Полный текст (8 095 стр.). Показаны 3921–3960 · переход к 3926.
стр. 3921
ذكر ابن أبي شيبة عن وكيع عن سفيان عن مغيرة عن أبي معشر عن إبراهيم قال كانوا يستحبون للمعتكف أن يبيت ليلة الفطر في المسجد حتى يكون غدوه منه إلى العيد.
وعن وكيع عن ابن عمر عن عمران بن جرير عن أبي مجلز قال: يبيت ليلة الفطر في المسجد الذي اعتكف فيه حتى يكون خروجه منه إلى مصلاه.
وعن إسماعيل بن علية عن أيوب عن أبي قلابة أنه فعل مثل ذلك.
فهؤلاء من أهل الكوفة والبصرة أعلام إلى ما حكاه مالك عن طائفة من فضلاء أهل المدينة وعلمائهم
ومذهب أحمد بن حنبل في ذلك على ما اختاره مالك واستحبه.
وكان الشافعي والأوزاعي يقولان يخرج من اعتكافه إذا غربت الشمس من آخر أيامه.
قال الشافعي: إذا أراد أن يعتكف العشر الأواخر دخل قبل الغروب فإذا أهل هلال شوال فقد أتم العشر وهو قول أبي حنيفة وأصحابه.
قال أبو عمر: قد أجمعوا في المعتكف في العشر الأول أو الوسط من رمضان أنه يخرج إذا غابت الشمس من آخر يوم من اعتكافه.
وفي إجماعهم على ذلك ما يوهن ورواية من روى يخرج من صبيحتها أو في صبيحتها وإجماعهم على ذلك نقيض ما اختلفوا فيه من الخروج لمن اعتكف العشر الأواخر ويدل على تصويب رواية من روى يخرج فيها من اعتكافه يعني بعد الغروب والله أعلم.
стр. 3922
والصحيح في تحصيل مذهب مالك أن يقام المعتكف ليلة الفطر في معتكفه وخروجه منه إلى العيد استحباب وفضل لا إيجاب وهو الذي ذكر فيه قوله في موطئه بل قد نص عليه وبالله التوفيق» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ في [الْمُغْنِي] (٦/ ٢٥٢):
«فصل: ومن اعتكف العشر الأواخر من رمضان، استحب أن يبيت ليلة العيد في معتكفه.
نص عليه أحمد.
وروي عن النخعي، وأبي مجلز، وأبي بكر بن عبد الرحمن، والمطلب بن حنطب، وأبي قلابة، أنهم كانوا يستحبون ذلك.
وروى الأثرم، بإسناده عن أيوب، عن أبي قلابة، أنَّه كان يبيت في المسجد ليلة الفطر، ثم يغدو كما هو إلى العيد، وكان - يعني في اعتكافه - لا يلقى له حصير ولا مصلى يجلس عليه، كان يجلس كأنه بعض القوم.
قال: فأتيته في يوم الفطر، فإذا في حجره جويرية مزينة ما ظننتها إلَّا بعض بناته، فإذا هي أمة له، فأعتقها، وغدا كما هو إلى العيد.
وَقَالَ إبراهيم: كانوا يحبون لمن اعتكف العشر الأواخر من رمضان، أن يبيت ليلة الفطر في المسجد، ثم يغدو إلى المصلى من المسجد» اهـ.
قُلْتُ: جاء في حديث أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁ في البخاري (٢٠١٨)، ومسلم (١١٦٧) قال: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُجَاوِرُ فِي رَمَضَانَ العَشْرَ الَّتِي فِي وَسَطِ الشَّهْرِ، فَإِذَا كَانَ حِينَ يُمْسِي مِنْ عِشْرِينَ لَيْلَةً تَمْضِي، وَيَسْتَقْبِلُ
стр. 3923
إِحْدَى وَعِشْرِينَ رَجَعَ إِلَى مَسْكَنِهِ، وَرَجَعَ مَنْ كَانَ يُجَاوِرُ مَعَهُ، وَأَنَّهُ أَقَامَ فِي شَهْرٍ جَاوَرَ فِيهِ اللَّيْلَةَ الَّتِي كَانَ يَرْجِعُ فِيهَا، فَخَطَبَ النَّاسَ، فَأَمَرَهُمْ مَا شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ قَالَ: «كُنْتُ أُجَاوِرُ هَذِهِ العَشْرَ، ثُمَّ قَدْ بَدَا لِي أَنْ أُجَاوِرَ هَذِهِ العَشْرَ الأَوَاخِرَ، فَمَنْ كَانَ اعْتَكَفَ مَعِي فَلْيَثْبُتْ فِي مُعْتَكَفِهِ، وَقَدْ أُرِيتُ هَذِهِ اللَّيْلَةَ، ثُمَّ أُنْسِيتُهَا، فَابْتَغُوهَا فِي العَشْرِ الأَوَاخِرِ، وَابْتَغُوهَا فِي كُلِّ وِتْرٍ، وَقَدْ رَأَيْتُنِي أَسْجُدُ فِي مَاءٍ وَطِينٍ»، فَاسْتَهَلَّتِ السَّمَاءُ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ فَأَمْطَرَتْ، فَوَكَفَ المَسْجِدُ فِي مُصَلَّى النَّبِيِّ ﷺ لَيْلَةَ إِحْدَى وَعِشْرِينَ، فَبَصُرَتْ عَيْنِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، وَنَظَرْتُ إِلَيْهِ انْصَرَفَ مِنَ الصُّبْحِ وَوَجْهُهُ مُمْتَلِئٌ طِينًا وَمَاءً.
ففي هذا الحديث أنَّ الْنَّبِيَّ ﷺ كان يخرج من اعتكافه حين يمسي من عشرين، والمساء يطلق على آخر النهار وعلى أول الليل.
وجاء عند البخاري (٢٠٤٠) عنه أنَّه قَالَ: اعْتَكَفْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، العَشْرَ الأَوْسَطَ، فَلَمَّا كَانَ صَبِيحَةَ عِشْرِينَ نَقَلْنَا مَتَاعَنَا، فَأَتَانَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: «مَنْ كَانَ اعْتَكَفَ، فَلْيَرْجِعْ إِلَى مُعْتَكَفِهِ، فَإِنِّي رَأَيْتُ هَذِهِ اللَّيْلَةَ وَرَأَيْتُنِي أَسْجُدُ فِي مَاءٍ وَطِينٍ»، فَلَمَّا رَجَعَ إِلَى مُعْتَكَفِهِ وَهَاجَتِ السَّمَاءُ، فَمُطِرْنَا، فَوَ الَّذِي بَعَثَهُ بِالحَقِّ لَقَدْ هَاجَتِ السَّمَاءُ مِنْ آخِرِ ذَلِكَ اليَوْمِ، وَكَانَ المَسْجِدُ عَرِيشًا، فَلَقَدْ رَأَيْتُ عَلَى أَنْفِهِ وَأَرْنَبَتِهِ أَثَرَ المَاءِ وَالطِّينِ.
قُلْتُ: وهذا يدل على أنَّ خروجهم من الاعتكاف كان في الصباح، لا في المساء، وقد بوَّب عليه البخاري فقال: «باب من خرج من اعتكافه عند الصبح».
ويمكن أن يقال: كان خروجهم من الاعتكاف في المساء ونقل أمتعتهم في الصباح.
стр. 3924
وروى البخاري (٢٠١٦) عنه أنَّه قَاَل: اعْتَكَفْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ العَشْرَ الأَوْسَطَ مِنْ رَمَضَانَ، فَخَرَجَ صَبِيحَةَ عِشْرِينَ فَخَطَبَنَا، وَقَالَ: «إِنِّي أُرِيتُ لَيْلَةَ القَدْرِ، ثُمَّ أُنْسِيتُهَا - أَوْ نُسِّيتُهَا - فَالْتَمِسُوهَا فِي العَشْرِ الأَوَاخِرِ فِي الوَتْرِ، وَإِنِّي رَأَيْتُ أَنِّي أَسْجُدُ فِي مَاءٍ وَطِينٍ، فَمَنْ كَانَ اعْتَكَفَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَلْيَرْجِعْ»، فَرَجَعْنَا وَمَا نَرَى فِي السَّمَاءِ قَزَعَةً، فَجَاءَتْ سَحَابَةٌ فَمَطَرَتْ حَتَّى سَالَ سَقْفُ المَسْجِدِ، وَكَانَ مِنْ جَرِيدِ النَّخْلِ، وَأُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَسْجُدُ فِي المَاءِ وَالطِّينِ، حَتَّى رَأَيْتُ أَثَرَ الطِّينِ فِي جَبْهَتِهِ.
قُلْتُ: وأمره لهم بالرجوع إلى الاعتكاف صبيحة عشرين يدل على أنَّهم قد كانوا خرجوا من اعتكافهم.
وروى البخاري (٢٠٣٦)، ومسلم (١١٦٧) عنه أنَّه قال: اعْتَكَفْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ العَشْرَ الأَوْسَطَ مِنْ رَمَضَانَ، قَالَ: فَخَرَجْنَا صَبِيحَةَ عِشْرِينَ، قَالَ: فَخَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَبِيحَةَ عِشْرِينَ فَقَالَ: «إِنِّي أُرِيتُ لَيْلَةَ القَدْرِ، وَإِنِّي نُسِّيتُهَا، فَالْتَمِسُوهَا فِي العَشْرِ الأَوَاخِرِ فِي وِتْرٍ، فَإِنِّي رَأَيْتُ أَنِّي أَسْجُدُ فِي مَاءٍ وَطِينٍ، وَمَنْ كَانَ اعْتَكَفَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَلْيَرْجِعْ»، فَرَجَعَ النَّاسُ إِلَى المَسْجِدِ وَمَا نَرَى فِي السَّمَاءِ قَزَعَةً، قَالَ: فَجَاءَتْ سَحَابَةٌ، فَمَطَرَتْ، وَأُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، فَسَجَدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الطِّينِ وَالمَاءِ حَتَّى رَأَيْتُ أَثَرَ الطِّينِ فِي أَرْنَبَتِهِ وَجَبْهَتِهِ.
قُلْتُ: ويمكن الجمع بين هذه الروايات بأنَّ الْنَّبِيَّ ﷺ كان كان يخرج من اعتكافه في العشر الْأَوْسَطِ مساء العشرين، إلَّا في ذلك العام الذي
стр. 3925
أتاه فيه جبريل وأخبره بأنَّ ما يطلبه أمامه، فإنَّه خرج من اعتكافه صبيحة عشرين. والله أعلم.
