← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 30178

تحفة السائل في بيان ما في عمدة الأحكام من المسائل

أبو بكر الحمادي

Полный текст (8 095 стр.). Показаны 3746–3785 · переход к 3751.

стр. 3746

قُلْتُ: وهذا مما يرجح أنَّه ابن سعد بن زرارة. ومما يرجح ذلك أنَّ الحديث رواه مسلم (١١١٥) فقال: وحَدَّثَنَاه أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ النَّوْفَلِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، نَحْوَهُ، وَزَادَ: قَالَ شُعْبَةُ: وَكَانَ يَبْلُغُنِي عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ أَنَّهُ كَانَ يَزِيدُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ، وَفِي هَذَا الْإِسْنَادِ أَنَّهُ قَالَ: «عَلَيْكُمْ بِرُخْصَةِ اللهِ الَّذِي رَخَّصَ لَكُمْ» قَالَ: فَلَمَّا سَأَلْتُهُ، لَمْ يَحْفَظْهُ اهـ. قُلْتُ: والإسناد الذي أشار إليه هو إسناد محمد بن عبد الرحمن بن سعد عن محمد بن عمرو بن الحسن عن جابر. وقد رواه الطبري في [تَهْذِيْبِ الْآثَارِ] (٢١٤٠) حَدَّثَنِي الْعَبَّاسُ بْنُ الْوَلِيدِ الْعُذْرِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي قَالَ: سَمِعْتُ الْأَوْزَاعِيَّ، قَالَ: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زُرَارَةَ الْأَنْصَارِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَنْ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيَّ يَقُولُ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي غَزْوَةٍ، فَإِذَا بِرَجُلٍ تَحْتَ شَجَرَةٍ يُرَشُّ عَلَيْهِ الْمَاءُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَا بَالُ صَاحِبِكُمْ هَذَا؟»، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّهُ صَائِمٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ أَنْ تَصُومُوا فِي السَّفَرِ، فَعَلَيْكُمْ بِرُخْصَةِ اللَّهِ الَّتِي رَخَّصَ لَكُمْ». لكن روى الحديث ابن حبان في [صَحِيْحِهِ] (٣٥٥) أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ خَلِيلٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْأَوْزَاعِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ

стр. 3747

ثَوْبَانَ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: رَأَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَجُلًا فِي سَفَرٍ، فِي ظِلِّ شَجَرَةٍ، يَرْشَحُ عَلَيْهِ الْمَاءُ، فقَالَ: «مَا بَالُ صَاحِبِكُمْ؟» قَالُوا: صَائِمٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: «لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ الصِّيَامُ فِي السَّفَرِ، فَعَلَيْكُمْ بِرُخْصَةِ اللَّهِ الَّتِي رَخَّصَ لَكُمْ فَاقْبَلُوهَا». وَقَالَ ابن خزيمة في [صَحِيْحِهِ] (٣/ ٢٥٨): «وَفِي خَبَرِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ ثَوْبَانَ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "فَعَلَيْكُمْ بِرُخْصَةِ اللَّهِ الَّتِي رَخَّصَ لَكُمْ، فَاقْبَلُوهَا"» اهـ. ورواه الطبري في [تَهْذِيْبِ الْآثَارِ] (٢١٣٩) حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَيُّوبُ بْنُ سُوَيْدٍ، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ ثَوْبَانَ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي غَزْوَةٍ، فَإِذَا بِرَجُلٍ تَحْتَ ظِلِّ شَجَرَةٍ يُرَشُّ عَلَيْهِ الْمَاءُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ أَنْ تَصُومُوا فِي السَّفَرِ، فَعَلَيْكُمْ بِرُخْصَةِ اللَّهِ الَّتِي رَخَّصَ لَكُمْ فَاقْبَلُوهَا». ورواه الفريابي في [الْصِّيَامِ] (٧٧) حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا الْأَوْزَاعِيُّ، حَدَّثَنِي يَحْيَى، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ ثَوْبَانَ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِرَجُلٍ فِي سَفَرٍ، فِي ظِلِّ شَجَرَةٍ، يُرَشُّ عَلَيْهِ الْمَاءُ فَقَالَ: «مَا بَالُ صَاحِبِكُمْ؟» قَالُوا: صَائِمٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: «لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ الصِّيَامُ فِي السَّفَرِ، فَعَلَيْكُمْ بِرُخْصَةِ اللَّهِ الَّتِي رَخَّصَ لَكُمْ، فَاقْبَلُوهَا».

стр. 3748

قُلْتُ: فالذي يظهر لي أنَّ الحديث ثابت بالوجهين كما رجحه ابن القطان، ونسيان ابن كثير له لا يضر فكم من محدث حدث ثم نسي ما حدث. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ حَزْمٍ ﵀ في [الْمُحَلَّى] (٦/ ٢٥٥): «فهذا أمر بقبولها وأمره ﵊ فرض فهي رخصة مفترضة» اهـ. قُلْتُ: وقد أجاب على ذلك الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فَقَالَ فِي [تَهْذِيْبِ سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ] (٧/ ٣٥) فقال: «قالوا: وأمَّا قول النبي ﷺ : "عليكم برخصة الله التي رخص لكم فاقبلوها". فهذا يدل على أنَّ قبول المكلف لرخصة الله واجب وهذا حق فإنَّه متى لم يقبل الرخصة ردها ولم يرها رخصة وهذا عدوان منه ومعصية ولكن إذا قبلها فإن شاء أخذ بها وإن شاء أخذ بالعزيمة. هذا مع أنَّ سياق الحديث يدل على أنَّ الأمر بالرخصة لمن جهده الصوم وخاف على نفسه ومثل هذا يؤمر بالفطر» اهـ. ٢ - وفيه الإذن في الفطر في السفر. وقد اختلف العلماء أيهما أفضل الفطر في السفر أم الصوم، فرجح الأول الْإِمَام أحمد، ورجح الآخر الأئمة الثلاثة. قُلْتُ: والراجح عندي ما ذهب إليه الْإِمَام أحمد لعدة أدلة: الدليل الأول: ما رواه مسلم (١١٢١) عَنْ حَمْزَةَ بْنِ عَمْرٍو الْأَسْلَمِيِّ ﵁، أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَجِدُ بِي قُوَّةً عَلَى الصِّيَامِ فِي السَّفَرِ، فَهَلْ عَلَيَّ جُنَاحٌ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «هِيَ رُخْصَةٌ مِنَ اللهِ، فَمَنْ أَخَذَ بِهَا، فَحَسَنٌ وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَصُومَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ».

стр. 3749

قُلْتُ: وما حكم فيه بأنَّه حسن، أفضل مما اقتصر فيه على نفي الإثم وهو الجناح؛ فإنَّ الحكم على عمل بأنَّه حسن يقتضي أنَّه مستحب، وأمَّا الحكم عليه بنفي الجناح فيقتضي إباحته وعدم حرمته. الدليل الثاني: قول الله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]. قُلْتُ: وهذا يدل على أنَّ الفطر للمريض والمسافر من موافقة الله في إرادته، ولا يخفى أنَّ موافقة الله في إرادته أفضل من مخالفته. وروى البخاري (٦٧٨٦)، ومسلم (٢٣٢٧) عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: «مَا خُيِّرَ النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَ أَمْرَيْنِ إِلَّا اخْتَارَ أَيْسَرَهُمَا مَا لَمْ يَأْثَمْ، فَإِذَا كَانَ الإِثْمُ كَانَ أَبْعَدَهُمَا مِنْهُ، وَاللَّهِ مَا انْتَقَمَ لِنَفْسِهِ فِي شَيْءٍ يُؤْتَى إِلَيْهِ قَطُّ، حَتَّى تُنْتَهَكَ حُرُمَاتُ اللَّهِ، فَيَنْتَقِمُ لِلَّهِ». وَقَالَ النبي ﷺ في وصيته لمعاذ وأبي موسى ﵄: «يَسِّرَا وَلَا تُعَسِّرَ». رواه البخاري (٣٠٣٨)، ومسلم (١٧٣٣) من حديث أبي موسى الأشعري ﵁. الدليل الثالث: أنَّ فطر النبي ﷺ في السفر هو آخر الأمرين، وذلك أنَّه أفطر في فتح مكة ثم لم يسافر بعدها في رمضان، وإنَّما يؤخذ من أحوال النبي ﷺ الأحدث فالأحدث؛ ولهذا كانت الأحوال التي في آخر عمره أفضل من الأحوال التي في أول عمره.

стр. 3750

الدليل الرابع: قول النبي ﷺ : «لَيْسَ مِنَ البِرِّ الصَّوْمُ فِي السَّفَرِ». متفق عليه من حديث جابر، وجاء عند مسلم وغيره: «لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ الصِّيَامُ فِي السَّفَرِ، فَعَلَيْكُمْ بِرُخْصَةِ اللهِ الَّتِي رَخَّصَ لَكُمْ فَاقْبَلُوهَا» وقد سبق، وسيأتي في أحاديث العمدة. قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ في كتاب الصيام من [شَرْحِ الْعُمْدَةِ] (١/ ٢١٨): «والبر هو العمل الصالح، فقد بيَّن النبي ﷺ أنَّ الصوم في السفر ليس بعمل صالح، بل هو من المباح؛ فلا حاجة بالإنسان إلى أن يجهد نفسه به» اهـ. قُلْتُ: وفي اللفظ الآخر الأمر بقبول الرخصة وهذا يدل على أنَّ الفطر في السفر أفضل من الصيام. الدليل الخامس: ما رواه البخاري (٢٩٩٦) حَدَّثَنَا مَطَرُ بْنُ الفَضْلِ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، حَدَّثَنَا العَوَّامُ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ أَبُو إِسْمَاعِيلَ السَّكْسَكِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا بُرْدَةَ، وَاصْطَحَبَ هُوَ وَيَزِيدُ بْنُ أَبِي كَبْشَةَ فِي سَفَرٍ، فَكَانَ يَزِيدُ يَصُومُ فِي السَّفَرِ، فَقَالَ لَهُ أَبُو بُرْدَةَ: سَمِعْتُ أَبَا مُوسَى مِرَارًا يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِذَا مَرِضَ العَبْدُ، أَوْ سَافَرَ، كُتِبَ لَهُ مِثْلُ مَا كَانَ يَعْمَلُ مُقِيمًا صَحِيحًا». قُلْتُ: جاء في [الْعِلَلِ] (٧/ ٢٠٢) للدارقطني: «وسئل عن حديث أبي بردة، عن أبي موسى، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قال: "إذا مرض العبد أو سافر كتب له من الأجر مثل ما كان يعمل صحيحاً".

