Полный текст (8 095 стр.). Показаны 3991–4030 · переход к 3996.
стр. 3991
الْحَجَّ﴾ [البقرة: ١٩٧] فَخَصَّ الْفَرْضَ فِيهِنَّ بِالذِّكْرِ فَعُلِمَ أَنَّ حُكْمَ مَا عَدَاهُ بِخِلَافِهِ، وَلِأَنَّ هَذَا مُخَالِفٌ لِلسُّنَّةِ، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ".
وَإِذَا لَمْ يَنْعَقِدِ الْحَجُّ وَلَمْ يَكُنْ سَبِيلٌ إِلَى بُطْلَانِ الْإِحْرَامِ فَإِنَّهُ لَا يَقَعُ إِلَّا لَازِمًا مُوجِبًا، انْعَقَدَ مُوجِبًا لِعُمْرَةٍ كَمَنْ أَحْرَمَ بِالْفَرْضِ قَبْلَ وَقْتِهِ فَإِنَّهُ يَنْعَقِدُ نَفْلًا.
وَأَيْضًا: فَإِنَّهُ لَوْ جَازَ الْإِحْرَامُ قَبْلَ أَشْهُرِ الْحَجِّ لَوَجَبَ أَنْ يُحْرِمَ بِالْحَجِّ فِي هَذَا الْعَامِ وَيَقِفَ بِعَرَفَةَ فِي الْعَامِ الْمُقْبِلِ.
وَوَجْهُ الْأَوَّلِ: أَنَّ الشُّرُوعَ فِي الْإِحْرَامِ يُوجِبُ إِتْمَامَهُ كَمَا أَنَّ النَّذْرَ يُوجِبُ فِعْلَ الْمَنْذُورِ فَإِذَا أَحْرَمَ بِالْحَجِّ لَزِمَهُ إِتْمَامُهُ كَمَا لَوْ نَذَرَهُ، وَكَوْنُهُ مَكْرُوهًا لَا يَمْنَعُ لُزُومَ الْوَفَاءِ بِهِ كَمَا أَنَّ عَقْدَ النَّذْرِ مَكْرُوهًا، وَيَجِبُ الْوَفَاءُ بِهِ، ثُمَّ النَّذْرُ يُوجِبُ فِعْلَ الْمَنْذُورِ وَكَذَلِكَ الْإِحْرَامُ يُوجِبُ فِعْلَ مَا أَحْرَمَ بِهِ.
وَأَيْضًا فَإِنَّ أَكْثَرَ مَا فِيهِ أَنَّ إِحْرَامَهُ بِالْحَجِّ قَبْلَ أَشْهُرِهِ غَيْرُ جَائِزٍ، وَهَذَا لَا يَمْنَعُ لُزُومَهُ وَانْعِقَادَهُ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي عَقَدَهُ، كَمَا لَوْ عَقَدَهُ وَهُوَ لَابِسٌ عَالِمًا ذَاكِرًا، فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَحِلُّ لَهُ وَمَعَ هَذَا يَنْعَقِدُ إِحْرَامُهُ صَحِيحًا مُوجِبًا لِلدَّمِ، بَلْ لَوْ عَقَدَهُ وَهُوَ مُجَامِعٌ انْعَقَدَ إِحْرَامًا فَاسِدًا، فَوَجَبَ الْمُضِيُّ فِيهِ وَالْقَضَاءُ لَهُ وَالْهَدْيُ، نَعَمْ، هَؤُلَاءِ وَجَبَ عَلَيْهِمْ دَمٌ لِمَا فَعَلُوهُ مِنَ الْمَحْظُورِ؛ لِأَنَّهُمْ نَقَصُوا الْإِحْرَامَ وَهَذَا لَمْ يَنْقُصْهُ وَإِنَّمَا زَادَ عَلَيْهِ، فَأَسْوَأُ أَحْوَالِهِ أَنْ يَجْعَلَ الْمَزِيدَ كَالْمَعْدُومِ، وَأَيْضًا فَإِنَّ الْإِحْرَامَ قَبْلَ
стр. 3992