وعلى كل حال فالخروج صبيحة عشرين شبيه بالخروج صبيحة الثلاثين، وذلك أنَّ يوم العشرين هو تمام العشر الأوسط، ويوم الثلاثين هو تمام العشر الأواخر، ولا يستقيم الاستدلال بحديث الباب لمذهب من ذهب إلى استحباب اعتكاف ليلة العيد والخروج لصلاة العيد إلَّا إذا قررنا أنَّ خروج النبي ﷺ من معتكفه كان صبيحة إحدى وعشرين كما في رواية الباب لكن فيها ما سبق من الإشكال، وقد اختلف فيها على الإمام مالك وهي إمَّا متأولة أو من قبيل الوهم. والله أعلم.
٤ - أنَّ ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان.
٥ - أنَّ أرجى ليالي العشر الأواخر الأوتار منها.
٦ - مجيء ليلة القدر في ذلك الزمن في ليلة إحدى وعشرين يدل على خطإ من قصرها على سبع وعشرين، أو غير ذلك من الليالي.
وقد جاءت ليلة القدر في زمنه ﵊ في ليلة ثلاث وعشرين، فيما رواه مسلم (١١٦٨) عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أُنَيْسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، قَالَ: «أُرِيتُ لَيْلَةَ الْقَدْرِ، ثُمَّ أُنْسِيتُهَا، وَأَرَانِي صُبْحَهَا أَسْجُدُ فِي مَاءٍ وَطِينٍ» قَالَ: فَمُطِرْنَا لَيْلَةَ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ، فَصَلَّى بِنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَانْصَرَفَ وَإِنَّ أَثَرَ الْمَاءِ وَالطِّينِ عَلَى جَبْهَتِهِ وَأَنْفِهِ.
قُلْتُ: وليلة السابعة من أرجى ليالي العشر، ويدل على ذلك ما رواه أحمد (٢١٤٩) حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ
стр. 3926
بْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَجُلًا، أَتَى النَّبِيَّ ﷺ ، فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، إِنِّي شَيْخٌ كَبِيرٌ عَلِيلٌ، يَشُقُّ عَلَيَّ الْقِيَامُ، فَأْمُرْنِي بِلَيْلَةٍ لَعَلَّ اللَّهَ يُوَفِّقُنِي فِيهَا لِلَيْلَةِ الْقَدْرِ. قَالَ: «عَلَيْكَ بِالسَّابِعَةِ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ، ويحتمل أنَّ الْنَّبِيَّ ﷺ أمره بتحريها في ذلك العام، أو في كل عام.
بقى هل المراد بالسابعة، ليلة السابع والعشرين، أو المراد بالسابعة، السابعة التي تبقي من الشهر.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِ ﵀ في [التَّمْهِيْدِ] (٢١/ ٢١٣):
«يريد سابعة تبقى والله أعلم وذلك محفوظ في حديث ابن عباس إذ ذكر ما خص الله على سبع من خلقه ثم قال: وما أراها إلَّا ليلة ثلاث وعشرين لسبع بقين» اهـ.
قُلْتُ: لكن روى أحمد (١٨٤٢٦) حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الْحُبَابِ، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ، حَدَّثَنِي نُعَيْمُ بْنُ زِيَادٍ أَبُو طَلْحَةَ الْأَنْمَارِيُّ، أَنَّهُ سَمِعَ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ، يَقُولُ عَلَى مِنْبَرِ حِمْصَ: «قُمْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، لَيْلَةَ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ الْأَوَّلِ، ثُمَّ قُمْنَا مَعَهُ لَيْلَةَ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ إِلَى نِصْفِ اللَّيْلِ، ثُمَّ قَامَ بِنَا لَيْلَةَ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ حَتَّى ظَنَنَّا أَنْ لَا نُدْرِكَ الْفَلَاحَ، قَالَ: وَكُنَّا نَدْعُو السُّحُورَ الْفَلَاحَ. فَأَمَّا نَحْنُ فَنَقُولُ: لَيْلَةُ السَّابِعَةِ لَيْلَةُ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ، وَأَنْتُمْ تَقُولُونَ: لَيْلَةُ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ السَّابِعَةُ، فَمَنْ أَصَوْبُ نَحْنُ، أَوْ أَنْتُمْ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ. هو يدل على أنَّ ليلة سابعة هي ليلة سبع وعشرين.
стр. 3927
وقد جاء في ليلة سبع وعشرين ما رواه مسلم (٧٦٢) عَنْ زِرَّ بْنَ حُبَيْشٍ، قَالَ: سَأَلْتُ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ ﵁، فَقُلْتُ: إِنَّ أَخَاكَ ابْنَ مَسْعُودٍ يَقُولُ: مَنْ يَقُمِ الْحَوْلَ يُصِبْ لَيْلَةَ الْقَدْرِ؟ فَقَالَ ﵀: «أَرَادَ أَنْ لَا يَتَّكِلَ النَّاسُ، أَمَا إِنَّهُ قَدْ عَلِمَ أَنَّهَا فِي رَمَضَانَ، وَأَنَّهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ، وَأَنَّهَا لَيْلَةُ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ، ثُمَّ حَلَفَ لَا يَسْتَثْنِي، أَنَّهَا لَيْلَةُ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ، فَقُلْتُ: بِأَيِّ شَيْءٍ تَقُولُ ذَلِكَ؟ يَا أَبَا الْمُنْذِرِ، قَالَ: بِالْعَلَامَةِ، أَوْ بِالْآيَةِ الَّتِي أَخْبَرَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنَّهَا تَطْلُعُ يَوْمَئِذٍ، لَا شُعَاعَ لَهَا».
وجاء في ذلك ما رواه أبو داود (١٣٨٦) حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، أَنَّهُ سَمِعَ مُطَرِّفًا، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ قَالَ: «لَيْلَةُ الْقَدْرِ لَيْلَةُ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ».
ورواه أبو داود الطيالسي (١٠٥٤) حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ مُطَرِّفٍ، عَنْ مُعَاوِيَةَ، قَالَ: «لَيْلَةُ الْقَدْرِ لَيْلَةُ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ».
قُلْتُ: هكذا أوقفه الطيالسي، وقد رفعه معاذ بن معاذ.
قَالَ الْحَافِظُ الْدَارَقُطْنِي ﵀ في [الْعِلَلِ] (٧/ ٦٦): «ولا يصح، عن شعبة مرفوعاً» اهـ.
قُلْتُ: وقع في "الْعِلَلِ" في حديث معاوية: «لَيْلَةُ الْقَدْرِ لَيْلَةُ أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ».
قُلْتُ: وخالفهما عفان في لفظ الحديث فروى ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٩٦٣٠) حَدَّثَنَا عَفَّانُ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ مُطَرِّفٍ، عَنْ مُعَاوِيَةَ، قَالَ: «لَيْلَةُ الْقَدْرِ لَيْلَةُ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ».
стр. 3928
واختلف فيه على مطرف فرواه الطبراني في [الْكَبِيْر] (١٦١٧١) حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْوَاسِطِيُّ، ثنا وَهْبُ بْنُ بَقِيَّةَ، أَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، عَنْ سَعِيدٍ الْحَرَّانِيِّ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الشِّخِّيرِ، عَنْ مُطَرِّفٍ، عَنْ مُعَاوِيَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الْتَمِسُوا لَيْلَةَ الْقَدْرِ لَيْلَةَ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ».
قُلْتُ: سعيد الحراني لم أعرفه، وسعيد الذي يروي عن يزيد بن عبد الله، ويروي عنه خالد بن عبد الله إنَّما هو سعيد بن إياس الجريري البصري، لكنَّهم لا يذكرون في ترجمته أنَّه حراني، والجريري هذا مختلط.
وجاء في ذلك أيضاً ما رواه الطبراني في [الصَّغِيْرِ] (٢٨٥) حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ الْخَلِيلِ الْبَغْدَادِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، قَالَ: وَجَدْتُ فِي كِتَابِ أَبِي بِخَطِّهِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﵌: «الْتَمِسُوا لَيْلَةَ الْقَدْرِ لَيْلَةَ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ».
لَمْ يَرْوِهِ عَنْ شُعْبَةَ إِلَّا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وِجَادَةً فِي كِتَابِهِ اهـ.
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ حَسَنٌ، وإسحاق هو ابن إبراهيم الخليل قال فيه الخطيب في [تَارِيْخِ بِغْدَاد] (٦/ ٣٩٢): «وكان ثقة» اهـ.
ومن ذلك ما رواه أحمد (٤٨٠٨) حَدَّثَنَا يَزِيدُ بَنُ هَارُونَ، أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ كَانَ مُتَحَرِّيَهَا فَلْيَتَحَرَّهَا لَيْلَةَ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ»، وَقَالَ: «تَحَرَّوْهَا لَيْلَةَ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ» يَعْنِي لَيْلَةَ الْقَدْرِ.
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ.
стр. 3929
وقد قام النبي ﷺ بأصحابه ليلة سبع وعشرين إلى قريب الفجر.
وجاء في ليلة ثلاث وعشرين ما رواه الطحاوي في [شَرْحِ مَعَانِي الْآثَارِ] (٤٦٢٢)، والبيهقي في [الْكُبْرَى] (٨٣٢٠) مِنْ طَرِيْقِ سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ، ثنا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، ثنا يَزِيدُ بْنُ الْهَادِ، أَنَّ أَبَا بَكْرِ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، أَخْبَرَهُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أُنَيْسٍ، قَالَ: «كُنَّا بِالْبَادِيَةِ فَقُلْنَا إِنْ قَدِمْنَا بِأَهْلِينَا شَقَّ عَلَيْنَا وَإِنْ خَلَّفْنَاهُمْ أَصَابَتْهُمْ ضِيقَةٌ، قَالَ: فَبَعَثُونِي وَكُنْتُ أَصْغَرَهُمْ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَذَكَرْتُ لَهُ قَوْلَهُمْ فَأَمَرَنَا بِلَيْلَةِ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ حَسَنٌ.
ورواه أحمد (١٦٠٨٧) منقطعاً فقال: ثنا أبو سلمة الخزاعي قال ثنا عبد الله بن جعفر يعني المخرمي عن يزيد بن الهاد عن أبي بكر بن حزم عن عبد الله بن أنيس به.
ورواه أبو داود (١٣٨٠) مِنْ طَرِيْقِ ضمرة بن عبد الله بن أنيس عن أبيه، وضمرة لم يوثقه معتبر.
ورواه مالك في [الْمُوَطَّأِ] (٦٩٥) عن أبي النضر مولى عمر بن عبيد الله أنَّ عبد الله بن أنيس الجهني به.
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ مُنْقَطِعٌ بين أبي النضر وعبد الله بن أنيس.
стр. 3930
والصحيح من أقوال العلماء أنَّها تتنقل في العشر الأواخر، والأوتار أرجى لياليها، والسبع الأواخر أرجى من غيرها، وأرجى ليلى فيها هي ليلة سبع وعشرين، والله أعلم.
