← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 30178

تحفة السائل في بيان ما في عمدة الأحكام من المسائل

أبو بكر الحمادي

Полный текст (8 095 стр.). Показаны 3816–3855 · переход к 3821.

стр. 3816

لزمته المعصية؛ لتركه الفرض في الوقت المأمور بإتيانه به فيه، فإذا أتى به بعد ذلك، فقد أتى به في وقت لم يؤمر بإتيانه به فيه، فلا ينفعه أن يأتي بغير المأمور به، عن المأمور به. قال: وهذا قول غير مستنكر في النظر، لولا أنَّ العلماء قد اجتمعت على خلافه. قال: ومن ذهب إلى هذا، قال في الناسي للصلاة حتى يذهب وقتها، وفي النائم - أيضاً -: إنَّه لو لم يأت الخبر عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، أنَّه قال: "من نام صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها"، لما وجب عليه في النظر قضاؤها - أيضاً. انتهى ما ذكره ملخصاً. وقد اعترف بأنَّ القياس يقتضي أنَّه لا يجب القضاء على من تركها متعمداً، فإنَّه إن كان كافراً بالترك متعمداً، فالقياس أن لا قضاء على الكافر، وإن كان مرتداً. وإن لم يكن كافراً بالترك، فالقياس أنَّه لا قضاء بعد الوقت؛ لأنَّ القضاء يحتاج إلى أمر جديد، وليس فيه أمر جديد، وإنَّما أمر بالقضاء من يكون القضاء كفارة له، وهو المعذور، والعامد لم يأت نص بأنَّ القضاء كفارة له، بل ولا يدل عليه النظر؛ لأنَّه عاص آثم يحتاج إلى توبة، كقاتل العمد، وحالف اليمني الغموس. وكيف ينعقد الإجماع مع مخالفة الحسن، مع عظمته وجلالته، وفضله وسعة علمه، وزهده وورعه؟ ولا يعرف عن أحد من الصحابة في وجوب القضاء على العامد شيء، بل ولم أجد صريحاً عن التابعين - أيضاً - فيه شيئاً، إلَّا عن النخعي» اهـ.

стр. 3817

قُلْتُ: والصحيح عدم صحة قضاء من تعمد ترك الصلاة أو الصيام، وهو اختيار شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀. ٤ - وفيه انتفاع الميت ببعض عمل الحي. ٥ - واحتج به على أنَّ من مات وقد وجبت عليه الزكاة فيجب أن تخرج من ماله، وهو مذهب الجمهور، وذهبت الحنفية إلى سقوطها بالموت. والصحيح مذهب الجمهور. قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [الْمَجْمُوْعِ] (٦/ ٢٣٢): «فَمَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ زَكَاةٌ وَتَمَكَّنَ مِنْ أَدَائِهَا فَمَاتَ قَبْلَ أَدَائِهَا عَصَى وَوَجَبَ إخْرَاجُهَا مِنْ تَرِكَتِهِ عِنْدَنَا بِلَا خِلَافٍ وَبِهِ قَالَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ تَسْقُطُ عَنْهُ الزَّكَاةُ بِالْمَوْتِ وَهُوَ مَذْهَبٌ عَجِيبٌ فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ الزَّكَاةُ تَجِبُ عَلَى التَّرَاخِي وَتَسْقُطُ بِالْمَوْتِ وَهَذَا طَرِيقٌ إلَى سُقُوطِهَا» اهـ. ٦ - واحتج به من قدم دين الله تعالى على دين الآدمي. قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [الْمَجْمُوْعِ] (٦/ ٢٣٢): «وَإِذَا اجْتَمَعَ فِي تَرِكَةِ الْمَيِّتِ دَيْنٌ لِلَّهِ تَعَالَى ودين لآدمي كَزَكَاةٍ وَكَفَّارَةٍ وَنَذْرٍ وَجَزَاءِ صَيْدٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ ففيه ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ مَشْهُورَةٍ ذَكَرَهَا الْمُصَنِّفُ بِأَدِلَّتِهَا: أَصَحُّهَا: يُقَدَّمُ دَيْنُ اللَّهِ تَعَالَى. وَالثَّانِي: دَيْنُ الْآدَمِيِّ. وَالثَّالِثُ: يَسْتَوِيَانِ فَتُوَزَّعُ عَلَيْهِمَا بِنِسْبَتِهِمَا وَحَكَى بَعْضُ الخراسانيين طريقاً آخر أنَّ الزَّكَاةِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْعَيْنِ تُقَدَّمُ قَطْعًا وَإِنَّمَا الْأَقْوَالُ فِي الْكَفَّارَاتِ وَغَيْرِهَا مِمَّا يَسْتَرْسِلُ فِي الذِّمَّةِ مَعَ حُقُوقِ الْآدَمِيِّ وَقَدْ تَكُونُ الزَّكَاةُ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ بِأَنْ يَكُونَ

стр. 3818

لَهُ مَالٌ فَيَتْلَفُ بَعْدَ الْحَوْلِ وَالْإِمْكَانِ ثُمَّ يَمُوتُ وَلَهُ تِرْكَةٌ فَالزَّكَاةُ هُنَا مُتَعَلِّقَةٌ بِالذِّمَّةِ فَفِيهَا الْأَقْوَالُ» اهـ. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ عُثَيْمِيْنَ ﵀ فِي [الشَّرْحُ الْمُمْتِعِ] (١١/ ١٦١ - ١٦٢): «إذا اجتمعت ديون لله وللآدمي، فهل نقدم دَين الآدمي، أو دَين الله، أو يشتركان؟ مثال ذلك: رجل مات وفي ذمته خمسة آلاف ريال زكاة، وعليه لزيد خمسة آلاف، ولما توفي لم نجد إلَّا خمسة آلاف فقط، فالدين أكثر من التركة، فهل نصرف خمسة الآلاف في الزكاة؟ أو في دين الآدمي؟ أو يشتركان؟ في هذا ثلاثة أقوال للعلماء: فمنهم من قال: يُقضى دين الآدمي، فنعطي خمسة آلاف - التي هي التركة - الآدمي، وعلل ذلك بأنَّ حق الله مبني على المسامحة، وهو غني عنا، وحق الآدمي مبني على المشاحة، وهو بحاجة إلى حقه، فيقدم. ومنهم من قال: يقدم حق الله لقول النبي ﷺ : "اقضوا الله، فالله أحق بالقضاء"، و "أحق" اسم تفضيل، فيقدم على الحق المفضل عليه، وعلى هذا القول نخرج خمسة الآلاف التي في التركة لأهل الزكاة. ومنهم من قال: يشتركان؛ لأن كلًّا منهما دين في ذمة الميت فلا يفضل أحدهما على الآخر، وهذا هو المذهب عند الأصحاب ﵏ وهو الصحيح. فإن قال قائل: ما هو الجواب عن قول الرسول ﷺ : "اقضوا الله، فالله أحق بالقضاء".

стр. 3819

الجواب: أن معنى الحديث: إذا كان دين الآدمي يقضى فدين الله من باب أولى؛ لأنَّ النبي ﷺ قال: "أرأيتِ لو كان على أمكِ دين فقضيتيه أيجزئ عنها؟ "، قالت: نعم، قال: "اقضوا الله فالله أحق بالقضاء"، والمسألة لم ترد في حقين أحدهما لله والآخر للآدمي حتى نقول: إنَّ الرسول ﷺ حكم بأن دَين الله مقدم، إنَّما أراد الرسول ﷺ القياس، فإذا كان دين الآدمي يقضى فالله أحق بالوفاء. ونجيب عن القول الآخر، وهو أنَّ حق الآدمي مبني على المشاحة والحاجة، بأنَّ حق الله يكون لعباد الله، فالزكاة - مثلاً - للمخلوقين وليست لله ، بمعنى أنَّ الله لا ينتفع بها، فهي في الحقيقة حق لله، وفي نفس الوقت حق لعباد الله، وكذلك نقول في الكفارات، وغيرها مما يجب على الإنسان لله . فالقول بأنَّهما يتحاصَّان ويشتركان هو القول الراجح» اهـ. قُلْتُ: وهذا الذي يظهر لي صحته، والحديث وارد في بيان أنَّ حق الله تعالى يقبل القضاء من باب أولى فإذا كان دين الآدمي يقبل القضاء فدين الله تعالى يقبل القضاء بطريق الأولى، ولم يرد في بيان أنَّ دين الله تعالى مقدم على دين المخلوق. قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ في [شَرْحِ الْعُمْدَةِ] (٢/ ١٨٧ - ١٨٨): «قَوْلُهُ: "اقْضُوا اللَّهَ فَاللَّهُ أَحَقُّ بِالْوَفَاءِ". وَقَوْلُهُ: فِي حَدِيثٍ آخَرَ عَنِ الصَّوْمِ "فَحَقُّ اللَّهِ أَحَقُّ": إِمَّا أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ أَنَّ قَضَاءَ دَيْنِ اللَّهِ أَوْجَبُ مِنْ قَضَاءِ دَيْنِ الْآدَمِيِّ كَمَا فَسَّرَهُ بِذَلِكَ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ مِنْ أَصْحَابِنَا؛ لِأَنَّ وُجُوبَهُ أَوْكَدُ، وَأَثْبَتُ، وَيُرَجِّحُ هَذَا الْمَعْنَى أَنَّ وُجُوبَ الْحَجِّ وَالزَّكَاةِ آكَدُ مِنْ وُجُوبِ قَضَاءِ دَيْنِ الْآدَمِيِّ؛

стр. 3820

لِأَنَّهُمَا مِنْ مَبَانِي الْإِسْلَامِ مَعَ ظَاهِرِ قَوْلِهِ: "فَاللَّهُ أَحَقُّ بِالْوَفَاءِ" فَعَلَى هَذَا إِذَا وَجَبَ قَضَاءُ دَيْنِ الْآدَمِيِّ مِنْ تَرِكَتِهِ فَأَنْ يَجِبَ قَضَاءُ دَيْنِ اللَّهِ أَوْلَى وَأَحْرَى. وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ: إِذَا كَانَ قَضَاءُ دَيْنِ الْآدَمِيِّ يُجْزِئُ عَنْهُ بَعْدَ الْمَوْتِ فَدَيْنُ اللَّهِ أَحَقُّ أَنْ يُجْزِئَ؛ لِأَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - كَرِيمٌ جَوَادٌ، وَمَنْ يَكُونُ أَحْرَى بِقَبُولِ الْقَضَاءِ: فَحَقُّهُ أَوْلَى أَنْ يُقْضَى؛ لِأَنَّهُ أَجْدَرُ أَنْ يَحْصُلَ بِقَضَائِهِ بَرَاءَةُ الذِّمَّةِ، وَيُرَجِّحُ هَذَا الْمَعْنَى أَنَّ الْقَوْمَ إِنَّمَا سَأَلُوهُ عَنْ جَوَازِ الْقَضَاءِ عَنِ الْمَيِّتِ لَا عَنْ وُجُوبِهِ عَلَيْهِمْ» اهـ. * * *