стр. 3751

فقال: يرويه إبراهيمبن إسماعيل السكسكي، عن أبي بردة، واختلف عنه؛ فرواه العوام بن حوشب، عن إبراهيم، عن أبي بردة، عن أبي موسى، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . وخالفه مسعر، فرواه عن إبراهيم السكسكي، عن أبي بردة قوله. وَقَالَ أحمد بن أبي الحواري، عن حفص بن غياث، عن العوام، ومسعر، عن إبراهيم، عن أبي بردة، عن أبي موسى حمل حديث أحدهما على الآخر. ومسعر لا يسنده، والعوام يسنده. ورواه أبو هشام الرفاعي، عن حفص، عن العوام، عن إبراهيم، عن ابن أبي أوفى. والصواب حديث العوام، عن إبراهيم، عن أبي موسى» اهـ. قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ في كتاب الصيام من [شَرْحِ الْعُمْدَةِ] (١/ ٢١٨): «فإذا سافر في رمضان وأفطر؛ كتب له صوم رمضان، ثم إذا قضاه؛ كتب له صوم القضاء؛ فلا يكون في الصوم زيادة فضل» اهـ. ٣ - ولم يحد النبي ﷺ للسفر الذي يفطر فيه الصائم حداً معلوماً فيتناول الحديث كل ما يسمى سفراً عرفاً طالت المسافة أو قصرت وهذا هو الصحيح من أقوال العلماء وفي المسألة نزاع بين أهل العلم. قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كما في [مَجْمُوعِ الْفَتَاوَى] (٢٥/ ٢١١ - ٢١٢): «وأمَّا مقدار السفر الذي يقصر فيه ويفطر: فمذهب مالك والشافعي وأحمد أنَّه مسيرة يومين قاصدين بسير الإبل والأقدام وهو ستة عشر فرسخاً كما بين مكة وَعُسْفَانَ ومكة وَجُدَّةَ. وَقَالَ أبو حنيفة: مسيرة ثلاثة أيام.

стр. 3752

وَقَالَ طائفة من السلف والخلف: بل يقصر ويفطر في أقل من يومين. وهذا قول قوي فإنَّه قد ثبت أنَّ الْنَّبِيَّ ﷺ كان يصلي بعرفة ومزدلفة ومنى يقصر الصلاة وخلفه أهل مكة وغيرهم يصلون بصلاته لم يأمر أحداً منهم بإتمام الصلاة» اهـ. وَقَالَ ﵀ كما في [مَجْمُوعِ الْفَتَاوَى] (٢٤/ ٤٦ - ٤٧): «وعرفة عن المسجد بريد كما ذكره الذين مسحوا ذلك وذكره الأزرقي في "أخبار مكة". فهذا قصر في سفر قدره بريد وهم لما رجعوا إلى منى كانوا في الرجوع من السفر وإنَّما كان غاية قصدهم بريداً وأي فرق بين سفر أهل مكة إلى عرفة وبين سفر سائر المسلمين إلى قدر ذلك من بلادهم» اهـ. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ في [الْمُغْنِي] (٤/ ٢٩): «والحجة مع من أباح القصر لكل مسافر، إلَّا أن ينعقد الإجماع على خلافه» اهـ. قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ معلقاً على كلام ابن قدامة ﵀ كما في [مَجْمُوعِ الْفَتَاوَى] (٢٤/ ٤٤ - ٤٥): «والمعلوم أنَّ الإجماع لم ينعقد على خلافه وهو اختيار طائفة من علماء أصحاب أحمد: كان بعضهم يقصر الصلاة في مسيرة بريد وهذا هو الصواب الذي لا يجوز القول بخلافه لمن تبين السنة وتدبرها. فإنَّ من تأمل الأحاديث في حجة الوداع وسياقها علم علماً يقيناً أنَّ الذين كانوا مع النبي ﷺ من أهل مكة وغيرهم صلوا بصلاته قصراً وجمعاً ولم يفعلوا خلاف ذلك. ولم ينقل أحد قط عَنِ

стр. 3753

النَّبِيِّ ﷺ أنَّه قال لا بعرفة ولا مزدلفة ولا منى: "يا أهل مكة أتموا صلاتكم فإنَّا قوم سفر" وإنَّما نقل أنَّه قال ذلك في نفس مكة» اهـ. قُلْتُ: قول شيخ الإسلام: «مسيرة يومين قاصدين». وذلك أربعة برد، فإنَّ البريد يقدر بنصف يوم، ومقدار البريد بالفراسخ أربعة فراسخ، فالأربعة البرد ستة عشر فرسخاً، والفرسخ ثلاثة أميال، فمقدار ذلك بالْأميال ثمانية وأربعون ميلاً، والميل قدره بعض المعاصرين بـ (١٨٤٨) متراً، ومجموع ذلك (٨٨٧٠٤) متراً، ومقداره بالكيلوات ٨٨ كيلواو ٧٠٤ متراً. وقدر الميل الْعَلَّامَةُ ابْنُ عُثَيْمِيْن ﵀ بكيلو وستمائة متر، فتكون مسافة السفر على هذا ٦٧ كيلواً و ٨٠٠ متراً. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْأَلْبَانِي ﵀ فِي [الصَّحِيْحَةِ] (١/ ٣٠٧): «وهو في تقدير بعض علماء العصر الحاضر يساوي ١٦٨٠ متراً» اهـ. قُلْتُ: وعلى هذا التقدير فإنَّ الأربعة البرد والستة عشر فرسخاً والثمانية والأربعين ميلاً ٨٠ من الكيلو مترات و ٦٤٠ متراً. وجعلة اللجنة الدائمة مسافة السفر ٨٠ كيلواً. وهذا مبني على أنَّ الميل ١٦٦٦ متراً. ومقدار الميل بالدقائق ثلاثون دقيقة أي نصف ساعة، ومقدار الفرسخ ساعة ونصف، ومقدار البريد ست ساعات، ومقدار الأربعة برد أربع وعشرون ساعة وهي منقسمة على يومين في كل يوم اثنا عشر ساعة فإنَّ المسافر يسير في النهار ويبيت في الليل.

стр. 3754

وقد أنكر شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ تحديد السفر بالْأميال والفراسخ فقال كما في [مَجْمُوعِ الْفَتَاوَى] (٢٤/ ٣٩ - ٤١): «وأيضاً فالتحديد بالْأميال والفراسخ يحتاج إلى معرفة مقدار مساحة الأرض وهذا أمر لا يعلمه إلَّا خاصة الناس. ومن ذكره فإنَّما يخبر به عن غيره تقليداً وليس هو مما يقطع به. والنبي ﷺ لم يقدر الأرض بمساحة أصلاً فكيف يقدر الشارع لأمته حداً لم يجر له ذكر في كلامه وهو مبعوث إلى جميع الناس فلا بد أن يكون مقدار السفر معلوماً علماً عاماً وذرع الأرض مما لا يمكن؛ بل هو إمَّا متعذر وإمَّا متعسر؛ لأنَّه إذا أمكن الملوك ونحوهم مسح طريق فإنَّما يمسحونه على خط مستو أو خطوط منحنية انحناء مضبوطاً ومعلوم أنَّ المسافرين قد يعرفون غير تلك الطريق وقد يسلكون غيرها وقد يكون في المسافة صعود وقد يطول سفر بعضهم لبطء حركته ويقصر سفر بعضهم لسرعة حركته والسبب الموجب هو نفس السفر لا نفس مساحة الأرض. والموجود في كلام النبي ﷺ والصحابة في تقدير الأرض بالأزمنة كقوله في الحوض: "طوله شهر وعرضه شهر" وقوله: "بين السماء والأرض خمسمائة سنة" وفي حديث آخر "إحدى أو اثنتان أو ثلاث وسبعون سنة" فقيل الأول بالسير المعتاد سير الإبل والأقدام والثاني سير البريد؛ فإنَّه في العادة يقطع بقدر المعتاد سبع مرات. وكذلك الصحابة يقولون يوم تام ويومان؛ ولهذا قال من حده بثمانية وأربعين ميلاً: مسيرة يومين قاصدين بسير الإبل والأقدام لكن هذا لا دليل عليه. وإذا كان كذلك فنقول: كل اسم ليس له حد في اللغة ولا في الشرع فالمرجع فيه إلى العرف فما كان

стр. 3755

سفراً في عرف الناس فهو السفر الذي علق به الشارع الحكم وذلك مثل سفر أهل مكة إلى عرفة؛ فإنَّ هذه المسافة بريد وهذا سفر ثبت فيه جواز القصر والجمع بالسنة؛ والبريد هو نصف يوم بسير الإبل والأقدام وهو ربع مسافة يومين وليلتين وهو الذي قد يسمى مسافة القصر وهو الذي يمكن الذاهب إليها أن يرجع من يومه». إلى آخر كلامه ﵀. وقد حرر شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ معنى السفر تحريراً نفيساً فقال كما في [مَجْمُوعِ الْفَتَاوَى] (٢٤/ ١١٩ - ١٢٢): «وعلى هذا فالمسافر لم يكن مسافراً لقطعه مسافة محدودة ولا لقطعه أياماً محدودة بل كان مسافراً لجنس العمل الذي هو سفر وقد يكون مسافراً من مسافة قريبة ولا يكون مسافراً من أبعد منها: مثل أن يركب فرساً سابقاً ويسير مسافة بريد ثم يرجع من ساعته إلى بلده فهذا ليس مسافراً. وإن قطع هذه المسافة في يوم وليلة ويحتاج في ذلك إلى حمل زاد ومزاد كان مسافراً كما كان سفر أهل مكة إلى عرفة. ولو ركب رجل فرساً سابقاً إلى عرفة ثم رجع من يومه إلى مكة لم يكن مسافراً. يدل على ذلك أنَّ الْنَّبِيَّ ﷺ لما قال: "يمسح المسافر ثلاثة أيام ولياليهن - والمقيم يوماً وليلة" فلو قطع بريداً في ثلاثة أيام كان مسافراً ثلاثة أيام ولياليهن فيجب أن يمسح مسح سفر ولو قطع البريد في نصف يوم لم يكن مسافراً. فالنبي ﷺ إنَّما اعتبر أنَّ يسافر ثلاثة أيام سواء كان سفره حثيثاً أو بطيئاً سواء كانت الأيام طوالاً أو قصاراً ومن قدره بثلاثة أيام أو يومين جعلوا ذلك بسير الإبل والأقدام وجعلوا المسافة الواحدة حداً يشترك فيه جميع الناس حتى لو قطعها في يوم

