أعرضت عن ذكرها. وهذه الأحاديث كما ترى منها ما إسنادها حسن، وقد أعلت بما لا يقدح فيها، ومنها ما فيه ضعف يسير هو منجبر بالشواهد المذكورة. قُلْتُ: وقد ذهب إلى ذلك جمع من الصحابة منهم: عبد الله بن مسعود ﵁. فروى عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (٧٠٥٦)، وأبو عبيد في [الْأَمْوَالِ] (١٢٦١)، وابن زنجويه في [الْأَمْوَالِ] (١٧٦٥)، والْدَارَقُطْنِي في [سُنَنِهِ] (١٩٥٩)، والبيهقي في [الْكُبْرَى] (٧٥٤٦) مِنْ طَرِيْقِ سُفْيَانَ الثَورِي، عَنْ حَمَّادٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، قَالَ: قَالَتِ امْرَأَةُ عَبْدِ اللهِ: «إِنَّ لِيَ حُلِيًّا. فَقَالَ عَبْدُ اللهِ: أَيَبْلُغُ

стр. 3435

مِائَتَيْنِ؟ إِذَا بَلَغَ مِائَتَيْنِ فَفِيهِ الزَّكَاةُ؟ قَالَتْ: عِنْدِي بَنُو أَخٍ لِي أَيْتَامٌ، أَفَأَضَعُهُ فِيهِمْ؟ قَالَ: نَعَمْ». ورواه أبو يوسف في [الْآثَارِ] (٤٣٩) عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، عَنْ حَمَّادٍ به. قُلْتُ: حماد هو ابن أبي سليمان حسن الحديث، وإبراهيم هو النخعي لم يسمع من علقمة فالإسناد منقطع. قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ ﵀ فِي [الْمَرَاسِيْلِ] (ص: ٩): «حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ الْهِسِنْجَانِيُّ سَمِعْتُ مُسَدَّدًا يَقُولُ كَانَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ وَأَصْحَابُنَا يُنْكِرُونَ أَنْ يَكُونَ إِبْرَاهِيمُ سَمِعَ مِنْ عَلْقَمَةَ» اهـ. ورواه عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (٧٠٥٥) عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ حَمَّادٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: سَأَلَتْهُ امْرَأَةٌ عَنْ حُلِيٍّ، لَهَا فِيهِ زَكَاةٌ؟ قَالَ: «إِذَا بَلَغَ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ فَزَكِّيهِ». قَالَتْ: إِنَّ فِي حِجْرِي يَتَامَى لِي أَفَأَدْفَعَهُ إِلَيْهِمْ؟ قَالَ: «نَعَمْ». قُلْتُ: رواية الثوري أصح من رواية معمر. وبهذا يتبيَّن أنَّ الصحيح في حديث ابن مسعود الانقطاع بين إبراهيم النخعي وعلقمة. ورواه الْدَارَقُطْنِي في [سُنَنِه] (١٩٦٣) وأبو عبيد في [الْأَمْوَالِ] (١٢٦٢) مِنْ طَرِيْقِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ، عَنْ أَبِي مَعْشَرٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، أَنَّ امْرَأَةَ ابْنِ مَسْعُودٍ سَأَلَتْهُ عَنْ طَوْقٍ لَهَا فِيهِ عِشْرُونَ مِثْقَالًا مِنَ الذَّهَبِ، فَقَالَتْ: أُزَكِّيهِ؟، قَالَ: «نَعَمْ»، قَالَتْ: كَمْ؟، قَالَ: «خَمْسَةُ دَرَاهِمَ»، قَالَتْ: أُعْطِيَهَا فُلَانًا، ابْنُ أَخٍ لَهَا يَتِيمٌ فِي حِجْرِهَا، قَالَ: «نَعَمْ إِنْ شِئْتِ».

стр. 3436

قُلْتُ: سعيد بن أبي عروبة مختلط لكن من الرواة عنه عبد الوهاب الخفاف وهو ممن روى عنه قبل الاختلاط، وهكذا ابن علية، وقد روى مسلم لسعيد بن أبي عروبة من رواية ابن علية عنه وهذا يدل على أنَّ سماعه منه قبل اختلاطه، وهو مع ذلك من المدلسين وقد عنعن غير أنَّه من الطبقة الثانية من المدلسين وهي طبقة من تقبل عنعنته. والله أعلم. ومراسيل النخعي عن ابن مسعود صحيحة. وبهذا يتبين ثبوت الأثر عن ابن مسعود ﵁. وجاء أيضاً عن عائشة ﵂. رواه أبو عبيد في [الْأَمْوَالِ] (١٢٦٥) وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنْ حُسَيْنٍ الْمُعَلِّمِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: «لَا بَأْسَ بِلُبْسِ الْحُلِيِّ إِذَا أَعْطِيَتْ زَكَاتُهُ». قُلْتُ: إِسْنَادُهُ حَسَنٌ. قُلْتُ: وقد جاء عنها خلاف ذلك كما سبق. وجاء أيضاً عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَو بن العاص ﵄. رواه ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (١٠٢٦٣) حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، «أَنَّهُ كَانَ يَأْمُرُ نِسَاءَهُ أَنْ يُزَكِّينَ حُلِيَّهُنَّ». قُلْتُ: إِسْنَادُهُ مُنْقَطِعٌ بين عمرو بن شعيب وعبد الله بن عمرو.

стр. 3437

ورواه ابن زنجويه في [الْأَمَوَالِ] (١٧٦٦) أنا خَلَفُ بْنُ أَيُّوبَ، ثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، قَالَ: كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ يَكْتُبُ إِلَى قَهَارِمَتِهِ وَمَوَالِيهِ «يَأْمُرُهُمْ أَنْ يُزَكُّوا حُلِيَّ بَنَاتِهِ وَنِسَائِهِ». ورواه عبد الرزاق في [الْمُصَنَّفِ] (٧٠٥٧) عَنِ الثَّوْرِيِّ، عَنْ أَبِي مُوسَى، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَو: «أَنَّهُ كَانَ يُحَلِّي بَنَاتِهِ بِالذَّهَبِ ذَكَرَ أَكْثَرَ مِنْ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ أَرَاهُ ذَكَرَ الْأَلْفَ، أَوْ أَكْثَرَ كَانَ يُزَكِّيهِ». قُلْتُ: إِسْنَادُهُ مُنْقَطِعٌ أيضاً. ورواه الْدَارَقُطْنِي في [سُنَنِه] (١٩٥٧)، ومن طريقه البيهقي في [الْكُبْرَى] (٧٥٤٥) مِنْ طَرِيْقِ الْحُسَيْنِ الْمُعَلِّمِ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ أَنَّهُ كَانَ يَكْتُبُ إِلَى خَازِنِهِ سَالِمٍ: «أَنْ يُخْرِجَ زَكَاةَ حُلِيِّ بَنَاتِهِ كُلَّ سَنَةٍ». قُلْتُ: إِسْنَادُهُ فِي الْظَّاهِرِ أنَّه حَسَنٌ. لكن رواه أبو عبيد في [الْأَمْوَالِ] (١٢٦٤) فَقَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَطَاءٍ، عَنْ حُسَيْنٍ الْمُعَلِّمِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ سَالِمٍ، قَالَ: «كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو يَأْمُرُنِي أَنْ أَجْمَعَ حُلِيَّ بَنَاتِهِ كُلَّ عَامٍ، فَأُخْرِجَ زَكَاتَهُ». وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: أَرَاهُ مَوْلَاهُ: يَعْنِي سَالِمًا مَوْلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو. قُلْتُ: فجعله من رواية عمرو بن شعيب عن سالم، وسالم هذا مجهول. وخلاصة القول في أثر ابن عمرو أنَّ الأرجح فيه الانقطاع. والله أعلم. قُلْتُ: وهذا القول هو الصحيح المؤيد بالأدلة. القول الثالث: أنَّ زكاته عاريته.

стр. 3438

فقد روى ابن زنجويه في [الْأَمْوَالِ] (١٧٩٤)، وابن الأعرابي في [مُعْجَمِهِ] (١٩٠٠) مِنْ طَرِيْقِ عَبْدِ الْمَلِكِ - وهو ابن أبي سليمان العزرمي-، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ قَالَ: سَأَلْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ: عَنِ الْحُلِيِّ أَفِيهِ زَكَاةٌ؟ قَالَ: «لَا»، قُلْتُ إِنَّ الْحُلِيَّ يَكُونُ فِيهِ أَلْفُ دِينَارٍ؟ قَالَ: «وَإِنْ كَانَ فِيهِ يُعَارُ وَيُلْبَسُ». قُلْتُ: هَذَا أَثَرٌ حَسَنٌ. وروى البيهقي في [الْكُبْرَى] (٧٣٤٢) أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، وَأَبُو سَعِيدِ بْنُ أَبِي عَمْرٍو قَالَا: ثنا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، ثنا السَّرِيُّ بْنُ يَحْيَى، ثنا أَبُو غَسَّانَ، ثنا كَامِلُ بْنُ الْعَلَاءِ، عَنْ حَبِيبٍ يَعْنِي ابْنَ أَبِي ثَابِتٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: «زَكَاةُ الْحُلِيِّ عَارِيَتُهُ». قُلْتُ: هَذَا أَثَرٌ حَسَنٌ. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ في [الْمُغْنِي] (٥/ ٣٧٥): «وَقَالَ الحسن، وعبد الله بن عتبة، وقتادة: زكاته عاريته. قال أحمد: خمسة من أصحاب رسول الله ﷺ يقولون: ليس في الحلي زكاة. ويقولون: زكاته عاريته» اهـ. وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [الْاخْتِيَارَاتِ الْفِقْهِيَّةِ] (٤٥٥): «ونقل عن غير واحد من الصحابة أنَّه قال: زكاة الحلي عاريته ولهذا تنازع أهل هذا القول هل أن تعيره لمن يستعيره إذا لم يكن في ذلك ضرر عليها على وجهين في

