Полный текст (8 095 стр.). Показаны 3956–3995 · переход к 3961.
стр. 3956
وأمَّا ما رواه الطيالسي في [مُسْنَدِه] (٦٩)، ومن طريقه أبو داود في [السُّنَنِ] (٢٤٧٤) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُدَيْلٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ عُمَرَ ﵁، جَعَلَ عَلَيْهِ أَنْ يَعْتَكِفَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ لَيْلَةً، أَوْ يَوْمًا عِنْدَ الْكَعْبَةِ، فَسَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: «اعْتَكِفْ وَصُمْ».
قُلْتُ: زيادة الصيام في هذا الحديث منكرة من منكرات عبد الله بن بديل.
قال الحافظ ابن عدي ﵀ في [الْكَامِلِ] (٤/ ٢١٤):
«ولا أعلم ذكر في هذا الإسناد ذكر الصوم مع الاعتكاف إلَّا من رواية عبد الله بن بديل عن عمرو بن دينار … ».
إلى أن قال ﵀: «وعبد الله بن بديل له غير ما ذكرت مما فقلنا عليه من الزيادة في متن أو في إسناد ولم أر للمتقدمين فيه كلاما فأذكره» اهـ.
وَقَالَ الْحَافِظُ الْدَارَقُطْنِي ﵀ في [سُنَنِه] (٣/ ١٨٦):
«سمعت أبا بكر النيسابوري يقول هذا حديث منكر لأنَّ الثقات من أصحاب عمرو بن دينار لم يذكروه منهم ابن جريج وابن عيينة وحماد بن سلمة وحماد بن زيد وغيرهم وابن بديل ضعيف الحديث» اهـ.
وَقَالَ ﵀ في [الْعِلَلِ] (٢/ ٢٦ - ٢٧):
«يرويه عبد الله بن بديل المكي وكان ضعيفاً، عن عمرو بن دينار، عن ابن عمر، عن عمر. ولم يتابع عليه، ولا يعرف هذا الحديث عن أحد من أصحاب عمرو بن دينار.
стр. 3957
ورواه نافع، عن ابن عمر، عن عمر، فلم يذكر فيه الصيام، وهو أصح من قول ابن بديل، عن عمرو.
وروي هذا الحديث عن سعيد بن بشير، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر: أنَّ عمر نذر أن يعتكف في الجاهلية ويصوم، فقال له النبي ﷺ : "أوف بنذرك". فإن كان سعيد بن بشير ضبط هذا فهو عنه صحيح، إذا كان في عقد نذره الصوم مع الاعتكاف» اهـ.
قُلْتُ: سعيد بن بشير ضعيف الحديث، فلا يعتمد عليه في مثل هذه الزيادة المخالفة.
وَقَالَ الْحَافِظُ الْبَيْهَقِيُّ ﵀ في [الْمَعْرِفَة] (٦/ ٣٩٤):
«وهذا منكر، قد أنكره حفاظ الحديث لمخالفته أهل الثقة والحفظ في روايته، وابن بديل ضعيف الحديث قاله أبو الحسن الْدَارَقُطْنِي» اهـ.
قُلْتُ: وقد اختلف في هذه المسألة أهل العلم فقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ في [الْمُغْنِي] (٦/ ٢١٣):
«المشهور في المذهب أنَّ الاعتكاف يصح بغير صوم. روي ذلك عن علي، وابن مسعود، وسعيد بن المسيب، وعمر بن عبد العزيز، والحسن، وعطاء، وطاووس، والشافعي، وإسحاق.
وعن أحمد، رواية أخرى، أنَّ الصوم شرط في الاعتكاف. قال: إذا اعتكف يجب عليه الصوم.
وروي ذلك عن ابن عمر، وابن عباس، وعائشة. وبه قال الزهري، ومالك، وأبو حنيفة، والليث، والثوري، والحسن بن يحيى» اهـ.
стр. 3958
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ في [زَادِ الْمَعَادِ] (٢/ ٨٨):
«ولم يذكر الله سبحانه الاعتكاف إلَّا مع الصوم، ولا فعله رسول الله ﷺ إلَّا مع الصوم. فالقول الراجح في الدليل الذي عليه جمهور السلف: أنَّ الصوم شرط في الاعتكاف، وهو الذي كان يرجحه شيخ الإسلام أبو العباس بن تيمية» اهـ.
قُلْتُ: ولشيخ الإسلام قول آخر كما سيأتي.
والذي يظهر لي عدم اشتراط الصوم في الاعتكاف وذلك لعدة أمور:
الأول: أنَّه لم يصح حديث باشتراط ذلك، ولا بد في إثبات الشرطية إلى دليل.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ في كتاب الصيام من [شَرْحِ الْعُمْدَةِ] (٢/ ٧٦١): «ولأنَّه ليس في اشتراط الصوم كتاب ولا سنة ولا إجماع ولا قياس صحيح، والحكم إنَّما يثبت بواحدة من هذه من هذه الجهات؛ بخلاف نفي الاشتراط؛ فإنَّه ثابت بالنفي الأصلي وعدم الدليل الدال على الإيجاب» اهـ.
الثاني: أنَّ الْنَّبِيَّ ﷺ لم يأمر عمر به لما أخبره أنَّه نذر أن يعتكف ليلة في المسجد الحرام، وفي رواية يوماً، وما جاء من الأمر بذلك لا يثبت كما سبق بيانه؛ ولو كان واجباً لأمره به.
الثالث: أنَّ القول باشتراط الصوم في الاعتكاف يقتضي عدم صحة الاعتكاف ليلاً إلَّا لمواصل في الصيام.
قُلْتُ: ومع هذا فإنَّ الصوم للمعتكف مستحب اتفاقاً.
стр. 3959
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ في كتاب الصيام من [شَرْحِ الْعُمْدَةِ] (٢/ ٧٥٢): «وقد أجمع الناس على استحباب الصوم للمعتكف، ولأنَّ الصوم أعون له على كف النفس على الفضول؛ فإنَّه مفتاح العبادة، فيجتمع له حبس النفس عن الخروج، وحبسها عن الشهوات، فيتم مقصود الاعتكاف» اهـ.
١٠ - فيه جواز أن يقال رمضان من غير ذكر الشهر، خلافاً للمالكية.
* * *
стр. 3960
٢٠٤ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂: «أَنَّهَا كَانَتْ تُرَجِّلُ النَّبِيَّ ﷺ وَهِيَ حَائِضٌ، وَهُوَ مُعْتَكِفٌ فِي الْمَسْجِدِ. وَهِيَ فِي حُجْرَتِهَا: يُنَاوِلُهَا رَأْسَهُ».
وَفِي رِوَايَةٍ: «وَكَانَ لا يَدْخُلُ الْبَيْتَ إلاَّ لِحَاجَةِ الإِنْسَانِ».
وَفِي رِوَايَةٍ: أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «إنْ كُنْتُ لأَدْخُلُ الْبَيْتَ لِلْحَاجَةِ وَالْمَرِيضُ فِيهِ. فَمَا أَسْأَلُ عَنْهُ إلاَّ وَأَنَا مَارَّةٌ».
التَّرْجِيْلُ: تَسْرِيْحُ الشَّعْرِ.
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلَ مِنْهَا:
١ - ما كان عليه النبي ﷺ من إكرام شعره.
وقد روى أبو داود (٤١٦٣) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ كَانَ لَهُ شَعْرٌ فَلْيُكْرِمْهُ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ حَسَنٌ.
٢ - حسن عشرة عائشة ﵂ للنبي ﷺ .
٣ - طهارة بدن الحائض.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ في [فَتْحِ الْبَارِي] (١/ ٤٠٢):
«وفي الجملة؛ فبدن الحائض طاهر، وعرقها وسؤرها كالجنب، وحكى الإجماع على ذَلِكَ غير واحد مِنْ العلماء.
стр. 3961
وسئل حماد: هل تغسل الحائض ثوبها مِنْ عرقها؟ فقال: إنَّما يفعل ذَلِكَ المجوس.
وحكى بعض الفقهاء عَنْ عبيدة السلماني: أنَّ الحائض لا تقرب الرجل ولا تمس منهُ شيئاً، قال بعضهم: ولا أظنه يصح عَنهُ.
وحكى بعضهم عَنْ أبي يوسف: أنَّ بدن الحائض نجس، وأنَّها إذا أصابت ماء قليلاً نجسته، وَقَالَ بعضهم - أيضاً -: لا يصح هَذا عَنْ أبي يوسف.
ولكن أبو حنيفة وأصحابه يقولون: على بدن الجنب، وأعضاء المحدث نجاسة حكمية، تنتقل إلى الماء الذِي يرتفع به حدثه فيصير نجساً.
وهذا إنَّما يقولونه في الحائض إذا انقطع دمها وأصابها الماء، فإنَّه ينجس ويرتفع حدثها بذلك وإن لَم تنو رفع الحدث به، على أصلهم المعروف: أنَّ النية لا تشرط للطهارة بالماء» اهـ.
٤ - أنَّه لا يحل للحائض المكث في المسجد؛ إذ لو حلَّ لها ذلك لرجلت له شعره في خبائه الذي كان يعتكف فيه، ولما تكلف إخراج رأسه إليها. وقد سبق الكلام بيان ذلك فيما مضى.
٥ - أنَّه يجوز للمعتكف مباشرة بدن امرأته من غير شهوة.
قَالَ الْحَافِظُ أَبُو زُرْعَةَ ابْنُ الْحَافِظِ الْعِرَاقِيِّ فِي [طَرْحِ الْتَثْرِيْبِ] (٥/ ١٧٧):
«وفيه أنَّ مماسة المعتكف للنساء ومماستهن له إذا كان ذلك بغير شهوة لا ينافي اعتكافه وهو كذلك بلا خلاف، فإن كان بشهوة فهو حرام وهل يبطل به الاعتكاف؟ ينظر فإن اقترن به إنزال أبطل الاعتكاف وإلَّا فلا، هذا مذهب الشافعي وأحمد وأبي حنيفة وغيرهم، وَقَالَ مالك يبطل به الاعتكاف وإن لم ينزل
стр. 3962
وأمَّا الجماع في الاعتكاف فهو حرام مفسد له بالإجماع مع التعمد فإن كان ناسياً، فقال الشافعي لا يفسد الاعتكاف، وَقَالَ مالك وأبو حنيفة وأحمد يفسد» اهـ.
قُلْتُ: الذي يظهر لي عدم بطلان الاعتكاف بالجماع ناسياً، للأدلة الدالة على عدم المؤاخذة بالنسيان. والله أعلم.
٦ - استحباب الاعتكاف.
٧ - أنَّ الاعتكاف لا يكون إلَّا في المسجد. وقد سبق الكلام في ذلك.
٨ - إخراج المعتكف لبعض بدنه من المسجد لا يبطل بذلك اعتكافه.
قَالَ الْحَافِظُ أَبُو زُرْعَةَ ابْنُ الْحَافِظِ الْعِرَاقِيِّ فِي [طَرْحِ الْتَثْرِيْبِ] (٥/ ١٨١):
«وفيه أنَّ إخراج الرأس من المسجد لا يبطل به الاعتكاف وتقاس به بقية الأعضاء ويترتب عليه في الأيمان لو حلف لا يدخل بيتاً فأدخل فيه بعض أعضائه كرأسه لم يحنث وبهذا صرح أصحابنا، فقالوا: لو أدخل في الدار يده أو رأسه أو إحدى رجليه لم يحنث وكذا لو مد رجليه وأدخلهما الدار وهو خارجها لم يحنث وإنَّما يحنث إذا وضعهما في الدار واعتمد عليهما أو حصل في الدار متعلقاً بشيء وكذا في الحلف على الخروج منها، وَقَالَ البغوي في "فتاويه" فيما لو أدخل رجلاً واحدة إن اعتمد على الخارجة أي كان قواه عليها بحيث لو رفع الداخلة لم يسقط فلم يدخل وإن اعتمد على الداخلة فقد دخل وهو حسن، وَقَالَ شيخنا الإسنوي في "المهمات": لو اضطجع وأخرج بعض بدنه فيحتمل اعتبار الأكثر بالمساحة ويتجه اعتباره بالفعل لاستقراره في الحقيقة عليه فأشبه الاعتماد على الرجل» اهـ.
