← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 30178

تحفة السائل في بيان ما في عمدة الأحكام من المسائل

أبو بكر الحمادي

Полный текст (8 095 стр.). Показаны 3711–3750 · переход к 3716.

стр. 3711

عِنْدَ الْعُقَلَاءِ فَإِنْ حَصَلَ بِهِ قَضَاءُ الشَّهْوَةِ فَذَلِكَ لِغَلَبَةِ الشَّبَقِ، أَوْ لِفَرْطِ السَّفَهِ، وَهُوَ كَمَنْ يَتَكَلَّفُ لِقَضَاءِ شَهْوَتِهِ بِيَدِهِ لَا تَتِمُّ جِنَايَتُهُ فِي إيجَابِ الْكَفَّارَةِ فَهَذَا مِثْلُهُ» اهـ. ١٠ - أنَّ الرقبة جاءت في الحديث مطلقة ولم تقيد بالإيمان فأجازت الحنفية تحرير الرقبة الكافرة، وأجاز أحمد في رواية عتق الذمية، ومنع من ذلك الجمهور، وقيدوا مطلق الرقبة في هذا الحديث بكفارة القتل حيث قيَّد الله فيها الرقبة بالإيمان، فقال الله : ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢]. ومثل ذلك ما رواه مسلم (٥٣٧) عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ الْحَكَمِ السُّلَمِيِّ ﵁ وفيه أنَّ الْنَّبِيَّ ﷺ قال له في شأن جاريته التي صكها: «أَعْتِقْهَا، فَإِنَّهَا مُؤْمِنَةٌ». قُلْتُ: ويشترط في الرقبة عند جمهور العلماء أنَّ تكون سليمة من العيوب التي تضر بالعمل إضراراً بيناً. وأمَّا الجنين والصغير، فقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ في [الْكَافِي] (٣/ ١٧٠): «ولا يجزئ عتق الجنين لأنَّه لم يثبت له أحكام الرقاب فإن أعتق صبياً فقال الخرقي: لا يجزئه حتى يصلي ويصوم لأنَّ الإيمان قول وعمل ولأنَّه لا يصح منه عبادة لفقد التكليف فلم يجزئ في الكفارة كالمجنون. وَقَالَ القاضي: لا يجزئ من له دون السبع في ظاهر كلام أحمد وَقَالَ في موضع آخر: يجزئ عتق الصغير في جميع الكفارات إلَّا كفارة القتل فإنَّها على روايتين، وَقَالَ أبو بكر وغيره: يجزئ الطفل في جميع الكفارات لأنَّه ترجى منافعه وتصرفه فأجزأ كالمريض المرجو ولا يجزئ عتق مغصوب لأنَّه ممنوع من التصرف في نفسه فأشبه الزمن» اهـ.

стр. 3712

وَقَالَ ﵀ في [الْمُغْنِي] (١٣/ ٢٦٧ - ٢٧٠): «مسألة؛ قال: "وإن شاء أعتق رقبة مؤمنة، قد صلت وصامت؛ لأنَّ الإيمان قول وعمل، وتكون سليمة، ليس فيها نقص يضر بالعمل". وجملته أنَّ إعتاق الرقبة أحد خصال الكفارة، بغير خلاف؛ لنص الله تعالى عليه، بقوله: ﴿أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾. ويعتبر في الرقبة ثلاثة أوصاف؛ أحدها: أن تكون مؤمنة. في ظاهر المذهب. وهو قول مالك، والشافعي، وأبي عبيد. وعن أحمد، رواية أخرى، أنَّ الذمية تجزئ. وهو قول عطاء، وأبي ثور، وأصحاب الرأي؛ لقول الله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ وهذا مطلق، فتدخل فيه الكافرة. ولنا، أنَّه تحرير في كفارة، فلا يجزئ فيه الكافرة، ككفارة القتل، والجامع بينهما، أنَّ الإعتاق يتضمن تفريغ العبد المسلم لعبادة ربه، وتكميل أحكامه وعبادته وجهاده، ومعونة المسلم، فناسب ذلك شرع إعتاقه في الكفارة، تحصيلاً لهذه المصالح، والحكم مقرون بها في كفارة القتل المنصوص على الإيمان فيها، فيعلل بها، ويتعدى ذلك الحكم إلى كل تحرير في كفارة، فيختص بالمؤمنة، لاختصاصها بهذه الحكمة. وأمَّا المطلق الذي احتجوا به، فإنَّه يحمل على المقيد في كفارة القتل، كما حمل مطلق قوله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾. على المقيد في قوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾. وإن لم يحمل عليه من جهة اللغة، حمل عليه من جهة القياس.

стр. 3713

الثاني: أن تكون قد صلت وصامت. وهذا قول الشعبي، ومالك، وإسحاق. قال القاضي: لا يجزئ من له دون السبع؛ لأنَّه لا تصح منه العبادات، في ظاهر كلام أحمد. وظاهر كلام الخرقي، المعتبر الفعل دون السن، فمن صلى وصام ممن له عقل يعرف الصلاة والصيام، ويتحقق منه الإتيان به بنيته وأركانه، فإنَّه يجزئ في الكفارة وإن كان صغيراً ولم يوجدا منه، لم يجزئ في الكفارة وإن كان كبيراً. وَقَالَ أبو بكر، وغيره من أصحابنا: يجوز إعتاق الطفل في الكفارة. وهو قول الحسن، وعطاء، والزهري، والشافعي، وابن المنذر؛ لأنَّ المراد بالإيمان هاهنا الإسلام؛ بدليل إعتاق الفاسق. قال الثوري المسلمون كلهم مؤمنون عندنا في الأحكام، ولا ندري ما هم عند الله. ولهذا تعلق حكم القتل بكل مسلم، بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً﴾. والصبي محكوم بإسلامه، يرثه المسلمون ويرثهم، ويدفن في مقابر المسلمين، ويغسل ويصلى عليه، وإن سبي منفرداً عن أبويه أجزأه عتقه؛ لأنَّه محكوم بإسلامه، وكذلك إن سبي مع أحد أبويه، ولو كان أحد أبوي الطفل مسلماً، والآخر كافراً، أجزأ إعتاقه؛ لأنَّه محكوم بإسلامه. وَقَالَ القاضي، في موضع: يجزئ إعتاق الصغير في جميع الكفارات، إلَّا كفارة القتل؛ فإنَّها على روايتين.

стр. 3714

وَقَالَ إبراهيم النخعي ما كان في القرآن من رقبة مؤمنة، فلا يجزئ إلَّا ما صام وصلى، وما كان في القرآن رقبة ليست بمؤمنة، فالصبي يجزئ. ونحو هذا قول الحسن. ووجه قول الخرقي، أنَّ الواجب رقبة مؤمنة، والإيمان قول وعمل، فما لم تحصل الصلاة والصيام، لم يحصل العمل. وَقَالَ مجاهد، وعطاء، في قوله: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ قال: قد صلت. ونحو هذا قول الحسن، وإبراهيم. وَقَالَ مكحول إذا ولد المولود فهو نسمة، فإذا تقلب ظهراً لبطن فهو رقبة، فإذا صلى فهو مؤمنة. ولأنَّ الطفل لا تصح منه عبادة؛ لفقد التكليف، فلم يجزئ في الكفارة، كالمجنون، ولأنَّ الصبا نقص يستحق به النفقة على القريب، أشبه الزمانة. والقول الآخر أقرب إلى الصحة، إن شاء الله تعالى؛ لأنَّ الإيمان الإسلام، وهو حاصل في حق الصغير ويدل على هذا أنَّ معاوية بن الحكم السلمي، أتى النبي ﷺ بجارية، فقال لها: "أين الله"؟ قالت: في السماء قال: "من أنا"؟ قالت: أنت رسول الله. قال: "أعتقها، فإنها مؤمنة". رواه مسلم. وفي حديث عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أنَّ رجلاً أتى النبي ﷺ بجارية أعجمية، فقال: يا رسول الله: إنَّ علي رقبة. فقال لها رسول الله ﷺ : "أين الله"؟ فأشارت برأسها إلى السماء. قال: "من أنا"؟.

стр. 3715

فأشارت إلى رسول الله وإلى السماء. أي: أنت رسول الله. قال: "أعتقها". فحكم لها بالإيمان بهذا القول. فصل: ولا يجزئ إعتاق الجنين. في قول أكثر أهل العلم. وبه قال أبو حنيفة، والشافعي. وَقَالَ أبو ثور: يجزئ؛ لأنَّه آدمي مملوك، فصح إعتاقه عن الرقبة، كالمولود. ولنا، أنَّه لم تثبت له أحكام الدنيا بعد؛ فإنَّه لا يملك إلَّا بالإرث والوصية، ولا يشترط لهما كونه آدمياً؛ لكونه ثبت له ذلك وهو نطفة أو علقة، وليس بآدمي في تلك الحال. الثالث" أن لا يكون بها نقص يضر بالعمل. وقد شرحنا ذلك في الظهار. ويجزئ الصبي وإن كان عاجزا عن العمل؛ لأنَّ ذلك ماض إلى زوال، وصاحبه سائر إلى الكمال. ولا يجزئ المجنون؛ لأن نقصه لا غاية لزواله معلومة، فأشبه الزمن» اهـ. قُلْتُ: الذي يظهر لي عدم إجزاء الجنين في العتق لأنَّه لا يعتبر آدمياً ولا تجري عليه أكثر الأحكام قبل خروجه، وأمَّا الصبي فيترجح عندي إجزاء عتقه، وليس لمن منع من ذلك حجة قوية. والله أعلم. ١١ - وفيه أنَّ الكفارة بالصيام يشترط فيها التتابع وهو مذهب الجمهور خلافاً لابن أبي ليلى. فإذا أفطر لغير عذر استأنف الصيام من أوله، وأمَّا إن قطعه لعذر فيبني على ما مضي ويتم ما بقي عليه عند زوال العذر متتابعاً.