стр. 3439

مذهب أحمد وغيره والذي ينبغي إذا لم تخرج الزكاة عنه أن تعيره وأمَّا إن كانت تكريه ففيه الزكاة عند جمهور العلماء» اهـ. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [الطُّرُقِ الْحُكْمِيَّةِ] (٣٧٨): «وقد قال جماعة من الصحابة والتابعين إن زكاة الحلي عاريته فإذا لم يعره فلا بد من زكاته وهذا وجه في مذهب أحمد. قُلْتُ: وهو الراجح وإنَّه لا يخلو الحلي من زكاة أو عارية» اهـ. القول الرابع: يزكى عاماً واحداً فقط. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ في [الْمُغْنِي] (٥/ ٣٧٥): «وَقَالَ مالك: يزكى عاماً واحداً» اهـ. قُلْتُ: وقد جاء ذلك عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ كما روى ذلك ابن أبي شيبة في [الْمُصَنَّفِ] (١٠٢٥٨)، وابن معين كما في [جُزْءِ أَحَادِيْثِ ابْنِ مَعِيْنٍ] (١٠٥)، وابن زنجويه في [الْأَمْوَالِ] (١٧٩٦)، والبيهقي في [الْكُبْرَى] (٧٣٣١)، وفي [الْمَعْرِفَة] (٢٥٠٠) مِنْ طَرِيْقِ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ فِي الْحُلِيُّ قَالَ: «إِذَا كَانَ يُعَارُ، وَيُلْبَسُ فَإِنَّهُ يُزَكَّى مَرَّةً وَاحِدَةً». هذا لفظ البيهقي. قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ. لكنَّه وارد في حق من أعارته ويمكن يجعل ذلك مذهباً خامساً وهو أنَّ من أعارته يكفيها زكاة عام واحد. قُلْتُ: وقد تنازع العلماء في الفلوس التي ظهرت قديماً هل فيها زكاة أو لا زكاة فيها، فذهب أكثرهم إلى أنَّ الفلوس من جملة العروض إن استعملت في التجارة وبلغت النصاب وحال عليها الحول ففيها زكاة العروض وإلَّا فلا زكاة فيها، وذهبت الحنفية إلى أنَّها إذا راجت ففيها الزكاة لثمنيتها.

стр. 3440

وهكذا تنازع العلماء في العملات الورقية هل فيها الزكاة أو لا فمنهم من جعلها كالفلوس على الخلاف السابق فيها، ومنهم من جعلها سنداً لذهب أو فضة مضمونة وأنزل فيها كلام أهل العلم في زكاة الدين. قُلْتُ: والصحيح في العملات الورقية أنَّها عملة مستقلة قامت مقام الذهب والفضة بل طغت على الذهب والفضة في كل شيء فهي ملحقة بالذهب والفضة بقياس الأولى الذي يعد من أقوى أنواع القياس، والله أعلم. ونصاب العملات الورقية وغيرها من العملات المعدنية راجع إلى نصاب أقل النقدين نصاباً وهو في هذه الأيام الفضة، فهذا هو الأبرأ للذمة، والأحسن للفقراء. ٤ - وقوله: «وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ ذَوْدٍ صَدَقَةٌ». جاء في لفظ عند البخاري (١٤٤٧، ١٤٥٩)، ومسلم (٩٨٠) زيادة: «مِنَ الْإِبِلِ». والذود من الثلاثة إلى العشرة، والمراد بها هاهنا الخمس من الإبل كما هو صريحٌ في لفظ الحديث. قَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِي ﵀ فِي [الْمُفْهِم] (٨/ ١٢٤): «وأصل وضع الذود إنَّما هو مصدر، من ذاد يذود، إذا دفع شيئاً، فكان من كان عنده دفع عن نفسه معرة الفقر، أو شدة الفاقة والحاجة» اهـ. قُلْتُ: هذا الحديث يدل على زكاة الإبل وقد دلت على ذلك السنة والإجماع، ويدل أيضاً على أنَّ نصاب زكاة الإبل يبدأ من خمسٍ من الإبل. وأحسن ما جاء في بيان صدقة الإبل والغنم ما رواه البخاري (١٤٥٤) عَنْ ثُمَامَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَنَسٍ، أَنَّ أَنَسًا، حَدَّثَهُ: أَنَّ أَبَا بَكْرٍ ﵁، كَتَبَ لَهُ هَذَا

стр. 3441

الكِتَابَ لَمَّا وَجَّهَهُ إِلَى البَحْرَيْنِ: «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ هَذِهِ فَرِيضَةُ الصَّدَقَةِ الَّتِي فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى المُسْلِمِينَ، وَالَّتِي أَمَرَ اللَّهُ بِهَا رَسُولَهُ، فَمَنْ سُئِلَهَا مِنَ المُسْلِمِينَ عَلَى وَجْهِهَا، فَلْيُعْطِهَا وَمَنْ سُئِلَ فَوْقَهَا فَلَا يُعْطِ فِي أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ مِنَ الإِبِلِ، فَمَا دُونَهَا مِنَ الغَنَمِ مِنْ كُلِّ خَمْسٍ شَاةٌ إِذَا بَلَغَتْ خَمْسًا وَعِشْرِينَ إِلَى خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ، فَفِيهَا بِنْتُ مَخَاضٍ أُنْثَى، فَإِذَا بَلَغَتْ سِتًّا وَثَلَاثِينَ إِلَى خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ فَفِيهَا بِنْتُ لَبُونٍ أُنْثَى، فَإِذَا بَلَغَتْ سِتًّا وَأَرْبَعِينَ إِلَى سِتِّينَ فَفِيهَا حِقَّةٌ طَرُوقَةُ الجَمَلِ، فَإِذَا بَلَغَتْ وَاحِدَةً وَسِتِّينَ إِلَى خَمْسٍ وَسَبْعِينَ، فَفِيهَا جَذَعَةٌ فَإِذَا بَلَغَتْ يَعْنِي سِتًّا وَسَبْعِينَ إِلَى تِسْعِينَ، فَفِيهَا بِنْتَا لَبُونٍ فَإِذَا بَلَغَتْ إِحْدَى وَتِسْعِينَ إِلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ، فَفِيهَا حِقَّتَانِ طَرُوقَتَا الجَمَلِ، فَإِذَا زَادَتْ عَلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ، فَفِي كُلِّ أَرْبَعِينَ بِنْتُ لَبُونٍ وَفِي كُلِّ خَمْسِينَ حِقَّةٌ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ إِلَّا أَرْبَعٌ مِنَ الإِبِلِ، فَلَيْسَ فِيهَا صَدَقَةٌ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبُّهَا، فَإِذَا بَلَغَتْ خَمْسًا مِنَ الإِبِلِ، فَفِيهَا شَاةٌ وَفِي صَدَقَةِ الغَنَمِ فِي سَائِمَتِهَا إِذَا كَانَتْ أَرْبَعِينَ إِلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ شَاةٌ، فَإِذَا زَادَتْ عَلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ إِلَى مِائَتَيْنِ شَاتَانِ، فَإِذَا زَادَتْ عَلَى مِائَتَيْنِ إِلَى ثَلَاثِ مِائَةٍ، فَفِيهَا ثَلَاثُ شِيَاهٍ، فَإِذَا زَادَتْ عَلَى ثَلَاثِ مِائَةٍ، فَفِي كُلِّ مِائَةٍ شَاةٌ، فَإِذَا كَانَتْ سَائِمَةُ الرَّجُلِ نَاقِصَةً مِنْ أَرْبَعِينَ شَاةً وَاحِدَةً، فَلَيْسَ فِيهَا صَدَقَةٌ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبُّهَا وَفِي الرِّقَّةِ رُبْعُ العُشْرِ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ إِلَّا تِسْعِينَ وَمِائَةً، فَلَيْسَ فِيهَا شَيْءٌ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبُّهَا». وفي رواية للبخاري (١٤٥٣) عَنْ ثُمَامَةَ، أَنَّ أَنَسًا ﵁ حَدَّثَهُ: أَنَّ أَبَا بَكْرٍ ﵁ كَتَبَ لَهُ فَرِيضَةَ الصَّدَقَةِ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ ﷺ : «مَنْ بَلَغَتْ عِنْدَهُ مِنَ الإِبِلِ صَدَقَةُ الجَذَعَةِ، وَلَيْسَتْ عِنْدَهُ جَذَعَةٌ، وَعِنْدَهُ حِقَّةٌ، فَإِنَّهَا تُقْبَلُ مِنْهُ الحِقَّةُ، وَيَجْعَلُ مَعَهَا شَاتَيْنِ إِنِ اسْتَيْسَرَتَا لَهُ، أَوْ عِشْرِينَ دِرْهَمًا،

