Полный текст (8 095 стр.). Показаны 3676–3715 · переход к 3681.
стр. 3676
ومسلم (١٢٤٤) عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِذَا وُضِعَ عَشَاءُ أَحَدِكُمْ وَأُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، فَابْدَءُوا بِالعَشَاءِ وَلَا يَعْجَلْ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْهُ».
وروى البخاري (٦٧٤) معلقاً بصيغة الجزم عَنْ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «إِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ عَلَى الطَّعَامِ، فَلَا يَعْجَلْ حَتَّى يَقْضِيَ حَاجَتَهُ مِنْهُ، وَإِنْ أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ».
قُلْتُ: وقد وصله أبو عوانة في [مُسْتَخْرَجِهِ] (١٠١٢)، وابن شاهين في [نَاسِخِ الْحَدِيْثِ وَمَنْسُوخِهِ] (٢٣٠).
وروى مسلم (٥٦٠) عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «لَا صَلَاةَ بِحَضْرَةِ الطَّعَامِ، وَلَا هُوَ يُدَافِعُهُ الْأَخْبَثَانِ».
وغير ذلك من الأحاديث التي سبق ذكرها.
ومنها: حديث جابر بن عبد الله ﵁.
رواه أحمد (١٤٧٩٧) حَدَّثَنَا مُوسَى، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، قَالَ: سَأَلْتُ جَابِرًا عَنِ الرَّجُلِ يُرِيدُ الصِّيَامَ وَالْإِنَاءُ عَلَى يَدِهِ لِيَشْرَبَ مِنْهُ، فَيَسْمَعُ النِّدَاءَ، قَالَ جَابِرٌ: كُنَّا نُحَدَّثُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لِيَشْرَبْ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ ضَعِيْفٌ من أجل ابن لهيعة ضعيف ومدلس وقد عنعن.
ومنها: حديث بلال بن أبي رباح ﵁.
رواه ابن جرير الطبري في [تَفْسِيْرِهِ] (٣/ ٢٥٩) (٣٠٣٦) حدثني محمد بن أحمد الطوسي، قال: حدثنا عبيد الله بن موسى، قال: أخبرنا إسرائيل، عن أبي إسحاق عن عبد الله بن معقل، عن بلال، قال:
стр. 3677
«أتيت النبي ﷺ أوذنه بصلاة الفجر وهو يريد الصيام، فدعا بإناء فشرب، ثم ناولني فشربت، ثم خرجنا إلى الصلاة».
قُلْتُ: وقد تابع إسرائيل يونس بن أبي إسحاق عند الطبري في [تَفْسِيْرِهِ] (٣/ ٢٥٩) (٣٠٣٥)، والطبراني في [الْكَبِيْر] (١٠٧٤)، والشاشي في [مُسْنَدِه] (٩٦١).
قُلْتُ: أبو إسحاق تنازع العلماء في قبول عنعنته، واختلفوا فيه هل اختلط أو تغير فقط، أضف إلى ذلك أني لم أقف على سماع لعبد الله بن معقل من بلال وما أظن أنَّه سمع منه لأمرين:
الأول: أنَّه لا يمكن سماع عبد الله بن معقل من بلال إلَّا على افتراض أنَّه عمِّر أكثر من سبعين سنة وهذا خلاف الغالب من أعمار هذه الْأُمة.
الآخر: أنَّ حفاظ الحديث لم ينصوا فيما أعلم على سماعه من رجل مات في عصر بلال ﵁.
فالذي يظهر لي عدم ثبوت هذا الحديث. والله أعلم.
ورواه أحمد (٢٣٩٤٧) حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ بُرْقَانَ، عَنْ شَدَّادٍ، مَوْلَى عِيَاضِ بْنِ عَامِرٍ، عَنْ بِلَالٍ: «أَنَّهُ جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ يُؤْذِنُهُ بِالصَّلَاةِ فَوَجَدَهُ يَتَسَحَّرُ فِي مَسْجِدِ بَيْتِهِ».
قُلْتُ: شداد مولى عياض مجهول، ولم يدرك بلالاً.
ومنها: حديث عبد الله بن عمر ﵁.
وروى الطيالسي في [مُسْنَدِه] (٢٠١٠)، وعبد بن حميد في [الْمُنْتَخَبِ] (٨٥٢)، والبزار في [مُسْنَدِه] (٥٣٦٩)، وأبو نعيم في [مَعْرِفَةِ الْصَحَابَةِ]
стр. 3678
(٤٨٨٦)، وابن عدي في [الْكَامِلِ] (٦/ ٤١)، وابن عساكر في [تَارِيْخِ دِمَشْق] (٤١/ ١٤٣) مِنْ طَرِيْقِ قَيْسِ بْنِ الرَّبِيْعِ، عَنْ زُهَيْرِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ الْأَعْمَى، عَنْ تَمِيمِ بْنِ عِيَاضٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: «كَانَ عَلْقَمَةُ بْنُ عُلَاثَةَ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَجَاءَ بِلَالٌ يُؤْذِنُهُ بِالصَّلَاةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "رُوَيْدًا يَا بِلَالُ، يَتَسَحَّرُ عَلْقَمَةُ" قَالَ: وَهُوَ يَتَسَحَّرُ بِرَأْسٍ».
قُلْتُ: تميم بن عياض لم أقف له على ترجمة.
وأمَّا الآثار عن الصحابة فمنها:
أثر أبي بكر الصديق ﵁.
روى ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٩٠٢٢) حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ هِلَالِ بْنِ يَسَافٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عُبَيْدٍ الْأَشْجَعِيِّ، قَالَ: كُنْتُ مَعَ أَبِي بَكْرٍ، فَقَالَ: «قُمْ فَاسْتُرْنِي مِنَ الْفَجْرِ، ثُمَّ أَكَلَ».
قُلْتُ: هَذَا أَثَرٌ ظَاهِرُهُ الصِّحَةِ. لكن قال الحاكم ﵀ في [الْمُسْتَدْرَكِ] (٤/ ٢٩٨): «هِلَالُ بْنُ يَسَافٍ لَمْ يُدْرِكْ سَالِمَ بْنَ عُبَيْدٍ وَلَمْ يَرَهُ» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الدَّوْرِيُّ ﵀ في [تَارِيْخِ ابْنِ مَعِيْن] (٣/ ٥٧٤):
«سَأَلت يحيى عَنْ هِلَال بن يسَاف لقى أحداً من أَصْحَاب النَّبِي ﷺ قَالَ: يَقُولُونَ: عمرَان بن حُصَيْن» اهـ.
وروى الْدَارَقُطْنِي في [سُنَنِه] (٢١٨٦، ٢١٨٧) حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، ثنا دَاوُدُ بْنُ رُشَيْدٍ، ثنا أَبُو حَفْصٍ الْأَبَّارُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ هِلَالِ بْنِ يَسَافٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عُبَيْدٍ، قَالَ: كُنْتُ فِي حِجْرِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ فَصَلَّى ذَاتَ لَيْلَةٍ مَا
стр. 3679
شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ قَالَ: «اخْرُجْ فَانْظُرْ هَلْ طَلَعَ الْفَجْرُ؟»، قَالَ: فَخَرَجْتُ ثُمَّ رَجَعْتُ، فَقُلْتُ: قَدِ ارْتَفَعَ فِي السَّمَاءِ أَبْيَضُ، فَصَلَّى مَا شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ قَالَ: «اخْرُجْ فَانْظُرْ هَلْ طَلَعَ الْفَجْرُ؟»، فَخَرَجْتُ ثُمَّ رَجَعْتُ فَقُلْتُ: لَقَدِ اعْتَرَضَ فِي السَّمَاءِ أَحْمَرُ، فَقَالَ: «هَيْتَ الْآنَ فَأَبْلِغْنِي سُحُورِي».
حَدَّثَنَا أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ صَاعِدٍ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ زُنْبُورٍ، ثنا فُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ، عَنْ مَنْصُورٍ، بِإِسْنَادِهِ نَحْوَهُ، وَقَالَ: فَقُلْتُ: قَدِ اعْتَرَضَ فِي السَّمَاءِ وَاحْمَرَّ، فَقَالَ: «ائْتِ الْآنَ بِشَرَابِي»، قَالَ: وَقَالَ يَوْمًا، آخَرَ: «قُمْ عَلَى الْبَابِ بَيْنِي وَبَيْنَ الْفَجْرِ». وَهَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ اهـ.
قُلْتُ: لكن قال الحاكم في [الْمُسْتَدْرَكِ] (٤/ ٢٩٨): «هلال بن يساف لم يدرك سالم بن عبيد ولم يره» اهـ.
وروى عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (٧٦١٨) عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، أَنَّ أَبَا بَكْرٍ، كَانَ يَقُولُ: «أَجِيفُوَا الْبَابَ لَا يُفْجُؤْنَا الصُّبْحُ».
قُلْتُ: هَذَا أَثَرٌ لَا يَصِّحُ للانقطاع بين أبي قلابة وأبي بكر الصديق ﵁.
ومنها: أثر علي بن أبي طالب ﵁.
فروى عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (٧٦٠٩)، والشافعي في [الْمُسْنَد] (٧٣٣)، و [الْأُم] (٧/ ١٦٥)، وابن أبي شيبة في [الْمُصَنَّفِ] (٩٠٢٣)، وأحمد في [الْعِلَلِ] (١٣٥)، وابن المنذر في [الْأَوْسَطِ] (١٠١٣)، والبيهقي في [الْكُبْرَى] (١٦٧١)، و [الْمَعْرِفَة] (٧١٠)، والخطيب في [الْمُؤْتَلِفِ وَالْمُخْتَلفِ] (١/ ٤١٣)
стр. 3680
عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، عَنْ شَبِيبِ بْنِ غَرْقَدَةَ، عَنْ حِبَّانَ بْنِ الْحَارِثِ قَالَ: أَتَيْتُ عَلِيًّا وَهُوَ مُعَسْكِرٌ بِدَيْرِ أَبِي مُوسَى وَهُوَ يَتَسَحَّرُ، فَقَالَ: «ادْنُ» قَالَ: قُلْتُ: إِنِّي أُرِيدُ الصِّيَامَ قَالَ: «وَأَنَا أُرِيدُ الصِّيَامَ» فَلَمَّا فَرَغَ قَالَ لِلْمُؤَذِّنِ: «أَقِمُ الصَّلَاةَ».