стр. 3716

وقد اختلف العلماء في كثير من الأعذار هل تقطع التتابع أو لا، والذي يظهر لي أنَّ الأعذار المبيحة للفطر في رمضان لا تقطع التتابع إذ ليس صيام الكفارة بأوكد من صيام الفريضة. والله أعلم. ١٢ - وفيه أنَّ الكفارة في الإطعام لا تجزئ إلَّا بإطعام ستين مسكيناً فلو أطعم عشرة ستة أيام، أو مسكيناً ستين يوماً لا يجزئه وإلى هذا ذهب الجمهور، والمشهور عن الحنفية تجويزهم لذلك. وأمَّا إذا لم يجد الستين فيجزئه ما وجد ويكرر الكفارة لقول الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]. ولما رواه البخاري (٧٢٨٨)، ومسلم (١٣٣٧)) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قال: «دَعُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ، إِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِسُؤَالِهِمْ وَاخْتِلَافِهِمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ، فَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَاجْتَنِبُوهُ، وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ». قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ في [زَادِ الْمَعَادِ] (٥/ ٣٤٠) - عند كلامه على كفارة الظهار -: «ومنها: أنَّه لا بد من استيفاء عدد الستين، فلو أطعم واحداً ستين يوماً لم يجزه إلَّا عن واحد، هذا قول الجمهور: مالك، والشافعي، وأحمد في إحدى الروايتين عنه. والثانية: أنَّ الواجب إطعام ستين مسكيناً، ولو لواحد وهو مذهب أبي حنيفة. والثالثة: إن وجد غيره لم يجز، وإلَّا أجزأه، وهو ظاهر مذهبه، وهى أصح الأقوال» اهـ.

стр. 3717

١٣ - ولا يشترط في الإطعام وضع المطعوم في الفم بل يكفي الوضع بين يديه بلا خلاف في ذلك بين العلماء. ١٤ - وفي ذكر الإطعام ما يدل على إخراج الطفل الذي لا يطعم. ١٥ - لم يحد النبي ﷺ في كفارة الجماع مقداراً معيناً فيجزأه أن يطعمهم من أوسط ما يطعم أهله وإن لم يملكهم إياها. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ في [زَادِ الْمَعَادِ] (٥/ ٤٩٤): «وصح عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّه قال لمن وطئ في نهار رمضان: "أطعم ستين مسكيناً". وكذلك قال للمظاهر، ولم يحد ذلك بمد ولا رطل. فالذي دل عليه القران والسنة، أنَّ الواجب في الكفارات والنفقات هو الإطعام لا التمليك، وهذا هو الثابت عن الصحابة ﵃» اهـ. وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ -عند كلامه على كفارة اليمين- كما في [مَجْمُوعِ الْفَتَاوَى] (٣٥/ ٣٥٠): «والمنقول عن أكثر الصحابة والتابعين هذا القول؛ ولهذا كانوا يقولون الْأَوْسَط خبز ولبن خبز وسمن خبز وتمر. والأعلى خبز ولحم. وقد بسطنا الآثار عنهم في غير هذا الموضع وبينا أنَّ هذا القول هو الصواب الذي يدل عليه الكتاب والسنة والاعتبار وهو قياس مذهب أحمد وأصوله فإنَّ أصله أنَّ ما لم يقدره الشارع فإنَّه يرجع فيه إلى العرف وهذا لم يقدره الشارع فيرجع فيه إلى العرف لا سيما مع قوله تعالى: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ فإنَّ أحمد لا يقدر طعام المرأة والولد ولا المملوك؛ ولا يقدر أجرة الأجير المستأجر بطعامه وكسوته في ظاهر مذهبه ولا يقدر الضيافة الواجبة عنده قولاً واحداً ولا يقدر

стр. 3718

الضيافة المشروطة على أهل الذمة للمسلمين في ظاهر مذهبه: هذا مع أنَّ هذه واجبة بالشرط فكيف يقدر طعاماً واجباً بالشرع؟ بل ولا يقدر الجزية في أظهر الروايتين عنه ولا الخراج؛ ولا يقدر أيضاً الأطعمة الواجبة مطلقاً سواء وجبت بشرع أو شرط ولا غير الأطعمة مما وجبت مطلقاً. فطعام الكفارة أولى أن لا يقدر» اهـ. قُلْتُ: وقد جاء التحديد لكفارة الجماع في نهار رمضان في بعض الأحاديث منها: ما رواه أبو داود (٢٣٩٥) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَوْفٍ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ عَائِشَةَ بِهَذِهِ الْقِصَّةِ قَالَ: «فَأُتِيَ بِعَرَقٍ فِيهِ عِشْرُونَ صَاعًا». قُلْتُ: هذه الزيادة منكرة لا تثبت في حديث عائشة، والوهم فيها من عبد الرحمن بن الحارث وهو ضعيف الحديث، وقد خالفه في عدم ذكرها عبد الرحمن بن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، وحديثه أخرجه البخاري (١٩٣٥)، ومسلم (١١١٢)، وابن إسحاق عند أحمد (٢٦٤٠٢). قُلْتُ: وجاءت هذه الزيادة في حديث أبي هريرة فيما رواه الطبراني في [الْكَبِيْر] (٤٤٢)، و [الْأَوْسَطِ] (١٧٨٧)، وأبو يعلى (٦٣٦٨)، والْدَارَقُطْنِي في [الْعِلَلِ] (١٠/ ٢٤٦ - ٢٤٧) مِنْ طَرِيْقِ لَيْثِ بْنِ أَبِي سُلَيْمٍ، عَنْ عَطَاءٍ، وَمُجَاهِدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ: إِنِّي أَفْطَرْتُ يَوْمًا مِنْ

стр. 3719

رَمَضَانَ مُتَعَمِّدًا، وَوَقَعْتُ عَلَى أَهْلِي فِيهِ. فَقَالَ: «أَعْتِقْ رَقَبَةً». قَالَ: لَا أَجِدُ. قَالَ: «أَهْدِ بَدَنَةً». قَالَ: لَا أَجِدُ. فَقَالَ: «تَصَدَّقْ بِعِشْرِينَ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ تِسْعَةَ عَشَرَ، أَوْ أَحَدٍ وَعِشْرِينَ» قَالَ: لَا أَجِدُ. فَأُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ بِمِكْتَلٍ، فِيهِ عِشْرُونَ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، فَقَالَ: «تَصَدَّقْ بِهَذَا». فَقَالَ: مَا بِالْمَدِينَةِ أَهْلُ بَيْتٍ أَحْوَجُ إِلَيْهِ مِنَّا. قَالَ: «فَأَطْعِمْهُ أَهْلَكَ». قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ ضَعِيْفٌ وليث لا يعتمد عليه وقد خالفه الْإِمَام مالك وابن جريج، ومعمر في بعض ألفاظه. فرواه مالك في [الْمُوَطَّأِ] (٦٥٨) عَنْ عَطَاءِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْخُرَاسَانِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّهُ قَالَ: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَضْرِبُ نَحْرَهُ، وَيَنْتِفُ شَعْرَهُ، وَيَقُولُ: هَلَكَ الْأَبْعَدُ. فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «وَمَا ذَاكَ؟» فَقَالَ: أَصَبْتُ أَهْلِي، وَأَنَا صَائِمٌ فِي رَمَضَانَ. فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «هَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تُعْتِقَ رَقَبَةً؟» فَقَالَ: لَا. فَقَالَ: «هَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تُهْدِيَ بَدَنَةً»، قَالَ: لَا. قَالَ: «فَاجْلِسْ». فَأُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِعَرَقِ تَمْرٍ. فَقَالَ: «خُذْ هَذَا فَتَصَدَّقْ بِهِ»، فَقَالَ: مَا أَحَدٌ أَحْوَجَ مِنِّي، فَقَالَ: «كُلْهُ وَصُمْ يَوْمًا مَكَانَ مَا أَصَبْتَ» قَالَ مَالِكٌ قَالَ عَطَاءٌ فَسَأَلْتُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ: كَمْ فِي ذَلِكَ الْعَرَقِ مِنَ التَّمْرِ؟ فَقَالَ: مَا بَيْنَ خَمْسَةَ عَشَرَ صَاعًا إِلَى عِشْرِينَ. وأمَّا حديث ابن جريج فرواه عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (٧٤٥٩) عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ الْخُرَاسَانِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ الْمُسَيِّبِ يَقُولُ: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ يَضْرِبُ صَدْرَهُ، وَيَنْتِفُ شَعْرَهُ، وَيَقُولُ: هَلَكَ الْأَبْعَدُ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : «مَا شَأْنُكَ؟» قَالَ: أَصَبْتُ فِي شَهْرِ

стр. 3720

رَمَضَانَ قَالَ: «هَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تُعْتِقَ رَقَبَةً؟» قَالَ: لَا قَالَ: «فَأَهْدِ» قَالَ: تُرِيدُ الْجُزُورَ؟ قَالَ: «مَا هُوَ إِلَّا هِيَ» قَالَ: وَلَا أَجِدُهُ قَالَ: «فَاجْلِسْ» قَالَ: فَجَلَسَ فَجَاءَ رَجُلٌ بِمِكْتَلٍ فِيهِ عِشْرُونَ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ خَمْسَةَ عَشَرَ صَاعًا، فَقَالَ لِلْأَعْرَابِيِّ: «تَصَدَّقْ بِهَا»، فَشَكَا إِلَيْهِ الْحَاجَةَ، فَقَالَ: «عَلَيْكَ، وَعَلَى أَهْلِكَ». وأمَّا حديث معمر فرواه عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (٧٤٥٨) عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ الْمُسَيِّبِ يَقُولُ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلَكَ الْأَخِرُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «وَمَا ذَاكَ؟» قَالَ: أَصَبْتُ أَهْلِي فِي رَمَضَانَ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : «أَتَسْتَطِيعُ أَنْ تُعْتِقَ رَقَبَةً» قَالَ: لَا قَالَ: «فَأَهْدِ بَدَنَةً» قَالَ: وَلَا أَجِدُ قَالَ: فَأَتَى النَّبِيُّ ﷺ بِمِكْتَلٍ فِيهِ خَمْسَةَ عَشَرَ صَاعًا، فَقَالَ: «تَصَدَّقْ بِهَذَا فَشَكَا إِلَيْهِ الْحَاجَةَ»، فَقَالَ: «عَلَيْكَ، وَعَلَى أَهْلِكَ»، أَوْ قَالَ: عِشْرُونَ صَاعًا. قُلْتُ: قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٤/ ١٦٧): «وليث ضعيف وقد اضطرب في روايته سنداً ومتناً فلا حجة فيه» اهـ. قُلْتُ: وقد وهَّم ابنُ المسيب عطاءً فيما رواه البخاري في [الْأَوْسَطِ] (٥٦٧)، و [الصَّغِيْرِ] (٢/ ٣٦)، و [الْضُعَفَاءِ] (١/ ١٠٨)، وأبو داود في [الْمَرَاسِيْلِ] (٩٩)، وابن عدي في [الْكَامِلِ] (١/ ٥٠)، والعقيلي في [الْضُعَفَاءِ] (٣/ ٤٠٧)، والْدَارَقُطْنِي في [الْعِلَلِ] (١٠/ ٢٤٧) مِنْ طَرِيْقِ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ عَاصِمٍ، قَالَ: قُلْتُ لِسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ: حَدِيثًا حَدَّثَنَاهُ عَنْكُ عَطَاءٌ الْخُرَاسَانِيُّ قَالَ: مَا هُوَ، قُلْتُ: فِي الَّذِي وَقَعَ عَلَى امْرَأَتِهِ فِي رَمَضَانَ، قَالَ: عِتْقُ رَقَبَةٍ أَوَ هَدْيٌ، قَالَ: كَذَبَ عَطَاءٌ إِنَّمَا