стр. 3442

وَمَنْ بَلَغَتْ عِنْدَهُ صَدَقَةُ الحِقَّةِ، وَلَيْسَتْ عِنْدَهُ الحِقَّةُ، وَعِنْدَهُ الجَذَعَةُ فَإِنَّهَا تُقْبَلُ مِنْهُ الجَذَعَةُ، وَيُعْطِيهِ المُصَدِّقُ عِشْرِينَ دِرْهَمًا أَوْ شَاتَيْنِ، وَمَنْ بَلَغَتْ عِنْدَهُ صَدَقَةُ الحِقَّةِ، وَلَيْسَتْ عِنْدَهُ إِلَّا بِنْتُ لَبُونٍ، فَإِنَّهَا تُقْبَلُ مِنْهُ بِنْتُ لَبُونٍ وَيُعْطِي شَاتَيْنِ أَوْ عِشْرِينَ دِرْهَمًا، وَمَنْ بَلَغَتْ صَدَقَتُهُ بِنْتَ لَبُونٍ وَعِنْدَهُ حِقَّةٌ، فَإِنَّهَا تُقْبَلُ مِنْهُ الحِقَّةُ وَيُعْطِيهِ المُصَدِّقُ عِشْرِينَ دِرْهَمًا أَوْ شَاتَيْنِ، وَمَنْ بَلَغَتْ صَدَقَتُهُ بِنْتَ لَبُونٍ وَلَيْسَتْ عِنْدَهُ، وَعِنْدَهُ بِنْتُ مَخَاضٍ، فَإِنَّهَا تُقْبَلُ مِنْهُ بِنْتُ مَخَاضٍ وَيُعْطِي مَعَهَا عِشْرِينَ دِرْهَمًا أَوْ شَاتَيْنِ». قُلْتُ: وأمَّا صدقة البقر فجاء فيها ما رواه الترمذي (٦٢٢)، وابن ماجه (١٨٠٤) مِنْ طَرِيْقِ عَبْدِ السَّلَامِ بْنِ حَرْبٍ، عَنْ خُصَيْفٍ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: «فِي ثَلَاثِينَ مِنَ البَقَرِ تَبِيعٌ أَوْ تَبِيعَةٌ، وَفِي كُلِّ أَرْبَعِينَ مُسِنَّةٌ». قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ حَسَنٌ خصيف مختلف فيه ولعله لا ينزل حديثه عن الحسن قَالَ الْحَافِظُ الْذَهَبِيُّ ﵀ في [السِّيَرِ] (٦/ ١٤٦): «قُلْتُ: حديثه يرتقي إلى الحسن» اهـ. وأبو عبيدة لم يسمع من أبيه لكن قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ في [شَرِحِ عِلَلِ التِّرمِذِيِّ] ص (١٨٢): «قال ابن المديني - في حديث يرويه أبو عبيدة بن عبد الله بن مسعود عن أبيه: "هو منقطع، وهو حديث ثبت".

стр. 3443

قال يعقوب بن شيبة: "إنَّما استجاز أصحابنا أن يدخلوا حديث أبي عبيدة عن أبيه في الْمُسْنَد - يعني في الحديث المتصل - لمعرفة أبي عبيدة بحديث أبيه وصحتها، وأنه لم يأت فيها بحديث منكر "» اهـ. وَقَالَ ﵀ في [فَتْحِ الْبَارِي] (٥/ ١٨٧): «وأبو عبيدة، وإن لم يسمع من أبيه، إلَّا أنَّ أحاديثه عنه صحيحة، تلقاها عن أهل بيته الثقات العارفين بحديث أبيه -: قاله ابن المدني وغيره» اهـ. وَقَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [النُّكَتِ] (١/ ٣٩٨ - ٣٩٩): «ورأيت لأبي عبد الرحمن النسائي نحو ذلك، فإنَّه روى حديثاً من رواية أبي عبيدة عن أبيه ثم قال: أبو عبيدة لم يسمع من أبيه إلَّا أنَّ هذا الحديث جيد» اهـ. وفي الباب حديث معاذ بن جبل. رواه أبو داود (١٥٧٦)، حَدَّثَنَا النُّفَيْلِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ مُعَاذٍ، «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا وَجَّهَهُ إِلَى الْيَمَنِ أَمَرَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنَ الْبَقَرِ مِنْ كُلِّ ثَلَاثِينَ تَبِيعًا، أَوْ تَبِيعَةً، وَمِنْ كُلِّ أَرْبَعِينَ مُسِنَّةً، وَمِنْ كُلِّ حَالِمٍ - يَعْنِي مُحْتَلِمًا - دِينَارًا، أَوْ عَدْلَهُ مِنَ المَعَافِرِ - ثِيَابٌ تَكُونُ بِالْيَمَنِ -». قُلْتُ: اختلف فيه على أبي معاوية في شيخ الأعمش فسماه النفيلي أبا وائل، وسماه غيره إبراهيم النخعي وممن سماه بذلك: أحمد بن حرب روى حديثه النسائي (٢٤٥٢)، وأبو موسى محمد بن المثنى عند الْدَارَقُطْنِي (١٩٣٧)، وعثمان بن محمد بن أبي شيبة عند الطبراني في [الْكَبِيْر] (١٦٦٨٥). ورواه أبو بكر بن أبي شيبة في [الْمُصَّنَّفِ] (١٠٠١٤) عن أبي معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن مسروق مرسلاً.

стр. 3444

وقد رواه يعلى بن عبيد عن الأعمش عن إبراهيم وأبي وائل شقيق بن سلمة معاً أخرج حديثه الدارمي (١٦٢٣)، والبيهقي في [الْكُبْرَى] (٧٠٧٨)، واختلف فيه على الأعمش: فرواه أحمد (٢٢٠٦٦)، والترمذي (٦٢٣) مِنْ طَرِيْقِ سفيان عن الأعمش به، وزاد مسروقاً بين أبي وائل ومعاذ. وتابع سفياناً الثوري في ذلك مفضل بن مهلهل عند النسائي (٢٤٥٠)، ويحيى بن عيسى الرملي عند وابن ماجه (١٨٠٣)، ومعمر عند عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (٦٨٤١)، ويعلى بن عبيد عند الدارمي (١٦٢٣)، والبيهقي في [الْكُبْرَى] (١٨٤٤٧). وهناك اختلاف آخر عن الأعمش. فقد رواه شعبة عن الأعمش لكن جعله عن مسروق مرسلاً، عند الشاشي في [مُسْنَدِه] (١٣٣٦) لكن ظاهر حديثه عن مسروق مرسلاً، وتابعه مروان بن معاوية الفزاري عند الشاشي في [مُسْنَدِه] (١٣٣٨) وابن عبيد في [الْأَمْوَالِ] (٩٩٣)، وأبو عوانة الوضاح اليشكري عند الشاشي في [مُسْنَدِه] (١٣٤٠). ورواه ابن أبي شيبة في [الْمُصَنَّفِ] (١٠٠١٦) حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، وَأَبِي وَائِلٍ، قَالَ: بَعَثَ النَّبِيُّ ﷺ مُعَاذًا إِلَى الْيَمَنِ «وَأَمَرَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنَ الْبَقَرِ مِنْ كُلِّ ثَلَاثِينَ تَبِيعًا أَوْ تَبِيعَةً، وَمِنْ أَرْبَعِينَ مُسِنَّةً، وَمِنْ كُلِّ حَالِمٍ دِينَارًا أَوْ عِدْلَهُ مِنَ الْمَعَافِرِيِّ».

стр. 3445

قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ. والمحفوظ فيه رواية الجماعة عن الأعمش، عن أبي وائل، عن مسروق، عن معاذ. والله أعلم. قَالَ الْحَافِظُ الْدَارَقُطْنِي ﵀ في [الْعِلَلِ] (٦/ ٦٩): «والمحفوظ عن أبي وائل، عن مسروق، عن معاذ، وعن إبراهيم مرسلاً» اهـ. قُلْتُ: وللحديث طرق أخرى. ٥ - واحتج به من ذهب إلى أنَّ الإبل المعلوفة فيها الزكاة وذلك أنَّ الْنَّبِيَّ ﷺ جعل الزكاة في خمس من الإبل مطلقاً من غير اشتراط السوم فيها. وهذا مذهب الْإِمَام مالك، وخالفه في ذلك جمهور العلماء فذهبوا إلى اشتراط السوم في زكاة الماشية. قَالَ ابْنُ حَزْمٍ ﵀ فِي [الْمُحَلَى] (٤/ ١٤٤): «قَالَ مَالِكٌ، وَاللَّيْثُ، وَبَعْضُ أَصْحَابِنَا: تُزَكَّى السَّوَائِمُ، وَالْمَعْلُوفَةُ، وَالْمُتَّخَذَةُ لِلرُّكُوبِ، وَلِلْحَرْثِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، مِنْ الْإِبِلِ، وَالْبَقَرِ، وَالْغَنَمِ؟ وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: أَمَّا الْإِبِلُ فَنَعَمْ، وَأَمَّا الْغَنَمُ وَالْبَقَرُ فَلَا زَكَاةَ إلَّا فِي سَائِمَتِهَا. وَهُوَ قَوْلُ أَبِي الْحَسَنِ بْنِ الْمُغَلِّسِ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: أَمَّا الْإِبِلُ، وَالْغَنَمُ فَتُزَكَّى سَائِمَتُهَا وَغَيْرُ سَائِمَتِهَا، وَأَمَّا الْبَقَرُ فَلَا تُزَكَّى إلَّا سَائِمَتُهَا. وَهُوَ قَوْلُ أَبِي بَكْرِ بْنِ دَاوُد ﵀؟ وَلَمْ يَخْتَلِفْ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِنَا فِي أَنَّ سَائِمَةَ الْإِبِلِ وَغَيْرَ السَّائِمَةِ مِنْهَا تُزَكَّى سَوَاءٌ سَوَاءٌ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ: لَا زَكَاةَ إلَّا فِي السَّائِمَةِ مِنْ كُلِّ ذَلِكَ» اهـ.