стр. 3821

١٨٩ - عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيَّ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَا يَزَالُ النَّاسُ بِخَيْرٍ مَا عَجَّلُوا الْفِطْرَ وَأَخَّرُوا السُّحُورَ». وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلَ مِنْهَا: ١ - استحباب تعجيل الفطر، وأنَّه من أسباب بقاء الخير في الأمة. قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ في [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٤/ ٧٥): «فيه الحث على تعجيله بعد تحقق غروب الشمس، ومعناه لا يزال أمر الْأُمة منتظماً وهم بخير ما داموا محافظين على هذه السنة، وإذا أخروه كان ذلك علامة على فساد يقعون فيه» اهـ. ٢ - حرص الشرع على تعجيل الفطر لما في ذلك من التيسير على العباد، ولما فيه من الابتعاد عن الغلو في الدين. قَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِي ﵀ في [الْمُفْهِم] (٩/ ١١٩): «إنَّما كان ذلك؛ لأنَّ التعجيل. أحفط للقوة، وأدفع للمشقة، وأوفق للسنة، وأبعد عن الغلو والبدعة، وليظهر الفرق بين الزمانين في حكم الشرع» اهـ. ٣ - وفيه رد على الشيعة في تأخيرهم الفطر إلى ظهور النجوم. و لابن خزيمة في [صَحِيْحِهِ] (٢٠٦١)، وابن حبان في [صَحِيْحِهِ] (٣٥١٠)، والحاكم في [الْمُسْتَدْرَكِ] (١٥٨٤) عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا تَزَالُ أُمَّتِي عَلَى سُنَّتِي مَا لَمْ تَنْتَظِرْ بِفِطْرِهَا النُّجُومَ». قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ.

стр. 3822

وروى أحمد (٩٨٠٩)، وأبو داود (٢٣٥٣)، وابن ماجة (١٦٩٨) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا يَزَالُ الدِّينُ ظَاهِرًا مَا عَجَّلَ النَّاسُ الْفِطْرَ لأَنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى يُؤَخِّرُونَ». قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ حَسَنٌ. ٤ - وفيه أنَّ تأخير الفطر إلى السحر خلاف الأولى، مع مشروعيته لما رواه البخاري (١٩٦٣) عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁، أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ ، يَقُولُ: «لَا تُوَاصِلُوا، فَأَيُّكُمْ إِذَا أَرَادَ أَنْ يُوَاصِلَ، فَلْيُوَاصِلْ حَتَّى السَّحَرِ»، قَالُوا: فَإِنَّكَ تُوَاصِلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: «إِنِّي لَسْتُ كَهَيْئَتِكُمْ إِنِّي أَبِيتُ لِي مُطْعِمٌ يُطْعِمُنِي، وَسَاقٍ يَسْقِينِ». ٥ - استحباب تأخير السحور وقد سبق الكلام في ذلك، على أنَّ ذكر السحور لا أصل له في الصحيحين، وإنَّما جاء في حديث لأبي ذر رواه أحمد (٢١٣٥٠) فقال: حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ دَاوُدَ، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ سَالِمِ بْنِ غَيْلَانَ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ أَبِي عُثْمَانَ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ الْحِمْصِيِّ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا تَزَالُ أُمَّتِي بِخَيْرٍ مَا عَجَّلُوا الْإِفْطَارَ، وَأَخَّرُوا السُّحُورَ». قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ ضَعِيْفٌ ابن لهيعة ضعيف، ومدلس وقد عنعن، وسليمان، وعدي مجهولان. ٦ - ولم يبين النبي ﷺ في هذا الحديث الشيء الذي يفطر به، وقد جاء ذلك في أحاديث منها: الحديث الأول: حديث سلمان بن عامر ﵁.

стр. 3823

فروى عبد الرزاق (٧٥٨٦)، ومن طريقه أحمد (١٢٦١٢، ١٧٨٠٨) عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ حَفْصَةَ بِنْتِ سِيرِينَ، عَنِ الرَّبَابِ، عَنْ سَلْمَانَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِذَا أَفْطَرَ أَحَدُكُمْ فَلْيُفْطِرْ بِتَمْرٍ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَلْيُفْطِرْ بِمَاءٍ، فَإِنَّ الْمَاءَ طَهُورٌ». قُلْتُ: وقد اختلف الرواة عن هشام في رفع الحديث ووقفه، فرفعه: عبد الرزاق وقد سبق حديثه. وعبد الله بن بكر السهمي وحديثه عند البيهقي في [الْصُغْرَى] (١٣٨٩)، وفي [الشُّعَبِ] (٣٦١٥)، والفريابي في [الصِّيَامِ] (٦٤). وإسماعيل ابن عليه عند النسائي في [الْكُبْرَى] (٣٣٢١)، والفريابي في [الصِّيَامِ] (٦٣). وقران بن تمام عند النسائي في [الْكُبْرَى] (٣٣٢٢). وخالد بن الحارث عند النسائي في [الْكُبْرَى] (٣٣٢٣). وحماد بن مسعدة عند النسائي في [الْكُبْرَى] (٣٣٢٥)، وقد روى الرفع والوقف معاً. وخالفهم: محمد بن جعفر "غندر" فأوقفه على سلمان، وحديثه رواه أحمد (١٦١٧٨، ١٧٧٩٧). وتابعه حماد بن مسعدة عند النسائي في [الْكُبْرَى] (٣٣٢٤)، وقد روى الرفع والوقف معاً كما مضى. ويوسف بن يعقوب عند النسائي في [الْكُبْرَى] (٣٣٢٦)، وروح بن عبادة عند أبي نعيم في [مَعْرِفَةِ الْصَحَابَةِ] (٢٩٦٤).

стр. 3824

قُلْتُ: والصحيح في الحديث الرفع فقد رواه عاصم الأحول عن حفصة عن الرباب عن سلمان مرفوعاً. وحديثه أخرجه أحمد (١٦١٧٨، ١٦١٧٩، ١٦١٨١، ١٦١٨٤، ١٦١٩٠، ١٧٨٠٠، ١٧٨٠٢، ١٧٨٠٦) وأبو داود (٢٣٥٥)، والترمذي (٦٥٨، ٦٩٥)، وابن ماجه (١٦٩٩)، والدارمي (١٧٠١)، وعبد الرزاق في [الْمُصَنَّفِ] (٧٥٨٧)، وابن أبي شيبة في [الْمُصَنَّفِ] (٩٨٨٩، ٩٨٩٠). قُلْتُ: رواية عاصم هذه ترجح رواية من رواية من رواه مرفوعاً، وتبين أنَّ رواية الوقف وهم. والله أعلم. قُلْتُ: وثمَّ اختلاف آخر على عاصم في ذكر الرباب. فرواه شعبة عن عاصم ولم يذكر في حديثه الرباب، وحديثه رواه أحمد (١٦١٩٥). ورواه الجماعة عن عاصم وذكروا في حديثهم الرباب وهم: سفيان بن عيينة وحديثه عند أحمد (١٦١٧٩، ١٦١٨١، ١٧٨٠٠) وعند الترمذي (٦٥٨، ٦٩٥)، والنسائي في [الْكُبْرَى] (٣٣٢٠)، وابن أبي شيبة في [الْمُصَنَّفِ] (٩٨٩٠) على الاحتمال في رواية ابن أبي شيبة هل سفيان المذكور فيه هو الثوري، أو ابن عيينة. وسفيان الثوري وحديثه عند عبد الرزاق في [الْمُصَنَّفِ] (٧٥٨٧). وأبو معاوية الضرير محمد بن خازم وحديثه في [الْمُسْنَد] (١٦١٨٤، ١٦١٩٠، ١٧٨٠٢، ١٧٨٠٦)، والترمذي (٦٩٥).

стр. 3825

ومحمد بن فضيل وحديثه عند ابن ماجه (١٦٩٩) وقد أخرجه مِنْ طَرِيْقِ ابن أبي شيبة وهو عنده في [الْمُصَنَّفِ] (٩٨٨٩، ٩٨٩٠)، وابن خزيمة أيضاً في [صَحِيْحِهِ] (٢٠٦٧). وعبد الواحد بن زياد وحديثه عند أبي داود (٢٣٥٥) والحاكم في [الْمُسْتَدْرَكِ] (١٥٧٦). وثابت بن يزيد وحديثه عند الدرامي (١٧٠١). وهشام بن حسان وقد سبق حديثه قريباً. وحماد بن زيد عند النسائي في [الْكُبْرَى] (٣٣١٩)، عند الطبراني في [الْكَبِيْر] (٦٠٧٢). وحفص بن غياث عند البيهقي في [الْمَعْرِفَة] (٢٦٣٨). وعبد العزيز بن المختار عند الطبراني في [الْكَبِيْر] (٦٠٧١). ومروان بن معاوية الفزاري عند الفريابي في [الصِّيَامِ] (٦٧). قَالَ الْإِمَام الترمذي بعد روايته للحديث: «وهكذا روى سفيان الثوري عن عاصم عن حفصة بنت سيرين عن الرباب عن سلمان بن عامر عَنِ النَّبِيِّ ﷺ نحو هذا الحديث وروى شعبة عن عاصم عن حفصة بنت سيرين عن سلمان بن عامر ولم يذكر فيه عن الرباب وحديث سفيان الثوري وابن عيينة أصح وهكذا روى ابن عون وهشام بن حسان عن حفصة بنت سيرين عن الرباب عن سلمان بن عامر» اهـ. قُلْتُ: ما ذكره الْإِمَام الترمذي ﵀ هو الصواب فالصحيح رواية الجماعة عن عاصم بذكر الرباب والله أعلم.