стр. 3756

جعلوه مسافراً ولو قطع ما دونها في عشرة أيام لم يجعلوه مسافراً وهذا مخالف لكلام النبي ﷺ . وأيضاً فالنبي ﷺ في ذهابه إلى قباء والعوالي وأحد ومجيء أصحابه من تلك المواضع إلى المدينة إنَّما كانوا يسيرون في عمران بين الأبنية والحوائط التي هي النخيل وتلك مواضع الإقامة لا مواضع السفر والمسافر لا بد أن يسفر أي يخرج إلى الصحراء؛ فإنَّ لفظ "السفر" يدل على ذلك. يقال: سفرت المرأة عن وجهها إذا كشفته. فإذا لم يبرز إلى الصحراء التي ينكشف فيها من بين المساكن لا يكون مسافرًا قال تعالى: ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ﴾، وَقَالَ تعالى: ﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ﴾. فجعل الناس قسمين: أهل المدينة والأعراب. والأعراب هم أهل العمود وأهل المدينة هم أهل المدر. فجميع من كان ساكناً في مدر كان من أهل المدينة ولم يكن للمدينة سور يتميز به داخلها من خارجها؛ بل كانت محال محال. وتسمى المحلة داراً والمحلة القرية الصغيرة فيها المساكن وحولها النخل والمقابر ليست أبنية متصلة فبنو مالك بن النجار في قريتهم حوالي دورهم: أموالهم ونخيلهم وبنو عدي بن النجار دارهم كذلك وبنو مازن بن النجار كذلك وبنو سالم كذلك وبنو ساعدة كذلك وبنو الحارث بن الخزرج كذلك وبنو عمرو بن عوف كذلك وبنو عبد الأشهل كذلك وسائر بطون الأنصار كذلك كما قال النبي ﷺ : "خير دور الأنصار دار بني النجار ثم دار بني عبد الأشهل ثم دار بني الحارث ثم

стр. 3757

دار بني ساعدة. وفي كل دور الأنصار خير" وكان النبي ﷺ قد نزل في بني مالك بن النجار وهناك بنى مسجده وكان حائطاً لبعض بني النجار: فيه نخل وخرب وقبور فأمر بالنخل فقطعت وبالقبور فنبشت وبالخرب فسويت وبنى مسجده هناك وكانت سائر دور الأنصار حول ذلك. قال ابن حزم: ولم يكن هناك مصر. قال: وهذا أمر لا يجهله أحد بل هو نقل الكوافي عن الكوافي وذلك كله مدينة واحدة كما جعل الله الناس نوعين: أهل المدينة ومن حولهم من الأعراب. فمن ليس من الأعراب فهو من أهل المدينة لم يجعل للمدينة داخلاً وخارجاً وسوراً وربضاً كما يقال مثل ذلك في المدائن المسورة وقد جعل النبي ﷺ حرم المدينة بريداً في بريد والمدينة بين لابتين واللابة الأرض التي ترابها حجارة سود وقال: "ما بين لابتيها حرم" فما بين لابتيها كله من المدينة وهو حرم فهذا بريد لا يكون الضارب فيه مسافراً. وإن كان المكي إذا خرج إلى عرفات مسافراً فعرفة ومزدلفة ومنى صحارى خارجة عن مكة ليست كالعوالي من المدينة. وهذا أيضاً مما يبين أنَّه لا اعتبار بمسافة محدودة؛ فإنَّ المسافر في المصر الْكَبِيْر لو سافر يومين أو ثلاثة لم يكن مسافراً والمسافر عن القرية الصغيرة إذا سافر مثل ذلك كان مسافراً فعلم أنَّه لا بد أن يقصد بقعة يسافر من مكان إلى مكان فإذا كان ما بين المكانين صحراء لا مساكن فيها يحمل فيها الزاد والمزاد فهو مسافر وإن وجد الزاد والمزاد بالمكان الذي يقصده. وكان عثمان جعل حكم المكان الذي يقصده حكم طريقه فلا بد أن يعدم فيه الزاد والمزاد وخالفه أكثر علماء الصحابة وقولهم أرجح فإنَّ الْنَّبِيَّ ﷺ قصر بمكة عام فتح مكة وفيها الزاد والمزاد وإذا كانت منى قرية فيها

стр. 3758

زاد ومزاد فبينها وبين مكة صحراء يكون مسافراً من يقطعها كما كان بين مكة وغيرها ولكن عثمان قد تأول في قصر النبي ﷺ بمكة أنَّه كان خائفاً لأنَّه لما فتح مكة والكفار كثيرون وكان قد بلغه أنَّ هوازن جمعت له. وعثمان يجوز القصر لمن كان بحضرة عدو وهذا كما يحكى عن عثمان أنَّه يعني النبي ﷺ إنَّما أمرهم بالمتعة لأنَّهم كانوا خائفين. وخالفه علي وعمران بن حصين وابن عمر وابن عباس وغيرهم من الصحابة. وقولهم هو الراجح» اهـ. وَقَالَ ﵀ (٢٤/ ١٣٤ - ١٣٥): «فالتحديد بالمسافة لا أصل له في شرع ولا لغة ولا عرف ولا عقل ولا يعرف عموم الناس مساحة الأرض فلا يجعل ما يحتاج إليه عموم المسلمين معلقاً بشيء لا يعرفونه ولم يمسح أحد الأرض على عهد النبي ﷺ ولا قدر النبي ﷺ الأرض لا بأميال ولا فراسخ والرجل قد يخرج من القرية إلى صحراء لحطب يأتي به فيغيب اليومين والثلاثة فيكون مسافراً وإن كانت المسافة أقل من ميل بخلاف من يذهب ويرجع من يومه فإنَّه لا يكون في ذلك مسافراً؛ فإنَّ الأول يأخذ الزاد والمزاد بخلاف الثاني. فالمسافة القريبة في المدة الطويلة تكون سفراً والمسافة البعيدة في المدة القليلة لا تكون سفراً. فالسفر يكون بالعمل الذي سمي سفراً لأجله. والعمل لا يكون إلَّا في زمان فإذا طال العمل وزمانه فاحتاج إلى ما يحتاج إليه المسافر من الزاد والمزاد سمي مسافراً وإن لم تكن المسافة بعيدة وإذا قصر العمل والزمان بحيث لا يحتاج إلى زاد ومزاد لم

стр. 3759

يسم سفراً وإن بعدت المسافة فالأصل هو العمل الذي يسمى سفراً ولا يكون العمل إلَّا في زمان فيعتبر العمل الذي هو سفر ولا يكون ذلك إلَّا في مكان يسفر عن الْأماكن وهذا مما يعرفه الناس بعاداتهم ليس له حد في الشرع ولا اللغة بل ما سموه سفراً فهو سفر» اهـ. قُلْتُ: أقل مسافة ثبت فيها القصر في السنة هي البريد كقصر أهل مكة في سفرهم إلى عرفة. وروى مسلم (١٣٣٩) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ : «لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ مُسْلِمَةٍ تُسَافِرُ مَسِيرَةَ لَيْلَةٍ إِلَّا وَمَعَهَا رَجُلٌ ذُو حُرْمَةٍ مِنْهَا». وجاء بلفظ اليوم فيما رواه مسلم (١٣٣٩) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، تُسَافِرُ مَسِيرَةَ يَوْمٍ إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ». وجاء بلفظ اليوم والليلة فيما رواه البخاري (١٠٨٨)، ومسلم (١٣٣٩) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قال: «لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، تُسَافِرُ مَسِيرَةَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ عَلَيْهَا». وجاء في أقل من ذلك وهو البريد ففي رواية أبي داود (١٧٢٧) لحديث أبي هريرة السابق: «بَرِيدًا». وَإِسَنَادُهَا ظَاهِرُهُ الحُسْنُ. وهو من رواية سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ به. لكن سهيل صدوق تغير حفظه بأخرة ولم يضبط الحديث. قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِ ﵀ فِي [التَّمْهِيْدِ] (٢١/ ٥٣):

стр. 3760

«وَالْأَلْفَاظُ عَنْ سُهَيْلٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مُضْطَرِبَةٌ لَا تَقُومُ بِهَا حُجَّةٌ مِنْ رِوَايَتِهِ» اهـ. وَقَالَ ﵀ فِي [الْاسْتِذْكَارِ] (٨/ ٥٣٢): «وَرَوَاهُ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَاخْتُلِفَ عَلَيْهِ فِيهِ: فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ عَنْهُ لَا تُسَافِرُ امْرَأَةٌ بَرِيدًا إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ. وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ يَوْمًا. وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ يَوْمَيْنِ. وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ ثَلَاثَةً. وَالْأَلْفَاظُ عَنْهُمْ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مُضْطَرِبَةٌ جِدًّا» اهـ. قُلْتُ: وقد خالف سهيل الثقات من أصحاب سعيد المقبري فقد رووه بغير هذا اللفظ ومنهم: ابن أبي ذئب فروى البخاري (١٠٨٨) عَنٍ ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدٌ المَقْبُرِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵄، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ أَنْ تُسَافِرَ مَسِيرَةَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ لَيْسَ مَعَهَا حُرْمَةٌ». وهو عند مسلم (١٣٣٩) بلفظ يوم ولم يذكر ليلة. والليث بن سعد وقد روى حديثه مسلم (١٣٣٩) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى

стр. 3761

اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ مُسْلِمَةٍ تُسَافِرُ مَسِيرَةَ لَيْلَةٍ إِلَّا وَمَعَهَا رَجُلٌ ذُو حُرْمَةٍ مِنْهَا». ومالك بن أنس فروى مسلم (١٣٣٩) فقال: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، تُسَافِرُ مَسِيرَةَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ عَلَيْهَا». قُلْتُ: وجاء خارج الصحيح عن غير هؤلاء الثلاثة فلا يظهر لي ثبوت لفظة البريد في حديث أبي هريرة لكن يكفي في ذلك قصر أهل مكة في مسافة بريد في حجة الوداع. وهذا يدل أنَّ البريد يكون سفراً، واليوم والليلة قد تكون سفراً، وهكذا اليوم يكون سفراً، وهكذا الليلة تكون سفراً ففيه رد على من حد السفر بيومين قاصدين كمذهب الجمهور أو بثلاثة أيام كمذهب أبي حنيفة. لكنها لا تدل على أنَّ السفر لا يكون بأقل من ذلك. قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كما في [مَجْمُوعِ الْفَتَاوَى] (٢٤/ ٤٦ - ٤٩): «وعرفة عن المسجد بريد كما ذكره الذين مسحوا ذلك وذكره الأزرقي في " أخبار مكة ". فهذا قصر في سفر قدره بريد وهم لما رجعوا إلى منى كانوا في الرجوع من السفر وإنَّما كان غاية قصدهم بريداً وأي فرق بين سفر أهل مكة إلى عرفة وبين سفر سائر المسلمين إلى قدر ذلك من بلادهم والله لم يرخص في الصلاة ركعتين إلَّا لمسافر فعلم أنهم كانوا مسافرين والمقيم إذا اقتدى بمسافر فإنَّه يصلي أربعاً كما قال النبي ﷺ لأهل مكة في مكة: "أتموا صلاتكم

стр. 3762

فإنَّا قوم سفر". وهذا مذهب الأئمة الأربعة وغيرهم من العلماء ولكن في مذهب مالك نزاع. الدليل الثاني: أنَّه قد نهى أن تسافر المرأة إلَّا مع ذي محرم أو زوج: تارة يقدر. وتارة يطلق. وأقل ما روي في التقدير بريد فدل ذلك على أنَّ البريد يكون سفراً. كما أنَّ الثلاثة الأيام تكون سفراً واليومين تكون سفراً واليوم يكون سفراً. هذه الأحاديث ليس لها مفهوم؛ بل نهى عن هذا وهذا وهذا. الدليل الثالث: أنَّ السفر لم يحده الشارع وليس له حد في اللغة فرجع فيه إلى ما يعرفه الناس ويعتادونه فما كان عندهم سفراً فهو سفر والمسافر يريد أن يذهب إلى مقصده ويعود إلى وطنه وأقل ذلك مرحلة يذهب في نصفها ويرجع في نصفها وهذا هو البريد وقد حدوا بهذه المسافة "الشهادة على الشهادة" و"كتاب القاضي إلى القاضي" و"العدو على الخصم" و"الحضانة" وغير ذلك مما هو معروف في موضعه. وهو أحد القولين في مذهب أحمد. فلو كانت المسافة محدودة لكان حدها بالبريد أجود؛ لكن الصواب أنَّ السفر ليس محدداً بمسافة؛ بل يختلف فيكون مسافراً في مسافة بريد وقد يقطع أكثر من ذلك ولا يكون مسافراً. الدليل الرابع: أنَّ المسافر رخص الله له أن يفطر في رمضان وأقل الفطر يوم ومسافة البريد يذهب إليها ويرجع في يوم فيحتاج إلى الفطر في شهر رمضان ويحتاج أن يقصر الصلاة؛ بخلاف ما دون ذلك فإنَّه قد لا يحتاج فيه إلى قصر ولا فطر إذا سافر أول النهار ورجع قبل الزوال. وإذا كان غدوه يوماً ورواحه يوماً

стр. 3763

فإنَّه يحتاج إلى القصر والفطر وهذا قد يقتضي أنَّه قد يرخص له أن يقصر ويفطر في بريد وإن كان قد لا يرخص له في أكثر منه إذا لم يعد مسافراً. الدليل الخامس: أنَّه ليس تحديد من حد المسافة بثلاثة أيام بأولى ممن حدها بيومين ولا اليومان بأولى من يوم فوجب ألا يكون لها حد بل كل ما يسمى سفراً يشرع فيه ذلك. وقد ثبت بالسنة القصر في مسافة بريد فعلم أنَ في الأسفار ما قد يكون بريداً وأدنى ما يسمى سفراً في كلام الشارع البريد. وأمَّا ما دون البريد كالميل فقد ثبت في الصحيحين عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنّه كان يأتي قباء كل سبت وكان يأتيه راكباً وماشياً. ولا ريب أنَّ أهل قباء وغيرهم من أهل العوالي كانوا يأتون إلى النبي ﷺ بالمدينة ولم يقصر الصلاة هو ولا هم وقد كانوا يأتون الجمعة من نحو ميل وفرسخ ولا يقصرون الصلاة والجمعة على من سمع النداء والنداء قد يسمع من فرسخ وليس كل من وجبت عليه الجمعة أبيح له القصر والعوالي بعضها من المدينة وإن كان اسم المدينة يتناول جميع المساكن كما قال تعالى: ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ﴾، وقال: ﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ﴾» اهـ. وروى مسلم (٦٩١) مِنْ طَرِيْقِ يَحْيَى بْنِ يَزِيدَ الْهُنَائِيِّ، قَالَ: سَأَلْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ، عَنْ قَصْرِ الصَّلَاةِ، فَقَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا خَرَجَ مَسِيرَةَ ثَلَاثَةِ أَمْيَالٍ، أَوْ ثَلَاثَةِ فَرَاسِخَ - شُعْبَةُ الشَّاكُّ - صَلَّى رَكْعَتَيْنِ».

стр. 3764

وهذا قصر في أقل من بريد فإن قيل: لكنه ليس بصريح في أنَّ ذلك كان منتهى سفره. فقد قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كما في [مَجْمُوعِ الْفَتَاوَى] (٢٤/ ١٣١): «ولم ير أنس أن يقطع من المسافة الطويلة هذا؛ لأنَّ السائل سأله عن قصر الصلاة وهو سؤال عمَّا يقصر فيه؛ ليس سؤالاً عن أول صلاة يقصرها. ثم إنَّه لم يقل أحد: إنَّ أول صلاة لا يقصرها إلَّا في ثلاثة أميال أو أكثر من ذلك فليس في هذا جواب لو كان المراد ذلك ولم يقل ذلك أحد فدل على أنَّ أنساً أراد أنَّه من سافر هذه المسافة قصر، ثم ما أخبر به عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فعل من النبي ﷺ لم يبين هل كان ذلك الخروج هو السفر أو كان ذلك هو الذي قطعه من السفر فإن كان أراد به أن ذلك كان سفره فهو نص، وإن كان ذلك الذي قطعه من السفر فأنس بن مالك استدل بذلك على أنَّه يقصر إليه إذا كان هو السفر: يقول: إنَّه لا يقصر إلَّا في السفر فلولا أن قطع هذه المسافة سفر لما قصر. وهذا يوافق قول من يقول: لا يقصر حتى يقطع مسافة تكون سفراً لا يكفي مجرد قصده المسافة التي هي سفر وهذا قول ابن حزم وداود وأصحابه» اهـ. وَقَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٢/ ٥٦٧): «وحكى النووي أنَّ أهل الظاهر ذهبوا إلى أنَّ أقل مسافة القصر ثلاثة أميال وكأنَّهم احتجوا في ذلك بما رواه مسلم وأبو داود من حديث أنس قال: كان رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إذا خرج مسيرة ثلاثة أميال أو فراسخ قصر

стр. 3765

الصلاة وهو أصح حديث ورد في بيان ذلك وأصرحه وقد حمله من خالفه على أنَّ المراد به المسافة التي يبتدأ منها القصر لا غاية السفر ولا يخفى بعد هذا الحمل مع أنَّ البيهقي ذكر في روايته من هذا الوجه أنَّ يحيى بن يزيد راويه عن أنس قال سألت أنساً عن قصر الصلاة وكنت أخرج إلى الكوفة يعني من البصرة فأصلي ركعتين ركعتين حتى أرجع فقال أنس. فذكر الحديث. فظهر أنَّه سأله عن جواز القصر في السفر لا عن الموضع الذي يبتدأ القصر منه ثم إنَّ الصحيح في ذلك أنَّه لا يتقيد بمسافة بل بمجاوزة البلد الذي يخرج منها» اهـ. وأمَّا الآثار عن الصحابة في مشروعية القصر في المسافات القريبة فقد جاء ذلك عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ. فروى ابن حزم في [الْمُحَلَّى] (٥/ ٨) مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُثَنَّى: ثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ قَالَ ثنا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ قَالَ: سَمِعْت جَبَلَةَ بْنَ سُحَيْمٍ يَقُولُ: سَمِعْت ابْنَ عُمَرَ يَقُولُ: «لَوْ خَرَجْتُ مِيلًا قَصَرْت الصَّلَاةَ». قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ إذا كان الإسناد من ابن حزم إلى ابن المثنى صحيحاً. وروى ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٨٢٢٣)، ومن طريقه ابن المنذر في [الْأَوْسَطِ] (٢٢٢٩) حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، قَالَ: ثنا سُفْيَانُ، عَنْ مُحَارِبِ بْنِ دِثَارٍ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ يَقُولُ: «إِنِّي لَأُسَافِرُ السَّاعَةَ مِنَ النَّهَارِ فَأَقْصُرُ». قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ. قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كما في [مَجْمُوعِ الْفَتَاوَى] (٢٤/ ١٣٤): «وقول ابن عمر: لو خرجت ميلاً قصرت الصلاة. هو كقوله: إنِّي لأسافر الساعة من النهار فأقصر وهذا إمَّا أن يريد به ما يقطعه من المسافة التي يقصدها

стр. 3766

فيكون قصده إنِّي لا أؤخر القصر إلى أن أقطع مسافة طويلة وهذا قول جماهير العلماء إلَّا من يقول إذا سافر نهاراً لم يقصر إلى الليل. وقد احتج العلماء على هؤلاء بأنَّ النبي ﷺ صلى الظهر بالمدينة أربعاً والعصر بذي الحليفة ركعتين وقد يحمل حديث أنس على هذا لكن فعله يدل على المعنى الأول أو يكون مراد ابن عمر من سافر قصر ولو كان قصده هذه المسافة إذا كان في صحراء بحيث يكون مسافراً لا يكون متنقلاً بين المساكن؛ فإنَّ هذا ليس بمسافر باتفاق الناس» اهـ. وروى ابن شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٨٢٦٨، ١٣٧٣١) حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّهُ «كَانَ يُقِيمُ بِمَكَّةَ، فَإِذَا خَرَجَ إِلَى مِنًى قَصَرَ». قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ. وهذا قصر في فرسخ وهو ثلاثة أميال لكن حمله ابن أبي شيبة في القصر في الحج فقد بوَّب عليه بقوله: (في المكي يقصر الصلاة في الحج، أم لا). وجاء عنه خلاف ذلك. فروى عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (٤٢٩٥) عَنْ مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ: «أَنَّهُ كَانَ يُسَافِرُ مَعَ ابْنِ عُمَرَ الْبَرِيدَ فَلَا يَقْصُرُ فِيهِ الصَّلَاةَ». قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ. ويمكن أن يحمل أنَّه عاد من يومه. وروى مالك في [الْمُوَطَّأِ] (٣٤٠) عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: «أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَقْصُرُ الصَّلَاةَ فِي مَسِيرِهِ الْيَوْمَ التَّامَّ».

