← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 30178

تحفة السائل في بيان ما في عمدة الأحكام من المسائل

أبو بكر الحمادي

Полный текст (8 095 стр.). Показаны 3641–3680 · переход к 3646.

стр. 3641

قبل أولاده، تمضمض، ثم صلى، وكان ابن عباس يقول: ما أبالى قبلتها أو شممت ريحاناً. وكان يأمر من ذكر أنَّ عليه صلاة وهو في أخرى أن يتمها ثم يصلى الصلاة التي ذكرها، ثم يعيد الصلاة التي كان فيها، وروى أبو يعلى الموصلي في ذلك حديثاً مرفوعاً في مُسْنَدِه والصواب: أنَّه موقوف على ابن عمر. قال البيهقي: وقد روى عن ابن عمر مرفوعاً ولا يصح، قال: وقد روى عن ابن عباس مرفوعاً، ولا يصح. والمقصود: أنَّ عبد الله بن عمر كان يسلك طريق التشديد والاحتياط. وقد روى معمر، عن أيوب، عن نافع عنه، أنه كان إذا أدرك مع الْإِمَام ركعة أضاف إليها أخرى، فإذا فرغ من صلاته، سجد سجدتي السهو، قال الزهري: ولا أعلم أحداً فعله غيره. قُلْتُ: وكأن هذا السجود لما حصل له من الجلوس عقيب الركعة، وإنَّما محله عقيب الشفع. ويدل على أنَّ الصحابة لم يصوموا هذا اليوم على سبيل الوجوب، أنهم قالوا: لأن نصوم يوماً من شعبان، أحب إلينا من أن نفطر يوماً من رمضان، ولو كان هذا اليوم من رمضان حتماً عندهم، لقالوا: هذا اليوم من رمضان، فلا يجوز لنا فطره. والله أعلم. ويدل على أنَّهم إنَّما صاموه استحباباً وتحرياً، ما روى عنهم من فطره بياناً للجواز، فهذا ابن عمر قد قال حنبل في مسائله: حدثنا أحمد بن حنبل، حدثنا وكيع، عن سفيان، عن عبد العزيز بن حكيم الحضرمي قال: سمعت ابن عمر يقول: لو صمت السنة كلها لأفطرت اليوم الذي يشك فيه.

стр. 3642

قال حنبل: وحدثنا أحمد بن حنبل، حدثنا عبيدة بن حميد قال: أخبرنا عبد العزيز بن حكيم قال: سألوا ابن عمر. قالوا: نسبق قبل رمضان حتى لا يفوتنا منه شيء؟ فقال: أف، أف، صوموا مع الجماعة، فقد صح عن ابن عمر، أنَّه قال: لا يتقدمن الشهر منكم أحد، وصح عنه ﷺ أنَّه قال: "صوموا لرؤية الهلال، وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم، فعدوا ثلاثين يوماً". وكذلك قال علي بن أبي طالب ﵁: إذا رأيتم الهلال، فصوموا لرؤيته، وإذا رأيتموه، فأفطروا، فإن غم عليكم، فأكملوا العدة. وَقَالَ ابن مسعود ﵁: فإن غم عليكم، فعدوا ثلاثين يوماً. فهذه الآثار إن قدر أنَّها معارضة لتلك الآثار التي رويت عنهم في الصوم، فهذه أولى لموافقتها النصوص المرفوعة لفظاً ومعنى، وإن قدر أنَّها لا تعارض بينها، فههنا طريقتان من الجمع، إحداهما: حملها على غير صورة الإغمام، أو على الإغمام في آخر الشهر كما فعله الموجبون للصوم. والثانية: حمل آثار الصوم عنهم على التحري والاحتياط استحباباً لا وجوباً، وهذه الآثار صريحة في نفى الوجوب، وهذه الطريقة أقرب إلى موافقة النصوص، وقواعد الشرع، وفيها السلامة من التفريق بين يومين متساويين في الشك، فيجعل أحدهما يوم شك، والثاني يوم يقين، مع حصول الشك فيه قطعاً، وتكليف العبد اعتقاد كونه من رمضان قطعاً، مع شكه هل هو منه، أم لا؟ تكليف بما لا يطاق، وتفريق بين المتماثلين، والله أعلم» اهـ.

стр. 3643

٦ - وقوله: «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ». يعم من المكلفين من كان بالغاً عاقلاً قادراً على الصوم. وأمَّا الكفار فهم مخاطبون بالصوم وبما لا يصح الصوم إلَّا به وهو الدخول في الإسلام. ويدخل في ذلك المقيم والمسافر، والصحيح والمريض، والطاهر والحائض؛ فإنَّ هؤلاء كلهم يجب عليهم الصوم في ذممهم فمنهم من يخاطب به أداء وهو الصحيح المقيم والطاهر، ومنهم من يخاطب بالصوم قضاءً فقط وهي الحائض والنفساء والمريض الذي لا يقدر على الصوم أداءً ويقدر عليه قضاءً، ومنهم من يخير بين الأمرين مع ترجيح أحد الجانبين وهو المسافر والمريض الذي يمكنه الصوم بمشقة من غير خوف التلف. ومنهم من لا يؤمر به لا أداءً ولا قضاءً وهم: الصنف الأول: المجنون. أَقُوْلُ: من أصابه الجنون في جميع شهر رمضان فلا قضاء عليه لأنَّه ليس من أهل التكليف شأنَّه في ذلك كشأن الصغير. قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِ ﵀ في [التَّمْهِيْدِ] (٣/ ٢٩١): «ودليل آخر من الإجماع وذلك أنَّهم أجمعوا على أنَّ المجنون المطبق لا شيء عليه بخروج الوقت من صلاة ولا صيام إذا أفاق من جنونه وإطباقه» اهـ. أَقُوْلُ: ليس في المسألة إجماع فقد قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ هُبَيْرَةَ ﵀ في [اخْتِلَافِ الْأَئِمَةِ الْعُلَمَاءِ] (١/ ٢٥٥ - ٢٥٦): «واختلفوا فيما إذا أفاق المجنون بعد مضي الشهر؟ فقال مالك وأحمد في إحدى روايتيه: يقضي. وَقَالَ أبو حنيفة والشافعي: لا قضاء عليه.

стр. 3644

واختلفوا فيما إذا أفاق في أثناء الشهر. فقال أبو حنيفة: يلزمه صومه ما بقي ويقضي ما مضى. وَقَالَ الشافعي وأحمد في إحدى روايتيه: إنَّما يلزمه صوم ما أفاق فيه ولا قضاء عليه لما مضى. وهذا القول عن الشافعي في هذه المسألة وغيرها إنَّما على من أفاق من إغماء، فأمَّا المجنون فلا يقضي صوماً فاته على وجه ما» اهـ. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْمَرْدَاوِي ﵀ في [الْإِنْصَافِ] (٣/ ٢٠٨): «والصحيح من المذهب: أنَّ المجنون لا يلزمه القضاء سواء فات الشهر كله بالجنون أو بعضه وعليه الأصحاب وعنه يلزم القضاء مطلقاً وعنه إن أفاق في الشهر قضى وإن أفاق بعده لم يقض لعظم مشقته» اهـ. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ في [الْمَجْمُوْع] (٦/ ٢٥٤): «المجنون لا يلزمه الصوم في الحال بالإجماع للحديث وللإجماع وإذا أفاق لا يلزمه قضاء ما فاته في الجنون سواء قل أو كثر وسواء أفاق بعد رمضان أو في أثنائه هذا هو المذهب والمنصوص وبه قطع الْمُصَنِّفُ والجمهور وفيه وجه شاذ أنَّه يلزمه مطلقاً حكاه الماوردي وابن الصباغ وآخرون عن ابن سريج قال الماوردي: هذا مذهب لابن سريج وليس بصحيح. قال: ومذهب الشافعي وأبي حنيفة وسائر الفقهاء أنَّه لا يلزمه القضاء وحكاه صاحب البيان عن ابن سريج ثم قال: وقيل لا يصح عنه. وفيه وجه ثالث وهو مذهب أبي حنيفة والثوري أنه إن أفاق في أثناء الشهر لزمه قضاء ما فاته وإن أفاق بعده فلا قضاء قال صاحب البيان:

стр. 3645

قال ابن سريج: وقد حكى المزني في المنثور هذا عن الشافعي قال ولا يصح عنه» اهـ. قُلْتُ: وإذا أفاق المجنون في أثناء اليوم فيجب عليه إمساك ذلك اليوم ويجزئه ولا قضاءه عليه على الصحيح من أقوال العلماء وذلك أنَّ الوجوب حصل له في أثناء النهار شأنَّه في ذلك شأن من لم يبلغه وجوب الصيام إلَّا من أثناء اليوم فإنَّه يجزئه أن ينشئ الصيام من وقت بلوغ الخبر إليه والحجة في ذلك حديث عاشوراء. فروى البخاري (١٩٦٠)، ومسلم (١١٣٦) عَنِ الرُّبَيِّعِ بِنْتِ مُعَوِّذٍ، قَالَتْ: أَرْسَلَ النَّبِيُّ ﷺ غَدَاةَ عَاشُورَاءَ إِلَى قُرَى الأَنْصَارِ: «مَنْ أَصْبَحَ مُفْطِرًا، فَلْيُتِمَّ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ وَمَنْ أَصْبَحَ صَائِمًا، فَليَصُمْ»، قَالَتْ: فَكُنَّا نَصُومُهُ بَعْدُ، وَنُصَوِّمُ صِبْيَانَنَا، وَنَجْعَلُ لَهُمُ اللُّعْبَةَ مِنَ العِهْنِ، فَإِذَا بَكَى أَحَدُهُمْ عَلَى الطَّعَامِ أَعْطَيْنَاهُ ذَاكَ حَتَّى يَكُونَ عِنْدَ الإِفْطَارِ. قُلْتُ: ومثل المجنون في ذلك الصبي إذا بلغ في أثناء اليوم والكافر إذا أسلم في أثناء اليوم على الصحيح. وفي ذلك نزاع بين العلماء قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ في [الْمُغْنِي] (٦/ ١٢٧): «ففيهم روايتان؛ إحداهما، يلزمهم الإمساك في بقية اليوم. وهو قول أبي حنيفة، والثوري، والأوزاعي، والحسن بن صالح، والعنبري؛ لأنَّه معنى لو وجد قبل الفجر أوجب الصيام، فإذا طرأ بعد الفجر أوجب الإمساك، كقيام البينة بالرؤية. والثانية، لا يلزمهم الإمساك. وهو قول مالك، والشافعي» اهـ.