قُلْتُ: هَذَا الْأَثَرُ لا يثبت حبان بن الحارث مجهول لم يوثقه معتبر.
ومنها: أثر عبد الله بن مسعود ﵁.
فروى ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٩٠٢٤) حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الشَّيْبَانِيِّ، عَنْ جَبَلَةَ بْنِ سُحَيْمٍ، عَنْ عَامِرِ بْنِ مَطَرٍ، قَالَ: «أَتَيْتُ عَبْدَ اللَّهِ فِي دَارِهِ، فَأَخْرَجَ لَنَا فَضْلَ سَحُورِهِ، فَتَسَحَّرْنَا مَعَهُ، فَأُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَخَرَجْنَا فَصَلَّيْنَا مَعَهُ».
قُلْتُ: الشيباني هو أبو إسحاق واسمه سليمان بن أبي سليمان.
وظاهر هذا الأثر أنَّهما تسحرا بعد أذان الفجر فإنَّ فيه أنَّ إقامة الصلاة كانت عقب سحورهم كما تدل عليه الفاء التي للتعقيب؛ لكن روى الحديث عبد الرزاق بلفظ "ثم" التي تدل على معنى التراخي فقال ﵀ في [مُصَنَّفِهِ] (٧٦١٩) عَنْ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ مِسْعَرٍ، عَنْ جَبَلَةَ بْنِ سُحَيْمٍ، عَنْ عَامِرِ بْنِ مَطَرٍ الشَّيْبَانِيِّ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: «تَسَحَّرْنَا مَعَ عَبْدِ اللَّهِ ثُمَّ خَرَجْنَا فَأُقِيمَتِ الصَّلَاةُ».
ورواه أبو نعيم في [مَعْرِفَةِ الْصَحَابَةِ] (٥٢٠٠) حَدَّثَنَا أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ حَيَّانَ، ثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سُلَيْمٍ، ثنا سَهْلُ بْنُ زَنْجَلَةَ، ثنا وَكِيعٌ، عَنْ مِسْعَرٍ، عَنْ جَبَلَةَ بْنِ سُحَيْمٍ، عَنْ عَامِرِ بْنِ مَطَرٍ، قَالَ: «تَسَحَّرْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، ثُمَّ قُمْنَا إِلَى الصَّلَاةِ» كَذَا قَالَ سَهْلٌ، عَنْ وَكِيعٍ، وَرَوَاهُ غَيْرُهُ عَنْ وَكِيعٍ، فَقَالَ: تَسَحَّرْنَا مَعَ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَهُوَ الصَّحِيحُ اهـ.
стр. 3681
قُلْتُ: وَلَا يَثْبُتُ هَذَا عن ابن مسعود فإنَّ عامر بن مطر تابعي على الصحيح ولم يوثقه معتبر.
* * *
стр. 3682
١٧٧ - عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عن زيد بن ثابت ﵄ قال: «تَسَحَّرْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ قَامَ إِلَى الصَّلاةِ.
قَالَ أَنَسٌ: قُلْت لِزَيْدٍ: كَمْ كَانَ بَيْنَ الأَذَانِ وَالسَّحُورِ؟ قَالَ: قَدْرُ خَمْسِينَ آيَةً».
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلَ مِنْهَا:
١ - استحباب السحور.
٢ - استحباب تأخير السحور.
ويدل على استحباب تأخير السحور أيضاً تسمية النبي ﷺ له "الغداء المبارك". فإنَّ الغداء هو طعام أول النهار فسمي السحور بذلك لقربه من أول النهار.
وجاء ذلك في عدة الأحاديث منها ما رواه النسائي (٢١٦٤) أَخْبَرَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللَّهِ، عَنْ بَقِيَّةَ بْنِ الْوَلِيدِ، قَالَ: أَخْبَرَنِي بَحِيرُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ، عَنْ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِ يكَرِبَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: «عَلَيْكُمْ بِغَدَاءِ السُّحُورِ فَإِنَّهُ هُوَ الْغَدَاءُ الْمُبَارَكُ».
قُلْتُ: هَذَا إِسْنَادٌ حَسَنٌ. وللحديث شواهد.
٣ - وفيه أنَّ بين انتهاء النبي ﷺ من السحور وبين الأذان مقدار خمسين آية وهذه رواية البخاري؛ لكن جاء الحديث عند البخاري (٥٧٦)، ومسلم (١٠٩٧) عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ وَزَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ: «تَسَحَّرَا فَلَمَّا فَرَغَا مِنْ سَحُورِهِمَا، قَامَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ إِلَى
стр. 3683
الصَّلَاةِ، فَصَلَّى»، قُلْنَا لِأَنَسٍ: كَمْ كَانَ بَيْنَ فَرَاغِهِمَا مِنْ سَحُورِهِمَا وَدُخُولِهِمَا فِي الصَّلَاةِ؟ قَالَ: «قَدْرُ مَا يَقْرَأُ الرَّجُلُ خَمْسِينَ آيَةً». وهذا يدل على أنَّ الخمسين الآية مقدار ما بين الانتهاء من السحور والدخول في الصلاة.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ في [فَتْحِ الْبَارِي] (٣/ ٢٢٠): «وأكثر الروايات تدل على أنَّ ذلك قدر ما بين السحور والصلاة» اهـ.
قُلْتُ: وقد كان تأخير السحور من هدي الصحابة ﵃.
فروى البخاري (٥٧٧) عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، قَالَ: «كُنْتُ أَتَسَحَّرُ فِي أَهْلِي، ثُمَّ يَكُونُ سُرْعَةٌ بِي، أَنْ أُدْرِكَ صَلَاةَ الفَجْرِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ».
٤ - وفيه الاجتماع على طعام السحور.
٥ - مشروعية تقدير الأوقات بالأعمال الصالحة.
٦ - اهتمام الصحابة بالقرآن ويدل على ذلك تقديرهم زمن انتهاء السحور بقراءة آيات القرآن.
* * *
стр. 3684
١٧٨ - عَنْ عَائِشَةَ. وَأُمِّ سَلَمَةَ ﵄: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُدْرِكُهُ الفَجْرُ وَهُوَ جُنُبٌ مِنْ أَهْلِهِ، ثُمَّ يَغْتَسِلُ، وَيَصُومُ».
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلَ مِنْهَا:
١ - صحة صوم من أصبح جنباً من جماع، ومثل ذلك الاحتلام.
قُلْتُ: ويدل على ذلك قول الله تعالى: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة: ١٨٧].
فأباح الله المباشرة، والمراد بها الجماع إلى أن يبين الفجر، ومعلوم أنَّ من جامع إلى ذلك الوقت المأذون فيه؛ فإنَّه يصبح جنباً.
وقد كان في هذه المسألة نزاع قديم ثم استقر الإجماع على ما دل عليه حديث عائشة، وأم سلمة ﵄.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ في [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٤/ ٩٥):
«فقد أجمع أهل هذه الأمصار على صحة صوم الجنب، سواء كان من احتلام أو جماع، وبه قال جماهير الصحابة والتابعين، وحكي عن الحسن بن صالح إبطاله، وكان عليه أبو هريرة، والصحيح أنَّه رجع عنه كما صرح به هنا في رواية مسلم، وقيل: لم يرجع عنه، وليس بشيء.
وحكي عن طاووس وعروة والنخعي: إن علم بجنايته لم يصح، وإلَّا فيصح، وحكي مثله عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وحكي أيضاً عن الحسن البصري والنخعي: أنَّه يجزيه
стр. 3685
في صوم التطوع دون الفرض، وحكي عن سالم بن عبد الله والحسن البصري والحسن بن صالح: يصومه ويقضيه، ثم ارتفع هذا الخلاف وأجمع العلماء بعد هؤلاء على صحته كما قدمناه، وفي صحة الإجماع بعد الخلاف خلاف مشهور لأهل الأصول، وحديث عائشة وأم سلمة حجة على كل مخالف. والله أعلم» اهـ.
٢ - ويلحق بالجنب المرأة الحائض أو النفساء إذا طهرت قبل طلوع الفجر فإنَّها إن نوت صح صومها وإن لم تتطهر إلَّا بعد طلوع الفجر.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ في [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٤/ ٩٥):
«وإذا انقطع دم الحائض والنفساء في الليل ثم طلع الفجر قبل اغتسالهما صح صومهما، ووجب عليهما إتمامه، سواء تركت الغسل عمداً أو سهواً بعذر أم بغيره، كالجنب. هذا مذهبنا ومذهب العلماء كافة، إلَّا ما حكي عن بعض السلف مما لا نعلم صح عنه أم لا» اهـ.
قَالَ فِي [طَرْحِ الْتَثْرِيْبِ] (٥/ ٩٠):
«في حكاية النووي إجماع الكافة إلَّا ما لا يعلم صحته نظر، ففي مذهب مالك في وجوب القضاء في هذه الصورة قولان حكاهما الشيخ تقي الدين في "شَرْحِ الْعُمْدَةِ" وحكاه النووي في "شرح المهذب" عن الأوزاعي أنَّه لا يصح صوم منقطعة الحيض حتى تغتسل وحكى ابن عبد البر في "الْاسْتِذْكَارِ" عن عبد الملك بن الْمَاجَشُون أنَّها إذا أخرت غسلها حتى طلع الفجر فيومها يوم فطر؛ لأنَّها في بعضه غير طاهر وليست كالذي يصبح جنباً فيصوم؛ لأنَّ الاحتلام لا ينقض الصوم والحيض ينقضه، وَقَالَ هذه غفلة شديدة وكيف تكون في بعضه حائضاً، وقد كمل طهرها قبل الفجر وحكى ابن عبد البر أيضاً عن الحسن بن حي أنَّه
стр. 3686
رأى عليها قضاء ذلك اليوم، وقد ظهر بذلك أنَّ الخلاف في هذا أشهر والله أعلم» اهـ.