стр. 3767

قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ. وروى ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٨٢١٨) حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، قَالَ: ثنا هِشَامُ بْنُ الْغَازِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ «أَنَّهُ كَانَ لَا يَقْصُرُ الصَّلَاةَ إِلَّا فِي الْيَوْمِ التَّامِّ». قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ. وروى عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (٤٣٠٠) عَنْ مَعْمَرٍ، وَابْنِ جُرَيْجٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي سَالِمٌ: «أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يَقْصُرُ الصَّلَاةَ فِي مَسِيرَةِ الْيَوْمِ التَّامِّ». قَالَ مَعْمَرٌ: وَأَخْبَرَنِي أَيُّوبُ، عَنْ نَافِعٍ، «أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يَقْصُرُ الصَّلَاةَ فِي مَسِيرَةِ أَرْبَعٍ كَذَا بُرُدٍ». قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ. ورواه أيضاً (٤٢٩٣) عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، «أَنَّ ابْنَ عُمَرَ اشْتَرَى شَيْئًا مِنْ رَجُلٍ - أَحْسَبُهُ نَاقَةً - فَخَرَجَ يَنْظُرُ إِلَيْهَا فَقَصَرَ الصَّلَاةَ، وَكَانَ ذَلِكَ مَسِيرَةَ يَوْمٍ تَامٍّ أَوْ أَرْبَعٍ، كَذَا، بُرُدٍ». قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ. وروى ابن المنذر في [الْأَوْسَطِ] (٢٢٢٠) حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ هَارُونَ، ثنا قُتَيْبَةُ، ثنا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ، أَنَّ ابْنَ عُمَرَ، وَابْنَ عَبَّاسٍ: «كَانَا يُصَلِّيَانِ رَكْعَتَيْنِ وَيُفْطِرَانِ فِي أَرْبَعِ بُرُدٍ فَمَا فَوْقَ ذَلِكَ». قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ. وروى عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (٤٣٠٢)، ومن طريقه ابن المنذر في [الْأَوْسَطِ] (٢٢٢٧) عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي نَافِعٌ، «أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ أَدْنَى مَا يَقْصُرُ الصَّلَاةَ إِلَيْهِ مَالٌ لَهُ يُطَالِعُهُ مِنْ خَيْبَرَ، وَهِيَ مَسِيرَةُ ثَلَاثَةِ قَوَاصِدَ، لَمْ يَكُنْ

стр. 3768

يَقْصُرُ فِيمَا دُونَهُ، قُلْتُ: وَكَمْ خَيْبَرُ؟ قَالَ: ثَلَاثُ قَوَاصِدَ، قُلْتُ: فَالطَّائِفُ؟ قَالَ: نَعَمْ، مِنَ السِّهْلَةِ وَأَنْفَسُ قَلِيلًا». قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ. وهذا قول غريب من نافع فقد ثبت عنه فيما مضى أنَّ ابن عمر كان يقصر في اليوم التام، وثبت عنه في أربعة برد. قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كما في [مَجْمُوعِ الْفَتَاوَى] (٢٤/ ١٣٠): «هذا النفي وهو أنَّه لم يقصر فيما دون ذلك غلط قطعاً ليس هذا حكاية عن قوله حتى يقال إنَّه اختلف اجتهاده بل نفي لقصره فيما دون ذلك وقد ثبت عنه بالرواية الصحيحة مِنْ طَرِيْقِ نافع وغيره: أنَّه قصر فيما دون ذلك فهذا قد يكون غلطاً. فمن روى عن أيوب إن قدر أنَّ نافعاً روى هذا فيكون حين حدث بهذا قد نسي أنَّ ابن عمر قصر فيما دون ذلك فإنَّه قد ثبت عن نافع عنه أنَّه قصر فيما دون ذلك» اهـ. وروى ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٨٢٠٤) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، عَنِ الشَّيْبَانِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدِ بْنِ خُلَيْدَةَ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: «يَقْصُرُ الصَّلَاةَ فِي مَسِيرَةِ ثَلَاثَةِ أَمْيَالٍ». قُلْتُ: لكنه لا يثبت محمد بن زيد بن خليدة مجهول الحال. وهذا الآثار عن ابن عمر لا تعارض فيها لأنَّها حكاية فعل، فكل راوٍ روى عنه ما علمه وشاهده من فعله.

стр. 3769

وهكذا جاءت في ذلك آثار عن عبد الله بن عباس ﵁ مخالفه لما ذهب إليه الجمهور منها: ما رواه عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (٤٢٩٦)، ومن طريقه ابن المنذر في [الْأَوْسَطِ] (٢٢٢٤) عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ قَالَ: سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ فَقُلْتُ: أَقْصُرُ الصَّلَاةَ إِلَى عَرَفَةَ أَوْ إِلَى مِنًى؟ قَالَ: «لَا، وَلَكِنْ إِلَى الطَّائِفِ وَإِلَى جُدَّةَ، وَلَا تَقْصُرُوا الصَّلَاةَ إِلَّا فِي الْيَوْمِ التَّامِّ، وَلَا تَقْصُرْ فِيمَا دُونَ الْيَوْمِ، فَإِنْ ذَهَبْتَ إِلَى الطَّائِفِ أَوْ إِلَى جُدَّةَ أَوْ إِلَى قَدْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَرْضِ، إِلَى أَرْضٍ لَكَ أَوْ مَاشِيَةٍ فَاقْصُرِ الصَّلَاةَ، فَإِذَا قَدِمْتَ فَأَوْفِ». ورواه ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٨٢٣١) حَدَّثَنَا مُعَاذٌ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: «تَقْصُرُ الصَّلَاةَ فِي الْيَوْمِ التَّامِّ، وَلَا تَقْصُرُ فِيمَا دُونَ ذَلِكَ». قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ. وفيه القصر في اليوم التام ولم يقل: مسيرة يوم تام. لكن قد يقال أنَّه أراد مسيرة اليوم ودليل ذلك أنَّه لم يأذن بالقصر لمن سار إلى عرفة ومنى، وذلك أنَّ بين مكة وعرفة مسيرة نصف يوم وليس هذا بيوم تام. وقد يقال أراد اليوم ولم يرد مسيرة يوم، ونهيه عن القصر في عرفة وارد في حق من ذهب إليها ورجع من يومه كما سيأتي في كلام شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀.

стр. 3770

وروى عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (٤٢٩٩)، وابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٨٢١٩) مِنْ طَرِيْقِ مَنْصُورٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «إِذَا سَافَرْتَ يَوْمًا إِلَى الْعِشَاءِ فَأَتِمَّ الصَّلَاةَ، فَإِنْ زِدْتَ فَاقْصُرْ». قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ. وفي هذا الأثر اعتبر ابن عباس في القصر أن يسافر يوماً إلى بعد العشاء، ولم يقل: مسيرة يوم إلى بعد العشاء، فيشمل ذلك المسافة القصيرة إذا سارها الشخص بمثل هذه المدة. وروى ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٨٢١٧) حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، قَالَ: أَنَا شُعْبَةُ، عَنْ رَجُلٍ يُقَالُ لَهُ: شُبَيْلٌ، عَنْ أَبِي حُرَّةَ، قَالَ: قُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ: أَقْصُرُ إِلَى الْأَيْلَةِ؟ فَقَالَ: «تَذْهَبُ وَتَجِيءُ فِي يَوْمٍ؟» قَالَ: قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: «لَا إِلَّا فِي يَوْمٍ مُتَاحٍ». قُلْتُ: في إسناده أبو حبرة واسمه شيحة بن عبد الله الضبعي مجهول الحال. لكن جاء الأثر في [الْمُحَلَّى] (٣/ ١٩٦) عن أَبِي جَمْرَةَ الضُّبَعِيِّ واسمه نصر بن عمران وهو ثقة ثبت. وجاء عنه ما يوافق مذهب الجمهور. من ذلك ما رواه الشافعي في [مُسْنَدِه] (٥٢٦)، ومن طريقه ابن المنذر في [الْأَوْسَطِ] (٢٢٢١)، والبيهقي في [الْكُبْرَى] (٥١٨٢)، و [الْمَعْرِفَة] (١٦٣٤). أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّهُ سُئِلَ: أَتُقْصَرُ الصَّلاةُ إِلَى عَرَفَةَ؟ فَقَالَ: «لا، وَلَكِنْ إِلَى عُسْفَانَ وَإِلَى جُدَّةَ وَإِلَى الطَّائِفِ». قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ.