стр. 3446

قُلْتُ: واحتج الجمهور بما جاء في حديث الصديق الماضي: «وَفِي صَدَقَةِ الغَنَمِ فِي سَائِمَتِهَا إِذَا كَانَتْ أَرْبَعِينَ إِلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ شَاةٌ». ويدل على ذلك ما رواه أحمد (٢٠٠٣٠، ٢٠٠٥٠، ٢٠٠٥٣)، وأبو داود (١٥٧٥)، والنسائي (٢٤٤٤، ٢٤٤٩) مِنْ طَرِيْقِ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «فِي كُلِّ سَائِمَةِ إِبِلٍ فِي أَرْبَعِينَ بِنْتُ لَبُونٍ، وَلَا يُفَرَّقُ إِبِلٌ عَنْ حِسَابِهَا مَنْ أَعْطَاهَا مُؤْتَجِرًا - قَالَ ابْنُ الْعَلَاءِ مُؤْتَجِرًا بِهَا - فَلَهُ أَجْرُهَا، وَمَنْ مَنَعَهَا فَإِنَّا آخِذُوهَا وَشَطْرَ مَالِهِ، عَزْمَةً مِنْ عَزَمَاتِ رَبِّنَا ، لَيْسَ لِآلِ مُحَمَّدٍ مِنْهَا شَيْءٌ». قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ حَسَنٌ. قُلْتُ: حديث الباب مطلق وهذان حديثان مقيدان فيحمل المطلق على المقيد هذا هو القول الصحيح فيما يظهر لي والله أعلم. ولا يشترط السوم في جميع الحول على الصحيح بل يكفي أن يوجد في أكثر الحول وهذا مذهب أبي حنيفة وأحمد، والأول مذهب الشافعي. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةُ ﵀ في [الْمُغْنِي] (٥/ ٩٢ - ٩٣): «وَقَالَ الشافعي: إن لم تكن سائمة في جميع الحول فلا زكاة فيها؛ لأنَّ السوم شرط في الزكاة، فاعتبر في جميع الحول، كالملك وكمال النصاب، ولأنَّ العلف يسقط والسوم يوجب، فإذا اجتمعا غلب الإسقاط، كما لو ملك نصاباً بعضه سائمة وبعضه معلوفة.

стр. 3447

ولنا عموم النصوص الدالة على وجوب الزكاة في نصب الماشية، واسم السوم لا يزول بالعلف اليسير، فلا يمنع دخولها في الخبر، ولأنَّه لا يمنع حقه للمؤنة، فأشبهت السائمة في جميع الحول، ولأنَّ العلف اليسير لا يمكن التحرز منه فاعتباره في جميع الحول يسقط الزكاة بالكلية، سيما عند من يسوغ له الفرار من الزكاة، فإنَّه إذا أراد إسقاط الزكاة علفها يوماً فأسقطها، ولأنَّ هذا وصف معتبر في رفع الكلفة فاعتبر فيه الأكثر، كالسقي بما لا كلفة في الزرع والثمار» اهـ. ٦ - ويدل الحديث على أنَّ في الزروع والثمار صدقة. ٧ - وفيه أنَّ نصاب صدقة الزروع والثمار خمسة أوسق والوسق ستون صاعاً فمجموع ذلك ثلاثمائة صاع. وهو مذهب الجمهور وخالف في ذلك أبو حنيفة فذهب إلى وجوب الزكاة في القليل والكثير. قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٣/ ٤٠٧): «الأوسق جمع وَسْقٍ، فيه لغتان: فتح الواو وهو المشهور، وكسرها. وأصله في اللغة الحمل، والمراد بالوسق ستون صاعاً كل صاع خمسة أرطال وثلث بالبغدادي. وفي رطل بغداد أقوال أظهرها: أنَّه مائة درهم وثمانية وعشرون درهماً وأربعة أسباع درهم، وقيل: مائة وثمانية وعشرون بلا أسباع، وقيل: مائة وثلاثون، فالأوسق الخمسة ألف وستمائة رطل بالبغدادي. وهل هذا التقدير بالأرطال تقريب أم تحديد؟ فيه وجهان لأصحابنا: أصحهما: تقريب، فإذا نقص عن ذلك يسير أوجبت الزكاة، والثاني: تحديد، فمتى نقص شيئاً وإن قل لم تجب الزكاة» اهـ. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ في [الْمُغْنِي] (٥/ ٣٠١):

стр. 3448

«والرطل العراقي: مائة وثمانية وعشرون درهماً وأربعة أسباع درهم، ووزنه بالمثاقيل سبعون مثقالاً، ثم زيد في الرطل مثقال آخر، وهو درهم وثلاثة أسباع فصار إحدى وتسعين مثقالاً، وكملت زنته بالدراهم مائة وثلاثين درهماً، والاعتبار بالأول قبل الزيادة» اهـ. وقوله: «ووزنه بالمثاقيل سبعون مثقالاً». هذا خطأ وقع في كثير من نسخ الْمُغْنِي والصواب تسعون كما يدل عليه ما بعده وكما هو موجود أيضاً في "الشَّرْحُ الْكَبِيْر". وأمَّا تقدير الصاع بالجرامات على أكثر ما ذكره النووي ﵀ فهو ٦٦، ٢٠٦٢ جراماً.

стр. 3449

وذلك باعتبار أنَّ الصاع خمسة أرطال وثلث، وأنَّ الرطل مائة وثلاثون درهماً، والدرهم قد سبق تحريره بأنَّه ثلاثة جرامات إلَّا خمسة وعشرون من ألف من أجزاء الدرهم. فنضرب خمسة أرطال وثلث في مائة وثلاثين درهماً فيكون الناتج ثلاثمائة وثلاث وتسعون درهماً وثلاث وثلاثين في المائة من أجزاء الدرهم ثم نضرب هذه الدراهم في وزن الدرهم الواحد باعتبار الجرامات وهي ثلاثة جرامات إلَّا ربع جرام فيكون الناتج ما سبق ٦٦، ٢٠٦٢ جراماً. وأمَّا إذا اعتبرنا أنَّ الرطل عبارة عن مائة وثمانية وعشرين درهماً فإنَّ الصاع حينئذ ٢٠٣٠، ٩٣ جراماً. وإذا اعتبرنا أنَّ الرطل عبارة عن مائة وثمانية وعشرين درهماً وأربعة أسباع الدرهم كما رجح هذا العلامة ابن قدامة والنووي رحمهما الله فإنَّ الصاع حينئذ ٢٠٣٩، ٨٥٥ جراماً. قُلْتُ: وهذا قريب مما حرره الْعَلَّامَةُ ابْنُ عُثَيْمِيْن ﵀ حيث قال في [الشَّرْحُ الْمُمْتِعِ] (٦/ ٧٢): «والصاع النبوي بالوزن يساوي كيلوين وأربعين جراماً من البر، فتأتي بإناء وتضع فيه الذي وزنت، فإذا ملأه فهذا هو الصاع النبوي، وعندنا صاع من النحاس وجدناه في خرابات في عنيزة مكتوب عليه من الخارج نقشاً: هذا ملك فلان، عن فلان، عن فلان، إلى أن وصل إلى زيد بن ثابت ﵁ وقد اعتبرته بالوزن، فأتيت ببر رزين، وملأت هذا الإناء ووزنته، فإذا هو مقارب لما ذكره الفقهاء ﵏» اهـ. قُلْتُ: وأمَّا إذا حسبنا ذلك بالمثاقيل فإنَّ الرطل تسعون مثقالاً كما ذكره العلامة ابن قدامة ﵀ فنرد الأرطال إلى المثاقيل وهي ٤٨٠ مثقالاً ثم نضرب المثاقيل في وزن الدينار وهو ٤. ٢٥ جراماً فيكون الناتج ٢٠٤٠ جراماً. وهذا عين ما ذكره الْعَلَّامَةُ ابْنُ عُثَيْمِيْن ﵀. وإذا أردنا معرفة نصاب زكاة البر بالجرامات نقوم بضرب ٢٠٣٩، ٨٥٥ جراماً في ثلاثمائة صاع فيكون الناتج ٦١١٩٥٦، ٥ جراماً، وحسابها بالكيلوات ٦١١، ٩٥٦٥ كيلو جرام.