стр. 3721

ذَلِكَ فُلَانٌ - وَأَشَارَ إِلَى مَنْزِلِهِ - وَقَعَ عَلَى امْرَأَتِهِ فِي رَمَضَانَ فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: «هَلْ عِنْدَكَ مِنْ شَيْءٍ»، قَالَ: لَا، قَالَ: «اجْلِسْ»، قَالَ: فَأُتِيَ بِعَرَقٍ فِيهِ عِشْرُونَ صَاعًا أَوْ نَحْوٌ مِنْهَا، قَالَ: «تَصَدَّقْ بِهَذَا» قَالَ: إِسْمَاعِيلُ: فَأَحْسِبُ خَالِدًا قَالَ: مَا لِأَهْلِي مِنْ طَعَامٍ، قَالَ: «فَأَطْعِمْهُ أَهْلَكَ». قُلْتُ: القاسم بن عاصم أخرج له البخاري، ومسلم، وذكره ابن حبان في "الثقات" فهو ثقة من الثقات إن شاء الله. لا سيما وقد تابعه عون بن عبد الله بن عتبة بن مسعود الهذلي، ومحمد بن عتيق عند البخاري في [التَّارِيْخِ الْكَبِيْر] (٨٦٩)، العقيلي في [الْضُعَفَاءِ] (٣/ ٤٠٧)، والْدَارَقُطْنِي في [الْعِلَلِ] (١٠/ ٢٤٦) غير أنَّه ذكر سعيد بن يزيد، ولم يذكر عوناً، وأحمد في [الْعِلَلِ] (٥٤٥٤) مِنْ طَرِيْقِ قتادة أن محمد بن عبيد وسعيد بن يزيد به هكذا قال محمد بن عبيد، وحبيب بن أبي ثابت عند عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (٧٤٦٠). قُلْتُ: وبهذا يتبيَّن أنَّ الصحيح في مرسل سعيد بن المسيب عدم ذكر إهداء البدنة، وهكذا قوله: «تصدق بعشرين صاعاً من تمر أو تسعة عشر أو أحد وعشرين». وهكذا أمر المجامع بالقضاء كل ذلك لا يثبت. وروى أبو داود (٢٣٩٣) حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُسَافِرٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ أَفْطَرَ فِي رَمَضَانَ بِهَذَا الْحَدِيثِ. قَالَ: فَأُتِيَ بِعَرَقٍ فِيهِ تَمْرٌ قَدْرُ خَمْسَةَ عَشَرَ صَاعًا، وَقَالَ فِيهِ: «كُلْهُ أَنْتَ، وَأَهْلُ بَيْتِكَ، وَصُمْ يَوْمًا، وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ». قُلْتُ: قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَدِيٍّ ﵀ في [الْكَامِلِ] (٧/ ١٠٩ - ١١٠):

стр. 3722

«وهشام بن سعد يقول عن زيد بن أسلم عن عطاء عن ابن عباس وغيره يقول عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ومنهم من أرسله ثنا عبد الصمد بن عبد الله الدمشقي ثنا دحيم ثنا بن أبي فديك حدثني هشام بن سعد عن ابن شهاب عن أبي سلمة عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ جاء رجل إلى النبي ﷺ وقد أفطر في رمضان فقال له النبي ﷺ : "اعتق رقبة". الحديث. وَقَالَ أبو كريب عن وكيع عن هشام بن سعد عن أنس والروايتان جميعاً خطأ؛ فأمَّا رواية بن أبي فديك عن هشام عن ابن شهاب عن أبي سلمة عن أبى هريرة رواه الثقات عن الزهري عن حميد بن عبد الرحمن عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ورواية أبي كريب عن وكيع عن هشام عن الزهري عن أنس، وعن أنس لا أصل له وخالف هشام بن سعد فيه الناس ولهشام غير ما ذكرت ومع ضعفه يكتب حديثه» اهـ. وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِ ﵀ في [التَّمْهِيْدِ] (٧/ ١٧٤ - ١٧٥): «وهشام بن سعد لين ضعيف سيما في ابن شهاب» اهـ. وروى أحمد (٦٩٤٤) حَدَّثَنَا يَزِيدُ، أَخْبَرَنَا الْحَجَّاجُ بْنُ أَرْطَاةَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَامِرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، وَعَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِذْ جَاءَ رَجُلٌ يَنْتِفُ شَعَرَهُ، وَيَدْعُو وَيْلَهُ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَا لَكَ؟» قَالَ: وَقَعَ عَلَى امْرَأَتِهِ فِي رَمَضَانَ، قَالَ: «أَعْتِقْ رَقَبَةً»، قَالَ: لَا أَجِدُهَا، قَالَ: «صُمْ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ»، قَالَ: لَا أَسْتَطِيعُ، قَالَ: «أَطْعِمْ سِتِّينَ مِسْكِينًا»، قَالَ: لَا أَجِدُ، قَالَ: فَأُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِعَرَقٍ فِيهِ خَمْسَةَ عَشَرَ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، قَالَ: «خُذْ

стр. 3723

هَذَا فَأَطْعِمْهُ عَنْكَ سِتِّينَ مِسْكِينًا»، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا أَهْلُ بَيْتٍ أَفْقَرُ مِنَّا، قَالَ: «كُلْهُ أَنْتَ وَعِيَالُكَ». قُلْتُ: الحجاج بن أرطأة ضعيف الحديث ولم يسمع من الزهري. وقد تابع حجاجاً محمد بن أبي حفصة عند أحمد (١٠٦٩٩). وتابعهما منصور بن المعتمر عند ابن خزيمة (١٩٥١)، والْدَارَقُطْنِي (٢٤٠٠)، والبيهقي في [الْكُبْرَى] (٧٨٣١)، و [الْصُغْرَى] (١٠٤٤)، وأبي عوانة في [مُسْتَخْرَجِهِ] (٢٢٩٣) لكن في السند إليه مؤمل بن إسماعيل وهو سيء الحفظ، ومهران بن أبي عمر وفيه لين والصحيح عن منصور خلاف ذلك كما سيأتي، والأوزاعي عند ابن حبان (٣٥٢٦)، والبيهقي في [الْكُبْرَى] (٧٨٣٧، ٩٦٧٨)، وابن عبد البر في [التَّمْهِيْدِ] (٧/ ١٧٣). وقد اختلف فيه على الأوزاعي فرواه عنه الوليد بن مسلم، وهقل بن زياد، ومسرور بن صدقة، وأيوب بن سويد الرملي كما سبق وخالفهم عبد الله بن المبارك، ومبشر بن إسماعيل، وبشر بن بكر، محمد بن كثير بن أبي عطاء ولم يذكروا مقدار العرق وحديثهم أصح. قُلْتُ: وقد روى الحديث جماعة عن الزهري ولم يذكروا هذه اللفظة منهم: مالك بن أنس وحديثه في [الْمُوَطَّأِ] (٦٥٧)، ومسلم (١١١١). وشعيب بن أبي حمزة وحديثه في البخاري (١٩٣٦). ومنصور بن المعتمر وحديثه في البخاري (١٩٣٧)، ومسلم (١١١١) من رواية جرير بن عبد الحميد عنه، وجاء عند ابن عبد البر في [التَّمْهِيْدِ] (٧/ ١٦٦)

стр. 3724

من رواية زائدة بن قدامة عنه، وجاء عند ابن الأعرابي في [مُعْجَمِهِ] (٣٥٠) من رواية إبراهيم بن طهمان عنه. وهذا هو الصحيح في حديث منصور. ومعمر بن راشد وحديثه في البخاري (٢٦٠٠، ٦٧١٠)، ومسلم (١١١١). وإبراهيم بن سعد وحديثه في البخاري (٥٣٦٨، ٦٠٨٧). والأوزاعي وحديثه في البخاري (٦١٦٤) من رواية ابن المبارك عنه، وعند أبي يعلى (٦٣٩٣) من رواية مبشر بن إسماعيل عنه، والطحاوي في [شَرْحِ مَعَانِي الْآثَارِ] (٣٢٠٦) من رواية بشر بن بكر عنه، وابن البختري كما في [مَجْمُوعِ مُصَنَّفَاتِهِ] (٥١٤) من رواية محمد بن كثير بن أبي عطاء عنه. وسفيان بن عيينة وحديثه في البخاري (٦٧٠٩، ٦٧١١)، ومسلم (١١١١). والليث بن سعد وحديثه في البخاري (٦٨٢١)، ومسلم (١١١١). وعبد الملك بن جريج وحديثه في مسلم (١١١١). ويونس بن يزيد الأيلي وحديثه عند البيهقي في [الْكُبْرَى] (٧٨٣٨). ويحيى بن سعيد الأنصاري وحديثه عند النسائي في [الْكُبْرَى] (٣١١٤). وعراك بن مالك وحديثه عند النسائي في [الْكُبْرَى] (٣١١٩)، وابن حبان في [صَحِيْحِهِ] (٣٥٢٥)، وأبي عوانة في [مُسْتَخْرَجِهِ] (٢٢٩٤)، والخطيب في [الْفَقِيْهِ والْمُتَفَقِّهِ] (٢٩٩). وعقيل بن خالد وحديثه عند ابن خزيمة (١٩٤٩) ومحمد بن إسحاق وحديثه عند البزار (٨٠٧٣). وعبيد الله بن عمر وحديثه عند الطبراني في [الْأَوْسَطِ] (٢٢٤٦).