стр. 3771

وبين مكة وعسفان وجدة والطائف أربعة برد وهي مسيرة يومين قاصدين. ورواه ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٨٢٢٢) حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، قَالَ: ثنا هِشَامُ بْنُ الْغَازِ، عَنْ رَبِيعَةَ الْجُرَشِيِّ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ، قَالَ: قُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ: أَقْصُرُ إِلَى عَرَفَةَ؟ فَقَالَ: «لَا»، قُلْتُ: أَقْصُرُ إِلَى مَرٍّ؟ قَالَ: «لَا»، قُلْتُ: أَقْصُرُ إِلَى الطَّائِفِ وَإِلَى عُسْفَانَ؟ قَالَ: «نَعَمْ، وَذَلِكَ ثَمَانِيَةٌ وَأَرْبَعُونَ مِيلًا» وَعَقَدَ بِيَدِهِ. قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ. وروى عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (٤٢٩٧)، وابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٨٢٢٤) مِنْ طَرِيْقِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرٍو، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «لَا تَقْصُرْ إِلَى عَرَفَةَ، وَبَطْنِ نَخْلَةٍ، وَاقْصُرْ إِلَى عُسْفَانَ، وَالطَّائِفِ، وَجُدَّةَ، فَإِذَا قَدِمْتَ عَلَى أَهْلٍ أَوْ مَاشِيَةٍ فَأَتِمَّ». قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ. قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كما في [مَجْمُوعِ الْفَتَاوَى] (٢٤/ ١٢٤ - ١٢٦): «قُلْتُ: نهيه عن القصر إلى منى وعرفة قد يكون لمن يقصد ذلك لحاجة ويرجع من يومه إلى مكة حتى يوافق ذلك ما تقدم من الروايات عنه. ويؤيد ذلك أنَّ ابن عباس لا يخفى عليه أنَّ أهل مكة كانوا يقصرون خلف النبي ﷺ وأبي بكر وعمر في الحج إذا خرجوا إلى عرفة ومزدلفة ومنى وابن عباس من أعلم الناس بالسنة فلا يخفى عليه مثل ذلك وأصحابه المكيون كانوا يقصرون في الحج إلى عرفة ومزدلفة كطاووس وغيره. وابن عيينة نفسه الذي روى هذا الأثر عن ابن عباس كان يقصر إلى عرفة في الحج وكان أصحاب ابن عباس كطاووس يقول أحدهم: أترى الناس - يعني أهل مكة - صلوا في الموسم

стр. 3772

خلاف صلاة رسول الله ﷺ ؟ وهذه حجة قاطعة؛ فإنَّه من المعلوم أنَّ أهل مكة لما حجوا معه كانوا خلقاً كثيراً وقد خرجوا معه إلى منى يصلون خلفه وإنَّما صلى بمنى أيام منى قصراً والناس كلهم يصلون خلفه: أهل مكة وسائر المسلمين لم يأمر أحداً منهم أن يتم صلاته ولم ينقل ذلك أحد لا بإسناد صحيح ولا ضعيف. ثم أبو بكر وعمر بعده كانا يصليان في الموسم بأهل مكة وغيرهم كذلك ولا يأمران أحداً بإتمام مع أنَّه قد صح عن عمر بن الخطاب أنَّه لما صلى بمكة قال: يا أهل مكة أتموا صلاتكم. فإنَّا قوم سفر. وهذا مروي عَنِ النَّبِيِّ ﷺ في أهل مكة عام الفتح لا في حجة الوداع؛ فإنَّه في حجة الوداع لم يكن يصلي في مكة بل كان يصلي بمنزله. وقد رواه أبو داود وغيره وفي إسناده مقال. والمقصود أنَّ من تدبر صلاة النبي ﷺ بعرفة ومزدلفة ومنى بأهل مكة وغيرهم وأنَّه لم ينقل مسلم قط عنه أنَّه أمرهم بإتمام: علم قطعاً أنَّهم كانوا يقصرون خلفه وهذا من العلم العام الذي لا يخفى على ابن عباس ولا غيره؛ ولهذا لم يعلم أحد من الصحابة أمر أهل مكة أن يتموا خلف الْإِمَام إذا صلى ركعتين فدل هذا على أنَّ ابن عباس إنَّما أجاب به من سأله إذا سافر إلى منى أو عرفة سفراً لا ينزل فيه بمنى وعرفة؛ بل يرجع من يومه فهذا لا يقصر عنده؛ لأنَّه قد بين أنَّ من ذهب ورجع من يومه لا يقصر وإنَّما يقصر من سافر يوماً ولم يقل: مسيرة يوم؛ بل اعتبر أن يكون السفر يوماً وقد استفاض عنه جواز القصر إلى عسفان. وقد ذكر ابن حزم أنَّها اثنان وثلاثون ميلاً وغيره يقول: أربعة برد

стр. 3773

ثمانية وأربعون ميلاً. والذين حدوها ثمانية وأربعين ميلاً عمدتهم قول ابن عباس وابن عمر وأكثر الروايات عنهم تخالف ذلك فلو لم يكن إلَّا قولهما لم يجز أن يؤخذ ببعض أقوالهما دون بعض؛ بل إمَّا أن يجمع بينهما وإمَّا أن يطلب دليل آخر. فكيف والآثار عن الصحابة أنواع أخر» اهـ. قُلْتُ: ومن الآثار عن ابن عباس في ذلك ما رواه ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٨٢٠٣)، ومن طريقه ابن المنذر في [الْأَوْسَطِ] (٢٢٢٥)، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، عَنِ الشَّيْبَانِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «يَقْصُرُ الصَّلَاةَ فِي مَسِيرَةِ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ». قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ. والشيباني هو أبو إسحاق سليمان بن أبي سليمان. واليوم والليلة أربعة برد. لكن ورواه الطبري في [تَهْذِيْبِ الْآثَارِ] (١٠٤٠) حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ إِدْرِيسَ، عَنِ الشَّيْبَانِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، أُرَاهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «تُقْصَرُ الصَّلَاةُ فِي مَسِيرَةِ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ». ورواه أيضاً (١٠٤١) حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ مَرَّةً أُخْرَى فَقَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ إِدْرِيسَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا إِسْحَاقَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، قَالَ: «تُقْصَرُ الصَّلَاةُ فِي مَسِيرَةِ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، وَلَمْ يَقُلْ: أُرَاهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ». فهذا عبد الله بن إدريس جعله من قول عكرمة وهو أوثق من علي بن مسهر، وابن مسهر قال فيه الحافظ ابن حجر رحمه: «ثقة له غرائب بعد أن أضر».

стр. 3774

وروى ابن المنذر في [الْأَوْسَطِ] (٢٢٢٠) حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ هَارُونَ، ثنا قُتَيْبَةُ، ثنا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ، أَنَّ ابْنَ عُمَرَ، وَابْنَ عَبَّاسٍ: «كَانَا يُصَلِّيَانِ رَكْعَتَيْنِ وَيُفْطِرَانِ فِي أَرْبَعِ بُرُدٍ فَمَا فَوْقَ ذَلِكَ». قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ. وعلى كل حال الآثار عن الصحابة في ذلك مختلفة، وما قرره شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ فيما مضى هو أصح ما يقال في ذلك، وبناءً على ذلك فينظر في السفر إلى أمرين: الأول: مجاوزة بنيان البلدة وذلك يكون بمجاوزة كل ما دخل في مسمى البلدة من القبائل والعشائر المتفرقة. الآخر: أن لا يرجع من يومه إلى بلده. إذا تبيَّن هذا فإذا سافر شخص إلى البلاد البعيدة عن طريق الطائرات ورجع من يومه فلا يعد مسافراً. فإنَّ السفر لا ينظر فيه إلى قطع مسافة من الأرض يصير بها مسافراً كما قرر ذلك شيخ الإسلام فيما مضى. وأمَّا ما رواه الدارقطني (١٤٤٧)، والطبراني في [الْكَبِيْرِ] (١١١٦٢) من طريق إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَيَّاشٍ، عَنْ عَبْدِ الْوَهَّابِ بْنِ مُجَاهِدٍ، عَنْ أَبِيهِ، وَعَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «يَا أَهْلَ مَكَّةَ لَا تَقْصُرُوا الصَّلَاةَ فِي أَدْنَى مِنْ أَرْبَعَةِ بُرُدٍ مِنْ مَكَّةَ إِلَى عَسْفَانَ». فلا يصح فعبد الوهاب بن مجاهد متروك.

стр. 3775

قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كما في [مَجْمُوعِ الْفَتَاوَى] (٢٤/ ١٢٧): «وَهَذَا مَا يَعْلَمُ أَهْلُ الْمَعْرِفَةِ بِالْحَدِيثِ أَنَّهُ كَذِبٌ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَلَكِنْ هُوَ مِنْ كَلَامِ ابْنِ عَبَّاسٍ. أَفَتَرَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إنَّمَا حَدَّ مَسَافَةَ الْقَصْرِ لِأَهْلِ مَكَّةَ دُونَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ الَّتِي هِيَ دَارُ السُّنَّةِ وَالْهِجْرَةِ وَالنُّصْرَةِ وَدُونَ سَائِرِ الْمُسْلِمِينَ؟ وَكَيْفَ يَقُولُ هَذَا وَقَدْ تَوَاتَرَ عَنْهُ أَنَّ أَهْلَ مَكَّةَ صَلَّوْا خَلْفَهُ بِعَرَفَةَ وَمُزْدَلِفَةَ وَمِنًى وَلَمْ يَحُدَّ النَّبِيُّ ﷺ قَطُّ السَّفَرَ بِمَسَافَةٍ لَا بَرِيدٍ وَلَا غَيْرِ بَرِيدٍ وَلَا حَدَّهَا بِزَمَانِ» اهـ. ٤ - وإذن النبي ﷺ في الفطر للمسافر يشمل كل من كان في سفر فيدخل في ذلك من أنشأ سفراً في أثناء النهار فإنَّ له أن يفطر فيه على الصحيح. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ في [الْمُغْنِي] (٦/ ٥٩): «الثالث: أنَّ يسافر في أثناء يوم من رمضان، فحكمه في اليوم الثاني كمن سافر ليلاً، وفي إباحة فطر اليوم الذي سافر فيه، عن أحمد روايتان؛ إحداهما، له أن يفطر. وهو قول عمرو بن شرحبيل، والشعبي، وإسحاق، وداود، وابن المنذر؛ لما روى عبيد بن جبير، قال: ركبت مع أبي بصرة الغفاري في سفينة من الفسطاط في شهر رمضان، فدفع، ثم قرب غداءه، فلم يجاوز البيوت حتى دعا بالسفرة، ثم قال: اقترب، قُلْتُ: ألست ترى البيوت؟ قال أبو بصرة: أترغب عن سنة رسول الله ﷺ ؟ فأكل. رواه أبو داود.