أَشْهُرِ الْحَجِّ إِحْرَامٌ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ وَزِيَادَةٌ عَلَى الْإِحْرَامِ الْمَشْرُوعِ، فَإِنَّهُ يَبْقَى مُحْرِمًا إِلَى حِينِ الْوُقُوفِ وَالطَّوَافِ، وَالزِّيَادَةُ عَلَى الْمَنَاسِكِ قَبْلَهَا أَوْ بَعْدَهَا وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مَشْرُوعَةً فَإِنَّهَا لَا تَقْدَحُ فِي الْقَدْرِ الْمَشْرُوعِ كَمَا لَوْ وَقَفَ بِالْمُعَرَّفِ قَبْلَ وَقْتِهِ أَوْ أَقَامَ بِهِ إِلَى نِصْفِ لَيْلَةِ النَّحْرِ أَوْ طَافَ لَيْلَةَ النَّحْرِ أَوْ طَافَ أَكْثَرَ مِنْ أُسْبُوعٍ بِالْبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، أَوْ رَمَى الْجِمَارَ بِأَكْثَرَ مِنْ سَبْعِ حَصَيَاتٍ، أَوْ بَاتَ بِمِنًى بَعْدَ لَيَالِيهَا، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ قَادِحًا فِي الْإِحْرَامِ الْوَاقِعِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ فَيَكُونُ إِحْرَامًا صَحِيحًا قَدِ الْتَزَمَهُ، فَيَلْزَمُهُ ذَلِكَ الْإِحْرَامُ، وَإِذَا لَزِمَهُ ذَلِكَ الْإِحْرَامُ لَزِمَهُ مَا قَبْلَهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ الْحُكْمُ بِصِحَّتِهِ إِلَّا بِصِحَّةِ مَا قَبْلَهُ وَلُزُومِهِ، يُبَيِّنُ ذَلِكَ وَيُوَضِّحُهُ أَنَّ الصَّبِيَّ وَالْعَبْدَ لَوْ أَدْرَكَا الْوُجُوبَ وَهُمَا بِعَرَفَةَ صَحَّ إِتْمَامُ الْحَجِّ بِمَا وَجَدَ مِنَ الْإِحْرَامِ بَعْدَ الْوُجُوبِ وَكَانَ بَعْضُ هَذَا الْإِحْرَامِ مُجْزِئًا عَنِ الْوَاجِبِ، وَبَعْضُهُ لَيْسَ مُجْزِئًا عَنْهُ، وَإِنَّمَا يَصِحُّ الْمُجْزِئُ مِنْهُ بِصِحَّةِ غَيْرِ الْمُجْزِئِ؛ فَلِذَلِكَ يَجُوزُ أَنْ يَبْنِيَ الْمَشْرُوعَ مِنْهُ عَلَى غَيْرِ الْمَشْرُوعِ جَعْلًا لِمَا وَجَدَ قَبْلَ الْوَقْتِ، وَالْوُجُوبُ وُجُودُهُ كَعَدَمِهِ مَا لَمْ يَقَعْ فَاسِدًا.
وَبِهَذَا يَظْهَرُ الْفَرْقُ بَيْنَ الْإِحْرَامِ وَبَيْنَ سَائِرِ أَجْزَاءِ الْعِبَادَاتِ؛ فَإِنَّهَا إِنَّمَا لَمْ تُجْزِئْ لِكَوْنِ الْجُزْءِ الْمَفْعُولِ قَبْلَ الْوَقْتِ وَاجِبًا بِكُلِّ حَالٍ، وَفِعْلُ الْوَاجِبِ قَبْلَ وَقْتِهِ غَيْرُ جَائِزٍ لِأَنَّهُ يَكُونُ وُجُودُهُ كَعَدَمِهِ، وَعَدَمُ الْوَاجِبِ فِي الْعِبَادَةِ يُبْطِلُهَا، وَهُنَا الْإِحْرَامُ الْمَوْجُودُ قَبْلَ الْوَقْتِ إِذَا كَانَ وُجُودُهُ كَعَدَمِهِ، فَعَدَمُهُ لَا يُؤَثِّرُ.