стр. 3826

قُلْتُ: وقد حسن الحديث الْإِمَام الترمذي فقال بعد روايته له. «حديث سلمان بن عامر حديث حسن» اهـ. وَقَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [البُلُوغِ] (١٥٠): «وصححه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم» اهـ. قُلْتُ: الرباب هذه لم يرو عنها غير حفصة فهي مجهولة جهالة عين، وتصحيح هؤلاء لا يرفع من جهالتها لما عرف من تساهلهم، وما ذكره بعض العلماء من تصحيح أبي حاتم الرازي لحديثها فليس بصحيح فالذي يظهر لي هو عدم ثبوت هذا الحديث، والله أعلم. الحديث الثاني: حديث أنس بن مالك ﵁. فروى أحمد (١٢٦٩٨)، ومن طريقه أبو داود (٢٣٥٦)، وأخرجه الترمذي (٦٩٦) أيضاً مِنْ طَرِيْقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا ثَابِتٌ الْبُنَانِيُّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُفْطِرُ عَلَى رُطَبَاتٍ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ رُطَبَاتٌ، فَتَمَرَاتٌ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ تَمَرَاتٌ حَسَا حَسَوَاتٍ مِنْ مَاءٍ». قُلْتُ: هَذَا الْحَدِيْثُ ظَاهِرُهُ أنَّهُ حَسَنٌ، وقد حسنه جمع من العلماء، والصحيح أنَّ هذا الحديث معل لا يثبت، فإنَّ جعفراً يروي أحاديث منكرات عن ثابت وهذا منها. قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ ﵀ في [الْجَرْحِ وَالْتَعْدِيْلِ] (٢/ ٤٨١):

стр. 3827

«نا محمد بن أحمد بن البراء قال، قال علي ابن المديني: أكثر جعفر - يعنى ابن سليمان - عن ثابت وكتب مراسيل وفيها أحاديث مناكير عن ثابت عَنِ النَّبِيِّ ﷺ » اهـ. وَقَالَ ﵀ في [الْعِلَلِ] (١/ ٢٢٤): «وسألت أبي، وأبا زرعة، عن حديث؛ رواه عبد الرزاق، عن جعفر بن سليمان، عن ثابت، عن أنس أنَّ الْنَّبِيَّ ﷺ كان يفطر على التمر، فإن لم يجد فعلى الماء الحديث. فقالا: لا نعلم روى هذا الحديث غير عبد الرزاق، ولا ندري من أين جاء عبد الرزاق؟» اهـ. وَقَالَ الْحَافِظُ الْذَهَبِيُّ ﵀ فِي [الْمِيْزَانِ] (١/ ٤١٠): «وينفرد بأحاديث عدت مما ينكر، واختلف في الاحتجاج بها، منها: حديث أنس: إنَّ رجلا أراد سفراً فقال: زودوني. ومنها حديث: "لينتهين أقوام عن رفع أبصارهم عند الْدُعَاء في الصلاة". وحديث: حسر عن بدنه وقال: "إنَّه حديث عهد بربه". وحديث: كان يفطر على رطبات. وحديث: "طلقت لغير سنة، وراجعت لغير سنة". وحديث: "مم أضرب منه يتيمي". وحديث: ما يقال ليلة القدر. وغالب ذلك في صحيح مسلم» اهـ.

стр. 3828

قُلْتُ: وجاء الحديث من وجه آخر عن أنس، وهو ما رواه النسائي في [الْكُبْرَى] (٣٣١٨)، والطبراني في [الْأَوْسَطِ] (٥٥١٧) والفريابي في [الصِّيَامِ] (٦٨)، ومِنْ طَرِيْقِ الفريابي رواه الضياء في [الْمُخْتَارَةِ] (١٥٧٠)، وابن عساكر في [تَارِيْخِ دِمَشْق] (١٣/ ٣٢٨)، ورواه أيضاً ابن غطريف الجرجاني في [جُزْئِهِ] (٥٣) مِنْ طَرِيْقِ يَحْيَى ابْنِ آدَمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، عَنْ رَقَبَةَ، عَنْ بُرَيْدِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ، عَنْ أَنَسٍ: «أنَّ الْنَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَبْدَأُ إِذَا أَفْطَرَ بِالتَّمْرِ». قُلْتُ: هَذَا الْحَدِيْثُ ظَاهِرُهُ الصِّحَةُ، لكن اختلف في وصله وإرساله فوصله رَقَبَةُ بْنُ مَصْقَلَةَ، وأرسله شعبة، وشعبة أوثق وأحفظ. قال النسائي بعد روايته للحديث: «هَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ شُعْبَةُ، عَنْ بُرَيْدٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مُرْسَلاً، وَشُعْبَةُ أَحْفَظُ مِمَّنْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ» اهـ. وأمَّا الحافظ الْدَارَقُطْنِي فأثبت الموصول فقال في [الْعِلَلِ] (١٢/ ١٩): «يرويه رقبة بن مصقلة عن بريد عن أنس وخالفه شعبة فرواه عن بريد أنَّه ذكر له أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مرسل ويشبه أن يكون رقبة حفظه» اهـ. قُلْتُ: كلام الحافظ النسائي ﵀ أظهر. والله أعلم. الحديث الثالث: حديث آخر لأنس ﵁. فروى أبو يعلى في [مُسْنَدِه] (٣٧٩٢)، وابن حبان في [صَحِيْحِهِ] (٣٥٠٤، ٣٥٠٥)، والفريابي في [الصِّيَامِ] (٦٩) مِنْ طَرِيْقِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا

стр. 3829

حُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ الْجُعْفِيُّ، عَنْ زَائِدَةَ، عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: «مَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ قَطُّ صَلَّى صَلاةَ الْمَغْرِبِ حَتَّى يُفْطِرَ وَلَوْ كَانَ عَلَى شَرْبَةٍ مِنْ مَاءٍ». قُلْتُ: هَذَا إِسْنَادٌ صَحِيْحٌ. ورواه البزار في [مُسْنَدِه] (٧١٢٧)، وابن خزيمة في [صَحِيْحِهِ] (٢٠٦٣)، والحاكم في [الْمُسْتَدْرَكِ] (١٥٧٧)، والبيهقي في [الْكُبْرَى] (٧٩٢١)، وفي [الشعب] (٣٦١٦)، وابن الأعرابي في [مُعْجَمِهِ] (٢١٧٥)، والعقيلي في [الْضُعَفَاءِ] (١٦٧٨) مِنْ طَرِيْقِ سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن أنس. الحديث الرابع: حديث عبد الله بن أبي أوفى ﵄. فروى البخاري (١٩٤١)، ومسلم (١١٠١) عَنِ ابْنِ أَبِي أَوْفَى ﵁، قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي سَفَرٍ فَقَالَ لِرَجُلٍ: «انْزِلْ فَاجْدَحْ لِي»، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، الشَّمْسُ؟ قَالَ: «انْزِلْ فَاجْدَحْ لِي»، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ الشَّمْسُ؟ قَالَ: «انْزِلْ فَاجْدَحْ لِي»، فَنَزَلَ فَجَدَحَ لَهُ فَشَرِبَ، ثُمَّ رَمَى بِيَدِهِ هَا هُنَا، ثُمَّ قَالَ: «إِذَا رَأَيْتُمُ اللَّيْلَ أَقْبَلَ مِنْ هَا هُنَا، فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِمُ». قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ في [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٤/ ٧٨): «قوله ﷺ : "انزل فاجدح لنا؛ فنزل فجدح" هو بجيم ثم حاء مهملة، وهو خلط الشيء بغيره، والمراد هنا خلط السويق بالماء وتحريكه حتى يستوي والمجدح بكسر الميم عود مجنح الرأس. ليساط به الأشربة، وقد يكون له ثلاث شعب» اهـ. * * *

стр. 3830

١٩٠ - عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ : «إِذَا أَقْبَلَ اللَّيْلُ مِنْ هَا هُنَا، وَأَدْبَرَ النَّهَارُ مِنْ هَا هُنَا، فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِمُ». وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلَ مِنْهَا: ١ - أنَّ الإفطار يحصل بإقبال الليل من المشرق، وإدبار النهار من المغرب، وفي البخاري (١٩٥٤)، ومسلم (١١٠٠) زيادة: «وَغَرَبَتِ الشَّمْسُ» هذا لفظ البخاري ولفظ مسلم «وَغَابَتِ الشَّمْسُ»، وهي موجوده في بعض نسخ العمدة. ٢ - فيه الحث على الإفطار عند تحقق غروب الشمس. ٣ - واحتج به من ذهب إلى حصول الفطر حكماً بمجرد غروب الشمس وإن لم يأكل أو يشرب. أَقُوْلُ: قوله: «فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِمُ». أي دخل في وقت الفطر كما يقال: انجد إذا دخل نجد واتهم إذا دخل تهامة، وأصبح إذا دخل في الصباح، وأمسى إذا دخل في المساء، وليس المراد بذلك حصول الفطر بمجرد ذلك، ويدل على ذلك إذن النبي ﷺ بالوصال إلى السحر فروى البخاري (١٩٦٣) عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁، أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ ، يَقُولُ: «لَا تُوَاصِلُوا، فَأَيُّكُمْ إِذَا أَرَادَ أَنْ يُوَاصِلَ، فَلْيُوَاصِلْ حَتَّى السَّحَرِ»، قَالُوا: فَإِنَّكَ تُوَاصِلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: «إِنِّي لَسْتُ كَهَيْئَتِكُمْ إِنِّي أَبِيتُ لِي مُطْعِمٌ يُطْعِمُنِي، وَسَاقٍ يَسْقِينِ». وَقَالَ الْإِمَام ابن خزيمة ﵀ في [صَحِيْحِهِ] (٣/ ٢٧٣):