٣ - جواز الجماع في ليالي الصيام.
* * *
стр. 3687
١٧٩ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أنَّ الْنَّبِيَّ ﷺ قَالَ:
«مَنْ نَسِيَ وَهُوَ صَائِمٌ، فَأَكَلَ أَوْ شَرِبَ، فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ، فَإِنَّمَا أَطْعَمَهُ اللهُ وَسَقَاهُ».
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلَ مِنْهَا:
١ - أنَّ من أكل أو شرب ناسياً فصيامه صحيح، ولا يلزمه القضاء، وهذا هو الذي عليه جمهور العلماء.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ بَطَّالٍ ﵀ في [شَرْحِ الْبُخَارِي] (٤/ ٦٠):
«اختلف العلماء في الصائم إذا أكل أو شرب ناسيًا، فقالت طائفة: فلا شيء عليه، روينا هذا القول عن علي، وابن عمر، وأبي هريرة، وعطاء، وطاووس، والنخعي، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه، والثوري، والأوزاعي، والشافعي، وأبو ثور، وأحمد، وإسحاق واحتجوا بهذا الحديث وقالت طائفة: عليه القضاء، هذا قول ربيعة، ومالك، وسعيد بن عبد العزيز» اهـ.
أَقُوْلُ: القول بإفطار من أكل أو شرب ناسياً قول غير صحيح، وذلك أنَّ الْنَّبِيَّ ﷺ قال: «فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ». والصوم إذا أطلق فالمراد به الصوم الشرعي لا مطلق الإمساك، وهذا يقتضي صحة الصوم؛ ولأنَّ الْنَّبِيَّ ﷺ أضاف الفعل إلى الله دون الناسي وهذا يقتضي أنَّه بمثابة الأفعال التي لا اختيار للعبد فيها كمن ذرعه القيء، أو احتلم في نهار رمضان فإنَّ هؤلاء لا يحكم بفساد صومهم ولا يؤمرون بالقضاء.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كما في [مَجْمُوعِ الْفَتَاوَى] (٢٠/ ٥٧١):
стр. 3688
«ولهذا قال النبي ﷺ : "من أكل أو شرب ناسيا فليتم صومه فإنَّما أطعمه الله وسقاه". فأضاف إطعامه وإسقاءه إلى الله لأنَّه لم يتعمد ذلك ولم يقصده وما يكون مضافاً إلى الله لا ينهى عنه العبد فإنَّما ينهى عن فعله والأفعال التي ليست اختيارية لا تدخل تحت التكليف ففعل الناسي كفعل النائم والمجنون والصغير؛ ونحو ذلك. يبين ذلك أنَّ الصائم إذا احتلم في منامه لم يفطر؛ ولو استمنى باختياره أفطر ولو ذرعه القيء لم يفطر ولو استدعى القيء أفطر. فلو كان ما يوجد بغير قصده بمنزلة ما يوجد بقصده لأفطر بهذا وهذا» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [إِعْلَامِ الْمُوَقِعِيْنَ] (٢/ ٥١):
«وأيضاً فإنَّ فعل الناسي غير مضاف إليه كما قال النبي ﷺ : "من أكل أو شرب ناسياً فليتم صومه فإنَّما أطعمه الله وسقاه". فأضاف فعله ناسياً إلى الله لكونه لم يرده ولم يتعمده وما يكون مضافاً إلى الله لم يدخل تحت قدرة العبد فلم يكلف به فإنه إنَّما يكلف بفعله لا بما يفعل فيه ففعل الناسي كفعل النائم والمجنون والصغير وكذلك لو احتلم الصائم في منامه أو ذرعه القيء في اليقظة لم يفطر ولو استدعى ذلك أفطر به فلو كان ما يوجد بغير قصده كما يوجد بقصده لأفطر بهذا وهذا» اهـ.
قُلْتُ: واختلف العلماء في الجماع ناسياً فذهب أبو حنيفة والشافعي إلى صحة الصوم لمن حصل منه ذلك، وذهب مالك إلى القضاء دون الكفارة، وذهب الْإِمَام أحمد إلى القضاء والكفارة.
واحتج من أوجب القضاء والكفارة بحجج:
стр. 3689
الحجة الأولى: أنَّ الحديث جاء بذكر الأكل والشرب ولم يذكر فيه الجماع.
الحجة الثانية: أنَّ الْنَّبِيَّ ﷺ أمر المجامع في نهار رمضان بالكفارة، وفي بعض ألفاظ الحديث الأمر بالقضاء ولم يستفسره هل كان ناسياً أو لا فدل ذلك على استواء الحكم في الصورتين.
الحجة الثالثة: أنَّه لا يتصور حصول النسيان في الجماع؛ فإنَّه إن تصور من أحد الزوجين فتصوره منهما معاً في غاية البعد.
قُلْتُ: والجواب عن الحجة الأولى: أنَّ قصر الحكم على الأكل والشرب دون غيره من باب الاحتجاج بمفهوم اللقب وهو ضعيف عند جمهور العلماء، على أنَّ الحديث جاء بلفظ أعم من ذلك وهو ما رواه ابن خزيمة في [صَحِيْحِهِ] (١٩٩٠)، ومن طريقه ابن حبان في [صَحِيْحِهِ] (٣٥٢١)، والْدَارَقُطْنِي (٢٢٤٣)، والحاكم في [الْمُسْتَدْرَكِ] (١٥٦٩)، ومن طريقه البيهقي في [الْكُبْرَى] (٧٨٦٣) كلهم مِنْ طَرِيْقِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيُّ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: «مَنْ أَفْطَرَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ نَاسِيًا فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ وَلَا كَفَّارَةَ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ حَسَنٌ.
والجواب عن الحجة الثانية: أنَّ المجامع في نهار رمضان لم يكن ناسياً لوجهين.
الأول: أنَّ النسيان في ذلك من أندر الْأُمور والأصل عدمه.
والآخر: أنَّ المجامع قال في حديثه: «هَلَكْتُ». كما في البخاري (٢٦٠٠)، ومسلم (١١١١)، وهذا مما يدل على أنَّه كان متعمداً، ولم يكن ناسياً.
стр. 3690
ثم رأيت بعد ذلك الحافظ ابن حجر رحمه أجاب بنحو هذا الجواب في [فَتْحِ الْبَارِي] (٤/ ١٦٤) فقال: «والجواب أنَّه قد تبين حاله بقوله: "هلكت واحترقت" فدل على أنَّه كان عامداً عارفاً بالتحريم، وأيضاً فدخول النسيان في الجماع في نهار رمضان في غاية البعد» اهـ.
والجواب عن الحجة الثالثة: أنا لا نسلم أنَّ ذلك غير ممكن الحصول بل غاية ما في الأمر أنَّ ذلك مما يندر وجوده.
قُلْتُ: المشهور في مذهب الحنابلة أنَّ المرأة إذا جومعت وكانت ناسية أو جاهلة فلا يلزمها الكفارة، وفرقوا بينها وبين الرجل، وقيل هما سواء.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْمَرْدَاوِي ﵀ فِي [الْإِنْصَافِ] (٣/ ٣١٤)
«لَوْ جُومِعَتْ الْمَرْأَةُ نَاسِيَةً فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهَا، وَإِنْ أَوْجَبْنَاهَا عَلَى النَّاسِي قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَهُوَ الْأَشْهَرُ، وَاخْتَارَهُ أَبُو الْخَطَّابِ وَجَمَاعَةٌ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ هُنَا. وَقِيلَ: حُكْمُهَا حُكْمُ الرَّجُلِ النَّاسِي عَلَى مَا تَقَدَّمَ. ذَكَرَهُ الْقَاضِي، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَقَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيَتَخَرَّجُ أَنْ لَا يَفْسُدَ صَوْمُهَا مَعَ النِّسْيَانِ، وَإِنْ فَسَدَ صَوْمُهُ؛ لِأَنَّهُ مُفْسِدٌ لَا يُوجِبُ كَفَّارَةً. انْتَهَى. وَكَذَا الْخِلَافُ وَالْحُكْمُ: إذَا جُومِعَتْ جَاهِلَةً وَنَحْوُهَا» اهـ.
٢ - وفي الحديث بيان لطف الله وإحسانه بالعباد حيث لم يؤاخذهم بذلك.
٣ - ويلحق بالناسي المخطئ والجاهل والمكره على الصحيح من أقوال العلماء وهو اختيار شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀، ويدل على ذلك قول الله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، قال الله تعالى: «قَدْ
стр. 3691
فَعَلْتُ». كما روى ذلك مسلم (١٢٦) عن ابن عباس عَنِ النَّبِيِّ ﷺ عن ربه .
وَقَالَ الله تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النحل: ١٠٦].
وروى البخاري (١٩١٧)، ومسلم (١٠٩١) عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، قَالَ: «أُنْزِلَتْ: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الخَيْطُ الأَبْيَضُ، مِنَ الخَيْطِ الأَسْوَدِ﴾ [البقرة: ١٨٧] وَلَمْ يَنْزِلْ: ﴿مِنَ الفَجْرِ﴾ [البقرة: ١٨٧]، فَكَانَ رِجَالٌ إِذَا أَرَادُوا الصَّوْمَ رَبَطَ أَحَدُهُمْ فِي رِجْلِهِ الخَيْطَ الأَبْيَضَ وَالخَيْطَ الأَسْوَدَ، وَلَمْ يَزَلْ يَأْكُلُ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُ رُؤْيَتُهُمَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ بَعْدُ: ﴿مِنَ الفَجْرِ﴾ [البقرة: ١٨٧] فَعَلِمُوا أَنَّهُ إِنَّمَا يَعْنِي اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ» اهـ.