стр. 3725

عبد الرحمن بن خالد بن مسافر وحديثه عند الطحاوي [شَرْحِ مَعَانِي الْآثَارِ] (٣١٩٩). قُلْتُ: فرواية هؤلاء وغيرهم هي المحفوظة. وروى ابن خزيمة في [صَحِيْحِهِ] (١٩٥١) دَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ مُوسَى، ثنا مِهْرَانُ بْنُ أَبِي عُمَرَ الرَّازِيُّ، عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ قَالَ: حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَامِرٍ، وَحَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، وَمَنْصُورٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَجُلًا أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ . فَذَكَرَ الْحَدِيثَ. وَقَالَ: فَأُتِيَ بِمِكْتَلٍ فِيهِ خَمْسَةَ عَشَرَ صَاعًا، أَوْ عِشْرِينَ صَاعًا، إِلَّا أَنَّهُ غَلَطَ فِي الْإِسْنَادِ، فَقَالَ: عَنْ أَبِي سَلَمَةَ. وَفِي خَبَرِ حَجَّاجٍ أَيْضًا، عَنِ الزُّهْرِيِّ: فَجِيءَ بِمِكْتَلٍ فِيهِ خَمْسَةَ عَشَرَ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، إِلَّا أَنَّ الْحَجَّاجَ لَمْ يَسْمَعْ مِنَ الزُّهْرِيِّ. سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ عَمْرَةَ يَحْكِي عَنْ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي ظَبْيَةَ، عَنْ هُشَيْمٍ قَالَ: قَالَ الْحَجَّاجُ: صِفْ لِيَ الزُّهْرِيَّ - لَمْ يَكُنْ يَرَاهُ -. قُلْتُ: المحفوظ في حديث الزهري ما سبق ذكره من حديث الجماعة عنه عن حميد بن عبد الرحمن عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. وجاء التقدير أيضاً في حديث علي بن أبي طالب ﵁. فروى الْدَارَقُطْنِي في [سُنَنِه] (٢٣٩٥) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَعِيدٍ، وَعُمَرُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ، قَالَا: ثنا الْمُنْذِرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْذِرِ، حَدَّثَنِي أَبِي، حَدَّثَنِي أَبِي، حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَينِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁، أَنَّ رَجُلًا أَتَى إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلَكْتُ، فَقَالَ: «وَمَا أَهْلَكَكَ؟»، قَالَ: أَتَيْتُ أَهْلِي فِي

стр. 3726

رَمَضَانَ، قَالَ: «هَلْ تَجِدُ رَقَبَةً؟»، قَالَ: لَا، قَالَ: «فَصُمْ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ»، قَالَ: لَا أُطِيقُ الصِّيَامَ، قَالَ: «فَأَطْعِمْ سِتِّينَ مِسْكِينًا لِكُلِّ مِسْكِينٍ مَدًّا»، قَالَ: مَا أَجِدُ، فَأَمَرَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِخَمْسَةَ عَشَرَ صَاعًا، قَالَ: «أَطْعِمْهُ سِتِّينَ مِسْكِينًا»، قَالَ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا بِالْمَدِينَةِ أَهْلُ بَيْتٍ أَحْوَجُ مِنَّا، قَالَ: «فَانْطَلِقْ فَكُلْهُ أَنْتَ وَعِيَالُكَ فَقَدْ كَفَّرَ اللَّهُ عَنْكَ». قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ لَا يَثْبُتُ فيه المنذر بن محمد له ترجمة في "الميزان"، و"اللسان". وقد اختلفت أقوال الْدَارَقُطْنِي فيه، وأشد ما قال فيه: متروك. وأبوه لم أقف له على جرح ولا تعديل، ومحمد بن الحسين لم أقف له على ترجمة. قُلْتُ: وخلاصة القول: أنَّه لا يثبت تقدير الصيعان في حديث المجامع. والله أعلم. وقد تنازع العلماء في قدر ما يطعم كل مسكين، فذهب أحمد إلى أنَّ لكل مسكين مد بر، وذلك خمسة عشر صاعاً أو نصف صاع من تمر، أو شعير، فيكون الجميع ثلاثين صاعاً. وَقَالَ أبو حنيفة من البر لكل مسكين نصف صاع، ومن غيره صاع. وذهب عطاء، والأوزاعي، والشافعي إلى أنَّ لكل مسكين مداً من الطعام. ١٦ - واحتج به من ذهب إلى إسقاط الكفارة عن المرأة. قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٤/ ١٧٠): «واستدل بإفراده بذلك على أنَّ الكفارة عليه وحده دون الموطوءة وكذا قوله في المراجعة: "هل تستطيع"، و"هل تجد"، وغير ذلك وهو الأصح من قولي

стр. 3727

الشافعية وبه قال الأوزاعي وَقَالَ الجمهور وأبو ثور وبن المنذر تجب الكفارة على المرأة أيضاً على اختلاف وتفاصيل لهم في الحرة والْأُمة والمطاوعة والمكرهة وهل هي عليها أو على الرجل عنها واستدل الشافعية بسكوته ﵊ عن إعلام المرأة بوجوب الكفارة مع الحاجة وأجيب بمنع وجود الحاجة إذ ذاك لأنَّها لم تعترف ولم تسأل واعتراف الزوج عليها لا يوجب عليها حكماً ما لم تعترف وبأنَّها قضية حال فالسكوت عنها لا يدل على الحكم لاحتمال أن تكون المرأة لم تكن صائمة لعذر من الأعذار. ثم إنَّ بيان الحكم للرجل بيان في حقها لاشتراكهما في تحريم الفطر وانتهاك حرمة الصوم كما لم يأمره بالغسل والتنصيص على الحكم في حق بعض المكلفين كاف عن ذكره في حق الباقين. ويحتمل أن يكون سبب السكوت عن حكم المرأة ما عرفة من كلام زوجها بأنَّها لا قدرة لها على شيء. وَقَالَ الْقُرْطُبِي: اختلفوا في الكفارة هل هي على الرجل وحده على نفسه فقط أو عليه وعليها أو عليه كفارتان عنه وعنها أو عليه عن نفسه وعليها عنها وليس في الحديث ما يدل على شيء من ذلك لأنَّه ساكت عن المرأة فيؤخذ حكمها من دليل آخر مع احتمال أن يكون سبب السكوت أنَّها كانت غير صائمة» اهـ. قُلْتُ: والذي يظهر لي هو صحة مذهب الجمهور من إيجاب الكفارة على المرأة كوجوبها على الرجل لوجوه: الوجه الأول: أنَّ المرأة هتكت حرمة شهر رمضان بالجماع، فوجبت الكفارة عليها كالرجل. الوجه الثاني: أنَّ التنصيص في الحكم لبعض المكلفين يشمل سائر المكلفين ممن حصل منه نظير ذلك الفعل.

стр. 3728

الوجه الثالث: أنَّ سائر الأحكام المتعلقة بالجماع تشمل الرجل والمرأة كالغسل، والإفطار، والإحصان، والحد، وغير ذلك، وهذا الحكم نظير غيره من الأحكام. وكون النبي ﷺ لم يذكر حكم المرأة في هذه القضية لا يعني عدم وجوب الكفارة عليها وإنَّما ذلك لأنَّها لم تسأل، ولم يسأل عن ذلك زوجها؛ ولأنَّ الحكم لا يختلف فيهما فلا حاجة للتنصيص عليهما، وكثير من أحكام الشريعة جاءت للرجال ودخلت النساء فيها وهذا نظيرها. والله أعلم. ١٧ - وفيه أنَّ كفارة الجماع تصرف للفقراء. ١٨ - وفيه جواز الضحك مما يضحك منه مما ليس فيه أذية لمن ضحك من حاله. ١٩ - واحتج به من قال: إنَّ الكفارة تسقط بالإعسار لأنَّ الْنَّبِيَّ ﷺ لم يخبره ببقائها عليه، وهذا مبني على أنَّ الطعام الذي أعطاه النبي ﷺ لم يكن من الكفارة، وهذا أحد القولين للشافعية وإحدى الروايتين عن أحمد وهي الأشهر، والجمهور على بقائها في الذمة وهو الصحيح. ٢٠ - واحتج به من قال: إنَّ المجامع ليس عليه قضاء ذلك اليوم لعدم أمر النبي ﷺ له بذلك وهو محكي في مذهب الشافعي وعن الأوزاعي يقضي إن كفر بغير الصوم وهو وجه للشافعية أيضاً. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ في [تَهْذِيْبِ سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ] (١/ ٤٤٨):

стр. 3729

«وقد اختلف الفقهاء في وجوب القضاء عليه: فمذهب مالك وأحمد وأبي حنيفة والشافعي في أظهر أقواله، يجب عليه القضاء، وللشافعي قول آخر: أنَّه لا يجب عليه القضاء إذا كفر، وله قول ثالث: أنَّه إن كفر بالصيام فلا قضاء عليه، وإن كفر بالعتق أو بالإطعام قضى، وهذا قول الأوزاعي» اهـ. قُلْتُ: وقد جاء الأمر بالقضاء فيما رواه أبو داود (٢٣٩٣) حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُسَافِرٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ أَفْطَرَ فِي رَمَضَانَ بِهَذَا الْحَدِيثِ. قَالَ: فَأُتِيَ بِعَرَقٍ فِيهِ تَمْرٌ قَدْرُ خَمْسَةَ عَشَرَ صَاعًا، وَقَالَ فِيهِ: «كُلْهُ أَنْتَ، وَأَهْلُ بَيْتِكَ، وَصُمْ يَوْمًا، وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ». قُلْتُ: سبق أن بيَّنت فيما مضى أنَّ هذا الحديث لا يثبت ونقلت كلام الحافظ ابن عدي وابن عبد البر فيه، وخلاصة القول أنَّ هشام بن سعد فيه ضعف وهو مع ضعفه فقد خالف ثقات أصحاب الزهري سنداً ومتناً، أمَّا السند فإنَّه معروف مِنْ طَرِيْقِ الزهري عن حميد بن عبد الرحمن عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وأمَّا المتن فخالفهم بزيادة القضاء، وتقدير الكفارة. قُلْتُ: وقد تابعه أبو أويس عبد الله بن عبد الله بن أويس عند الْدَارَقُطْنِي في [سُنَنِه] (٢٣٩٩)، ومن طريقه البيهقي في [الْكُبْرَى] (٧٨٤٥) وأبو أويس هذا فيه ضعف لا سيما عن الزهري وحديثه ها هنا عن الزهري. وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ ﵀ فِي [الْعِلَلِ] (١/ ٢٢٥):