стр. 3963
٩ - أن ترجيل الشعر ليست من الحاجات التي يرخص للمعتكف أن يخرج من معتكفه لأجلها.
١٠ - أنَّ الاعتكاف لا يمنع من ترجيل الشعر.
قَالَ الْحَافِظُ أَبُو زُرْعَةَ ابْنُ الْحَافِظِ الْعِرَاقِيِّ فِي [طَرْحِ الْتَثْرِيْبِ] (٥/ ١٧٦):
«وفيه أنَّ الاشتغال بتسريح الشعر لا ينافي الاعتكاف. قال الخطابي: وفي معناه حلق الرأس وتقليم الأظفار وتنظيف البدن من الشعث والدرن انتهى.
ويؤخذ من ذلك جواز فعل سائر الْأُمور المباحة كالأكل والشرب وكلام الدنيا وعمل الصنعة من خياطة وغيرها وبهذا صرح أصحابنا وغيرهم، وعن مالك ﵀ أنَّه لا يشتغل في مجالس العلم ولا يكتبه وإن لم يخرج من المسجد والجمهور على خلافه، وهذا الحديث يرد عليه فإنَّ الاشتغال بالعلم وكتابته أهم من تسريح الشعر» اهـ.
١١ - جواز استخدام الأهل في ترجيل الشعر.
١٢ - جواز خروج المعتكف من معتكفه لحاجة الإنسان من بول، أو غائط، أو اغتسال من جنابة ونحو ذلك.
قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ ﵀ في [إِكْمَالِ الْمُعْلِمِ] (٧/ ٣١):
«ولم يختلف العلماء في جواز خروجه خارج المسجد لما لا غنى له عنه؛ من وضوء، وغسل جنابة، أو غائط، وبول وشبهه، إذ لم يمر تحت سقف، واختلفوا إذا دخل تحت سقف» اهـ.
وَقَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٤/ ٢٧٣):
стр. 3964
«وفسرها الزهري بالبول والغائط وقد اتفقوا على استثنائهما واختلفوا في غيرهما من الحاجات كالأكل والشرب ولو خرج لهما فتوضأ خارج المسجد لم يبطل ويلتحق بهما القيء والفصد لمن أحتاج إليه» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ في [الْمُغْنِي] (٦/ ٢٢٠ - ٢٢١):
«قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أجمع أهل العلم على أنَّ للمعتكف أن يخرج من معتكفه للغائط والبول.
ولأنَّ هذا مما لا بد منه، ولا يمكن فعله في المسجد، فلو بطل الاعتكاف بخروجه إليه، لم يصح لأحد الاعتكاف، ولأنَّ الْنَّبِيَّ ﷺ كان يعتكف، وقد علمنا أنَّه كان يخرج لقضاء حاجته، والمراد بحاجة الإنسان البول والغائط، كنى بذلك عنهما؛ لأنَّ كل إنسان يحتاج إلى فعلهما، وفي معناه الحاجة إلى المأكول والمشروب، إذا لم يكن له من يأتيه به، فله الخروج إليه إذا احتاج إليه، وإن بغته القيء، فله أن يخرج ليتقيأ خارج المسجد، وكل ما لا بد له منه، ولا يمكن فعله في المسجد، فله الخروج إليه، ولا يفسد اعتكافه وهو عليه، ما لم يطل.
وكذلك له الخروج إلى ما أوجبه الله تعالى عليه، مثل من يعتكف في مسجد لا جمعة فيه، فيحتاج إلى خروجه ليصلي الجمعة، ويلزمه السعي إليها، فله الخروج إليها، ولا يبطل اعتكافه. وبهذا قال أبو حنيفة.
وَقَالَ الشافعي: لا يعتكف في غير الجامع، إذا كان اعتكافه يتخلله جمعة» اهـ.
قُلْتُ: وقد تنازع العلماء في خروجه من أجل غسل الجمعة.
стр. 3965
فقد قَالَ الْعَلَّامَةُ سَحْنُونُ الْمَالِكِيُّ ﵀ فِي [الْمُدَوَنَةِ الْكُبْرَى] (١/ ٢٩٢): «قال ابن القاسم: وسألت مالكاً عن المعتكف أيخرج من المسجد يوم الجمعة للغسل؟ فقال: نعم لا بأس بذلك» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْمَرْدَاوِيُّ الْحَنْبَلِيُّ ﵀ فِي [الْإِنْصَاف] (٣/ ٢٦٤):
«ويخرج لغسل الجنابة وكذا لغسل الجمعة إن وجب وإلَّا لم يجز ولا يجوز الخروج لتجديد الوضوء» اهـ.
قُلْتُ: وليس له الخروج لتجديد الوضوء.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ في [الْمُغْنِي] (٦/ ٢٤٣):
«وَإِنْ خَرَجَ عَنْ الْمَسْجِدِ لِلْوُضُوءِ، وَكَانَ تَجْدِيدًا، بَطَلَ لِأَنَّهُ خُرُوجٌ لِمَا لَهُ مِنْهُ بُدٌّ، وَإِنْ كَانَ وُضُوءًا مِنْ حَدَثٍ، لَمْ يَبْطُلْ؛ لِأَنَّ الْحَاجَةَ دَاعِيَةٌ إلَيْهِ، سَوَاءٌ كَانَ فِي وَقْتِ الصَّلَاةِ أَوْ قَبْلَهَا؛ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ الْوُضُوءِ لِلْمُحْدِثِ، وَإِنَّمَا يَتَقَدَّمُ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ لِمَصْلَحَةٍ، وَهُوَ كَوْنُهُ عَلَى وُضُوءٍ، وَرُبَّمَا يَحْتَاجُ إلَى صَلَاةِ النَّافِلَةِ بِهِ» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ في [الْمَجْمُوْع] (٦/ ٥٠٣):
«"وأمَّا" إذا احتاج إلي الوضوء لغير بول وغائط ومن غير حاجة إلى استنجاء فإن لم يمكنه في المسجد جاز الخروج له ولا يقطع الاعتكاف وإن أمكنه في المسجد فوجهان حكاهما إمام الحرمين وغيره أصحهما: لا يجوز الخروج له ونقله الْإِمَام عن الأكثرين ثم قال: ولا شك أنَّ هذا الخلاف في الوضوء الواجب يعنى أنَّ التجديد لا يجوز الخروج له وجهاً واحداً وقد صرح صاحب الشامل بامتناع الخروج لتجديد الوضوء ولم يذكر فيه خلافاً» اهـ.
قُلْتُ: وليس له الخروج لغسل يديه بعد الطعام.
стр. 3966
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْكَافِيِّ] (١/ ٤٥٤):
«ويغسل يده في طست ليفرغ خارج المسجد ولا يجوز له الخروج لغسل يديه لأنَّه خروج لما له منه بد» اهـ.
وَقَالَ في [الْمُغْنِي] (٦/ ٢٤٣): «وَيَغْسِلَ يَدَهُ فِي الطَّسْتِ، لِيُفَرَّغَ خَارِجَ الْمَسْجِدِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَخْرُجَ لِغَسْلِ يَدِهِ؛ لِأَنَّ لَهُ مِنْ ذَلِكَ بُدًّا» اهـ.
قُلْتُ: والميضأة والمرحاض أو ما يسمى بدورات المياة ليست من المسجد فليس للمعتكف الخروج إليها إلَّا لما بد له منه.
قَالَ الْعَلَّامَةُ مُحَمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيْمَ آل الْشَّيْخِ ﵀ كَمَا فِي [فَتَاوَى وَرَسَائِلَ مُحَمَدِ بْنِ إِبْرَاهِيْمَ آل الْشَّيْخِ] (٩/ ٢٠٤):
«الميضأة والمرحاض خارج المسجد» اهـ.
١٣ - أنَّ المعتكف لا يعود مريضاً، وإنَّما يسأل عنه في أثناء مروره، إذا دخل البيت لحاجة الإنسان.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِ ﵀ في [الْاسْتِذْكَارِ] (٣/ ٣٤٦):
«واتفق مالك والشافعي وأبو حنيفة أنَّ المعتكف لا يخرج من موضع اعتكافه لشهود جنازة ولا لعيادة مريض ولا يفارق موضع اعتكافه إلَّا لحاجة الإنسان ومعانيهم متقاربة جداً في هذا الباب» اهـ.
١٤ - واحتج بجواز ترجيل الحائض لرأس الحي، على جواز تغسيلها للميت.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ في [فَتْحِ الْبَارِي] (١/ ٤٠١ - ٤٠٢):
стр. 3967
«واستدل جماعة مِنْ الفقهاء بترجيل الحائض رأس الحي وغسله على جواز غسلها للميت، مِنهُم: أبو ثور، وله في ذَلِكَ حكاية معروفة، إذ سئل عَنْ هَذهِ المسألة جماعة مِنْ أهل الحديث فلم يهتدوا للجواب، فأجاب أبو ثور بالجواز، واستدل بهذا الحديث، وبحديث: "إنَّ حيضتك ليست بيدك".
وحكي عَنْ أحمد - أيضاً - نظير هَذهِ الحكاية بإسناد فيهِ بعض مِنْ لا يعرف.
وممن رخص في تغسيل الحائض والجنب للميت: عطاء والثوري.
ورخص الحسن للجنب أن يغسل الميت، وحكى الْإِمَام أحمد عَنهُ، أنَّهُ قالَ في الحائض: لا تغسل الميت، وعن علقمة أنَّهُ قالَ: تغسله.
وفي "كِتابِ عبد الرزاق"، عَنْ علقمة، أنَّ الحائض لا تغسل الميت.
واختلفت الرواية عَنْ أحمد فيه، فروي عَنهُ أنَّهُ قال: لا بأس بذلك. وروي عَنهُ أنَّهُ رخص دونَ الحائض إلَّا للضرورة.
وقد تقدم عَنهُ رواية أخرى بالرخصة للحائض مطلقاً، وأنَّ في إسنادها نظراً» اهـ.
وروى ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (١٠٩٥٩) حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ مُعَاذٍ، عَنْ أَشْعَثَ، عَنِ الْحَسَنِ، وَابْنِ سِيرِينَ، أَنَّهُمَا كَانَا «يَكْرَهَانِ أَنْ تُغَسِّلَ الْحَائِضُ وَالْجُنُبُ الْمَيِّتَ».
قُلْتُ: هَذَا أَثَرٌ صَحِيْحٌ.
وروى ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (١٠٩٦٠) حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: «أَرْسَلَتْ أُمِّي إِلَى عَلْقَمَةَ تَسْأَلُهُ عَنْ الْحَائِضِ تُغَسِّلُ الْمَيِّتَ، فَلَمْ يَرَ بِهِ بَأْسًا».
стр. 3968
قُلْتُ: هَذَا أَثَرٌ صَحِيْحٌ.