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٤/ ٢٦٥):
«القول الخامس والعشرون: أنَّها في أوتار العشر الأخير وعليه يدل حديث عائشة وغيرها في هذا الباب وهو أرجح الأقوال وصار إليه أبو ثور والمزني وابن خزيمة وجماعة من علماء المذاهب» اهـ.
وَقَالَ ﵀ (٤/ ٢٦٥):
«القول السابع والعشرون: تنتقل في العشر الأخير كله قاله أبو قلابة ونص عليه مالك والثوري وأحمد وإسحاق» اهـ.
وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ كَثِيْرٍ ﵀ في [تَفْسِيْرِهِ] (٨/ ٤٥٠):
«وروي عن أبي قِلابَة أنَّه قال: ليلة القدر تنتقل في العشر الأواخر.
وهذا الذي حكاه عن أبي قلابة نص عليه مالك، والثوري، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وأبو ثور، والمزني، وأبو بكر بن خُزَيمة، وغيرهم. وهو محكي عن الشافعي -نقله القاضي عنه، وهو الأشبه. والله أعلم» اهـ.
وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِ ﵀ في [التَّمْهِيْدِ] (٢٣/ ٦٤):
«وعن معمر عن أيوب عن أبي قلابة قال "ليلة القدر تنتقل في العشر الأواخر في كل وتر".
قال أبو عمر: هذا أصح … » اهـ.
стр. 3931
وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ في كتاب الصيام من [شَرْحِ الْعُمْدَةِ] (٢/ ٦٩٦): «وهذه الأحاديث كلها تقتضي أنَّها تكون في هذه الليالي كلها، وقد كانت في عام من الأعوام في إحدى هذه الليالي، فتكون متنقلة في الليالي العشر» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْمَرْدَاوِيُّ ﵀ في [الْإِنْصَاف] (٣/ ٢٥١):
«وَقَالَ غيره تنتقل في العشر الأخير وحكاه بن عبد البر عن الْإِمَام أحمد.
قُلْتُ: وهو الصواب الذي لا شك فيه» اهـ.
٧ - يدل الحديث على استحباب كشف الجبهة عند السجود؛ لقوله: «فَأَبْصَرَتْ عَيْنَايَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَعَلَى جَبْهَتِهِ أَثَرُ الْمَاءِ وَالطِّينِ». فهذا يدل على أنَّ جبهته كانت مكشوفه، إذ لو سجد على كور عمامته لكان أثر الماء والطين على عمامته لا على جبهته.
٨ - وفي المقابل احتج به على جواز السجود على الحائل المتصل؛ فإنَّ الْنَّبِيَّ ﷺ لم يمسح ما أصابه من الطين على جبهته مع كثرته، فقد جاء في بعض ألفاظ الحديث في البخاري (٢٠١٨):
«وَوَجْهُهُ مُمْتَلِئٌ طِينًا وَمَاءً»، ورواه مسلم (١١٦٧) بلفظ: «وَجَبِينُهُ مُمْتَلِئًا طِينًا وَمَاءً».
وفي الاحتجاج بذلك نظر لأنَّ الطين علق بغير اختياره، وإذا أراد مسح الطين فإنَّ الفعل فيه يكثر، وهكذا الطين من جنس الأرض التي يسجد عليها.
٩ - واحتج ابن دِحْيَةَ بقوله: «وَهِيَ اللَّيْلَةُ الَّتِي يَخْرُجُ مِنْ صَبِيحَتِهَا مِنْ اعْتِكَافِهِ». على أنَّ الليلة تضاف لليوم الذي قبلها.
стр. 3932
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ بَطَّالٍ ﵀ في [شَرْحِ الْبُخَارِي] (٤/ ١٦٢):
«يريد الصبيحة التي قبل ليلة إحدى وعشرين، وأضافها إلى الليلة كما تضاف أيضاً الصبيحة التي بعدها إلى الليلة، وكل متصل بشيء فهو مضاف إليه، سواء كان فيه أو بعده، وإن كانت العادة في نسبة الصبيحة إلى الليلة التي قبلها؛ لتقديم الليل على النهار، فإنَّ نسبة الشيء إلى ما بعده جائز بدليل قوله تعالى: ﴿لَمْ يَلْبَثُوا إلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا﴾ فنسب الضحى إلى ما بعده» اهـ.
وَقَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٤/ ٢٥٨):
«فكأن قوله في رواية مالك المذكورة: "وهي الليلة التي يخرج من صبيحتها". أي من الصبح الذي قبلها ويكون في إضافة الصبح إليها تجوز وقد أطال ابن دِحْيَة في تقرير أنَّ الليلة تضاف لليوم الذي قبلها ورد على من منع ذلك ولكن لم يوافق على ذلك».
إلى أن قال ﵀: «وقد وجه شيخنا الْإِمَام البلقيني رواية الباب بأنَّ معنى قوله: "حتى إذا كانت ليلة إحدى وعشرين". أي حتى إذا كان المستقبل من الليالي ليلة إحدى وعشرين. وقوله: "وهي الليلة التي يخرج". الضمير يعود على الليلة الماضية ويؤيد هذا قوله: "من كان أعتكف معي فليعتكف العشر الأواخر". لأنَّه لا يتم ذلك إلَّا بإدخال الليلة الأولى» اهـ.
قُلْتُ: وقد دلت سائر الروايات على أنَّ خروجه كان صبيحة عشرين، كما روى البخاري (٢٠١٦) عن أبي سعيد أنَّه قال: «فَخَرَجَ صَبِيحَةَ عِشْرِينَ فَخَطَبَنَا».
стр. 3933
وفي لفظ للبخاري (٢٠٣٦)، ومسلم (١١٦٧): «فَخَرَجْنَا صَبِيحَةَ عِشْرِينَ، قَالَ: فَخَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَبِيحَةَ عِشْرِينَ».
١٠ - واحتج به من قصر ليلة القدر على ليلة إحدى وعشرين.
١١ - وفيه أنَّ من الرؤيا ما تطابق الواقع فلا تحتاج إلى تعبير.
١٢ - واحتج به من قال: إنَّ الطين إذا كان يسيراً يسجد عليه المصلي، ولا يومئ في سجوده.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٢/ ٢٣٤ - ٢٣٥):
«ومذهب مالك: أنَّه يصلي في الطين بالأرض، ولا يصلي على الراحلة.
واختلفت الرواية عنه في السجود في الطين: فروي عنه: أنَّه يسجد عليه. وروي عنه أنَّه يومئ.
وحمل ذلك طائفة من أصحابه على اختلاف حالين: فالحال التي يسجد عليه: إذا كان خفيفاً، كما سجد النبي ﷺ في اعتكافه في الماء والطين، وانصرف وعلى جبهته أثر الماء والطين. والحال التي يومئ: إذا كان كثيراً، يغرق فيه المصلي. ونص أحمد على أنَّه إذا خشي أن تفسد ثيابه بالسجود على الطين أومأ، ولم يسجد عليه. وكذا قال أبو الشعثاء جابر بن زيد» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ بَطَّالٍ ﵀ في [شَرْحِ الْبُخَارِي] (٢/ ٤٣٣ - ٤٣٤):
«وفي الحديث: أنَّ المصلى في الطين يسجد عليه، وهذا عند العلماء إذا كان يسيرًا لا يمرث وجهه ولا ثيابه؛ ألا ترى أنَّ وجهه كان سالمًاً من الطين، وإنَّما كان منه شيء على جبهته وأرنبته، فإذا كان الطين كثيرًا، فالسنة فيه ما روى يعلى بن أمية عن الرسول أنَّه صلى بإيماء على راحلته في الماء والطين، وبه قال أكثر الفقهاء.
стр. 3934
واختلف قول مالك في ذلك، فروى أشهب عنه في العتبية أنَّه لا يجزئه إلَّا أن ينزل بالأرض ويسجد عليها على حسب ما يمكنه؛ استدلالاً بحديث أبي سعيد، وَقَالَ ابن حبيب: مذهب مالك أنَّه يُؤمي، إلَّا عبد الله بن عبد الحكم، فإنَّه كان يقول: يسجد عليه ويجلس فيه إذا كان لا يعم وجهه ولا يمنعه من ذلك إلَّا إحراز ثيابه. قال ابن حبيب: وبالأول أقول؛ لأنَّه أشبه بِيُسْر الله في الدين، وأنَّه لا طاعة في تلوث الثياب في الطين، وإنَّما يؤمي في الطين إذا كان لا يجد المصلى موضعاً نقياً من الأرض يصلى عليه، فإن طمع أن يدرك موضعاً نقياً قبل خروج الوقت لم يجزه الإيماء في الطين» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ عَبْدِ البَّرِ ﵀ في [التَّمْهِيْدِ] (٢٣/ ٦١):
«أمَّا إذا كان الطين والماء مما يمكن السجود عليه وليس فيه كبير تلويث وفساد للثياب وجاز تمكين الجبهة والأنف من الأرض فهذا موضع لا تجوز فيه الصلاة على الراحلة ولا على الأقدام بالإيماء لأنَّ الله قد افترض الركوع والسجود على كل من قدر على ذلك كيفما قدر وأمَّا إذا كان الطين والوحل والماء الكثير قد أحاط بالمسجون أو المسافر الذي لا يرجو الانفكاك منه ولا الخروج منه قبل خروج الوقت وكان ماء معيناً غرقاً وطيناً قبيحاً وحلاً فجائز لمن كان في هذه الحال أن يصلي بالإيماء على ما جاء في ذلك عن العلماء من الصحابة والتابعين فالله أعلم بالعذر وليس بالله حاجة إلى تلويث وجهه وثيابه وليس في ذلك طاعة إنَّما الطاعة الخشية والعمل بما في الطاقة» اهـ.
١٣ - واحتج به على أنَّ السنَة للمصلي أن لا يمسح جبهته في الصلاة.
стр. 3935
وأمَّا تسوية الأرض فجاء في ذلك ما رواه مسلم (٥٤٦) عَنْ مُعَيْقِيبٍ، قَالَ: ذَكَرَ النَّبِيُّ ﷺ الْمَسْحَ فِي الْمَسْجِدِ يَعْنِي الْحَصَى قَالَ: «إِنْ كُنْتَ لَا بُدَّ فَاعِلًا فَوَاحِدَةً».
ورواه البخاري (١٢٠٧) عَنْ مُعَيْقِيبٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: فِي الرَّجُلِ يُسَوِّي التُّرَابَ حَيْثُ يَسْجُدُ، قَالَ: «إِنْ كُنْتَ فَاعِلًا فَوَاحِدَةً».
١٤ - وفيه أنَّ السجود يكون على الجبهة والأنف.
والسجود على الجبهة واجب وعلى الأنف مستحب، وجاءت أدلة بوجوب ذلك ولا تصح.