وروى البخاري (٤٥٠٩)، ومسلم (١٠٩٠) عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ عَدِيٍّ، قَالَ: أَخَذَ عَدِيٌّ عِقَالًا أَبْيَضَ، وَعِقَالًا أَسْوَدَ حَتَّى كَانَ بَعْضُ اللَّيْلِ نَظَرَ فَلَمْ يَسْتَبِينَا، فَلَمَّا أَصْبَحَ قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ: جَعَلْتُ تَحْتَ وِسَادِي عِقَالَيْنِ، قَالَ: «إِنَّ وِسَادَكَ إِذًا لَعَرِيضٌ أَنْ كَانَ الخَيْطُ الأَبْيَضُ، وَالأَسْوَدُ تَحْتَ وِسَادَتِكَ».
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كما في [مَجْمُوعِ الْفَتَاوَى] (٢٠/ ٥٧٢): «ولم ينقل أنَّه أمرهم بقضاء وهؤلاء جهلوا الحكم فكانوا مخطئين» اهـ.
стр. 3692
وروى البخاري (١٩٥٩) عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵄، قَالَتْ: «أَفْطَرْنَا عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ غَيْمٍ، ثُمَّ طَلَعَتِ الشَّمْسُ».
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كما في [مَجْمُوعِ الْفَتَاوَى] (٢٥/ ٢٣١ - ٢٣٢): «وهذا يدل على شيئين: على أنَّه لا يستحب مع الغيم التأخير إلى أن يتيقن الغروب؛ فإنَّهم لم يفعلوا ذلك ولم يأمرهم به النبي ﷺ والصحابة مع نبيهم أعلم وأطوع لله ولرسوله ممن جاء بعدهم.
والثاني: لا يجب القضاء فإنَّ الْنَّبِيَّ ﷺ لو أمرهم بالقضاء لشاع ذلك كما نقل فطرهم فلما لم ينقل ذلك دل على أنَّه لم يأمرهم به. فإن قيل: فقد قيل لهشام بن عروة: أمروا بالقضاء؟ قال: أو بد من القضاء؟ قيل: هشام قال ذلك برأيه لم يرو ذلك في الحديث ويدل على أنَّه لم يكن عنده بذلك علم: أنَّ معمراً روى عنه قال: سمعت هشاماً قال: لا أدري أقضوا أم لا؟ ذكر هذا وهذا عنه البخاري والحديث رواه عن أمه فاطمة بنت المنذر عن أسماء. وقد نقل هشام عن أبيه عروة أنَّهم لم يؤمروا بالقضاء وعروة أعلم من ابنه وهذا قول إسحاق بن راهويه» اهـ.
وَقَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٤/ ٢٠٠):
«وجاء ترك القضاء عن مجاهد والحسن وبه قال إسحاق وأحمد في رواية واختاره ابن خزيمة فقال قول هشام لا بد من القضاء لم يسنده ولم يتبين عندي أنَّ عليهم قضاء» اهـ.
стр. 3693
قُلْتُ: وهذا ما رجحه أيضاً الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ في [تَهْذِيْبِ سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ] (١/ ٤١١ - ٤١٣) حيث قال:
«فلو قدر تعارض الآثار عن عمر لكان القياس يقتضي سقوط القضاء، لأنَّ الجهل ببقاء اليوم كنسيان نفس الصوم، ولو أكل ناسياً لصومه لم يجب عليه قضاؤه والشريعة لم تفرق بين الجاهل والناسي، فإنَّ كل واحد منهما قد فعل ما يعتقد جوازه وأخطأ في فعله، وقد استويا في أكثر الأحكام وفي رفع الآثار فما الموجب للفرق بينهما في هذا الموضع؟ وقد جعل أصحاب الشافعي وغيرهم الجاهل المخطئ أولى بالعذر من الناسي في مواضع متعددة. وقد يقال: إنَّه في صورة الصوم أعذر منه، فإنَّه مأمور بتعجيل الفطر استحباباً، فقد بادر إلى أداء ما أمر به واستحبه له الشارع فكيف يفسد صومه؟ وفساد صوم الناسي أولى منه، لأنَّ فعله غير مأذون له فيه، بل غايته أنَّه عفو، فهو دون المخطئ الجاهل في العذر. وبالجملة: فلم يفرق بينهما في الحج، ولا في مفسدات الصلاة كحمل النجاسة وغير ذلك، وما قيل من الفرق بينهما بأنَّ الناسي غير مكلف والجاهل مكلف، إن أريد به التكليف بالقضاء فغير صحيح، لأنَّ هذا هو المتنازع فيه، وإن أريد به أنَّ فعل الناسي لا ينتهض سبباً للإثم، ولا يتناوله الخطاب الشرعي فكذلك فعل المخطئ، وإن أريد أن المخطئ ذاكر لصومه مقدم على قطعه، ففعله داخل تحت التكليف بخلاف الناسي فلا يصح أيضاً لأنَّه يعتقد خروج زمن الصوم، وأنَّه مأمور بالفطر، فهو مقدم على فعل ما يعتقده جائزاً، وخطؤه في بقاء اليوم كنسيان الآكل في اليوم فالفعلان سواء فكيف يتعلق التكليف بأحدهما دون الآخر؟! وأجود ما فرق به بين المسألتين: أنَّ المخطئ كان متمكناً من إتمام صومه بأن يؤخر
стр. 3694
الفطر حتى يتيقن الغروب بخلاف الناسي فإنَّه لا يضاف إليه الفعل، ولم يكن يمكنه الاحتراز، وهذا - وإن كان فرقاً في الظاهر - فهو غير مؤثر في وجوب القضاء، كما لم يؤثر في الإثم اتفاقاً، ولو كان منسوباً إلى تفريط للحقه الإثم، فلما اتفقوا على أنَّ الإثم موضوع عنه دل على أنَّ فعله غير منسوب فيه إلى تفريط، لا سيما وهو مأمور بالمبادرة إلى الفطر، والسبب الذي دعاه إلى الفطر غير منسوب إليه في الصورتين، وهو النسيان في مسألة الناسي وظهور الظلمة وخفاء النهار في صورة المخطئ، فهذا أطعمه الله وسقاه بالنسيان وهذا أطعمه الله وسقاه بإخفاء النهار ولهذا قال صهيب: "هي طعمة الله"، ولكن هذا أولى، فإنَّها طعمة الله إذناً وإباحة وإطعام الناسي طعمته عفواً ورفع حرج، فهذا مقتضى الدليل» اهـ.
стр. 3695
* * *
١٨٠ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: «بَيْنَمَا نَحْنُ جُلُوسٌ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ إِذْ جَاءَهُ رَجُلٌ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلَكَتُ، فَقَالَ: "مَا أَهْلَكَكَ؟ " أَوْ "مَالَكَ؟ ". قَالَ: وَقَعْتُ عَلَى امْرَأَتِي وَأَنَا صَائِمٌ. وَفِي رِوَايَةٍ: أَصَبْتُ أَهْلِي فِي رَمَضَانَ.
فقَالَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ : "هَلْ تَجِدُ رَقَبَةً تُعْتِقُهَا؟ ". قَالَ: لا. قَالَ: "فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ؟ ". قَالَ: لا. قَالَ: "فَهَلْ تَجِدُ إطْعَامَ سِتِّينَ مِسْكِيناً؟ ". قَالَ: لا. قَالَ: فَمَكَثَ النَّبِيُّ ﷺ فَبَيْنَا نَحْنُ عَلَى ذَلِكَ أُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ بِعَرَقٍ فِيهِ تَمْرٌ - وَالْعَرَقُ: الْمِكْتَلُ - قَالَ: أَيْنَ السَّائِلُ؟ قَالَ: أَنَا. قَالَ: "خُذْ هَذَا، فَتَصَدَّقَ بِهِ". فَقَالَ الرَّجُلُ: عَلَى أَفْقَرَ مِنِّي: يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَوَ اَللَّهِ مَا بَيْنَ لابَتَيْهَا - يُرِيدُ الْحَرَّتَيْنِ - أَهْلُ بَيْتٍ أَفْقَرَ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي. فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى بَدَتْ أَنْيَابُهُ. ثُمَّ قَالَ: "أَطْعِمْهُ أَهْلَكَ"».
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلَ مِنْهَا:
١ - حرمة الجماع في نهار رمضان وأنَّه من الهلاك.
٢ - وجوب الكفارة العظمى لمن جامع في نهار رمضان، وهي عتق رقبة، ثم صيام شهرين، ثم إطعام ستين مسكيناً.
стр. 3696
وهذا الحكم مختص بالجماع في نهار رمضان، وذهب الْإِمَام مالك ﵀ إلى وجوب الكفارة لمن وقع في أي نوع من أنواع المفطرات، وللحنفية تفصيل في ذلك فقد قَالَ السَّرْخَسِيُّ الْحَنَفِيُّ ﵀ في [الْمَبْسُوْطِ] (٣/ ٧٤):
«ثُمَّ حَاصِلُ الْمَذْهَبِ عِنْدَنَا أَنَّ الْفِطْرَ مَتَى حَصَلَ بِمَا يُتَغَذَّى بِهِ، أَوْ يُتَدَاوَى بِهِ تَتَعَلَّقُ الْكَفَّارَةُ بِهِ زَجْرًا فَإِنَّ الطِّبَاعَ تَدْعُو إلَى الْغِذَاءِ وَكَذَلِكَ إلَى الدَّوَاءِ لِحِفْظِ الصِّحَّةِ، أَوْ إعَادَتِهَا فَأَمَّا إذَا تَنَاوَلَ مَالًا يَتَغَدَّى بِهِ كَالتُّرَابِ وَالْحَصَاةِ يَفْسُدُ صَوْمُهُ إلَّا عَلَى قَوْلِ بَعْضِ مَنْ لَا يُعْتَمَدُ عَلَى قَوْلِهِ فَإِنَّهُ يَقُولُ: حُصُولُ الْفِطْرِ بِمَا يَكُونُ بِهِ اقْتِضَاءُ الشَّهْوَةِ وَلَكِنَّا نَقُولُ: رُكْنُ الصَّوْمِ الْكَفُّ عَنْ إيصَالِ الشَّيْءِ إلَى بَاطِنِهِ، وَقَدْ انْعَدَمَ ذَلِكَ بِتَنَاوُلِ الْحَصَاةِ ثُمَّ لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ إلَّا عَلَى قَوْلِ مَالِكٍ - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى - فَإِنَّهُ قَالَ: هُوَ مُفْطِرٌ غَيْرُ مَعْذُورٍ قَالَ: وَجِنَايَتُهُ هُنَا أَظْهَرُ إذْ لَا غَرَضَ لَهُ فِي هَذَا الْفِعْلِ سِوَى الْجِنَايَةِ عَلَى الصَّوْمِ بِخِلَافِ مَا يَتَغَذَّى بِهِ وَلَكِنَّا نَقُولُ عَدَمُ دُعَاءِ الطَّبْعِ إلَيْهِ يُغْنِي عَنْ إيجَابِ الْكَفَّارَةِ فِيهِ زَاجِرًا كَمَا لَمْ نُوجِبْ الْحَدَّ فِي شُرْبِ الدَّمِ وَالْبَوْلِ بِخِلَافِ الْخَمْرِ، ثُمَّ تَمَامُ الْجِنَايَةِ بِانْعِدَامِ رُكْنِ الصَّوْمِ صُورَةً وَمَعْنًى فَانْعَدَمَ مَعْنَى مَا يَحْصُلُ بِهِ اقْتِضَاءُ الشَّهْوَةِ إذَا انْعَدَمَ لَمْ تَتِمَّ الْجِنَايَةُ وَفِي النُّقْصَانِ شُبْهَةُ الْعَدَمِ وَالْكَفَّارَةُ تَسْقُطُ بِالشُّبْهَةِ» اهـ.