стр. 3450

وإذا حررنا ذلك بما ذكرناه من وزن الرطل بالمثاقيل فسوف نضرب ٢٠٤٠ في ٣٠٠ فيكون الناتج ٦١٢٠٠٠ جراماً أي أنَّه ٦١٢ كيلوا جرام، والفارق بين التقديرين شيء يسير. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ في [الْمُغْنِي] (٥/ ٣٠٢): «فصل: والنصاب معتبر بالكيل، فإنَّ الأوساق مكيلة، وإنَّما نقلت إلى الوزن لتضبط وتحفظ وتنقل، ولذلك تعلق وجوب الزكاة بالمكيلات دون الموزونات، والمكيلات تختلف في الوزن، فمنها الثقيل، كالحنطة والعدس. ومنها الخفيف، كالشعير والذرة، ومنها المتوسط. وقد نص أحمد على أن الصاع خمسة أرطال وثلث من الحنطة وروى جماعة عنه، أنَّه قال: الصاع وزنته فوجدته خمسة أرطال وثلثي رطل حنطة. وَقَالَ حنبل قال أحمد: أخذت الصاع من أبي النضر، وَقَالَ أبو النضر: أخذته من ابن أبي ذئب. وقال: هذا صاع النبي ﷺ الذي يعرف بالمدينة. قال أبو عبد الله، فأخذنا العدس، فعيرنا به، وهو أصلح ما يكال به، لأنه لا يتجافى عن مواضعه، فكلنا به ووزناه، فإذا هو خمسة أرطال وثلث. وهذا أصح ما وقفنا عليه، وما بين لنا من صاع النبي ﷺ . وَقَالَ بعض أهل العلم: أجمع أهل الحرمين على أنَّ مد النبي ﷺ رطل وثلث قمحاً من أوسط القمح، فمتى بلغ القمح ألفاً وستمائة رطل، ففيه الزكاة.

стр. 3451

وهذا يدل على أنَّهم قدروا الصاع بالثقيل، فأمَّا الخفيف فتجب الزكاة فيه، إذا قارب هذا وإن لم يبلغه. ومتى شك في وجوب الزكاة فيه، ولم يوجد مكيال يقدر به، فالاحتياط الإخراج، وإن لم يخرج فلا حرج؛ لأنَّ الأصل عدم وجوب الزكاة، فلا تجب بالشك» اهـ. ٨ - ذكر الوسق يدل على أنَّ الزكاة تكون فيما يكال فإنَّ الوسق من معايير الكيل. وقد اختلف العلماء في الذي تجري فيه الزكاة من الثمار والحبوب على أقوال ذَكَرَهَا الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةُ ﵀ في [الْمُغْنِي] (٥/ ٢٨٣ - ٢٨٥) فقال: «هذه المسألة تشتمل على أحكام؛ منها، أنَّ الزكاة تجب فيما جمع هذه الأوصاف: الكيل، والبقاء، وَالْيُبْسُ، من الحبوب والثمار، مما ينبته الآدميون، إذا نبت في أرضه، سواء كان قوتاً، كالحنطة، والشعير، والسلت، والأرز، والذرة، والدخن، أومن القطنيات، كالباقلا، والعدس، والماش والحمص، أومن الأبازير، كالكسفرة، والكمون، والكراويا، أو البزور، كبزر الكتان، والقثاء، والخيار، أو حب البقول، كالرشاد، وحب الفجل، والقرطم، والترمس، والسمسم، وسائر الحبوب، وتجب أيضاً فيما جمع هذه الأوصاف من الثمار، كالتمر، والزبيب، والمشمش، واللوز، والفستق، والبندق. ولا زكاة في سائر الفواكه، كالخوخ، والإجاص، والكمثرى، والتفاح، والمشمش، والتين، والجوز. ولا في الخضر، كالقثاء، والخيار، والباذنجان، واللفت، والجزر.

стр. 3452

وبهذا قال عطاء في الحبوب كلها، ونحوه قول أبي يوسف ومحمد، فإنَّهما قالا: لا شيء فيما تخرجه الأرض، إلَّا ما كانت له ثمرة باقية، يبلغ مكيلها خمسة أوسق. وَقَالَ أبو عبد الله بن حامد: لا شيء في الأبازير، ولا البزور، ولا حب البقول. ولعله لا يوجب الزكاة إلَّا فيما كان قوتاً أو أدماً؛ لأنَّ ما عداه لا نص فيه، ولا هو في معنى المنصوص عليه فيبقى على النفي الأصلي. وَقَالَ مالك، والشافعي: لا زكاة في ثمر، إلَّا التمر والزبيب، ولا في حب، إلَّا ما كان قوتاً في حالة الاختيار لذلك، إلَّا في الزيتون، على اختلاف. وحكي عن أحمد: إلَّا في الحنطة، والشعير، والتمر، والزبيب. وهذا قول ابن عمر، وموسى بن طلحة، والحسن، وابن سيرين، والشعبي، والحسن بن صالح وابن أبي ليلى، وابن المبارك، وأبي عبيد. والسلت: نوع من الشعير. ووافقهم إبراهيم، وزاد الذرة. ووافقهم ابن عباس، وزاد الزيتون؛ لأنَّ ما عدا هذا لا نص فيه ولا إجماع، ولا هو في معنى المنصوص عليه، ولا المجمع عليه، فيبقى على الأصل. وقد روى عمرو بن شعيب، عن أبيه، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَو، أنه قال: "إنما سن رسول الله ﷺ الزكاة في الحنطة والشعير، والتمر والزبيب". وفي رواية، عن أبيه، عن جده، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنه قال: "والعشر في التمر والزبيب، والحنطة والشعير".

стр. 3453

وعن موسى بن طلحة، عن عمر، أنه قال: "إنما سن رسول الله ﷺ الزكاة في هذه الأربعة: الحنطة، والشعير، والتمر، والزبيب". وعن أبي بردة، عن أبي موسى ومعاذ، "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بعثهما إلى اليمن يعلمان الناس أمر دينهم، فأمرهم أن لا يأخذوا الصدقة إلَّا من هذه الأربعة: الحنطة، والشعير، والتمر، والزبيب". رواهن كلهن الْدَارَقُطْنِي. ولأنَّ غير هذه الأربعة لا نص فيها ولا إجماع، ولا هو في معناها في غلبة الاقتيات بها، وكثرة نفعها، ووجودها، فلم يصح قياسه عليها، ولا إلحاقه بها، فيبقى على الأصل. وَقَالَ أبو حنيفة: تجب الزكاة في كل ما يقصد بزراعته نماء الأرض، إلَّا الحطب، والقصب، والحشيش؛ لقوله ﵇: "فيما سقت السماء العشر". وهذا عام، ولأنَّ هذا يقصد بزراعته نماء الأرض، فأشبه الحب. ووجه قول الخرقي، أنَّ عموم قوله ﵇: "فيما سقت السماء العشر". وقوله ﵇ لمعاذ: "خذ الحب من الحب". يقتضي وجوب الزكاة في جميع ما تناوله، خرج منه ما لا يكال، وما ليس بحب، بمفهوم قوله ﵇: "ليس في حب ولا تمر صدقة، حتى يبلغ خمسة أوسق". رواه مسلم والنسائي. فدل هذا الحديث على انتفاء الزكاة مما لا، توسيق فيه، وهو مكيال، ففيما هو مكيل يبقى على العموم، والدليل على انتفاء الزكاة مما سوى ذلك ما ذكرنا من اعتبار التوسيق» اهـ.

стр. 3454

قُلْتُ: روى أحمد (٢٢٠٤١) حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ يَعْنِي ابْنَ مَوْهَبٍ، عَنْ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ، قَالَ: عِنْدَنَا كِتَابُ مُعَاذٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : «أَنَّهُ إِنَّمَا أَخَذَ الصَّدَقَةَ مِنَ الْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ وَالزَّبِيبِ وَالتَّمْرِ». قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ ورواية موسى بن طلحة وجادة صحيحة. وروى الْدَارَقُطْنِي في [سُنَنِه] (١٩٢١)، والحاكم في [الْمُسْتَدْرَكِ] (١٤٥٩)، ومن طريقه البيهقي في [الْمَعْرِفَة] (٢٤٧٢) مِنْ طَرِيْقِ أَبِي حُذَيْفَةَ، ثنا سُفْيَانُ، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ يَحْيَى، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى، وَمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، حِينَ بَعَثَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى الْيَمَنِ يُعَلِّمَانِ النَّاسَ أَمْرَ دِينِهِمْ: «لَا تَأْخُذُوا الصَّدَقَةَ إِلَّا مِنْ هَذِهِ الْأَرْبَعَةِ، الشَّعِيرِ، وَالْحِنْطَةِ وَالزَّبِيبِ وَالتَّمْرِ». قُلْتُ: أبو حذيفة هو موسى بن مسعود النهدي في حديثه لين، وسفيان هو الثوري، وأبو بردة لم يسمع من معاذ. قُلْتُ: ويتقوى هذا بما قبله. وهذان الحديثان يدلان على أنَّ الزكاة لا تجب إلَّا في هذه الأصناف الأربعة، وقد جاء ما يدل على أوسع من ذلك فمن ذلك ما رواه أبو داود (١٥٩٩)، وابن ماجه (١٨١٤) مِنْ طَرِيْقِ ابْنِ وَهْبٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ يَعْنِي ابْنَ بِلَالٍ، عَنْ شَرِيكِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي نَمِرٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَهُ إِلَى الْيَمَنِ، فَقَالَ: «خُذِ الْحَبَّ مِنَ الْحَبِّ، وَالشَّاةَ مِنَ الْغَنَمِ، وَالْبَعِيرَ مِنَ الْإِبِلِ، وَالْبَقَرَةَ مِنَ الْبَقَرِ».