وأوجب السجود على الأنف مالك وأحمد والشافعي في رواية عنهم، والرواية الأخرى لا تجب.
١٥ - قول النبي ﷺ في: «وَقَدْ رَأَيْتُنِي أَسْجُدُ فِي مَاءٍ وَطِينٍ». ليس ذلك علامة ليلة القدر على سبيل الاستمرار؛ وإنَّما كانت علامة في ذلك العام.
وقد ثبتت علامتان لليلة القدر عَنِ النَّبِيِّ ﷺ :
الأولى: في أثناء ليلتها، وهي أنَّ ليلة القدر لا حارة ولا باردة.
والأخرى: بعد انقضاءها، وهي أنَّ الشمس تطلع صبيحة ليلة القدر بيضاء لا شعاع لها.
وقد جاء في ذلك عدة أحاديث منها:
حديث عبد الله بن عباس ﵄:
стр. 3936
فروى الطيالسي (٢٨٠٢)، وابن خزيمة في [صَحِيْحِهِ] (٢١٩٢)، وابن نصر المروزي في [قِيَامِ رَمَضَانَ] (٥٠)، والعقيلي في [الْضُعَفَاءِ] (٧٢٨) ومِنْ طَرِيْقِ الطيالسي البيهقي في [الشُّعَبِ] (٣٤١٩)، وأبو نعيم في [تَارِيْخِ أَصْبَهَان] (١٩٥) مِنْ طَرِيْقِ زَمْعَةَ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ وَهْرَامَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ: «لَيْلَةٌ سَمْحَةٌ طَلْقَةٌ، لَا حَارَّةٌ، وَلَا بَارِدَةٌ، تُصْبِحُ شَمْسُهَا صَبِيحَتَهَا ضَعِيفَةً حَمْرَاءَ».
قُلْتُ: زمعة هو ابن صالح ضعيف الحديث لكن الحديث حسن بشواهده الآتية.
ومنها حديث جابر ﵁.
وروى ابن خزيمة في [صَحِيْحِهِ] (٢١٩٠)، ومن طريقه ابن حبان في [صَحِيْحِهِ] (٣٦٨٨) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ زِيَادِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ الزِّيَادِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى الْحَرَشِيُّ قَالَا: حَدَّثَنَا الْفُضَيْلُ بْنُ سُلَيْمَانَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ خُثَيْمٍ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنِّي كُنْتُ أُرِيتُ لَيْلَةَ الْقَدْرِ، ثُمَّ نُسِّيتُهَا، وَهِيَ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ لَيْلَتِهَا، وَهِيَ لَيْلَةٌ طَلْقَةٌ بَلْجَةٌ، لَا حَارَّةٌ وَلَا بَارِدَةٌ»، وَزَادَ الزِّيَادِيُّ: «كَأَنَّ فِيهَا قَمَرًا يَفْضَحُ كَوَاكِبَهَا»، وَقَالَا: «لَا يَخْرُجُ شَيْطَانُهَا حَتَّى يُضِيءَ فَجْرُهَا».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ ضَعِيْفٌ، محمد بن زياد، ومحمد بن موسى في حديثهما لين، والفضيل ضعيف، وأبو الزبير مدلس وقد عنعن.
стр. 3937
قُلْتُ: وزيادة الزيادي منكرة فإنَّه ضعيف الحديث، وقد خالف فيها محمد بن موسى الحرشي الثقة الحافظ.
ومنها حديث عبادة بن الصامت ﵁.
رواه الفسوي في [الْمَعْرِفَة وَالتَّارِيْخِ] (١/ ١٩٥) حَدَّثَنِي يُوسُفُ حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ: سَمِعْتُ معاوية بن يحي عن الزهري عن محمد بن بْنِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قال: «لَيْلَةُ الْقَدْرِ فِي رَمَضَانَ مَنْ قَامَهَا إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ، وَهِيَ لَيْلَةُ وَتْرٍ لِثَالِثَةٍ أَوْ خَامِسَةٍ أَوْ سَابِعَةٍ أَوْ تَاسِعَةٍ، وَمِنْ أَمَارَتِهَا أَنَّهَا لَيْلَةٌ بلجة صافة سَاكِنَةٌ لَا حَارَّةٌ وَلَا بَارِدَةٌ، كَأَنَّ فِيهَا قصر، وَلَا يَحِلُّ لِنَجْمٍ أَنْ يُرْمَى بِهِ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ حَتَّى الصَّبَاحِ. وَمِنْ أَمَارَتِهَا- يَعْنِي عَلَامَتِهَا- أَنَّ الشَّمْسَ تَطْلُعُ صَبِيحَتَهَا مُسْتَوِيَةً لَا شُعَاعَ لَهَا، كَأَنَّهَا الْقَمَرُ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، وَحَرَّمَ اللَّهُ عَلَى الشَّيْطَانِ أَنْ يَخْرُجَ مَعَهَا».
قُلْتُ: معاوية بن يحيى ضعيف الحديث، ومحمد بن عبادة لم أقف فيه على جرح ولا تعديل، ويوسف هو ابن يعقوب الصفار.
ورواه أحمد (٢٢٨١٧)، ومن طريقه الضياء في [الْمُخْتَارَةِ] (٣٤٢)، والطبراني في [مُسْنَدِ الشَّامِيِّينَ] (١١١٩)، وابن نصر المروزي في [قِيَامِ رَمَضَانَ] (٤٩) مِنْ طَرِيْقِ بَقِيَّةَ، حَدَّثَنِي بَحِيرُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَيْلَةُ الْقَدْرِ فِي الْعَشْرِ الْبَوَاقِي مَنْ قَامَهُنَّ ابْتِغَاءَ حِسْبَتِهِنَّ، فَإِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ، وَمَا تَأَخَّرَ، وَهِيَ لَيْلَةُ وِتْرٍ تِسْعٍ أَوْ سَبْعٍ أَوْ خَامِسَةٍ أَوْ ثَالِثَةٍ أَوْ آخِرِ لَيْلَةٍ» وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّ أَمَارَةَ لَيْلَةِ الْقَدْرِ أَنَّهَا صَافِيَةٌ بَلْجَةٌ كَأَنَّ فِيهَا قَمَرًا سَاطِعًا سَاكِنَةٌ سَاجِيَةٌ لَا بَرْدَ فِيهَا،
стр. 3938
ولَا حَرَّ وَلَا يَحِلُّ لِكَوْكَبٍ أَنْ يُرْمَى بِهِ فِيهَا حَتَّى تُصْبِحَ، وَإِنَّ أَمَارَتَهَا أَنَّ الشَّمْسَ صَبِيحَتَهَا تَخْرُجُ مُسْتَوِيَةً لَيْسَ لَهَا شُعَاعٌ مِثْلَ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، لَا يَحِلُّ لِلشَّيْطَانِ أَنْ يَخْرُجَ مَعَهَا يَوْمَئِذٍ».
قُلْتُ: خالد بن معدان لا يصح له سماع من عبادة بن الصامت.
ومنها مرسل الحسن البصري ﵀.
روى ابن أبي شيبة في [الْمُصَنَّفِ] (٨٧٧٠، ٩٦٣٦) حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ الْحَسَنِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَيْلَةُ الْقَدْرِ لَيْلَةٌ بَلْجَةٌ سَمْحَةٌ تَطْلُعُ شَمْسُهَا لَيْسَ لَهَا شُعَاعٌ».
قُلْتُ: هَذَا مُرْسَلٌ صَحِيْحٌ.
ومنها حديث واثلة بن الأسقع ﵁.
رواه الطبراني في [الْكَبِيْر] (١٧٦٠٥)، وفي [مُسْنَدِ الشَّامِيِّينَ] (٣٣٨٩) حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ حَمَّادٍ، ثنا سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ عَوْنٍ، عَنْ بَكَّارِ بْنِ تَمِيمٍ، عَنْ مَكْحُولٍ، عَنْ وَاثِلَةَ بْنِ الْأَسْقَعِ، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: «لَيْلَةُ الْقَدْرِ بَلْجَةٌ، لَا حَارَّةٌ وَلَا بَارِدَةٌ، وَلَا سَحَابَ فِيهَا، وَلَا مَطَرَ، وَلَا رِيحَ، وَلَا يُرْمَى فِيهَا بِنَجْمٍ، وَمِنْ عَلَامَةِ يَوْمَهَا تَطْلُعُ الشَّمْسُ لَا شُعَاعَ لَهَا».
قُلْتُ: بشر بن عون، وبكار جهلهما أبو حاتم، وَقَالَ ابن حبان في [الْمَجْرُوحَيْنَ] (١/ ١٩٠): «بشر بن عون القرشي الشامي، يروى عن بكار بن تميم عن مكحول، روى عنه سليمان بن عبد الرحمن الدمشقي، روى عن بكار بن
стр. 3939
تميم عن مكحول عن وائلة نسخة فيها ستمائة حديث كلها موضوعة، لا يجوز الاحتجاج به بحال» اهـ.
قُلْتُ: والوليد بن حماد قال فيه الْحَافِظُ الْذَهَبِيُّ ﵀ في [السِّيَّر] (٢٧/ ٨١): «ولا أعلم فيه مغمزاً، وله أسوة غيره في رواية الواهيات» اهـ.
قُلْتُ: وغاية ما يثبت من ألفاظ هذه الأحاديث باعتبار الشواهد، هو أنَّ ليلة القدر ليلة لا حارة ولا باردة، وأنَّ الشمس صبيحتها بيضاء لا شعاع لها، وما سوى ذلك لا يثبت.
وأمَّا علامة بعد انقضائها، وهي أنَّ الشمس صبيحتها بيضاء لا شعاع لها.
فيدل على ذلك ما مضى من الأحاديث، وما رواه مسلم (٧٦٢) عَنْ زِرٍّ، قَالَ: سَمِعْتُ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ، يَقُولُ: وَقِيلَ لَهُ إِنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ مَسْعُودٍ، يَقُولُ: «مَنْ قَامَ السَّنَةَ أَصَابَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ»، فَقَالَ أُبَيٌّ: «وَاللهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، إِنَّهَا لَفِي رَمَضَانَ، يَحْلِفُ مَا يَسْتَثْنِي، وَوَاللهِ إِنِّي لَأَعْلَمُ أَيُّ لَيْلَةٍ هِيَ، هِيَ اللَّيْلَةُ الَّتِي أَمَرَنَا بِهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ بِقِيَامِهَا، هِيَ لَيْلَةُ صَبِيحَةِ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ، وَأَمَارَتُهَا أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ فِي صَبِيحَةِ يَوْمِهَا بَيْضَاءَ لَا شُعَاعَ لَهَا».