واحتج من قال: إنَّ الكفارة تكون بأي مفطر من المفطرات بما جاء في بعض ألفاظ هذا الحديث وهو ما رواه مسلم (١١١١) وغيره عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ رَجُلًا أَفْطَرَ فِي رَمَضَانَ، أَنْ يُعْتِقَ رَقَبَةً، أَوْ يَصُومَ شَهْرَيْنِ، أَوْ يُطْعِمَ سِتِّينَ مِسْكِينًا».
стр. 3697
قُلْتُ: هذه رواية للحديث بالمعنى لم يسق فيها من رواها لفظ النبي ﷺ ، والذين ساقوا لفظ النبي ﷺ بينوا أنَّ الإفطار كان عن جماع، وهم أكثر الرواة عن الزهري وقد بلغوا أكثر من ثلاثين راوياً.
وقد ذكر شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ في كتاب الصيام من [شَرْحِ الْعُمْدَةِ] (١/ ٢٧٨) أنَّه لا تلحق سائر المفطرات بالجماع بإجماع الصحابة.
قُلْتُ: ولا يصح قياس سائر المفطرات على الجماع كما بيَّن ذلك شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ في كتاب الصيام من [شَرْحِ الْعُمْدَةِ] (١/ ٢٨٠ - ٢٨٢) فقال:
«الجماع يفارق غيره بقوة داعيه وشدة باعثه؛ فإنَّه إذا هاجت شهوته؛ لم يكد يزعها وازع العقل ولم يمنعها حارس الدين.
ولهذا قال النبي ﷺ فيما يحكيه عن ربه: "كل عمل ابن آدم له، الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف؛ قال الله تعالى: إلَّا الصوم فإنَّه لي، وأنا أجزي به، يدع طعامه وشهوته من أجلي".
فسمى النكاح شهوة، وسمى المأكل طعاماً، وإن كان يشتهى في الجملة.
ولهذا كان الحد المشروع فيه القتل، وأدناه الجلد والتغريب، وحد المطعوم إنَّما هو جلد دون ذلك، وقد يصيب المبتليين بشهوتهم في عقولهم وأديانهم ودمائهم وأموالهم وأعراضهم ما يجل عن النعت.
والأكل وإن كانت الضرورة إليه أشد، وعند شدة الجوع يقدم على كل مطلوب، لكن إنَّما هو جوع يوم، ومثل هذا لا يكاد يبلغ بكل أحد من الناس إلى شيء من البلاء.
стр. 3698
ولهذا ظاهر سلمة بن صخر من امرأته، واعتقد أنَّ وطأها حرام، ثم إنَّه أصابها، وكذلك الأعرابي وقع على امرأته مع ما يعلم فيه من التحريم.
ولم يبلغنا أنَّ أحداً على عهد رسول الله ﷺ أكل في رمضان.
نعم داعية الأكل أكبر وأعم، لكن داعية الجماع إذا وقعت؛ كانت أشد وأقوى؛ فلو سوى بين الأكل والجماع في الكفارة؛ لسوي بين شيئين قد فرقت الأصول بينهما؛ بحيث لم يسو بينهما في موضع واحد من الشريعة؛ فكيف يصح مثل هذا القياس؟!».
إلى أن قال ﵀ (١/ ٢٨٤): «الخامس: أنَّ هذه الكفارة لو كانت واجبة بالفطر؛ لكان من أبيح له الفطر من غير قضاء؛ تجب عليه هذه الكفارة؛ كالشيخ الْكَبِيْر والعجوز الْكَبِيْرة، ولكان الناس مخيرين في أول الإسلام بينها وبين الصوم، وذلك أنَّ ما وجب الكفارة في محظوره ومباحه لم يختلف جنسها، وإنَّما يختلف الإثم وعدمه، ودليله كفارة الإحرام؛ فإنَّ التي تجب باللباس والطيب والحلق والتقليم للعذر وغيره من جنس واحد، فعلم أنَّها إنَّما وجبت لخصوص وصف الجماع المحرم.
ولهذا قلنا فيمن عجز عن الصوم لشبقه: إنَّه يطعم يوماً؛ لأنَّ الجماع لم يبق في هذه الصورة محرماً ليوجب كفارة، وإنَّما تجب كفارة الإفطار، والإفطار كفارته إطعام المساكين» اهـ.
٣ - أنَّ هذه الكفارة تكون لمن جامع وهو صائم في شهر رمضان، فخرج من ذلك أمران:
стр. 3699
الأول: من جامع وهو مفطر في شهر رمضان، وهو على صورتين:
الصورة الأولى: أن يكون الفطر لعذر شرعي كالسفر مثلاً فلا شيء عليه في جماعه.
الصورة الأخرى: أن يكون الفطر من غير عذر شرعي فعليه الكفارة وسيأتي الكلام في هذه الصورة بمشيئة الله تعالى.
الآخر: من جامع وهو صائم في غير رمضان وهو على صورتين:
الصورة الأولى: أن يكون متنفلاً في صومه فلا شيء عليه. لكن لا يجوز له الوطء إلَّا بنية الإفطار.
الصورة الأخرى: أن يكون مفترضاً في صومه كمن يقضي ما أفطره من رمضان الماضي، وكمن يصوم نذراً، أو كفارة مثلاً؛ فهذا لا يجوز له الفطر لكن لا تلزمه الكفارة على الصحيح.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ في [الْمُغْنِي] (٦/ ١١٠):
«فصل: ولا تجب الكفارة بالفطر في غير رمضان، في قول أهل العلم وجمهور الفقهاء.
وَقَالَ قتادة: تجب على من وطئ في قضاء رمضان؛ لأنَّه عبادة تجب الكفارة في أدائها، فوجبت في قضائها، كالحج.
ولنا أنَّه جامع في غير رمضان، فلم تلزمه كفارة، كما لو جامع في صيام الكفارة، ويفارق القضاء الأداء؛ لأنَّه متعين بزمان محترم، فالجماع فيه هتك له، بخلاف القضاء» اهـ.
стр. 3700
٤ - أنَّ هذه الكفارة تكون فيمن جامع في الفرج وإن لم ينزل فإنَّ السائل ذكر الجماع ولم يذكر الإنزال؛ ولأنَّ الْنَّبِيَّ ﷺ لم يستفصله عن الإنزال وعدمه ولو كان الحكم يختلف بذلك لاستفصله، فأمَّا من أنزل بغير جماع فلا تلزمه الكفارة ويفطر بذلك.
والإفطار بالإنزال مطلقاً تدل عليه السنة، والقياس.
أمَّا السنة: فما رواه البخاري (١٨٩٤) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ فيما يرويه عن ربه : «يَتْرُكُ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ وَشَهْوَتَهُ مِنْ أَجْلِي الصِّيَامُ لِي، وَأَنَا أَجْزِي بِهِ وَالحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا».
قُلْتُ: ويدخل في مسمى الشهوة الجماع وإنزال المني، والدليل على أنَّ ذلك هو الشهوة ما رواه مسلم (١٠٠٦) عَنْ أَبِي ذَرٍّ، أَنَّ نَاسًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ قَالُوا لِلنَّبِيِّ ﷺ : يَا رَسُولَ اللهِ، ذَهَبَ أَهْلُ الدُّثُورِ بِالْأُجُورِ، يُصَلُّونَ كَمَا نُصَلِّي، وَيَصُومُونَ كَمَا نَصُومُ، وَيَتَصَدَّقُونَ بِفُضُولِ أَمْوَالِهِمْ، قَالَ: «أَوَلَيْسَ قَدْ جَعَلَ اللهُ لَكُمْ مَا تَصَّدَّقُونَ؟ إِنَّ بِكُلِّ تَسْبِيحَةٍ صَدَقَةً، وَكُلِّ تَكْبِيرَةٍ صَدَقَةً، وَكُلِّ تَحْمِيدَةٍ صَدَقَةً، وَكُلِّ تَهْلِيلَةٍ صَدَقَةً، وَأَمْرٌ بِالْمَعْرُوفِ صَدَقَةٌ، وَنَهْيٌ عَنْ مُنْكَرٍ صَدَقَةٌ، وَفِي بُضْعِ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ»، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، أَيَأتِي أَحَدُنَا شَهْوَتَهُ وَيَكُونُ لَهُ فِيهَا أَجْرٌ؟ قَالَ: «أَرَأَيْتُمْ لَوْ وَضَعَهَا فِي حَرَامٍ أَكَانَ عَلَيْهِ فِيهَا وِزْرٌ؟ فَكَذَلِكَ إِذَا وَضَعَهَا فِي الْحَلَالِ كَانَ لَهُ أَجْرٌ».
