Полный текст (8 095 стр.). Показаны 3781–3820 · переход к 3786.
стр. 3781
السَّفَرَ وَقَدْ رُحِلَتْ دَابَّتُهُ، وَلَبِسَ ثِيَابَ السَّفَرِ وَقَدْ تَقَارَبَ غُرُوبُ الشَّمْسِ فَدَعَا بِطَعَامٍ فَأَكَلَ مِنْهُ ثُمَّ رَكِبَ، فَقُلْتُ لَهُ: سُنَّةٌ؟، قَالَ: «نَعَمْ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ.
وقد رواه الطبراني في [الْأَوْسَطِ] (٩٠٤٣) حَدَّثَنَا الْمِقْدَامُ، نَا خَالِدُ بْنُ نِزَارٍ، وَثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ الْعَلَّافُ، ثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ، قَالَا: ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَنْدَ الْعَصْرِ يَوْمَ يَشُكُّونَ فِيهِ رَمَضَانَ، وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أُسَلِّمَ عَلَيْهِ، «فَدَعَا بِطَعَامٍ فَأَكَلَ»، فَقُلْتُ: هَذَا الَّذِي تَصْنَعُ سُنَّةٌ؟ قَالَ: «نَعَمْ».
لَمْ يَرْوِ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ إِلَّا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ اهـ.
قُلْتُ: هكذا روى الحديث يحيى بن أيوب العلاف عن سعيد بن أبي مريم عن محمد بن جعفر بن أبي كثير وجعل الحديث في يوم الشك. وقد خالفه في ذلك الحافظ عثمان بن سعيد الدارمي عند البيهقي، وإسماعيل بن إسحاق بن سهل عند الْدَارَقُطْنِي، وحديثهما هو المحفوظ.
وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ ﵀ في [الْعِلَلِ] (٣/ ٧٣ - ٧٤):
«وسألتُ أَبِي عَنْ حديثٍ رَوَاهُ عبدُ العزيز الدَّراوَرْدي، عَنْ زَيْدِ بْنِ أسلَم، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ المُنكَدِر، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْب: أَنَّهُ أَتَى أنسَ بْنَ مَالِكٍ فِي رَمَضَانَ وَهُوَ يريدُ سَفَرًا، فوجدَه قَدْ رُحِّلَتْ راحِلَتُه، ولبسَ ثيابَ السَّفر، فَدَعَا بِطَعَامٍ فأكَل، فقُلنا: أَسُنَّةٌ؟ قَالَ: لَيْسَ بسُنَّة.
وَرَوَاهُ مُحَمَّدُ بن عبد الرحمن بْنِ مُجَبَّر، عَنِ ابْنِ المُنكَدِر، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ: أَنَّهُ أَتَى أنسَ بْنَ مَالِكٍ … فَذَكَرَ الحديثَ؛ قَالَ: فقُلْتُ: سُنَّةٌ؟ فَقَالَ: نَعَمْ، سُنَّةٌ.
стр. 3782
قَالَ أَبِي: حديثُ الدَّراوَرْدي أصحُّ» اهـ.
قُلْتُ: لا شك أنَّ حديث الدراوردي أصح من حديث محمد بن عبد الرحمن بن مجبر فإنَّ هذا من جملة المتروكين، لكن إذا نظرنا إلى رواية الداوردي ورواية محمد بن جعفر فإنَّنا نجد أنَّ رواية محمد بن جعفر أصح من رواية الدراوردي.
والذي يظهر لي في معنى الحديث أنَّ أنس بن مالك كان يستعجل بالإفطار غروب الشمس مباشرة عملاً بسنة المبادرة بالإفطار، فإنَّ هذه هي السنة المعلومة المتيقنة.
وما جاء في أثر أنس: «وَقَدْ تَقَارَبَ غُرُوبُ الشَّمْسِ فَدَعَا بِطَعَامٍ فَأَكَلَ مِنْهُ». لا يلزم منه أنَّه أكل قبل الغروب، بل غاية ما فيه أنَّه دعا بطعامه عند تقارب الشمس للغروب ولعل أكله كان بعد تحقق الغروب.
ويقوي هذا أنَّه يبعد أن يفسد أنس صوم يومه وهو على وشك إتمامه.
ومما يدل على أنَّ أنس بن مالك ليس عنده سنة بالإفطار في الرحال قبل مغادرة البنيان ما رواه الْدَارَقُطْنِي في [سُنَنِه] (٢٢٩٢)، والبيهقي في [الْكُبْرَى] (٧٩٦٨) مِنْ طَرِيْقِ شُعْبَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ عَامِرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ، يَقُولُ: قَالَ لِي أَبُو مُوسَى: «أَلَمْ أُنَبَّأْ أَنَّكَ إِذَا خَرَجْتَ خَرَجْتَ صَائِمًا وَإِذَا دَخَلْتَ دَخَلْتَ صَائِمًا، فَإِذَا خَرَجْتَ فَاخْرُجْ مُفْطِرًا وَإِذَا دَخَلْتَ فَادْخُلْ مُفْطِرًا».
قُلْتُ: هَذَا أَثَرٌ صَحِيْحٌ.
قَالَ التِّرمِذِيُّ ﵀ في [جَامِعِهِ] (٣/ ١٦٣): «وقد ذهب بعض أهل العلم إلى هذا الحديث وقالوا: للمسافر أن يفطر في بيته قبل أن يخرج وليس له أن يقصر
стр. 3783
الصلاة حتى يخرج من جدار المدينة أو القرية وهو قول إسحق بن إبراهيم الحنظلي» اهـ.
وَقَالَ الْبَّغَوِيُّ ﵀ فِي [شَرْحِ السُّنَّةِ] (٦/ ٣١٣): «وَقَالَ الحسن: إذا أصبح المقيم على نية السفر في يومه، جاز له أن يفطر في بيته، وبه قال إسحاق» اهـ.
قُلْتُ: ومما يدل على عدم مشروعية الفطر في بلد الإقامة قبل الشروع في السفر قول الله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤].
قَالَ ابْنُ عَاشُورٍ ﵀ فِي [التَّحْرِيْرِ وَالتَّنْوِيْرِ] (٢/ ١٦٣):
«ثُمَّ شَاعَ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ أَنْ يَقُولُوا فُلَانٌ عَلَى سَفَرٍ أَيْ مُسَافِرٌ لِيَكُونَ نصاً فِي التَّلَبُّس، لِأَنَّ اسْمَ الْفَاعِلِ يَحْتَمِلُ الِاسْتِقْبَالَ فَلَا يَقُولُونَ عَلَى سَفَرٍ لِلْعَازِمِ عَلَيْهِ» اهـ.
* * *
стр. 3784
١٨٢ - عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: «كُنَّا نُسَافِرُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَلَمْ يَعِبِ الصَّائِمُ عَلَى المُفْطِرِ، وَلَا المُفْطِرُ عَلَى الصَّائِمِ».
وكان ذلك في رمضان فقد جاء الحديث في مسلم (١١١٨) عَنْ حُمَيْدٍ، قَالَ: سُئِلَ أَنَسٌ ﵁، عَنْ صَوْمِ رَمَضَانَ فِي السَّفَرِ؟ فَقَالَ: «سَافَرْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي رَمَضَانَ، فَلَمْ يَعِبِ الصَّائِمُ عَلَى الْمُفْطِرِ، وَلَا الْمُفْطِرُ عَلَى الصَّائِمِ».
وفي الباب ما رواه مسلم (١١١٦) عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁، قَالَ: «غَزَوْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ لِسِتَّ عَشْرَةَ مَضَتْ مِنْ رَمَضَانَ، فَمِنَّا مَنْ صَامَ وَمِنَّا مَنْ أَفْطَرَ، فَلَمْ يَعِبِ الصَّائِمُ عَلَى الْمُفْطِرِ، وَلَا الْمُفْطِرُ عَلَى الصَّائِمِ».
قُلْتُ: يدل الحديث على مشروعية الصوم والفطر في السفر. وقد سبق الكلام في ذلك في الحديث الماضي.
* * *
стр. 3785
١٨٣ - عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ ﵁، قَالَ: «خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ فِي حَرٍّ شَدِيدٍ، حَتَّى إِنْ كَانَ أَحَدُنَا لَيَضَعُ يَدَهُ عَلَى رَأْسِهِ مِنْ شِدَّةِ الْحَرِّ، وَمَا فِينَا صَائِمٌ، إِلَّا رَسُولُ اللهِ ﷺ وَعَبْدُ اللهِ بْنُ رَوَاحَةَ».
في الحديث مسائل منها:
١ - إباحة السفر في رمضان.
٢ - إباحة الصيام والفطر في السفر.
٣ - إباحة الفطر لمن دخل عليه الشهر وهو مقيم.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [تَهْذِيْبِ سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ] (٧/ ٣٩):
«وفي المسألة قول شاذ جداً لا يلتفت إليه وهو إنَّه إن دخل عليه الشهر وهو مقيم ثم سافر في أثنائه لم يجز له الفطر ولا يفطر حتى يدخل عليه رمضان مسافراً وهذا قول عبيدة السلماني وأبي مجلز وسويد بن غفلة» اهـ.
* * *
стр. 3786
١٨٤ - عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵃، قَالَ: «كَانَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي سَفَرٍ، فَرَأَى زِحَامًا وَرَجُلًا قَدْ ظُلِّلَ عَلَيْهِ، فَقَالَ: "مَا هَذَا؟ " قَالُوا: صَائِمٌ، قَالَ: «لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ الصِّيَامُ فِي السَّفَرِ"».
وَفِي لَفْظٍ لِمُسْلِمٍ: «عَلَيْكُمْ بِرُخْصَةِ اللَّهِ الَّتِي رَخَّصَ لَكُمْ».