١٦ - وفيه أنَّ من اعتكف العشر له أن يخرج من معتكفه صبيحة اليوم العاشر، ولا ينتظر غروب الشمس؛ فإنَّ المقصود من اعتكاف العشر تحري ليالي القدر، والأيام تبع لذلك، وتنتهي آخر ليلة من ليالي العشر بطلوع فجر اليوم العاشر. ووجه الشاهد من الحديث أنَّ الْنَّبِيَّ ﷺ لما اعتكف العشر الْأَوْسَطِ خرج من اعتكافه صبيحة عشرين، ولم يتم يوم عشرين إلى غروب الشمس.
стр. 3940
١٧ - وفيه أنَّ الْنَّبِيَّ ﷺ ينسى، ونظير هذا ما رواه البخاري (٤٠١)، ومسلم (٥٧٢) مِنْ حَدِيْثِ عَبْدَ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّه قال: «إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ، أَنْسَى كَمَا تَنْسَوْنَ».
ونسيان النبي ﷺ لا يكون فيما أمر بتبليغه؛ لقول الله تعالى: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى (٦) إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ [الأعلى: ٦، ٧]. والاستثناء راجع على ما أراد الله نسخه.
* * *
стр. 3941
باب الاعتكاف.
٢٠٣ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَعْتَكِفُ فِي الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ، حَتَّى تَوَفَّاهُ اللَّهُ . ثُمَّ اعْتَكَفَ أَزْوَاجُهُ بَعْدَهُ».
وَفِي لَفْظٍ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ يَعْتَكِفُ فِي كُلِّ رَمَضَانَ. فَإِذَا صَلَّى الْغَدَاةَ جَاءَ مَكَانَهُ الَّذِي اعْتَكَفَ فِيهِ».
الاعتكاف في اللغة: الحبس والمكث واللزوم، وفي الشرع المكث في المسجد من شخص مخصوص بصفة مخصوصة سمي بذلك لملازمة المسجد.
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلَ مِنْهَا:
١ - استحباب اعتكاف العشر الأواخر من رمضان.
٢ - استحباب المداومة على العمل حتى الموت.
وقد روى البخاري (٦٤٦٤)، ومسلم (٢٨١٨) عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «سَدِّدُوا وَقَارِبُوا، وَاعْلَمُوا أَنْ لَنْ يُدْخِلَ أَحَدَكُمْ عَمَلُهُ الجَنَّةَ، وَأَنَّ أَحَبَّ الأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ أَدْوَمُهَا وَإِنْ قَلَّ».
٣ - التفرغ من أشغال الدنيا في العشر الأواخر من رمضان التماساً لليلة القدر.
стр. 3942
٤ - مشروعية اعتكاف النساء في المسجد إذا أمنت الفتنة.
٥ - احتج به من قال باستحباب دخول المعتكف معتكفه من بعد صلاة غداة يوم عشرين.
والذي ذكره المؤلف هي رواية للبخاري (٢٠٤١)، ورواه البخاري أيضاً (٢٠٣٣) بلفظ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ ، يَعْتَكِفُ فِي العَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ، فَكُنْتُ أَضْرِبُ لَهُ خِبَاءً فَيُصَلِّي الصُّبْحَ ثُمَّ يَدْخُلُهُ … ».
وفي مسلم (١١٧٢) «كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، إِذَا أَرَادَ أَنْ يَعْتَكِفَ صَلَّى الْفَجْرَ، ثُمَّ دَخَلَ مُعْتَكَفَهُ … ».
وحجة من ذهب إلى أنَّ ذلك كان صبيحة عشرين ما رواه البخاري (٨١٣)، ومسلم (١١٦٧) عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قال: «اعْتَكَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَشْرَ الأُوَلِ مِنْ رَمَضَانَ وَاعْتَكَفْنَا مَعَهُ، فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ، فَقَالَ: إِنَّ الَّذِي تَطْلُبُ أَمَامَكَ، فَاعْتَكَفَ العَشْرَ الأَوْسَطَ، فَاعْتَكَفْنَا مَعَهُ فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ فَقَالَ: إِنَّ الَّذِي تَطْلُبُ أَمَامَكَ، فَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ خَطِيبًا صَبِيحَةَ عِشْرِينَ مِنْ رَمَضَانَ فَقَالَ: «مَنْ كَانَ اعْتَكَفَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ، فَلْيَرْجِعْ، فَإِنِّي أُرِيتُ لَيْلَةَ القَدْرِ، وَإِنِّي نُسِّيتُهَا، وَإِنَّهَا فِي العَشْرِ الأَوَاخِرِ، فِي وِتْرٍ، وَإِنِّي رَأَيْتُ كَأَنِّي أَسْجُدُ فِي طِينٍ وَمَاءٍ» وَكَانَ سَقْفُ المَسْجِدِ جَرِيدَ النَّخْلِ، وَمَا نَرَى فِي السَّمَاءِ شَيْئًا، فَجَاءَتْ قَزَعَةٌ، فَأُمْطِرْنَا، فَصَلَّى بِنَا النَّبِيُّ ﷺ حَتَّى رَأَيْتُ أَثَرَ الطِّينِ وَالمَاءِ عَلَى جَبْهَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَرْنَبَتِهِ تَصْدِيقَ رُؤْيَاهُ.
стр. 3943
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ فِي كتاب الصيام من [شَرْحِ الْعُمْدَةِ] (٢/ ٧٧٩): «ويشبه والله أعلم أن يكون دخوله معتكفه صبيحة العشرين قبل الليلة الحادية والعشرين؛ فإنَّه ليس في حديث عائشة أنَّه كان يدخل معتكفه صبيحة إحدى وعشرين، وإنَّما ذكرت أنَّه كان يدخل المعتكف بعد صلاة الفجر، مع قولها: "إنَّه أمر بخبائه فضرب، ثم أراد الاعتكاف في العشر الأواخر"، والعشر صفة لليالي لا للأيام، فمحال أن يريد الاعتكاف في الليالي العشر وقد مضت ليلة منها، وإنَّما يكون ذلك إذا استقبلها بالاعتكاف، وقد ذكرت أنَّه اعتكف عشراً قضاءً للعشر التي تركها، وإنَّما يقضي عشراً من كان يريد أن يعتكف عشراً، وفي حديث أبي سعيد: "أنَّه لما كان صبيحة عشرين؛ أمر الناس بالرجوع إلى المسجد"؛ فقد علم من عادته أنَّه يدخل المعتكف نهاراً، يستقبل العشر الذي يعتكفه، ويؤيد ذلك أنَّه لم يكن يدخل معتكفه إلَّا بعد صلاة الفجر، وقد مضى من النهار جزء، مع أنَّه لم يكن يخرج من منزله إلى المسجد حتى يصلي ركعتي الفجر في بيته، وهذا لا يكون مستوعباً للنهار أيضاً» اهـ.
قُلْتُ: واللفظ الذي أورده الْمُصَنَّفِ من حديث عائشة ﵂: «فَإِذَا صَلَّى الْغَدَاةَ جَاءَ مَكَانَهُ الَّذِي اعْتَكَفَ فِيهِ». عند البخاري (٢٠٤١)، ويمكن أن يحمل قوله: "اعْتَكَفَ" على معنى سيعتكف، كما في قول الله تعالى: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ [النحل: ١]، بمعنى سيأتي أمر الله؛ ولهذا قال:
﴿فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾. وعبَّر عن المستقبل بلفظ الماضي تنبيهاً على تحقق وقوعه.
وإنَّما قلت هذا جمعاً بين هذه الرواية، وسائر ألفاظ الحديث. والله أعلم.
стр. 3944
٦ - احتج به من ذهب إلى أنَّ المعتكف يدخل معتكفه من نهار أول أيام العشر.
قَالَ الْإِمَامُ التِّرمِذِيُّ ﵀ فِي [سُنَنِه] (٣/ ١٥٧): «والعمل على هذا الحديث عند بعض أهل العلم يقولون: إذا أراد الرجل أن يعتكف صلى الفجر ثم دخل في معتكفه وهو قول أحمد وإسحق بن إبراهيم. وَقَالَ بعضهم: إذا أراد أن يعتكف فلتغب له الشمس من الليلة التي يريد أن يعتكف فيها من الغد وقد قعد في معتكفه وهو قول سفيان الثوري ومالك بن أنس» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ في [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٤/ ٢٠٧):
«احتج به من يقول: يبدأ بالاعتكاف من أول النهار، وبه قال الأوزاعي والثوري، والليث في أحد قوليه، وَقَالَ مالك وأبو حنيفة والشافعي وأحمد: يدخل فيه قبل غروب الشمس إذا أراد اعتكاف شهر أو اعتكاف عشر، وأولوا الحديث على أنَّه دخل المعتكف، وانقطع فيه، وتخلى بنفسه بعد صلاته الصبح، لا أنَّ ذلك وقت ابتداء الاعتكاف، بل كان من قبل المغرب معتكفاً لابثاً في جملة المسجد، فلما صلى الصبح انفرد» اهـ.
وَقَالَ في [طَرْحِ الْتَثْرِيْبِ] (٥/ ١٦٠): «وهو قول الأوزاعي وأبي ثور وإسحاق بن راهويه وابن المنذر والليث بن سعد في أحد قوليه، وحكاه الترمذي عن أحمد بن حنبل، وحكاه النووي في شَرْحِ مُسْلِمٍ عن الثوري وصححه ابن العربي» اهـ.
قُلْتُ: وقد سبق أن ذكرنا توجيهاً آخر لهذا الحديث في الفقرة السابقة.
٦ - مشروعية تخصيص المعتكف لنفسه مكاناً معيناً في المسجد.
стр. 3945
٧ - ويؤخذ من قولها: «ثُمَّ اعْتَكَفَ أَزْوَاجُهُ مِنْ بَعْدِهِ». على أنَّ الاعتكاف لا يكون إلَّا في المسجد، إذ لو كان مشروعاً في البيوت لا اعتكفن في بيوتهن.
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٤/ ٢٧٢):
«واتفق العلماء على مشروطية المسجد للاعتكاف إلَّا محمد بن عمر بن لبابة المالكي فأجازه في كل مكان وأجاز الحنفية للمرأة أن تعتكف في مسجد بيتها وهو المكان المعد للصلاة فيه، وفيه قول الشافعي قديم، وفي وجه لأصحابه. وللمالكية يجوز للرجال والنساء لأنَّ التطوع في البيوت أفضل.
وذهب أبو حنيفة وأحمد إلى اختصاصه بالمساجد التي تقام فيها الصلوات وخصه أبو يوسف بالواجب منه وأمَّا النفل ففي كل مسجد وَقَالَ الجمهور بعمومه من كل مسجد إلَّا لمن تلزمه الجمعة فاستحب له الشافعي في الجامع وشرطه مالك لأنَّ الاعتكاف عندهما ينقطع بالجمعة ويجب بالشروع عند مالك. وخصه طائفة من السلف كالزهري بالجامع مطلقاً وأومأ إليه الشافعي في القديم. وخصه حذيفة بن اليمان بالمساجد الثلاثة وعطاء بمسجد مكة والمدينة وابن المسيب بمسجد المدينة» اهـ.