стр. 3993
وَأَيْضًا فَإِنَّهُ أَحَدُ الْمِيقَاتَيْنِ فَانْعَقَدَ الْإِحْرَامُ الْمُتَقَدِّمُ عَلَيْهِ كَالْمِيقَاتِ الْمَكَانِيِّ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْحَجَّ مَخْصُوصٌ بِزَمَانٍ وَمَكَانٍ، وَالْوُقُوفَ وَالطَّوَافَ أَخَصُّ مَكَانًا وَزَمَانًا مِنَ الْإِحْرَامِ فَإِنَّ الْإِحْرَامَ يَتَقَدَّمُ عَلَيْهِمَا فِي مَكَانِهِ وَزَمَانِهِ وَمِنَ السُّنَّةِ أَنْ لَا يُحْرِمَ بِالنُّسُكِ قَبْلَ مَكَانِ الْإِحْرَامِ، فَلَوْ أَحْرَمَ بِهِ انْعَقَدَ، فَكَذَلِكَ إِذَا أَحْرَمَ بِهِ قَبْلَ زَمَانِهِ.
قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: وَمِيقَاتُ الزَّمَانِ جَمِيعُهُ بِمَنْزِلَةِ الْبُقْعَةِ الَّتِي يُشْرَعُ الْإِحْرَامُ مِنْهَا، لَهُ أَنْ يُحْرِمَ مِنْ أَوَّلِهَا وَآخِرِهَا، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَتَأَخَّرَ عَنْهَا وَإِنْ تَقَدَّمَ انْعَقَدَ، لَكِنْ بَيْنَهُمَا فَرْقٌ، وَهُوَ مِيقَاتُ الْمَكَانِ قَدْ نُهِيَ عَنِ التَّأَخُّرِ عَنْهُ، وَإِنْ تَأَخَّرَ انْعَقَدَ وَلَزِمَهُ دَمٌ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ نَقْصٌ لِبَعْضِ النُّسُكِ، وَمِيقَاتُ الزَّمَانِ إِذَا أَخَّرَهُ عَنْ وَقْتِ جَوَازِهِ فَاتَ الْحَجُّ فَلَمْ يَنْعَقِدْ، وَإِنْ كَانَ التَّقَدُّمُ فِي الزَّمَانِ مَكْرُوهًا؛ لِأَنَّ مَنْ أَرَادَ أَنْ يَقْطَعَ الْوَقْتَ بِالْإِحْرَامِ فَإِنَّهُ يُمْكِنُهُ أَنْ يُحْرِمَ بِالْعُمْرَةِ بِخِلَافِ الْمَكَانِ.
وَأَيْضًا فَإِنَّهُ قَدِ الْتَزَمَ الْحَجَّ فَإِنْ جَعَلْنَاهُ الْتِزَامًا صَحِيحًا وَجَبَ أَنْ يُتِمَّهُ كَمَا الْتَزَمَهُ، وَإِنْ كَانَ فَاسِدًا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، أَمَّا الْعُمْرَةُ فَلَمْ يَقْصِدْهَا وَلَمْ يَنْوِهَا، وَهِيَ بَعْضُ مَا الْتَزَمَهُ، أَوْ هِيَ مُخَالِفَةٌ لَهُ فَكَيْفَ تَقُومُ مَقَامَ الْحَجِّ؟!