стр. 3646

قُلْتُ: ورجح شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ الإمساك من غير قضاء وهو الراجح فقال ﵀ كما في [مَجْمُوعِ الْفَتَاوَى] (٢٥/ ١٠٩): «وطرد هذا أنَّ الهلال إذا ثبت في أثناء يوم قبل الأكل أو بعده أتموا وأمسكوا ولا قضاء عليهم كما لو بلغ صبي أو أفاق مجنون على أصح الأقوال الثلاثة. فقد قيل: يمسك ويقضي. وقيل: لا يجب واحد منهما. وقيل: يجب الإمساك دون القضاء» اهـ. قُلْتُ: وهذه رواية عن الْإِمَام أحمد ﵀. وَقَالَ ﵀ في كتاب الصيام من [شَرْحِ الْعُمْدَةِ] (١/ ٥٦): «والأوجه أنَّه يجب عليه الإمساك دون القضاء؛ لحديث عاشوراء» اهـ. قُلْتُ: ووجه الشاهد من عاشوراء أنَّ الْنَّبِيَّ ﷺ لم يأمر من أمسك من أثناء اليوم بالقضاء مع أنَّ صيامه كان واجباً على الصحيح قبل فرضية رمضان. وفي وجوب القضاء عند الشافعية وجهان والمصحح عندهم عدم وجوب القضاء. وأمَّا المالكية فيوجبون القضاء. وعند الحنفية أنَّ الكافر إذا أسلم في أثناء اليوم يمسك تشبهاً بالصائمين ولا يصح منه صيام ذلك اليوم لعدم أهلية العبادة منه في أول النهار ولا يلزمه القضاء، ومثله الغلام إذا باغ في أثناء النهار من شهر رمضان. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْسَّرْخَسِيُّ ﵀ فِي [الْمَبْسُوْطِ] (٣/ ٨٠):

стр. 3647

«وَإِذَا أَسْلَمَ الْكَافِرُ فِي النِّصْفِ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ صَامَ مَا بَقِيَ مِنْ الشَّهْرِ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ قَضَاءُ مَا مَضَى مِنْهُ وَكَذَلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي أَسْلَمَ فِيهِ لَا يُجْزِيهِ صَوْمُهُ، وَإِنْ لَمْ يَأْكُلْ وَنَوَى قَبْلَ الزَّوَالِ لِانْعِدَامِ أَهْلِيَّةِ الْعِبَادَةِ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ وَلَكِنَّهُ يُمْسِكُ تَشَبُّهًا بِالصَّائِمِينَ وَلَيْسَ عَلَيْهِ قَضَاؤُهُ» اهـ. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْكَاسَانِي ﵀ فِي [بَدَائِعِ الْصَّنَائِعِ] (٢/ ١٠٢ - ١٠٣): «أَمَّا وُجُوبُ الْإِمْسَاكِ تَشَبُّهًا بِالصَّائِمِينَ فَكُلُّ مَنْ كَانَ لَهُ عُذْرٌ فِي صَوْمِ رَمَضَانَ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ مَانِعٌ مِنْ الْوُجُوبِ أَوْ مُبِيحٌ لِلْفِطْرِ ثُمَّ زَالَ عُذْرُهُ وَصَارَ بِحَالٍ لَوْ كَانَ عَلَيْهِ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ لَوَجَبَ عَلَيْهِ الصَّوْمُ وَلَا يُبَاحُ لَهُ الْفِطْرُ كَالصَّبِيِّ إذَا بَلَغَ فِي بَعْضِ النَّهَارِ وَأَسْلَمَ الْكَافِرُ وَأَفَاقَ الْمَجْنُونُ وَطَهُرَتْ الْحَائِضُ وَقَدِمَ الْمُسَافِرُ مَعَ قِيَامِ الْأَهْلِيَّةِ يَجِبُ عَلَيْهِ إمْسَاكُ بَقِيَّةِ الْيَوْمِ. وَكَذَا مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الصَّوْمُ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ لِوُجُودِ سَبَبِ الْوُجُوبِ وَالْأَهْلِيَّةِ ثُمَّ تَعَذَّرَ عَلَيْهِ الْمُضِيُّ فِيهِ بِأَنْ أَفْطَرَ مُتَعَمِّدًا أَوْ أَصْبَحَ يَوْمَ الشَّكِّ مُفْطِرًا ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُ مِنْ رَمَضَانَ أَوْ تَسَحَّرَ عَلَى ظَنِّ أَنَّ الْفَجْرَ لَمْ يَطْلُعْ ثُمَّ تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ طَلَعَ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الْإِمْسَاكُ فِي بَقِيَّةِ الْيَوْمِ تَشَبُّهًا بِالصَّائِمِينَ» اهـ. وَقَالَ مَحْمُودُ الْمَشْهُورُ بِابْنِ مَازَةَ الْحَنَفَيِّ ﵀ فِي [الْمُحِيْطِ الْبُرْهَانِي] (٢/ ٣٩٨): «قال في "الجامع الصغير": غلام بلغ في النصف من رمضان في نصف النهار يأكل بقية يومه، ويصوم بقية الشهر، ولا قضاء عليه فيما مضى، وإن أكل في اليوم الذي أدرك فيه ليس عليه قضاؤه، وعلى هذا الكافر إذا أسلم في النصف من رمضان في نصف النهار، وإنما لم يجب قضاء اليوم الذي أسلم الكافر فيه، وأدرك الصبي فيه؛ لأن صوم يوم واحد لا يتجزأ وجوباً وسقوطاً، وقد امتنع الوجوب

стр. 3648

في صدر النهار، فيمتنع في الباقي، فلا يلزمه قضاؤه أكل فيه أو لم يأكل، وإن كان لم يأكل، في يومه ذلك، وقد أسلم لم يجزئه عن رمضان» اهـ. قُلْتُ: والجامع الصغير لمحمد بن الحسن الشيباني، وما ذكره ها هنا فهو مذهبه. قُلْتُ: والمجنون عندهم إن أفاق قبل الزوال وقبل أن يأكل فعليه الصوم ولا قضاء عليه وإلَّا لزمه القضاء. قَالَ الْعَلَّامَةُ الْكَاسَانِي ﵀ فِي [بَدَائِعِ الْصَّنَائِعِ] (٢/ ٨٩): «وَلَوْ أَفَاقَ الْمَجْنُونُ جُنُونًا عَارِضًا فِي نَهَارِ رَمَضَانَ قَبْلَ الزَّوَالِ فَنَوَى الصَّوْمَ أَجْزَأَهُ عَنْ رَمَضَانَ، وَالْجُنُونُ الْأَصْلِيُّ عَلَى الِاخْتِلَافِ الَّذِي ذَكَرْنَا» اهـ. قُلْتُ: وقد ذكر عن أبي حنيفة قبل ذلك التسوية بينهما. وأمَّا المغمى عليه فقد قال فيه الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةُ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٦/ ٥٦ - ٥٧): «مسألة: قال: "ومن نوى من الليل، فأغمي عليه قبل طلوع الفجر، فلم يفق حتى غربت الشمس، لم يجزه صيام ذلك اليوم" وجملة ذلك أنَّه متى أغمي عليه جميع النهار، فلم يفق في شيء منه، لم يصح صومه، في قول إمامنا والشافعي. وَقَالَ أبو حنيفة: يصح؛ لأنَّ النية قد صحت، وزوال الاستشعار بعد ذلك لا يمنع صحة الصوم، كالنوم. ولنا أنَّ الصوم هو الإمساك مع النية.

стр. 3649

قال النبي ﷺ : يقول الله تعالى: "كل عمل ابن آدم له إلَّا الصيام، فإنه لي، وأنا أجزي به، يدع طعامه وشرابه من أجلي" متفق عليه. فأضاف ترك الطعام والشراب إليه، وإذا كان مغمى عليه، فلا يضاف الإمساك إليه، فلم يجزئه. ولأنَّ النية أحد ركني الصوم، فلا تجزئ وحدها، كالإمساك وحده، أمَّا النوم فإنَّه عادة، ولا يزيل الإحساس بالكلية، ومتى نبه انتبه، والإغماء عارض يزيل العقل، فأشبه الجنون. إذا ثبت هذا، فزوال العقل يحصل بثلاثة أشياء؛ أحدها، الإغماء وقد ذكرناه، ومتى فسد الصوم به فعلى المغمى عليه القضاء، بغير خلاف علمناه؛ لأنَّ مدته لا تتطاول غالباً، ولا تثبت الولاية على صاحبه، فلم يزل به التكليف وقضاء العبادات، كالنوم، ومتى أفاق المغمى عليه في جزء من النهار، صح صومه، سواء كان في أوله أو آخره. وَقَالَ الشافعي، في أحد قوليه: تعتبر الإفاقة في أول النهار، ليحصل حكم النية في أوله. ولنا أنَّ الإفاقة حصلت في جزء من النهار، فأجزأ، كما لو وجدت في أوله وما ذكروه لا يصح؛ فإنَّ النية قد حصلت من الليل، فيستغني عن ذكرها في النهار، كما لو نام أو غفل عن الصوم، ولو كانت النية إنما تحصل بالإفاقة في النهار، لما صح منه صوم الفرض بالإفاقة، لأنه لا يجزئ بنية من النهار. الثاني، النوم، فلا يؤثر في الصوم، سواء وجد في جميع النهار أو بعضه» اهـ. وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ الْحَنْبَلِيُّ ﵀ فِي [الْهِدَايَةِ] (ص: ١٥٦):

стр. 3650

«وإِذَا نَوَى قَبْلَ طُلُوعِ الفَجْرِ ثُمَّ أُغْمِيَ عَلَيْهِ أو جُنَّ جَمِيْعُ النَّهَارِ لَمْ يَصِحَّ صَوْمُهُ وإِنْ أَفَاقَ جُزْءً مِنَ النَّهَارِ فَصَوْمُهُ صَحِيْحٌ، وإِنْ نَامَ جَمِيْعَ النَّهَارِ فَصَوْمُهُ صَحِيْحٌ، ويَلْزَمُ المُغْمَى عَلَيْهِ القَضَاءُ، ولَا يَلْزَمُ المَجْنُونَ القَضَاءُ، وَنقَلَ عَنْهُ حَنْبَلٌ: أنَّ المَجْنُونَ يَلْزَمُهُ قَضَاءُ رَمَضَانَ، وإنْ أَفَاقَ بَعْدَ خُرُوجِهِ» اهـ. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ في [الْمَجْمُوْع] (٦/ ٢٥٤): «"المسألة الثانية" المغمي عليه لا يلزمه الصوم في حال الإغماء بلا خلاف ولنا قول مخرج وهو مذهب المزني أنَّه يصح صوم المغمى عليه وعلي هذا القول لا يلزمه الصوم أيضاً بلا خلاف لأنَّه غير مكلف ويجب القضاء علي المغمى عليه سواء استغرق جميع رمضان أو بعضه لما ذكره الْمُصَنِّف وحكى الأصحاب وجها عن ابن سريج أنَّ الإغماء المستغرق لجميع رمضان لا قضاء فيه كالجنون وكما لا يجب عليه قضاء الصلاة هكذا نقل الجمهور عن ابن سريج ونقل البغوي عنه أنَّه إذا استغرق الإغماء رمضان أو يوماً منه لا قضاء عليه واختار صاحب الحاوي قول ابن سريج هذا في أنَّه لا قضاء علي المغمي عليه والمذهب وجوب القضاء عليه وفرق الأصحاب بين الجنون والإغماء بما فرق الْمُصَنَّفِ وبين الصوم والصلاة أنَّ الصلاة تتكرر فيشق قضاؤها بخلاف الصوم وهذا هو الفرق بين قضاء الحائض الصوم دون الصلاة قال أصحابنا ومن زال عقله بمرض أو بشرب دواء شربه لحاجة أو بعذر آخر لزمه قضاء الصوم دون الصلاة كالمغمي عليه ولا يأثم بترك الصوم في زمن زوال عقله "وأمَّا" من زال عقله بمحرم كخمر أو غيره