قُلْتُ: وأمَّا القياس فإنَّه ملحق بالحجامة والتقيء عمداً والحيض بجامع إخراج ما يتقوى به البدن.
стр. 3701
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كما في [مَجْمُوعِ الْفَتَاوَى] (٢٥/ ٢٤٨):
«أمَّا الجماع فإنَّه باعتبار أنَّه سبب إنزال المني يجري مجرى الاستقاءة والحيض والاحتجام - كما سنبينه إن شاء الله تعالى - فإنَّه من نوع الاستفراغ لا الْامتلاء كالأكل والشرب ومن جهة أنَّه إحدى الشهوتين فجرى مجرى الأكل» اهـ.
وَقَالَ ﵀ كما في [مَجْمُوعِ الْفَتَاوَى] (٢٥/ ٢٥١):
«وأمَّا إذا استقاء فالقيء يخرج ما يتغذى به من الطعام والشراب المستحيل في المعدة وكذلك الاستمناء مع ما فيه من الشهوة فهو يخرج المني الذي هو مستحيل في المعدة عن الدم فهو يخرج الدم الذي يتغذى به ولهذا كان خروج المني إذا أفرط فيه يضر الإنسان ويخرج أحمر» اهـ.
قُلْتُ: والمني الذي يحصل به الإفطار ما تعمد المرء إخراجه فأمَّا ما كان من غير تعمد كالمني الخارج في النوم أو عن مرض، أو عن نظر الفجأة، أو عن خاطر في النفس من غير استرسال في التفكير فلا شيء في ذلك.
٥ - وتتكرر الكفارة بتكرر الجماع في يوم واحد إذا كان ذلك بعد التكفير وشأن الكفارات كشأن الحدود من حيث أنَّها عقوبات وكفارات لأهلها، ومعلوم أنَّ من تكرر منه الزنا أو السرقة بعد إقامة الحد فإنَّه يتكرر في حقه الحد، وأمَّا من كرر الجماع من غير تكفير فتجزيه الكفارة الواحدة كشأن من تكرر منه الزنا والسرقة قبل إقامة الحد عليه فإنَّه يكفيه حد واحد لكل نوع، وأمَّا من كرر الجماع في أكثر من يوم فتكرر عليه الكفارة مطلقاً كفر قبل ذلك أو لم يكفر لأنَّ كل يوم كالعبادة المستقلة.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٦/ ١٢٣):
стр. 3702
«مسألة: قال: "وإن جامع، فلم يكفر حتى جامع ثانية، فكفارة واحدة". وجملته أنَّه إذا جامع ثانياً قبل التكفير عن الأول، لم يخل من أن يكون في يوم واحد، أو في يومين، فإن كان في يوم واحد، فكفارة واحدة تجزئه، بغير خلاف بين أهل العلم، وإن كان في يومين من رمضان، ففيه وجهان:
أحدهما: تجزئه كفارة واحدة.
وهو ظاهر إطلاق الخرقي، واختيار أبي بكر، ومذهب الزهري، والأوزاعي، وأصحاب الرأي؛ لأنَّها جزاء عن جناية تكرر سببها قبل استيفائها، فيجب أن تتداخل كالحد.
والثاني: لا تجزئ واحدة، ويلزمه كفارتان. اختاره القاضي، وبعض أصحابنا.
وهو قول مالك، والليث، والشافعي، وابن المنذر. وروي ذلك عن عطاء، ومكحول؛ لأنَّ كل يوم عبادة منفردة، فإذا وجبت الكفارة بإفساده لم تتداخل، كرمضانين، وكالحجتين» اهـ.
٦ - وفيه أنَّ الكفارة تكون على الترتيب.
قُلْتُ: وهذا هو مذهب جمهور العلماء، وخالف الْإِمَام مالك، وأحمد في رواية عنهما فذهبا إلى أنَّ الكفارة على التخيير، واحتج من قال ذلك بالحديث الماضي وهو ما رواه مسلم (١١١١) وغيره عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ رَجُلًا أَفْطَرَ فِي رَمَضَانَ، أَنْ يُعْتِقَ رَقَبَةً، أَوْ يَصُومَ شَهْرَيْنِ، أَوْ يُطْعِمَ سِتِّينَ مِسْكِينًا».
стр. 3703
وقد سبق أن بيَّنا أنَّ هذا الحديث روي بالمعنى ولم يسق فيه الراوي لفظ النبي ﷺ .
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ في [الْمُغْنِي] (٦/ ١١٥) - بعد ذكره لحديث أبي هريرة الدال على الترتيب -:
«والأخذ بهذا أولى من رواية مالك؛ لأنَّ أصحاب الزهري اتفقوا على روايته هكذا، سوى مالك وابن جريج، فيما علمنا، واحتمال الغلط فيهما أكثر من احتماله في سائر أصحابه» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [تَهْذِيْبِ سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ] (٧/ ١٨ - ١٩):
«فرواية الترتيب المصرحة بذكر الجماع أولى أن يؤخذ بها لوجوه:
أحدها: أنَّ رواتها أكثر وإذا قدر التعارض رجحنا برواية الأكثر اتفاقاً وفي الشهادة بخلاف معروف.
الثاني: أنَّ رواتها حكوا القصة وساقوا ذكر الفطر وأنَّه الجماع وحكوا لفظ النبي ﵌ وأمَّا رواة التخيير فلم يفسروا بماذا أفطر ولا حكوا أنَّ ذلك لفظ رسول الله ﵌ ولا من لفظ صاحب القصة ولا حكوا أيضاً لفظ الرسول الله ﷺ في الكفارة فكيف تقدم روايتهم على رواية من ذكر لفظ رسول الله ﵌ في الترتيب ولفظ الراوي في خبره عن نفسه بقوله: وقعت على أهلي في رمضان.
الثالث: أنَّ هذا صريح، وقوله: "أفطر" مجمل لم يذكر فيه بماذا أفطر وقد فسرته الرواية الأخرى بأنَّ فطره كان بجماع فتعين الأخذ به.
стр. 3704
الرابع: أنَّ حرف أو وإن كان ظاهراً في التخيير فليس بنص فيه. وقوله: هل تستطيع كذا هل تستطيع كذا صريح في الترتيب فإنَّه لم يجوز له الانتقال إلى الثاني إلَّا بعد إخباره بعجزه عما قبله مع أنَّه صريح لفظ صاحب الشرع.
وقوله: فأمره أن يعتق رقبة أو يصوم لم يحك فيه لفظه.
الخامس: أنَّ الأخذ بحديث الترتيب متضمن العمل بالحديث الآخر لأنَّه يفسره ويبين المراد منه والعمل بحديث التخيير لا يتضمن العمل بحديث الترتيب ولا ريب أنَّ العمل بالنصين أولى.
السادس: أنَّا قد رأينا صاحب الشرع جعل نظير هذه الكفارة سواء على الترتيب وهي كفارة الظهار وحكم النظير حكم نظيره، ولا ريب إن إلحاق كفارة الجماع في رمضان بكفارة الظهار وكفارة القتل أولى وأشبه من إلحاقها بكفارة اليمين» اهـ.
واحتجوا أيضاً بما رواه البخاري (١٩٣٥)، ومسلم (١١١٢) عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: إِنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: إِنَّهُ احْتَرَقَ، قَالَ: «مَا لَكَ؟»، قَالَ: أَصَبْتُ أَهْلِي فِي رَمَضَانَ، فَأُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ بِمِكْتَلٍ يُدْعَى العَرَقَ، فَقَالَ: «أَيْنَ المُحْتَرِقُ» قَالَ: أَنَا، قَالَ: «تَصَدَّقْ بِهَذَا».
ووجه الدلالة من الحديث: أنَّ الْنَّبِيَّ ﷺ نقله إلى الصدقة، ولم يأمره بالعتق ولا الصيام فدل ذلك على التخيير.
стр. 3705
قُلْتُ: وقد أجاب على ذلك شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ في كتاب الصيام من [شَرْحِ الْعُمْدَةِ] (١/ ٢٩٥) فقال ﵀: «وأمَّا حديث عائشة: فإنَّها حكت ما استقر عليه الحال، وهو أمره بالصدقة؛ فإنَّه كان عند العجز عن العتق والصيام.
ثم هي قضية عين، فذلك المأمور بالصدقة إن كان هو غير الذي في حديث أبي هريرة؛ فربما علم النبي ﷺ من حاله العجز عن العتق الصيام، ولهذا لم يذكرهما له، ولا ريب في أنَّهما يذكران للمستفتي كما في حديث أبي هريرة» اهـ.
قُلْتُ: ثم قوى شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ الترتيب على التخيير من حيث النظر والقياس.
فقال ﵀ (١/ ٢٩٥ - ٢٩٦):
«ثم هي أكثر رواة وأشد استقصاء وأشبه بالقياس.
فإنَّ هذه الكفارة لم تجب في الشرع إلَّا على وجه الترتيب، ولأنَّها إذا وجبت على المظاهر على وجه الترتيب؛ فعلى المجامع في رمضان أولى؛ فإنَّ ذنب هذا أعظم؛ لأنَّ التحريم في الظهار ثبت قول المكلف، وهنا ثبت بتحريم الله ابتداءً» اهـ.
٧ - ويشمل الحكم من أفطر بالجماع ابتداءً، أو أفطر بغيره ثم جامع على الصحيح، وهو مذهب الجمهور خلافاً للشافعي؛ ولأنَّ زيادة الأكل والشرب لا تقتضي التخفيف عليه؛ بل الزيادة في إثمه فهو أولى بالكفارة ممن اقتصر على مجرد الجماع؛ ولأنَّ الله لم يجعل الأكل والشرب مُحِلًّا للجماع في نهار رمضان.