وَقَالَ في [طَرْحِ الْتَثْرِيْبِ] (٥/ ١٦٨): «لا شك في أنَّ اعتكافه ﵊ كان في مسجده وكذا اعتكاف أزواجه فأخذ منه اختصاص الاعتكاف بالمساجد وأنَّه لا يجوز في مسجد البيت وهو الموضع المهيأ للصلاة فيه لا في حق الرجل ولا في حق المرأة إذ لو جاز في البيت لفعلوه ولو مرة لما في ملازمة المسجد من المشقة لا سيما في حق النساء، وفي الصحيح عن نافع، وقد أراني عبد الله المكان الذي كان يعتكف فيه رسول الله ﷺ من المسجد. وبهذا
стр. 3946
قال مالك والشافعي وأحمد وداود والجمهور، وَقَالَ أبو حنيفة: يصح اعتكاف المرأة في مسجد بيتها وهو قول قديم للشافعي.
قال ابن قدامة: وحكي عن أبي حنيفة أنَّها لا يصح اعتكافها في مسجد الجماعة، وحكاه ابن عبد البر عن أبي حنيفة والكوفيين مطلقاً أنَّهم قالوا: لا تعتكف إلَّا في مسجد بيتها ولا تعتكف في مسجد جماعة، ثم حكى عن أصحاب أبي حنيفة أنَّ لها الاعتكاف في المسجد مع زوجها وجوزه بعض المالكية والشافعية للرجل أيضاً في مسجد بيته، وهذا يرد على الْخَطَّابِي في قوله: لم يختلفوا أنَّ اعتكافه في بيته غير جائز.
ثم اختلف الجمهور المشترطون للمسجد العام، فقال مالك والشافعي وجمهورهم يصح الاعتكاف في كل مسجد. قال أصحابنا ويصح في سطح المسجد ورحبته. وَقَالَ أحمد بن حنبل: يختص بمسجد تقام فيه الجماعة الراتبة إلَّا في حق المرأة فيصح في جميع المساجد، وَقَالَ أبو حنيفة بمسجد تصلى فيه الصلاة كلها أي في حق الرجل، وَقَالَ الزهري وآخرون يختص بالجامع الذي تقام فيه الجمعة وهو رواية عن مالك، وقالت طائفة يختص بالمساجد الثلاثة المسجد الحرام ومسجد المدينة والمسجد الأقصى حكي ذلك عن حذيفة بن اليمان، وَقَالَ سعيد بن المسيب: لا اعتكاف إلا في مسجد نبي وهو بمعنى الذي قبله ولهذا جعلهما ابن عبد البر قولاً واحداً، وَقَالَ عطاء لا يعتكف إلَّا في مسجد مكة والمدينة حكاه الْخَطَّابِي» اهـ.
стр. 3947
قُلْتُ: الصحيح من أقوال العلماء أنَّ الاعتكاف لا يصح إلَّا في المساجد؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾، والمساجد اسم جنس محلى بالألف واللام، فيفيد العموم.
والمراد بالمساجد التي تقام فيها الصلوات؛ فإنَّه إذا اعتكف في المساجد التي لا تقام فيها الصلوات فلا يخلو إمَّا أن يترك صلاة الجماعة، وصلاة الجماعة من الواجبات والاعتكاف من العبادات المستحبة، فلا يجوز للشخص أن يفعل مستحباً يؤدي به إلى تضييع واجب من الواجبات؛ وإمَّا أن يخرج من معتكفه إلى المساجد التي تقام فيها الجماعات، فيكثر خروجه من أجل ذلك.
وقد نقل شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ إجماع الصحابة على أنَّ الاعتكاف لا يكون إلَّا في مسجد جماعة، فقال ﵀ في كتاب الصيام من [شَرْحِ الْعُمْدَةِ] (٢/ ٧٢٨): «وأيضاً فإنَّه إجماع الصحابة».
إلى أن قال ﵀ (٢/ ٧٣٤ - ٧٣٥): «وهذا قول عامة التابعين، ولم ينقل عن صحابي خلافه؛ إلَّا قول من خص الاعتكاف بالمساجد الثلاثة، وبمسجد نبي.
فقد أجمعوا كلهم على أنَّه لا يكون في مسجد لا جماعة فيه.
وأيضاً؛ المسجد موضع السجود ومحله، وهذا الاسم إنَّما يتم له ويكمل إذا كان معموراً بالسجود وبالصلاة فيه، أمَّا إذا كان خراباً معطلاً عن إقام الصلاة فيه؛ فلم يتم حقيقة المسجد له، وإنَّما يسمى مسجداً بمعنى أنَّه مهيأ للسجود معد له؛
стр. 3948
كما قد تسمى الدار الخالية مسكناً ومنزلاً، ويصان مما تصان منه المساجد؛ لأنَّه مسجد، وإن لم يتم المقصود فيه.
وبهذا يعلم أنَّ قوله: ﴿عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾: إنَّما يفهم منه المواضع التي فيها الصلاة والسجود» اهـ.
قُلْتُ: ولا يشترط في المسجد أن تقام فيه الجمعة، والأحسن أن يكون كذلك، وخروج المعتكف للجمعة خروج نادر لا يتكرر.
وقد جاء حديث فيه قصر الاعتكاف على المساجد الثلاثة، وهو ما رواه روى البيهقي في [الْكُبْرَى] (٨٣٥٧) أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْعَلَوِيُّ أنبأ أَبُو نَصْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ حَمْدَوَيْهِ بْنِ سَهْلٍ الْفَازِيُّ، ثنا مَحْمُودُ بْنُ آدَمَ الْمَرْوَزِيُّ، ثنا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ جَامِعِ بْنِ أَبِي رَاشِدٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، قَالَ:
«قَالَ حُذَيْفَةُ لِعَبْدِ اللهِ يَعْنِي ابْنَ مَسْعُودٍ ﵁: عُكُوفًا بَيْنَ دَارِكَ وَدَارِ أَبِي مُوسَى وَقَدْ عَلِمْتُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "لَا اعْتِكَافَ إِلَّا فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ" أَوْ قَالَ: "إِلَّا فِي الْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ" فَقَالَ عَبْدُ اللهِ: لَعَلَّكَ نَسِيتَ وَحَفِظُوا أَوْ أَخْطَأْتَ وَأَصَابُوا». الشَّكُّ مِنِّي.
قُلْتُ: محمود بن آدم المروزي: «كان ثقة صدوقاً» كما في [الْجَرْحِ وَالْتَعْدِيْلِ] (٨/ ٢٩١) لا بن أبي حاتم ﵀، وقد تابعه سعيد بن منصور كما روى ذلك ابن الجوزي في [التَّحْقِيْقِ] (٢/ ١٠٩/ برقم ١١٨١)؛ لكنه مروي عنده على الشك ولفظه: «لَا اعْتِكَافَ إِلَّا فِي الْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ أَوْ قَالَ مَسْجِدِ جَمَاعَةٍ»، ومحمد بن الفرج وحديثه عند الإسماعيلي في [مُعْجَمِهِ] (٣٣٦)؛ لكن في الإسناد إليه العباس بن
стр. 3949
أحمد الوشاء قال فيه الخطيب في [تَارِيْخِ بِغْدَاد] (١٢/ ١٥١): «وكان أحد الشيوخ الصالحين» اهـ.
قُلْتُ: وهذا لا يكفي في رفع جهالته، وهشام بن عمار وحديثه رواه الطحاوي في [شَرْحِ مُشْكِلِ الْآثَارِ] (٢٧٧١)، لكن في الإسناد إليه محمد بن سنان الشيزري قال فيه الْحَافِظُ الْذَهَبِيُّ في [الْمِيْزَانِ] (٣/ ٥٧٥): «صاحب مناكير. يتأتى فيه».
وخالفهما في رفع الحديث: عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (٨٠١٦)، ومن طريقه رواه الطبراني في [الْكَبِيْر] (٩٣٩٧)، وسعيد بن عبد الرحمن بن حسان المخزومي، وهو ثقة، ومحمد بن يحيى بن أبي عمر، وهو حسن الحديث. روى حديثهما الفاكهي في [أَخَبَارِ مَكَّةَ] (١٣٣٤) فرووه عن سفيان موقوفاً من كلام حذيفة.
قُلْتُ: الوقف هو المحفوظ من حديث حذيفة؛ فإنَّ من رفعه لا يخلو حديثه من ثلاثة أمور:
الأول: أن لا يصح الإسناد إليه كمحمد بن الفرج، وهشام بن عمار.
الثاني: أن يحصل الشك في حديثه كما في رواية سعيد بن منصور.
الثالث: أن يكون من رفعه ثقة لا مطعن فيه ولا في الإسناد إليه، كمحمود بن آدم المروزي.
وأمَّا حديث من أوقفه فليس في حديثهم ذلك، فهذا مما يرجح الوقف على الرفع، وأضف إلى ذلك أنَّ الحديث رواه عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (٨٠١٤)، ومن طريقه الطبراني في [الْكَبِيْر] (٩٣٩٦)، ورواه ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ]
стр. 3950
(٩٧٦٢) عَنِ الثَّوْرِيِّ، عَنْ وَاصِلٍ الْأَحْدَبِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: جَاءَ حُذَيْفَةُ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ، فَقَالَ:
«أَلَا أُعْجِبُكَ مِنْ نَاسٍ عُكُوفٍ بَيْنَ دَارِكَ، وَدَارِ الْأَشْعَرِيِّ؟ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: فَلَعَلَّهُمْ أَصَابُوا، وَأَخْطَأْتَ، فَقَالَ حُذَيْفَةُ: "مَا أُبَالِي أَفِيهِ أَعْتَكِفُ، أَوْ فِي بُيُوتِكُمْ هَذِهِ، إِنَّمَا الِاعْتِكَافُ فِي هَذِهِ الْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ: مَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَمَسْجِدِ الْمَدِينَةِ، وَالْمَسْجِدِ الْأَقْصَى" وَكَانَ الَّذِينَ اعْتَكَفُوا فَعَابَ عَلَيْهِمْ حُذَيْفَةُ فِي مَسْجِدِ الْكُوفَةِ الْأَكْبَرِ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ حَسَنٌ لِغَيْرِهِ، وإبراهيم النخعي وإن لم يدرك ابن مسعود وحذيفة إلَّا أنَّ مرسله عن ابن مسعود جيد؛ فقد قال ﵀: «إذا قُلْتُ: عن عبد الله يعني ابن مسعود فاعلم أنَّه عن غير واحد وإذا سميت لك أحداً فهو الذي سميت» اهـ.