стр. 3831

«هذه اللفظة: "فقد أفطر الصائم". لفظ خبر ومعناه معنى الأمر أي: فليفطر الصائم إذ قد حل له الإفطار ولو كان معنى هذه اللفظة معنى لفظه كان جميع الصوام فطرهم وقتاً واحداً ولم يكن لقوله ﷺ : "لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر". ولقوله: "لا يزال الدين ظاهراً ما عجل الناس الفطر". معنى ولا كان لقوله ﷺ : "يقول الله ﵎: أحب عبادي إلي أعجلهم فطراً". معنى؛ لو كان الليل إذا أقبل وأدبر النهار وغابت الشمس كان الصوام جميعاً يفطرون ولو كان فطر جميعهم في وقت واحد لا يتقدم فطر أحدهم غيره لما كان لقوله ﷺ : "من وجد تمراً فليفطر عليه ومن لم يجد فليفطر على الماء". معنى؛ ولكن معنى قوله: "فقد أفطر" أي: فقد حل له الفطر والله أعلم» اهـ. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ في [تَهْذِيْبِ سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ] (١/ ٢٥١): «وليس المراد به أنَّه أفطر حكماً وإن لم يباشر المفطرات بدليل إذنه لأصحابه في الوصال إلى السحر ولو أفطروا حكماً لاستحال منهم الوصال» اهـ. ٤ - قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ في [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٤/ ٧٧): «وقوله ﷺ : "أقبل الليل وأدبر النهار وغربت الشمس". قال العلماء: كل واحد من هذه الثلاثة يتضمن الآخرين ويلازمهما، وإنَّما جمع بينها؛ لأنَّه قد يكون في واد ونحوه بحيث لا يشاهد غروب الشمس، فيعتمد إقبال الظلام وإدبار الضياء. والله أعلم» اهـ. قُلْتُ: ومن كان في سهل فلا يشترط في حقه أن تغيب الشمس على المشاهدين لها من رءوس الجبال إذا لم يحل بينه وبين رؤيتها حائل كالجبال وغيرها.

стр. 3832

وإذا وجد حائل كأن تغيب من وراء الجبال فلا يكتفي بذلك. قَالَ الْعَلَّامَةُ مُحَمَدُ الْحَطَّابُ الرُّعَيْنِي الْمَالِكِيُّ ﵀ في [مَوَاهِبِ الْجَلِيْلِ] (١/ ٣٩٢): «وَالْمُرَادُ بِالْغُرُوبِ غُرُوبُ قُرْصِ الشَّمْسِ جَمِيعِهِ بِحَيْثُ لَا يُرَى مِنْهُ شَيْءٌ لَا مِنْ سَهْلٍ، وَلَا مِنْ جَبَلٍ فَإِنَّهَا قَدْ تَغِيبُ عَمَّنْ فِي الْأَرْضِ وَتُرَى مِنْ رُءُوسِ الْجِبَالِ». إلى أن قال: «قَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ: وَلَا عِبْرَةَ بِمَغِيبِ قُرْصِهَا عَمَّنْ فِي الْأَرْضِ حَتَّى تَغِيبَ عَمَّنْ فِي رُءُوسِ الْجِبَالِ» اهـ. وَقَالَ الْعَدَوِيُّ فِي [حَاشِيَتِهِ عَلَى شَرْحِ مُخْتَصَرِ خَلِيْلٍ لِلْخَرَشِيِّ] (١/ ٢١٣) «قَوْلُهُ: "عَمَّنْ فِي رُءُوسِ الْجِبَالِ" أَيْ بِحَيْثُ إنَّ مَنْ فِي رُءُوسِ الْجِبَالِ لَا يَرَاهَا» اهـ. قُلْتُ: وهذا محمول على غياب الشمس خلف الجبال. ويوضح ذلك قَوْلُ الْعَلَّامَةُ الْخَرَشِيُّ الْمَالِكِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُخْتَصَرِ خَلِيْلٍ] (١/ ٢١٣): «وَلَا عِبْرَةَ بِمَغِيبِهَا عَمَّنْ فِي الْأَرْضِ خَلْفَ الْجِبَالِ بَلْ الْمُعْتَمَدُ دَلِيلًا عَلَى غَيْبُوبَتِهَا إقْبَالُ الظُّلْمَةِ لِقَوْلِهِ ﵊ "إذَا أَقْبَلَ اللَّيْلُ مِنْ هَاهُنَا وَأَدْبَرَ النَّهَارُ مِنْ هَاهُنَا فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِمُ" وَلَا يَضُرُّ أَثَرُ الْحُمْرَةِ وَلَا بَقَاءُ شُعَاعِهَا فِي الْجُدْرَانِ» اهـ.

стр. 3833

قُلْتُ: يكتفى بمغيب قرص الشمس في الأرض إذا لم يحل حائل كجبل ونحوه، وإذا وجد الحائل كجبل فينظر إلى مغيب الأشعة من رءوس الجبال وإقبال الظلمة من المشرق. قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [الْمَجْمُوْع] (٣/ ٢٩): «قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْأَصْحَابُ وَلَا نَظَرَ بَعْدَ تَكَامُلِ الْغُرُوبِ إلَى بَقَاءِ شُعَاعِهَا بَلْ يَدْخُلُ وَقْتُهَا مَعَ بَقَائِهِ وأمَّا في العمران وقلل الجبال فالاعتبار بأن لا يرى شيء مِنْ شُعَاعِهَا عَلَى الْجُدَرَانِ وَقُلَلِ الْجِبَالِ وَيُقْبِلُ الظَّلَّامُ مِنْ الْمَشْرِقِ» اهـ. وَقَالَ فِي [الرَّوْضَةِ] (١/ ١٨٠): «وَأَمَّا الْمَغْرِبُ فَيَدْخُلُ وَقْتُهَا بِغُرُوبِ الشَّمْسِ بِلَا خِلَافٍ. وَالِاعْتِبَارُ بِسُقُوطِ قُرْصِهَا، وَهُوَ ظَاهِرٌ فِي الصَّحَارِي. وَأَمَّا فِي الْعُمْرَانِ، وَقُلَلِ الْجِبَالِ، فَالِاعْتِبَارُ، بِأَنْ لَا يُرَى شَيْءٌ مِنْ شُعَاعِهَا عَلَى الْجُدْرَانِ، وَيُقْبِلُ الظَّلَامُ مِنَ الْمَشْرِقِ» اهـ. وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٤/ ٣٥٢): «وأمَّا إن بقي شيء من شعاعها على الجدران أو تلك الجبال فلابد من ذهابه» اهـ. وَقَالَ الْخَطِيْبُ الْشَّرْبِيْنِيُّ ﵀ فِي [مُغْنِي الْمُحْتَاجِ] (١/ ٣٠٠): «وَيُعْرَفُ فِي الْعُمْرَانِ بِزَوَالِ الشُّعَاعِ مِنْ رُءُوسِ الْجِبَالِ وَإِقْبَالِ الظَّلَامِ مِنْ الْمَشْرِقِ» اهـ. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ إِبْرَاهِيْمُ بْنُ مَفْلِحٍ الْحَنْبَلِيِّ ﵀ فِي [الْمُبْدِعِ] (١/ ٣٠٢): «وَيُعْرَفُ الْغُرُوبُ فِي الْعُمْرَانِ بِزَوَالِ الشُّعَاعِ مِنْ رُءُوسِ الْجِبَالِ، وَإِقْبَالِ الظَّلَامِ مِنَ الْمَشْرِقِ» اهـ.

стр. 3834

قُلْتُ: ومما يدل على عدم اشتراط مغيب الشمس على من يراها من رءوس الجبال بالنسبة لمن كان على الأرض ما رواه البخاري (١٩٤١)، ومسلم (١١٠١) عَنِ ابْنِ أَبِي أَوْفَى ﵁، قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي سَفَرٍ فَقَالَ لِرَجُلٍ: «انْزِلْ فَاجْدَحْ لِي»، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، الشَّمْسُ؟ قَالَ: «انْزِلْ فَاجْدَحْ لِي»، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ الشَّمْسُ؟ قَالَ: «انْزِلْ فَاجْدَحْ لِي»، فَنَزَلَ فَجَدَحَ لَهُ فَشَرِبَ، ثُمَّ رَمَى بِيَدِهِ هَا هُنَا، ثُمَّ قَالَ: «إِذَا رَأَيْتُمُ اللَّيْلَ أَقْبَلَ مِنْ هَا هُنَا، فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِمُ». زاد عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (٧٥٩٤): «وَلَوْ تَرَاآهَا أَحَدٌ عَلَى بَعِيرِهِ لَرَآهَا، يَعْنِي الشَّمْسَ». ٥ - من غربت عليه الشمس وأفطر وهو في أرض المطار ثم طارت به الطائرة فلا يجب عليه أن يمسك وذلك لأنَّه أفطر إفطاراً شرعياً. لكن إن غربت عليه الشمس وهو في أرض المطار وارتفعت به الطائرة قبل أن يفطر فهل له أن يفطر أو يمسك حتى تغرب الشمس فيه احتمالان: والأظهر الإمساك لأنَّه انتقل إلى موضع لم تغرب فيه الشمس قبل إفطاره فيأخذ حكم ذلك الموضع. ويشبه هذه المسألة من دخل عليه وقت الصلاة وهو في بلده ثم سار إلى بلد لم يدخل فيه وقت تلك الصلاة فإنَّه يصلي في وقت البلد الذي وصل إليه، وليس له أن يصلي باعتبار دخول الوقت عليه وهو في بلده.