وَقَدِ احْتَجَّ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا وَغَيْرِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٨٩] قَالُوا: وَهَذَا عَامٌّ فِي جَمِيعِ الْأَهِلَّةِ فَيَقْتَضِي أَنْ تَكُونَ جَمِيعًا مِيقَاتًا لِلْحَجِّ، وَهَذَا غَلَطٌ مُحَقَّقٌ؛ لِأَنَّ الْهِلَالَ إِنَّمَا يَكُونُ وَقْتًا لِلشَّيْءِ إِذَا اخْتَلَفَ حُكْمُهُ بِهِ وُجُودًا وَعَدَمًا، مِثْلُ أَنْ تَنْقَضِيَ بِهِ الْعِدَّةُ أَوْ يَحِلَّ بِهِ الدَّيْنُ أَوْ
стр. 3994
يَجِبَ بِهِ الصَّوْمُ أَوِ الْفِطْرُ وَنَحْوُ ذَلِكَ، فَلَوْ كَانَ جَمِيعُ الْعَامِ وَقْتًا لِلْإِحْرَامِ بِالْحَجِّ لَمْ تَكُنِ الْأَهِلَّةُ مِيقَاتًا لِلْحَجِّ كَمَا لَمْ تَكُنْ مِيقَاتًا لِلنَّذْرِ، وَلَا مِيقَاتًا لِسَائِرِ الْأَشْيَاءِ الَّتِي تُفْعَلُ فِي جَمِيعِ الْأَزْمِنَةِ، بَلْ هَذِهِ الْآيَةُ دَالَّةٌ عَلَى أَنَّ الْحَجَّ مُؤَقَّتٌ بِالْأَهِلَّةِ، وَمُحَالٌ أَنْ يَكُونَ مُؤَقَّتًا بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْأَهِلَّةِ، فَعُلِمَ أَنَّ الْمُرَادَ: أَنَّ جِنْسَ الْأَهِلَّةِ مِيقَاتٌ لِلْحَجِّ كَمَا قَالَ: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ [آل عمران: ١٧٣].
وَالْجِنْسُ يَحْصُلُ بِهِلَالٍ وَاحِدٍ، وَبِاثْنَيْنِ وَثَلَاثَةٍ فَأَفَادَتِ الْآيَةُ أَنَّ الْأَهِلَّةَ مِيقَاتٌ لِلْحَجِّ يُعْلَمُ جَوَازُهُ بِوُجُودِهَا فِي الْجُمْلَةِ، وَذَلِكَ حَقٌّ فَإِنَّ الْحَجَّ إِنَّمَا يَكُونُ لِهِلَالٍ خَاصٍّ، وَهُوَ هِلَالُ ذِي الْحِجَّةِ.
وَيَجُوزُ أَنْ يُرَادَ أَنَّ مَجْمُوعَ أَهِلَّةِ السَّنَةِ وَقْتٌ لِلْحَجِّ فَإِنَّ الْحَجَّ إِنَّمَا يَدْخُلُ وَقْتُهُ عِنْدَ انْتِهَاءِ الِاثْنَيْ عَشَرَ، وَيَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بَعْضُهَا مِيقَاتٌ لِلنَّاسِ وَبَعْضُهَا مِيقَاتٌ لِلْحَجِّ، وَيَجُوزُ أَنْ يُرَادَ .....
وَأَمَّا قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ﴾ [البقرة: ١٩٧] فَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ فَرْضَهُ قَبْلَهُنَّ غَيْرُ مَشْرُوعٍ إِنْ لَمْ يَكُنْ قَوْلُهُ: ﴿فِيهِنَّ﴾ [البقرة: ١٩٧] مُتَعَلِّقًا بِالْحَجِّ.
وَأَمَّا كَوْنُهُ خِلَافَ السُّنَّةِ فَصَحِيحٌ، لَكِنَّ ذَلِكَ لَا يَمْنَعُ الِانْعِقَادَ.
وَأَمَّا كَوْنُ الْإِحْرَامِ رُكْنًا لِلْحَجِّ وَبَعْضًا مِنْهُ فَقَدِ اخْتَلَفَتْ عِبَارَةُ أَصْحَابِنَا فِي ذَلِكَ، فَزَعَمَ طَائِفَةٌ مِنْ مُتَأَخِّرِيهِمْ أَنَّهُ شَرْطٌ لِلْحَجِّ وَلَيْسَ بِرُكْنٍ لَهُ، وَالشُّرُوطُ تُفْعَلُ قَبْلَ
стр. 3995
وَقْتِ الْعِبَادَةِ كَالطَّهَارَتَيْنِ وَالسِّتَارَةِ قَالُوا: وَلِهَذَا يَجِبُ اسْتِصْحَابُهُ فِي جَمِيعِ الْحَجِّ، وَالرُّكْنُ إِنَّمَا يُفْعَلُ بَعْدَ انْقِضَاءِ الرُّكْنِ كَالْوُقُوفِ وَالطَّوَافِ وَالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ.