لكن رواه عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (١٢٥٦) عَنِ الثَّوْرِيِّ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: أَرْسَلَتْ أُمِّي إِلَى عَلْقَمَةَ: أَتُمَرِّضُ الْحَائِضُ؟ قَالَ: «نَعَمْ، إِذَا حُضِرْتِ فَلْتَقُمْ مِنْ عِنْدِكِ» قَالَ: قُلْتُ: تُغَسِّلُنِي إِذَا مِتُّ؟ قَالَ: «لَا».
قُلْتُ: حديث وكيع أصح.
وَقَالَ الْقِرَافِيُّ ﵀ فِي [الذَّخِيْرَةِ] (٢/ ٤٥٠)
«قَالَ الْمَازِرِيُّ قَالَ مَالِكٌ لَا أُحِبُّ لِلْجُنُبِ غُسْلَ الْمَيِّتِ بِخِلَافِ الْحَائِضِ» اهـ.
وَقَالَ أَبُو دَاوُد ﵀ فِي [مَسَائِلهِ لِلْإِمَامِ أَحْمَدَ] (ص: ٢١٢)
«سَمِعْتُ أَحْمَدَ سُئِلَ عَنِ الْحَائِضِ تُغَسِّلُ الْمَيِّتَ؟ قَالَ: نَعَمْ» اهـ.
قُلْتُ: والحكاية المروية عن أبي ثور رواها الرَّامَهُرْمُزِيُّ في [الْمُحَدِثِ الْفَاصِلِ] (ص: ٢٤٩) حَدَّثَنَا شَيْخُنَا أَبُو عُمَرَ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سُهَيْلٍ، حَدَّثَنِي رَجُلٌ ذَكَرَهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَأُنْسِيتُ أَنَا اسْمَهُ، وَأَحْسَبُهُ يُوسُفَ بْنَ الصَّاد قَالَ: وَقَفَتِ امْرَأَةٌ عَلَى مَجْلِسٍ فِيهِ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ وَأَبُو خَيْثَمَةَ، وَخَلَفُ بْنُ سَالِمٍ فِي جَمَاعَةٍ يَتَذَاكَرُونَ الْحَدِيثَ، فَسَمِعَتْهُمْ يَقُولُونَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَسَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، وَرَوَاهُ فُلَانٌ، وَمَا حَدَّثَ بِهِ غَيْرُ فُلَانٍ فَسَأَلَتْهُمُ الْمَرْأَةُ عَنِ الْحَائِضِ تَغْسِلُ الْمَوْتَى، وَكَانَتْ غَاسِلَةً، فَلَمْ يُجِبْهَا أَحَدٌ مِنْهُمْ، وَجَعَلَ بَعْضُهُمْ يَنْظُرُ إِلَى بَعْضٍ، فَأَقْبَلَ أَبُو ثَوْرٍ فَقِيلَ لَهَا: عَلَيْكِ بِالْمُقْبِلِ، فَالْتَفَتَتْ إِلَيْهِ، وَقَدْ دَنَا مِنْهَا، فَسَأَلَتْهُ فَقَالَ: نَعَمْ تَغْسِلُ الْمَيِّتَ لِحَدِيثِ عُثْمَانَ بْنِ الْأَحْنَفِ، عَنِ الْقَاسِمِ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَهَا: «أَمَا إِنَّ حَيْضَتَكِ لَيْسَتْ فِي
стр. 3969
يَدِكِ»، وَلِقَوْلِهَا: «كُنْتُ أُفَرِّقُ رَأْسَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالْمَاءِ وَأَنَا حَائِضٌ» قَالَ أَبُو ثَوْرٍ: فَإِذَا فَرَّقَتْ رَأْسَ الْحَيِّ بِالْمَاءِ فَالْمَيِّتُ أَوْلَى بِهِ، فَقَالُوا: نَعَمْ رَوَاهُ فُلَانٌ، وَنَعْرِفُهُ مِنْ طَرِيقِ كَذَا، وَخَاضُوا فِي الطُّرُقِ وَالرِّوَايَاتِ، فَقَالَتِ الْمَرْأَةُ: «فَأَيْنَ كُنْتُمْ إِلَى الْآنَ».
ورواها الخطيب البغدادي في [نَصِيْحَةِ أَهْلِ الْحَدِيْثِ] (١٧)، وفي [الْفَقِيْهِ والْمُتَفَقِهِ] (٢/ ١٦٠)، وفي [تَارِيْخِ بِغْدَاد] (١٩٤٢) من طريق أبي عمر به.
قُلْتُ: فيها رجل مبهم، ولو صح أنَّه يوسف بن الصاد فهو ممن لم أجد له ترجمة، ومثله أَبُو عُمَرَ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سُهَيْلٍ.
١٥ - قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِ ﵀ في [التَّمْهِيْدِ] (٨/ ٣٢٤):
«وفي ترجيل عائشة شعر رسول الله ﷺ وهو معتكف دليل على أنَّ اليدين من المرأة ليستا بعورة ولو كانتا عورة ما باشرته بهما في اعتكافه ويدلك على ذلك أيضاً أنَّها تنهى في الإحرام عن لباس القفازين وتؤمر بستر ما عدا وجهها وكفيها وتؤمر بكشف الوجه والكفين في الصلاة فدل على أنَّهما غير عورة منها وهو عندنا أصح ما قيل في ذلك» اهـ.
وذكر ذلك أيضاً في [الْاسْتِذْكَارِ] (٣/ ٣٤٤).
قُلْتُ: وقد رد عليه الحافظ العراقي ﵀ فيما ذكره عنه ابنه أبو زرعة في [طَرْحِ الْتَثْرِيْبِ] (٥/ ١٧٨) حيث قال:
«واعترضه والدي ﵀ في شرح الترمذي، فقال: إن كانت المباشرة المنهي عنها تختص بالعورة؛ فلو قبل المعتكف لم يكن بذلك آتياً لما نهي عنه؛ لأنَّ الوجه ليس بعورة وهو لا يقول به فإنَّ مذهب إمامه أنَّ القبلة مبطلة للاعتكاف» اهـ.
стр. 3970
* * *
٢٠٥ - عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ قَالَ: «قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنِّي كُنْتُ نَذَرْتُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ أَنْ أَعْتَكِفَ لَيْلَةً. وَفِي رِوَايَةٍ: يَوْماً - فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ. قَالَ: "فَأَوْفِ بِنَذْرِكَ"».
وَلَمْ يَذْكُرْ بَعْضُ الرُّوَاةِ "يَوْماً ولا لَيْلَةً".
الحديث في الصحيحين من رواية نافع عن ابن عمر.
ورواه البخاري (٣١٤٤) حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ ﵁ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّهُ كَانَ «عَلَيَّ اعْتِكَافُ يَوْمٍ فِي الجَاهِلِيَّةِ، فَأَمَرَهُ أَنْ يَفِيَ بِهِ».
وذكرها مسلم (١٦٥٦) ولم يسق لفظها.
قُلْتْ: حديث نافع عن ابن عمر متصل، والرواية الآخرى مرسلة.
قَالَ الْحَافِظُ الدَّارَقُطْنِيُّ ﵀ فِي [الْإِلْزَامَاتِ والتَّتَبُعِ] (ص: ٢٥٣):
«أخرج البخاري عن أبي النعمان عن حماد بن زيد عن أيوب عن نافع أن عمر قال: نذرت نذراً. مرسلاً.
ووصله حماد بن سلمة وجرير بن حازم ومعمر عن أيوب.
ووصله عبيد الله عن نافع» اهـ.
قوله: «نَذَرْتُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ». الجاهلية تطلق على ما قبل البعثة غالباً، وتطلق على ما قبل فتح مكة، وتطلق ويراد بها جاهلية الشخص قبل إسلامه.
стр. 3971
وقد روى البخاري (٣٨٤٠) عَنِ ابْنُ عَبَّاسٍ: سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ فِي الجَاهِلِيَّةِ: «اسْقِنَا كَأْسًا دِهَاقًا».
وابن عباس ﵄ ولد بعد البعثة في الشعب قبل الهجرة بثلاث سنين.
وقد نبه على ذلك الحافظ ابن حجر ﵀ في [فَتْحِ الْبَارِي] (٧/ ١٤٩).
وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ فِي [اقْتِضَاءِ الصِّرَاطِ] (١/ ٢٥٨):
«فالناس قبل مبعث الرسول ﷺ كانوا في حال جاهلية منسوبة إلى الجهل، فإن ما كانوا عليه من الأقوال والأعمال إنَّما أحدثه لهم جاهل وإنَّما يفعله جاهل.
وكذلك كل ما يخالف ما جاءت به المرسلون من يهودية ونصرانية فهي جاهلية وتلك كانت الجاهلية العامة فأمَّا بعد مبعث الرسول ﷺ قد تكون في مصر دون مصر كما هي في دار الكفار وقد تكون في شخص دون شخص كالرجل قبل أن يسلم فإنَّه في جاهلية وإن كان في دار الإسلام» اهـ.
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلَ مِنْهَا:
١ - انعقاد نذر الكافر حال كفره، ومثل ذلك أيضاً اليمين.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِي ﵀ فِي [الْمُفْهِم] (١٥/ ٨٧):
«وقول عمر: "إنِّي نذرت في الجاهلية أن أعتكف ليلة"، وفي الرواية الأخرى: "يوماً في المسجد الحرام". فقال: "أوف بنذرك"، ظاهره: لزوم نذر الكافر إذا أوجبه على نفسه في حال كفره؛ إذا كان من نوع القرب؛ التي يوجبها المسلمون، غير أنَّه لا يصح منه إيقاعه في حالة كفره لعدم شرط الأداء؛ الذي هو الإسلام.
стр. 3972
فأمَّا إذا أسلم وجب عليه الوفاء. وبذلك قال الشافعي، وأبو ثور، والمغيرة المخزومي، والبخاري، والطبري. ورأوا أنَّ قوله ﷺ : "أوف بنذرك". على الوجوب. وذهب مالك، والكوفيون: إلى أنَّه لا يلزمه شيء من ذلك؛ لا عتق، ولا صوم، ولا اعتكاف؛ لعدم تصور نية القربة منهم حالة كفرهم. واعتذروا عن ظاهر الحديث: بأنَّ قول عمر: نذرت في الجاهلية إنَّما يريد: في أيام الجاهلية، لا أنَّه كان هو في الجاهلية. ومنهم من قال: إنَّ هذا الأمر على جهة الندب» اهـ.
قُلْتُ: المشهور عند الشافعية أنَّ نذر الكافر لا يصح.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْجَوْزيُ ﵀ فِي [كَشْفِ الْمُشْكِلِ] (١/ ٥٤):
«إِنْ قَالَ قَائِل: نذر الْكَافِر مطرح، فَكيف أثبت لَهُ الرَّسُول حكماً؟
فَالْجَوَاب: أَنْ أَصْحَابنَا اخْتلفُوا فِي هَذَا، فَمنهمْ من منع وَقَالَ: مَتى كَانَ نذر الْكَافِر على وفَاق حكم الْإِسْلَام فَهُوَ صَحِيح. وَمِنْهُم من تَأَول فَقَالَ: معنى قَوْله: فِي الْجَاهِلِيَّة، أَي وَنحن بِمَكَّة قبل فتحهَا وَأَهْلهَا جَاهِلِيَّة، فعلى هَذَا لَا يكون ناذراً فِي الْكفْر. ثمَّ إِنْ عندنَا وَعند الشَّافِعِي أَنْ يَمِين الْكَافِر صَحِيحَة، وَإِذا حنث وَجَبت عَلَيْهِ الْكَفَّارَة، خلافًا لأبي حنيفَة. قَالَ الْخطابِيّ: إِذا جَازَ إِيلَاء الْكَافِر وَأخذ بِحكمِهِ فِي الْإِسْلَام جَازَت يَمِينه وظهاره» اهـ.