стр. 3730

«وسئل أبو زرعة عن حديث أبي أويس، عن الزهري يعني عن حميد بن عبد الرحمن، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، في رجل أفطر يوماً من رمضان، قال: "عليه يوم مكانه". قال: ليس هذا بصحيح، لم يقل هذا الحرف واحد؛ يعني: من الثقات» اهـ. وذكر الْدَارَقُطْنِي متابعاً ثالثاً وهو عبد الجبار بن عمر وهو شديد الضعف لا يستشهد به وقد روى حديثه الطحاوي في [شَرْحِ مُشْكِلِ الْآثَارِ] (١٥١٩). وأضاف الطحاوي في [شَرْحِ مُشْكِلِ الْآثَارِ] (١٥١٨) الليث بن سعد، من رواية إبراهيم بن سعد عنه والمحفوظ في حديثه عدم ذكر هذه اللفظة وحديثه في البخاري (٦٨٢١)، ومسلم (١١١١) من رواية قتيبة بن سعيد عنه، وفي مسلم (١١١١) من رواية يحيى بن يحيى بن بكر التميمي، ومحمد بن رمح، ويحيى بن بكير، وأحمد بن يونس، وأبو الوليد الطيالسي هشام بن عبد الملك الباهلي عند أبي نعيم في [الْمَسْتَخْرَجِ] (٢٥١٢)، وأشهب بن عبد العزيز القيسي عند النسائي في [الْكُبْرَى] (٣١١٥)، وعبد الله بن صالح كاتب الليث عند الطحاوي في [شَرْحِ مَعَانِي الْآثَارِ] (٣١٩٩) ولم يذكروا في حديثهم هذه الزيادة وهذا هو المحفوظ في حديث الليث. قُلْتُ: ولم يذكر هذه الزيادة إبراهيم بن سعد نفسه في روايته عن الزهري من غير واسطة الليث وحديثه عند البخاري (٥٣٦٨)، والدارمي (١٧١٦)، وأبي نعيم في [الْمَسْتَخْرَجِ] (٢٢٩٠)، والطحاوي في [شَرْحِ مُشْكِلِ الْآثَارِ] (١٥١٧).

стр. 3731

وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو عَوَانَةَ ﵀ في [مُسْنَدِه] (٢/ ٢٠٦): «روى هذا الحديث سفيان ومعمر والأوزاعي وصالح ابن أبي الأخضر ومنصور وعبد الجبار والليث ومحمد بن أبي حفصة وإبراهيم وعقيل كلهم شبيهاً بشيء واحد إلَّا أنَّ هشام بن سعد قال عن أبي سلمة وقال: "صم يوماً مكانه". وَقَالَ عبد الجبار عن حميد بمثل ما قالوا وزاد: "وصم يوماً مكانه". وكذلك قال عمرو بن شعيب: "صم يوماً مكانه". وخالفهم ابن جريج ومالك في اللفظ فقالا: "أعتق وأطعم أو صم"» اهـ. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ في [تَهْذِيْبِ سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ] (١/ ٤٤٧ - ٤٤٨): «والذي أنكره الحفاظ ذكر هذه اللفظة في حديث الزهري، فإنَّ أصحابه الأثبات الثقات، كيونس وعقيل ومالك والليث بن سعد وشعيب ومعمر وعبد الرحمن بن خالد، لم يذكر أحد منهم هذه اللفظة، وإنما ذكرها الْضُعَفَاءُ عنه، كهشام بن سعد وصالح بن أبي الأخضر وأضرابهما. وَقَالَ الْدَارَقُطْنِي: رواتها ثقات، رواه ابن أبي أويس عن الزهري، وتابعه عبد الجبار بن عمر عنه، وتابعه أيضاً هشام بن سعد عنه، قال: وكلهم ثقات. وهذا لا يفيد صحة هذه اللفظة، فإنَّ هؤلاء إنَّما هم أربعة، وقد خالفهم من هو أوثق منهم وأكثر عدداً، وهم أربعون نفساً، لم يذكر أحد منهم هذه اللفظة، ولا ريب أنَّ التعليل بدون هذا مؤثر في صحتها. ولو انفرد بهذه اللفظة من هو أحفظ منهم وأوثق، وخالفهم هذا العدد الكثير، لوجب التوقف فيها، وثقة الراوي شرط في صحة الحديث لا موجبة، بل لا بد من انتفاء العلة والشذوذ، وهما غير منتفيين في هذه اللفظة» اهـ.

стр. 3732

وجاء فيما رواه ابن ماجه (١٦٧١) حَدَّثَنَا حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ عُمَرَ قَالَ: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنِ ابْنِ الْمُسَيِّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِذَلِكَ فَقَالَ: «وَصُمْ يَوْمًا مَكَانَهُ». قُلْتُ: عبد الجبار بن عمر شديد الضعف لا يستشهد بحديثه. وجاءت في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄. فروى أحمد (٦٩٤٥) حَدَّثَنَا يَزِيدُ، أَخْبَرَنَا الْحَجَّاجُ، عَنْ عَطَاءٍ، وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، بِمِثْلِهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَزَادَ: بَدَنَةً، وَقَالَ عَمْرٌو فِي حَدِيثِهِ: «وَأَمَرَهُ أَنْ يَصُومَ يَوْمًا مَكَانَهُ». قُلْتُ: الحجاج ضعيف ومدلس، والصحيح في هذا الحديث الإرسال كما رواه مسدد في "مُسْنَدِه" كما في [الْمَطَالِبِ الْعَالِيَةِ] (٦/ ٨٠/ ١٠٣٤) حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ السَّرَّاجِ عَنْ عَطَاءٍ وَعَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ قَالَا إِنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلَكْتُ قَالَ ﷺ : «وَمَا أَهْلَكَكَ». قَالَ: وَقَعْتُ عَلَى امْرَأَتِي فِي رَمَضَانَ قَالَ وَأُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ بِحِمَارٍ عَلَيْهِ تَمْرٌ فَأَمَرَ لَهُ بِبَعْضِهِ فَقَالَ: «خُذْ هَذَا فَتَصَدَّقْ بِهِ». قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا بَيْنَ لابيتها أَهْلُ بَيْتٍ أَفْقَرُ مِنِّي قَالَ فَضَحِكَ ﷺ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ ثُمَّ قَالَ: «أَطْعِمْهُ أَهْلَكَ وَيَوْمٌ مَكَانَ يَوْمٍ واستغفر الله تعالى». قَالَ: فَلَا أَدْرِي فِي حَدِيثِهِمَا أَوْ حَدِيثِ أَحَدِهِمَا يَوْمٌ مَكَانَ يَوْمٍ واستغفر الله تعالى. وجاءت في مرسل سعيد بن المسيب.

стр. 3733

فروى ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٩٨٦٧، ١٢٧٠٨) حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ الْأَحْمَرُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ، عَنِ الْمُطَّلِبِ بْنِ أَبِي وَدَاعَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: إِنِّي أَفْطَرْتُ يَوْمًا مِنْ رَمَضَانَ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : «تَصَدَّقْ، وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ، وَصُمْ يَوْمًا مَكَانَهُ». قُلْتُ: المطلب هو ابن السائب لم يوثقه معتبر، وقد خالف سائر من روى الحديث عن ابن المسيب كالقاسم بن عاصم، وعون بن عبد الله بن عتبة بن مسعود الهذلي، ومحمد بن عتيق، وحبيب بن أبي ثابت كما سبق بيان ذلك فيما مضى. قُلْتُ: وروى عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (٧٤٦٦) عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ رَجُلٍ، عَنِ ابْنِ الْمُسَيِّبِ، فِي الَّذِي يَقَعُ عَلَى أَهْلِهِ فِي رَمَضَانَ؟ قَالَ: قَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : «أَعْتِقْ رَقَبَةً» قَالَ: لَا أَجِدُ قَالَ: «فَتَصَدَّقْ بِشَيْءٍ» قَالَ: لَا أَعْلَمُهُ إِلَّا قَالَ: «فَاقْضِ يَوْمًا مَكَانَهُ». قُلْتُ: هَذَا مُرْسَلٌ ضَعِيْفٌ فيه رجل مبهم ثم هو خلاف ما رواه الثقات عن ابن المسيب. وجاءت في مرسل محمد بن كعب. فروى عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (٧٤٦١) عَنْ أَبِي مَعْشَرٍ الْمَدَنِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَهُ أَنْ يَصُومَ يَوْمًا مَكَانَهُ حِينَ أَمَرَهُ بِالْكَفَّارَةِ». قُلْتُ: هَذَا مُرْسَلٌ ضَعِيْفٌ أبو معشر هو نجيح بن عبد الرحمن ضعيف الحديث.

стр. 3734

وجاءت في مرسل نافع بن جبير. فروى عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (٧٤٦٢) عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَهُ: «تَصَدَّقْ، وَصُمْ يَوْمًا مَكَانَهُ». قُلْتُ: هَذَا مُرْسَلٌ ضَعِيْفٌ فيه عنعنة ابن جريج. قُلْتُ: وخلاصة القول أنَّ الأمر بالقضاء في حديث المجامع لا تطمئن النفس لإثباته بمثل هذه الْمَرَاسِيْلِ المخالفة لحديث أبي هريرة وعائشة الْمُسْنَدين. وقد قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كما في [مَجْمُوعِ الْفَتَاوَى] (٢٥/ ٢٢٥ - ٢٢٦): «وأمَّا أمره للمجامع بالقضاء فضعيف ضعفه غير واحد من الحفاظ. وقد ثبت هذا الحديث من غير وجه في الصحيحين من حديث أبي هريرة ومن حديث عائشة ولم يذكر أحد أمره بالقضاء ولو كان أمره بذلك لما أهمله هؤلاء كلهم وهو حكم شرعي يجب بيانه ولما لم يأمره به دل على أنَّ القضاء لم يبق مقبولاً منه. وهذا يدل على أنَّه كان متعمداً للفطر لم يكن ناسياً ولا جاهلاً» اهـ. قُلْتُ: فإن قيل قد أمر المستقيء بالقضاء مع أنَّه قد تعمد القيء فكيف لا يؤمر المجامع بالقضاء؟!. أَقُوْلُ: هذا الحديث رواه أحمد (١٠٤٦٨)، وأبو داود (٢٣٨٠)، والترمذي (٧٢٠)، وابن ماجه (١٦٧٦)، والنسائي في [الْكُبْرَى] (٣١٣٠) مِنْ طَرِيْقِ هِشَامُ بْنُ حَسَّانَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ ذَرَعَهُ قَيْءٌ، وَهُوَ صَائِمٌ، فَلَيْسَ عَلَيْهِ قَضَاءٌ، وَإِنْ اسْتَقَاءَ فَلْيَقْضِ».