وسئل شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كما في [مَجْمُوعِ الْفَتَاوَى] (٢٥/ ٢٦٠): «عن رجل أراد أن يواقع زوجته في شهر رمضان بالنهار فأفطر
стр. 3706
بالأكل قبل أن يجامع ثم جامع فهل عليه كفارة أم لا؟ وما على الذي يفطر من غير عذر؟
فأجاب:
الحمد لله، هذه المسألة فيها قولان للعلماء مشهوران: أحدهما: تجب وهو قول جمهورهم: كمالك وأحمد وأبي حنيفة وغيرهم. والثاني: لا تجب وهو مذهب الشافعي وهذان القولان مبناهما: على أنَّ الكفارة سببها الفطر من الصوم أو من الصوم الصحيح بجماع أو بجماع وغيره على اختلاف المذاهب. فإنَّ أبا حنيفة اعتبر الفطر بأعلى جنسه ومالك يعتبر الفطر مطلقاً فالنزاع بينهما إذا أفطر بابتلاع حصاة أو نواة ونحو ذلك. وعن أحمد رواية أنَّه إذا أفطر بالحجامة كفر كغيرها من المفطرات بجنس الوطء فأمَّا الأكل والشرب ونحوهما فلا كفارة في ذلك. ثم تنازعوا هل يشترط الفطر من الصوم الصحيح؟ فالشافعي وغيره يشترط ذلك فلو أكل ثم جامع أو أصبح غير ناو للصوم ثم جامع أو جامع وكفر ثم جامع: لم يكن عليه كفارة؛ لأنَّه لم يطأ في صوم صحيح. وأحمد في ظاهر مذهبه وغيره يقول: بل عليه كفارة في هذه الصور ونحوها؛ لأنَّه وجب عليه الإمساك في شهر رمضان فهو صوم فاسد فأشبه الإحرام الفاسد. وكما أنَّ المحرم بالحج إذا أفسد إحرامه لزمه المضي فيه بالإمساك عن محظوراته فإذا أتى شيئاً منها كان عليه ما عليه من الإحرام الصحيح وكذلك من وجب عليه صوم شهر رمضان إذا وجب عليه الإمساك فيه وصومه فاسد لأكل أو جماع أو عدم نية فقد لزمه الإمساك عن محظورات الصيام. فإذا تناول شيئاً منها كان عليه ما عليه في الصوم الصحيح. وفي
стр. 3707
كلام الموضعين عليه القضاء. وذلك لأنَّ هتك حرمة الشهر حاصلة في الموضعين؛ بل هي في هذا الموضع أشد؛ لأنَّه عاص بفطره أولاً فصار عاصياً مرتين فكانت الكفارة عليه أوكد، ولأنَّه لو لم تجب الكفارة على مثل هذا لصار ذريعة إلى إلَّا يكفر أحد فإنَّه لا يشاء أحد أن يجامع في رمضان إلَّا أمكنه أن يأكل ثم يجامع بل ذلك أعون له على مقصوده فيكون قبل الغداء عليه كفارة وإذا تغدى هو وامرأته ثم جامعها فلا كفارة عليه وهذا شنيع في الشريعة لا ترد بمثله. فإنَّه قد استقر في العقول والأديان أنَّه كلما عظم الذنب كانت العقوبة أبلغ وكلما قوي الشبه قويت والكفارة فيها شوب العبادة وشوب العقوبة وشرعت زاجرة وماحية فبكل حال قوة السبب يقتضي قوة المسبب. ثم الفطر بالأكل لم يكن سبباً مستقلاً موجباً للكفارة. كما يقوله أبو حنيفة ومالك فلا أقل أن يكون معيناً للسبب المستقل بل يكون مانعاً من حكمه وهذا بعيد عن أصول الشريعة. ثم المجامع كثيراً ما يفطر قبل الإيلاج فتسقط الكفارة عنه بذلك على هذا القول وهذا ظاهر البطلان والله أعلم» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ في [إِعْلَامِ الْمُوَقِعِيْنَ] (٣/ ٢٤٧):
«وكذلك المجامع في نهار رمضان إذا تغدى أو شرب الخمر أولاً ثم جامع قالوا: لا تجب عليه الكفارة وهذا ليس بصحيح فإنَّ إضمامه إلى إثم الجماع إثم الأكل والشرب لا يناسب التخفيف عنه بل يناسب تغليظ الكفارة عليه ولو كان هذا يسقط الكفارة لم تجب كفارة على واطئ اهتدى لجرعة ماء أو ابتلاع لبابة أو أكل زبيبة فسبحان الله هل أوجب الشارع الكفارة لكون الوطء لم يتقدمه مفطر قبله أو للجناية على زمن الصوم الذي لم يجعله الله محلاً للوطء أفترى بالأكل
стр. 3708
والشرب قبله صار الزمان محلاً للوطء فانقلبت كراهة الشارع له محبة ومنعه إذناً هذا من المحال» اهـ.
قُلْتُ: من أفطر متعمداً في نهار رمضان بأكل أو غيره فإنَّه يأثم بذلك ولا يحل له الجماع بعد ذلك ولا غير ذلك من المفطرات بل الحرمة ما زالت قائمة لذلك اليوم والإمساك عليه واجب سائر ذلك اليوم وإن كان لا صيام له شرعاً، وشأنَّ الصائم الذي أفسد صومه في ذلك شأن المحرم الذي أفسد نسكه؛ فإنَّ المحرم الذي أفسد نسكه يلزمه إتمامه مع فساده لقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، ويلزمه إن ترك واجباً في الحج أو وقع في بعض محظورات الإحرام أن يأتي بالكفارة مع فساد حجه، والذي قال للحجاج والمعتمرين: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، هو القائل للصائمين: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧]، فإذا كان الأمر بالإتمام في الحج والعمرة يقتضي المضي في فاسدهما، فهكذا الأمر بإتمام الصيام إلى الليل يقتضي ذلك.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ في كتاب الصيام من [شَرْحِ الْعُمْدَةِ] (١/ ٣١٠ - ٣١١): «ولأنَّ الكفارة إنَّما وجبت لما انتهك من حرمة الزمان بالجماع فيه.
ومن أكل ثم جامع، أو جامع ثانية بعد أولى؛ فهو أشد انتهاكاً للحرمة، وأعظم في الاجتراء على الله، وربما اتخذ هذا حيلة إلى إسقاط الكفارة بالجماع، ولأنَّها عبادة يجب إتمام فاسدها، فوجبت الكفارة فيه؛ كالحج الفاسد.
стр. 3709
وهذا لأنَّ الله سبحانه قال في الحج: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾، وَقَالَ الله تعالى في الصوم: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾.
وزمان الحج يتعين ابتداؤه بفعل المكلف، وزمان رمضان يتعين ابتداؤه وانتهاؤه بالشرع، وكلاهما لا يخرج منه بالإفساد؛ بحيث لو أراد في الحج أن يصير بالوطء حلالاً يباح له المحظورات؛ لم يكن له ذلك، ولو أراد بالإفطار في رمضان أن يباح له الإفطار في سائر النهار؛ لم يبح له» اهـ.
٨ - وفيه جواز صرف الرجل كفارته لأهل بيته إن كان فقيراً وعجز عن إخراجها، وكان التكفير عنه من غيره. وقد ذهب إلى ذلك الْإِمَام أحمد ورجحه الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ حيث قال في [زَادِ الْمَعَادِ] (٥/ ٣٣٦):
«واحتج من أسقطها بأنَّها لو وجبت مع العجز، لما صرفت إليه، فإنَّ الرجل لا يكون مصرفاً لكفارته، كما لا يكون مصرفاً لزكاته، وأرباب القول الأول يقولون: إذا عجز عنها، وكفر الغير عنه، جاز أن يصرفها إليه، كما صرف النبي ﷺ كفارة من جامع في رمضان إليه وإلى أهله، وكما أباح لسلمة بن صخر أن يأكل هو وأهله من كفارته التي أخرجها عنه من صدقة قومه، وهذا مذهب أحمد رواية واحدة عنه في كفارة من وطئ أهله في رمضان، وعنه في سائر الكفارات روايتان.
والسنة تدل على أنَّه إذا أعسر بالكفارة، وكفر عنه غيره، جاز صرف كفارته إليه، وإلى أهله.
стр. 3710
فإن قيل: فهل يجوز له إذا كان فقيراً له عيال وعليه زكاة يحتاج إليها أن يصرفها إلى نفسه وعياله؟
قيل: لا يجوز ذلك لعدم الإخراج المستحق عليه، ولكن للإمام أو الساعي أن يدفع زكاته إليه بعد قبضها منه في أصح الروايتين عن أحمد، فإن قيل: فهل له أن يسقطها عنه؟ قيل: لا، نص عليه، والفرق بينهما واضح» اهـ.
٩ - وصف المرأة والأهل في هذا الموضع من الأوصاف الطردية الذي لا يتعلق عليه حكم من الأحكام، فإنَّه إن زنا بامرأة أجنبيه، أو أولج في دبر رجل أو امرأة أو بهيمة فهو أولى بوجوب الكفارة عليه؛ فإنَّها إن وجبت بالجماع الذي هو في أصله حلال فلأن تجب فيما لا يحل بحال من باب أولى، وهو مذهب الجمهور خلافاً لأبي حنيفة فإنَّ لا يرى الكفارة فيمن أولج في بهيمة أو ميته.
فقد قَالَ الْكَسَّائِي ﵀ في [بَدَائِعِ الصَّنَائِعِ] (٢/ ٩٤):
«وَلَوْ جَامَعَ بَهِيمَةً فَأَنْزَلَ فَسَدَ صَوْمُهُ وَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ وَإِنْ وُجِدَ الْجِمَاعُ صُورَةً وَمَعْنًى وَهُوَ قَضَاءُ الشَّهْوَةِ لَكِنْ عَلَى سَبِيلِ الْقُصُورِ لِسَعَةِ الْمَحَلِّ، وَلَوْ جَامَعَهَا وَلَمْ يُنْزِلْ لَا يَفْسُدُ» اهـ.