قُلْتُ: هذه تأويلات مخالفة لظاهر الحديث، والصحيح ما سبق.
وَقَالَ العلامة الْخَطَّابِي ﵀ في [مَعَالِمِ الْسُّنَنِ] (٤/ ٦١):
стр. 3973
«وفيه دليل على أنَّه مؤاخذ بموانع الأحكام التي كانت مباديها في حال الكفر فلو حلف في الجاهلية وحنث في الإسلام لزمته الكفارة وهذا على أصل الشافعي ومذهبه، وعند أبي حنيفة لا تلزمه الكفارة بالحنث» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْمَرْدَاوِي ﵀ فِي [الْإِنْصَافِ] (١١/ ١١٧):
«وَيَصِحُّ مِنْ الْكَافِرِ مُطْلَقًا. عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُغْنِي، وَالْمُحَرَّرِ، وَالشَّرْحُ، وَالْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالْبُلْغَةِ، وَالْهَادِي، وَالنَّظْمِ، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ، وَغَيْرِهِمْ. وَنَصَّ عَلَيْهِ فِي الْعِبَادَةِ. وَقَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَلَا يَصِحُّ إلَّا مِنْ مُكَلَّفٍ وَلَوْ كَافِرًا بِعِبَادَةٍ. نُصَّ عَلَيْهِ» اهـ.
قُلْتُ: وحجة أبي حنيفة على أنَّ يمين الكافر لا تنعقد قول الله تعالى: ﴿فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ﴾ [التوبة: ١٢].
وتأول ذلك غيره أنَّه لا عهد لهم.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْجَوْزِيُّ ﵀ فِي [زَادِ الْمَسِيْرِ] (٢/ ٢٤٠):
«﴿إِنَّهُمْ لا أَيْمانَ لَهُمْ﴾ أي: لا عهود لهم صادقة هذا على قراءة من فتح الألف، وهم الأكثرون. وقرأ ابن عامر ﴿إِنَّهُمْ لا إِيْمانَ لَهُمْ﴾ بالكسر وفيها وجهان ذكرهما الزجاج:
أحدهما: أنَّه وصف لهم بالكفر ونفي الإيمان.
والثاني: لا أمان لهم، تقول: آمنته إيماناً، والمعنى:
فقد بطل أمانكم لهم بنقضهم» اهـ.
стр. 3974
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [أَحْكَامِ أَهْلِ الذِّمَةِ] (٣/ ١٣٨٦ - ١٣٨٨):
«وَالْمُرَادُ بِالْأَيْمَانِ هُنَا الْعُهُودُ لَا الْقَسَمُ بِاللَّهِ، فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يُقَاسِمْهُمْ بِاللَّهِ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ وَإِنَّمَا عَاهَدَهُمْ، وَنُسْخَةُ الْكِتَابِ مَحْفُوظَةٌ لَيْسَ فِيهَا قَسَمٌ، وَهَذَا لِأَنَّ كُلًّا مِنَ الْمُتَعَاهِدَيْنِ يَمُدُّ يَمِينَهُ إِلَى الْآخَرِ، ثُمَّ صَارَ مُجَرَّدُ الْكَلَامِ بِالْعَهْدِ يُسَمَّى يَمِينًا، وَإِنْ لَمْ يَحْصُلْ فِيهِ مَدُّ الْيَمِينِ.
وَقَدْ قِيلَ: سُمِّيَ الْعَهْدُ يَمِينًا؛ لِأَنَّ الْيَمِينَ هِيَ الْقُوَّةُ وَالشِّدَّةُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ﴾ [الحاقة: ٤٥] وَلَمَّا كَانَ الْحَلِفُ مَعْقُودًا مَشْدُودًا سُمِّيَ
يَمِينًا، فَاسْمُ الْيَمِينِ جَامِعٌ لِلْعَهْدِ الَّذِي بَيْنَ الْعَبْدِ وَبَيْنَ رَبِّهِ وَإِنْ كَانَ نَذْرًا، وَمِنْهُ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ "النَّذْرُ حَلْفَةٌ" وَلِلْعَهْدِ الَّذِي بَيْنَ الْمَخْلُوقِينَ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ [النحل: ٩١] فَالنَّهْيُ عَنْ نَقْضِ الْعُهُودِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا قَسَمٌ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الفتح: ١٠] وَإِنْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ قَسَمٌ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾ [النساء: ١].
مَعْنَاهُ: تَتَعَاهَدُونَ وَتَتَعَاقَدُونَ بِهِ، وَالْمَقْصُودُ أَنَّ كُلَّ مَنْ طَعَنَ فِي دِينِنَا بَعْدَ أَنْ عَاهَدْنَاهُ عَهْدًا يَقْتَضِي أَلَّا يَفْعَلَ ذَلِكَ، فَهُوَ إِمَامٌ فِي الْكُفْرِ لَا يَمِينَ لَهُ فَيَجِبُ قَتْلُهُ بِنَصِّ الْآيَةِ، وَبِهَذَا يَظْهَرُ الْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّاكِثِ الَّذِي لَيْسَ بِإِمَامٍ فِي الْكُفْرِ، وَهُوَ مَنْ خَالَفَ بِفِعْلِ شَيْءٍ مِمَّا صُولِحَ عَلَيْهِ» اهـ.
стр. 3975
قُلْتُ: الصحيح هو صحة يمين الكافر كما تدل على ذلك آية الوصية في السفر، وحديث القسامة في شأن أيمان اليهود.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ هُبَيْرَةَ ﵀ فِي [اخْتِلافِ الأَئِمَةِ الْعُلَمَاءِ] (٢/ ٣٦٩):
«وَاخْتلفُوا فِي يَمِين الْكَافِر هَلْ تَنْعَقِد؟
فَقَالَ أَبُو حنيفَة وَمَالك: لَا تَنْعَقِد يَمِينه سَوَاء حنث حَال كفره أَوْ بعد إِسْلَامه، وَلَا يَصح مِنْهُ كَفَّارَة.
وَقَالَ أَحْمد وَالشَّافِعِيّ: تَنْعَقِد يَمِينه وَتلْزَمهُ الْكَفَّارَة بِالْحِنْثِ فيهمَا فِي الموضوعين» اهـ.
٢ - جواز الاعتكاف في غير رمضان.
٣ - جواز الاعتكاف بغير صوم؛ فإنَّ الْنَّبِيَّ ﷺ لم يأمره بذلك، وما جاء من أمر النبي ﷺ له بالصوم فلا يصح، وقد سبق بيان ذلك.
٤ - أنَّ المسجد الحرام يتعين بالنذر؛ لأنَّه أفضل المساجد على الإطلاق، وأمَّا من نذر الاعتكاف في المسجد النبوي أو في بيت المقدس، فله أن يعتكف في المسجد الحرام؛ لكونه أفضل منهما.
ويدل على ذلك ما رواه أبو داود (٣٣٠٥) حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، أَخْبَرَنَا حَبِيبٌ الْمُعَلِّمُ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّ رَجُلًا، قَامَ يَوْمَ الْفَتْحِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي نَذَرْتُ لِلَّهِ إِنْ فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكَ مَكَّةَ، أَنْ أُصَلِّيَ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ رَكْعَتَيْنِ، قَالَ: «صَلِّ هَاهُنَا»، ثُمَّ أَعَادَ عَلَيْهِ، فَقَالَ: «صَلِّ هَاهُنَا»، ثُمَّ أَعَادَ عَلَيْهِ، فَقَالَ: «شَأْنُكَ إِذَنْ».
стр. 3976
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ.
وما سوى ذلك من المساجد لا تتعين لاستوائها.
٥ - وجوب الإيفاء بالنذر.
٦ - واحتج به لمذهب الْإِمَام مالك في بعض الروايات من أنَّ أقل الاعتكاف يوم وليلة.
وهذا مبني على أنَّ نذر عمر كان يوماً وليلة، وأنَّ من ذكر الليلة أراد مع يومها، ومن ذكر اليوم أراد بليلته. ولا حجة في الحديث على ذلك كما هو ظاهر.
٧ - وفيه رد على ما ذهب إليه الْإِمَام مالك في رواية من أنَّ أقل الاعتكاف عشرة أيام.
وقد اختلف العلماء في أقل الاعتكاف، والصحيح أنَّه لا يقدر بمقدار معين لعدم الدليل في ذلك.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ في [الْمَجْمُوْع] (٦/ ٤٩١):
«"فرع" في مذاهب العلماء في أقل الاعتكاف. قد ذكرنا أنَّ الصحيح المشهور من مذهبنا أنَّه يصح كثيره وقليله ولو لحظة وهو مذهب داود والمشهور عن أحمد ورواية عن أبي حنيفة.
وَقَالَ مالك وأبو حنيفة في المشهور عنه أقله يوم بكماله بناء على أصلهما في اشتراط الصوم.
стр. 3977
دليلنا أنَّ الاعتكاف في اللغة يقع علي القليل والكثير ولم يحده الشرع بشيء يخصه فبقى علي أصله، وأمَّا الصوم فقد سبق الكلام فيه وبينا أنَّه لم يثبت في اشتراط الصوم شيء صريح» اهـ.
٨ - وفي الحديث حجة لمن قال: إنَّ الكفار مخاطبون بفروع الشريعة، وهو الصحيح الذي تدل عليه الأدلة.
* * *
стр. 3978
٢٠٦ - عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ حُيَيٍّ ﵂ قَالَتْ: «كَانَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مُعْتَكِفًا. فَأَتَيْتُهُ أَزُورُهُ لَيْلاً. فَحَدَّثْتُهُ، ثُمَّ قُمْتُ لأَنْقَلِبَ، فَقَامَ مَعِي لِيَقْلِبَنِي - وَكَانَ مَسْكَنُهَا فِي دَارِ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ - فَمَرَّ رَجُلانِ مِنْ الأَنْصَارِ فَلَمَّا رَأَيَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَسْرَعَا. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "عَلَى رِسْلِكُمَا إنَّهَا صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيٍّ". فَقَالا: سُبْحَانَ اللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَقَالَ: "إنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِي مِنْ ابْنِ آدَمَ مَجْرَى الدَّمِ. وَإِنِّي خَشِيتُ أَنْ يَقْذِفَ فِي قُلُوبِكُمَا شَرّاً- أَوْ قَالَ شَيْئاً"».
وَفِي رِوَايَةٍ «أَنَّهَا جَاءَتْ تَزُورُهُ فِي اعْتِكَافِهِ فِي الْمَسْجِدِ فِي الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ. فَتَحَدَّثَتْ عِنْدَهُ سَاعَةً. ثُمَّ قَامَتْ تَنْقَلِبُ. فَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ مَعَهَا يَقْلِبُهَا، حَتَّى إذَا بَلَغَتْ بَابَ الْمَسْجِدِ عِنْدَ بَابِ أُمِّ سَلَمَةَ». ثُمَّ ذَكَرَهُ بِمَعْنَاهُ.
قولها: «وَكَانَ مَسْكَنُهَا فِي دَارِ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ».
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٤/ ٢٧٩): «أي الدار التي صارت بعد ذلك لأسامة بن زيد لأنَّ أسامة إذ ذاك لم يكن له دار مستقلة بحيث تسكن فيها صفية وكانت بيوت أزواج النبي ﷺ حوالي أبواب المسجد» اهـ.
وقولها: «ثُمَّ قُمْتُ لأَنْقَلِبَ، فَقَامَ مَعِي لِيَقْلِبَنِي». أي أريد أن أرجع إلى بيتي، فقام النبي ﷺ ليردني.