стр. 3735

قُلْتُ: وقد وقفه عطاء في روايته عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فروى النسائي في [الْكُبْرَى] (٣١٣١) أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا حِبَّانُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: «مَنْ قَاءَ وَهُوَ صَائِمٌ فَلْيُفْطِرْ». قُلْتُ: وقد أعلَّ الحديث جمع من الحفاظ منهم الْإِمَام البخاري ﵀ فقد قَالَ التِّرمِذِيُّ ﵀ في [جَامِعِهِ] (٣/ ٩٨): «وَقَالَ محمد لا أراه محفوظاً» اهـ. وَقَالَ ﵀ في [الْعِلَلِ] (١/ ٢٤٥): «سألت محمداً عن هذا الحديث فلم يعرفه إلَّا من حديث عيسى بن يونس، عن هشام بن حسان، عن ابن سيرين، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وقال: ما أراه محفوظاً. وقد روى يحيى بن أبي كثير عن عمر بن الحكم: أنَّ أبا هريرة كان لا يرى القيء يفطر الصائم» اهـ. وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ ﵀ في [سُنَنِه] (٢٣٨٠): «سمعت أحمد يقول: ليس من ذا شيء والصحيح في هذا مالك عن نافع عن ابن عمر» اهـ. وَقَالَ ﵀ في [مَسَائِلِهِ] (٢٩٢): «سمعت أحمد سئل: ما أصح فيه - (يعني فيمن ذرعه القيء) - قال: نافع عن ابن عمر. قلت له: حديث هشام عن محمد عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؟ قال: ليس من هذا بشيء، إنَّما هو حديث: "من أكل ناسياً - (يعني: وهو صائم) -؛ فالله أطعمه وسقاه"» اهـ. قُلْتُ: وهذا الحديث رواه البخاري (١٩٣٣)، ومسلم (١١٥٥) مِنْ طَرِيْقِ هشام بن حسان، عن ابن سيرين، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، ﵁، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى

стр. 3736

اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِذَا نَسِيَ فَأَكَلَ وَشَرِبَ، فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ، فَإِنَّمَا أَطْعَمَهُ اللَّهُ وَسَقَاهُ». قُلْتُ: وأراد الْإِمَام أحمد بهذا أنَّ هشام بن حسان دخل عليه حديث في حديث على سبيل الوهم. والله أعلم. وَقَالَ النسائي ﵀ في [الْكُبْرَى] (٢/ ٢١٥): «وقفه عطاء» اهـ. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ في [تَهْذِيْبِ سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ] (٧/ ٦): «والحفاظ لا يرونه محفوظاً» اهـ. وَقَالَ ﵀ في [الصَّلَاةِ وَحُكْمِ تَارِكِهَا] (١٣٤): «وبتقدير صحة الحديث فلا حجة فيه إذ المراد به المعذور الذي اعتقد أنَّه يجوز له الاستقياء أو المريض الذي احتاج أن يستقيء فاستقاء فإنَّ الاستقياء في العادة لا يكون وإلَّا فلا يقصد العاقل أن يستقيء من غير حاجة فيكون المستقيء متداوياً بالاستقياء كما لو تداوى بشرب دواء وهذا يقبل منه القضاء أو يؤمر به اتفاقاً» اهـ. قُلْتُ: واختلف الموقوف على أبي هريرة فقال البخاري ﵀ في [صَحِيْحِهِ] (٣/ ٤٢ - مع الفتح): «وَقَالَ لي يحيى بن صالح، حدثنا معاوية بن سلام، حدثنا يحيى، عن عمر بن الحكم بن ثوبان سمع أبا هريرة، ﵁: "إذا قاء فلا يفطر إنَّما يخرج، ولا يولج" ويذكر، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أنَّه يفطر والأول أصح» اهـ.

стр. 3737

٢١ - وفيه جواز الحلف في الخبر لتوكيده. ٢٢ - وفيه جواز الحلف لما يغلب على الظن. ٢٣ - وفيه جواز صرف الكفارة لأهل البيت الواحد لشدة حاجتهم وإن لم يبلغوا الستين. ٢٤ - جواز ذكر الشخص ما وقع فيه من المعصية في مقام الاستفتاء ولا يدخل هذا في المجاهر في المعصية. ٢٥ - وفيه أنَّ الجماع في نهار رمضان من أسباب الهلاك. ٢٦ - واحتج به من قال بوجوب الكفارة لمن جامع في نهار رمضان نسياناً لأنَّ الْنَّبِيَّ صلى الله عليه والسلام لم يستفصل الرجل هل كان متعمداً أو ناسياً، وترك الاستفصال مع قيام الاحتمال ينزل منزلة العموم في المقال. قُلْتُ: سبق الجواب على ذلك في شرحنا للحديث السابق. ٢٧ - وفيه أنَّ من جاء مستفتياً عن ذنب حصل منه أنَّه لا يعزر على ذنبه؛ فإنَّ الاستفتاء دليل التوبة. * * *

стр. 3738

باب الصوم في السفر ١٨١ - عن عائشة ﵂: أَنَّ حَمْزَةَ بْنَ عَمْرٍو الأَسْلَمِيَّ قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ : أَأَصُومُ فِي السَّفَرِ؟ - وَكَانَ كَثِيرَ الصِّيَامِ -، قَالَ: «إِنْ شِئْتَ فَصُمْ، وَإِنْ شِئْتَ فَأَفْطِرْ». وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلَ مِنْهَا: ١ - مشروعية الصوم في السفر، وإلى هذا ذهب جمهور العلماء، وذهب آخرون إلى عدم جواز ذلك، وأنَّ من صام فعليه القضاء. قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كما في [مَجْمُوعِ الْفَتَاوَى] (٢٢/ ٢٨٧ - ٢٨٨): «ومن هذا الباب الصوم والفطر للمسافر في رمضان: فإنَّ الأئمة الأربعة اتفقوا على جواز الأمرين وذهب طائفة من السلف والخلف إلى أنَّه لا يجوز إلَّا الفطر وأنَّه لو صام لم يجزئه. وزعموا أنَّ الإذن لهم في الصوم في السفر منسوخ بقوله: "ليس من البر الصيام في السفر". والصحيح ما عليه الأئمة. وليس في هذا الحديث ما ينافي إذنه لهم في الصيام في السفر فإنَّه نفى أن يكون من البر ولم ينف أن يكون جائزاً مباحاً والفرض يسقط بفعل النوع الجائز المباح إذا أتى بالمأمور به. والمراد به كونه في السفر ليس من البر كما لو صام وعطش نفسه بأكل المالح أو صام وأضحى للشمس فإنَّه يقال: ليس من البر الصيام في الشمس ولهذا قال سفيان بن عيينة: معناه ليس من صام بأبر ممن لم يصم. ففي هذا ما دل على أنَّ الفطر أفضل فإنَّه آخر الأمرين من النبي ﷺ فإنَّه صام أولاً في

стр. 3739

السفر؛ ثم أفطر فيه ومن كان يظن أنَّ الفطر في السفر نقص في الدين فهذا مبتدع ضال وإذا صام على هذا الوجه معتقداً وجوب الصوم عليه وتحريم الفطر فقد أمر طائفة من السلف والخلف بالإعادة. وقد ثبت في الصحيح عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : "أنَّ حمزة بن عمرو سأله؛ فقال: إنني رجل أكثر الصوم أفأصوم في السفر؟ فقال: "إن أفطرت فحسن وإن صمت فلا بأس". فإذا فعل الرجل في السفر أيسر الأمرين عليه من تعجيل الصوم أو تأخيره فقد أحسن فإنَّ الله يريد بنا اليسر ولا يريد بنا العسر. أمَّا إذا كان الصوم في السفر أشق عليه من تأخيره فالتأخير أفضل فإنَّ في الْمُسْنَد عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّه قال: "إنَّ الله يحب أن يؤخذ برخصه كما يكره أن تؤتى معصيته". وأخرجه بعضهم إمَّا ابن خزيمة وإمَّا غيره في صَحِيْحِهِ وهذه الصحاح مرتبتها دون مرتبة صحيحي البخاري ومسلم» اهـ. وَقَالَ ﵀ كما فِي [مَجْمُوعِ الْفَتَاوَى] (٢٢/ ٣٣٦): «وكذلك الصوم في السفر قيل: لا يجوز بل يجب الفطر والصحيح الذي عليه الجمهور جواز الأمرين. ثم قال كثير منهم إنَّ الصوم أفضل والصحيح أنَّ الفطر أفضل إلَّا لمصلحة راجحة وما قال أحد أنَّه لا يجوز الفطر كما يظنه بعض الجهال وهذا مبسوط في مواضع» اهـ. وسئل ﵀ كما فِي [مَجْمُوعِ الْفَتَاوَى] (٢٥/ ٢٠٩ - ٢١١): «عن المسافر في رمضان ومن يصوم ينكر عليه وينسب إلى الجهل. ويقال له الفطر أفضل وما هو مسافة القصر: وهل إذا أنشأ السفر من يومه يفطر؟ وهل

стр. 3740

يفطر السفار من المكارية والتجار والجمال والملاح وراكب البحر؟ وما الفرق بين سفر الطاعة وسفر المعصية؟ فأجاب: الحمد لله، الفطر للمسافر جائز باتفاق المسلمين سواء كان سفر حج أو جهاد أو تجارة أو نحو ذلك من الأسفار التي لا يكرهها الله ورسوله. وتنازعوا في سفر المعصية كالذي يسافر ليقطع الطريق ونحو ذلك على قولين مشهورين كما تنازعوا في قصر الصلاة. فأمَّا السفر الذي تقصر فيه الصلاة فإنَّه يجوز فيه الفطر مع القضاء باتفاق الأئمة ويجوز الفطر للمسافر باتفاق الْأُمة سواء كان قادراً على الصيام أو عاجزاً وسواء شق عليه الصوم أو لم يشق بحيث لو كان مسافراً في الظل والماء ومعه من يخدمه جاز له الفطر والقصر. ومن قال: إنَّ الفطر لا يجوز إلَّا لمن عجز عن الصيام فإنَّه يستتاب فإن تاب وإلَّا قتل. وكذلك من أنكر على المفطر فإنَّه يستتاب من ذلك. ومن قال: إنَّ المفطر عليه إثم فإنَّه يستتاب من ذلك فإنَّ هذه الأحوال خلاف كتاب الله وخلاف سنة رسول الله ﷺ وخلاف إجماع الْأُمة. وهكذا السنة للمسافر أنَّه يصلي الرباعية ركعتين والقصر أفضل له من التربيع عند الأئمة الأربعة: كمذهب مالك وأبي حنيفة وأحمد والشافعي في أصح قوليه. ولم تتنازع الْأُمة في جواز الفطر للمسافر؛ بل تنازعوا في جواز الصيام للمسافر فذهب طائفة من السلف والخلف إلى أنَّ الصائم في السفر كالمفطر في الحضر وإنَّه إذا صام لم يجزه بل عليه أن يقضي ويروى هذا عن عبد الرحمن بن عوف وأبي