стр. 3651

مما سبق بيانه في أول كتاب الصلاة فيلزمه القضاء ويكون آثما بالترك والله أعلم» اهـ. وَقَالَ ﵀ (٦/ ٣٤٦ - ٣٤٧): «لَوْ نَوَى مِنْ اللَّيْلِ ثُمَّ أُغْمِيَ عَلَيْهِ جَمِيعَ النَّهَارِ لَمْ يَصِحَّ صَوْمُهُ عَلَى الْمَذْهَبِ وَفِيهِ قَوْلٌ مُخَرَّجٌ مِنْ النوم أنَّه يصح خرجه المزني وغيره عن أَصْحَابِنَا وَدَلِيلُ الْجَمِيعِ فِي الْكِتَابِ. الرَّابِعَةُ: إذَا نَوَى مِنْ اللَّيْلِ وَأُغْمِيَ عَلَيْهِ بَعْضَ النَّهَارِ دون بعض ففيه ثلاثة طرق إحداها: إنْ أَفَاقَ فِي جُزْءٍ مِنْ النَّهَارِ صَحَّ صَوْمُهُ وَإِلَّا فَلَا وَسَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ الْجُزْءُ أَوَّلَ النَّهَارِ أَوْ غَيْرَهُ وَهَذَا هُوَ نَصُّ الشافعي في باب الصيام من مُخْتَصَرِ الْمُزَنِيّ وَمِمَّنْ حَكَى هَذَا الطَّرِيقَ الْبَغَوِيّ وَحَكَاهُ الدَّارِمِيُّ عَنْ ابْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَتَأَوَّلَ هَذَا الْقَائِلُ النَّصَّيْنِ الْآخَرَيْنِ فَتَأَوَّلَ نَصَّهُ فِي اخْتِلَافِ أَبِي حَنِيفَةَ وَابْنِ أَبِي لَيْلَى عَلَى أَنَّ بُطْلَانَ الصَّوْمِ عَائِدٌ إلَى الْحَيْضِ خَاصَّةً لَا إلَى الْإِغْمَاءِ قَالُوا وَقَدْ يَفْعَلُ الشَّافِعِيُّ مِثْلَ هَذَا وَتَأَوَّلَهُ الْمَاوَرْدِيُّ تَأْوِيلًا آخَرَ وَهُوَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْإِغْمَاءِ هُنَا الْجُنُونُ وَتَأَوَّلَ هَذَا الْقَائِلُ نَصَّهُ فِي الظِّهَارِ وَالْبُوَيْطِيُّ عَلَى أَنَّهُ ذَكَرَ الْإِفَاقَةَ فِي أَوَّلِهِ لِلتَّمْثِيلِ بِالْجُزْءِ لَا لاشتراط الأول. والطريق الثَّانِي: الْقَطْعُ بِأَنَّهُ إنْ أَفَاقَ فِي أَوَّلِهِ صَحَّ وَإِلَّا فَلَا وَتَأَوَّلَ نَصَّهُ فِي الصَّوْمِ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْجُزْءِ الْمُبْهَمِ أَوَّلُهُ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الظِّهَارِ وَتَأَوَّلَ نَصُّ اخْتِلَافِ أَبِي حَنِيفَةَ عَلَى مَا سَبَقَ. وَالطَّرِيقُ الثَّالِثُ: فِي الْمَسْأَلَةِ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ وَهَذَا الطَّرِيقُ هُوَ الْأَصَحُّ الْأَشْهَرُ أَصَحُّ الْأَقْوَالِ يَشْتَرِطُ الْإِفَاقَةَ فِي جُزْءٍ مِنْهُ

стр. 3652

وَالثَّانِي: فِي أَوَّلِهِ خَاصَّةً. وَالثَّالِثُ: فِي طَرَفَيْهِ. وَالرَّابِعُ: فِي جَمِيعِهِ كَالنَّقَاءِ مِنْ الحيض وهذا الرَّابِعُ تَخْرِيجٌ لِابْنِ سُرَيْجٍ خَرَّجَهُ مِنْ الصَّلَاةِ وَلَيْسَ مَنْصُوصًا لِلشَّافِعِيِّ قَالَ وَلَيْسَ لِلشَّافِعِيِّ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ وَدَلِيلُ الْجَمِيعِ فِي الْكِتَابِ إلَّا القول الأول الْأَصَحَّ فَإِنَّ الْمُصَنِّفَ قَالَ لَا أَعْرِفُ لَهُ وَجْهًا وَهَذَا عَجَبٌ مِنْهُ مَعَ أَنَّ هَذَا الْقَوْلَ هُوَ الْأَصَحُّ عِنْدَ مُحَقِّقِي أَصْحَابِنَا فَالْأَصَحُّ مِنْ هَذَا الْخِلَافِ كُلِّهِ إنْ كَانَ مُفِيقًا فِي جُزْءٍ مِنْ النَّهَارِ أَيَّ جُزْءٍ كَانَ صَحَّ صَوْمُهُ وَإِلَّا فَلَا. الْخَامِسَةُ: إذَا نَوَى الصوم باليل وَجُنَّ فِي بَعْضِ النَّهَارِ فَقَوْلَانِ مَشْهُورَانِ ذَكَرَهُمَا الْمُصَنِّفُ وَغَيْرُهُ مِنْ الْأَصْحَابِ الْجَدِيدُ بُطْلَانُ صَوْمِهِ لِأَنَّهُ مُنَافٍ لِلصَّوْمِ كَالْحَيْضِ وَقَالَ فِي الْقَدِيمِ هُوَ كَالْإِغْمَاءِ فَفِيهِ الْخِلَافُ السَّابِقُ وَمِنْ الْأَصْحَابِ مَنْ حَكَى بَدَلَ الْقَوْلَيْنِ وَجْهَيْنِ كَصَاحِبِ الْإِبَانَةِ وَآخَرِينَ وَمِنْهُمْ مَنْ حَكَاهُمَا طَرِيقَيْنِ وَهُوَ أَحْسَنُ وَقَطَعَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْمَاوَرْدِيُّ وَابْنُ الصَّبَّاغِ وَآخَرُونَ بِبُطْلَانِ الصَّوْمِ بِالْجُنُونِ فِي لَحْظَةٍ كَالْحَيْضِ وَلَوْ جُنَّ جَمِيعَ النَّهَارِ لَمْ يَصِحَّ بِلَا خِلَافٍ» اهـ. وَجَاءَ فِي [الْمُدَوَّنَةِ] (١/ ٢٧٦): «قُلْتُ: أَرَأَيْتَ رَجُلًا أُغْمِيَ عَلَيْهِ نَهَارًا فِي رَمَضَانَ ثُمَّ أَفَاقَ بَعْدَ ذَلِكَ بِأَيَّامٍ، أَيَقْضِي صَوْمَ ذَلِكَ الْيَوْمِ الَّذِي أُغْمِيَ عَلَيْهِ فِيهِ أَمْ لَا؟ فَقَالَ: قَالَ مَالِكٌ: إنْ كَانَ أُغْمِيَ عَلَيْهِ مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ إلَى اللَّيْلِ، رَأَيْتُ أَنْ يَقْضِيَ يَوْمًا مَكَانَهُ، وَإِنْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ

стр. 3653

وَقَدْ قَضَى أَكْثَرَ النَّهَارِ أَجْزَأَهُ ذَلِكَ، قَالَ: فَقُلْتُ لَهُ: فَلَوْ أَنَّهُ أُغْمِيَ عَلَيْهِ بَعْدَ أَنْ أَصْبَحَ وَنِيَّتُهُ الصِّيَامُ إلَى انْتِصَافِ النَّهَارِ ثُمَّ أَفَاقَ بَعْدَ ذَلِكَ أَيُجْزِئُهُ صِيَامُهُ ذَلِكَ الْيَوْمَ؟ قَالَ: نَعَمْ يُجْزِئُهُ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْمُغْمَى عَلَيْهِ أَيَّامًا هَلْ يُجْزِئُهُ صَوْمُ الْيَوْمِ الَّذِي أَفَاقَ فِيهِ إنْ نَوَى أَنْ يَصُومَهُ حِينَ أَفَاقَ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ فَقَالَ: لَا يُجْزِئُهُ وَعَلَيْهِ قَضَاؤُهُ؛ لِأَنَّ مَنْ لَمْ يُبَيِّتْ الصِّيَامَ فَلَا صِيَامَ لَهُ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ لَيْلًا فِي رَمَضَانَ وَقَدْ نَوَى صِيَامَ ذَلِكَ الْيَوْمِ فَلَمْ يُفِقْ إلَّا عِنْدَ الْمَسَاءِ مَنْ يَوْمِهِ ذَلِكَ، هَلْ يُجْزِئُهُ صِيَامُهُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ فَقَالَ: لَا» اهـ. أَقُوْلُ: إن ألحقنا المغمى عليه بالنائم صححنا صومه إن أفاق في بعض اليوم لحصول الإمساك منه فإنَّ الصيام عبارة عن نية وإمساك، وإنَّما لم نشترط في النائم الاستيقاظ في أثناء اليوم لحصول الإمساك من النائم في أثناء نومه فإنَّ النائم لا يفقد الشعور بالكلية بعكس المغمى عليه فإنَّه يفقد ذلك. فإذا لم يفق في أثناء اليوم فلا يصح صومه لعدم حصول الإمساك منه. وأمَّا قضاء المغمى عليه الذي لم يفق في أثناء اليوم فيلزمه ذلك باعتبار أنَّ الإغماء غالباً لا يطول فشأنَّه في ذلك شأن من أفطر لعذر عارض كالمريض الذي يرجى برؤه. وأمَّا إذا ألحقنا المغمى عليه بالمجنون فلا يصح منه الصوم حينئذ ولا يجب عليه القضاء.