وَأَكْثَرُ فُقَهَاءِ أَصْحَابِنَا يَجْعَلُونَهُ رُكْنًا، ثُمَّ قَالَ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ: كَوْنُهُ رُكْنًا لَا يُوجِبُ اخْتِصَاصَ جَوَازِهِ بِأَشْهُرِ الْحَجِّ كَالطَّوَافِ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ تَأْخِيرُهُ عَنْ أَشْهُرِ الْحَجِّ، فَنَقُولُ: رُكْنٌ فِي طَرَفِ الْحَجِّ فَجَازَ فِعْلُهُ فِي غَيْرِ وَقْتِهِ كَالطَّوَافِ، وَعَكْسُهُ الْوُقُوفُ فَإِنَّهُ رُكْنٌ فِي وَسَطِ الْحَجِّ، وَقِيَاسُهُ بِالطَّوَافِ أَوْلَى؛ لِأَنَّ ذَاكَ تَأْخِيرٌ وَهَذَا تَقْدِيمٌ.
وَلِأَنَّ الطَّوَافَ لَا يُفْعَلُ إِلَّا فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ، وَالْإِحْرَامُ يَدُومُ وَيَسْتَمِرُّ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ وَفِي غَيْرِ أَشْهُرِهِ، وَهَذَا أَشْبَهُ بِأُصُولِنَا فَإِنَّ الْعُمْرَةَ عِنْدَنَا لِلشَّهْرِ الَّذِي يُحْرِمُ مِنْهُ، وَلَوْ كَانَ شَرْطًا مُخْتَصًّا لَمْ يَصِحَّ ذَلِكَ، نَعَمْ هُوَ يُشْبِهُ النِّيَّةَ لِأَنَّهُ بِهِ يَنْعَقِدُ الْحَجُّ، وَيَلْزَمُ وَبِهِ يَدْخُلُ فِي الْحَجِّ كَمَا يَدْخُلُ بِالنِّيَّةِ فِي الصَّلَاةِ، وَالنِّيَّةُ مِنْهَا مَا يَتَقَدَّمُ وَقْتَ الْعِبَادَةِ كَالصَّوْمِ، وَمِنْهَا مَا لَا يَتَقَدَّمُ كَالصَّلَاةِ، وَتَحْقِيقُهُ أَنَّ لَهُ شَبَهًا بِالشَّرَائِطِ وَشَبَهًا بِالْأَرْكَانِ، وَالْأُصُولُ لَا يُقَاسُ بَعْضُهَا بِبَعْضٍ، كَمَا أَنَّ الْحَجَّ لَا يُقَاسُ بِغَيْرِهِ مِنَ الْعِبَادَاتِ.
فَإِنْ قِيلَ: إِذَا قُلْتُمْ يَنْعَقِدُ وَلَهُ فَسْخُهُ إِلَى عُمْرَةٍ يَحُجُّ بَعْدَهَا؛ فَهَذَا ظَاهِرٌ، أَمَّا أَنَّهُ يَنْعَقِدُ وَيَفْسَخُهُ إِلَى عُمْرَةٍ مِنْ غَيْرِ حَجٍّ، وَيَكُونُ ذَلِكَ أَفْضَلَ مِنْ تَمَامِ حَجِّهِ فَكَيْفَ هَذَا؟
قُلْنَا: فَسْخُ الْحَجِّ إِلَى الْعُمْرَةِ يَجُوزُ لِغَرَضٍ صَحِيحٍ وَهُوَ تَحْصِيلُ مَا هُوَ أَفْضَلُ مِنْ حَجَّةٍ مُفْرَدَةٍ، فَلَمَّا كَانَ تَحْصِيلُ عُمْرَةٍ يَتَمَتَّعُ بِهَا وَحَجَّةٍ أَفْضَلَ مِنْ حَجَّةٍ مُفْرَدَةٍ جَازَ
стр. 3996
لَهُ الْفَسْخُ لِذَلِكَ، وَهُنَا إِحْرَامُهُ بِعُمْرَةٍ قَبْلَ أَشْهُرِ الْحَجِّ يَأْتِي بِهَا مِنْ غَيْرِ حَجٍّ أَفْضَلُ مِنْ حَجَّةٍ يُحْرِمُ بِهَا قَبْلَ أَشْهُرِ الْحَجِّ؛ لِأَنَّ هَذَا مَكْرُوهٌ مَعَ كَثْرَتِهِ، وَذَاكَ لَا كَرَاهَةَ فِيهِ، فَإِذَا انْتَقَلَ إِلَى مَا هُوَ أَفْضَلُ كَانَ لَهُ ذَلِكَ، وَإِذَا أَقَامَ عَلَى إِحْرَامِهِ بِالْحَجِّ إِلَى أَنْ تَدْخُلَ أَشْهُرُ الْحَجِّ فَهُنَا يَنْبَغِي أَنْ لَا يَكُونَ لَهُ الْفَسْخُ إِلَّا إِلَى مُتْعَةٍ» اهـ.