стр. 3741

هريرة وغيرهما من السلف وهو مذهب أهل الظاهر. وفي الصحيحين عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّه قال: "ليس من البر الصوم في السفر". لكن مذهب الأئمة الأربعة أنَّه يجوز للمسافر أن يصوم وأن يفطر كما في الصحيحين عن أنس قال: كنا نسافر مع النبي ﷺ في رمضان فمنا الصائم ومنا المفطر فلا يعيب الصائم على المفطر ولا المفطر على الصائم. وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾. وفي الْمُسْنَد عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنه قال: "إنَّ الله يحب أن يؤخذ برخصه كما يكره أن تؤتى معصيته". وفي الصحيح أنَّ رجلاً قال للنبي ﷺ إنِّي رجل أكثر الصوم أفأصوم في السفر؟ فقال: "إن أفطرت فحسن وإن صمت فلا بأس". وفي حديث آخر: "خياركم الذين في السفر يقصرون ويفطرون"» اهـ. قُلْتُ: واحتج المانعون من الصيام في السفر بأدلة: الدليل الأول: قول الله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤]، وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ حَزْمٍ ﵀ في [الْمُحَلَّى] (٦/ ٢٥٣): «وهذه آية محكمة بإجماع من أهل الإسلام لا منسوخة، ولا مخصوصة. فصح أنَّ الله تعالى لم يفرض صوم الشهر إلَّا على من شهده، ولا فرض على المريض،

стр. 3742

والمسافر إلَّا أياماً أخر غير رمضان، وهذا نص جلي لا حيلة فيه، ولا يجوز لمن قال: إنَّما معنى ذلك إن أفطرا فيه، لأنَّها دعوى موضوعة بلا برهان قال الله تعالى: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾» اهـ. قُلْتُ: وقد أجاب على ذلك الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فقال في [تَهْذِيْبِ سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ] (٧/ ٣٦) فقال: «قالوا: وأمَّا احتجاجكم بالآية وأنَّ الله أمر المسافر بعدة من أيام أخر فهي فرضه الذي لا يجوز غيره فاستدلال باطل قطعاً؛ فإنَّ الذي أنزلت عليه هذه الآية وهو أعلم الخلق بمعناها والمراد منها قد صام بعد نزولها بأعوام في السفر ومحال أن يكون المراد منها ما ذكرتم ولا يعتقده مسلم فعلم أنَّ المراد بها غير ما ذكرتم. فإمَّا أن يكون المعنى فأفطر فعدة من أيام أخر كما قال الأكثرون، أو يكون المعنى فعدة من أيام أخر تجزي عنه وتقبل منه ونحو ذلك. فما الذي أوجب تعيين التقدير بأنَّ عليه عدة من أيام أخر أو ففرضه ونحو ذلك وبالجملة ففعل من أنزلت عليه تَفْسِيْرُهَا وتبيين المراد منها وبالله التوفيق. وهذا موضع يغلط فيه كثير من قاصري العلم يحتجون بعموم نص على حكم ويغفلون عن عمل صاحب الشريعة وعمل أصحابه الذي يبين مراده ومن تدبر هذا علم به مراد النصوص وفهم معانيها» اهـ. الدليل الثاني: ما رواه مسلم (١١١٤) عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵄، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ خَرَجَ عَامَ الْفَتْحِ إِلَى مَكَّةَ فِي رَمَضَانَ فَصَامَ حَتَّى بَلَغَ كُرَاعَ الْغَمِيمِ، فَصَامَ النَّاسُ، ثُمَّ دَعَا بِقَدَحٍ مِنْ مَاءٍ فَرَفَعَهُ، حَتَّى نَظَرَ

стр. 3743

النَّاسُ إِلَيْهِ، ثُمَّ شَرِبَ، فَقِيلَ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ: إِنَّ بَعْضَ النَّاسِ قَدْ صَامَ، فَقَالَ: «أُولَئِكَ الْعُصَاةُ، أُولَئِكَ الْعُصَاةُ». قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ حَزْمٍ ﵀ في [الْمُحَلَّى] (٦/ ٢٥٣): «إن كان صيامه ﵇ لرمضان فقد نسخه بقوله: "أولئك العصاة". وصار الفطر فرضاً والصوم معصية، ولا سبيل إلى خبر ناسخ لهذا أبداً، وإن كان صيامه ﵇ تطوعاً فهذا أحرى للمنع من صيام رمضان لرمضان في السفر» اهـ. قُلْتُ: وقد أجاب على ذلك الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فقال في [تَهْذِيْبِ سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ] (٧/ ٣٥): «قالوا: وأمَّا قول النبي ﷺ : "أولئك العصاة". فذاك في واقعة معينة أراد منهم الفطر فخالفه بعضهم فقال هذا. ففي النسائي عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر قال: "خرج رسول الله ﷺ إلى مكة عام الفتح في رمضان فصام حتى بلغ كراع الغميم فصام الناس معه فبلغه أنَّ الناس شق عليهم الصيام فدعا بقدح من ماء بعد العصر فشرب والناس ينظرون فأفطر بعض الناس وصام بعض فبلغه أنَّ ناساً صاموا فقال: "أولئك العصاة". فالنبي ﷺ إنَّما أفطر بعد العصر ليقتدوا به فلما لم يقتد به بعضهم قال: "أولئك العصاة" ولم يرد بذلك تحريم الصيام مطلقاً على المسافر» اهـ. الدليل الثالث: ما رواه البخاري (١٩٤٦)، ومسلم (١١١٥) عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵃، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي سَفَرٍ،

стр. 3744

فَرَأَى زِحَامًا وَرَجُلًا قَدْ ظُلِّلَ عَلَيْهِ، فَقَالَ: «مَا هَذَا؟»، فَقَالُوا: صَائِمٌ، فَقَالَ: «لَيْسَ مِنَ البِرِّ الصَّوْمُ فِي السَّفَرِ». قال الْعَلَّامَةُ ابْنُ حَزْمٍ ﵀ في [الْمُحَلَّى] (٦/ ٢٥٤): «وهذا مكشوف واضح. فإن قيل: إنَّما منع ﵇ في مثل حال ذلك الرجل قلنا: هذا باطل لا يجوز لأنَّ تلك الحال محرم البلوغ إليها باختيار المرء للصوم في الحضر كما هو في السفر فتخصيص النبي ﷺ بالمنع من الصيام في السفر إبطال لهذه الدعوى المفتراة عليه ﷺ وواجب أخذ كلامه ﵇ على عمومه» اهـ. قُلْتُ: وقد أجاب على ذلك الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فقال في [تَهْذِيْبِ سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ] (٧/ ٣٤) فقال: «قالوا: وأمَّا قوله: "ليس من البر الصيام في السفر". فهذا خرج على شخص معين رآه رسول الله ﷺ قد ظلل عليه وجهده الصوم فقال هذا القول أي: ليس البر أن يجهد الإنسان نفسه حتى يبلغ بها هذا المبلغ وقد فسح الله له في الفطر، فالأخذ إنَّما يكون بعموم اللفظ الذي يدل سياق الكلام على إرادته فليس من البر هذا النوع من الصيام المشار إليه في السفر. وأيضاً فقوله: "ليس من البر". أي ليس هو أبر البر لأنَّه قد يكون الإفطار أبر منه إذا كان في حج أو جهاد يتقوى عليه. وقد يكون الفطر في السفر المباح براً لأنَّ الله تعالى أباحه ورخص فيه وهو سبحانه يحب أن يؤخذ برخصه وما يحبه الله فهو بر فلم ينحصر البر في الصيام في السفر.

стр. 3745

وتكون من على هذا زائدة ويكون كقوله تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ﴾ الآية. وكقولك: ما جاءني من أحد. وفي هذا نظر. وأحسن منه أن يقال: إنَّها ليست بزائدة بل هي على حالها والمعنى أنَّ الصوم في السفر ليس من البر الذي تظنونه وتتنافسون عليه، فإنَّهم ظنوا أنَّ الصوم هو الذي يحبه الله ولا يحب سواه وأنَّه وحده البر الذي لا أبر منه فأخبرهم أنَّ الصوم في السفر ليس من هذا النوع الذي تظنونه فإنَّه قد يكون الفطر أحب إلى الله منه فيكون هو البر» اهـ. الدليل الرابع: ما رواه النسائي (٢٢٥٨) أَخْبَرَنِي شُعَيْبُ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ إِسْحَقَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعَيْبٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْأَوْزَاعِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَ: أَخْبَرَنِي جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَرَّ بِرَجُلٍ فِي ظِلِّ شَجَرَةٍ يُرَشُّ عَلَيْهِ الْمَاءُ، قَالَ: «مَا بَالُ صَاحِبِكُمْ هَذَا؟» قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ صَائِمٌ، قَالَ: «إِنَّهُ لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ أَنْ تَصُومُوا فِي السَّفَرِ، وَعَلَيْكُمْ بِرُخْصَةِ اللَّهِ الَّتِي رَخَّصَ لَكُمْ فَاقْبَلُوهَا». قُلْتُ: عبد الوهاب بن سعيد لم يوثقه معتبر. ومحمد بن عبد الرحمن يحتمل أن يكون ابن ثوبان، ويحتمل أن يكون محمد بن عبد الرحمن بن سعد وابن سعد إنَّما يروي الحديث عن جابر بواسطة محمد بن عمرو بن الحسن؛ ولهذا قال النسائي في [الْكُبْرَى] (٢/ ٩٩) بعد روايته لهذا الحديث: «هذا خطأ ومحمد بن عبد الرحمن لم يسمع هذا الحديث من جابر» اهـ.