стр. 3654

قُلْتُ: والمغمى عليه متردد بين هذين الأصلين فيشبه النوم من حيث أنَّه لا يطول بقاؤه، ومن حيث تعلقه بسائر البدن ويخالف الجنون في هذين الأمرين فإنَّ الجنون يطول بقاؤه، ويتعلق بالعقل دون سائر البدن. ويشبه الجنون من حيث أنَّه مرض من الأمراض، ومن حيث أنَّه لا يستيقظ بالإيقاظ، ويخالف النوم في هذين الأمرين فإنَّ النوم ليس بمرض بل هو من صحة البدن، والنائم لا يفقد الشعور بالكلية ويستيقظ إذا ما أوقظ. وجمهور العلماء ألحقوا المغمى عليه في قضاء الصلوات بالمجنون ولم يروا على المغمى عليه أن يقضي ما فاتته من الصلوات ومنهم من قيد ذلك بما زاد عن خمس صلوات كما هو مذهب أبي حنيفة. وأمَّا الْإِمَام أحمد فألحقه بالنائم فأوجب عليه قضاء ما فاته من الصلوات كما أوجب عليه قضاء ما فاته من الصيام. وقد روى مالك في [الْمُوَطَّأِ] (٢٤)، وعبد الرزاق في [الْمُصَنَّفِ] (٤١٥٨، ٦٦٤٩)، وابن أبي شيبة في [الْمُصَنَّفِ] (٦٦٤٨) عَنْ نَافِعٍ، «أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ أُغْمِيَ عَلَيْهِ، فَذَهَبَ عَقْلُهُ، فَلَمْ يَقْضِ الصَّلَاةَ». قُلْتُ: هَذَا أَثَرٌ صَحِيْحٌ. وهو يؤيد مذهب الجمهور. وفرَّق علماء الحنابلة في الشيء الذي يتناوله الشخص فيذهب بعقله بين ما يطول زمنه وما لا يطول فما طال زمنه فإنَّه ملحق بالجنون وما لم يطل فإنَّه ملحق بالنوم. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ في [الْمُغْنِي] (٢/ ١٩٩):

стр. 3655

«فصل: ومن شرب دواء فزال عقله به نظرت؛ فإن كان زوالاً لا يدوم كثيراً، فهو كالإغماء، وإن كان يتطاول، فهو كالجنون. وأمَّا السكر، ومن شرب محرماً يزيل عقله وقتاً دون وقت، فلا يؤثر في إسقاط التكليف وعليه قضاء ما فاته في حال زوال عقله. لا نعلم فيه خلافاً؛ ولأنَّه إذا وجب عليه القضاء بالنوم المباح، فبالسكر المحرم أولى» اهـ. وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كما في [جَامِعِ الْمَسَائِلِ] (٤/ ١٢٠): «وإن زال عقله بسبب محرم، كالسكر بالخمر والحشيشة وأكل البنج ونحو ذلك، أو بحال محرم مثل أن يستمع القصائد المنهي عنها فيغيب عقله، فهذا عليه القضاء بلا نزاع، وإذا كان السبب محضوراً لا يكون السكران معذوراً» اهـ. قُلْتُ: يدل على ذلك قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء: ٤٣] فعلق الله فعل الصلاة في السكران بغاية وهي أن يعلم ما يقول، وهو قد لا يعلم ما يقول إلَّا بعد خروج الوقت فتكون الصلاة في حقه قضاءً، وهذه الآية وإن كانت قبل تحريم الخمر لكن ليس هنالك ما يدل على نسخ هذا الحكم. والله أعلم. والذي يظهر لي في المغمى عليه ما عليه جمهور العلماء في مسألة الصلاة والصيام. أمَّا الصلاة فلا يجب قضائها على المغمى عليه لوجوه: الأول: أنَّ الصلاة يشق قضائها لكثرتها لا سيما وأنَّ الإغماء قد يستمر ببعض الناس أشهراً، وأمَّا الصيام فلا يشق قضاءه لندوره.

стр. 3656

الثاني: أنَّ الصلاة متكررة فإنَّ لم تقض عوضت بغيرها، وأمَّا الصيام فإنَّه إن فات لم يعوض بغيره، ولعله من أجل هذين أمرت الحائض بقضاء الصوم دون الصلاة. الثالث: أنَّ عدم القضاء هو الثابت عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، ولا أعلم له مخالفاً من الصحابة. نعم جاء عن عمار ولا يثبت فروى عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (٤١٥٦)، وابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٦٦٤٦)، والْدَارَقُطْنِي في [سُنَنِه] (١٨٥٩)، ومن طريقه البيهقي في [الْكُبْرَى] (١٦٩٢)، و [الْمَعْرِفَة] (٦٢٤) مِنْ طَرِيْقِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، عَنِ السُّدِّيِّ، عَنْ رَجُلٍ يُقَالُ لَهُ: يَزِيدُ، عَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ، «أَنَّهُ أُغْمِيَ عَلَيْهِ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ، فَأَفَاقَ فِي بَعْضِ اللَّيْلِ فَقَضَاهُنَّ». قُلْتُ: هَذَا إِسْنَادٌ ضَعِيْفٌ لجهالة يزيد وهو مولى عمار. قَالَ الْحَافِظُ الْبَيْهَقِيُّ ﵀ في [الْمَعْرِفَة] (١/ ٤١٩): «قال الشافعي: وكان مذهب عمار فيما يرى والله أعلم أنَّ الصلاة ليست بموضوعة عن المغمى عليه كما لا يكون الصوم موضوعاً منه. ولم يرو عن عمار أنَّه قال: لو أغمي علي خمس صلوات لا أفيق حتى يمضي وقت الخامسة لم أقض. وليس هذا أيضاً بثابت عن عمار ثم ساق الكلام إلى أن حمل فعل عمار على الاستحباب أن لو ثبت عنه وإنَّما قال الشافعي في حديث عمار: أنَّه ليس بثابت لأنَّ رواية يزيد مولى عمار وهو مجهول والراوي عنه إسماعيل بن عبد الرحمن السدي

стр. 3657

وكان يحيى بن معين يستضعفه ولم يحتج به البخاري وكان يحيى بن سعيد وعبد الرحمن بن مهدي لا يريان به بأساً» اهـ. ورواه ابن المنذر في [الْأَوْسَطِ] (٢٢٩٢) حَدَّثَنَا مُوسَى، ثنا أَبُو بَكْرٍ الْأَثْرَمُ، ثنا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ وَهُوَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ أَبِي الْحَسَنِ الْمَخْزُومِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ الْحَارِثِ الْأَنْصَارِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أُمِّ سَعِيدٍ، مَوْلَاةِ عَمَّارٍ وَكَانَتْ جَارِيَةَ عَمَّارٍ: «أَنَّهُ غُشِيَ عَلَيْهِ ثَلَاثًا لَا يُصَلِّي، ثُمَّ اسْتَفَاقَ بَعْدَ ثَلَاثٍ فَقَالَ: هَلْ صَلَّيْتُ؟ فَقَالُوا: مَا صَلَّيْتَ مُنْذُ ثَلَاثٍ، فَقَالَ: أَعْطُونِي وُضُوءًا فَتَوَضَّأَ ثُمَّ صَلَّى تِلْكَ الثَّلَاثَ». قُلْتُ: هَذَا إِسْنَادٌ واهٍ فيه محمد بن الحسن وهو من الكذابين. وأمَّا الصيام فيجب قضاؤه لقول الله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤]. وقول الله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]. قُلْتُ: والإغماء من جملة الأمراض فيدخل في هاتين الآيتين. الصنف الثاني: الصبي. أَقُوْلُ: لا يجب الصيام على الصبي حتى يبلغ وهو قول جمهور، وذهب الْإِمَام في رواية إلى وجوب الصيام على الصبي إذا أطاق، وهذا القول: ليس بصحيح من حيث الأدلة. الصنف الثالث: العاجز عن الصيام لكبر أو مرض لا يرجى برؤه.

стр. 3658

قُلْتُ: وهؤلاء لا يجب عليهم الصيام لقول الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]. ولقول الله تعالى: ﴿لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٣٣]. وقول الله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]. وقول الله تعالى: ﴿لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [الأنعام: ١٥٢]، و [الأعراف: ٤٢]. وقول الله تعالى: ﴿وَلَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [المؤمنون: ٦٢]. ولما رواه البخاري (٧٢٨٨)، ومسلم (١٣٣٧) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قال: «دَعُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ، إِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِسُؤَالِهِمْ وَاخْتِلَافِهِمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ، فَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَاجْتَنِبُوهُ، وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ». قُلْتُ: ويجب عليهم أن يطعموا عن كل يوم مسكيناً لقول الله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة: ١٨٤]. وهذه الآية نسخ منها التخيير بين الإطعام والصيام للقادر على الصوم، وأمَّا من كان عاجزاً عن الصيام فالإطعام في حقه ما زال محكماً ويدل على ذلك ما رواه البخاري (٤٥٠٥) عَنْ عَطَاءٍ، سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ، يَقْرَأُ: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطَوَّقُونَهُ فَلَا يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: «لَيْسَتْ بِمَنْسُوخَةٍ هُوَ الشَّيْخُ الكَبِيرُ، وَالمَرْأَةُ الكَبِيرَةُ لَا يَسْتَطِيعَانِ أَنْ يَصُومَا، فَيُطْعِمَانِ مَكَانَ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا».

стр. 3659

وروى النسائي (٢٣١٧) أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ، قَالَ: حَدَّثَنَا وَرْقَاءُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فِي قَوْلِهِ : ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة: ١٨٤] قَالَ: «يُطِيقُونَهُ: يُكَلَّفُونَهُ، فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ وَاحِدٍ، فَمَنْ تَطَوَّعَ فَزَادَ طَعَامَ مِسْكِينٍ آخِرَ، لَيْسَتْ بِمَنْسُوخَةٍ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ، وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ، لَا يُرَخَّصُ فِي هَذَا إِلَّا لِلْكَبِيرِ الَّذِي لَا يُطِيقُ الصِّيَامَ أَوْ مَرِيضٍ لَا يُشْفَى». قُلْتُ: وإِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ. وقد ثبت الإطعام عن أنس ﵁ فقد روى عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (٧٥٧٠) عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ قَالَ: «كَبُرَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ حَتَّى كَانَ لَا يُطِيقُ الصِّيَامَ، فَكَانَ يُفْطِرُ وَيُطْعِمُ». قُلْتُ: وإِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ. قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ في كتاب الصيام من [شَرْحِ الْعُمْدَةِ] (١/ ٢٦٢): «فهذا قول ثلاثة من الصحابة، ولم يعرف لهم مخالف» اهـ. قُلْتُ: يريد بالثالث معاذ بن جبل ﵁ ولم يثبت ذلك عنه. ثم قال ﵀ (١/ ٢٦٣ - ٢٦٤): «الثاني: أنَّ العامة تقرأ: ﴿يُطِيقُونَهُ﴾، فكان في صدر الإسلام لمَّا فرض الله الصوم خير الرجل بين أن يصوم وبين أن يطعم مكان كل يوم مسكيناً؛ فإن صام ولم يطعم؛ كان خيراً له، ثم نسخ الله هذا التخيير في حق القادر عليه بقوله: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥]، فأوجب الصوم ومنع من