стр. 3455

قُلْتُ: إِسْنَادُهُ مُنْقَطِعٌ بين عطاء ومعاذ. قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْهَادِي ﵀ في [تَنْقِيْحِ الْتَحْقِيْقِ] (٣/ ٣٦): «وعطاء لم يسمع معاذاً، ولم يلقه» اهـ. وَقَالَ الْحَافِظُ الْذَهَبِيُّ ﵀ في [تَنْقِيْحِ الْتَحْقِيْقِ] (١/ ٣٣٣): «قُلْتُ: مرسل» اهـ. وَقَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [الْتَلْخِيْصِ] (٢/ ٣٧٥): «وصححه الحاكم على شرطهما إن صح سماع عطاء بن معاذ. قُلْتُ: لم يصح لأنَّه ولد بعد موته أو في سنة موته أو بعد موته بسنة. وَقَالَ البزار لا نعلم أنَّ عطاء سمع من معاذ» اهـ. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْتُرْكُمَانِي ﵀ في [الْجَوْهَرِ النَّقِيِّ] (٤/ ١١٢): «قُلْتُ: هو مرسل لان عطاء ولد سنة تسع عشرة فلم يدرك معاذاً لأنه توفى سنة ثمان عشرة في طاعون عمواس» اهـ. ومن ذلك قول الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ [البقرة: ٢٦٧]. قُلْتُ: وهذه الآية مفسرة بما وجبت فيه الزكاة مما أخرج من الأرض فهي من قبيل العام الذي أريد به الخاص. ومن ذلك قول الله : ﴿وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (١٤١)﴾ [الأنعام: ١٤١].

стр. 3456

قَالَ الْعَلَّامَةُ الشَّوْكَانِي ﵀ فِي [فَتْحِ الْقَدِيْرِ] (٢/ ٤٨٥): «وقد اختلف أهل العلم هل هذه محكمة أو منسوخة أو محمولة على الندب؟ فذهب ابن عمر، وعطاء، ومجاهد وسعيد بن جبير، إلى أنَّ الآية محكمة، وأنَّه يجب على المالك يوم الحصاد أن يعطي من حضر من المساكين القبضة والضغث ونحوهما. وذهب ابن عباس، ومحمد بن الحنفية، والحسن، والنخعي، وطاووس، وأبو الشعثاء، وقتادة، والضحاك وابن جريج، أنَّ هذه الآية منسوخة بالزكاة. واختاره ابن جرير، ويؤيده أنَّ هذه الآية مكية، وآية الزكاة مدنية في السنة الثانية بعد الهجرة، وإلى هذا ذهب جمهور أهل العلم من السلف والخلف. وقالت طائفة من العلماء: إنَّ الآية محمولة على الندب لا على الوجوب» اهـ. وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ كَثِيْرٍ ﵀ فِي [تَفْسِيْرِهِ] (٣/ ٣٤٩): «وَقَالَ آخرون: هذا كله شيء كان واجبًا، ثم نسخه الله بالعشر ونصف العشر. حكاه ابن جرير عن ابن عباس، ومحمد بن الحنفية، وإبراهيم النخعي، والحسن، والسدي، وعطية العَوْفي. واختاره ابن جرير، ﵀. قُلْتُ: وفي تسمية هذا نسخًا نظر؛ لأنَّه قد كان شيئًا واجبًا في الأصل، ثم إنَّه فصل بيانه وبَيَّن مقدار المخرج وكميته. قالوا: وكان هذا في السنة الثانية من الهجرة، فالله أعلم» اهـ. قُلْتُ: وقد حَمَلَ ذَلِكَ الْعَلَّامَةُ السَّعْدِي ﵀ على الزرع خاصة فقال في [تَفْسِيْرِهِ] (١/ ٢٧٦):

стр. 3457

«أي: أعطوا حق الزرع، وهو الزكاة ذات الأنصباء المقدرة في الشرع، أمرهم أن يعطوها يوم حصادها، وذلك لأنَّ حصاد الزرع بمنزلة حولان الحول، لأنَّه الوقت الذي تتشوف إليه نفوس الفقراء، ويسهل حينئذ إخراجه على أهل الزرع، ويكون الْأَمر فيها ظاهراً لمن أخرجها، حتى يتميز المخرج ممن لا يخرج» اهـ. وقد رد ذلك الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْعَرَبِي ﵀ في [أَحْكَامِ الْقُرْآنِ] (٣/ ٤٦٨) فقال: «فإن قيل: فقد قال تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾. والذي يحصد الزرع. قلنا: جهلتم؛ بل هو عام في كل نبت في الأرض. وأصل الحصاد إذهاب الشيء عن موضعه الذي هو فيه؛ قال تعالى: ﴿مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ﴾. وقال: ﴿حَتَّى جَعَلْنَاهُمْ حَصِيدًا خَامِدِينَ﴾. وقال: ﴿فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمسِ﴾. وفي الحديث: "وهل يكب الناس في النار على مناخرهم إلَّا حصائد ألسنتهم"» اهـ. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الشِّنْقِيطِيُّ ﵀ في [أَضْوَاءِ الْبَيَانِ] (١/ ٥٠٧): «من قال: لا زكاة في الرمان، وهم جمهور العلماء، ومن قال: لا زكاة في الزيتون، يلزم على قول كل منهم أن تكون الآية التي نحن بصددها التي هي قوله تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾، منسوخة أو مراداً بها غير الزكاة; لأنَّها على تقدير أنَّها محكمة، وأنَّها في الزكاة المفروضة، لا يمكن معها القول بعدم زكاة

стр. 3458

الزيتون والرمان; لأنَّها على ذلك صريحة فيها; لأنَّ المذكورات في قوله تعالى: ﴿وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ﴾، يرجع إلى كلها الضمير في قوله: ﴿كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ﴾، وقوله: وآتوا حقه يوم حصاده، كما هو واضح لا لبس فيه. فيدخل فيه الزيتون والرمان دخولاً أولياً لا شك فيه، فقول أكثر أهل العلم بعدم الزكاة في الرمان يقوي القول بنسخ الآية، أو أنَّها في غير الزكاة المفروضة، والله تعالى أعلم» اهـ. قُلْتُ: لم يثبت عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ولا عن أحد من الخلفاء الراشدين فيما أعلم أنَّهم أخذوا الزكاة من الفواكه غير التمر والعنب ولا أخذوا الزكاة من الخضروات فالذي يظهر لي أنَّ مذهب الجمهور أصوب والله أعلم. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ في [زَادِ الْمَعَادِ] (٢/ ١١): «ولم يكن من هديه أخذ الزكاة من الخيل، والرقيق، ولا البغال، ولا الحمير، ولا الخضروات ولا المباطخ والمقاثي والفواكه التي لا تكال ولا تدخر إلَّا العنب والرطب فإنَّه كان يأخذ الزكاة منه جملة ولم يفرق بين ما يبس منه وما لم ييبس» اهـ. قُلْتُ: ومن الأدلة العامة في ذلك ما رواه البخاري (١٤٨٣) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ وَالعُيُونُ أَوْ كَانَ عَثَرِيًّا العُشْرُ، وَمَا سُقِيَ بِالنَّضْحِ نِصْفُ العُشْرِ». قُلْتُ: وهذا أيضاً عمومه غير مراد وهو محمول على ما وجبت فيه الزكاة، فهو من قبيل العام الذي أريد به الخاص. والله أعلم.

стр. 3459

وأمَّا حديث الباب فقد جاء تقييده بالتمر كما في البخاري (١٤٥٩)، ومسلم (٩٨٠) ولفظه: «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ مِنَ التَّمْرِ صَدَقَةٌ». ورواه مسلم (٩٧٩) عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لَيْسَ فِي حَبٍّ وَلَا تَمْرٍ صَدَقَةٌ، حَتَّى يَبْلُغَ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ، وَلَا فِيمَا دُونَ خَمْسِ ذَوْدٍ صَدَقَةٌ، وَلَا فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوَاقٍ صَدَقَةٌ». قُلْتُ: القول بتخصيص الزكاة بالأربعة الأصناف هو القول القوي ولا يستقيم قياس غيرها عليها لأنَّ الْنَّبِيَّ ﷺ قصر الزكاة فيها دون غيرها مع وجود غيرها فدل ذلك على اقتصار الحكم فيها دون غيرها فلا يستقيم القياس حينئذٍ. والأصل عدم إيجاب الزكاة إلَّا بشيء بيَّن وهذا الذي ذكرناه هو أبين ما في الباب فإنَّه مؤيد بالسنة والإجماع. والله أعلم. قُلْتُ: والواجب في زكاة الزرع والثمار العشر فيما سقي بغير كلفه، وما كان بكلفه ففيه نصف العشر لما رواه البخاري (١٤٨٣) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ وَالعُيُونُ أَوْ كَانَ عَثَرِيًّا العُشْرُ، وَمَا سُقِيَ بِالنَّضْحِ نِصْفُ العُشْرِ». قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٣/ ٣٤٩): «قوله: "عثرياً" بفتح المهملة والمثلثة وكسر الراء وتشديد التحتانية وحكى عن ابن الأعرابي تشديد المثلثة ورده ثعلب وحكى ابن عديس في المثلث فيه ضم أوله