لفظ مسلم (١١١٥) «عَلَيْكُمْ بِرُخْصَةِ اللهِ الَّذِي رَخَّصَ لَكُمْ». لكنها في مسلم من بلاغات شعبة ولفظه: قَالَ شُعْبَةُ: وَكَانَ يَبْلُغُنِي عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ أَنَّهُ كَانَ يَزِيدُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ، وَفِي هَذَا الْإِسْنَادِ أَنَّهُ قَالَ: «عَلَيْكُمْ بِرُخْصَةِ اللهِ الَّذِي رَخَّصَ لَكُمْ» قَالَ: فَلَمَّا سَأَلْتُهُ، لَمْ يَحْفَظْهُ اهـ.
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلَ مِنْهَا:
١ - أنَّ الصيام في السفر ليس من البر الذي يتنافس فيه.
وسبق أن نقلنا في شرحنا لأول أحاديث كتاب الصيام ما قاله شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ في كتاب الصيام من [شَرْحِ الْعُمْدَةِ] (١/ ٢١٨):
«والبر هو العمل الصالح، فقد بيَّن النبي ﷺ أنَّ الصوم في السفر ليس بعمل صالح، بل هو من المباح؛ فلا حاجة بالإنسان إلى أن يجهد نفسه به» اهـ.
٢ - ويدل الحديث على أنَّ الفطر في السفر أفضل من الصيام فيه وقد سبق الكلام على هذه المسألة في شرح الحديث الأول من أحاديث الصيام.
٣ - وفيه الحث على قبول رخص الله .
* * *
стр. 3787
١٨٥ - عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: «كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي سَفَرٍ، فَمِنَّا الصَّائِمُ وَمِنَّا الْمُفْطِرُ.
قَالَ: فَنَزَلْنَا مَنْزِلًا فِي يَوْمٍ حَارٍّ، وَأَكْثَرُنَا ظِلًّا صَاحِبُ الْكِسَاءِ، وَمِنَّا مَنْ يَتَّقِي الشَّمْسَ بِيَدِهِ، قَالَ: فَسَقَطَ الصُّوَّامُ، وَقَامَ الْمُفْطِرُونَ، فَضَرَبُوا الْأَبْنِيَةِ وَسَقَوْا الرِّكَابَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "ذَهَبَ الْمُفْطِرُونَ الْيَوْمَ بِالْأَجْرِ"».
الصوام جمع صائم. وسقوطهم هو عجزهم عن العمل وقضاء حاجاتهم.
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلَ مِنْهَا:
١ - جواز الصوم في السفر مع حصول شيء من المشقة.
٢ - جواز الفطر في السفر.
٣ - أنَّ المفطر في السفر القائم بمصالح الصائم وخدمته أفضل من الصائم لقول رسول الله ﷺ : «ذَهَبَ الْمُفْطِرُونَ الْيَوْمَ بِالْأَجْرِ».
٤ - فضل خدمة الإخوان لا سيما في الأسفار، وأنَّ ذلك أعظم من أجر الصيام.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِي ﵀ فِي [الْمُفْهِمِ] (٩/ ١٣٤):
стр. 3788
«وقوله: "ذهب المفطرون اليوم بالأجر"؛ يعني: أنَّهم لما أقاموا بوظائف ذلك الوقت، وما يحتاج إليه فيه؛ كان أجرهم على ذلك أكثر من أجر من صام ذلك اليوم، ولم يقم بتلك الوظائف» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ دَقِيْقِ الْعِيْدِ ﵀ في [إِحْكَامِ الْأَحْكَامِ] (٢٧٨):
«والثاني: أنَّ قوله ﵇: "ذهب المفطرون اليوم بالأجر" فيه وجهان:
أحدهما: أن يراد بالأجر أجر تلك الأفعال التي فعلوها والمصالح التي جرت على أيديهم ولا يراد مطلق الأجر على سبيل العموم.
والثاني: أن يكون أجرهم قد بلغ في الكثرة بالنسبة إلى أجر الصوم مبلغاً ينغمر فيه أجر الصوم فتحصل المبالغة بسبب ذلك ويجعل كأنَّ الأجر كله للمفطر» اهـ.
٥ - وفيه فضيلة العمل المتعدي نفعه.
* * *
стр. 3789
١٨٦ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «كَانَ يَكُونُ عَلَيَّ الصَّوْمُ مِنْ رَمَضَانَ، فَمَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَقْضِيَ إِلَّا فِي شَعْبَانَ».
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلَ مِنْهَا:
١ - أنَّ قضاء صيام رمضان على التراخي.
وقد خالف في ذلك داود الظاهري فأوجب القضاء من ثاني شوال، وهو محجوج بهذا الحديث وبقول الله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٥].
٢ - أنَّ قضاء الصيام يمتد إلى قبل دخول رمضان الآتي فلا يجوز تأخيره حتى يأتي رمضان الآخر إلَّا لعذر.
وقد اختلف العلماء في وجوب الفدية على المفرط في القضاء حتى دخل عليه رمضان آخر، فذهب مالك والشافعي وأحمد إلى وجوبها عليه مُداً لكل يوم، وذهب أبو حنيفة وأصحابه وداود إلى أنَّه لا كفارة على المفرط.
стр. 3790
قُلْتُ: المنقول عن الصحابة وجوب الفدية فقد قَالَ الْعَلَّامَةُ الطَّحَاوِيُّ ﵀ كَمَا فِي [مُخْتَصَرِ اخْتِلَافِ الْعُلَمَاءِ] (١/ ٢٥٤ - ٢٥٥) اختصار الجصاص:
«وكان ابن أبي عمران يحكى أنَّه سمع يحيى بن أكثم يقول: وجدته يعنى وجوب الإطعام في ذلك عن ستة من الصحابة ولم أجد لهم من الصحابة مخالفاً» اهـ.
قُلْتُ: والصحيح إيجاب الكفارة كما عليه فتاوى أصحاب النبي ﷺ لا سيما ولم يعلم لهم مخالف، والحق لا يخرج عن أصحاب النبي ﷺ ، وقد أخبر النبي ﷺ ببقاء طائفة من أمته ظاهرة بالحق، كما روى مسلم (١٩٢٠) عَنْ ثَوْبَانَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ، لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ، حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللهِ وَهُمْ كَذَلِكَ».
وأولى من يدخل في هذه الطائفة صحابة النبي ﷺ ، فما أظهروه ولم يختلفوا فيه فهو الحق فإنَّه لا يجوز في حقهم أن يظهروا الباطل، ويكتموا الحق، فما أظهروه فلا يكون إلَّا حقاً كما يدل عليه الحديث، ولأنَّ الصحابة قد عاشروا النبي ﷺ ، وشاهدوا التنزيل وعلموا من ذلك ما لم نعلمه فما أظهروه ولم يختلفوا فيه فالاحتمال فيه قائم أن يكون تلقوه عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وأفتوا به غير أنَّهم لم ينقلوه لفظاً عَنِ النَّبِيِّ ﷺ .
стр. 3791
وأمَّا من أخر القضاء زيادة عن ذلك حتى دخل عليه رمضان ثالث ورابع فلا يجب عليه أن يزيد في الكفارة؛ لأنَّه قد لزمته كفارة بتأخيره عن وقته فلم تلزمه كفارة أخرى بزيادة التأخير.
ولعلماء الشافعية وجهان: ورجح العلامة النووي زيادة الكفارة بزيادة التأخير فقد قال في [الْمَجْمُوْع] (٦/ ٣٦٤): «وَلَوْ أَخَّرَهُ حَتَّى مَضَى رَمَضَانَانِ فَصَاعِدًا فَهَلْ يَتَكَرَّرُ عَنْ كُلِّ يَوْمٍ بِتَكَرُّرِ السِّنِينَ أَمْ يَكْفِي مُدٌّ عَنْ كُلِّ السِّنِينَ فِيهِ وَجْهَانِ مَشْهُورَانِ ذَكَرَهُمَا الْمُصَنَّفِ بِدَلِيلِهِمَا "أَصَحُّهُمَا" يَتَكَرَّرُ صَحَّحَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَغَيْرُهُ وَقَطَعَ بِهِ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي كِتَابِهِ الْمُجَرَّدِ وَخَالَفَهُمْ صَاحِبُ الْحَاوِي فَقَالَ الْأَصَحُّ أَنَّهُ يَكْفِي مُدٌّ وَاحِدٌ لِجَمِيعِ السِّنِينَ وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ [الْمُغْنِي] (٣/ ١٥٤):
«فَصْلٌ: فَإِنْ أَخَّرَهُ لِغَيْرِ عُذْرٍ حَتَّى أَدْرَكَهُ رَمَضَانَانِ أَوْ أَكْثَرُ، لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ أَكْثَرُ مِنْ فِدْيَةٍ مَعَ الْقَضَاءِ؛ لِأَنَّ كَثْرَةَ التَّأْخِيرِ لَا يَزْدَادُ بِهَا الْوَاجِبُ، كَمَا لَوْ أَخَّرَ الْحَجَّ الْوَاجِبَ سِنِينَ، لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ أَكْثَرُ مِنْ فِعْلِهِ» اهـ.
قُلْتُ: وأمَّا من أخر القضاء بعذر كاستمرار السفر، أو المرض، أو الحمل، أو الرضاع فليس في ذلك غير القضاء كما سيأتي بيان ذلك بمشيئة الله في شرح الحديث الآتي.
وهكذا من أخر القضاء إلى شعبان ثم طرأ عليه عذر في شعبان كله فلا كفارة عليه.