стр. 3660

الفطر والإطعام، وبقي الفطر والإطعام للعاجز عن الصوم؛ لأنَّه لما أوجب على المطيق للصوم أحد هذين الأمرين، وهو الصيام أو الإطعام، لقدرته على كل منهما؛ كان القادر على أحدهما مأموراً بما قدر عليه؛ فمن كان إذ ذاك يقدر على الصيام دون الإطعام؛ لزمه، ومن يقدر على الإطعام دون الصيام؛ لزمه، ومن قدر عليهما؛ خير بينهما؛ فإنَّ هذا شأن جميع ما خيِّر الناس بينه؛ مثل خصال كفارة اليمين، وخصال فدية الأذى، وغير ذلك، ثم نسخ الله جواز الفطر عن القادر عليه، فبقي الفطر والفدية المستفادة من معنى الآية للعاجز. يبيِّن ذلك أنَّ الشيخ والعجوز إذا كانا يطيقان الصوم؛ فإَّنهما كانا يكونان مخيرين بين الصيام والإطعام، فإذا عجز بعد ذلك عن الصوم؛ تعين عليهما الإطعام، ثم نسخ ذلك التخيير، وبقى هذا المعين، وهذا ما تقدم عن معاذ وابن عباس من رواية سعيد بن جبير وغيره من التابعين. ومنهم من يوجهه بوجه آخر، وهو أنَّ قوله: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾: عام فيمن يطيقه بجهد ومشقه، وفيمن يطيقه بغير جهد ومشقة، فنسخ في حق من لا مشقة عليه، وبقي في حق من لا يطيقه إلَّا بجهد ومشقة» اهـ. قُلْتُ: ثم أورد أثر سلمة بن الأكوع المتفق عليه، وأثر ابن عمر الذي في البخاري وبعض آثار التابعين الدالة على نسخ الآية وَقَالَ بعد ذلك (١/ ٢٦٦): «قيل: هي منسوخة في حق الذي كان قد خيِّر بين الأمرين، وهو القادر على الصيام؛ كما عليه نطق الآية، وكما بيَّنوه؛ فأمَّا من كان فرضه الطعام فقط كما دلَّ

стр. 3661

عليه معنى الآية؛ فلم ينسخ في حقه شيء، وعلى هذا يحمل كلام من أطلق القول بأنَّها منسوخة؛ لأنَّه قد روى عن ابن عباس التصريح بذلك» اهـ. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ في [الْمُغْنِي] (٦/ ١٣٨): «مسألة: قال: "وإذا عجز عن الصوم لكبر أفطر، وأطعم لكل يوم مسكيناً" وجملة ذلك أنَّ الشيخ الْكَبِيْر، والعجوز، إذا كان يجهدهما الصوم، ويشق عليهما مشقة شديدة، فلهما أن يفطرا ويطعما لكل يوم مسكيناً. وهذا قول علي، وابن عباس، وأبي هريرة، وأنس، وسعيد بن جبير، وطاووس، وأبي حنيفة، والثوري، والأوزاعي. وَقَالَ مالك: لا يجب عليه شيء؛ لأنَّه ترك الصوم لعجزه، فلم تجب فدية، كما لو تركه لمرض اتصل به الموت. وللشافعي قولان كالمذهبين. ولنا الآية، وقول ابن عباس في تَفْسِيْرِهِا: نزلت رخصة للشيخ الْكَبِيْر. ولأنَّ الأداء صوم واجب، فجاز أن يسقط إلى الكفارة كالقضاء. وأمَّا المريض إذا مات، فلا يجب الإطعام؛ لأنَّ ذلك يؤدي إلى أن يجب على الميت ابتداء، بخلاف ما إذا أمكنه الصوم، فلم يفعل حتى مات، لأنَّ وجوب الإطعام يستند إلى حال الحياة، والشيخ الهرم له ذمة صحيحة، فإن كان عاجزاً عن الإطعام أيضاً فلا شيء عليه، و ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلَّا وُسْعَهَا﴾» اهـ. قُلْتُ: ولا يشرع تقديم الكفارة قبل وقتها. قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ في [رَوْضَةِ الْطَالِبِيْنَ] (٢/ ٣٨٥):

стр. 3662

«وَإِذَا أَرَادَ الشَّيْخُ الْهَرِمُ إِخْرَاجَ الْفِدْيَةِ قَبْلَ دُخُولِ رَمَضَانَ، لَمْ يَجُزْ، وَإِنْ أَخْرَجَهَا بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ مِنْ يَوْمٍ مِنْ رَمَضَانَ، أَجْزَأَهُ عَنْ ذَلِكَ الْيَوْمِ. وَإِنْ أَدَّاهَا قَبْلَ الْفَجْرِ، فَفِيهِ احْتِمَالَانِ حَكَاهُمَا فِي "الْبَحْرِ" عَنْ وَالِدِهِ، وَقَطَعَ الدَّارِمِيُّ بِالْجَوَازِ، وَهُوَ الصَّوَابُ» اهـ. * * *

стр. 3663

١٧٦ - عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ : «تَسَحَّرُوا فَإِنَّ فِي السَّحُورِ بَرَكَةً». قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ دَقِيْقِ الْعِيْدِ ﵀ فِي [إِحْكَامِ الْأَحْكَامِ] (٢٦٩): «و"السَّحور" بفتح السين ما يتسحر به وبضمها الفعل هذا هو الأشهر» اهـ. وَقَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٤/ ١٤٠): «هو بفتح السين وبضمها لأنَّ المراد بالبركة الأجر والثواب فيناسب الضم لأنَّه مصدر بمعنى التسحر أو البركة لكونه يقوي على الصوم وينشط له ويخفف المشقة فيه فيناسب الفتح لأنَّه ما يتسحر به» اهـ. وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلَ مِنْهَا: ١ - فيه استحباب السحور. وهو مذهب عامة العلماء. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ في [الْمُغْنِي] (٦/ ١٨٦): «ولا نعلم فيه بين العلماء خلافاً» اهـ. قُلْتُ: والصارف له عن الوجوب أدلة الوصال في الصوم. ٢ - أنَّ في السحور بركة. قُلْتُ: والبركة في السحور تكون في أشياء كثيرة: الأولى: بركة الأجر والثواب. الثانية: بركة التقوي على الصيام. الثالثة: بركة حسن الخلق، وذلك أنَّ الجوع يثير سوء الخلق والسحور يدفعه.

стр. 3664

الرابعة: بركة التسبب بذكر الله ودعائه في أوقات السحر الذي هو من أوقات الإجابة. الخامسة: بركة صلاة الفجر جماعة فإنَّ القائم للسحور في وقت السحر يتيسر له ذلك. ٣ - وفيه استحباب التسحر في آخر الليل وهذا مأخوذ من اشتقاق السحور فإنَّه مشتق من السحر وهو آخر الليل؛ ولأنَّ المقصود بالسحور التقوي على الصوم، وما كان أقرب إلى الفجر كان أعون على الصوم. وقد دلَّ على ذلك ما رواه البخاري (٥٧٦)، ومسلم (١٠٩٧) عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ وَزَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ: «تَسَحَّرَا فَلَمَّا فَرَغَا مِنْ سَحُورِهِمَا، قَامَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ إِلَى الصَّلَاةِ، فَصَلَّى»، قُلْنَا لِأَنَسٍ: كَمْ كَانَ بَيْنَ فَرَاغِهِمَا مِنْ سَحُورِهِمَا وَدُخُولِهِمَا فِي الصَّلَاةِ؟ قَالَ: «قَدْرُ مَا يَقْرَأُ الرَّجُلُ خَمْسِينَ آيَةً». وروى البخاري (١٩٢١) عَنْ أَنَسٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ﵁، قَالَ: «تَسَحَّرْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ، ثُمَّ قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ»، قُلْتُ: كَمْ كَانَ بَيْنَ الأَذَانِ وَالسَّحُورِ؟ قَالَ: «قَدْرُ خَمْسِينَ آيَةً». وسوف يأتي الكلام عليه بمشيئة الله تعالى في الحديث الذي بعد هذا. ٤ - ليس في الحديث تعيين لما يتسحر به فيشرع بكل طعام. وقد جاءت أحاديث في بيان ما يتسحر به فمن ذلك:

стр. 3665

١ - (الماء). وجاء فيه ما رواه أحمد (١١١٠١) حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، عَنْ هِشَامٍ الدَّسْتُوَائِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي رِفَاعَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «السَّحُورُ أَكْلُهُ بَرَكَةٌ، فَلَا تَدَعُوهُ، وَلَوْ أَنْ يَجْرَعَ أَحَدُكُمْ جُرْعَةً مِنْ مَاءٍ، فَإِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى الْمُتَسَحِّرِينَ». قُلْتُ: أبو رفاعة مجهول. وَالْحَدِيْثُ حَسَنٌ بِشَوَاهِدِهِ. أمَّا أوله فيشهد له حديث الباب. وأمَّا وسطه وهو التسحر بالماء فيشهد له ما رواه ابن حبان في [صَحِيْحِهِ] (٣٤٧٦) أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ زُهَيْرٍ، بِتُسْتَرَ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ رَاشِدٍ الْأَدَمِيَّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِلَالٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عِمْرَانُ الْقَطَّانُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ وَسَّاجٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «تَسَحَّرُوا وَلَوْ بِجَرْعَةٍ مِنْ مَاءٍ». قُلْتُ: إِسْنَادُهُ ضَعِيْفٌ محمد بن بلال مختلف فيه وَقَالَ ابن عدي بأنَّه يغرب عن عمران وهذا من روايته عن عمران. ويشهد له الأثر الذي رواه عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (٧٥٩٩) قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ، عَنْ أَبِي الْوَلِيدِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ الْأَنْصَارِيِّ، أَنَّ نَفَرًا، مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ قَالُوا: «تَسَحَّرُوا وَلَوْ بِجَرْعٍ مِنْ مَاءٍ». قُلْتُ: هَذَا أَثَرٌ صَحِيْحٌ. لكن رواه ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٩٠١٠) حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ خَالِدٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ رَجُلٍ، مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «تَسَحَّرُوا وَلَوْ حَسْوَةً مِنْ مَاءٍ».

стр. 3666

قُلْتُ: فلم يذكر شعبة في حديثه عن خالد الحذاء نفراً من أصحاب النبي ﷺ ، وإنَّما ذكر رجلاً وحديث شعبة أصح من حديث معمر. وأمَّا آخره فيشهد له ما رواه فروى أبو نعيم في [مَعْرِفَةِ الْصَحَابَةِ] (٤١٧٦) حُدِّثْنَاهُ عَنْ سَهْلِ بْنِ السَّرِيِّ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ حُرَيْثٍ، ثنا الْأَشَجُّ أَبُو سَعِيدٍ، ثنا عُقْبَةُ بْنُ خَالِدٍ، ثنا أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْأَنْصَارِيُّ، حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَعْمَرٍ الْأَنْصَارِيُّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «تَسَحَّرُوا فَنِعْمَ غِذَاءُ الْمُسْلِمِ، تَسَحَّرُوا فَإِنَّ اللهَ يُصَلِّي عَلَى الْمُتَسَحِّرِينَ، تَسَحَّرُوا وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ، وَلَوْ بِكَسْرَةٍ». قُلْتُ: قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [الْإِصَابَةِ] (٤/ ٣٦٢) -بعد ذكره لهذا الحديث-: «قال ابن منده: لا يصح. قُلْتُ: وقد تقدم نحو هذا المتن في ترجمة عبد الرحمن بن الأرقم ويحتمل أن يكون هذا عبد الرحمن بن معمر بن حزم والد أبي طوالة الأنصاري الراوي عن أنس فيكون الحديث مرسلاً» اهـ. قُلْتُ: ومحمد بن حريث هو محمد بن حريث بن عبد الرحمن بن حاشد. أبو بكر الأنصاري البخاري الحافظ. لقبه ابن ماكولا. وهناك شواهد شديدة الضعف منها: ما رواه أحمد (١١٤١٤) حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ عِيسَى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «السُّحُورُ أَكْلَةٌ بَرَكَةٌ فَلَا تَدَعُوهُ، وَلَوْ أَنْ يَجْرَعَ أَحَدُكُمْ جَرْعَةً مِنْ مَاءٍ، فَإِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى الْمُتَسَحِّرِينَ».