стр. 3776

ولأنَّ السفر معنى لو وجد ليلاً واستمر في النهار لأباح الفطر، فإذا وجد في أثنائه أباحه كالمرض، ولأنَّه أحد الأمرين المنصوص عليهما في إباحة الفطر بهما، فأباحه في أثناء النهار كالآخر. والرواية الثانية، لا يباح له الفطر ذلك اليوم، وهو قول مكحول، والزهري، ويحيى الأنصاري، ومالك، والأوزاعي، والشافعي، وأصحاب الرأي؛ لأنَّ الصوم عبادة تختلف بالسفر والحضر، فإذا اجتمعا فيها غلب حكم الحضر، كالصلاة، والأول أصح؛ للخبر، ولأنَّ الصوم يفارق الصلاة فإنَّ الصلاة يلزم إتمامها بنيته، بخلاف الصوم» اهـ. وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كما في [مَجْمُوعِ الْفَتَاوَى] (٢٥/ ٢١٢): «وإذا سافر في أثناء يوم فهل يجوز له الفطر؟ على قولين مشهورين للعلماء هما روايتان عن أحمد. أظهرهما: أنَّه يجوز ذلك. كما ثبت في السنن أنَّ من الصحابة من كان يفطر إذا خرج من يومه ويذكر أنَّ ذلك سنة النبي ﷺ وقد ثبت في الصحيح عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّه نوى الصوم في السفر ثم إنَّه دعا بماء فأفطر والناس ينظرون إليه. وأمَّا اليوم الثاني: فيفطر فيه بلا ريب وإن كان مقدار سفره يومين في مذهب جمهور الأئمة والْأُمة» اهـ. قُلْتُ: حديث أبي بصرة الغفاري رواه أحمد (٢٧٢٧٥، ٢٧٢٧٦، ٢٧٢٧٧)، وأبو داود (٢٤١٢) مِنْ طَرِيْقِ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، أَنَّ كُلَيْبَ بْنَ ذُهْلٍ الْحَضْرَمِيَّ أَخْبَرَهُ، عَنْ عُبَيْدٍ، قَالَ: جَعْفَرٌ بْنُ جَبْرٍ قَالَ: كُنْتُ مَعَ أَبِي بَصْرَةَ الْغِفَارِيِّ صَاحِبِ

стр. 3777

النَّبِيِّ ﷺ فِي سَفِينَةٍ مِنَ الْفُسْطَاطِ فِي رَمَضَانَ، فَرُفِعَ ثُمَّ قُرِّبَ غَدَاهُ، قَالَ جَعْفَرٌ فِي حَدِيثِهِ: فَلَمْ يُجَاوِزِ الْبُيُوتَ حَتَّى دَعَا بِالسُّفْرَةِ، قَالَ: اقْتَرِبْ قُلْتُ: أَلَسْتَ تَرَى الْبُيُوتَ، قَالَ أَبُو بَصْرَةَ «أَتَرْغَبُ عَنْ سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ». قُلْتُ: كليب بن ذهل مجهول لم يوثقه معتبر. لكن يشهد له ما رواه أحمد (٢٧٢٧٤)، وأبو داود (٢٤١٣) مِنْ طَرِيْقِ اللَّيْثِ يَعْنِي ابْنَ سَعْدٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ أَبِي الْخَيْرِ، عَنْ مَنْصُورٍ الْكَلْبِيِّ، أَنَّ دِحْيَةَ بْنَ خَلِيفَةَ خَرَجَ مِنْ قَرْيَةٍ مِنْ دِمَشْقَ مَرَّةً إِلَى قَدْرِ قَرْيَةِ عُقْبَةَ، مِنَ الْفُسْطَاطِ، وَذَلِكَ ثَلَاثَةُ أَمْيَالٍ فِي رَمَضَانَ، ثُمَّ إِنَّهُ أَفْطَرَ وَأَفْطَرَ مَعَهُ نَاسٌ، وَكَرِهَ آخَرُونَ أَنْ يُفْطِرُوا، فَلَمَّا رَجَعَ إِلَى قَرْيَتِهِ، قَالَ: «وَاللَّهِ لَقَدْ رَأَيْتُ الْيَوْمَ أَمْرًا مَا كُنْتُ أَظُنُّ أَنِّي أَرَاهُ، إِنَّ قَوْمًا رَغِبُوا عَنْ هَدْيِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابِهِ»، يَقُولُ: ذَلِكَ لِلَّذِينَ صَامُوا، ثُمَّ قَالَ عِنْدَ ذَلِكَ: «اللَّهُمَّ اقْبِضْنِي إِلَيْكَ». قُلْتُ: منصور الكلبي مجهول. وهل يدخل في ذلك من علم أنَّه يقدم إلى بلده في أثناء النهار. فيه نزاع بين العلماء والصحيح أنَّ الصيام في حقه واجب، وذلك أنَّه اجتمع في حقه في يوم واحد ما يبيح له الفطر وهو السفر، وما يوجب عليه الصيام وهو الإقامة فتغلب العزيمة على الرخصة، ويصير الصيام في حقه واجب لأنَّ ما لا يتم الواجب إلَّا به فهو واجب. وهذه رواية عن أحمد، وأمَّا جمهور العلماء فأجازوا له الفطر. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ في [الْمُغْنِي] (٦/ ١٢٨):

стр. 3778

«ولو علم الصبي أنَّه يبلغ في أثناء النهار بالسن، أو علم المسافر أنَّه يقدم، لم يلزمهما الصيام قبل زوال عذرهما؛ لأنَّ سبب الرخصة موجود، فيثبت حكمها، كما لو لم يعلما ذلك» اهـ. وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ في كتاب الصيام من [شَرْحِ الْعُمْدَةِ] (١/ ٦١): «ووجه الأولى: أنَّ الفطر في الحضر غير جائز أصلاً، بل يجب الصوم فيه، ولا يمكن الصوم فيه؛ إلَّا أن يبيت النية من الليل، وما لا يتم الواجب إلَّا به فهو واجب؛ ولأنَّ الصوم واجب في ذمة المسافر، وإنَّما أجيز له تأخير الفعل إذا كان مسافراً، فإذا علم أنَّه يقدم في أثناء اليوم؛ فقد أخرَّ الصوم بدون سبب الرخصة، وبهذا يظهر الفرق بينه وبين الصبي؛ فإنَّه لم يجب عليه شيء قبل البلوغ» اهـ. ٥ - ويتناول الحديث أيضاً من أفطر في أثناء يوم صام فيه في سفره. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ في [الْمُغْنِي] (٦/ ٦١): «فصل: وإن نوى المسافر الصوم في سفره، ثم بدا له أن يفطر، فله ذلك. واختلف قول الشافعي فيه، فقال مرة: لا يجوز له الفطر، وَقَالَ مرة أخرى: إن صح حديث الكديد لم أر به بأساً أن يفطر. وَقَالَ مالك: إن أفطر فعليه القضاء والكفارة؛ لأنَّه أفطر في صوم رمضان، فلزمه ذلك، كما لو كان حاضراً. ولنا، حديث ابن عباس، وهو حديث صحيح متفق عليه.

стр. 3779

وروى جابر أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خرج عام الفتح، فصام حتى بلغ كراع الغميم، وصام الناس معه، فقيل له: إنَّ الناس قد شق عليهم الصيام، وإنَّ الناس ينظرون ما فعلت، فدعا بقدح من ماء بعد العصر، فشرب والناس ينظرون، فأفطر بعضهم، وصام بعضهم، فبلغه أنَّ ناساً صاموا، فقال: أولئك العصاة. رواه مسلم. وهذا نص صريح لا يعرج على من خالفه» اهـ. قُلْتُ: حديث ابن عباس رواه البخاري (١٩٤٤)، ومسلم (١١١٣) عَنْهُ ﵄: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَرَجَ إِلَى مَكَّةَ فِي رَمَضَانَ، فَصَامَ حَتَّى بَلَغَ الكَدِيدَ، أَفْطَرَ، فَأَفْطَرَ النَّاسُ». ٦ - وظاهر الحديث أنَّ الفطر إنَّما يكون في السفر فلا يجوز لمن عزم على السفر أن يفطر قبل مغادرته لبنيان البلد؛ لأنَّه لا يعد حينئذ مسافراً حتى يتجاوز البنيان، وفيها نزاع بين العلماء. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ في [الْمُغْنِي] (٦/ ٥٩ - ٦٠): «إذا ثبت هذا فإنَّه لا يباح له الفطر حتى يخلف البيوت وراء ظهره، يعني أنَّه يجاوزها ويخرج من بين بنيانها. وَقَالَ الحسن: يفطر في بيته، إن شاء، يوم يريد أن يخرج. وروي نحوه عن عطاء. قال ابن عبد البر: قول الحسن قول شاذ، وليس الفطر لأحد في الحضر في نظر ولا أثر. وقد روي عن الحسن خلافه.