стр. 3979
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلَ مِنْهَا:
١ - استحباب الاعتكاف في العشر الأواخر من رمضان.
٢ - أنَّ الاعتكاف يكون في المسجد.
٣ - مشروعية زيارة المرأة لزوجها وهو معتكف في المسجد.
٤ - مشروعية كلام المعتكف مع الزائر.
٥ - مشروعية الكلام في المسجد بما يباح منه.
وقد روى (٦٧٠) عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ، قَالَ: قُلْتُ لِجَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ: أَكُنْتَ تُجَالِسُ رَسُولَ اللهِ ﷺ ؟ قَالَ: نَعَمْ كَثِيرًا، «كَانَ لَا يَقُومُ مِنْ مُصَلَّاهُ الَّذِي يُصَلِّي فِيهِ الصُّبْحَ، أَوِ الْغَدَاةَ، حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، فَإِذَا طَلَعَتِ الشَّمْسُ قَامَ، وَكَانُوا يَتَحَدَّثُونَ فَيَأْخُذُونَ فِي أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ، فَيَضْحَكُونَ وَيَتَبَسَّمُ».
وأمَّا حديث: «الحَدِيثُ فِي الْمَسْجِدِ يَأْكُلُ الْحَسَنَاتِ كَمَا تَأْكُلُ النَّارُ الْحَطبَ». فلا أصل له.
٦ - أنَّ خروج المعتكف من المسجد من أجل إيصال أهله إلى بيتها إن خشى من سيرها بمفردها مما لا يبطل الاعتكاف، وهو من الأعذار المبيحة لخروج المعتكف من معتكفه.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْخَطَّابِي ﵀ فِي [مَعَالِمِ الْسُّنَنِ] (٢/ ١٤٠):
«قُلْتُ: وفيه أنَّه خرج من المسجد معها ليبلغها منزلها وفي هذا حجة لمن رأى أنَّ الاعتكاف لا يفسد إذا خرج في واجب وأنَّه لا يمنع المعتكف من إتيان معروف» اهـ.
стр. 3980
وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ في كتاب الصيام من [شَرْحِ الْعُمْدَةِ] (٢/ ٨٠٣ - ٨٠٤) - بعد ذكره لهذا الحديث -:
«وهذا صريح بأنَّ الْنَّبِيَّ ﷺ خرج معها من المسجد، وأنَّ قولها: "حتى بلغت باب المسجد عند باب أم سلمة" تعني باباً غير الباب الذي خرج منه؛ فإنَّ حجر أزواج النبي ﷺ كانت شرقي المسجد وقبلته، وكان للمسجد عدة أبواب، أظنها ستة، فيمر على الباب بعد الباب، والرجلان رأيا النبي ﷺ ومعه المرأة خارج المسجد؛ فإنَّه لو كان في المسجد؛ لم يحتج إلى هذا الكلام.
وقوله: "لا تعجلي حتى أنصرف معك"، وقيامه معها ليقلبها: دليل على أنَّ مكانها كان بينه وبين المسجد مسافة يخاف فيها من سير المرأة وحدها ليلاً، وذلك والله أعلم قبل أن يتخذ حجرتها قريباً من المسجد، ولهذا قال: "كان مسكنها في دار أسامة".
وهذا كله مبين لخروجه من المسجد؛ فإنَّ خروجه إلى مجرد باب المسجد لا فائدة فيه ولا خصوص لصفية فيه لو كان منزلها قريباً دون سائر أزواجه، فهذا خروج للخوف على أهله، فيلحق به كل حاجة.
ولا يجوز أن يقال: اعتكافه كان تطوعاً وللمتطوع أن يدع الاعتكاف؛ لأنَّ الْنَّبِيَّ ﷺ كان يحفظ اعتكافه مما ينقصه، ولهذا كان لا يدخله إلَّا لحاجة، ويصغي رأسه إلى عائشة لترجله، ولا يدخل.
стр. 3981
ولأنَّه لو ترك الاعتكاف ساعة؛ لم يكن قد اعتكف العشر الأواخر، وهو ﷺ كان يعتكف العشر الأواخر.
ثم إنَّه كان يقضي هذا الاعتكاف إذا فاته؛ فكيف يفسده أو يترك منه شيئاً؟!
على أنَّ أحداً من الناس لم يقل: أنَّ الْنَّبِيَّ ﷺ قد كان ترك اعتكافه بخروجه مع صفية؛ فإنَّ العمدة في صفة الاعتكاف فرضه ونفله على اعتكافه ﷺ ، كيف وقد كان إذا عمل عملاً أثبته» اهـ.
قُلْتُ: وقد تأول كثير من العلماء الحديث على أنَّ الْنَّبِيَّ ﷺ لم يخرج من المسجد، ومنهم الْإِمَام البخاري، وما قاله شيخ الإسلام هو الصواب إن شاء الله، وقد قال أيضاً ﵀ في [الرَّدِ عَلى الأَخْنَائِي] (١٢٤):
«ولو كان منزلها متصلاً بالمسجد لم يحتج إلى شيء من ذلك فإنَّ المسجد لم يكن فيه ما يخافه ولكن خرج معها من المسجد ليوصلها إلى مسكنها والرجلان مرا به في الطريق لم يكن مرورهما في المسجد فإنَّ المسجد لم يكن طريقاً بالليل، ولو رأياه في المسجد لم يحتج أن يقول ما قال بل رأياه ومعه امرأة خارجاً من المسجد، فقال ما قال لئلا يقذف الشيطان في قلوبهما شيئاً من الظن السيئ فيهلكا بذلك» اهـ.
٧ - استحباب التحرز من التعرض لسوء ظن الناس.
٨ - جريان الشيطان من ابن آدم مجرى الدم.
٩ - وأخذ من هذا بعض العلماء أنَّ الشيطان يطلع على بعض ما في القلوب، من إرادات النفوس وشهواتها، ولولا ذلك لما جرى من ابن أدم مجرى الدم.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كما في [مَجْمُوعِ الْفَتَاوَى] (٥/ ٢٣٥ - ٢٣٦): «فإنَّه سبحانه هو وملائكته يعلمون ما توسوس به نفس العبد كما ثبت في
стр. 3982
الصحيحين: "إذا هم العبد بحسنة فلم يعملها قال الله لملائكته: اكتبوها له حسنة فإن عملها قال: اكتبوها له عشر حسنات وإذا هم بسيئة". إلى آخر الحديث. فالملائكة يعلمون ما يهم به من حسنة وسيئة و"الهم" إنَّما يكون في النفس قبل العمل. وأبلغ من ذلك أنَّ الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، وهو يوسوس له بما يهواه فيعلم ما تهواه نفسه» اهـ.
وَقَالَ ﵀ (٥/ ٥٠٨): «فالملك يعلم ما يهم به العبد من حسنة وسيئة وليس ذلك من علمهم بالغيب الذي اختص الله به وقد روي عن ابن عيينة أنَّهم يشمون رائحة طيبة فيعلمون أنَّه هم بحسنة ويشمون رائحة خبيثة فيعلمون أنَّه هم بسيئة وهم وإن شموا رائحة طيبة ورائحة خبيثة فعلمهم لا يفتقر إلى ذلك بل ما في قلب ابن آدم يعلمونه بل ويبصرونه ويسمعون وسوسة نفسه؛ بل الشيطان يلتقم قلبه فإذا ذكر الله خنس وإذا غفل قلبه عن ذكره وسوس؛ ويعلم هل ذكر الله أم غفل عن ذكره ويعلم ما تهواه نفسه من شهوات الغي فيزينها له. وقد ثبت في "الصحيح" عَنِ النَّبِيِّ ﷺ في حديث ذكر صفية ﵂: "إنَّ الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم"» اهـ.
١٠ - مشروعية إضافة البيت إلى من يسكنها وإن لم يملكها.
١١ - مشروعية خلوة المعتكف بأهله في المسجد.
١٢ - مشروعية قول سبحان الله عند التعجب، واستعظام الأمر.
١٣ - ويدل الحديث على دخول الجني في بدن الإنسي.
стр. 3983
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كما في [مَجْمُوعِ الْفَتَاوَى] (٢٤/ ٢٧٦ - ٢٧٧): «وكذلك دخول الجني في بدن الإنسان ثابت باتفاق أئمة أهل السنة والجماعة قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ وفي الصحيح عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : "إنَّ الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم"» اهـ.
* * *
стр. 3984
كِتَابُ الْحَجِ.
بَابُ الْمَوَاقِيْتِ.
٢٠٧ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵄: «أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ وَقَّتَ لأَهْلِ الْمَدِينَةِ: ذَا الْحُلَيْفَةِ. وَلأَهْلِ الشَّامِ: الْجُحْفَةَ. وَلأَهْلِ نَجْدٍ: قَرْنَ الْمَنَازِلِ. وَلأَهْلِ الْيَمَنِ: يَلَمْلَمَ. هُنَّ لَهُمْ وَلِمَنْ أَتَى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهِنَّ، مِمَّنْ أَرَادَ الْحَجَّ أَوْ الْعُمْرَةَ. وَمَنْ كَانَ دُونَ ذَلِكَ: فَمِنْ حَيْثُ أَنْشَأَ، حَتَّى أَهْلُ مَكَّةَ مِنْ مَكَّةَ».
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ فِي [شَرْحِ الْعُمْدَةِ] (٢/ ٧٣ - ٧٥):
«جماع معنى الحج في أصل اللغة قصد الشيء وإتيانه، ومنه سمي الطريق محجة؛ لأنَّه موضع الذهاب والمجيء، ويسمى ما يقصد الخصم حجة لأنَّه يأتمه وينتحيه، ومنه في الاشتقاق الأكبر الحاجة وهو ما يقصد ويطلب للمنفعة به سواء قصده القاصد لمصلحته أو لمصلحة غيره ومنه قول النبي ﷺ : "من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه".
وقول: في حاجة الله وحاجة رسوله.
стр. 3985
ومعلوم أنَّه إنَّما يقصد ويؤتى ما يعظم ويعتقد الانتفاع به وإذا كان كذلك فلا بد أن يكثر اختلاف الناس إليه فكذلك يقول بعض أهل اللغة: الحج القصد. ويقول بعضهم: هو القصد إلى من يعظم. ويقول بعضهم: كثرة القصد إلى من يعظمه.
ورجل محجوج ومكان محجوج أي مقصود مأتي. ومنه قوله:
وأشهد من عوف حلولاً كثيرة … يحجون سب الزبرقان المزعفرا.
قال ابن السكيت يقول: يكثرون الاختلاف إليه.
وقوله: قالت تغيرتم بعدي فقُلْتُ لها … لا والذي بيته يا سلم محجوج.
ثم غلب في الاستعمال الشرعي والعرقي على حج بيت الله وإتيانه فلا يفهم عند الإطلاق إلَّا هذا النوع الخاص من القصد لأنَّه هو المشروع الموجود كثيراً» اهـ.
قُلْتُ: والتوقيت هو التحديد.
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
١ - أنَّ للحج والعمرة مواقيت مكانية يجب مراعاتها.
قُلْتُ: وهذه المواقيت المكانية أخف حكماً من المواقيت الزمانية بحيث أنَّه يصح الحج إذا تقدم الإحرام عليها أو تأخر عند أكثر العلماء، وأمَّا المواقيت الزمانية، وهي أشهر الحج، فلا يصح الحج بالإحرام قبلها على الصحيح، ولا بعدها.
وفي ذلك نزاع بين العلماء.