стр. 3667

قُلْتُ: عبد الرحمن بن زيد هو ابن أسلم شديد الضعف. وروى علي بن الجعد في [مُسْنَدِه] (٣٣٩١) حَدَّثَنَا عَلِيٌّ، أَخْبَرَنِي بَحْرٌ السَّقَّاءُ، أَخْبَرَنِي عِمْرَانُ الْقَصِيرُ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْإِسْكَنْدَرَانِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «الْجَمَاعَةٌ بَرَكَةٌ، وَالثَّرِيدُ بَرَكَةٌ، وَالسَّحُورُ بَرَكَةٌ، تَسَحَّرُوا فَإِنَّهُ يَزِيدُ فِي الْقُوَّةِ، وَهُوَ مِنَ السُّنَّةِ تَسَحَّرُوا وَلَوْ عَلَى جَرْعٍ مِنْ مَاءٍ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَى الْمُتَسَحِّرِينَ». قُلْتُ: بحر السقاء شديد الضعف، وأبو سعيد الإسكندراني قال فيه الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْأَثِيْرِ ﵀ في [أُسْدِ الْغَابَةِ] (٣/ ١٨٥): «أورده يحيى بن منده وقال: قال الْدَارَقُطْنِي: لا أراه صحابياً. وقد أورده أبو نعيم فيمن روى حديث السحور من الصحابة، وروي بإسناده عن داود بن المحبر، عن بحر بن كنيز السقاء، عن عمران القصير، عن أبي سعيد الإسكندري، قال: قَالَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ : "تسحروا فإنَّ في السحور بركة". أخرجه أبو موسى» اهـ. ومنها ما رواه الطبراني في [الْكَبِيْر] (٦٩٣)، و [الْأَوْسَطِ] (٦٤٣٤)، والروياني في [مُسْنَدِه] (١٤٥٧)، وابن حبان في [صَحِيْحِهِ] (٣٤٦٧) مِنْ طَرِيْقِ إِدْرِيسَ بْنِ يَحْيَى الْخَوْلَانِيُّ، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَيَّاشِ بْنِ عَبَّاسٍ الْقِتْبَانِيُّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سُلَيْمَانَ الطَّوِيلِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتُهُ يُصَلُّونَ عَلَى الْمُتَسَحِّرِينَ». قُلْتُ: عبد الله بن عياش ضعيف الحديث، وعبد الله بن سليمان الطويل لم يوثقه معتبر.

стр. 3668

وقد استنكر هذا الحديث أَبُو حَاتِمٍ ﵀ فَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ ﵀ فِي [الْعِلَلِ] (١/ ٢٤٣): «وسألت أبي عن حديث؛ رواه إدريس بن يحيى المصري، عن عبد الله بن عياش القتباني، عن عبد الله بن سليمان، عن نافع، عن ابن عمر، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، قال: "إنَّ الله، وملائكته يصلون على المتسحرين". قال أبي: هذا حديث منكر» اهـ. ومنها ما رواه أبو يعلى في [مُسْنَدِه] (٣٣٤٠) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ ثَابِتٍ الْبَاهِلِيُّ، حَدَّثَنَا ثَابِتٌ الْبُنَانِيُّ، عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «تَسَحَّرُوا وَلَوْ بِجُرْعَةٍ مِنْ مَاءٍ». قُلْتُ: عبد الواحد هذا شديد الضعف فقد قال فيه البخاري: «منكر الحديث». ومنها ما رواه الطبراني في [مُسْنَدِ الشَّامِيِّينَ] (١٦)، وابن منده في [الْفَوَائِدِ] (٦٥) مِنْ طَرِيْقِ مُحَمَّدِ بْنِ مِحْصَنٍ الْعُكَّاشِيُّ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ أَبِي عَبْلَةَ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «اللَّهُمَّ بَارِكْ لِأُمَّتِي فِي سُحُورِهَا، تَسَحَّرُوا وَلَوْ بِشَرْبَةٍ مِنْ مَاءٍ، وَلَوْ بِتَمْرَةٍ، وَلَوْ بِحَبَّاتِ زَبِيبٍ، فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ تُصَلِّي عَلَيْكُمْ». قُلْتُ: محمد بن محصن العكاشي كذاب من الكذابين. ويقال له محمد بن إسحاق. قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ في [شَرْحِ الْعُمْدَةِ] (١/ ٥٢١):

стр. 3669

«قال بعض أصحابنا: وكل ما حصل منه أكل أو شرب؛ حصلت به فضيلة السحور؛ لقوله: "ولو بجرعة من ماء". والأشبه: أنَّه إن قدر على الأكل؛ فهو السنة» اهـ. ٢ - (التمر) أقول جاء السحور على التمر فيما رواه أبو داود (٢٣٤٧) حدثنا عمر بن الحسن بن إبراهيم حدثنا محمد بن أبي الوزير أبو المطرف حدثنا محمد بن موسى عن سعيد المقبري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «نِعْمَ سَحُورُ الْمُؤْمِنِ التَّمْرُ». قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ حَسَنٌ عمر بن الحسن صوابه محمد بن الحسين. وللحديث شاهد عن عقبة بن عامر وهو ما رواه الطبراني في [الْكَبِيْر] (١٤١٩٧)، وابن عدي في [الْكَامِلِ] مِنْ طَرِيْقِ ابْنِ لَهِيعَة، حَدَّثني يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ أَبِي الْخَيْرِ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ عَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ أَخَذَ حِفْنَةً مِنْ تَمْرٍ وَقَالَ: «نِعْمَ سُحُورُ الْمُسْلِمِ». قُلْتُ: ابن لهيعة ضعيف ومدلس وقد عنعن. ويشهد له ما سبق. ٥ - يدل الحديث أنَّ طعام السحور يكون في وقت السحر وهو ينتهي بطلوع الفجر. وقد ذهب جمع من السلف إلى جواز السحور إلى ما بعد ذلك وهو انتشار الضوء. قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ كَثِيْرٍ ﵀ فِي [تَفْسِيْرِهِ] (١/ ٥١٤ - ٥١٥): «وقد رُوي عن طائفة كثيرة من السلف أنَّهم تسامحوا في السحور عند مقاربة الفجر. روي مثل هذا عن أبي بكر، وعمر، وعلي، وابن مسعود، وحذيفة، وأبي

стр. 3670

هريرة، وابن عمر، وابن عباس، وزيد بن ثابت وعن طائفة كثيرة من التابعين، منهم: محمد بن علي بن الحسين، وأبو مِجْلز، وإبراهيم النَّخَعَي، وأبو الضُّحَى، وأبو وائل، وغيره من أصحاب ابن مسعود وعطاء، والحسن، والحكم بن عيينة، ومجاهد، وعروة بن الزبير، وأبو الشعثاء جابر بن زيد. وإليه ذهب الأعمش معمر بن راشد. وقد حررنا أسانيد ذلك في كتاب الصيام المفرد، ولله الحمد. وحكى أبو جَعفر بن جرير في تَفْسِيْرِهِ، عن بعضهم: أنَّه إنَّما يجب الإمساك من طلوع الشمس كما يجوز الإفطار بغروبها. قُلْتُ: وهذا القول ما أظنّ أحدًا من أهل العلم يستقر له قَدَم عليه، لمخالفته نصّ القرآن في قوله: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ وقد وَرَدَ في الصحيحين من حديث القاسم، عن عائشة: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قال: "لا يمنعكم أذانُ بلال عن سَحُوركم، فإنه ينادي بليل، فكلوا واشربوا حتى تسمعوا أذان ابن أم مكتوم فإنه لا يؤذن حتى يطلع الفجر". لفظ البخاري» اهـ. قُلْتُ: وقد وردت في ذلك أحاديث منها: حديث حذيفة بن اليمان ﵁. رواه أحمد (٢٣٤٤٨، ٢٣٤٨٩)، والنسائي (٢١٥٢)، وابن ماجه (١٦٩٥) مِنْ طَرِيْقِ عَاصِمٍ، عَنْ زِرٍّ، قَالَ: قُلْنَا لِحُذَيْفَةَ: أَيَّ سَاعَةٍ تَسَحَّرْتَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ قَالَ: «هُوَ النَّهَارُ إِلَّا أَنَّ الشَّمْسَ لَمْ تَطْلُعْ».

стр. 3671

قُلْتُ: خالف عاصماً عدي بن ثابت فأوقفه بلفظ آخر وهو المحفوظ فإنَّ عاصماً في حفظه شيء. وحديث عدي بن ثابت رواه النسائي (٢١٥٣) أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَدِيٍّ، قَالَ: سَمِعْتُ زِرَّ بْنَ حُبَيْشٍ، قَالَ: «تَسَحَّرْتُ مَعَ حُذَيْفَةَ، ثُمَّ خَرَجْنَا إِلَى الصَّلَاةِ، فَلَمَّا أَتَيْنَا الْمَسْجِدَ صَلَّيْنَا رَكْعَتَيْنِ، وَأُقِيمَتِ الصَّلَاةُ وَلَيْسَ بَيْنَهُمَا إِلَّا هُنَيْهَةٌ». قُلْتُ: وقد أشار النسائي إلى تعليله حيث بوَّب عليه: «تأخير السحور وذكر الاختلاف على زر فيه» اهـ. وَقَالَ الْحَافِظُ الْجَوْزَجَانِيُّ ﵀ في [الْأَبَاطِيْلِ] (٢/ ١٣٣): «منكر» اهـ. وَقَالَ الْحَافِظُ الْمِزِّيُّ ﵀ في [تُحْفَةِ الْأَشْرَافِ] (٣/ ٣٢): «لا نعلم أحداً رفعه غير عاصم فإن كان رفعه صحيحاً فمعناه: أنَّه قرب النهار، كقول الله : ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾ معناه: إذا قاربن البلوغ؛ وكقول القائل: بلغنا المنزل إذا قاربه» اهـ. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ [تَهْذِيْبِ سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ] (٦/ ٣٤١): «قالوا: وأمَّا حديث حذيفة فمعلول وعلته الوقف وأنَّ زراً هو الذي تسحر مع حذيفة ذكره النسائي» اهـ. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ مُفْلِحٍ ﵀ فِي [الْفُرُوْعِ] (٥/ ٢٢) - بعد ذكره للاختلاف في هذا الحديث -: «وعاصم في حديثه اضطراب ونكارة، فرواية الإثبات أولى» اهـ.