стр. 3780

وقد روى محمد بن كعب، قال: أتيت أنس بن مالك في رمضان، وهو يريد السفر، وقد رحلت له راحلته، ولبس ثياب السفر، فدعا بطعام فأكل، فقلت له: سنة؟ فقال: سنة، ثم ركب. قال الترمذي: هَذَا حَدِيْثٌ حَسَنٌ. ولنا قول الله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾. وهذا شاهد، ولا يوصف بكونه مسافراً حتى يخرج من البلد، ومهما كان في البلد فله أحكام الحاضرين، ولذلك لا يقصر الصلاة. فأمَّا أنس فيحتمل أنَّه قد كان برز من البلد خارجاً منه، فأتاه محمد بن كعب في منزله ذلك» اهـ. قُلْتُ: حديث أنس رواه الترمذي (٧٩٩) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ المُنْكَدِرِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ، أَنَّهُ قَالَ: أَتَيْتُ أَنَسَ بْنِ مَالِكٍ فِي رَمَضَانَ وَهُوَ يُرِيدُ سَفَرًا، وَقَدْ رُحِلَتْ لَهُ رَاحِلَتُهُ، وَلَبِسَ ثِيَابَ السَّفَرِ، فَدَعَا بِطَعَامٍ فَأَكَلَ، فَقُلْتُ لَهُ: سُنَّةٌ؟ قَالَ: «سُنَّةٌ» ثُمَّ رَكِبَ. قُلْتُ: عبد الله بن جعفر بن نجيح السعدي لا يحتج بحديثه لكن تابعه محمد بن جعفر بن أبي كثير عند الترمذي (٨٠٠) ولم يسق لفظ حديثه. وقد ساق لفظ حديثه الْدَارَقُطْنِي في [سُنَنِه] (٢٢٩١)، والبيهقي في [الْكُبْرَى] (٧٩٦٩) فرويا مِنْ طَرِيْقِ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ، أَخْبَرَنِي زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ، أَخْبَرَنِي ابْنُ الْمُنْكَدِرِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ، أَنَّهُ قَالَ: أَتَيْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ فِي رَمَضَانَ وَهُوَ يُرِيدُ

стр. 3781

السَّفَرَ وَقَدْ رُحِلَتْ دَابَّتُهُ، وَلَبِسَ ثِيَابَ السَّفَرِ وَقَدْ تَقَارَبَ غُرُوبُ الشَّمْسِ فَدَعَا بِطَعَامٍ فَأَكَلَ مِنْهُ ثُمَّ رَكِبَ، فَقُلْتُ لَهُ: سُنَّةٌ؟، قَالَ: «نَعَمْ». قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ. وقد رواه الطبراني في [الْأَوْسَطِ] (٩٠٤٣) حَدَّثَنَا الْمِقْدَامُ، نَا خَالِدُ بْنُ نِزَارٍ، وَثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ الْعَلَّافُ، ثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ، قَالَا: ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَنْدَ الْعَصْرِ يَوْمَ يَشُكُّونَ فِيهِ رَمَضَانَ، وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أُسَلِّمَ عَلَيْهِ، «فَدَعَا بِطَعَامٍ فَأَكَلَ»، فَقُلْتُ: هَذَا الَّذِي تَصْنَعُ سُنَّةٌ؟ قَالَ: «نَعَمْ». لَمْ يَرْوِ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ إِلَّا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ اهـ. قُلْتُ: هكذا روى الحديث يحيى بن أيوب العلاف عن سعيد بن أبي مريم عن محمد بن جعفر بن أبي كثير وجعل الحديث في يوم الشك. وقد خالفه في ذلك الحافظ عثمان بن سعيد الدارمي عند البيهقي، وإسماعيل بن إسحاق بن سهل عند الْدَارَقُطْنِي، وحديثهما هو المحفوظ. وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ ﵀ في [الْعِلَلِ] (٣/ ٧٣ - ٧٤): «وسألتُ أَبِي عَنْ حديثٍ رَوَاهُ عبدُ العزيز الدَّراوَرْدي، عَنْ زَيْدِ بْنِ أسلَم، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ المُنكَدِر، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْب: أَنَّهُ أَتَى أنسَ بْنَ مَالِكٍ فِي رَمَضَانَ وَهُوَ يريدُ سَفَرًا، فوجدَه قَدْ رُحِّلَتْ راحِلَتُه، ولبسَ ثيابَ السَّفر، فَدَعَا بِطَعَامٍ فأكَل، فقُلنا: أَسُنَّةٌ؟ قَالَ: لَيْسَ بسُنَّة. وَرَوَاهُ مُحَمَّدُ بن عبد الرحمن بْنِ مُجَبَّر، عَنِ ابْنِ المُنكَدِر، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ: أَنَّهُ أَتَى أنسَ بْنَ مَالِكٍ … فَذَكَرَ الحديثَ؛ قَالَ: فقُلْتُ: سُنَّةٌ؟ فَقَالَ: نَعَمْ، سُنَّةٌ.

стр. 3782

قَالَ أَبِي: حديثُ الدَّراوَرْدي أصحُّ» اهـ. قُلْتُ: لا شك أنَّ حديث الدراوردي أصح من حديث محمد بن عبد الرحمن بن مجبر فإنَّ هذا من جملة المتروكين، لكن إذا نظرنا إلى رواية الداوردي ورواية محمد بن جعفر فإنَّنا نجد أنَّ رواية محمد بن جعفر أصح من رواية الدراوردي. والذي يظهر لي في معنى الحديث أنَّ أنس بن مالك كان يستعجل بالإفطار غروب الشمس مباشرة عملاً بسنة المبادرة بالإفطار، فإنَّ هذه هي السنة المعلومة المتيقنة. وما جاء في أثر أنس: «وَقَدْ تَقَارَبَ غُرُوبُ الشَّمْسِ فَدَعَا بِطَعَامٍ فَأَكَلَ مِنْهُ». لا يلزم منه أنَّه أكل قبل الغروب، بل غاية ما فيه أنَّه دعا بطعامه عند تقارب الشمس للغروب ولعل أكله كان بعد تحقق الغروب. ويقوي هذا أنَّه يبعد أن يفسد أنس صوم يومه وهو على وشك إتمامه. ومما يدل على أنَّ أنس بن مالك ليس عنده سنة بالإفطار في الرحال قبل مغادرة البنيان ما رواه الْدَارَقُطْنِي في [سُنَنِه] (٢٢٩٢)، والبيهقي في [الْكُبْرَى] (٧٩٦٨) مِنْ طَرِيْقِ شُعْبَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ عَامِرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ، يَقُولُ: قَالَ لِي أَبُو مُوسَى: «أَلَمْ أُنَبَّأْ أَنَّكَ إِذَا خَرَجْتَ خَرَجْتَ صَائِمًا وَإِذَا دَخَلْتَ دَخَلْتَ صَائِمًا، فَإِذَا خَرَجْتَ فَاخْرُجْ مُفْطِرًا وَإِذَا دَخَلْتَ فَادْخُلْ مُفْطِرًا». قُلْتُ: هَذَا أَثَرٌ صَحِيْحٌ. قَالَ التِّرمِذِيُّ ﵀ في [جَامِعِهِ] (٣/ ١٦٣): «وقد ذهب بعض أهل العلم إلى هذا الحديث وقالوا: للمسافر أن يفطر في بيته قبل أن يخرج وليس له أن يقصر

стр. 3783

الصلاة حتى يخرج من جدار المدينة أو القرية وهو قول إسحق بن إبراهيم الحنظلي» اهـ. وَقَالَ الْبَّغَوِيُّ ﵀ فِي [شَرْحِ السُّنَّةِ] (٦/ ٣١٣): «وَقَالَ الحسن: إذا أصبح المقيم على نية السفر في يومه، جاز له أن يفطر في بيته، وبه قال إسحاق» اهـ. قُلْتُ: ومما يدل على عدم مشروعية الفطر في بلد الإقامة قبل الشروع في السفر قول الله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤]. قَالَ ابْنُ عَاشُورٍ ﵀ فِي [التَّحْرِيْرِ وَالتَّنْوِيْرِ] (٢/ ١٦٣): «ثُمَّ شَاعَ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ أَنْ يَقُولُوا فُلَانٌ عَلَى سَفَرٍ أَيْ مُسَافِرٌ لِيَكُونَ نصاً فِي التَّلَبُّس، لِأَنَّ اسْمَ الْفَاعِلِ يَحْتَمِلُ الِاسْتِقْبَالَ فَلَا يَقُولُونَ عَلَى سَفَرٍ لِلْعَازِمِ عَلَيْهِ» اهـ. * * *

стр. 3784

١٨٢ - عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: «كُنَّا نُسَافِرُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَلَمْ يَعِبِ الصَّائِمُ عَلَى المُفْطِرِ، وَلَا المُفْطِرُ عَلَى الصَّائِمِ». وكان ذلك في رمضان فقد جاء الحديث في مسلم (١١١٨) عَنْ حُمَيْدٍ، قَالَ: سُئِلَ أَنَسٌ ﵁، عَنْ صَوْمِ رَمَضَانَ فِي السَّفَرِ؟ فَقَالَ: «سَافَرْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي رَمَضَانَ، فَلَمْ يَعِبِ الصَّائِمُ عَلَى الْمُفْطِرِ، وَلَا الْمُفْطِرُ عَلَى الصَّائِمِ». وفي الباب ما رواه مسلم (١١١٦) عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁، قَالَ: «غَزَوْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ لِسِتَّ عَشْرَةَ مَضَتْ مِنْ رَمَضَانَ، فَمِنَّا مَنْ صَامَ وَمِنَّا مَنْ أَفْطَرَ، فَلَمْ يَعِبِ الصَّائِمُ عَلَى الْمُفْطِرِ، وَلَا الْمُفْطِرُ عَلَى الصَّائِمِ». قُلْتُ: يدل الحديث على مشروعية الصوم والفطر في السفر. وقد سبق الكلام في ذلك في الحديث الماضي. * * *

стр. 3785

١٨٣ - عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ ﵁، قَالَ: «خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ فِي حَرٍّ شَدِيدٍ، حَتَّى إِنْ كَانَ أَحَدُنَا لَيَضَعُ يَدَهُ عَلَى رَأْسِهِ مِنْ شِدَّةِ الْحَرِّ، وَمَا فِينَا صَائِمٌ، إِلَّا رَسُولُ اللهِ ﷺ وَعَبْدُ اللهِ بْنُ رَوَاحَةَ». في الحديث مسائل منها: ١ - إباحة السفر في رمضان. ٢ - إباحة الصيام والفطر في السفر. ٣ - إباحة الفطر لمن دخل عليه الشهر وهو مقيم. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [تَهْذِيْبِ سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ] (٧/ ٣٩): «وفي المسألة قول شاذ جداً لا يلتفت إليه وهو إنَّه إن دخل عليه الشهر وهو مقيم ثم سافر في أثنائه لم يجز له الفطر ولا يفطر حتى يدخل عليه رمضان مسافراً وهذا قول عبيدة السلماني وأبي مجلز وسويد بن غفلة» اهـ. * * *
следующие страницы →