стр. 3986
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْجَوْزِيُّ ﵀ فِي [زَادِ الْمَسِيْرِ] (١/ ١٦٤)
«فصل: اختلف العلماء فيمن أحرم بالحج قبل أشهر الحجّ، فقال عطاء، وطاووس ومجاهد، والشافعي: لا يجزئه ذلك، وجعلوا فائدة قوله: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ﴾ أنه لا ينعقد الحج إلَّا فيهن.
وقال أبو حنيفة، ومالك، والثوري، والليث بن سعد، وأحمد بن حنبل: يصح الإحرام بالحج قبل أشهره، فعلى هذا يكون قوله: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ﴾، أي: معظم الحج يقع في هذه الأشهر» اهـ.
وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ كَثِيْرٍ ﵀ فِي [تَفْسِيْرِهِ] (١/ ٥٤٠ - ٥٤١):
«اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ فِي قَوْلِهِ: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: تَقْدِيرُهُ الْحَجُّ حَجُّ أَشْهَرٍ مَعْلُومَاتٍ، فَعَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ يَكُونُ الْإِحْرَامُ بِالْحَجِّ فِيهَا أَكْمَلُ مِنَ الْإِحْرَامِ بِهِ فِيمَا عَدَاهَا، وَإِنْ كَانَ ذَاكَ صَحِيحًا، وَالْقَوْلُ بِصِحَّةِ الْإِحْرَامِ بِالْحَجِّ فِي جَمِيعِ السّنَةِ مذهبُ مالك، وأبي حنيفة، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن رَاهويه، وَبِهِ يَقُولُ إِبْرَاهِيمُ النخَعي، وَالثَّوْرِيُّ، وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ. واحْتَجّ لَهُمْ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [الْبَقَرَةِ: ١٨٩] وَبِأَنَّهُ أَحَدُ النُّسُكَيْنِ. فَصَحَّ الْإِحْرَامُ بِهِ فِي جَمِيعِ السَّنَةِ كَالْعُمْرَةِ.
وَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ، ﵀، إِلَى أَنَّهُ لَا يَصِحُّ الْإِحْرَامُ بِالْحَجِّ إِلَّا فِي أَشْهُرِهِ فَلَوْ أَحْرَمَ بِهِ قَبْلَهَا لَمْ يَنْعَقِدْ إِحْرَامُهُ بِهِ، وَهَلْ يَنْعَقِدُ عُمْرة؟ فِيهِ قَوْلَانِ عَنْهُ. وَالْقَوْلُ بِأَنَّهُ لَا
стр. 3987
يَصِحُّ الْإِحْرَامُ بِالْحَجِّ إِلَّا فِي أَشْهُرِهِ مَرْويّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَجَابِرٍ، وَبِهِ يَقُولُ عَطَاءٌ، وَطَاوُسٌ، وَمُجَاهِدٌ، ﵏، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ وَظَاهِرُهُ التَّقْدِيرُ الْآخَرُ الذِي ذَهَبَ إِلَيْهِ النُّحَاةُ، وَهُوَ أَنَّ: وَقْتَ الْحَجِّ أَشْهَرٌ مَعْلُومات، فَخَصَّصَهُ بِهَا مِنْ بَيْنِ سَائِرِ شُهُورِ السَّنَةِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَصِحُّ قَبْلَهَا، كَمِيقَاتِ الصَّلَاةِ» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الشِّنْقِيطِيُّ ﵀ فِي [أَضْوَاءِ الْبَيَانِ] (٤/ ٤٩٨ - ٤٩٩):
«وَمِنَ الْعَجِيبِ عِنْدِي أَنْ يَسْتَدِلَّ عَالِمٌ بِمِثْلِ هَذِهِ الْأَدِلَّةِ الَّتِي هِيَ فِي غَايَةِ السُّقُوطِ كَمَا تَرَى; لِأَنَّ آيَةَ: ﴿قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ لَيْسَ مَعْنَاهَا: أَنَّ كُلَّ شَهْرٍ مِنْهَا مِيقَاتٌ لِلْحَجِّ، وَلَكِنَّ أَشْهُرَ الْحَجِّ إِنَّمَا تُعْلَمُ بِحِسَابِ جَمِيعِ الْأَشْهُرِ; لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي يَتَمَيَّزُ بِهِ وَقْتُ الْحَجِّ مِنْ غَيْرِهِ، وَلِأَنَّ هَذِهِ الْأَدِلَّةَ الَّتِي لَا يُعَوَّلُ عَلَيْهَا فِي مُقَابَلَةِ آيَةٍ مُحْكَمَةٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ صَرِيحَةٍ فِي تَوْقِيتِ الْحَجِّ بِأَشْهُرٍ مَعْلُومَاتٍ هِيَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [٢\ ١٩٧] فَتَجَاهُلُ هَذَا النَّصِّ الْقُرْآنِيِّ، وَمُعَارَضَتُهُ بِمَا رَأَيْتَ مِنَ الْغَرَائِبِ كَمَا تَرَى وَالتَّحْقِيقُ الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ هُوَ قَوْلُ مَنْ قَالَ: إِنَّ الْحَجَّ لَا يَنْعَقِدُ فِي غَيْرِ زَمَنِهِ، كَمَا أَنَّ الصَّلَاةَ الْمَكْتُوبَةَ لَا يَنْعَقِدُ إِحْرَامُهَا قَبْلَ وَقْتِهَا، وَانْقِلَابُ إِحْرَامِهِ عُمْرَةً لَهُ وَجْهٌ مِنَ النَّظَرِ، وَيُسْتَأْنَسُ لَهُ بِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ أَصْحَابَهُ
стр. 3988
الْمُحْرِمِينَ بِالْحَجِّ الَّذِينَ لَمْ يَسُوقُوا هَدْيًا أَنْ يَقْلِبُوا حَجَّهُمُ الَّذِي أَحْرَمُوا بِهِ عُمْرَةً، وَبِأَنَّ مَنْ فَاتَهُ الْحَجُّ تَحَلَّلَ مِنْ إِحْرَامِهِ لِلْحَجِّ بِعُمْرَةٍ، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى» اهـ.
وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ فِي [شَرْحِ الْعُمْدَةِ] (٢/ ٣٨٥ - ٣٨٨):
«وَذَكَرَ ابْنُ عَقِيلٍ هَلْ يُكْرَهُ الْإِحْرَامُ بِالْحَجِّ قَبْلَ أَشْهُرِهِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ:
إِحْدَاهُمَا: لَا يُكْرَهُ كَالْإِحْرَامِ قَبْلَ مِيقَاتِ الْمَكَانِ، وَإِنْ كَانَ الْأَفْضَلُ أَنْ يُحْرِمَ مِنَ الْمِيقَاتِ فِيهِمَا.
وَالثَّانِيَةُ: يُكْرَهُ لِأَنَّهُ رُكْنٌ، فَكُرِهَ فِعْلُهُ فِي غَيْرِ أَشْهُرِ الْحَجِّ كَطَوَافِ الزِّيَارَةِ.
وَالصَّوَابُ الْأَوَّلُ، وَلَمْ يَذْكُرِ الْقَاضِي فِي الْكَرَاهَةِ خِلَافًا؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ﴾ [البقرة: ١٩٧] وَمَعْنَاهُ: أَشْهُرُ الْحَجِّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ، أَوَّلُهُمَا شَوَّالٌ، فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ لِهَذَا التَّوْقِيتِ وَالتَّحْدِيدِ فَائِدَةٌ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ هَذَا التَّوْقِيتُ لِأَجْلِ الْوُقُوفِ وَالطَّوَافِ؛ لِأَنَّ الْوُقُوفَ لَا يَكُونُ إِلَّا فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ آخِرَ هَذِهِ الْمُدَّةِ، وَالطَّوَافُ إِنَّمَا يَكُونُ بَعْدَهُ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُؤَقَّتَ بِأَوَّلِ شَوَّالٍ، فَعُلِمَ أَنَّ التَّوْقِيتَ لِلْإِحْرَامِ، وَلِأَنَّ الْحَجَّ اسْمٌ لِلْإِحْرَامِ وَالْوُقُوفِ وَالطَّوَافِ وَالسَّعْيِ فَيَجِبُ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الْأَشْهُرُ مَوَاقِيتَ لِجَمِيعِ ذَلِكَ، وَإِذَا كَانَ وَقْتًا لَهَا لَمْ يَكُنْ تَقْدِيمُهُ قَبْلَ الْوَقْتِ مَشْرُوعًا؛ لِأَنَّ التَّوْقِيتَ لَا يَكُونُ لِمُجَرَّدِ الْفَضِيلَةِ بِدَلِيلِ الصَّلَاةِ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ فَإِنَّهَا أَفْضَلُ مِنَ الصَّلَاةِ فِي آخِرِهِ، وَلَا يُجْعَلُ ذَلِكَ هُوَ وَقْتَهَا.
стр. 3989
وَأَيْضًا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ﴾ [البقرة: ١٩٧] خَصَّ الْفَرْضَ بِهِنَّ، فَعُلِمَ أَنَّهُ فِي غَيْرِهِنَّ لَا يُشْرَعُ فَرْضُهُ.
وَأَيْضًا مَا تَقَدَّمَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّهُ قَالَ: "لَا يَصْلُحُ أَنْ يُحْرِمَ أَحَدٌ بِالْحَجِّ إِلَّا فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ يُحْرِمُ بِهَا فِي كُلِّ شَهْرٍ" وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: "مِنَ السُّنَّةِ أَنْ لَا يُحْرِمَ بِالْحَجِّ إِلَّا فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ" ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ وَرَوَاهُ النَّجَّادُ.
وَالصَّحَابِيُّ إِذَا أَطْلَقَ السُّنَّةَ انْصَرَفَ ذَلِكَ إِلَى سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَعَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ" أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يُسْأَلُ عَنِ الرَّجُلِ: أَيُهِلُّ بِالْحَجِّ قَبْلَ أَشْهُرِ الْحَجِّ؟ فَقَالَ: لَا" رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ وَالدَّارَقُطْنِيُّ وَرَوَاهُ النَّجَّادُ، وَلَفْظُهُ: "لَا يُحْرِمِ الْمُحْرِمُ إِلَّا فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ".
وَعَنْ عَطَاءٍ وَطَاوُوسٍ وَمُجَاهِدٍ وَالْحَسَنِ وَإِبْرَاهِيمَ أَنَّهُمْ كَانُوا يَكْرَهُونَ أَنْ يُحْرِمَ الرَّجُلُ بِالْحَجِّ فِي غَيْرِ أَشْهُرِ الْحَجِّ، وَلَا يُعْرَفُ لَهُمْ مُخَالِفٌ فِي الصَّحَابَةِ وَلَا التَّابِعِينَ».
إلى أن قال ﵀ (٢/ ٣٨٩ - ٣٩٧): «وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: لَا يَنْعَقِدُ الْإِحْرَامُ بِالْحَجِّ قَبْلَ أَشْهُرِهِ. رَوَاهَا هِبَةُ اللَّهِ الطَّبَرِيُّ، وَاخْتَارَهَا الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى الصَّغِيرُ، فَعَلَى هَذَا هَلْ يَنْعَقِدُ بِعُمْرَةٍ: ذَكَرَ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى هَذَا فِيهِ وَجْهَيْنِ:
стр. 3990
أَحَدُهُمَا: لَا يَنْعَقِدُ بِعُمْرَةٍ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْهُ، وَلَا بِحَجٍّ لِأَنَّ وَقْتَهُ لَمْ يَدْخُلْ، كَمَا قُلْنَا فِيمَنْ أَحْرَمَ بِالنَّفْلِ قَبْلَ الْفَرْضِ، أَوْ عَنْ غَيْرِهِ قَبْلَ أَنْ يَحُجَّ عَنْ نَفْسِهِ فِي الرِّوَايَةِ الَّتِي اخْتَارَهَا أَبُو بَكْرٍ.