стр. 3835

قَالَ الْعَلَّامَةُ مُحَمَدُ الْحَطَّابُ الرُّعَيْنِي الْمَالِكِيُّ ﵀ في [مَوَاهِبِ الْجَلِيْلِ] (١/ ٣٨٨): «قال القرافي في كتاب اليواقيت: مسألة من نوادر أحكام الأوقات: إذا زالت الشمس ببلد من بلاد المشرق وفيها ولي فطار إلى بلد من بلاد المغرب فوجد الشمس كما طلعت فقال بعض العلماء: إنَّه مخاطب بزوال البلد الذي يوقع فيها الصلاة؛ لأنَّه صار من أهلها انتهى. قُلْتُ: وانظر على هذا لو صلى الظهر في البلد الذي زالت عليه فيه الشمس ثم جاء إلى البلد الآخر والظاهر أنَّه لا يطالب بإعادة الصلاة؛ لأنَّه كان مخاطباً بزوال البلد الذي أوقع فيها الصلاة وسقط عنه الوجوب بإيقاعها فيه، ولم يكلف الله بصلاة في يوم واحد مرتين فانظره» اهـ. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ حَجَرٍ الْهَيْتَمِيِّ ﵀ فِي [تُحْفَةِ الْمُحْتَاجِ] (١/ ٤٢٠): «وَلَوْ غَرَبَتْ الشَّمْسُ فِي بَلَدٍ فَصَلَّى الْمَغْرِبَ، ثُمَّ سَافَرَ إلَى بَلَدٍ آخَرَ فَوَجَدَ الشَّمْسَ لَمْ تَغْرُبْ فِيهِ وَجَبَ عَلَيْهِ إعَادَةُ الْمَغْرِبِ كَمَا أَفْتَى بِهِ الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى» اهـ. وَقَالَ (٣/ ٣٨٣): «لَوْ صَلَّى الْمَغْرِبَ فِي بَلَدٍ غَرَبَتْ شَمْسُهُ ثُمَّ سَارَ لِبَلَدٍ مُخْتَلِفَةِ الْمَطْلَعِ مَعَ الْأُولَى فَوَجَدَ الشَّمْسَ لَمْ تَغْرُبْ فِيهَا فَهَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ إعَادَةُ الْمَغْرِبِ كَمَا فِي نَظِيرِهِ مِنْ الصَّوْمِ أَوْ لَا كَمَا لَوْ صَلَّى الصَّبِيُّ ثُمَّ بَلَغَ فِي الْوَقْتِ لَا يَلْزَمُهُ إعَادَةُ الصَّلَاةِ تَرَدُّدٌ وَالْأَوَّلُ مَا أَفْتَى بِهِ شَيْخُنَا الشِّهَابُ الرَّمْلِيُّ وَالثَّانِي هُوَ مَا اعْتَمَدَهُ بِخَطِّهِ فِي هَامِشِ شَرْحِ الرَّوْضِ» اهـ. وجاء في [فَتَاوَى الرَّمْلِي] (١/ ١١٨):

стр. 3836

«"سُئِلَ" عَمَّنْ غَرَبَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ فِي بَلَدٍ وَصَلَّى بِهَا الْمَغْرِبَ ثُمَّ سَافَرَ إلَى بَلَدٍ أُخْرَى فَوَجَدَ الشَّمْسَ لَمْ تَغْرُبْ هَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُصَلِّيَ الْمَغْرِبَ ثَانِيًا أَوْ لَا؟ "فَأَجَابَ" بِأَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ إعَادَةُ الْمَغْرِبِ ثَانِيًا» اهـ. قُلْتُ: الأظهر عدم وجوب الإعادة، لكن إذا لم يصل المغرب فلا يصلها حتى تغرب في الموضع الذي أراد أداء الصلاة فيه. ويشبه ذلك أيضاً من قضى صيام رمضان في بلده ثم انتقل إلى بلد ما زالوا صياماً. والأظهر في ذلك أنَّه إذا انتقل إلى ذلك البلد وقد أفطر وصلى العيد وأخرج زكاة الفطر في بلده أنَّ صيامه قد تم فلا يجب عليه الإمساك، ولا إعادة زكاة الفطر ولا إعادة صلاة العيد لأنَّ كل ذلك وجد في وقته الشرعي. وفي ذلك نزاع بين العلماء. قَالَ الْعَلَّامَةُ أَبُو حَامِدٍ الْغَزَالِي ﵀ في [الْوَسِيْطِ] (٢/ ٥١٧): «وَلَو أصبح معيداً مُفطراً فجرت بِهِ السَّفِينَة إِلَى قطر لم ير بِهِ الْهلَال قَالَ الشَّيْخ أَبُو مُحَمَّد يلْزمه الْامتِثَال تشبهاً إِنْ لم نعمم الحكم وَفِيه بعد لما فِيهِ من تبعيض الْيَوْم الْوَاحِد» اهـ. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ في [مِنْهَاجِ الطَّالِبِيْنَ] (ص: ٧٤): «ومن أصبح معيداً فسارت سفينته إلى بلدة بعيدة أهلها صيام فالأصح أنَّه يمسك بقية اليوم» اهـ. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ حَجَرٍ الْهَيْتَمِيِّ ﵀ فِي [تُحْفَةِ الْمُحْتَاجِ] (٣/ ٣٨٣):

стр. 3837

«وَلَوْ عَيَّدَ فِي بَلَدِهِ وَأَدَّى زَكَاةَ الْفِطْرِ فِيهِ ثُمَّ سَارَتْ سَفِينَتُهُ لِبَلْدَةٍ أَهْلُهَا صِيَامٌ وَأَوْجَبْنَا عَلَيْهِ الإمساك مَعَهُمْ ثُمَّ أَصْبَحَ مُعَيِّدًا مَعَهُمْ فَهَلْ يَلْزَمُهُ إعَادَةُ زَكَاةِ الْفِطْرِ فِيهِ نَظَرٌ. وَيُتَّجَهُ عَدَمُ اللُّزُومِ» اهـ. قَالَ أَحْمَدُ بْنُ قَاسِمٍ الصَّبَّاغِ الْعَبَّادِيِّ ﵀ فِي [حَاشَيَتِهِ عَلَى شَرْحِ الْمِنْهَاجِ] (٣/ ٣٨٥): «لِأَنَّ غَايَةَ الْأَمْرِ أَنَّ تَأْدِيَتَهَا بِبَلَدِهِ وَقَعَ تَعْجِيلًا وَهُوَ جَائِزٌ» اهـ. قُلْتُ: إذا أتم الصيام مع أهل بلده ثم انتقل ليلاً إلى بلد لم يتموا صيامهم ووصل إليهم قبل طلوع الفجر فالأظهر أنَّه يصوم معهم ويخرج زكاة الفطر معهم ويصلي العيد معهم لأنَّه أدرك وقت هذه العبادات في البلد الذي انتقل إليه ولم يكن قد أداها في بلده، وأمَّا الصيام فقد أدرك وقتاً يستطيع فيه الصيام من أوله فلزمه ذلك. وقد اختلف في هذه المسألة العلماء المتأخرون. قال الْعَلَّامَةُ ابْنُ عُثَيْمِيْن ﵀ كما في [مَجْمُوعِ فَتَاوَى وَرَسَائِلَ الْعُثَيْمِيْنَ] (١٥/ ٤٣٨ - ٤٣٩) - بعد أن سئل- غفر الله له -: فقال السائل في إحدى المرات كنت في السعودية ورؤى هلال العيد وكنت مسافراً في تلك الليلة إلى باكستان حوالي الساعة الثانية ليلاً وعلمت أنَّهم لم يروا هلال شوال وبالتالي فهم صائمون فهل أصوم معهم؟ - «فأجاب بقوله: صم معهم؛ لأنَّك وقت الإمساك أنت في بلد صائم حتى لو زاد صيامك على شهر، فالزائد تبع كما أنَّك لو صمت في بلدك إلى قريب المغرب

стр. 3838

ثم أقلعت الطائرة إلى أمريكا وطالت رؤيتك للشمس أكثر من اليوم؛ فإنَّك لا تفطر حتى تغيب الشمس، وكذلك خروج الشهر وإن صمت ثلاثين يوماً، ثم سافرت إلى بلد فوجدت شوال لم يدخل فصم معهم، وصومك هذا للتبعية، لقوله ﵊: "الصوم يوم يصومون، والفطر يوم يفطرون، والأضحى يوم يضحون"» اهـ. قُلْتُ: ونازع في ذلك آخرون فقد جاء في [فَتَاوَى الْلَّجْنَةِ الْدَّائِمَةِ - ٢] (٩/ ١٩ - ٢٠): «سافر شخص إلى بلد، وقد أكمل صيامه في بلده (٣٠) ثلاثين يوماً، وبوصوله إلى البلد الذي يريده وجد الناس صياماً فصام معهم، وأصبح وقد صام (٣١ يوماً) وفي هذا العام تبين له أنَّ أهل البلد المشار إليه صاموا يوم الجمعة ونحن بدأنا يوم الأربعاء، فهل إذا أكمل الرجل الصوم في بلده وأفطر برؤية الهلال أو أكمل رمضان ثلاثين يوماً ووصل إلى البلد الذي سافر إليه، وعلم أنَّ الناس لن يفطروا إلَّا بعد يومين من تاريخ انتهاء وصوله فهل يصوم معهم بزيادة يومين عمَّا صامه، أم يتوقف عن الصيام بحكم أنَّ شهر رمضان لا يزيد عن ثلاثين يوماً؟ أرجو من سماحتكم إصدار الفتوى. ج: من أكمل صوم شهر رمضان في بلد وأفطر معهم وكان الإفطار بحكم شرعي، ثم سافر إلى بلد آخر ووجدهم لم يفطروا بسبب تأخر بداية الشهر في نظرهم فإنَّه يستمر مفطراً، ولا يصوم معهم؛ لأنَّ حكمه في هذه الحالة حكم البلد الذي جاء منه، حيث كان إفطاره بحكم شرعي، لكن لا يتظاهر بالإفطار أمامهم خشية الفتنة، والله أعلم.