قَالَ الْعَلَّامَةُ أَبُو عَبْدِ اللهِ الْمَوَّاقِ الْمَالِكِيُّ ﵀ فِي [التَّاجِ والْإِكْلِيْلِ] (٣/ ٣٨٧ - ٣٨٨): «قَالَ مَالِكٌ: مَنْ أَفْطَرَ فِي رَمَضَانَ لِمَرَضٍ أَوْ سَفَرٍ ثُمَّ صَحَّ أَوْ
стр. 3792
قَدِمَ قَبْلَ دُخُولِ رَمَضَانَ الثَّانِي بِأَيَّامٍ أَقَلَّ مِنْ شَهْرٍ فَلَمْ يَصُمْهَا حَتَّى دَخَلَ عَلَيْهِ رَمَضَانُ الْمُقْبِلُ، فَعَلَيْهِ عَدَدُ هَذِهِ الْأَيَّامِ الَّتِي فَرَّطَ فِيهَا أَمْدَادٌ يُفَرِّقُهَا إذَا أَخَذَ فِي الْقَضَاءِ أَوْ بَعْدَهُ، وَإِنْ تَمَادَى بِهِ الْمَرَضُ أَوْ السَّفَرُ إلَى رَمَضَانَ الثَّانِي فَلْيَصُمْ هَذَا الدَّاخِلَ ثُمَّ يَقْضِي الْأَوَّلَ وَلَا إطْعَامَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ لَمْ يُفَرِّطْ، يُرِيدُ وَكَذَلِكَ لَوْ صَحَّ أَوْ قَدِمَ بَعْدَ خُرُوجِ رَمَضَانَ فَمَادَتْ بِهِ الصِّحَّةُ أَوْ الْإِقَامَةُ حَتَّى دَخَلَ شَعْبَانُ فَمَرِضَهُ كُلُّهُ أَوْ سَافَرَ فِيهِ فَلَا إطْعَامَ عَلَيْهِ لِأَنَّ لَهُ أَنْ يُؤَخِّرَ الْقَضَاءَ إلَى شَعْبَانَ، وَهَذَا كَمَنْ أَخَّرَ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ إلَى قَدْرِ خَمْسِ رَكَعَاتٍ مِنْ النَّهَارِ ثُمَّ أُغْمِيَ عَلَيْهِ أَوْ حَاضَتْ امْرَأَةٌ، فَإِنَّهَا لَا قَضَاءَ عَلَيْهَا لِذَلِكَ إذْ الْوَقْتُ قَائِمٌ بَعْدُ فَكَذَلِكَ هَذَا» اهـ.
قُلْتُ: وإذا مات من وجب عليه الإطعام قبل القضاء والإطعام فعليه أن يخرج مدين على الصحيح.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْمَاوِرْدِيُّ ﵀ فِي [الْحَاوِي الْكَبِيْرِ] (٣/ ٤٥٣):
«فَلَوْ أَفْطَرَ أَيَّامًا مِنْ رَمَضَانَ، وَلَمْ يَصُمْهَا مَعَ الْقُدْرَةِ حَتَّى دَخَلَ عَلَيْهِ رَمَضَانُ ثَانٍ ثُمَّ مَاتَ، فَعَلَيْهِ لِكُلِّ يَوْمٍ مُدَّانِ مُدٌّ، بَدَلٌ عَنِ الصِّيَامِ، وَمُدٌّ بَدَلٌ عَنِ التَّأْخِيرِ، هَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، وَسَائِرِ أَصْحَابِهِ وَقَدْ قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ بْنُ سُرَيْجٍ عَلَيْهِ مُدٌّ وَاحِدٌ، لِأَنَّ الْفَوَاتَ يُضْمَنُ بِالْمُدِّ الْوَاحِدِ كَالشَّيْخِ الْهَرِمِ وَهَذَا غَلَطٌ، وَالدَّلَالَةُ عَلَيْهِ رِوَايَةُ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: مَنْ أَفْطَرَ فِي رَمَضَانَ لمرضٍ فَلَمْ يَقْضِهِ حَتَّى مَاتَ أُطْعِمَ عَنْهُ عَنْ كُلِّ يومٍ مدين» اهـ.
قُلْتُ: حديث ابن عمر لا أعلم له أصلاً.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٣/ ١٥٤):
стр. 3793
«فَصْلٌ: وَإِنْ مَاتَ الْمُفَرِّطُ بَعْدَ أَنْ أَدْرَكَهُ رَمَضَانُ آخَرُ، أُطْعِمَ عَنْهُ لِكُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينٌ وَاحِدٌ. نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ، فِيمَا رَوَى عَنْهُ أَبُو دَاوُد، أَنَّ رَجُلًا سَأَلَهُ عَنْ امْرَأَةٍ أَفْطَرَتْ رَمَضَانَ، ثُمَّ أَدْرَكَهَا رَمَضَانُ آخَرُ، ثُمَّ مَاتَتْ؟ قَالَ: يُطْعَمُ عَنْهَا. قَالَ لَهُ السَّائِلُ: كَمْ أُطْعِمُ؟ قَالَ: كَمْ أَفْطَرَتْ؟ قَالَ: ثَلَاثِينَ يَوْمًا. قَالَ اجْمَعْ ثَلَاثِينَ مِسْكِينًا، وَأُطْعِمْهُمْ مَرَّةً وَاحِدَةً، وَأُشْبِعْهُمْ. قَالَ: مَا أُطْعِمُهُمْ؟ قَالَ خُبْزًا وَلَحْمًا إنَّ قَدَرْت مِنْ أَوْسَطِ طَعَامِكُمْ. وَذَلِكَ لِأَنَّهُ بِإِخْرَاجِ كَفَّارَةٍ وَاحِدَةٍ، أَزَالَ تَفْرِيطَهُ بِالتَّأْخِيرِ، فَصَارَ كَمَا لَوْ مَاتَ مِنْ غَيْرِ تَفْرِيطٍ.
وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: يُطْعَمُ عَنْهُ لِكُلِّ يَوْمٍ فَقِيرَانِ؛ لِأَنَّ الْمَوْتَ بَعْدَ التَّفْرِيطِ بِدُونِ التَّأْخِيرِ عَنْ رَمَضَانَ آخَرَ يُوجِبُ كَفَّارَةً، وَالتَّأْخِيرُ بِدُونِ الْمَوْتِ يُوجِبُ كَفَّارَةً، فَإِذَا اجْتَمَعَا وَجَبَتْ كَفَّارَتَانِ، كَمَا لَوْ فَرَّطَ فِي يَوْمَيْنِ» اهـ.
وهل يشرع تكرار المسكين الواحد لجميع الأيام أو لا؟
قَالَ الْعَلَّامَةُ أَبُو عَبْدِ اللهِ الْمَوَّاقِ الْمَالِكِيُّ ﵀ فِي [التَّاجِ والْإِكْلِيْلِ] (٣/ ٣٨٧): «قَالَ مَالِكٌ: لَا يُجْزِئُ أَنْ يُطْعِمَ أَمْدَادًا كَثِيرَةً لِمِسْكِينٍ وَاحِدٍ وَلَكِنْ مُدًّا لِكُلِّ مِسْكِينٍ» اهـ.
٣ - احتج به على أنَّ عائشة ﵂ لم تكن تتطوع بالصيام، وهذا مبني على أنَّ عائشة كانت تذهب إلى عدم جواز صيام النافلة قبل أداء الفريضة، وهذا مما لا يعلم من مذهبها.
٤ - وفي المقابل احتج به على جواز التنفل بالصيام قبل فعل القضاء، ووجه أنَّه يبعد أن تترك عائشة صيام التطوع كعاشوراء وعرفة وغير ذلك.
стр. 3794
قُلْتُ: والصحيح صحة صيام التطوع قبل أداء القضاء لما سبق؛ ولأنَّ القضاء مؤقت، فجاز التنفل قبل خروج وقته؛ كما يجوز التنفل أول وقت المكتوبة، وهذا القول رواية عن أحمد وقول أكثر العلماء، ومنع من ذلك الْإِمَام أحمد في رواية أخرى.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ في [فَتْحِ الْبَارِي] (٣/ ٣٦٦):
«وقد اختلف العلماء فيمن عليه قضاء رمضان: هل يجوز له أن يتنفل بالصيام قبل القضاء، أم لا؟ فيه قولان معروفان، هما روايتان عن أحمد.
وأكثر العلماء على جوازه، وروي عن طائفة من السلف المنع منه» اهـ.
قُلْتُ: وأمَّا ما رواه أحمد (٨٦٠٦)، والطبراني في [الْكَبِيْرِ] (٦٣٣)، و [الْأَوْسَطِ] (٣٢٨٤) مِنْ طَرِيْقِ ابْنِ لَهِيعَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو الْأَسْوَدِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَافِعٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: «مَنْ أَدْرَكَ رَمَضَانَ وَعَلَيْهِ مِنْ رَمَضَانَ شَيْءٌ لَمْ يَقْضِهِ، لَمْ يُتَقَبَّلْ مِنْهُ، وَمَنْ صَامَ تَطَوُّعًا وَعَلَيْهِ مِنْ رَمَضَانَ شَيْءٌ لَمْ يَقْضِهِ، فَإِنَّهُ لَا يُتَقَبَّلُ مِنْهُ حَتَّى يَصُومَهُ».
فلا يصح فإنَّ فيه ابن لهيعة وهو ضعيف الحديث.
وتابع ابن لهيعة حيوة بن شريح، قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ في [فَتْحِ الْبَارِي] (٣/ ٣٦٥): «وروى إسحاق بن راهويه في "مُسْنَدِه": ثنا عبد الله بن واقد ثنا حيوة بن شريح، عن أبي الأسود، عن ابن رافع، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، ﷺ قال: "من كان عليه من رمضان شيء، فأدركه رمضان ولم يقضه لم يتقبل منه، ومن صلى تطوعاً وعليه مكتوبة، لم يتقبل منه".
стр. 3795
عبد الله بن واقد، هو: أبو قتادة الحراني، تكلموا فيه. وهذا غريب من حديث حيوة، وإنَّما هو مشهور من حديث ابن لهيعة» اهـ.
قُلْتُ: هذه المتابعة لا تفيد شيئاً فعبد الله بن واقد متروك الحديث.