رواه الحافظ ابن عبد البر ﵀ في [التَّمْهِيْدِ] (١/ ٥٨ - ٥٩).
ورواه الطبراني في [الْكَبِيْر] (٩٣٩٥) حَدَّثَنَا عَلِيٌّ، ثنا حَجَّاجُ بْنُ الْمِنْهَالِ، ثنا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ مُغِيرَةَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، أَنَّ حُذَيْفَةَ قَالَ لِابْنِ مَسْعُودٍ: أَلَا تَعْجَبْ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَ دَارِكَ، وَدَارِ أَبِي مُوسَى يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ مُعْتَكِفُونَ، قَالَ: «فَلَعَلَّهُمْ أَصَابُوا، وَأَخْطَأْتَ أَوْ حَفِظُوا، وَنَسِيتَ»، قَالَ: «أَمَّا أَنَا فَقَدْ عَلِمْتُ أَنَّهُ لَا اعْتِكَافَ إِلَّا فِي مَسْجِدِ جَمَاعَةٍ».
قُلْتُ: المغيرة بن مقسم كان مدلساً لا سيما عن إبراهيم النخعي.
стр. 3951
ورواه الطبراني في [الْكَبِيْر] (٩٣٩٤) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، ثنا حَجَّاجُ بْنُ الْمِنْهَالِ، ثنا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنِ الْحَجَّاجِ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ الْأَعْوَرِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ، أَنَّ حُذَيْفَةَ قَالَ لِابْنِ مَسْعُودٍ: أَلَا تَعْجَبْ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَ دَارِكَ، وَدَارِ أَبِي مُوسَى يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ مُعْتَكِفُونَ، فَقَالَ: «لَعَلَّهُمْ أَصَابُوا، وَأَخْطَأْتَ».
قُلْتُ: حجاج هو ابن أرطأة ضعيف ومدلس وقد عنعن.
ومما يدل على عدم صحة المرفوع أنَّه يعارض عموم قول الله تعالى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة: ١٨٧]. فإنَّ "أل" في المساجد استغراقية تفيد العموم.
وأمَّا قَوْلُ الْعَلَّامَةُ الْأَلْبَانِي ﵀ في [الصَّحِيْحَةِ] (٦/ ٦٧٠):
«وهذا الحديث الصحيح، والآية عامة، والحديث خاص، ومقتضى الأصول أن يحمل العام على الخاص، و عليه فالحديث مخصص للآية ومبين لها» اهـ. فليس هذا بصحيح؛ فإنَّ هذا ليس هذا من قبيل التخصيص؛ وذلك أنَّ التخصيص إخراج بعض أفراد العام بحكم يخالف حكم العام مع بقاء العام على عمومه، وهذا لا يستقيم هنا فإنَّ الآية تدل على جواز الاعتكاف في سائر المساجد، وأمَّا الحديث ففيه حصر الاعتكاف في المساجد الثلاثة، فإذا أخذنا بالحديث لم نخصص الآية؛ بل نكون حينئذ أبطلنا عموم الآية بالكلية، ثم الحكم بين العام والخاص لا بد أن يختلف؛ كأن يقول القائل: أكرم الطلاب، ثم يقول: لا تكرم زيداً، فالحكم في العام الإكرام، والحكم في الخاص عدم الإكرام؛ فأمَّا الآية فالحكم فيها مشروعية الاعتكاف، وهكذا هو في الحديث غير أنَّ الآية عممت
стр. 3952
الاعتكاف في جميع المساجد، والحديث قصره على الثلاثة المساجد؛ فالتعارض حاصل بين الآية، والحديث، والجمع بينهما على فرض صحة الحديث أن يحمل النفي في الحديث على نفي الكمال: أي: لا اعتكاف كامل إلَّا في المساجد الثلاثة وذلك لمضاعفة الصلوات فيها؛ وبناءً على هذا الجمع يصح الاعتكاف في سائر المساجد؛ لكنه في المساجد الثلاثة أكمل من غيره. والله أعلم.
٨ - ويؤخذ من قولها: «ثُمَّ اعْتَكَفَ أَزْوَاجُهُ مِنْ بَعْدِهِ». على أنَّ الاعتكاف من الأحكام المحكمة التي لم تنسخ.
٩ - واحتج بعض العلماء باعتكاف النبي ﷺ في رمضان أنَّ الاعتكاف لا يكون إلَّا بصوم، ولا حجة في ذلك.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ في كتاب الصيام من [شَرْحِ الْعُمْدَةِ] (٢/ ٧٦٤): «وأمَّا اعتكاف النبي ﷺ صائماً؛ فلأنَّه كان يتحرى أفضل الأحوال في اعتكافه، ولهذا كان يعتكف العشر الأواخر، مع أنَّ اعتكاف غيرها جائز، وكان يعتكف عشراً، ولو اعتكف أقل جاز» اهـ.
واحتجوا أيضاً على اشتراط الصوم في الاعتكاف بما رواه أبو داود (٢٤٧٣) حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ بَقِيَّةَ، أَخْبَرَنَا خَالِدٌ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ يَعْنِي ابْنَ إِسْحَاقَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّهَا قَالَتْ: «السُّنَّةُ عَلَى الْمُعْتَكِفِ: أَنْ لَا يَعُودَ مَرِيضًا، وَلَا يَشْهَدَ جَنَازَةً، وَلَا يَمَسَّ امْرَأَةً، وَلَا يُبَاشِرَهَا، وَلَا يَخْرُجَ لِحَاجَةٍ، إِلَّا لِمَا لَا بُدَّ مِنْهُ، وَلَا اعْتِكَافَ إِلَّا بِصَوْمٍ، وَلَا اعْتِكَافَ إِلَّا فِي مَسْجِدٍ جَامِعٍ».
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: «غَيْرُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ لَا يَقُولُ فِيهِ: قَالَتْ: السُّنَّةُ».
стр. 3953
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: «جَعَلَهُ قَوْلَ عَائِشَةَ» اهـ.
قُلْتُ: والصحيح في هذا الحديث أنَّه من كلام من دون عائشة كالزهري، أو غيره، وليس هو من كلام عائشة، فقد روى الْدَارَقُطْنِي (٢٣٦٣) حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، ثنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مَجْشَرٍ، ثنا عَبِيدَةُ بْنُ حُمَيْدٍ، ثنا الْقَاسِمُ بْنُ مَعْنٍ، ح وَحَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَعِيدِ التُّبَّعِيُّ، ثنا الْقَاسِمُ بْنُ الْحَكَمِ، ثنا الْقَاسِمُ بْنُ مَعَنٍ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، وَعَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا أَخْبَرَتْهُمَا، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَعْتَكِفُ الْعَشْرَ الْأَوَاخِرَ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ حَتَّى تَوَفَّاهُ اللَّهُ، ثُمَّ اعْتَكَفَهُنَّ أَزْوَاجُهُ مِنْ بَعْدِهِ، وَأَنَّ السُّنَّةَ لِلْمُعْتَكِفِ أَنْ لَا يَخْرُجَ إِلَّا لِحَاجَةِ الْإِنْسَانِ وَلَا يَتْبَعُ جِنَازَةً وَلَا يَعُودُ مَرِيضًا وَلَا يَمَسُّ امْرَأَةً وَلَا يُبَاشِرُهَا وَلَا اعْتِكَافَ إِلَّا فِي مَسْجِدِ جَمَاعَةٍ، وَيَأْمُرُ مَنِ اعْتَكَفَ أَنْ يَصُومَ».
يُقَالُ: إِنَّ قَوْلَهُ: وَأَنَّ السُّنَّةَ لِلْمُعْتَكِفِ إِلَى آخِرِهِ لَيْسَ مِنْ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَأَنَّهُ مِنْ كَلَامِ الزُّهْرِيِّ وَمَنْ أَدْرَجَهُ فِي الْحَدِيثِ فَقَدْ وَهِمَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ، وَهِشَامُ بْنُ سُلَيْمَانَ لَمْ يَذْكُرْهُ اهـ.
وَقَالَ الْحَافِظُ الْبَيْهَقِيُّ ﵀ في [الْكُبْرَى] (٤/ ٣٢١):
«قد ذهب كثير من الحفاظ إلى أنَّ هذا الكلام من قول من دون عائشة وأنَّ من أدرجه في الحديث وهم» اهـ.
وَقَالَ ﵀ في [الْمَعْرِفَة] (٦/ ٣٩٥):
«الْأَثَرُ فِيهِ عِنْدَنَا مَا أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ قَالَ: أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ،
стр. 3954
عَنْ عَقِيلٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ : "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَعْتَكِفُ الْعَشْرَ الْأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ حَتَّى تَوَفَّاهُ اللَّهُ، ثُمَّ اعْتَكَفَ أَزْوَاجُهُ مِنْ بَعْدِهِ".
وَالسُّنَّةُ عَلَى الْمُعْتَكِفِ أَنْ لَا يَخْرُجَ إِلَّا لِحَاجَتِهِ الَّتِي لَا بُدَّ مِنْهَا، وَلَا يَعُودُ مَرِيضًا، وَلَا يَمَسُّ امْرَأَةً، وَلَا يُبَاشِرُهَا، وَلَا اعْتِكَافَ إِلَّا فِي مَسْجِدٍ جَامِعٍ، وَالسُّنَّةُ فِي الْمُعْتَكِفِ أَنْ يَصُومَ.
قَدْ أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ، وَمُسْلِمٌ صَدْرَ هَذَا الْحَدِيثِ فِي الْحَدِيثِ فِي الصَّحِيحِ إِلَى قَوْلِهِ: وَالسُّنَّةُ فِي الْمُعْتَكِفِ أَنْ لَا يَخْرُجَ، وَلَمْ يُخَرِّجَا الْبَاقِيَ لِاخْتِلَافِ الْحُفَّاظِ فِيهِ، مِنْهُمْ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ مِنْ قَوْلِ عَائِشَةَ، وَمِنْهُمْ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ مِنْ قَوْلِ الزُّهْرِيِّ، وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ مِنْ قَوْلِ مَنْ دُونَ عَائِشَةَ، فَقَدْ رَوَاهُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ عُرْوَةَ قَالَ: "الْمُعْتَكِفُ لَا يَشْهَدُ جِنَازَةً، وَلَا يَعُودُ مَرِيضًا، وَلَا يُجِيبُ دَعْوَةً، وَلَا اعْتِكَافَ إِلَّا بِصِيَامٍ، وَلَا اعْتِكَافَ إِلَّا فِي مَسْجِدٍ جَامِعٍ".
وَعَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنِ ابْنِ الْمُسَيِّبِ، أَنَّهُ قَالَ: "الْمُعْتَكِفُ لَا يَعُودُ مَرِيضًا، وَلَا يَشْهَدُ جِنَازَةً".
وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي عَرُوبَةَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّهَا قَالَتْ: "لَا اعْتِكَافَ إِلَّا بِصَوْمٍ"، وَاللَّهُ أَعْلَمُ» اهـ.
وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِ ﵀ في [التَّمْهِيْدِ] (٨/ ٣٣٠):
стр. 3955
«ولم يقل أحد في حديث عائشة هذا السنة إلَّا عبد الرحمن بن إسحاق ولا يصح هذا الكلام كله عندهم إلَّا من قول الزهري في صوم المعتكف ومباشرته وسائر الحديث» اهـ.
وَقَالَ ﵀ في [الْاسْتِذْكَارِ] (٣/ ٣٤٦):
«لم يقل أحد في حديث عائشة هذا السنة إلَّا عبد الرحمن بن إسحاق ولا يصح الكلام عندهم إلَّا من قول الزهري وبعضه من كلام عروة، وذكر عبد الرزاق عن الثوري عن هشام بن عروة عن أبيه قال: "المعتكف لا يجيب دعوة ولا يعود مريضاً ولا يشهد جنازة"» اهـ.
قُلْتُ: ومما يدل على أنَّ الزهري ﵀ ليس عنده في ذلك سنة عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وإنَّما اجتهاد منه رآه ما رواه الدارمي (١٦٢) أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، وَعَمْرُو بْنُ زُرَارَةَ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي سُهَيْلٍ، قَالَ: كَانَ عَلَى امْرَأَتِي اعْتِكَافُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، فَسَأَلْتُ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَعِنْدَهُ ابْنُ شِهَابٍ، قَالَ: قُلْتُ عَلَيْهَا صِيَامٌ. قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: لَا يَكُونُ اعْتِكَافٌ إِلَّا بِصِيَامٍ. فَقَالَ لَهُ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ: أَعَنِ النَّبِيِّ ﷺ ؟ قَالَ: لَا. قَالَ: فَعَنْ أَبِي بَكْرٍ؟ قَالَ: لَا؟ قَالَ: فَعَنْ عُمَرَ؟ قَالَ: لَا. قَالَ: فَعَنْ عُثْمَانَ؟ قَالَ: لَا. قَالَ عُمَرُ: مَا أَرَى عَلَيْهَا صِيَامًا. فَخَرَجْتُ فَوَجَدْتُ طَاوُسًا وَعَطَاءَ بْنَ أَبِي رَبَاحٍ، فَسَأَلْتُهُمَا، فَقَالَ طَاوُسٌ: «كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄، لَا يَرَى عَلَيْهَا صِيَامًا إِلَّا أَنْ تَجْعَلَهُ عَلَى نَفْسِهَا». قَالَ: وَقَالَ عَطَاءٌ: ذَلِكَ رَأْيِي.
قُلْتُ: وإِسْنَادُهُ حَسَنٌ.
стр. 3956
وأمَّا ما رواه الطيالسي في [مُسْنَدِه] (٦٩)، ومن طريقه أبو داود في [السُّنَنِ] (٢٤٧٤) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُدَيْلٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ عُمَرَ ﵁، جَعَلَ عَلَيْهِ أَنْ يَعْتَكِفَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ لَيْلَةً، أَوْ يَوْمًا عِنْدَ الْكَعْبَةِ، فَسَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: «اعْتَكِفْ وَصُمْ».
قُلْتُ: زيادة الصيام في هذا الحديث منكرة من منكرات عبد الله بن بديل.
قال الحافظ ابن عدي ﵀ في [الْكَامِلِ] (٤/ ٢١٤):
«ولا أعلم ذكر في هذا الإسناد ذكر الصوم مع الاعتكاف إلَّا من رواية عبد الله بن بديل عن عمرو بن دينار … ».
إلى أن قال ﵀: «وعبد الله بن بديل له غير ما ذكرت مما فقلنا عليه من الزيادة في متن أو في إسناد ولم أر للمتقدمين فيه كلاما فأذكره» اهـ.
وَقَالَ الْحَافِظُ الْدَارَقُطْنِي ﵀ في [سُنَنِه] (٣/ ١٨٦):
«سمعت أبا بكر النيسابوري يقول هذا حديث منكر لأنَّ الثقات من أصحاب عمرو بن دينار لم يذكروه منهم ابن جريج وابن عيينة وحماد بن سلمة وحماد بن زيد وغيرهم وابن بديل ضعيف الحديث» اهـ.
وَقَالَ ﵀ في [الْعِلَلِ] (٢/ ٢٦ - ٢٧):
«يرويه عبد الله بن بديل المكي وكان ضعيفاً، عن عمرو بن دينار، عن ابن عمر، عن عمر. ولم يتابع عليه، ولا يعرف هذا الحديث عن أحد من أصحاب عمرو بن دينار.
стр. 3957
ورواه نافع، عن ابن عمر، عن عمر، فلم يذكر فيه الصيام، وهو أصح من قول ابن بديل، عن عمرو.
وروي هذا الحديث عن سعيد بن بشير، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر: أنَّ عمر نذر أن يعتكف في الجاهلية ويصوم، فقال له النبي ﷺ : "أوف بنذرك". فإن كان سعيد بن بشير ضبط هذا فهو عنه صحيح، إذا كان في عقد نذره الصوم مع الاعتكاف» اهـ.
قُلْتُ: سعيد بن بشير ضعيف الحديث، فلا يعتمد عليه في مثل هذه الزيادة المخالفة.
وَقَالَ الْحَافِظُ الْبَيْهَقِيُّ ﵀ في [الْمَعْرِفَة] (٦/ ٣٩٤):
«وهذا منكر، قد أنكره حفاظ الحديث لمخالفته أهل الثقة والحفظ في روايته، وابن بديل ضعيف الحديث قاله أبو الحسن الْدَارَقُطْنِي» اهـ.
قُلْتُ: وقد اختلف في هذه المسألة أهل العلم فقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ في [الْمُغْنِي] (٦/ ٢١٣):
«المشهور في المذهب أنَّ الاعتكاف يصح بغير صوم. روي ذلك عن علي، وابن مسعود، وسعيد بن المسيب، وعمر بن عبد العزيز، والحسن، وعطاء، وطاووس، والشافعي، وإسحاق.
وعن أحمد، رواية أخرى، أنَّ الصوم شرط في الاعتكاف. قال: إذا اعتكف يجب عليه الصوم.
وروي ذلك عن ابن عمر، وابن عباس، وعائشة. وبه قال الزهري، ومالك، وأبو حنيفة، والليث، والثوري، والحسن بن يحيى» اهـ.
стр. 3958
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ في [زَادِ الْمَعَادِ] (٢/ ٨٨):
«ولم يذكر الله سبحانه الاعتكاف إلَّا مع الصوم، ولا فعله رسول الله ﷺ إلَّا مع الصوم. فالقول الراجح في الدليل الذي عليه جمهور السلف: أنَّ الصوم شرط في الاعتكاف، وهو الذي كان يرجحه شيخ الإسلام أبو العباس بن تيمية» اهـ.
قُلْتُ: ولشيخ الإسلام قول آخر كما سيأتي.
والذي يظهر لي عدم اشتراط الصوم في الاعتكاف وذلك لعدة أمور:
الأول: أنَّه لم يصح حديث باشتراط ذلك، ولا بد في إثبات الشرطية إلى دليل.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ في كتاب الصيام من [شَرْحِ الْعُمْدَةِ] (٢/ ٧٦١): «ولأنَّه ليس في اشتراط الصوم كتاب ولا سنة ولا إجماع ولا قياس صحيح، والحكم إنَّما يثبت بواحدة من هذه من هذه الجهات؛ بخلاف نفي الاشتراط؛ فإنَّه ثابت بالنفي الأصلي وعدم الدليل الدال على الإيجاب» اهـ.
الثاني: أنَّ الْنَّبِيَّ ﷺ لم يأمر عمر به لما أخبره أنَّه نذر أن يعتكف ليلة في المسجد الحرام، وفي رواية يوماً، وما جاء من الأمر بذلك لا يثبت كما سبق بيانه؛ ولو كان واجباً لأمره به.
الثالث: أنَّ القول باشتراط الصوم في الاعتكاف يقتضي عدم صحة الاعتكاف ليلاً إلَّا لمواصل في الصيام.
قُلْتُ: ومع هذا فإنَّ الصوم للمعتكف مستحب اتفاقاً.
стр. 3959
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ في كتاب الصيام من [شَرْحِ الْعُمْدَةِ] (٢/ ٧٥٢): «وقد أجمع الناس على استحباب الصوم للمعتكف، ولأنَّ الصوم أعون له على كف النفس على الفضول؛ فإنَّه مفتاح العبادة، فيجتمع له حبس النفس عن الخروج، وحبسها عن الشهوات، فيتم مقصود الاعتكاف» اهـ.
١٠ - فيه جواز أن يقال رمضان من غير ذكر الشهر، خلافاً للمالكية.
* * *
стр. 3960
٢٠٤ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂: «أَنَّهَا كَانَتْ تُرَجِّلُ النَّبِيَّ ﷺ وَهِيَ حَائِضٌ، وَهُوَ مُعْتَكِفٌ فِي الْمَسْجِدِ. وَهِيَ فِي حُجْرَتِهَا: يُنَاوِلُهَا رَأْسَهُ».
وَفِي رِوَايَةٍ: «وَكَانَ لا يَدْخُلُ الْبَيْتَ إلاَّ لِحَاجَةِ الإِنْسَانِ».
وَفِي رِوَايَةٍ: أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «إنْ كُنْتُ لأَدْخُلُ الْبَيْتَ لِلْحَاجَةِ وَالْمَرِيضُ فِيهِ. فَمَا أَسْأَلُ عَنْهُ إلاَّ وَأَنَا مَارَّةٌ».
التَّرْجِيْلُ: تَسْرِيْحُ الشَّعْرِ.
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلَ مِنْهَا:
١ - ما كان عليه النبي ﷺ من إكرام شعره.
وقد روى أبو داود (٤١٦٣) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ كَانَ لَهُ شَعْرٌ فَلْيُكْرِمْهُ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ حَسَنٌ.
٢ - حسن عشرة عائشة ﵂ للنبي ﷺ .
٣ - طهارة بدن الحائض.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ في [فَتْحِ الْبَارِي] (١/ ٤٠٢):
«وفي الجملة؛ فبدن الحائض طاهر، وعرقها وسؤرها كالجنب، وحكى الإجماع على ذَلِكَ غير واحد مِنْ العلماء.
следующие страницы →