стр. 3839

وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم. اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء عضو … عضو … عضو … عضو … الرئيس بكر أبو زيد … عبد العزيز آل الشيخ … صالح الفوزان … عبد الله بن غديان … عبد العزيز بن عبد الله بن باز» اهـ. قُلْتُ: ويمكن أن يجاب بأنَّ هذه المسألة شبيهة بمن غربت عليه الشمس وهو على الطائرة في أرض المطار قبل أن يفطر ويصلي المغرب، ثم طارت به الطائرة ورأى الشمس فإنَّ الواجب عليه الإمساك عن الطعام وعن الصلاة حتى تغرب عليه الشمس ولا عبرة بغروبها قبل ذلك. وشبيه ذلك من غربت عليه الشمس وهو في الوادي قبل أن يفطر ويصلي المغرب ثم صعد الجبل وشاهد الشمس. ووجه الشبه أنَّ اليوم هاهنا زاد بعد انقضائه، وهناك زاد الشهر بعد انقضائه، أو قل: أنَّه في هذه المسألة رجع إلى حكم اليوم بعد انقضائه، وهناك رجع إلى حكم الشهر بعد انقضائه. * * *

стр. 3840

١٩١ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ قال: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ الْوِصَالِ، عَنْ الْوِصَالِ. قَالُوا: إنَّكَ تُوَاصِلُ. قَالَ: «إنِّي لَسْتُ كَهَيْئَتِكُمْ، إنِّي أُطْعَمَ وَأُسْقَى». وَرَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَةَ وَعَائِشَةُ وَأَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ﵃. وَلِ"مُسْلِمٍ" عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁: «فَأَيُّكُمْ أَرَادَ أَنْ يُوَاصِلَ فَلْيُوَاصِلْ إلَى السَّحَرِ». وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلَ مِنْهَا: ١ - النهي عن وصال يوم بآخر. وقد اختلف فيه العلماء. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ في [الْمُغْنِي] (٦/ ١٩٠): «وهو مكروه في قول أكثر أهل العلم». إلى أن قال ﵀: «وظاهر قول الشافعي أنَّه محرم، تقريراً لظاهر النهي في التحريم» اهـ. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ مُفْلِحٍ ﵀ فِي [الْفُرُوْعِ] (٥/ ٩٥ - ٩٦): «فَصْلٌ: يُكْرَهُ الْوِصَالُ، وَهُوَ أَنْ لَا يُفْطِرَ بَيْنَ الْيَوْمَيْنِ، لِأَنَّ النَّهْيَ رِفْقٌ وَرَحْمَةٌ، ولهذا واصل ﷺ بِهِمْ وَوَاصَلُوا بَعْدَهُ. وَقِيلَ: يَحْرُمُ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ الْبَنَّاءِ، وَحَكَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ وَغَيْرِهِمْ، وَلِلشَّافِعِيَّةِ وَجْهَانِ» اهـ. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ في [الْمَجْمُوْع] (٦/ ٣٥٨):

стр. 3841

«"فرع" في مذاهب العلماء في الوصال: ذكرنا أنَّ مذهبنا أنَّه منهي عنه وبه قال الجمهور وَقَالَ العبدري: هو قول العلماء كافة إلَّا ابن الزبير فإنَّه كان يواصل اقتداء برسول الله ﷺ . قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: كان ابن الزبير وابن أبي نعيم يواصلان وذكر الماوردي في "الحاوي" أنَّ عبد الله بن الزبير واصل سبعة عشر يوماً ثم أفطر على سمن ولبن وصبر قال وتأول في السمن أنَّه يلين الْأمعاء واللبن ألطف غذاء والصبر يقوي الأعضاء» اهـ. وأمَّا ابْنُ حَزْمٍ فقد قال في [الْمُحَلَّى] (٤/ ٤٤٣): «مَسْأَلَةٌ: وَلَا يَحِلُّ صَوْمُ اللَّيْلِ أَصْلًا، وَلَا أَنْ يَصِلَ الْمَرْءُ صَوْمَ يَوْمٍ بِصَوْمِ يَوْمٍ آخَرَ لَا يُفْطِرُ بَيْنَهُمَا، وَفُرِضَ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ أَنْ يَأْكُلَ أَوْ يَشْرَبَ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ وَلَا بُدَّ» اهـ. قُلْتُ: ويدل على عدم التحريم: أنَّ الصحابة ﵃ لم يفهموا من نهيه التحريم، وإنَّما الرحمة بهم، وهم أعلم بمراد رسول الله عليه وسلم. فروى البخاري (١٩٦٤)، ومسلم (١١٠٥) عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الوِصَالِ رَحْمَةً لَهُمْ»، فَقَالُوا: إِنَّكَ تُوَاصِلُ، قَالَ: «إِنِّي لَسْتُ كَهَيْئَتِكُمْ إِنِّي يُطْعِمُنِي رَبِّي وَيَسْقِينِ». ٢ - أنَّ الوصال من خصائص النبي ﷺ . ٣ - أنَّ الْنَّبِيَّ ﷺ يستغني في وصاله بغذاء الأرواح عن غذاء الأبدان. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ في [زَادِ الْمَعَادِ] (٢/ ٣٢ - ٣٤):

стр. 3842

«وقد اختلف الناس في هذا الطعام والشراب المذكورين على قولين: أحدهما: أنَّه طعام وشراب حسي للفم، قالوا: وهذه حقيقة اللفظ، ولا موجب للعدول عنها. الثاني: أنَّ المراد به ما يغذيه الله به من معارفه، وما يفيض على قلبه من لذة مناجاته، وقرة عينه بقربه، وتنعمه بحبه، والشوق إليه، وتوابع ذلك من الأحوال التي هي غذاء القلوب، ونعيم الأرواح، وقرة العين، وبهجة النفوس والروح والقلب بما هو أعظم غذاء وأجوده وأنفعه، وقد يقوى هذا الغذاء حتى يغنى عن غذاء الأجسام مدة من الزمان، كما قيل: لها أحاديث من ذكراك تشغلها … عن الشراب وتلهيها عن الزاد لها بوجهك نور تستضيء به … ومن حديثك في أعقابها حادي إذا شكت من كلال السير أوعدها … روح القدوم فتحيا عند ميعاد ومن له أدنى تجربة وشوق، يعلم استغناء الجسم بغذاء القلب والروح عن كثير من الغذاء الحيواني، ولا سيما المسرور الفرحان الظافر بمطلوبه الذي قد قرت عينه بمحبوبه، وتنعم بقربه، والرضى عنه، وألطاف محبوبه وهداياه، وتحفه تصل إليه كل وقت، ومحبوبه حفي به، معتن بأمره، مكرم له غاية الإكرام مع المحبة التامة له، أفليس في هذا أعظم غذاء لهذا المحب فكيف بالحبيب الذي لا شيء أجل منه، ولا أعظم، ولا أجمل، ولا أكمل، ولا أعظم إحساناً إذا امتلأ قلب المحب بحبه، وملك حبه جميع أجزاء قلبه وجوارحه، وتمكن حبه منه أعظم تمكن، وهذا حاله مع حبيبه، أفليس هذا المحب عند حبيبه يطعمه ويسقيه ليلاً

стр. 3843

ونهاراً؟ ولهذا قال: "إنِّي أظل عند ربى يطعمني ويسقيني". ولو كان ذلك طعاماً وشراباً للفم، لما كان صائماً فضلاً عن كونه مواصلاً، وأيضاً فلو كان ذلك في الليل، لم يكن مواصلاً، ولقال لأصحابه إذ قالوا له: إنَّك تواصل: "لست أواصل". ولم يقل: "لست كهيئتكم"، بل أقرهم على نسبة الوصال إليه، وقطع الإلحاق بينه وبينهم في ذلك، بما بينه من الفارق، كما في صحيح مسلم، من حديث عبد الله بن عمر، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ واصل في رمضان، فواصل الناس، فنهاهم، فقيل له: أنت تواصل، فقال: "إني لست مثلكم إنِّي أطعم وأسقى". وسياق البخاري لهذا الحديث: نهى رسول الله ﷺ عن الوصال، فقالوا: إنَّك تواصل. قال: "إنِّي لست مثلكم إني أطعم وأسقى". وفى "الصحيحين" من حديث أبى هريرة: نهى رسول الله ﷺ عن الوصال، فقال رجل من المسلمين: إنَّك يا رسول الله تواصل، فقَالَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ : "وأيكم مثلى، إنِّي أبيت يطعمني ربى ويسقيني". وأيضاً: فإنَّ الْنَّبِيَّ ﷺ لما نهاهم عن الوصال، فأبوا أن ينتهوا، واصل بهم يوماً، ثم يوماً، ثم رأوا الهلال فقال: "لو تأخر الهلال، لزدتكم". كالمنكل لهم حين أبوا أن ينتهوا عن الوصال. وفى لفظ آخر: "لو مد لنا الشهر لواصلنا وصالاً يدع المتعمقون تعمقهم، إنِّي لست مثلكم أو قال: إنَّكم لستم مثلى فإنِّي أظل يطعمني ربى ويسقيني" فأخبر أنَّه يطعم ويسقى، مع كونه مواصلاً، وقد فعل فعلهم منكلاً بهم، معجزاً لهم فلو كان

стр. 3844

يأكل ويشرب، لما كان ذلك تنكيلاً، ولا تعجيزاً، بل ولا وصالاً، وهذا بحمد الله واضح» اهـ. ٤ - رفق النبي ﷺ بأمته حيث نهاهم عما يشق عليهم. ٥ - أنَّ التيسير على الْأُمة من مقاصد هذه الشريعة السمحة. ٦ - النهي عن الغلو في الدين. ٧ - وفيه ما يدل على أنَّ الصوم شرع فيه الاعتدال، ومن أجل هذا استحب تعجيل الفطور، وتأخير السحور. قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كما في [مَجْمُوعِ الْفَتَاوَى] (٢٠/ ٥٢٨): «وأمَّا من تدبر أصول الشرع ومقاصده فإنَّه رأى الشارع لما أمر بالصوم أمر فيه بالاعتدال حتى كره الوصال وأمر بتعجيل الفطر وتأخير السحور» اهـ. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ في [إِعْلَامِ الْمُوَقِعِيْنَ] (٢/ ١٧): «وهذا إنَّما يتبين بذكر قاعدة وهي أنَّ الشارع الحكيم شرع الصوم على أكمل الوجوه وأقومها بالعدل وأمر فيه بغاية الاعتدال حتى نهى عن الوصال وأمر بتعجيل الفطر وتأخير السحور» اهـ. ٨ - وفيه ما يدل على عدم وجوب السحور. ٩ - وفيه مشروعية الوصال إلى السحر. ١٠ - وفي الإذن بالوصال إلى السحر مما يدل على عدم وجوب التعجيل بالإفطار.