وهكذا ما رواه أبو القاسم الأصبهاني في [التَّرْغِيْبِ] (١٩١٣)، والبيهقي في [الْكُبْرَى] (٣٨١٧)، وابن عساكر في [تَارِيْخِ دِمَشْقَ] (٣٧/ ٤٠١) مِنْ طَرِيْقِ مُوسَى بْنِ عُبَيْدَةَ، حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ حُنَيْنٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَلِيٍّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «يَا عَلِيُّ، إِنَّ مَثَلَ الْمُصَلِّي الَّذِي لَا يُتِمُّ صَلَاتَهُ كَمَثَلِ حُبْلَى حَمَلَتْ فَلَمَّا دَنَا نِفَاسُهَا أُسْقِطَتْ فَلَا هِيَ ذَاتُ حَمْلٍ، وَلَا هِيَ ذَاتُ وَلَدٍ وَمَثَلُ الْمُصَلِّي مَثَلُ التَّاجِرِ، لَا يَخْلُصُ لَهُ رِبْحُهُ حَتَّى يَأْخُذَ رَأْسَ مَالِهِ، كَذَلِكَ الْمُصَلِّي لَا تُقْبَلُ لَهُ نَافِلَةٌ حَتَّى يُؤَدِّي الْفَرِيضَةَ».
قَالَ الْحَافِظُ الْبَيْهَقِيُّ ﵀: «مُوسَى بْنُ عُبَيْدَةٍ لَا يُحْتَجُّ بِهِ وَقَدِ اخْتُلِفَ عَلَيْهِ فِي إِسْنَادِهِ فَرَوَاهُ زَيْدُ بْنُ الْحُبَابِ وَأَسْبَاطُ بْنُ مُحَمَّدٍ هَكَذَا وَرَوَاهُ سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُبَيْدَةَ، عَنْ صَالِحِ بْنِ سُوَيْدٍ، عَنْ عَلِيٍّ كَذَلِكَ مَرْفُوعًا وَهُوَ إِنْ صَحَّ كَمَا أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، وَأَبُو سَعِيدِ بْنُ أَبِي عَمْرٍو، قَالُا: ثنا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ ثنا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ، ثنا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، ثنا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ، حَدَّثَنِي مُوسَى، عَنْ صَالِحِ بْنِ سُوَيْدٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "مَثَلُ الَّذِي لَا يُتِمُّ صَلَاتَهُ كَمَثَلِ الْحُبْلَى حَمَلَتْ حَتَّى إِذَا دَنَا نِفَاسُهَا أَسْقَطَتْ فَلَا هِيَ ذَاتُ حَمْلٍ وَلَا هِيَ ذَاتُ وَلَدٍ، وَمَثَلُ الْمُصَلِّي كَمَثَلِ التَّاجِرِ لَا يَخْلُصُ لَهُ رِبْحٌ حَتَّى يَخْلُصَ لَهُ رَأْسُ مَالِهِ كَذَلِكَ الْمُصَلِّي لَا تُقْبَلُ لَهُ نَافِلَةٌ حَتَّى يُؤَدِّيَ الْفَرِيضَةَ فَتَكُونُ صِحَّتُهَا بِصِحَّةِ الْفَرِيضَةِ" وَالْأَخْبَارُ الْمُتَقَدِّمَةُ
стр. 3796
مَحْمُولَةٌ عَلَى نَافِلَةٍ تَكُونُ خَارِجَ الْفَرِيضَةِ فَلَا يَكُونُ صِحَّتُهَا بِصِحَّةِ الْفَرِيضَةِ، وَاللهُ أَعْلَمُ» اهـ.
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ ضَعِيْفٌ فموسى بن عبيدة ضعيف الحديث، ومن حفاظ الحديث من جرحه جرحاً شديداً.
وهكذا ما رواه ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٣٥٥٧٤، ٣٨٢١١)، وأبو داود في [الزُّهْدِ] (٢٨)، وابن السري في [الزُّهْدِ] (٤٩٦)، وابن المبارك في [الزُّهْدِ] (٩١٤)، وهناد في [الزُّهْدِ] (٤٩٦)، وابن عساكر في [تَارِيْخِ دِمَشْق] (٣٠/ ٤١٢، ٤١٣) مِنْ طَرِيْقِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ، زُبَيْدٍ، قَالَ: لَمَّا حَضَرَتْ أَبَا بَكْرٍ الْوَفَاةُ أَرْسَلَ إِلَى عُمَرَ فَقَالَ: «إِنِّي مُوصِيكَ بِوَصِيَّةٍ إِنْ حَفِظْتَهَا: إِنَّ لِلَّهِ حَقًّا فِي اللَّيْلِ لَا يَقْبَلُهُ فِي النَّهَارِ، وَإِنَّ لِلَّهِ حَقًّا فِي النَّهَارِ لَا يَقْبَلُهُ فِي اللَّيْلِ، وَأَنَّهُ لَا يُقْبَلُ نَافِلَةٌ حَتَّى تُؤَدَّى الْفَرِيضَةُ … ».
قُلْتُ: فَهَذَا إِسْنَادٌ مُعْضَلٌ بين زبيد وأبي بكر.
ورواه أبو نعيم في [مَعْرِفَةِ الْصَحَابَةِ] (١١٤)، وفي [الْحِلْيَّةِ] (١/ ٣٦)، وابن عساكر في [تَارِيْخِ دِمَشْق] (٣٠/ ٤١٤) مِنْ طَرِيْقِ فطر بن خليفة، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن سابط القرشي، قال فذكره.
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ مُنْقَطِعٌ بين ابن سابط والصديق ﵁.
٥ - لم تذكر عائشة ما هو المانع لها من ذلك، وقد بيَّن ذلك بعض رواة الحديث فروى البخاري (١٩٥٠) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ عَائِشَةَ ﵂، تَقُولُ: «كَانَ يَكُونُ عَلَيَّ الصَّوْمُ مِنْ
стр. 3797
رَمَضَانَ، فَمَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَقْضِيَ إِلَّا فِي شَعْبَانَ»، قَالَ يَحْيَى: الشُّغْلُ مِنَ النَّبِيِّ أَوْ بِالنَّبِيِّ ﷺ .
قُلْتُ: يحيى هو ابن سعيد الأنصاري، وقد جاءت هذه الزيادة في مسلم (١١٤٦) متصلة بكلام عائشة والصواب الإدراج من كلام يحيى بن سعيد الأنصاري.
وجاء في مسلم (١١٤٦) وحَدَّثَنِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَقَالَ: «فَظَنَنْتُ أَنَّ ذَلِكَ لِمَكَانِهَا مِنَ النَّبِيِّ ﷺ يَحْيَى يَقُولُهُ».
قُلْتُ: فإذا كان هذا هو عذرها فيدل الحديث على حسن معاشرة عائشة للنبي ﷺ ، وحرصها البالغ في ذلك.
لكن في كون هذا هو عذرها نظر، وذلك أنَّ الْنَّبِيَّ ﷺ كان يقسم الأيام على نسائه فكان يمكنها أن تصوم في غير أيام نوبتها وهي أيام كثيرة؛ ولهذا قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٤/ ١٩١):
«ومما يدل على ضعف الزيادة أنَّه ﷺ كان يقسم لنسائه فيعدل وكان يدنو من المرأة في غير نوبتها فيقبل ويلمس من غير جماع فليس في شغلها بشيء من ذلك ما يمنع الصوم اللهم إلَّا أن يقال: إنَّها كانت لا تصوم إلَّا بإذنه ولم يكن يأذن لاحتمال احتياجه إليها فإذا ضاق الوقت أذن لها وكان هو ﷺ يكثر الصوم في شعبان كما سيأتي بعد أبواب فلذلك كانت لا يتهيأ لها القضاء إلَّا في شعبان» اهـ.
стр. 3798
مسألة/ ولا يشترط في القضاء التتابع بل يجزئ التفريق لمطلق قول الله تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]. والتتابع أفضل لأنَّه أشبه بالأداء.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ في [الْمُغْنِي] (٦/ ١٥٥):
«مسألة: قال: "وقضاء شهر رمضان متفرقا يجزئ، والمتتابع أحسن". هذا قول ابن عباس، وأنس بن مالك، وأبي هريرة، وابن محيريز، وأبي قلابة، ومجاهد، وأهل المدينة، والحسن، وسعيد بن المسيب، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة وإليه ذهب مالك، وأبو حنيفة، والثوري، والأوزاعي، والشافعي، وإسحاق. وحكي وجوب التتابع عن علي وابن عمر والنخعي، والشعبي وَقَالَ داود: يجب، ولا يشترط» اهـ.
* * *
стр. 3799
١٨٧ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: «مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيَامٌ صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ».
وأخرجه أبو داود وقال: هذا في النذر خاصة، وهو قول أحمد بن حنبل.
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلَ مِنْهَا:
١ - استحباب صيام الولي عن وليه، وهو محمول على صيام النذر.
وقد اختلف العلماء في ذلك على أقوال:
القول الأول: يصام عنه في النذر والفرض وهو مذهب الْإِمَام الشافعي في القديم، أبي ثور وقتادة وطاووس والزهري والحسن البصري وداود وطائفة من علماء الحديث ورجحه العلامة النووي ﵀، إلَّا أنَّ الشافعي خير بين الصيام عنه والإطعام عنه.
القول الثاني: يطعم عنه في الفرض والنذر وهو مذهب الجمهور، وهو مذهب الشافعي الجديد. واشترط أبو حنيفة ومالك أن يوصي الميت بالإطعام عنه، فإن لم يوص لم يطعم عنه.
القول الثالث: يصام عنه في النذر ويطعم عنه في الفرض وإلى هذا ذهب ابن عباس وأصحابه، وابن عمر، وعائشة ﵃، وذهب إلى ذلك الْإِمَام أحمد، والليث، وإسحاق، وأبو عبيد.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِ ﵀ فِي [التَّمْهِيْدِ] (٩/ ٢٧ - ٢٩):
стр. 3800
«واختلف الفقهاء فيمن مات وعليه صيام من قضاء رمضان أو من نذره وقد كان قادراً على صيامه فقال مالك: لا يصوم عنه وليه في الوجهين جميعاً ولا يصوم أحد عن أحد. قال مالك: وهذا أمر مجتمع عليه عندنا.
وتحصيل مذهبه أنَّ الإطعام في ذلك واجب على الميت وغير واجب على الورثة وإن أوصى بذلك الميت كان في ثلثه.