стр. 3460

وإسكان ثانيه قال الْخَطَّابِي هو الذي يشرب بعروقه من غير سقي زاد بن قدامة عن القاضي أبي يعلى وهو المستنقع في بركة ونحوها يصب إليه من ماء المطر في سواق تشق له قال واشتقاقه من العاثور وهي الساقية التي يجري فيها الماء لأنَّ الماشي يعثر فيها قال ومنه الذي يشرب من الأنهار بغير مؤنة أو يشرب بعروقه كأن يغرس في أرض يكون الماء قريباً من وجهها فيصل إليه عروق الشجر فيستغني عن السقي» اهـ. وروى مسلم (٩٨١) عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، يَذْكُرُ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ ، قَالَ: «فِيمَا سَقَتِ الْأَنْهَارُ، وَالْغَيْمُ الْعُشُورُ، وَفِيمَا سُقِيَ بِالسَّانِيَةِ نِصْفُ الْعُشْرِ». قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ في [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٣/ ٤١٢): «وأمَّا السانية: فهو البعير الذي يسقى به الماء من البئر، ويقال له: الناضح، يقال منه: سنا يسنو إذا أسقي به» اهـ. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ في [الْمُغْنِي] (٥/ ٢٩٧): «فصل: الحكم الثالث، أنَّ العشر يجب فيما سقي بغير مؤنة، كالذي يشرب من السماء والأنهار، وما يشرب بعروقه، وهو الذي يغرس في أرض ماؤها قريب من وجهها، فتصل إليه عروق الشجر، فيستغني عن سقي، وكذلك ما كانت عروقه تصل إلى نهر أو ساقية. ونصف العشر فيما سقي بالمؤن، كالدوالي والنواضح؛ لا نعلم في هذا خلافاً» اهـ.

стр. 3461

وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ في [الْمُغْنِي] (٥/ ٢٩٩): «فصل: فإن سقي نصف السنة بكلفة، ونصفها بغير كلفة، ففيه ثلاثة أرباع العشر. وهذا قول مالك، والشافعي، وأصحاب الرأي، ولا نعلم فيه مخالفاً؛ لأنَّ كل واحد منهما لو وجد في جميع السنة لأوجب مقتضاه، فإذا وجد في نصفها أوجب نصفه، وإن سقي بأحدهما أكثر من الآخر اعتبر أكثرهما، فوجب مقتضاه، وسقط حكم الآخر. نص عليه وهو قول عطاء، والثوري، وأبي حنيفة، وأحد قولي الشافعي. وَقَالَ ابن حامد: يؤخذ بالقسط. وهو القول الثاني للشافعي؛ لأنَّهما لو كانا نصفين أخذ بالحصة، فكذلك إذا كان أحدهما أكثر، كما لو كانت الثمرة نوعين. ووجه الأول أنَّ اعتبار مقدار السقي وعدد مراته وقدر ما يشرب في كل سقية يشق ويتعذر، فكان الحكم للأغلب منهما كالسوم في الماشية. وإن جهل المقدار، غلبنا إيجاب العشر احتياطاً. نص عليه أحمد في رواية عبد الله؛ لأنَّ الأصل وجوب العشر، وإنَّما يسقط بوجود الكلفة، فما لم يتحقق المسقط يبقى على الأصل، ولأن الأصل عدم الكلفة في الأكثر، فلا يثبت وجودها مع الشك فيه، وإن اختلف الساعي ورب المال، في أيهما سقي به أكثر، فالقول، قول رب المال بغير يمين، فإنَّ الناس لا يستحلفون على صدقاتهم» اهـ. قُلْتُ: والذي يظهر لي صحة ما ذكره الجمهور. والله أعلم. وطريقة معرفة مقدار ما يجب من الزكاة في أن تستخرج العشر أولاً ثم تقوم بقسمة العشر على اثنين، ثم تقسم العشر أيضاً على أربعة.

стр. 3462

ومثال ذلك إذا كان لشخص عشرة آلاف صاع من الشعير فعشرها ألف صاع حاصل قسمة عشرة آلاف على عشرة، ثم اقسم العشر الذي هو ألف صاع على اثنين فيكون الناتج خمسمائة، ثم اقسم العشر أيضاً على أربعة فيكون الناتج مائتان وخمسون، ومجموع ذلك سبعمائة وخمسون وهو ثلاثة أرباع العشر. أو خذ نصف العشر بتمامه لأنَّه هو المستحق بالسقي بغير كلفة نصف العام، ثم خذ النصف من نصف العشر المتبقي لأنَّ المستحق منه النصف باعتبار السقي بكلفة وهذا أخصر. * * *

стр. 3463

١٦٨ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَيْسَ عَلَى الْمُسْلِمِ فِي عَبْدِهِ وَلَا فَرَسِهِ صَدَقَةٌ». وَفِي لَفْظٍ: «إِلَّا زَكَاةُ الْفِطْرِ فِي الرَّقِيقِ». قوله: «وَفِي لَفْظٍ» هذا لفظ أبي داود (١٥٩٤) بإسناد ضعيف، ولفظ مسلم (٩٨٢): «لَيْسَ فِي الْعَبْدِ صَدَقَةٌ إِلَّا صَدَقَةُ الْفِطْرِ». واللفظ الأولى لمسلم ولفظ البخاري (١٤٦٣): «لَيْسَ عَلَى المُسْلِمِ فِي فَرَسِهِ وَغُلَامِهِ صَدَقَةٌ». وفي لفظ: (١٤٦٤): «لَيْسَ عَلَى المُسْلِمِ صَدَقَةٌ فِي عَبْدِهِ وَلَا فِي فَرَسِهِ». وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلَ مِنْهَا: ١ - أنَّه لا زكاة في العبيد والخيل غير صدقة الفطر في العبيد. ٢ - أنَّ ما كان للقِنية لا للنماء فلا زكاة فيه. قَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِي ﵀ فِي [الْمُفْهِم] (٨/ ١٣١): «هذا الحديث أصل في أنَّ ما هو للقِنية لا زكاة فيه، وهو مذهب كافة العلماء وأئمة الفتوى، إلَّا حماد بن أبي سليمان، فإنَّه أوجب في الخيل الزكاة. وَقَالَ أبو حنيفة: إذا كانت إناثاً وذكوراً يبتغي نسلها، ففي كل فرس دينار، وإن شاء قوم وأخرج عن كل مائتي درهم خمسة دراهم، ولا حجة لهم مع هذا الحديث» اهـ. ٣ - ويدل أنَّ زكاة الفطر واجبة على السيد في عبده. قَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِي ﵀ فِي [الْمُفْهِم] (٨/ ١٣١):

стр. 3464

«وقوله: "وليس في العبد صدقة إلَّا صدقة الفطر"؛ دليل: على أنَّ على السيد في عبده زكاة الفطر، وهو قول الجمهور في العبيد، كانوا لخدمة أو غلة، أو تجارة، خلافاً لداود وأبي ثور في إيجابها على العبد نفسه، وخلافاً لأهل الكوفة في إسقاطها من عبيد التجارة فقط» اهـ. ٤ - احتج بهذا الحديث من قال: لا زكاة في عروض التجارة. وأجيب بأنَّ الحديث محمول على من اتخذ هذه الأشياء للقنية فأمَّا إذا اتخذت للتجارة ففيها الزكاة. قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِ ﵀ فِي [التَّمْهِيْدِ] (١٧/ ١٢٦): «وقد شذ داود فلم ير الزكاة في العروض وإن نوى بها صاحبها التجارة وحجته الحديث المذكور في هذا الباب قوله ﷺ : "ليس على المسلم في عبده ولا فرسه صدقة" قال: ولم يقل إلَّا أن ينوي بها التجارة». إلى أن قال ﵀: «وَقَالَ سائر العلماء: إنَّما معنى هذا الحديث فيما يقتنى من العروض ولا يراد به التجارة» اهـ. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ في [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٣/ ٤٠٦): «فالجمهور يوجبون زكاة العروض، وداود يمنعها تعلقاً بقوله ﷺ : "ليس على الرجل في عبده ولا فرسه صدقة" وحمله الجمهور على ما كان للقنية» اهـ. قُلْتُ: وقد احتج القائلون بوجوب الزكاة في عروض التجارة بأدلة منها:

стр. 3465

الدليل الأول: قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الأَرْضِ﴾. [البقرة: ٢٦٧]. قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوعِ الْفَتَاوَى] (٢٥/ ٥٤): «فالأول يتضمن زكاة التجارة والثاني يتضمن زكاة ما أخرج الله لنا من الأرض» اهـ. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ في [شِفَاءِ الْعَلِيْلِ] ص (٢٧٩): «الوجه الثاني من الكسب: كسب المال من التجارة قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الأَرْضِ﴾ فالأول للتجار والثاني للزراع» اهـ. الدليل الثاني: قول الله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٠٣)﴾ [التوبة: ١٠٣] قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِ ﵀ فِي [الْاسْتِذْكَارِ] (٣/ ١٧٠) - عند رده على داود الظاهري -: «ولم يخص مالاً من مال وظاهر هذا القول يوجب على أصوله أن تؤخذ الزكاة من كل مال إلَّا ما أجمعت الْأُمة أنَّه لا زكاة فيه من الْأموال ولا إجماع في إسقاط الزكاة عن عروض التجارة بل القول في إيجاب الزكاة فيها إجماع من الجمهور الذين لا يجوز الغلط عليهم ولا الخروج عن جماعتهم لأنَّه مستحيل أن يجوز الغلط في التأويل على جميعهم» اهـ.