стр. 3845

تنبيه/ حديث أبي سعيد في الوصال إلى السحر من أفراد البخاري دون مسلم، وقد وهم المؤلف في عزوها لمسلم، وقد مرَّ معنا حديث أبي سعيد فيما مضى. * * *

стр. 3846

باب أفضل الصيام وغيره. ١٩٢ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَو بْنِ الْعَاصِ ﵄ قَالَ: أُخْبِرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، أَنِّي أَقُولُ: وَاللَّهِ لَأَصُومَنَّ النَّهَارَ، وَلَأَقُومَنَّ اللَّيْلَ مَا عِشْتُ. فقَالَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ : «أَنْتَ الَّذِي قُلْتَ ذَلِكَ؟». فَقُلْتُ لَهُ: قَدْ قُلْتُهُ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي. فَقَالَ: «فَإِنَّكَ لا تَسْتَطِيعُ ذَلِكَ. فَصُمْ وَأَفْطِرْ، وَقُمْ وَنَمْ. وَصُمْ مِنْ الشَّهْرِ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ فَإِنَّ الْحَسَنَةَ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا. وَذَلِكَ مِثْلُ صِيَامِ الدَّهْرِ». قُلْتُ: فَإِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ. قَالَ: «فَصُمْ يَوْماً وَأَفْطِرْ يَوْمَيْنِ». قُلْتُ: أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ. قَالَ: «فَصُمْ يَوْماً وَأَفْطِرْ يَوْماً. فَذَلِكَ مِثْلُ صِيَامِ دَاوُد. وَهُوَ أَفْضَلُ الصِّيَامِ». فَقُلْتُ: إنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ. قَالَ: «لَا أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ». وَفِي رِوَايَةٍ: «لا صَوْمَ فَوْقَ صَوْمِ أَخِي دَاوُد - شَطْرَ الدَّهْرِ - صُمْ يَوْماً وَأَفْطِرْ يَوْماً». وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلَ مِنْهَا: ١ - تقرير الشخص بما قال قبل نصحه. ٢ - وفيه أنَّ على العبد الاقتصاد في العبادة فلا يكلف نفسه ما يشق عليه فيعجز عنه. وروى البخاري (٣٩) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ الدِّينَ يُسْرٌ، وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إِلَّا غَلَبَهُ، فَسَدِّدُوا وَقَارِبُوا، وَأَبْشِرُوا، وَاسْتَعِينُوا بِالْغَدْوَةِ وَالرَّوْحَةِ وَشَيْءٍ مِنَ الدُّلْجَةِ».

стр. 3847

وروى البخاري (٦٤٦٣) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَنْ يُنَجِّيَ أَحَدًا مِنْكُمْ عَمَلُهُ» قَالُوا: وَلَا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «وَلَا أَنَا، إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللَّهُ بِرَحْمَةٍ، سَدِّدُوا وَقَارِبُوا، وَاغْدُوا وَرُوحُوا، وَشَيْءٌ مِنَ الدُّلْجَةِ، وَالقَصْدَ القَصْدَ تَبْلُغُوا». قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [مَدَارِجِ السَّالِكِيْنَ] (٢/ ٤٦٥): «يَعْنِي اسْتَعِينُوا عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ بِالْأَعْمَالِ فِي هَذِهِ الْأَوْقَاتِ الثَّلَاثَةِ. فَإِنَّ الْمُسَافِرَ يَسْتَعِينُ عَلَى قَطْعِ مَسَافَةِ السَّفَرِ بِالسَّيْرِ فِيهَا» اهـ. ٣ - وفيه كراهة صوم الدهر. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [تَهْذِيْبِ سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ] (٧/ ٥٤ - ٥٦): «وهو نص في أنَّ صوم يوم وفطر يوم أفضل من سرد الصيام ولو كان سرد الصيام مشروعاً أو مستحباً لكان أكثر عملاً فيكون أفضل إذ العبادة لا تكون إلَّا راجحة فلو كان عبادة لم يكن مرجوحاً وقد تأول قوم هذا على أنَّ المعنى لا أفضل من ذلك للمخاطب وحده لما علم من حاله ومنتهى قوته وأنَّ ما هو أكثر من ذلك يضعفه عن فرائضه ويقطعه عن القيام بما عليه من الحقوق وهذا تأويل باطل من وجوه: أحدها: أنَّ سياق الحديث يرده فإنَّه إنَّما كان عن المطيق فإنَّه قال: "فإنِّي أطيق أفضل من ذلك". فسبب الحديث في المطيق فأخبره أنَّه لا أفضل من ذلك للمطيق الذي سأل ولو أنَّ رجلاً سأل من يفضل السرد وَقَالَ: إنِّي أطيق أفضل من صوم يوم وفطر يوم لقال له: السرد أفضل. الثاني: أنَّه أخبر عنه بثلاث جمل:

стр. 3848

إحداها: أنَّه أعدل الصيام. والثانية: أنَّه صوم داود. والثالثة: أنَّه لا أفضل منه. وهذه الأخبار تمنع تخصيصه بالسائل. الثالث: أنَّ في بعض ألفاظ مسلم فيه: "فإنِّي أقوى". قال فلم يزل يرفعني حتى قال: "صم يوماً وأفطر يوماً فإنَّه أفضل الصيام وهو صوم أخي داود" فعلل ذلك بكونه أفضل الصيام وأنَّه صوم داود مع إخباره له بقوته ولم يقل له فإن قويت فالسرد أفضل. الرابع: أنَّ هذا موافق لقوله فيمن صام الأبد: "لا صام ولا أفطر". ومعلوم أنَّ السائل لم يسأله عن الصوم المحرم الذي قد استقر تحريمه عندهم ولو قدر أنَّه سأله عنه لم يكن ليجيب عنه بقوله: "لا صام ولا أفطر". بل كان يجيب عنه بصريح النهي والسياق يدل على أنَّه إنَّما سأله عن الصوم المأذون فيه لا الممنوع منه ولا يعبر عن صيام الأيام الخمسة وعن المنع منها بقوله: "لا صام من صام الأبد" ولا هذه العبارة مطابقة للمقصود بل هي بعيدة منه جداً. الخامس: أنَّه ﷺ أخبر أنَّ أحب الصيام إلى الله صيام داود وأحب القيام إلى الله قيام داود وأخبر بهما معاً، ثم فسره بقوله: "كان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه وينام سدسه وكان يصوم يوماً ويفطر يوماً". رواه البخاري ومسلم.

стр. 3849

وهذا صريح في أنَّه إنَّما كان أحب إلى الله لأجل هذا الوصف وهو ما يتخلل الصيام والقيام من الراحة التي تجم بها نفسه ويستعين بها على القيام بالحقوق وبالله التوفيق» اهـ. قُلْتُ: وإلى الكراهة ذهب أحمد في رواية وإسحاق، وذهب ابن حزم إلى تحريمه، وذهب الجمهور إلى استحبابه لمن قوي عليه ولم يفوت فيه حقاً. وروى ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٩٥٥٦) حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ أَبِي عَمْرٍو الشَّيْبَانِيِّ، قَالَ: بَلَغَ عُمَرَ: أَنَّ رَجُلًا يَصُومُ الدَّهْرَ، فَعَلَاهُ بِالدِّرَّةِ، وَجَعَلَ يَقُولُ: «كُلْ يَا دَهْرُ كُلْ يَا دَهْرُ». قُلْتُ: إِسَنَادُهُ صَحِيْحٌ. ومما احتج به على كراهة، أو تحريم صيام الدهر، ما جاء في بعض ألفاظ حديث عبد الله بن عمرو بن العاص عند البخاري (١٩٧٩): «لَا صَامَ مَنْ صَامَ الدَّهْرَ». وفي لفظ عند البخاري (١٩٧٧)، ومسلم (١١٥٩): «لَا صَامَ مَنْ صَامَ الأَبَدَ» مرتين. قُلْتُ: والمراد بهذا النفي لا الْدُعَاء عليه بعدم التمكن من الصيام؛ ويدل على ذلك ما جاء عند مسلم (١١٦٢) في حديث أبي قتادة بلفظ: «لَا صَامَ وَلَا أَفْطَرَ - أَوْ مَا صَامَ وَمَا أَفْطَرَ». قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٤/ ٢٢٢): «والمعنى بالنفي أنَّه لم يحصل أجر الصوم لمخالفته ولم يفطر لأنَّه أمسك» اهـ.

стр. 3850

قُلْتُ: وقد حمل شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ الحديث على معنى آخر فقال كما في [مَجْمُوعِ الْفَتَاوَى] (٢٢/ ٣٠٣): «فإنَّه يصير الصيام له عادة كصيام الليل فلا ينتفع بهذا الصوم ولا يكون صام ولا هو أيضاً أفطر» اهـ. قُلْتُ: وحمل المجوزون لصيام الدهر هذا الحديث على من صام الأيام الخمسة المحرمة، وهي: العيدان، وأيام التشريق الثلاثة. قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كما في [مَجْمُوعِ الْفَتَاوَى] (٢٢/ ٣٠٢): «وقوله: "من صام الدهر فلا صام ولا أفطر". وغيرها صريحة في أنَّ هذا ليس بمشروع. ومن حمل ذلك على أنَّ المراد صوم الأيام الخمسة فقد غلط فإنَّ صوم الدهر لا يراد به صوم خمسة أيام فقط وتلك الخمسة صومها محرم ولو أفطر غيرها فلم ينه عنها لكون ذلك صوماً للدهر ولا يجوز أن ينهى عن صوم أكثر من ثلاثمائة يوم والمراد خمسة بل مثال هذا مثال من قال: ائتني بكل من في الجامع وأراد به خمسة منهم. وأيضاً فإنَّه علل ذلك بأنَّك إذا فعلت ذلك: هجمت له العين ونفهت له النفس وهذا إنَّما يكون في سرد الصوم لا في صوم الخمسة. وأيضاً فإنَّ في الصحيح أنَّ سائلاً سأله عن صوم الدهر. فقال: "من صام الدهر فلا صام ولا أفطر". قال: فمن يصوم يومين ويفطر يوماً فقال: "ومن يطيق ذلك". قال: فمن يصوم يوماً ويفطر يومين فقال: "وددت أنِّي طوقت ذلك". فقال: فمن يصوم يوماً ويفطر يوماً فقال: "ذلك أفضل الصوم". فسألوه عن صوم الدهر ثم عن صوم ثلثيه ثم عن صوم ثلثه ثم عن صوم شطره» اهـ.