وَقَالَ أبو حنيفة وأصحابه إن أمكنه القضاء فلم يفعل أطعم عنه ورثته في النذر وفي قضاء رمضان جميعاً وهو قول الثوري والأوزاعي والشافعي وقد روي عن هؤلاء أنَّه إن لم يجد ما يطعم عنه صام عنه وليه والمشهور عنهم الإطعام دون الصيام وهو المعروف من مذهب الشافعي وبه قال الحسن بن حي وابن علية: أن لا يصوم أحد عن أحد والإطعام عند أبي حنيفة والثوري والشافعي والأوزاعي والحسن بن حي وابن علية واجب في رأس ماله أوصى به أو لم يوص وَقَالَ الليث ابن سعد وأحمد بن حنبل وأبو عبيد يصوم عنه وليه في النذر ويطعم عنه في قضاء رمضان مداً من حنطة عن كل يوم والإطعام عندهم واجب في مال الميت.
وَقَالَ أبو ثور يصوم عنه وليه في قضاء رمضان وفي النذر جميعاً» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ حَزْمٍ ﵀ في [الْمُحَلَّى] (٧/ ٢):
«وَقَالَ أبو حنيفة، ومالك: إن أوصى أن يطعم عنه أطعم عنه مكان كل يوم مسكين، وإن لم يوص بذلك فلا شيء عليه. والإطعام عند مالك في ذلك مد مد، وعند أبي حنيفة صاع من غير البر لكل مسكين، نصف صاع من البر أو دقيقه.
стр. 3801
وَقَالَ الليث كما قلنا. وهو قول أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه في النذر خاصة» اهـ.
قُلْتُ: والصحيح في ذلك ما ذهب الْإِمَام أحمد ومن معه من الإطعام عن الميت في الفرض، والصيام عنه في النذر وذلك لوجوه:
الوجه الأول: أنَّ هذا هو الذي إليه الصحابة الذين رووا الحديث، وهم أعلم بمرويهم، وقد ثبت هذا عن ابن عباس، وعائشة، وابن عمر.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ في كتاب الصيام من [شَرْحِ الْعُمْدَةِ] (١/ ٣٦٥): «ولا يعرف لهم في الصحابة مخالف» اهـ.
الوجه الثاني: أنَّ الحديث فيه: «وَعَلَيْهِ صِيَامٌ»، وهذا يدل على بقائه في ذمته، والذي يبقى في ذمته إنَّما هو صيام النذر، وأمَّا الفرض فليس في ذمته فإنَّ صيام الفرض يسقط بالعجز الذي هو دون الموت كالمريض الذي لا يرجى برؤه، والشيخ الْكَبِيْر والمرأة العجوز فكيف لا يسقط على من هو أعجز منهم وهو الميت، وفرض هؤلاء الإطعام كما سبق تقريره.
الوجه الثالث: أنَّ الأصل في الواجبات التي أوجبها الله على العبد أن لا يقوم بها أحد عن أحد، فلا يسلم أحد عن أحد، ولا يصلي أحد عن أحد.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ في كتاب الصيام من [شَرْحِ الْعُمْدَةِ] (١/ ٣٦٦): «لأنَّ إيجاب الله تعالى إنَّما هو ابتلاء، وامتحان للمكلف، وهو المخاطب بهذا الفرض، وكل ما كان أقرب إليه، كان أحق بأداء الفرض منه مما هو أبعد منه.
стр. 3802
فإذا كان قادراً ببدنه؛ لم يجز أداؤه بماله، وإذا كان قادراً بماله؛ لم يجز أداؤه ببدن غيره؛ لأنَّ ماله أحق بأداء الفرض منه من بدن غيره.
فلو جاز أن يصوم عنه الولي؛ لكان قد أدى الفرض ببدن غيره دون ماله» اهـ.
وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ في [مِنْهَاجِ الْسُنَّةِ] (٥/ ٢٢٨):
«وأمَّا ما وردت به السنة من صيام الإنسان عن وليه فذاك في النذر كما فسرته الصحابة الذين رووه بهذا كما يدل عليه لفظه فإنَّه قال: "من مات وعليه صيام صام عنه وليه". والنذر في ذمته وهو عليه، وأمَّا صوم رمضان فليس في ذمته ولا هو عليه بل هو ساقط عن العاجز عنه» اهـ.
وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ في كتاب الصيام من [شَرْحِ الْعُمْدَةِ] (١/ ٣٧٣ - ٣٧٤): «والفرق بين رمضان والنذر: أنَّ النذر محله الذمة، وقد وجب بإيجابه، وهو لم يوجب على نفسه إلَّا الصوم فقط؛ فإذا فعل عنه؛ فقد أدى عنه نفس ما أوجبه، ولو أطعم عنه؛ لم يكن قد أدى عنه الواجب.
ولهذا يصح أن ينذر ما يطيقه وما لا يطيقه؛ فإن عجز عنه؛ فهو في عهدته.
والصوم إنَّما أوجبه الله سبحانه على بدن المكلف؛ فإن عجز ففي ماله، فإذا عجز عن الأصل؛ انتقل إلى البدل الذي شرعه الله سبحانه.
ولهذا لم يوجب الله عليه من الصوم إلَّا ما يطيقه، وكذلك كل صوم وجب بإيجاب الله؛ فإنَّ بدله الإطعام، وإن كان سبب وجوبه من المكلف كصوم الكفارة بخلاف النذر.
стр. 3803
نص عليه أحمد في رواية ابن منصور فيمن مات وعليه صيام من دم التمتع، أو كفارة يطعم عنه … » اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ في [إِعْلَامِ الْمُوَقِعِيْنَ] (٤/ ٣٩٠):
«وصح عنه ﷺ أنَّه قال: "من مات وعليه صيام صام عنه وليه".
فطائفة حملت هذا على عمومه وإطلاقه وقالت: يصام عنه النذر والفرض.
وأبت طائفة ذلك وقالت: لا يصام عنه نذر ولا فرض.
وفصلت طائفة فقالت: يصام عنه النذر دون الفرض الأصلي وهذا قول ابن عباس وأصحابه والْإِمَام أحمد وأصحابه وهو الصحيح لأنَّ فرض الصيام جار مجرى الصلاة فكما لا يصلي أحد عن أحد ولا يسلم أحد عن أحد فكذلك الصيام. وأمَّا النذر فهو التزام في الذمة بمنزلة الدين فيقبل قضاء الولي له كما يقضى دينه وهذا محض الفقه وطرد هذا أنَّه لا يحج عنه ولا يزكى عنه إلَّا إذا كان معذوراً بالتأخير كما يطعم الولي عمن أفطر في رمضان لعذر فأمَّا المفطر من غير عذر أصلاً فلا ينفعه أداء غيره عنه لفرائض الله تعالى التي فرط فيها وكان هو المأمور بها ابتلاء وامتحاناً دون الولي فلا تنفع توبة أحد عن أحد ولا إسلامه عنه ولا أداء الصلاة عنه ولا غيرها من فرائض الله تعالى التي فرط فيها حتى مات والله أعلم» اهـ.
قُلْتُ: وأمَّا إذا مات الميت قبل أن يتمكن من القضاء كأن يستمر به المرض حتى يموت فلا يصام عنه، ولا يطعم عنه وبهذا قال جماهير العلماء.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ في [الْمُغْنِي] (٦/ ١٤١):
стр. 3804
«وجملة ذلك أنَّ من مات وعليه صيام من رمضان، لم يخل من حالين؛ أحدهما، أن يموت قبل إمكان الصيام، إمَّا لضيق الوقت، أو لعذر من مرض أو سفر، أو عجز عن الصوم، فهذا لا شيء عليه في قول أكثر أهل العلم، وحكي عن طاووس وقتادة أنَّهما قالا: يجب الإطعام عنه؛ لأنَّه صوم واجب سقط بالعجز عنه، فوجب الإطعام عن، كالشيخ الهرم إذا ترك الصيام، لعجزه عنه.
ولنا أنَّه حق لله تعالى وجب بالشرع، مات من يجب عليه قبل إمكان فعله، فسقط إلى غير بدل، كالحج.
ويفارق الشيخ الهرم؛ فإنَّه يجوز ابتداء الوجوب عليه، بخلاف الميت» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ في [الْمَجْمُوْع] (٦/ ٣٧٢):
«"فرع": في مذاهب العلماء فيمن مات وعليه صوم فاته بمرض أو سفر أو غيرهما من الأعذار ولم يتمكن من قضائه حتى مات.
ذكرنا أن مذهبنا أنَّه لا شيء عليه ولا يصام عنه ولا يطعم عنه بلا خلاف عندنا وبه قال أبو حنيفة ومالك والجمهور. قال العبدري وهو قول العلماء كافة إلَّا طاووساً وقتادة فقالا: يجب أن يطعم عنه لكل يوم مسكين لأنَّه عاجز فأشبه الشيخ الهرم.
واحتج البيهقي وغيره من أصحابنا لمذهبنا بحديث أبي هريرة عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قال: "وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم" رواه البخاري ومسلم.
стр. 3805
واحتجوا أيضاً بالقياس علي الحج كما ذكره الْمُصَنَّفِ وفرقوا بينه وبين الشيخ الهرم بأن الشيخ عامر الذمة ومن أهل العبادات بخلاف الميت» اهـ.
٢ - أنَّ الميت ينتفع ببعض أعمال الحي.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ في [الرُّوحِ] (١١٧):
«وهي هل تنتفع أرواح الموتى بشيء من سعى الأحياء أم لا؟
فالجواب: أنَّها تنتفع من سعى الأحياء بأمرين مجمع عليهما بين أهل السنة من الفقهاء وأهل الحديث والتفسير.
أحدهما: ما تسبب إليه الميت في حياته.