стр. 3746

قُلْتُ: وهذا مما يرجح أنَّه ابن سعد بن زرارة. ومما يرجح ذلك أنَّ الحديث رواه مسلم (١١١٥) فقال: وحَدَّثَنَاه أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ النَّوْفَلِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، نَحْوَهُ، وَزَادَ: قَالَ شُعْبَةُ: وَكَانَ يَبْلُغُنِي عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ أَنَّهُ كَانَ يَزِيدُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ، وَفِي هَذَا الْإِسْنَادِ أَنَّهُ قَالَ: «عَلَيْكُمْ بِرُخْصَةِ اللهِ الَّذِي رَخَّصَ لَكُمْ» قَالَ: فَلَمَّا سَأَلْتُهُ، لَمْ يَحْفَظْهُ اهـ. قُلْتُ: والإسناد الذي أشار إليه هو إسناد محمد بن عبد الرحمن بن سعد عن محمد بن عمرو بن الحسن عن جابر. وقد رواه الطبري في [تَهْذِيْبِ الْآثَارِ] (٢١٤٠) حَدَّثَنِي الْعَبَّاسُ بْنُ الْوَلِيدِ الْعُذْرِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي قَالَ: سَمِعْتُ الْأَوْزَاعِيَّ، قَالَ: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زُرَارَةَ الْأَنْصَارِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَنْ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيَّ يَقُولُ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي غَزْوَةٍ، فَإِذَا بِرَجُلٍ تَحْتَ شَجَرَةٍ يُرَشُّ عَلَيْهِ الْمَاءُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَا بَالُ صَاحِبِكُمْ هَذَا؟»، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّهُ صَائِمٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ أَنْ تَصُومُوا فِي السَّفَرِ، فَعَلَيْكُمْ بِرُخْصَةِ اللَّهِ الَّتِي رَخَّصَ لَكُمْ». لكن روى الحديث ابن حبان في [صَحِيْحِهِ] (٣٥٥) أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ خَلِيلٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْأَوْزَاعِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ

стр. 3747

ثَوْبَانَ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: رَأَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَجُلًا فِي سَفَرٍ، فِي ظِلِّ شَجَرَةٍ، يَرْشَحُ عَلَيْهِ الْمَاءُ، فقَالَ: «مَا بَالُ صَاحِبِكُمْ؟» قَالُوا: صَائِمٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: «لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ الصِّيَامُ فِي السَّفَرِ، فَعَلَيْكُمْ بِرُخْصَةِ اللَّهِ الَّتِي رَخَّصَ لَكُمْ فَاقْبَلُوهَا». وَقَالَ ابن خزيمة في [صَحِيْحِهِ] (٣/ ٢٥٨): «وَفِي خَبَرِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ ثَوْبَانَ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "فَعَلَيْكُمْ بِرُخْصَةِ اللَّهِ الَّتِي رَخَّصَ لَكُمْ، فَاقْبَلُوهَا"» اهـ. ورواه الطبري في [تَهْذِيْبِ الْآثَارِ] (٢١٣٩) حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَيُّوبُ بْنُ سُوَيْدٍ، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ ثَوْبَانَ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي غَزْوَةٍ، فَإِذَا بِرَجُلٍ تَحْتَ ظِلِّ شَجَرَةٍ يُرَشُّ عَلَيْهِ الْمَاءُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ أَنْ تَصُومُوا فِي السَّفَرِ، فَعَلَيْكُمْ بِرُخْصَةِ اللَّهِ الَّتِي رَخَّصَ لَكُمْ فَاقْبَلُوهَا». ورواه الفريابي في [الْصِّيَامِ] (٧٧) حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا الْأَوْزَاعِيُّ، حَدَّثَنِي يَحْيَى، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ ثَوْبَانَ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِرَجُلٍ فِي سَفَرٍ، فِي ظِلِّ شَجَرَةٍ، يُرَشُّ عَلَيْهِ الْمَاءُ فَقَالَ: «مَا بَالُ صَاحِبِكُمْ؟» قَالُوا: صَائِمٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: «لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ الصِّيَامُ فِي السَّفَرِ، فَعَلَيْكُمْ بِرُخْصَةِ اللَّهِ الَّتِي رَخَّصَ لَكُمْ، فَاقْبَلُوهَا».

стр. 3748

قُلْتُ: فالذي يظهر لي أنَّ الحديث ثابت بالوجهين كما رجحه ابن القطان، ونسيان ابن كثير له لا يضر فكم من محدث حدث ثم نسي ما حدث. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ حَزْمٍ ﵀ في [الْمُحَلَّى] (٦/ ٢٥٥): «فهذا أمر بقبولها وأمره ﵊ فرض فهي رخصة مفترضة» اهـ. قُلْتُ: وقد أجاب على ذلك الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فَقَالَ فِي [تَهْذِيْبِ سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ] (٧/ ٣٥) فقال: «قالوا: وأمَّا قول النبي ﷺ : "عليكم برخصة الله التي رخص لكم فاقبلوها". فهذا يدل على أنَّ قبول المكلف لرخصة الله واجب وهذا حق فإنَّه متى لم يقبل الرخصة ردها ولم يرها رخصة وهذا عدوان منه ومعصية ولكن إذا قبلها فإن شاء أخذ بها وإن شاء أخذ بالعزيمة. هذا مع أنَّ سياق الحديث يدل على أنَّ الأمر بالرخصة لمن جهده الصوم وخاف على نفسه ومثل هذا يؤمر بالفطر» اهـ. ٢ - وفيه الإذن في الفطر في السفر. وقد اختلف العلماء أيهما أفضل الفطر في السفر أم الصوم، فرجح الأول الْإِمَام أحمد، ورجح الآخر الأئمة الثلاثة. قُلْتُ: والراجح عندي ما ذهب إليه الْإِمَام أحمد لعدة أدلة: الدليل الأول: ما رواه مسلم (١١٢١) عَنْ حَمْزَةَ بْنِ عَمْرٍو الْأَسْلَمِيِّ ﵁، أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَجِدُ بِي قُوَّةً عَلَى الصِّيَامِ فِي السَّفَرِ، فَهَلْ عَلَيَّ جُنَاحٌ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «هِيَ رُخْصَةٌ مِنَ اللهِ، فَمَنْ أَخَذَ بِهَا، فَحَسَنٌ وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَصُومَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ».

стр. 3749

قُلْتُ: وما حكم فيه بأنَّه حسن، أفضل مما اقتصر فيه على نفي الإثم وهو الجناح؛ فإنَّ الحكم على عمل بأنَّه حسن يقتضي أنَّه مستحب، وأمَّا الحكم عليه بنفي الجناح فيقتضي إباحته وعدم حرمته. الدليل الثاني: قول الله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]. قُلْتُ: وهذا يدل على أنَّ الفطر للمريض والمسافر من موافقة الله في إرادته، ولا يخفى أنَّ موافقة الله في إرادته أفضل من مخالفته. وروى البخاري (٦٧٨٦)، ومسلم (٢٣٢٧) عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: «مَا خُيِّرَ النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَ أَمْرَيْنِ إِلَّا اخْتَارَ أَيْسَرَهُمَا مَا لَمْ يَأْثَمْ، فَإِذَا كَانَ الإِثْمُ كَانَ أَبْعَدَهُمَا مِنْهُ، وَاللَّهِ مَا انْتَقَمَ لِنَفْسِهِ فِي شَيْءٍ يُؤْتَى إِلَيْهِ قَطُّ، حَتَّى تُنْتَهَكَ حُرُمَاتُ اللَّهِ، فَيَنْتَقِمُ لِلَّهِ». وَقَالَ النبي ﷺ في وصيته لمعاذ وأبي موسى ﵄: «يَسِّرَا وَلَا تُعَسِّرَ». رواه البخاري (٣٠٣٨)، ومسلم (١٧٣٣) من حديث أبي موسى الأشعري ﵁. الدليل الثالث: أنَّ فطر النبي ﷺ في السفر هو آخر الأمرين، وذلك أنَّه أفطر في فتح مكة ثم لم يسافر بعدها في رمضان، وإنَّما يؤخذ من أحوال النبي ﷺ الأحدث فالأحدث؛ ولهذا كانت الأحوال التي في آخر عمره أفضل من الأحوال التي في أول عمره.

стр. 3750

الدليل الرابع: قول النبي ﷺ : «لَيْسَ مِنَ البِرِّ الصَّوْمُ فِي السَّفَرِ». متفق عليه من حديث جابر، وجاء عند مسلم وغيره: «لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ الصِّيَامُ فِي السَّفَرِ، فَعَلَيْكُمْ بِرُخْصَةِ اللهِ الَّتِي رَخَّصَ لَكُمْ فَاقْبَلُوهَا» وقد سبق، وسيأتي في أحاديث العمدة. قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ في كتاب الصيام من [شَرْحِ الْعُمْدَةِ] (١/ ٢١٨): «والبر هو العمل الصالح، فقد بيَّن النبي ﷺ أنَّ الصوم في السفر ليس بعمل صالح، بل هو من المباح؛ فلا حاجة بالإنسان إلى أن يجهد نفسه به» اهـ. قُلْتُ: وفي اللفظ الآخر الأمر بقبول الرخصة وهذا يدل على أنَّ الفطر في السفر أفضل من الصيام. الدليل الخامس: ما رواه البخاري (٢٩٩٦) حَدَّثَنَا مَطَرُ بْنُ الفَضْلِ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، حَدَّثَنَا العَوَّامُ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ أَبُو إِسْمَاعِيلَ السَّكْسَكِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا بُرْدَةَ، وَاصْطَحَبَ هُوَ وَيَزِيدُ بْنُ أَبِي كَبْشَةَ فِي سَفَرٍ، فَكَانَ يَزِيدُ يَصُومُ فِي السَّفَرِ، فَقَالَ لَهُ أَبُو بُرْدَةَ: سَمِعْتُ أَبَا مُوسَى مِرَارًا يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِذَا مَرِضَ العَبْدُ، أَوْ سَافَرَ، كُتِبَ لَهُ مِثْلُ مَا كَانَ يَعْمَلُ مُقِيمًا صَحِيحًا». قُلْتُ: جاء في [الْعِلَلِ] (٧/ ٢٠٢) للدارقطني: «وسئل عن حديث أبي بردة، عن أبي موسى، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قال: "إذا مرض العبد أو سافر كتب له من الأجر مثل ما كان يعمل صحيحاً".
следующие страницы →