وَالثَّانِي - وَهُوَ الْمَشْهُورُ - أَنَّهُ يَنْعَقِدُ بِعُمْرَةٍ وَقَدْ قَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ: إِذَا أَحْرَمَ بِالْحَجِّ قَبْلَ أَشْهُرِهِ يَجْعَلُهَا عُمْرَةً، وَفَسَّرَهُ الْقَاضِي بِأَنَّهُ يَفْسَخُ الْحَجَّ إِلَى الْعُمْرَةِ، وَكَذَلِكَ قَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى: يُسْتَحَبُّ لِمَنْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ قَبْلَ أَشْهُرِهِ أَنْ يَجْعَلَهَا عُمْرَةً وَيَفْرَغَ مِنْهَا، وَيُحْرِمَ بِالْحَجِّ فِي أَشْهُرِهِ.
وَالْأَشْبَهُ أَنَّ أَحْمَدَ إِنَّمَا قَصَدَ بِهَذَا أَنْ يَعْتَقِدَ أَنَّهَا عُمْرَةٌ وَيُتِمَّهَا بِعَمَلِ عُمْرَةٍ؛ لِأَنَّهُ رُوِيَ عَنْ عَطَاءٍ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ - فِيمَنْ أَهَلَّ بِالْحَجِّ قَبْلَ أَشْهُرِهِ - قَالَ: "يَجْعَلُهَا عُمْرَةً" وَفِي رِوَايَةٍ: "اجْعَلْهَا عُمْرَةً" فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ﴾ [البقرة: ١٩٧] وَمَذْهَبُهُ: أَنَّ نَفْسَ الْإِحْرَامِ بِالْحَجِّ يَنْعَقِدُ عُمْرَةً، فَالْأَظْهَرُ أَنَّ أَحْمَدَ إِنَّمَا قَصَدَ الْأَخْذَ بِقَوْلِ عَطَاءٍ فَتَكُونُ هَذِهِ الرِّوَايَةَ الثَّانِيَةَ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْإِحْرَامَ بَعْضُ الْحَجِّ وَجُزْءٌ مِنْهُ، وَدَلِيلُ ذَلِكَ أَنَّهُ بِدُخُولِهِ فِيهِ يُسَمَّى حَاجًّا أَوْ مُعْتَمِرًا، وَأَنَّهُ يُلْزَمُ بِالشُّرُوعِ فِيهِ، وَأَنَّ الْعُمْرَةَ لِلشَّهْرِ الَّذِي يُهِلُّ فِيهِ لَا الشَّهْرِ الَّذِي يَحِلُّ فِيهِ، وَأَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ بِهِ السَّعْيُ إِلَى الْحَجِّ فِي الْوَقْتِ الَّذِي يُدْرِكُ الْوُقُوفَ، فَلَا يَجُوزُ لَهُ تَفْوِيتُ الْحَجِّ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَجُزْ فِعْلُهُ قَبْلَ وَقْتِ الْعِبَادَةِ كَسَائِرِ الْأَبْعَاضِ وَكُنْيَةِ الصَّلَاةِ وَنَحْوِهَا، وَلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ
стр. 3991
الْحَجَّ﴾ [البقرة: ١٩٧] فَخَصَّ الْفَرْضَ فِيهِنَّ بِالذِّكْرِ فَعُلِمَ أَنَّ حُكْمَ مَا عَدَاهُ بِخِلَافِهِ، وَلِأَنَّ هَذَا مُخَالِفٌ لِلسُّنَّةِ، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ".
وَإِذَا لَمْ يَنْعَقِدِ الْحَجُّ وَلَمْ يَكُنْ سَبِيلٌ إِلَى بُطْلَانِ الْإِحْرَامِ فَإِنَّهُ لَا يَقَعُ إِلَّا لَازِمًا مُوجِبًا، انْعَقَدَ مُوجِبًا لِعُمْرَةٍ كَمَنْ أَحْرَمَ بِالْفَرْضِ قَبْلَ وَقْتِهِ فَإِنَّهُ يَنْعَقِدُ نَفْلًا.
وَأَيْضًا: فَإِنَّهُ لَوْ جَازَ الْإِحْرَامُ قَبْلَ أَشْهُرِ الْحَجِّ لَوَجَبَ أَنْ يُحْرِمَ بِالْحَجِّ فِي هَذَا الْعَامِ وَيَقِفَ بِعَرَفَةَ فِي الْعَامِ الْمُقْبِلِ.
وَوَجْهُ الْأَوَّلِ: أَنَّ الشُّرُوعَ فِي الْإِحْرَامِ يُوجِبُ إِتْمَامَهُ كَمَا أَنَّ النَّذْرَ يُوجِبُ فِعْلَ الْمَنْذُورِ فَإِذَا أَحْرَمَ بِالْحَجِّ لَزِمَهُ إِتْمَامُهُ كَمَا لَوْ نَذَرَهُ، وَكَوْنُهُ مَكْرُوهًا لَا يَمْنَعُ لُزُومَ الْوَفَاءِ بِهِ كَمَا أَنَّ عَقْدَ النَّذْرِ مَكْرُوهًا، وَيَجِبُ الْوَفَاءُ بِهِ، ثُمَّ النَّذْرُ يُوجِبُ فِعْلَ الْمَنْذُورِ وَكَذَلِكَ الْإِحْرَامُ يُوجِبُ فِعْلَ مَا أَحْرَمَ بِهِ.
وَأَيْضًا فَإِنَّ أَكْثَرَ مَا فِيهِ أَنَّ إِحْرَامَهُ بِالْحَجِّ قَبْلَ أَشْهُرِهِ غَيْرُ جَائِزٍ، وَهَذَا لَا يَمْنَعُ لُزُومَهُ وَانْعِقَادَهُ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي عَقَدَهُ، كَمَا لَوْ عَقَدَهُ وَهُوَ لَابِسٌ عَالِمًا ذَاكِرًا، فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَحِلُّ لَهُ وَمَعَ هَذَا يَنْعَقِدُ إِحْرَامُهُ صَحِيحًا مُوجِبًا لِلدَّمِ، بَلْ لَوْ عَقَدَهُ وَهُوَ مُجَامِعٌ انْعَقَدَ إِحْرَامًا فَاسِدًا، فَوَجَبَ الْمُضِيُّ فِيهِ وَالْقَضَاءُ لَهُ وَالْهَدْيُ، نَعَمْ، هَؤُلَاءِ وَجَبَ عَلَيْهِمْ دَمٌ لِمَا فَعَلُوهُ مِنَ الْمَحْظُورِ؛ لِأَنَّهُمْ نَقَصُوا الْإِحْرَامَ وَهَذَا لَمْ يَنْقُصْهُ وَإِنَّمَا زَادَ عَلَيْهِ، فَأَسْوَأُ أَحْوَالِهِ أَنْ يَجْعَلَ الْمَزِيدَ كَالْمَعْدُومِ، وَأَيْضًا فَإِنَّ الْإِحْرَامَ قَبْلَ
стр. 3992
أَشْهُرِ الْحَجِّ إِحْرَامٌ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ وَزِيَادَةٌ عَلَى الْإِحْرَامِ الْمَشْرُوعِ، فَإِنَّهُ يَبْقَى مُحْرِمًا إِلَى حِينِ الْوُقُوفِ وَالطَّوَافِ، وَالزِّيَادَةُ عَلَى الْمَنَاسِكِ قَبْلَهَا أَوْ بَعْدَهَا وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مَشْرُوعَةً فَإِنَّهَا لَا تَقْدَحُ فِي الْقَدْرِ الْمَشْرُوعِ كَمَا لَوْ وَقَفَ بِالْمُعَرَّفِ قَبْلَ وَقْتِهِ أَوْ أَقَامَ بِهِ إِلَى نِصْفِ لَيْلَةِ النَّحْرِ أَوْ طَافَ لَيْلَةَ النَّحْرِ أَوْ طَافَ أَكْثَرَ مِنْ أُسْبُوعٍ بِالْبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، أَوْ رَمَى الْجِمَارَ بِأَكْثَرَ مِنْ سَبْعِ حَصَيَاتٍ، أَوْ بَاتَ بِمِنًى بَعْدَ لَيَالِيهَا، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ قَادِحًا فِي الْإِحْرَامِ الْوَاقِعِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ فَيَكُونُ إِحْرَامًا صَحِيحًا قَدِ الْتَزَمَهُ، فَيَلْزَمُهُ ذَلِكَ الْإِحْرَامُ، وَإِذَا لَزِمَهُ ذَلِكَ الْإِحْرَامُ لَزِمَهُ مَا قَبْلَهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ الْحُكْمُ بِصِحَّتِهِ إِلَّا بِصِحَّةِ مَا قَبْلَهُ وَلُزُومِهِ، يُبَيِّنُ ذَلِكَ وَيُوَضِّحُهُ أَنَّ الصَّبِيَّ وَالْعَبْدَ لَوْ أَدْرَكَا الْوُجُوبَ وَهُمَا بِعَرَفَةَ صَحَّ إِتْمَامُ الْحَجِّ بِمَا وَجَدَ مِنَ الْإِحْرَامِ بَعْدَ الْوُجُوبِ وَكَانَ بَعْضُ هَذَا الْإِحْرَامِ مُجْزِئًا عَنِ الْوَاجِبِ، وَبَعْضُهُ لَيْسَ مُجْزِئًا عَنْهُ، وَإِنَّمَا يَصِحُّ الْمُجْزِئُ مِنْهُ بِصِحَّةِ غَيْرِ الْمُجْزِئِ؛ فَلِذَلِكَ يَجُوزُ أَنْ يَبْنِيَ الْمَشْرُوعَ مِنْهُ عَلَى غَيْرِ الْمَشْرُوعِ جَعْلًا لِمَا وَجَدَ قَبْلَ الْوَقْتِ، وَالْوُجُوبُ وُجُودُهُ كَعَدَمِهِ مَا لَمْ يَقَعْ فَاسِدًا.
وَبِهَذَا يَظْهَرُ الْفَرْقُ بَيْنَ الْإِحْرَامِ وَبَيْنَ سَائِرِ أَجْزَاءِ الْعِبَادَاتِ؛ فَإِنَّهَا إِنَّمَا لَمْ تُجْزِئْ لِكَوْنِ الْجُزْءِ الْمَفْعُولِ قَبْلَ الْوَقْتِ وَاجِبًا بِكُلِّ حَالٍ، وَفِعْلُ الْوَاجِبِ قَبْلَ وَقْتِهِ غَيْرُ جَائِزٍ لِأَنَّهُ يَكُونُ وُجُودُهُ كَعَدَمِهِ، وَعَدَمُ الْوَاجِبِ فِي الْعِبَادَةِ يُبْطِلُهَا، وَهُنَا الْإِحْرَامُ الْمَوْجُودُ قَبْلَ الْوَقْتِ إِذَا كَانَ وُجُودُهُ كَعَدَمِهِ، فَعَدَمُهُ لَا يُؤَثِّرُ.