والثاني: دعاء المسلمين له واستغفارهم له والصدقة والحج على نزاع ما الذي يصل من ثوابه هل ثواب الإنفاق أو ثواب العمل فعند الجمهور يصل ثواب العمل نفسه وعند بعض الحنفية إنَّما يصل ثواب الإنفاق
واختلفوا في العبادة البدنية كالصوم والصلاة وقراءة القرآن والذكر فمذهب الْإِمَام أحمد وجمهور السلف وصولها وهو قول بعض أصحاب أبي حنيفة نص على هذا الْإِمَام أحمد في رواية محمد بن يحيى الكحال قال: قيل لأبي عبد الله الرجل يعمل الشيء من الخير من صلاة أو صدقة أو غير ذلك فيجعل نصفه لأبيه أو لأمه قال: أرجو أو قال الميت يصل إليه كل شيء من صدقة أو غيرها. وَقَالَ أيضاً: اقرأ آية الكرسي ثلاث مرات وقل هو الله أحد وقل: اللهم إنَّ فضله لأهل المقابر.
والمشهور من مذهب الشافعي ومالك: أنَّ ذلك لا يصل.
وذهب بعض أهل البدع من أهل الكلام أنَّه لا يصل إلى الميت شيء البتة لادعاء ولا غيره» اهـ.
стр. 3806
قُلْتُ: وهذه المسألة واسعة الذيل قد استوفى أدلتها الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ في كتابه هذا، وقد رجح الوصول، وهكذا رجح الوصول شيخه شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ فقد قال ﵀ كما في [مَجْمُوعِ الْفَتَاوَى] (٢٤/ ٣٦٦):
«وأمَّا "القراءة والصدقة" وغيرهما من أعمال البر فلا نزاع بين علماء السنة والجماعة في وصول ثواب العبادات المالية كالصدقة والعتق كما يصل إليه أيضاً الْدُعَاء والاستغفار والصلاة عليه صلاة الجنازة والْدُعَاء عند قبره. وتنازعوا في وصول الأعمال البدنية: كالصوم والصلاة والقراءة. والصواب أنَّ الجميع يصل إليه … » اهـ.
قُلْتُ: ولا نطيل القول في هذه المسألة لكن أحب أن أبيِّن أنَّ هدي النبي ﷺ هو خير الهدي فقد مات في حياته جماعة من قرابته، ولم يثبت عنه أنَّه أهدى إليهم ثواب عمل من الأعمال.
والإنسان في دار الْامتحان أحوج ما يكون إلى العمل الصالح لنفسه، فالأحسن في حقه أن يعمل الصالحات لنفسه، ويقتصر على الْدُعَاء لمن مات من قرابته وغيرهم؛ فإنَّه إن فعل ذلك لم يفوت على نفسه شيئاً من العمل الصالح، فإنَّ الداعي إذا دعا لغيره فهو محسن للغير ينال أجر الإحسان إلى الغير، وهو في نفس الوقت ينال دعوة ملك من ملائكة الرحمن بمثل ما دعا، فقد روى مسلم (٢٧٣٢) عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَا مِنْ عَبْدٍ مُسْلِمٍ يَدْعُو لِأَخِيهِ بِظَهْرِ الْغَيْبِ، إِلَّا قَالَ الْمَلَكُ: وَلَكَ بِمِثْلٍ».
стр. 3807
قُلْتُ: وبهذا يتبين أنَّه لا يزداد بدعائه لغيره إلَّا خيراً ولا يفوته شيء من الأجر والثواب؛ ولهذا فإنَّ الْدُعَاء هو الذي حث عليه الله في كتابه الكريم، وحث عليه النبي ﷺ في سنته المطهرة، فقال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر: ١٠].
وروى مسلم (١٦٣١) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قال: «إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةٍ: إِلَّا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ».
قُلْتُ: فلم يذكر النبي ﷺ من عمل الغير إلَّا الْدُعَاء فقال: «أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ».
٣ - وفيه أنَّ الولي هو الذي يصوم عن الميت، والولي هو القريب، وقد اختلف العلماء هل يصح ذلك من غير الولي.
والصحيح صحة ذلك من غير الولي، وأنَّ ذكر الولي في الحديث خرج مخرج الغالب، ويدل على ذلك تشبيه النبي ﷺ النذر بالدين كما سيأتي في حديث ابن عباس بعد هذا، وقضاء الدين لا يقتصر على الولي.
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٤/ ١٩٤):
«واختلف المجيزون في المراد بقوله: "وليه" فقيل: كل قريب. وقيل: الوارث خاصة وقيل: عصبته. والأول أرجح، والثاني قريب، ويرد الثالث قصة المرأة التي سألت عن نذر أمها.
стр. 3808
واختلفوا أيضاً هل يختص ذلك بالولي لأنَّ الأصل عدم النيابة في العبادة البدنية ولأنَّها عبادة لا تدخلها النيابة في الحياة فكذلك في الموت إلَّا ما ورد فيه الدليل فيقتصر على ما ورد فيه ويبقى الباقي على الأصل وهذا هو الراجح، وقيل لا يختص بالولي فلو أمر أجنبياً بأن يصوم عنه أجزأ كما في الحج، وقيل: يصح استقلال الأجنبي بذلك وذكر الولي لكونه الغالب وظاهر صنيع البخاري اختيار هذا الأخير وبه جزم أبو الطيب الطبري وقواه بتشبيهه ﷺ ذلك بالدين والدين لا يختص بالقريب» اهـ.
٤ - واحتج به من أوجب ذلك على الولي؛ باعتبار أنَّ قوله: «صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ». خبر بمعنى الأمر تقديره: فليصم عنه وليه.
قَالَ ابْنُ حَزْمٍ ﵀ في [الْمُحَلَّى] (٧/ ٢):
«مسألة: ومن مات وعليه صوم فرض من قضاء رمضان، أو نذر أو كفارة واجبة ففرض على أوليائه أن يصوموه عنه هم أو بعضهم، ولا إطعام في ذلك أصلاً أوصى به أو لم يوص به فإن لم يكن له ولي استؤجر عنه من رأس ماله من يصومه عنه، ولا بد أوصى بكل ذلك أو لم يوص وهو مقدم على ديون الناس. وهو قول أبي ثور، وأبي سليمان، وغيرهما» اهـ.
قُلْتُ: جمهور القائلين بصيام النذر عن الميت لم يوجبوا ذلك ومذهبهم هو الصحيح لقول الله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤]، و [الإسراء: ١٥]، و [فاطر: ١٨]، و [الزمر: ٧].
стр. 3809
وَقَالَ الله تعالى: ﴿أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى (٣٦) وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى (٣٧) أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى (٣٨) وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (٣٩) وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى (٤٠) ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى﴾ [النجم: ٣٦ - ٤١].
فإذا أوجبنا عليه الصيام عن الميت فقد حملناه وزر غيره.
وَقَالَ الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا﴾ [طه: ١١٢].
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ كَثِيْرٍ ﵀ في [تَفْسِيْرِهِ] (٥/ ٣١٨):
«فالظلم: الزيادة بأن يحمل عليه ذنب غيره، والهضم: النقص» اهـ.
* * *
стр. 3810
١٨٨ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ:
جَاءَ رَجُلٌ إلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ أُمِّي مَاتَتْ وَعَلَيْهَا صَوْمُ شَهْرٍ. أَفَأَقْضِيهِ عَنْهَا؟ فَقَالَ: لَوْ كَانَ عَلَى أُمِّكَ دَيْنٌ أَكُنْتَ قَاضِيَهُ عَنْهَا؟ قَالَ: «نَعَمْ». قَالَ: «فَدَيْنُ اللَّهِ أَحَقُّ أَنْ يُقْضَى».
وَفِي رِوَايَةٍ: جَاءَتِ امْرَأَةٌ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ أُمِّي مَاتَتْ وَعَلَيْهَا صَوْمُ نَذْرٍ. أَفَأَصُومُ عَنْهَا؟ فَقَالَ: «أَرَأَيْتِ لَوْ كَانَ عَلَى أُمِّكِ دَيْنٌ فَقَضَيْتِيهِ، أَكَانَ ذَلِكَ يُؤَدِّي عَنْهَا؟». فَقَالَتْ: نَعَمْ. قَالَ: «فَصُومِي عَنْ أُمِّكِ».
وفي الحديث فيه مسائل منها:
١ - مشروعية قضاء النذر عن الميت.
٢ - وفيه إثبات قياس الأولى.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ في [بَدَائِعِ الْفَوَائِدِ] (٤/ ٩٤٠):
«فتضمن هذا الحديث بيان قياس الأولى وأنَّ دين المخلوق إذا كان يقبل الوفاء مع شحه وضيقه فدين الواسع الكريم تعالى أحق بأن يقبل الوفاء ففي هذا أنَّ الحكم إذا ثبت في محل الأمر وثم محل آخر أولى بذلك الحكم فهو أولى بثبوته فيه» اهـ.
٣ - واحتج به من قال بقضاء الصلاة، والصيام لمن تركهما عمداً.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ في [الصَّلَاةِ وَحُكْمِ تَارِكِهَا] (١١٩ - ١٢٠):
стр. 3811
«وأمَّا قولكم: إنَّ الصلاة والصيام دين ثابت يؤدي أبداً وإن خرج الوقت المؤجل لقول رسول الله: "دين الله أحق أن يقضي".
فنقول هذا الدليل مبني على مقدمتين:
إحداهما: أنَّ الصلاة والصيام دين ثابت في ذمة من تركهما عمداً.
والمقدمة الثانية: أنَّ هذا الدين قابل للأداء فيجب أداؤه.
فأمَّا المقدمة الأولى: فلا نزاع فيها ولا نعلم أنَّ أحداً من أهل العلم قال بسقوطها من ذمته بالتأخير ولعلكم توهمتم علينا أنَّا نقول بذلك وأخذتم في الشناعة علينا وفي التشغيب ونحن لم نقل ذلك ولا أحد من أهل الإسلام.