стр. 3672

ومنها مرسل حكيم بن جابر. رواه عبد الرزاق في [الْمُصَنَّفِ] (٧٦٠٨)، وأبو داود في [الْمَرَاسِيْلِ] (٩٤)، والشاشي في [مُسْنَدِه] (٩٠٦) مِنْ طَرِيْقِ إِسْمَاعِيلَ ابْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ حَكِيمٍ يَعْنِي ابْنَ جَابِرٍ، قَالَ: أُخْبِرْتُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَتَسَحَّرُ فَجَاءَهُ بِلَالٌ فَقَالَ: الصَّلَاةَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَسَكَتَ فَلَمْ يَرْجِعْ إِلَيْهِ شَيْئًا فَرَجَعَ بِلَالٌ فَقَالَ: الصَّلَاةَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَدْ أَصْبَحْتَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «رَحِمَ اللَّهُ بِلَالًا لَوْلَا بِلَالٌ لَرَجَوْتُ أَنْ يُرَخَّصَ لَنَا إِلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ». قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ مُرْسَلٌ. ورواه البزار في [مُسْنَدِه] (٥٧٣) حَدَّثَنَا خَلَّادُ بْنُ أَسْلَمَ، قَالَ: نا حَنِيفَةُ بْنُ مَرْزُوقٍ، قَالَ: نا سَوَّارُ بْنُ مُصْعَبٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، ﵁ قَالَ: «دَخَلَ عَلْقَمَةُ بْنُ عُلَاثَةَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَسَلَّمَ، فَدَعَا لَهُ بِرَأْسٍ وَجَعَلَ يَأْكُلُ مَعَهُ، فَجَاءَهُ بِلَالٌ فَدَعَاهُ إِلَى الصَّلَاةِ فَلَمْ يَجِبْ، فَرَجَعَ فَمَكَثَ فِي الْمَسْجِدِ مَا شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ جَاءَ، فَقَالَ: الصَّلَاةُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ وَاللَّهِ أَصْبَحْتُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "يَرْحَمُ اللَّهُ بِلَالًا، لَوْلَا بِلَالٌ لَرَجَوْنَا أَنْ يُرَخَّصَ لَنَا مَا بَيْنَنَا وَبَيْنَ طُلُوعِ الشَّمْسِ"، فَقَالَ عَلِيٌّ ﵁: لَوْلَا أَنَّ بِلَالًا حَلَفَ لَأَكَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى يَقُولَ لَهُ جِبْرِيلُ ارْفَعْ يَدَكَ». وَهَذَا الْحَدِيثُ لَا نَعْلَمُ رَوَاهُ عَنْ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ قَيْسٍ، إِلَّا سَوَّارُ بْنُ مُصْعَبٍ، وَهُوَ لَيِّنُ الْحَدِيثِ اهـ.

стр. 3673

قُلْتُ: سوار متروك الحديث، وقد خالف في حديثه هذا سفيان بن عيينة، ويعلى بن عبيد، ووهب بن بقية. ومنها حديث أبي هريرة ﵁. روى أحمد (١٠٦٣٧)، وأبو داود (٢٣٥٠) مِنْ طَرِيْقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِذَا سَمِعَ أَحَدُكُمُ النِّدَاءَ وَالْإِنَاءُ عَلَى يَدِهِ، فَلَا يَضَعْهُ حَتَّى يَقْضِيَ حَاجَتَهُ مِنْهُ». قُلْتُ: وروى أحمد في [الْمُسْنَد] (١٠٦٣٨)، والطبري في [تَفْسِيْرِهِ] (٣/ ٥٢٧)، والبيهقي في [الْكُبْرَى] (٧٨١٠) مِنْ طَرِيْقِ رَوْحِ بْنِ عُبَادَةَ عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ عَمَّارِ بْنِ أَبِي عَمَّارٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بزيادة في آخره وهي: «وَكَانَ الْمُؤَذِّنُونَ يُؤَذِّنُونَ إِذَا بَزَغَ الْفَجْرُ». قُلْتُ: هَذَا الْحَدِيْثُ لَا يَصِّحُ. قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ ﵀ في [الْعِلَلِ] (١/ ١٢٣ - ١٢٤) رقم (٣٤٠): «وسألت أبي عن حديث؛ رواه روح بن عبادة، عن حماد، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، أنَّه قال: "إذا سمع أحدكم النداء والإناء على يده فلا يضعه حتى يقضي حاجته منه". قلت لأبي: وروى روح أيضاً عن حماد، عن عمار بن أبي عمار، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مثله، وزاد فيه: "وكان المؤذن يؤذن إذا بزغ الفجر".

стр. 3674

قال أبي: هذان الحديثان ليسا بصحيحين، أمَّا حديث عمار فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ موقوف، وعمار ثقة، والحديث الآخر ليس بصحيح» اهـ. وَقَالَ الْحَافِظُ الْبَيْهَقِيُّ ﵀ في [الْكُبْرَى] (٤/ ٢١٨): «وَهَذَا إِنْ صَحَّ فَهُوَ مَحْمُولٌ عِنْدَ عَوَامِّ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّهُ ﷺ عَلِمَ أَنَّ الْمُنَادِىَ كَانَ يُنَادِى قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ بِحَيْثُ يَقَعُ شُرْبُهُ قُبَيْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ وَقَوْلُ الرَّاوِي وَكَانَ الْمُؤَذِّنُونَ يُؤَذِّنُونَ إِذَا بَزَغَ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ خَبَرًا مُنْقَطِعًا مِمَّنْ دُونَ أَبِي هُرَيْرَةَ أَوْ يَكُونَ خَبَرًا عَنِ الأَذَانِ الثَّانِي وَقَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ : "إِذَا سَمِعَ أَحَدُكُمُ النِّدَاءَ وَالإِنَاءُ عَلَى يَدِهِ". خَبَرًا عَنِ النِّدَاءِ الأَوَّلِ» اهـ. قُلْتُ: جعله ابن حزم من كلام عمار بن أبي عمار حيث قال في [الْمُحَلَّى] (٤/ ٣٦٩): «قال عمار: وكانوا يؤذنون إذا بزغ الفجر» اهـ. قُلْتُ: وإذا تبيَّن أنَّ هذه الجملة ليست من الحديث فيمكن أن يحمل الحديث على فرض ثبوته على غير الصيام كقوله ﵊: «لَا صَلَاةَ بِحَضْرَةِ الطَّعَامِ وَلَا هُوَ يُدَافِعُهُ الْأَخْبَثَانِ». رواه مسلم (٥٦٠) من حديث عائشة ﵂. وما رواه البخاري (٦٧١)، ومسلم (٥٥٨) عن عَائِشَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «إِذَا وُضِعَ الْعَشَاءُ وَأُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَابْدَؤُوا بِالْعَشَاءِ». ورواه البخاري (٥٤٦٣)، ومسلم (٥٥٧). وجاء بنحوه من حديث ابن عمر رواه البخاري (٦٧٣)، ومسلم (٥٥٩). ومنها: مرسل الحسن.

стр. 3675

رواه عبد الرزاق في [الْمُصَنَّفِ] (٧٣٦٩) عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، عَنْ إِسْرَائِيلَ أَبِي مُوسَى، عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ، وَالْإِنَاءُ عَلَى يَدِي، وَأَنَا أُرِيدُ الصَّوْمَ؟ قَالَ: «اشْرَبْ». ورواه أحمد (٩٤٦٨) حَدَّثَنَا غَسَّانُ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَعَنْ يُونُسَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِذَا سَمِعَ أَحَدُكُمُ الْأَذَانَ، وَالْإِنَاءُ عَلَى يَدِهِ، فَلَا يَدَعْهُ حَتَّى يَقْضِيَ مِنْهُ». قُلْتُ: يونس هو ابن عبيد وحديثه هذا أرجح من حديث إسرائيل، وليس فيه كما ترى ذكرٌ للصيام، فعله وارد في غير الصيام، كأحاديث النهي عن الصلاة بحضرة الطعام. والله أعلم. ومنها: حديث أبي أمامة ﵁. فروى الطبري في [تَفْسِيْرِهِ] (٣/ ٢٥٩/ ٣٠٣٤) حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا يحيى بن واضح، قال: حدثنا الحسين، وحدثنا محمد بن علي بن الحسن بن شقيق، قال: سمعت أبي قال: أخبرنا الحسين بن واقد، قالا جميعاً، عن أبي غالب، عن أبي أمامة، قال: «أقيمت الصلاة والإناء في يد عمر، قال: أشربها يا رسول الله؟ قال: "نعم"، فشربها». قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ ضَعِيْفٌ ابن حميد هو محمد بن حميد ضعيف الحديث، وأبو غالب أيضاً ضعيف الحديث. قُلْتُ: وهو مع ضعفه فليس بصريح على الشرب عند طلوع الفجر لمن أراد الصيام بل يمكن أن يحمل على غير الصيام على معنى ما رواه البخاري (٦٧٣)،

стр. 3676

ومسلم (١٢٤٤) عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِذَا وُضِعَ عَشَاءُ أَحَدِكُمْ وَأُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، فَابْدَءُوا بِالعَشَاءِ وَلَا يَعْجَلْ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْهُ». وروى البخاري (٦٧٤) معلقاً بصيغة الجزم عَنْ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «إِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ عَلَى الطَّعَامِ، فَلَا يَعْجَلْ حَتَّى يَقْضِيَ حَاجَتَهُ مِنْهُ، وَإِنْ أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ». قُلْتُ: وقد وصله أبو عوانة في [مُسْتَخْرَجِهِ] (١٠١٢)، وابن شاهين في [نَاسِخِ الْحَدِيْثِ وَمَنْسُوخِهِ] (٢٣٠). وروى مسلم (٥٦٠) عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «لَا صَلَاةَ بِحَضْرَةِ الطَّعَامِ، وَلَا هُوَ يُدَافِعُهُ الْأَخْبَثَانِ». وغير ذلك من الأحاديث التي سبق ذكرها. ومنها: حديث جابر بن عبد الله ﵁. رواه أحمد (١٤٧٩٧) حَدَّثَنَا مُوسَى، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، قَالَ: سَأَلْتُ جَابِرًا عَنِ الرَّجُلِ يُرِيدُ الصِّيَامَ وَالْإِنَاءُ عَلَى يَدِهِ لِيَشْرَبَ مِنْهُ، فَيَسْمَعُ النِّدَاءَ، قَالَ جَابِرٌ: كُنَّا نُحَدَّثُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لِيَشْرَبْ». قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ ضَعِيْفٌ من أجل ابن لهيعة ضعيف ومدلس وقد عنعن. ومنها: حديث بلال بن أبي رباح ﵁. رواه ابن جرير الطبري في [تَفْسِيْرِهِ] (٣/ ٢٥٩) (٣٠٣٦) حدثني محمد بن أحمد الطوسي، قال: حدثنا عبيد الله بن موسى، قال: أخبرنا إسرائيل، عن أبي إسحاق عن عبد الله بن معقل، عن بلال، قال:

стр. 3677

«أتيت النبي ﷺ أوذنه بصلاة الفجر وهو يريد الصيام، فدعا بإناء فشرب، ثم ناولني فشربت، ثم خرجنا إلى الصلاة». قُلْتُ: وقد تابع إسرائيل يونس بن أبي إسحاق عند الطبري في [تَفْسِيْرِهِ] (٣/ ٢٥٩) (٣٠٣٥)، والطبراني في [الْكَبِيْر] (١٠٧٤)، والشاشي في [مُسْنَدِه] (٩٦١). قُلْتُ: أبو إسحاق تنازع العلماء في قبول عنعنته، واختلفوا فيه هل اختلط أو تغير فقط، أضف إلى ذلك أني لم أقف على سماع لعبد الله بن معقل من بلال وما أظن أنَّه سمع منه لأمرين: الأول: أنَّه لا يمكن سماع عبد الله بن معقل من بلال إلَّا على افتراض أنَّه عمِّر أكثر من سبعين سنة وهذا خلاف الغالب من أعمار هذه الْأُمة. الآخر: أنَّ حفاظ الحديث لم ينصوا فيما أعلم على سماعه من رجل مات في عصر بلال ﵁. فالذي يظهر لي عدم ثبوت هذا الحديث. والله أعلم. ورواه أحمد (٢٣٩٤٧) حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ بُرْقَانَ، عَنْ شَدَّادٍ، مَوْلَى عِيَاضِ بْنِ عَامِرٍ، عَنْ بِلَالٍ: «أَنَّهُ جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ يُؤْذِنُهُ بِالصَّلَاةِ فَوَجَدَهُ يَتَسَحَّرُ فِي مَسْجِدِ بَيْتِهِ». قُلْتُ: شداد مولى عياض مجهول، ولم يدرك بلالاً. ومنها: حديث عبد الله بن عمر ﵁. وروى الطيالسي في [مُسْنَدِه] (٢٠١٠)، وعبد بن حميد في [الْمُنْتَخَبِ] (٨٥٢)، والبزار في [مُسْنَدِه] (٥٣٦٩)، وأبو نعيم في [مَعْرِفَةِ الْصَحَابَةِ]

стр. 3678

(٤٨٨٦)، وابن عدي في [الْكَامِلِ] (٦/ ٤١)، وابن عساكر في [تَارِيْخِ دِمَشْق] (٤١/ ١٤٣) مِنْ طَرِيْقِ قَيْسِ بْنِ الرَّبِيْعِ، عَنْ زُهَيْرِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ الْأَعْمَى، عَنْ تَمِيمِ بْنِ عِيَاضٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: «كَانَ عَلْقَمَةُ بْنُ عُلَاثَةَ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَجَاءَ بِلَالٌ يُؤْذِنُهُ بِالصَّلَاةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "رُوَيْدًا يَا بِلَالُ، يَتَسَحَّرُ عَلْقَمَةُ" قَالَ: وَهُوَ يَتَسَحَّرُ بِرَأْسٍ». قُلْتُ: تميم بن عياض لم أقف له على ترجمة. وأمَّا الآثار عن الصحابة فمنها: أثر أبي بكر الصديق ﵁. روى ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٩٠٢٢) حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ هِلَالِ بْنِ يَسَافٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عُبَيْدٍ الْأَشْجَعِيِّ، قَالَ: كُنْتُ مَعَ أَبِي بَكْرٍ، فَقَالَ: «قُمْ فَاسْتُرْنِي مِنَ الْفَجْرِ، ثُمَّ أَكَلَ». قُلْتُ: هَذَا أَثَرٌ ظَاهِرُهُ الصِّحَةِ. لكن قال الحاكم ﵀ في [الْمُسْتَدْرَكِ] (٤/ ٢٩٨): «هِلَالُ بْنُ يَسَافٍ لَمْ يُدْرِكْ سَالِمَ بْنَ عُبَيْدٍ وَلَمْ يَرَهُ» اهـ. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الدَّوْرِيُّ ﵀ في [تَارِيْخِ ابْنِ مَعِيْن] (٣/ ٥٧٤): «سَأَلت يحيى عَنْ هِلَال بن يسَاف لقى أحداً من أَصْحَاب النَّبِي ﷺ قَالَ: يَقُولُونَ: عمرَان بن حُصَيْن» اهـ. وروى الْدَارَقُطْنِي في [سُنَنِه] (٢١٨٦، ٢١٨٧) حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، ثنا دَاوُدُ بْنُ رُشَيْدٍ، ثنا أَبُو حَفْصٍ الْأَبَّارُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ هِلَالِ بْنِ يَسَافٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عُبَيْدٍ، قَالَ: كُنْتُ فِي حِجْرِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ فَصَلَّى ذَاتَ لَيْلَةٍ مَا

стр. 3679

شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ قَالَ: «اخْرُجْ فَانْظُرْ هَلْ طَلَعَ الْفَجْرُ؟»، قَالَ: فَخَرَجْتُ ثُمَّ رَجَعْتُ، فَقُلْتُ: قَدِ ارْتَفَعَ فِي السَّمَاءِ أَبْيَضُ، فَصَلَّى مَا شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ قَالَ: «اخْرُجْ فَانْظُرْ هَلْ طَلَعَ الْفَجْرُ؟»، فَخَرَجْتُ ثُمَّ رَجَعْتُ فَقُلْتُ: لَقَدِ اعْتَرَضَ فِي السَّمَاءِ أَحْمَرُ، فَقَالَ: «هَيْتَ الْآنَ فَأَبْلِغْنِي سُحُورِي». حَدَّثَنَا أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ صَاعِدٍ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ زُنْبُورٍ، ثنا فُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ، عَنْ مَنْصُورٍ، بِإِسْنَادِهِ نَحْوَهُ، وَقَالَ: فَقُلْتُ: قَدِ اعْتَرَضَ فِي السَّمَاءِ وَاحْمَرَّ، فَقَالَ: «ائْتِ الْآنَ بِشَرَابِي»، قَالَ: وَقَالَ يَوْمًا، آخَرَ: «قُمْ عَلَى الْبَابِ بَيْنِي وَبَيْنَ الْفَجْرِ». وَهَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ اهـ. قُلْتُ: لكن قال الحاكم في [الْمُسْتَدْرَكِ] (٤/ ٢٩٨): «هلال بن يساف لم يدرك سالم بن عبيد ولم يره» اهـ. وروى عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (٧٦١٨) عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، أَنَّ أَبَا بَكْرٍ، كَانَ يَقُولُ: «أَجِيفُوَا الْبَابَ لَا يُفْجُؤْنَا الصُّبْحُ». قُلْتُ: هَذَا أَثَرٌ لَا يَصِّحُ للانقطاع بين أبي قلابة وأبي بكر الصديق ﵁. ومنها: أثر علي بن أبي طالب ﵁. فروى عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (٧٦٠٩)، والشافعي في [الْمُسْنَد] (٧٣٣)، و [الْأُم] (٧/ ١٦٥)، وابن أبي شيبة في [الْمُصَنَّفِ] (٩٠٢٣)، وأحمد في [الْعِلَلِ] (١٣٥)، وابن المنذر في [الْأَوْسَطِ] (١٠١٣)، والبيهقي في [الْكُبْرَى] (١٦٧١)، و [الْمَعْرِفَة] (٧١٠)، والخطيب في [الْمُؤْتَلِفِ وَالْمُخْتَلفِ] (١/ ٤١٣)

стр. 3680

عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، عَنْ شَبِيبِ بْنِ غَرْقَدَةَ، عَنْ حِبَّانَ بْنِ الْحَارِثِ قَالَ: أَتَيْتُ عَلِيًّا وَهُوَ مُعَسْكِرٌ بِدَيْرِ أَبِي مُوسَى وَهُوَ يَتَسَحَّرُ، فَقَالَ: «ادْنُ» قَالَ: قُلْتُ: إِنِّي أُرِيدُ الصِّيَامَ قَالَ: «وَأَنَا أُرِيدُ الصِّيَامَ» فَلَمَّا فَرَغَ قَالَ لِلْمُؤَذِّنِ: «أَقِمُ الصَّلَاةَ». قُلْتُ: هَذَا الْأَثَرُ لا يثبت حبان بن الحارث مجهول لم يوثقه معتبر. ومنها: أثر عبد الله بن مسعود ﵁. فروى ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٩٠٢٤) حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الشَّيْبَانِيِّ، عَنْ جَبَلَةَ بْنِ سُحَيْمٍ، عَنْ عَامِرِ بْنِ مَطَرٍ، قَالَ: «أَتَيْتُ عَبْدَ اللَّهِ فِي دَارِهِ، فَأَخْرَجَ لَنَا فَضْلَ سَحُورِهِ، فَتَسَحَّرْنَا مَعَهُ، فَأُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَخَرَجْنَا فَصَلَّيْنَا مَعَهُ». قُلْتُ: الشيباني هو أبو إسحاق واسمه سليمان بن أبي سليمان. وظاهر هذا الأثر أنَّهما تسحرا بعد أذان الفجر فإنَّ فيه أنَّ إقامة الصلاة كانت عقب سحورهم كما تدل عليه الفاء التي للتعقيب؛ لكن روى الحديث عبد الرزاق بلفظ "ثم" التي تدل على معنى التراخي فقال ﵀ في [مُصَنَّفِهِ] (٧٦١٩) عَنْ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ مِسْعَرٍ، عَنْ جَبَلَةَ بْنِ سُحَيْمٍ، عَنْ عَامِرِ بْنِ مَطَرٍ الشَّيْبَانِيِّ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: «تَسَحَّرْنَا مَعَ عَبْدِ اللَّهِ ثُمَّ خَرَجْنَا فَأُقِيمَتِ الصَّلَاةُ». ورواه أبو نعيم في [مَعْرِفَةِ الْصَحَابَةِ] (٥٢٠٠) حَدَّثَنَا أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ حَيَّانَ، ثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سُلَيْمٍ، ثنا سَهْلُ بْنُ زَنْجَلَةَ، ثنا وَكِيعٌ، عَنْ مِسْعَرٍ، عَنْ جَبَلَةَ بْنِ سُحَيْمٍ، عَنْ عَامِرِ بْنِ مَطَرٍ، قَالَ: «تَسَحَّرْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، ثُمَّ قُمْنَا إِلَى الصَّلَاةِ» كَذَا قَالَ سَهْلٌ، عَنْ وَكِيعٍ، وَرَوَاهُ غَيْرُهُ عَنْ وَكِيعٍ، فَقَالَ: تَسَحَّرْنَا مَعَ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَهُوَ الصَّحِيحُ اهـ.
следующие страницы →