стр. 3993
وَأَيْضًا فَإِنَّهُ أَحَدُ الْمِيقَاتَيْنِ فَانْعَقَدَ الْإِحْرَامُ الْمُتَقَدِّمُ عَلَيْهِ كَالْمِيقَاتِ الْمَكَانِيِّ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْحَجَّ مَخْصُوصٌ بِزَمَانٍ وَمَكَانٍ، وَالْوُقُوفَ وَالطَّوَافَ أَخَصُّ مَكَانًا وَزَمَانًا مِنَ الْإِحْرَامِ فَإِنَّ الْإِحْرَامَ يَتَقَدَّمُ عَلَيْهِمَا فِي مَكَانِهِ وَزَمَانِهِ وَمِنَ السُّنَّةِ أَنْ لَا يُحْرِمَ بِالنُّسُكِ قَبْلَ مَكَانِ الْإِحْرَامِ، فَلَوْ أَحْرَمَ بِهِ انْعَقَدَ، فَكَذَلِكَ إِذَا أَحْرَمَ بِهِ قَبْلَ زَمَانِهِ.
قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: وَمِيقَاتُ الزَّمَانِ جَمِيعُهُ بِمَنْزِلَةِ الْبُقْعَةِ الَّتِي يُشْرَعُ الْإِحْرَامُ مِنْهَا، لَهُ أَنْ يُحْرِمَ مِنْ أَوَّلِهَا وَآخِرِهَا، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَتَأَخَّرَ عَنْهَا وَإِنْ تَقَدَّمَ انْعَقَدَ، لَكِنْ بَيْنَهُمَا فَرْقٌ، وَهُوَ مِيقَاتُ الْمَكَانِ قَدْ نُهِيَ عَنِ التَّأَخُّرِ عَنْهُ، وَإِنْ تَأَخَّرَ انْعَقَدَ وَلَزِمَهُ دَمٌ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ نَقْصٌ لِبَعْضِ النُّسُكِ، وَمِيقَاتُ الزَّمَانِ إِذَا أَخَّرَهُ عَنْ وَقْتِ جَوَازِهِ فَاتَ الْحَجُّ فَلَمْ يَنْعَقِدْ، وَإِنْ كَانَ التَّقَدُّمُ فِي الزَّمَانِ مَكْرُوهًا؛ لِأَنَّ مَنْ أَرَادَ أَنْ يَقْطَعَ الْوَقْتَ بِالْإِحْرَامِ فَإِنَّهُ يُمْكِنُهُ أَنْ يُحْرِمَ بِالْعُمْرَةِ بِخِلَافِ الْمَكَانِ.
وَأَيْضًا فَإِنَّهُ قَدِ الْتَزَمَ الْحَجَّ فَإِنْ جَعَلْنَاهُ الْتِزَامًا صَحِيحًا وَجَبَ أَنْ يُتِمَّهُ كَمَا الْتَزَمَهُ، وَإِنْ كَانَ فَاسِدًا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، أَمَّا الْعُمْرَةُ فَلَمْ يَقْصِدْهَا وَلَمْ يَنْوِهَا، وَهِيَ بَعْضُ مَا الْتَزَمَهُ، أَوْ هِيَ مُخَالِفَةٌ لَهُ فَكَيْفَ تَقُومُ مَقَامَ الْحَجِّ؟!
وَقَدِ احْتَجَّ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا وَغَيْرِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٨٩] قَالُوا: وَهَذَا عَامٌّ فِي جَمِيعِ الْأَهِلَّةِ فَيَقْتَضِي أَنْ تَكُونَ جَمِيعًا مِيقَاتًا لِلْحَجِّ، وَهَذَا غَلَطٌ مُحَقَّقٌ؛ لِأَنَّ الْهِلَالَ إِنَّمَا يَكُونُ وَقْتًا لِلشَّيْءِ إِذَا اخْتَلَفَ حُكْمُهُ بِهِ وُجُودًا وَعَدَمًا، مِثْلُ أَنْ تَنْقَضِيَ بِهِ الْعِدَّةُ أَوْ يَحِلَّ بِهِ الدَّيْنُ أَوْ
стр. 3994
يَجِبَ بِهِ الصَّوْمُ أَوِ الْفِطْرُ وَنَحْوُ ذَلِكَ، فَلَوْ كَانَ جَمِيعُ الْعَامِ وَقْتًا لِلْإِحْرَامِ بِالْحَجِّ لَمْ تَكُنِ الْأَهِلَّةُ مِيقَاتًا لِلْحَجِّ كَمَا لَمْ تَكُنْ مِيقَاتًا لِلنَّذْرِ، وَلَا مِيقَاتًا لِسَائِرِ الْأَشْيَاءِ الَّتِي تُفْعَلُ فِي جَمِيعِ الْأَزْمِنَةِ، بَلْ هَذِهِ الْآيَةُ دَالَّةٌ عَلَى أَنَّ الْحَجَّ مُؤَقَّتٌ بِالْأَهِلَّةِ، وَمُحَالٌ أَنْ يَكُونَ مُؤَقَّتًا بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْأَهِلَّةِ، فَعُلِمَ أَنَّ الْمُرَادَ: أَنَّ جِنْسَ الْأَهِلَّةِ مِيقَاتٌ لِلْحَجِّ كَمَا قَالَ: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ [آل عمران: ١٧٣].
وَالْجِنْسُ يَحْصُلُ بِهِلَالٍ وَاحِدٍ، وَبِاثْنَيْنِ وَثَلَاثَةٍ فَأَفَادَتِ الْآيَةُ أَنَّ الْأَهِلَّةَ مِيقَاتٌ لِلْحَجِّ يُعْلَمُ جَوَازُهُ بِوُجُودِهَا فِي الْجُمْلَةِ، وَذَلِكَ حَقٌّ فَإِنَّ الْحَجَّ إِنَّمَا يَكُونُ لِهِلَالٍ خَاصٍّ، وَهُوَ هِلَالُ ذِي الْحِجَّةِ.
وَيَجُوزُ أَنْ يُرَادَ أَنَّ مَجْمُوعَ أَهِلَّةِ السَّنَةِ وَقْتٌ لِلْحَجِّ فَإِنَّ الْحَجَّ إِنَّمَا يَدْخُلُ وَقْتُهُ عِنْدَ انْتِهَاءِ الِاثْنَيْ عَشَرَ، وَيَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بَعْضُهَا مِيقَاتٌ لِلنَّاسِ وَبَعْضُهَا مِيقَاتٌ لِلْحَجِّ، وَيَجُوزُ أَنْ يُرَادَ .....
وَأَمَّا قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ﴾ [البقرة: ١٩٧] فَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ فَرْضَهُ قَبْلَهُنَّ غَيْرُ مَشْرُوعٍ إِنْ لَمْ يَكُنْ قَوْلُهُ: ﴿فِيهِنَّ﴾ [البقرة: ١٩٧] مُتَعَلِّقًا بِالْحَجِّ.
وَأَمَّا كَوْنُهُ خِلَافَ السُّنَّةِ فَصَحِيحٌ، لَكِنَّ ذَلِكَ لَا يَمْنَعُ الِانْعِقَادَ.
وَأَمَّا كَوْنُ الْإِحْرَامِ رُكْنًا لِلْحَجِّ وَبَعْضًا مِنْهُ فَقَدِ اخْتَلَفَتْ عِبَارَةُ أَصْحَابِنَا فِي ذَلِكَ، فَزَعَمَ طَائِفَةٌ مِنْ مُتَأَخِّرِيهِمْ أَنَّهُ شَرْطٌ لِلْحَجِّ وَلَيْسَ بِرُكْنٍ لَهُ، وَالشُّرُوطُ تُفْعَلُ قَبْلَ
стр. 3995
وَقْتِ الْعِبَادَةِ كَالطَّهَارَتَيْنِ وَالسِّتَارَةِ قَالُوا: وَلِهَذَا يَجِبُ اسْتِصْحَابُهُ فِي جَمِيعِ الْحَجِّ، وَالرُّكْنُ إِنَّمَا يُفْعَلُ بَعْدَ انْقِضَاءِ الرُّكْنِ كَالْوُقُوفِ وَالطَّوَافِ وَالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ.
وَأَكْثَرُ فُقَهَاءِ أَصْحَابِنَا يَجْعَلُونَهُ رُكْنًا، ثُمَّ قَالَ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ: كَوْنُهُ رُكْنًا لَا يُوجِبُ اخْتِصَاصَ جَوَازِهِ بِأَشْهُرِ الْحَجِّ كَالطَّوَافِ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ تَأْخِيرُهُ عَنْ أَشْهُرِ الْحَجِّ، فَنَقُولُ: رُكْنٌ فِي طَرَفِ الْحَجِّ فَجَازَ فِعْلُهُ فِي غَيْرِ وَقْتِهِ كَالطَّوَافِ، وَعَكْسُهُ الْوُقُوفُ فَإِنَّهُ رُكْنٌ فِي وَسَطِ الْحَجِّ، وَقِيَاسُهُ بِالطَّوَافِ أَوْلَى؛ لِأَنَّ ذَاكَ تَأْخِيرٌ وَهَذَا تَقْدِيمٌ.
وَلِأَنَّ الطَّوَافَ لَا يُفْعَلُ إِلَّا فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ، وَالْإِحْرَامُ يَدُومُ وَيَسْتَمِرُّ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ وَفِي غَيْرِ أَشْهُرِهِ، وَهَذَا أَشْبَهُ بِأُصُولِنَا فَإِنَّ الْعُمْرَةَ عِنْدَنَا لِلشَّهْرِ الَّذِي يُحْرِمُ مِنْهُ، وَلَوْ كَانَ شَرْطًا مُخْتَصًّا لَمْ يَصِحَّ ذَلِكَ، نَعَمْ هُوَ يُشْبِهُ النِّيَّةَ لِأَنَّهُ بِهِ يَنْعَقِدُ الْحَجُّ، وَيَلْزَمُ وَبِهِ يَدْخُلُ فِي الْحَجِّ كَمَا يَدْخُلُ بِالنِّيَّةِ فِي الصَّلَاةِ، وَالنِّيَّةُ مِنْهَا مَا يَتَقَدَّمُ وَقْتَ الْعِبَادَةِ كَالصَّوْمِ، وَمِنْهَا مَا لَا يَتَقَدَّمُ كَالصَّلَاةِ، وَتَحْقِيقُهُ أَنَّ لَهُ شَبَهًا بِالشَّرَائِطِ وَشَبَهًا بِالْأَرْكَانِ، وَالْأُصُولُ لَا يُقَاسُ بَعْضُهَا بِبَعْضٍ، كَمَا أَنَّ الْحَجَّ لَا يُقَاسُ بِغَيْرِهِ مِنَ الْعِبَادَاتِ.
فَإِنْ قِيلَ: إِذَا قُلْتُمْ يَنْعَقِدُ وَلَهُ فَسْخُهُ إِلَى عُمْرَةٍ يَحُجُّ بَعْدَهَا؛ فَهَذَا ظَاهِرٌ، أَمَّا أَنَّهُ يَنْعَقِدُ وَيَفْسَخُهُ إِلَى عُمْرَةٍ مِنْ غَيْرِ حَجٍّ، وَيَكُونُ ذَلِكَ أَفْضَلَ مِنْ تَمَامِ حَجِّهِ فَكَيْفَ هَذَا؟
قُلْنَا: فَسْخُ الْحَجِّ إِلَى الْعُمْرَةِ يَجُوزُ لِغَرَضٍ صَحِيحٍ وَهُوَ تَحْصِيلُ مَا هُوَ أَفْضَلُ مِنْ حَجَّةٍ مُفْرَدَةٍ، فَلَمَّا كَانَ تَحْصِيلُ عُمْرَةٍ يَتَمَتَّعُ بِهَا وَحَجَّةٍ أَفْضَلَ مِنْ حَجَّةٍ مُفْرَدَةٍ جَازَ
следующие страницы →