وأمَّا المقدمة الثانية: ففيها وقع النزاع وأنتم لم تقيموا عليها دليلاً فادعاؤكم لها هو دعوى محل النزاع بعينه جعلتموه مقدمة من مقدمات الدليل وأثبتم الحكم بنفسه فمنازعوكم يقولون: لم يبق للمكلف طريق إلى استدراك هذا الفائت وإنَّ الله تعالى لا يقبل أداء هذا الحق إلَّا في وقته وعلى صفته التي شرعه عليها وقد أقاموا على ذلك من الأدلة ما قد سمعتم فما الدليل على أنَّ هذا الحق قابل للأداء في غير وقته المحدود له شرعاً وأنَّه يكون عبادة بعد خروج وقته.
وأمَّا قوله: "اقضوا الله فالله أحق بالقضاء". وقوله: "دين الله أحق أن يقضى". فهذا إنَّما قاله في حق المعذور لا المفرط.
ونحن نقول في مثل هذا الدين يقبل القضاء، وأيضاً فهذا إنَّما قاله رسول الله في النذر المطلق الذي ليس له وقت محدود الطرفين ففي الصحيحين من حديث ابن عباس: إنَّ امرأة قالت: يا رسول الله إن أمي ماتت وعليها صوم نذر أفأصوم
стр. 3812
عنها قال: "أرأيت لو كان على أمك دين فقضيتيه أكان يؤدي ذلك عنها". قالت: نعم. قال: "فصومي عن أمك".
وفي رواية: أنَّ امرأة ركبت البحر فنذرت إن نجاها الله أن تصوم شهراً فأنجاها الله فلم تصم حتى ماتت فجاءت قرابة لها إلى رسول الله فذكرت ذلك فقال: "صومي عنها". رواه أهل السنن. وكذلك جاء منه الأمر بقضاء هذا الدين في الحج الذي لا يفوت وقته إلَّا بنفاد العمر ففي الْمُسْنَد، والسنن من حديث عبد الله بن الزبير قال: جاء رجل من خثعم إلى رسول الله فقال إنَّ أبي أدركه الإسلام وهو شيخ لا يستطيع ركوب رحل والحج مكتوب عليه أفأحج عنه قال: "أنت أكبر ولده". قال: نعم. قال: "أرأيت لو كان على أبيك دين فقضيته عنه أكان ذلك يجزئ عنه". قال: نعم. قال: "فحج عنه".
وعن ابن عباس: أنَّ امرأة من جهينة جاءت إلى النبي فقالت: إنَّ أمي نذرت أن تحج فلم تحج حتى ماتت أفأحج عنها؟ قال: "نعم حجي عنها أرأيت لو كان على أمك دين أكنت قاضيته اقضوا الله فالله أحق بالوفاء". متفق على صحته.
وعن ابن عباس أيضاً قال: أتى النبي رجل فقال: إنَّ أبي مات وعليه حجة الإسلام أفأحج عنه؟ قال: "أرأيت لو أنَّ أباك ترك ديناً عليه فقضيته أكان بجزيء عنه". قال: نعم. قال: "فحج عن أبيك". رواه الدار قطني.
ونحن نقول في مثل هذا الدين القابل للأداء دين الله أحق أن يقضى فالقضاء المذكور في هذه الأحاديث ليس بقضاء عبادة مؤقتة محدودة الطرفين وقد جاهر بمعصيته الله بتفويتها بطراً وعدواناً فهذا الدين مستحقه لا يعتد
стр. 3813
به ولا يقبله إلَّا على صفته التي شرعه عليها ولهذا لو قضاه على غير تلك الصفة لم تنفعه» اهـ.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ في [فَتْحِ الْبَارِي] (٣/ ٣٥٤ - ٣٥٨):
«ومذهب الظاهرية - أو أكثرهم: أنَّه لا قضاء على المتعمد. وحكي عن عبد الرحمن صاحب الشافعي بالعراق، وعن ابن بنت الشافعي. وهو قول أبي بكر الحميدي في الصوم والصلاة إذا تركهما عمداً، أنَّه لا يجزئه قضاؤهما. ذكره في عقيدته في آخر "مُسْنَدِه".
ووقع مثله في كلام طائفة من أصحابنا المتقدمين، منهم: الجوزجاني وأبو محمد البربهاري وابن بطة.
قال ابن بطة: أعلم أنَّ للصلاة أوقاتاً، فمن قدمها على وقتها فلا فرض له من عذر وغيره، ومن أخرها عن وقتها مختاراً لذلك من غير عذر، فلا فرض له.
فجعل الصلاة بعد الوقت لغير عذر، كالصلاة قبل الوقت، وَقَالَ في كل منهما: إنَّه ليس بفرض. يريد: أنَّها تقع نفلاً في الحالين.
وَقَالَ البربهاري: الصلوات لا يقبل الله منها شيئاً إلَّا أن تكون لوقتها، إلَّا أن يكون نسياناً؛ فإنَّه معذور، يأتي بها إذا ذكرها، فيجمع بين الصلاتين إن شاء.
وقد نص الْإِمَام أحمد في رواية ابنه عبد الله: على أنَّ المصلي لغير الوقت كالتارك للصلاة في استتابته وقتله، فكيف يؤمر بفعل صلاة حكمها حكم ترك الصلاة.
وروي عن طائفة من السلف، منهم: الحسن.
وحكى الخلاف في ذلك: إسحاق بن راهويه ومحمد بن نصر المروزي.
стр. 3814
قال محمد بن نصر في "كتاب الصلاة": إذا ترك الرجل صلاة مكتوبة متعمداً حتى ذهب وقتها فعليه قضاؤها، لا نعلم في ذلك خلافاً، إلَّا ما روي عن الحسن، فمن أكفره بتركها استتابه، وجعل توبته وقضاءها رجوعاً منه إلى الإسلام، ومن لم يكفر تاركها ألزمه المعصية، وأوجب عليه قضاءها.
وكان إسحاق يكفر بترك الصلاة، ويرى عليه القضاء إذا تاب، وقال: أخبرني عبد العزيز بن أبي رزمة، عن ابن المبارك، أنَّه سأله رجل عن رجل ترك صلاة أياماً، ثم ندم؟ قال: ليقض ما ترك من الصلاة. قال: ثم أقبل ابن المبارك علي، فقال: هذا لا يستقيم على الحديث.
قال إسحاق: يقول: القياس على الأصل أن لا يقضي، وربما بني على الأصل، ثم يوجد في ذلك الشيء بعينه خلاف البناء، فمن هاهنا خاف ابن المبارك أن يقيس تارك الصلاة في الإعادة على ما جاء أنَّه قد كفر، فيجعله كالمشرك، ورأى أحكام المرتدين على غير أحكام الكفار، رأى قوم أن يورثوا المسلمين من ميرات المرتد، فأخذنا بالاحتياط، فرأى القضاء على تارك الصلاة عمداً، وكان يكفره إذا تركها عمداً حتى يذهب وقتها.
قال إسحاق: وأكثر أهل العلم على إعادة الصلاة إذا تاب من تركها، والاحتياط في ذلك، فأمَّا من مال إلى ما قال الحسن: إذا ترك صلاة متعمداً لا يقضيها، فهو كما قال ابن المبارك: الإعادة لا تستقيم على الحديث، ثم ترك القياس في ذلك، فاحتاط في القضاء.
стр. 3815
قال إسحاق: ولقد قال بعض أهل العلم: إذا ارتد عن الإسلام، ثم أسلم أعاد كل صلاة تركها في ردته، وحجته: أنَّ ارتداده معصية، ومن كان في معصية لم يجعل له من الرخصة شيء كالباغي وقاطع الطريق.
قُلْتُ: قد اعترف ابن المبارك وإسحاق بأنَّ القياس أن تارك الصلاة إذا حكمنا بكفره أنَّه يكون مرتداً، ولا قضاء عليه، وإنَّما أوجبنا القضاء على المرتد احتياطاً.
وفي وجوب القضاء على المرتد لما فاته في مدة الردة قولان مشهوران للعلماء، هما روايتان عن أحمد.
ومذهب الشافعي وغيره: الوجوب.
وهذا الكلام من ابن المبارك وإسحاق يدل على أنَّ من كفر تارك الصلاة عمداً كفره بذلك بمجرد خروج وقت الصلاة عليه، ولم يعتبر أن يستتاب، ولا أن يدعى إليها، وهو ظاهر كلام الْإِمَام أحمد وغيره من الأئمة - أيضاً -، وعليه يدل كلام المتقدمين من أصحابنا كالخرقي، وأبي بكر، وابن أبي موسى.
ثم قال محمد بن نصر: فأمَّا المروي عن الحسن، فإنَّ إسحاق ثنا، قال: ثنا النضر، عن الأشعث، عن الحسن، قال: إذا ترك الرجل صلاة واحدة متعمداً، فإنَّه لا يقضيها.
قال محمد بن نصر: قول الحسن هذا يحتمل معنيين:
أحدهما: أنَّه كان يكفره بترك الصلاة متعمداً، فلذلك لم ير عليه القضاء؛ لأنَّ الكافر لا يؤمر بقضاء ما ترك من الفرائض في كفره.
والمعنى الثاني: أنَّه إن لم يكن يكفره بتركها، فإنَّه ذهب إلى أنَّ الله إنَّما افترض عليه أن يأتي بالصلاة في وقت معلوم، فإذا تركها حتى يذهب وقتها فقد
стр. 3816
لزمته المعصية؛ لتركه الفرض في الوقت المأمور بإتيانه به فيه، فإذا أتى به بعد ذلك، فقد أتى به في وقت لم يؤمر بإتيانه به فيه، فلا ينفعه أن يأتي بغير المأمور به، عن المأمور به.
قال: وهذا قول غير مستنكر في النظر، لولا أنَّ العلماء قد اجتمعت على خلافه.
قال: ومن ذهب إلى هذا، قال في الناسي للصلاة حتى يذهب وقتها، وفي النائم - أيضاً -: إنَّه لو لم يأت الخبر عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، أنَّه قال: "من نام صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها"، لما وجب عليه في النظر قضاؤها - أيضاً. انتهى ما ذكره ملخصاً.
وقد اعترف بأنَّ القياس يقتضي أنَّه لا يجب القضاء على من تركها متعمداً، فإنَّه إن كان كافراً بالترك متعمداً، فالقياس أن لا قضاء على الكافر، وإن كان مرتداً.