стр. 3466

الدليل الثالث: ما رواه أبو داود (١٥٦٤) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ دَاوُدَ بْنِ سُفْيَانَ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَسَّانَ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ مُوسَى أَبُو دَاوُدَ، حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ سَعْدِ بْنِ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ، حَدَّثَنِي خُبَيْبُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ أَبِيهِ سُلَيْمَانَ، عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ، قَالَ: «أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَأْمُرُنَا أَنْ نُخْرِجَ الصَّدَقَةَ مِنَ الَّذِي نُعِدُّ لِلْبَيْعِ». قُلْتُ: إِسْنَادُهُ ضَعِيْفٌ محمد بن داود مجهول، وسليمان بن موسى قال فيه الحافظ ابن حجر: "فيه لين". وجعفر بن سعد قال فيه ابن عبد البر: "ليس بالقوي". وخبيب وأبوه لم يوثقهما معتبر. الدليل الرابع: ما رواه أحمد (٢١٥٩٧) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ أَبِي أَنَسٍ، بَلَغَهُ عَنْهُ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَوْسِ بْنِ الْحَدَثَانِ الْنَصْرِيِّ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «فِي الْإِبِلِ صَدَقَتُهَا، وَفِي الْغَنَمِ صَدَقَتُهَا، وَفِي الْبَقَرِ صَدَقَتُهَا، وَفِي الْبَزِّ صَدَقَتُهُ». قُلْتُ: إِسْنَادُهُ ضَعِيْفٌ ابن جريج لم يسمع هذا الحديث من عمران. قَالَ الْحَافِظُ التِّرْمِذِيُّ ﵀ فِي [الْعِلَلِ] (١/ ٢٠٧): «سألت محمداً عن هذا الحديث فقال: ابن جريج لم يسمع من عمران بن أبي أنس، يقول: حدثت عن عمران بن أبي أنس» اهـ. والعلة الأخرى الانقطاع بين عمران ومالك بن أوس.

стр. 3467

ورواه الْدَارَقُطْنِي (١٩٣٢، ١٩٣٣)، والبيهقي في [الْكُبْرَى] (٧٣٩٠، ٧٣٩١) مِنْ طَرِيْقِ موسى بن عبيدة قال عن عمران بن أبي أنس عن مالك بن أوس بن الحدثان به. قُلْتُ: وموسى بن عبيدة هذا شديد الضعف. وقد أسقطه الحاكم في [مُسْتَدْرَكَهِ] (١٤٣١)، والصواب إثباته. الدليل الخامس: ما رواه أبو عبيد في [الْأَمْوَالِ] (١١٧٨)، وابن زنجويه في [الْأَمْوَالِ] (١٦٨٦) مِنْ طَرِيْقِ أَحْمَدَ بْنِ خَالِدٍ الْوَهْبِيُّ، قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنِ ابْنِ عَبْدِ الْقَارِيِّ، قَالَ: كُنْتُ عَلَى بَيْتِ الْمَالِ فِي زَمَنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ: «فَكَانَ إِذَا خَرَجَ الْعَطَاءُ جَمَعَ أَمْوَالَ التُّجَّارِ حَسَبَهَا شَاهِدَهَا وَغَائِبَهَا، فَأَخَذَ الزَّكَاةَ مَنْ شَاهَدَ الْمَالَ عَنِ الْغَائِبِ وَالشَّاهِدِ». قُلْتُ: إِسْنَادُهُ ضَعِيْفٌ لعنعنة ابن إسحاق. وروى ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (١٠٥٥٧، ١٠٥٥٨)، والشافعي كما في [الْمُسْنَد] (٦٣٣)، من طريقه البيهقي في [الْكُبْرَى] (٧٣٩٢) و [الْمَعْرِفَة] (٢٥٠٨)، والبغوي في [شَرْحِ السُّنَّةِ] (١٥٨٤)، ورواه أبو عبيد في [الْأَمْوَالِ] (١١٧٩)، وابن زنجويه في [الْأَمْوَالِ] (١٦٨٧) مِنْ طَرِيْقِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ، أَنْ أَبَا عَمْرِو بْنَ حِمَاسٍ، أَخْبَرَهُ، أَنَّ أَبَاهُ حِمَاسًا كَانَ يَبِيعُ الْأَدَمَ وَالْجِعَابَ، وَأَنَّ عُمَرَ قَالَ لَهُ: «يَا حِمَاسُ أَدِّ زَكَاةَ مَالِكَ»، فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا لِي مَالٌ إِنَّمَا أَبِيعُ الْأَدَمَ وَالْجِعَابَ، فَقَالَ: «قَوِّمْهُ وَأَدِّ زَكَاتَهُ». ورواه عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (٧٠٩٩) لكنه قال عبد الملك بن أبي سلمة والصواب عبد الله كما سبق.

стр. 3468

قُلْتُ: أبو عمرو بن حماس عابد من العباد لا يعرف حاله. الدليل السادس: ما رواه ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (١٠٥٦٠)، والبيهقي في [الْكُبْرَى] (٧٣٩٤)، وابن زنجويه في [الْأَمْوَالِ] (١٦٨٨) مِنْ طَرِيْقِ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: «لَيْسَ فِي الْعُرُوضِ زَكَاةٌ إِلَّا فِي عَرْضٍ فِي تِجَارَةٍ فَإِنَّ فِيهِ زَكَاةٌ». قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ. وروى ابن زنجويه في [الْأَمْوَالِ] (١٦٩٠) ثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ، عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: «مَا كَانَ مِنْ مَالٍ فِي رَقِيقٍ أَوْ فِي دَوَابٍّ أَوْ فِي بَزٍّ لِلتِّجَارَةِ، فَإِنَّ فِيهِ الزَّكَاةَ فِي كُلِّ عَامٍ». قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ عَبْدِ الْبَّرِ ﵀ في [التَّمْهِيْدِ] (١٧/ ١٢٥): «وممن رأى الزكاة في الخيل والرقيق وسائر العروض كلها إذا أريد بها التجارة عمر وابن عمر ولا مخالف لهما من الصحابة وهو قول جمهور التابعين بالمدينة والبصرة والكوفة وعلى ذلك فقهاء الْأمصار بالحجاز والعراق والشام وهو قول جماعة أهل الحديث. وقد روي عن ابن عباس وعائشة أنَّه لا زكاة في العروض قال سفيان عن ابن أبي ذئب عن القاسم عن عائشة قالت: ليس في العروض صدقة وهذا لو صح كان معناه عندنا أن لا زكاة في العروض إذا لم يرد بها التجارة» اهـ. الدليل السابع: الإجماع:

стр. 3469

قَالَ الْعَلَّامَةُ أَبُو عُبَيْدٍ ﵀ في [الْأَمْوَالِ] (١/ ٥٢٥): «فعلى هذا أموال التجار عندنا، وعليه أجمع المسلمون أنَّ الزكاة فرض واجب فيها، وأمَّا القول الآخر فليس من مذاهب أهل العلم عندنا» اهـ. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ في [الْمُغْنِي] (٥/ ٤١٤): «قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أجمع أهل العلم على أنَّ في العروض التي يراد بها التجارة الزكاة، إذا حال عليها الحول. روي ذلك عن عمر، وابنه، وابن عباس. وبه قال الفقهاء السبعة، والحسن، وجابر بن زيد، وميمون بن مهران، وطاووس، والنخعي، والثوري، والأوزاعي، والشافعي، وأبو عبيد، وإسحاق، وأصحاب الرأي. وحكي عن مالك، وداود، أنَّه لا زكاة فيها» اهـ. الدليل الثامن: وهو دليل نظري وتحريره أن يقال: إنَّ عروض التجارة أصلها أثمان مخفية في العروض أشبه ما لو كان له قرض عند آخر. فخفاء الأثمان في العروض كخفاء القرض في ذمة المستدين. ومما يدل على ذلك أنَّ صاحب عروض التجارة لا غرض له في العروض وإنَّما غرضه تنمية المال فحقيقتها أثمان مخفية في العروض أقيمت العروض لتنميتها. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ عَبْدِ الْبَّرِ ﵀ في [التَّمْهِيْدِ] (١٧/ ١٢٥ - ١٢٦): «لأنَّها إذا أريد بها التجارة جرت مجرى العين لأنَّ العين من الذهب والورق تحولت فيها طلباً للنماء فقامت مقامها وكذلك قول كل من روي عنه من التابعين لا زكاة في العروض على هذا محمله عندنا وعلى ما ذكرنا هذا مذهب جمهور

стр. 3470

الفقهاء لأنَّها اشتريت بالذهب والورق لترد إلى الذهب والورق ولا يحصل التصرف في العين إلَّا بذلك فلهذا قامت العروض مقام العين» اهـ. الدليل التاسع: ما احتج به الْعَلَّامَةُ ابْنُ عُثَيْمِيْن ﵀ حيث قال في [الشَّرْحُ الْمُمْتِعِ] (٦/ ١٣٩): «قول الرسول ﷺ : "إنَّما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى". وهذا أقوى دليل عندي، ونحن لو سألنا التاجر ماذا يريد بهذه الْأَمْوَالِ، لقال: أريد الذهب والفضة، فإذا اشتريت السلعة اليوم وربحت فيها غداً أو بعد غد بعتها، ليس لي قصد في ذاتها إطلاقاً» اهـ. قُلْتُ: وهذا المذهب هو الأرجح دليلاً والأقوى تعليلاً. والله أعلم. * * *
следующие страницы →