стр. 3851

وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ في [زَادِ الْمَعَادِ] (٢/ ٨٠ - ٨١): «وليس مراده بهذا من صام الأيام المحرمة، فإنَّه ذكر ذلك جواباً لمن قال: أرأيت من صام الدهر؟ ولا يقال في جواب من فعل المحرم: لا صام ولا أفطر، فإنَّ هذا يؤذن بأنَّه سواء فطره وصومه لا يثاب عليه، ولا يعاقب، وليس كذلك من فعل ما حرم الله عليه من الصيام، فليس هذا جواباً مطابقاً للسؤال عن المحرم من الصوم، وأيضاً فإنَّ هذا عند من استحب صوم الدهر قد فعل مستحباً وحراماً، وهو عندهم قد صام بالنسبة إلى أيام الاستحباب، وارتكب محرماً بالنسبة إلى أيام التحريم، وفي كل منهما لا يقال: "لا صام ولا أفطر" فتنزيل قوله على ذلك غلط ظاهر. وأيضاً فإنَّ أيام التحريم مستثناة بالشرع، غير قابلة للصوم شرعاً، فهي بمنزلة الليل شرعاً، وبمنزلة أيام الحيض، فلم يكن الصحابة ليسألوه عن صومها، وقد علموا عدم قبولها للصوم، ولم يكن ليجيبهم لو لم يعلموا التحريم بقوله: "لا صام ولا أفطر"، فإنَّ هذا ليس فيه بيان للتحريم» اهـ. ومما احتجوا به ما رواه أحمد (١٩٧٢٨) حَدَّثَنَا وَكِيعٌ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي تَمِيمَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى، قَالَ وَكِيعٌ: وَحَدَّثَنِي الضَّحَّاكُ أَبُو الْعَلَاءِ، أَنَّهُ سَمِعَهُ مِنْ أَبِي تَمِيمَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ صَامَ الدَّهْرَ ضُيِّقَتْ عَلَيْهِ جَهَنَّمُ هَكَذَا» وَقَبَضَ كَفَّهُ. قُلْتُ: رواية الضحاك وهو ابن يسار مرفوعة، وقد رواها أيضاً الطيالسي (٥١٦)، ومن طريقه البيهقي في [الْكُبْرَى] (٨٢٦٠)، ورواها أيضاً ابن حبان (٣٥٨٤)، والطبراني في [الْكَبِيْر] (١٦٠٠)، و [الْأَوْسَطِ] (٢٥٦٢)، والعقيلي في

стр. 3852

[الْضُعَفَاءِ] (٨٤١)، وَقَالَ ﵀: «وقد روي هذا أيضاً، عن أبي موسى موقوفاً، ولا يصح مرفوعاً» اهـ. قُلْتُ: الضحاك قال فيه أبو حاتم: "لا بأس به"؛ لكن قال ابن معين: "يضعفه البصريون"؛ وهذا جرح غير مفسر؛ لكن يتقوى هذا الجرح باعتبار أنَّ الضحاك بصري، وأهل البلد أبصر بأحوال أهله، وضعفه ابن عدي، وأبو داود، وذكره بن الجارود، والساجي، والعقيلي في الْضُعَفَاءِ. ورواية قتادة موقوفة، وقد رواها أيضاً الطيالسي (٥١٥)، ومن طريقه البزار (٣٠٦٣)، والبيهقي في [الْكُبْرَى] (٨٢٦١)، و [الْصُغْرَى] (١٤١٧)، والطبري في [تَهْذِيْبِ الْآثَارِ] (٧٨٤)، ورواه ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٩٦٤٦). وقد اختلف فيه على قتادة فرواه شعبة عنه موقوفاً، وتابع شعبة في ذلك همام بن يحيى وحديثه عند عبد بن حميد في [الْمُنْتَخَبِ] (٥٦٣)، وهشام بن أبي عبد الله الدستوائي عند الطبري في [تَهْذِيْبِ الْآثَارِ] (٧٨٣). وقد خالفهم سعيد بن أبي عروبة فرواه عن قتادة مرفوعاً، وحديثه عند ابن خزيمة (٢١٥٤، ٢١٥٥). وَقَالَ ﵀ بعد روايته له: «لم يسند هذا الخبر عن قتادة غير ابن أبي عدي عن سعيد» اهـ. ورواها أيضاً البزار (٣٠٦٢)، وابن الجارود في [الْمُنْتَقَى] (٥٦٤)، والطبري في [تَهْذِيْبِ الْآثَارِ] (٧٨٢)، والروياني في [مُسْنَدِه] (٥٦٦).

стр. 3853

قُلْتُ: وقد تابع قتادة في ذلك سفيان الثوري، فروى عبد الرزاق في [الْمُصَنَّفِ] (٧٨٦٦) عَنِ الثَّوْرِيِّ، عَنْ أَبِي تَمِيمَةَ الْهُجَيْمِيِّ، عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ قَالَ: «مَنْ صَامَ الدَّهْرَ ضَيَّقَ اللَّهُ عَلَيْهِ جَهَنَّمَ هَكَذَا، وَعَقَدَ عَشْرًا». قُلْتُ: لكن في السند انقطاع بين الثوري، وأبي تميمة؛ فإنَّ الثوري ولد في السنة التي مات فيها أبو تميمة وهي سنة ٩٧ هـ. قُلْتُ: الصحيح في هذا الحديث الوقف؛ لكن له حكم الرفع. وقد اختلف العلماء في تأويل هذا الحديث، فَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ خُزَيْمَةَ ﵀ في [صَحِيْحِهِ] (٣/ ٣١٣): «سألت المزني عن معنى هذا الحديث فقال: يشبه أن يكون عليه معناه أي: ضيقت عنه جهنم فلا يدخل جهنم ولا يشبه أن يكون معناه غير هذا لأنَّ من ازداد لله عملاً وطاعة ازداد عند الله رفعة وعليه كرامة وإليه قربة هذا معنى جواب المزني» اهـ. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ في [زَادِ الْمَعَادِ] (٢/ ٨٣): «قد اختلف في معنى هذا الحديث. فقيل: ضيقت عليه حصراً له فيها، لتشديده على نفسه، وحمله عليها، ورغبته عن هدى رسول الله ﷺ ، واعتقاده أنَّ غيره أفضل منه. وَقَالَ آخرون: بل ضيقت عليه، فلا يبقى له فيها موضع، ورجحت هذه الطائفة هذا التأويل، بأنَّ الصائم لما ضيق على نفسه مسالك الشهوات وطرقها بالصوم، ضيق الله عليه النار، فلا يبقى له فيها مكان، لأنَّه ضيق طرقها عنه، ورجحت الطائفة الأولى تأويلها، بأن قالت: لو أراد هذا المعنى، لقال ضيقت عنه، وأمَّا التضييق عليه، فلا يكون إلَّا وهو فيها. قالوا:

стр. 3854

وهذا التأويل موافق لأحاديث كراهة صوم الدهر، وأنَّ فاعله بمنزلة من لم يصم. والله أعلم» اهـ. قُلْتُ: واحتج المجوزون لصيام الدهر بأدلة: الدليل الأول: ما رواه البخاري (١٩٤٢)، ومسلم (١١٢١) واللفظ له عَنْ عَائِشَةَ ﵂، أَنَّ حَمْزَةَ بْنَ عَمْرٍو الْأَسْلَمِيَّ، سَأَلَ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي رَجُلٌ أَسْرُدُ الصَّوْمَ، أَفَأَصُومُ فِي السَّفَرِ؟ قَالَ: «صُمْ إِنْ شِئْتَ، وَأَفْطِرْ إِنْ شِئْتَ». قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٤/ ٢١٢): «قوله: "أسرد الصوم" أي أتابعه، واستدل به على أنَّه لا كراهية في صيام الدهر، ولا دلالة فيه لأنَّ التتابع يصدق بدون صوم الدهر، فإن ثبت النهي عن صوم الدهر لم يعارضه هذا الإذن بالسرد، بل الجمع بينهما واضح» اهـ. قُلْتُ: ويدل على ذلك أيضاً قول أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ﵁: «كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَصُومُ الْأَيَّامَ يَسْرُدُ حَتَّى يُقَالَ: لَا يُفْطِرُ، وَيُفْطِرُ الْأَيَّامَ حَتَّى لَا يَكَادَ أَنْ يَصُومَ … ». الحديث رواه أحمد (٢١٨٠١)، والنسائي (٢٣٥٩) مِنْ طَرِيْقِ ثابت بن قيس الغفاري، عن أبي سعيد المقبري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عن أسامة بن زيد. قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ حَسَنٌ. وهذا الحديث ظاهر الدلالة في أنَّه يصدق السرد على ما دون صوم الدهر فلا حجة في الحديث على مشروعية صيام الدهر والله أعلم.

стр. 3855

الدليل الثاني: حديث الباب وهو قوله: «وَصُمْ مِنَ الشَّهْرِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، فَإِنَّ الحَسَنَةَ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا، وَذَلِكَ مِثْلُ صِيَامِ الدَّهْرِ». الدليل الثالث: حديث أبي قتادة عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وفيه: «ثَلَاثٌ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، وَرَمَضَانُ إِلَى رَمَضَانَ، فَهَذَا صِيَامُ الدَّهْرِ كُلِّهِ». رواه مسلم (١١٦٢). الدليل الرابع: ما رواه مسلم (١١٦٤) عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ ﵁، أَنَّهُ حَدَّثَهُ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ ثُمَّ أَتْبَعَهُ سِتًّا مِنْ شَوَّالٍ، كَانَ كَصِيَامِ الدَّهْرِ». قُلْتُ: ووجه الشاهد من هذه الأحاديث أنَّ الْنَّبِيَّ ﷺ شبه صيام هذه الأيام المستحبة بصيام الدهر، والمشبه به أفضل من المشبه؛ فدل ذلك على استحباب صيام الدهر. وقد أجاب على ذلك شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ فقال كما في [مَجْمُوعِ الْفَتَاوَى] (٢٢/ ٣٠٣): «وأمَّا قوله: "صيام ثلاثة أيام من كل شهر يعدل صيام الدهر". وقوله: "من صام رمضان وأتبعه ستاً من شوال فكأنما صام الدهر. الحسنة بعشر أمثالها". ونحو ذلك. فمراده أنَّ من فعل هذا يحصل له أجر صيام الدهر بتضعيف الأجر من غير حصول المفسدة فإذا صام ثلاثة أيام من كل شهر حصل له أجر صوم الدهر بدون شهر رمضان. وإذا صام رمضان وستاً من شوال حصل بالْمَجْمُوْع أجر صوم الدهر وكان القياس أن يكون استغراق الزمان بالصوم عبادة لولا ما في ذلك من المعارض الراجح وقد بين النبي ﷺ الراجح وهو إضاعة ما هو أولى من الصوم وحصول المفسدة راجحة فيكون قد فوت مصلحة راجحة واجبة
следующие страницы →