وإن لم يكن كافراً بالترك، فالقياس أنَّه لا قضاء بعد الوقت؛ لأنَّ القضاء يحتاج إلى أمر جديد، وليس فيه أمر جديد، وإنَّما أمر بالقضاء من يكون القضاء كفارة له، وهو المعذور، والعامد لم يأت نص بأنَّ القضاء كفارة له، بل ولا يدل عليه النظر؛ لأنَّه عاص آثم يحتاج إلى توبة، كقاتل العمد، وحالف اليمني الغموس.
وكيف ينعقد الإجماع مع مخالفة الحسن، مع عظمته وجلالته، وفضله وسعة علمه، وزهده وورعه؟
ولا يعرف عن أحد من الصحابة في وجوب القضاء على العامد شيء، بل ولم أجد صريحاً عن التابعين - أيضاً - فيه شيئاً، إلَّا عن النخعي» اهـ.
стр. 3817
قُلْتُ: والصحيح عدم صحة قضاء من تعمد ترك الصلاة أو الصيام، وهو اختيار شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀.
٤ - وفيه انتفاع الميت ببعض عمل الحي.
٥ - واحتج به على أنَّ من مات وقد وجبت عليه الزكاة فيجب أن تخرج من ماله، وهو مذهب الجمهور، وذهبت الحنفية إلى سقوطها بالموت. والصحيح مذهب الجمهور.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [الْمَجْمُوْعِ] (٦/ ٢٣٢):
«فَمَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ زَكَاةٌ وَتَمَكَّنَ مِنْ أَدَائِهَا فَمَاتَ قَبْلَ أَدَائِهَا عَصَى وَوَجَبَ إخْرَاجُهَا مِنْ تَرِكَتِهِ عِنْدَنَا بِلَا خِلَافٍ وَبِهِ قَالَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ تَسْقُطُ عَنْهُ الزَّكَاةُ بِالْمَوْتِ وَهُوَ مَذْهَبٌ عَجِيبٌ فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ الزَّكَاةُ تَجِبُ عَلَى التَّرَاخِي وَتَسْقُطُ بِالْمَوْتِ وَهَذَا طَرِيقٌ إلَى سُقُوطِهَا» اهـ.
٦ - واحتج به من قدم دين الله تعالى على دين الآدمي.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [الْمَجْمُوْعِ] (٦/ ٢٣٢):
«وَإِذَا اجْتَمَعَ فِي تَرِكَةِ الْمَيِّتِ دَيْنٌ لِلَّهِ تَعَالَى ودين لآدمي كَزَكَاةٍ وَكَفَّارَةٍ وَنَذْرٍ وَجَزَاءِ صَيْدٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ ففيه ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ مَشْهُورَةٍ ذَكَرَهَا الْمُصَنِّفُ بِأَدِلَّتِهَا: أَصَحُّهَا: يُقَدَّمُ دَيْنُ اللَّهِ تَعَالَى.
وَالثَّانِي: دَيْنُ الْآدَمِيِّ.
وَالثَّالِثُ: يَسْتَوِيَانِ فَتُوَزَّعُ عَلَيْهِمَا بِنِسْبَتِهِمَا وَحَكَى بَعْضُ الخراسانيين طريقاً آخر أنَّ الزَّكَاةِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْعَيْنِ تُقَدَّمُ قَطْعًا وَإِنَّمَا الْأَقْوَالُ فِي الْكَفَّارَاتِ وَغَيْرِهَا مِمَّا يَسْتَرْسِلُ فِي الذِّمَّةِ مَعَ حُقُوقِ الْآدَمِيِّ وَقَدْ تَكُونُ الزَّكَاةُ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ بِأَنْ يَكُونَ
стр. 3818
لَهُ مَالٌ فَيَتْلَفُ بَعْدَ الْحَوْلِ وَالْإِمْكَانِ ثُمَّ يَمُوتُ وَلَهُ تِرْكَةٌ فَالزَّكَاةُ هُنَا مُتَعَلِّقَةٌ بِالذِّمَّةِ فَفِيهَا الْأَقْوَالُ» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ عُثَيْمِيْنَ ﵀ فِي [الشَّرْحُ الْمُمْتِعِ] (١١/ ١٦١ - ١٦٢):
«إذا اجتمعت ديون لله وللآدمي، فهل نقدم دَين الآدمي، أو دَين الله، أو يشتركان؟
مثال ذلك: رجل مات وفي ذمته خمسة آلاف ريال زكاة، وعليه لزيد خمسة آلاف، ولما توفي لم نجد إلَّا خمسة آلاف فقط، فالدين أكثر من التركة، فهل نصرف خمسة الآلاف في الزكاة؟ أو في دين الآدمي؟ أو يشتركان؟
في هذا ثلاثة أقوال للعلماء:
فمنهم من قال: يُقضى دين الآدمي، فنعطي خمسة آلاف - التي هي التركة - الآدمي، وعلل ذلك بأنَّ حق الله مبني على المسامحة، وهو غني عنا، وحق الآدمي مبني على المشاحة، وهو بحاجة إلى حقه، فيقدم.
ومنهم من قال: يقدم حق الله لقول النبي ﷺ : "اقضوا الله، فالله أحق بالقضاء"، و "أحق" اسم تفضيل، فيقدم على الحق المفضل عليه، وعلى هذا القول نخرج خمسة الآلاف التي في التركة لأهل الزكاة.
ومنهم من قال: يشتركان؛ لأن كلًّا منهما دين في ذمة الميت فلا يفضل أحدهما على الآخر، وهذا هو المذهب عند الأصحاب ﵏ وهو الصحيح.
فإن قال قائل: ما هو الجواب عن قول الرسول ﷺ : "اقضوا الله، فالله أحق بالقضاء".
стр. 3819
الجواب: أن معنى الحديث: إذا كان دين الآدمي يقضى فدين الله من باب أولى؛ لأنَّ النبي ﷺ قال: "أرأيتِ لو كان على أمكِ دين فقضيتيه أيجزئ عنها؟ "، قالت: نعم، قال: "اقضوا الله فالله أحق بالقضاء"، والمسألة لم ترد في حقين أحدهما لله والآخر للآدمي حتى نقول: إنَّ الرسول ﷺ حكم بأن دَين الله مقدم، إنَّما أراد الرسول ﷺ القياس، فإذا كان دين الآدمي يقضى فالله أحق بالوفاء.
ونجيب عن القول الآخر، وهو أنَّ حق الآدمي مبني على المشاحة والحاجة، بأنَّ حق الله يكون لعباد الله، فالزكاة - مثلاً - للمخلوقين وليست لله ، بمعنى أنَّ الله لا ينتفع بها، فهي في الحقيقة حق لله، وفي نفس الوقت حق لعباد الله، وكذلك نقول في الكفارات، وغيرها مما يجب على الإنسان لله .
فالقول بأنَّهما يتحاصَّان ويشتركان هو القول الراجح» اهـ.
قُلْتُ: وهذا الذي يظهر لي صحته، والحديث وارد في بيان أنَّ حق الله تعالى يقبل القضاء من باب أولى فإذا كان دين الآدمي يقبل القضاء فدين الله تعالى يقبل القضاء بطريق الأولى، ولم يرد في بيان أنَّ دين الله تعالى مقدم على دين المخلوق.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ في [شَرْحِ الْعُمْدَةِ] (٢/ ١٨٧ - ١٨٨):
«قَوْلُهُ: "اقْضُوا اللَّهَ فَاللَّهُ أَحَقُّ بِالْوَفَاءِ". وَقَوْلُهُ: فِي حَدِيثٍ آخَرَ عَنِ الصَّوْمِ "فَحَقُّ اللَّهِ أَحَقُّ": إِمَّا أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ أَنَّ قَضَاءَ دَيْنِ اللَّهِ أَوْجَبُ مِنْ قَضَاءِ دَيْنِ الْآدَمِيِّ كَمَا فَسَّرَهُ بِذَلِكَ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ مِنْ أَصْحَابِنَا؛ لِأَنَّ وُجُوبَهُ أَوْكَدُ، وَأَثْبَتُ، وَيُرَجِّحُ هَذَا الْمَعْنَى أَنَّ وُجُوبَ الْحَجِّ وَالزَّكَاةِ آكَدُ مِنْ وُجُوبِ قَضَاءِ دَيْنِ الْآدَمِيِّ؛
стр. 3820
لِأَنَّهُمَا مِنْ مَبَانِي الْإِسْلَامِ مَعَ ظَاهِرِ قَوْلِهِ: "فَاللَّهُ أَحَقُّ بِالْوَفَاءِ" فَعَلَى هَذَا إِذَا وَجَبَ قَضَاءُ دَيْنِ الْآدَمِيِّ مِنْ تَرِكَتِهِ فَأَنْ يَجِبَ قَضَاءُ دَيْنِ اللَّهِ أَوْلَى وَأَحْرَى.
وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ: إِذَا كَانَ قَضَاءُ دَيْنِ الْآدَمِيِّ يُجْزِئُ عَنْهُ بَعْدَ الْمَوْتِ فَدَيْنُ اللَّهِ أَحَقُّ أَنْ يُجْزِئَ؛ لِأَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - كَرِيمٌ جَوَادٌ، وَمَنْ يَكُونُ أَحْرَى بِقَبُولِ الْقَضَاءِ: فَحَقُّهُ أَوْلَى أَنْ يُقْضَى؛ لِأَنَّهُ أَجْدَرُ أَنْ يَحْصُلَ بِقَضَائِهِ بَرَاءَةُ الذِّمَّةِ، وَيُرَجِّحُ هَذَا الْمَعْنَى أَنَّ الْقَوْمَ إِنَّمَا سَأَلُوهُ عَنْ جَوَازِ الْقَضَاءِ عَنِ الْمَيِّتِ لَا عَنْ وُجُوبِهِ عَلَيْهِمْ» اهـ.
* * *
следующие страницы →