قَالَ الْسَّرْخَسِي ﵀ في [الْمَبْسُوطِ] (٣/ ٧٩):
«فَإِنْ جَامَعَ بَهِيمَةً، أَوْ مَيْتَةً فَلَيْسَ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ أَنْزَلَ أَوْ لَمْ يُنْزِلْ عِنْدَنَا خِلَافًا للِشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فَإِنَّ السَّبَبَ عِنْدَهُ الْجِمَاعُ الْمُعْدِمُ لِلصَّوْمِ وَقَدْ وُجِدَ وَلَكِنَّا نَقُولُ الْجِنَايَةُ لَا تَتَكَامَلُ إلَّا بِاقْتِضَاءِ شَهْوَةِ الْمَحَلِّ، وَهَذَا الْمَحَلُّ غَيْرُ مُشْتَهًى
стр. 3711
عِنْدَ الْعُقَلَاءِ فَإِنْ حَصَلَ بِهِ قَضَاءُ الشَّهْوَةِ فَذَلِكَ لِغَلَبَةِ الشَّبَقِ، أَوْ لِفَرْطِ السَّفَهِ، وَهُوَ كَمَنْ يَتَكَلَّفُ لِقَضَاءِ شَهْوَتِهِ بِيَدِهِ لَا تَتِمُّ جِنَايَتُهُ فِي إيجَابِ الْكَفَّارَةِ فَهَذَا مِثْلُهُ» اهـ.
١٠ - أنَّ الرقبة جاءت في الحديث مطلقة ولم تقيد بالإيمان فأجازت الحنفية تحرير الرقبة الكافرة، وأجاز أحمد في رواية عتق الذمية، ومنع من ذلك الجمهور، وقيدوا مطلق الرقبة في هذا الحديث بكفارة القتل حيث قيَّد الله فيها الرقبة بالإيمان، فقال الله : ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢]. ومثل ذلك ما رواه مسلم (٥٣٧) عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ الْحَكَمِ السُّلَمِيِّ ﵁ وفيه أنَّ الْنَّبِيَّ ﷺ قال له في شأن جاريته التي صكها: «أَعْتِقْهَا، فَإِنَّهَا مُؤْمِنَةٌ».
قُلْتُ: ويشترط في الرقبة عند جمهور العلماء أنَّ تكون سليمة من العيوب التي تضر بالعمل إضراراً بيناً.
وأمَّا الجنين والصغير، فقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ في [الْكَافِي] (٣/ ١٧٠): «ولا يجزئ عتق الجنين لأنَّه لم يثبت له أحكام الرقاب فإن أعتق صبياً فقال الخرقي: لا يجزئه حتى يصلي ويصوم لأنَّ الإيمان قول وعمل ولأنَّه لا يصح منه عبادة لفقد التكليف فلم يجزئ في الكفارة كالمجنون. وَقَالَ القاضي: لا يجزئ من له دون السبع في ظاهر كلام أحمد وَقَالَ في موضع آخر: يجزئ عتق الصغير في جميع الكفارات إلَّا كفارة القتل فإنَّها على روايتين، وَقَالَ أبو بكر وغيره: يجزئ الطفل في جميع الكفارات لأنَّه ترجى منافعه وتصرفه فأجزأ كالمريض المرجو ولا يجزئ عتق مغصوب لأنَّه ممنوع من التصرف في نفسه فأشبه الزمن» اهـ.
стр. 3712
وَقَالَ ﵀ في [الْمُغْنِي] (١٣/ ٢٦٧ - ٢٧٠):
«مسألة؛ قال: "وإن شاء أعتق رقبة مؤمنة، قد صلت وصامت؛ لأنَّ الإيمان قول وعمل، وتكون سليمة، ليس فيها نقص يضر بالعمل". وجملته أنَّ إعتاق الرقبة أحد خصال الكفارة، بغير خلاف؛ لنص الله تعالى عليه، بقوله: ﴿أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾. ويعتبر في الرقبة ثلاثة أوصاف؛ أحدها: أن تكون مؤمنة. في ظاهر المذهب. وهو قول مالك، والشافعي، وأبي عبيد.
وعن أحمد، رواية أخرى، أنَّ الذمية تجزئ. وهو قول عطاء، وأبي ثور، وأصحاب الرأي؛ لقول الله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ وهذا مطلق، فتدخل فيه الكافرة.
ولنا، أنَّه تحرير في كفارة، فلا يجزئ فيه الكافرة، ككفارة القتل، والجامع بينهما، أنَّ الإعتاق يتضمن تفريغ العبد المسلم لعبادة ربه، وتكميل أحكامه وعبادته وجهاده، ومعونة المسلم، فناسب ذلك شرع إعتاقه في الكفارة، تحصيلاً لهذه المصالح، والحكم مقرون بها في كفارة القتل المنصوص على الإيمان فيها، فيعلل بها، ويتعدى ذلك الحكم إلى كل تحرير في كفارة، فيختص بالمؤمنة، لاختصاصها بهذه الحكمة.
وأمَّا المطلق الذي احتجوا به، فإنَّه يحمل على المقيد في كفارة القتل، كما حمل مطلق قوله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾. على المقيد في قوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾.
وإن لم يحمل عليه من جهة اللغة، حمل عليه من جهة القياس.
стр. 3713
الثاني: أن تكون قد صلت وصامت. وهذا قول الشعبي، ومالك، وإسحاق.
قال القاضي: لا يجزئ من له دون السبع؛ لأنَّه لا تصح منه العبادات، في ظاهر كلام أحمد.
وظاهر كلام الخرقي، المعتبر الفعل دون السن، فمن صلى وصام ممن له عقل يعرف الصلاة والصيام، ويتحقق منه الإتيان به بنيته وأركانه، فإنَّه يجزئ في الكفارة وإن كان صغيراً ولم يوجدا منه، لم يجزئ في الكفارة وإن كان كبيراً.
وَقَالَ أبو بكر، وغيره من أصحابنا: يجوز إعتاق الطفل في الكفارة.
وهو قول الحسن، وعطاء، والزهري، والشافعي، وابن المنذر؛ لأنَّ المراد بالإيمان هاهنا الإسلام؛ بدليل إعتاق الفاسق.
قال الثوري المسلمون كلهم مؤمنون عندنا في الأحكام، ولا ندري ما هم عند الله.
ولهذا تعلق حكم القتل بكل مسلم، بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً﴾.
والصبي محكوم بإسلامه، يرثه المسلمون ويرثهم، ويدفن في مقابر المسلمين، ويغسل ويصلى عليه، وإن سبي منفرداً عن أبويه أجزأه عتقه؛ لأنَّه محكوم بإسلامه، وكذلك إن سبي مع أحد أبويه، ولو كان أحد أبوي الطفل مسلماً، والآخر كافراً، أجزأ إعتاقه؛ لأنَّه محكوم بإسلامه.
وَقَالَ القاضي، في موضع: يجزئ إعتاق الصغير في جميع الكفارات، إلَّا كفارة القتل؛ فإنَّها على روايتين.
стр. 3714
وَقَالَ إبراهيم النخعي ما كان في القرآن من رقبة مؤمنة، فلا يجزئ إلَّا ما صام وصلى، وما كان في القرآن رقبة ليست بمؤمنة، فالصبي يجزئ. ونحو هذا قول الحسن.
ووجه قول الخرقي، أنَّ الواجب رقبة مؤمنة، والإيمان قول وعمل، فما لم تحصل الصلاة والصيام، لم يحصل العمل.
وَقَالَ مجاهد، وعطاء، في قوله: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ قال: قد صلت. ونحو هذا قول الحسن، وإبراهيم.
وَقَالَ مكحول إذا ولد المولود فهو نسمة، فإذا تقلب ظهراً لبطن فهو رقبة، فإذا صلى فهو مؤمنة.
ولأنَّ الطفل لا تصح منه عبادة؛ لفقد التكليف، فلم يجزئ في الكفارة، كالمجنون، ولأنَّ الصبا نقص يستحق به النفقة على القريب، أشبه الزمانة.
والقول الآخر أقرب إلى الصحة، إن شاء الله تعالى؛ لأنَّ الإيمان الإسلام، وهو حاصل في حق الصغير ويدل على هذا أنَّ معاوية بن الحكم السلمي، أتى النبي ﷺ بجارية، فقال لها: "أين الله"؟ قالت: في السماء قال: "من أنا"؟ قالت: أنت رسول الله. قال: "أعتقها، فإنها مؤمنة". رواه مسلم.
وفي حديث عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أنَّ رجلاً أتى النبي ﷺ بجارية أعجمية، فقال: يا رسول الله: إنَّ علي رقبة.
فقال لها رسول الله ﷺ : "أين الله"؟ فأشارت برأسها إلى السماء. قال: "من أنا"؟.
стр. 3715
فأشارت إلى رسول الله وإلى السماء. أي: أنت رسول الله. قال: "أعتقها".
فحكم لها بالإيمان بهذا القول.
فصل: ولا يجزئ إعتاق الجنين. في قول أكثر أهل العلم. وبه قال أبو حنيفة، والشافعي.
وَقَالَ أبو ثور: يجزئ؛ لأنَّه آدمي مملوك، فصح إعتاقه عن الرقبة، كالمولود.
ولنا، أنَّه لم تثبت له أحكام الدنيا بعد؛ فإنَّه لا يملك إلَّا بالإرث والوصية، ولا يشترط لهما كونه آدمياً؛ لكونه ثبت له ذلك وهو نطفة أو علقة، وليس بآدمي في تلك الحال.
الثالث" أن لا يكون بها نقص يضر بالعمل. وقد شرحنا ذلك في الظهار.
ويجزئ الصبي وإن كان عاجزا عن العمل؛ لأنَّ ذلك ماض إلى زوال، وصاحبه سائر إلى الكمال.
ولا يجزئ المجنون؛ لأن نقصه لا غاية لزواله معلومة، فأشبه الزمن» اهـ.
قُلْتُ: الذي يظهر لي عدم إجزاء الجنين في العتق لأنَّه لا يعتبر آدمياً ولا تجري عليه أكثر الأحكام قبل خروجه، وأمَّا الصبي فيترجح عندي إجزاء عتقه، وليس لمن منع من ذلك حجة قوية. والله أعلم.
١١ - وفيه أنَّ الكفارة بالصيام يشترط فيها التتابع وهو مذهب الجمهور خلافاً لابن أبي ليلى. فإذا أفطر لغير عذر استأنف الصيام من أوله، وأمَّا إن قطعه لعذر فيبني على ما مضي ويتم ما بقي عليه عند زوال العذر متتابعاً.
следующие страницы →