قُلْتُ: الأظهر عدم الاجزاء كالإحرام بالصلاة قبل وقتها، والواجب عليه أن يفسخ إحرامه بعمرة والله أعلم.
٢ - أنَّ ذا الحليفة ميقات أهل المدينة.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ فِي [شَرْحِ الْعُمْدَةِ] (٢/ ٣١٤):
«وأمَّا ذو الحليفة فهي أبعد المواقيت عن مكة كأنَّها والله أعلم تصغير حلفة وحليفة وهي واحدة الحلفاء وهي خشب ينبت في الماء بينها وبين مكة عشر مراحل وهي من المدينة علي ميل هكذا ذكره القاضي. وأظن هذا غلط بل هي من المدينة على فرسخ وبها المسجد الذي أحرم منه رسول الله ﷺ والبئر الذي تسميها العامة بئر علي» اهـ.
قُلْتُ: وقد ذكر الإمام أحمد ﵀ أنَّ ذا الحليفة تبعد عن المدينة فرسخان، وهكذا ذكره العلامة النووي ﵀، وَقَالَ الشَّيْخُ الْبَسَّامُ ﵀ فِي [تَيْسِيْرِ الْعَلَّامِ] (١/ ٣٣٥):
стр. 3997
«وتبلغ المسافة من ضفة وادي الحليفة إلى المسجد النبوي ثلاثة عشر كيلاً. ومن تلك الضفة إلى مكة المكرمة عن طريق- وادي الجموم - أربعمائة وثمانية وعشرين كيلاً» اهـ.
٣ - أنَّ ميقات أهل الشام الجحفة.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ فِي [شَرْحِ الْعُمْدَةِ] (٢/ ٣١٥):
«قيل سميت بذلك لأنَّ السيل أجحف بأهلها إلى الجبل الذي هناك وهي من مكة على ثلاث مراحل، وتسمى مَهْيَعة، وهي التي دعا النبي ﷺ بنقل حمى المدينة إليها، وهي قرية قديمة، وهي اليوم خراب، وبها أثر الحمام التي دخلها ابن عباس وهو محرم، وقد صار الناس لأجل خرابها يحرمون قبلها من رابغ؛ لأجل أنَّ بها الماء للاغتسال» اهـ.
وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٣/ ٣٨٥):
«وهي قرية خربة بينها وبين مكة خمس مراحل أو ستة، وفي قول النووي في شرح المهذب ثلاث مراحل نظر» اهـ.
وَقَالَ الشَّيْخُ الْبَسَّامُ ﵀ فِي [تَيْسِيْرِ الْعَلَّامِ] (١/ ٣٣٥):
«الجحفة: بضم الجيم وسكون الحاء المهملة وفتح الفاء بعدها هاء قرية بينها وبين البحر الأحمر عشرة أكيال. وهي الآن خراب ويحرم الناس من:
стр. 3998
رابغ: مدينة كبيرة فيها الدوائر والمرافق والمدارس الحكومية وتبعد عن مكة المكرمة عن طريق وادي الجموم- مائة وستة ثمانين كيلاً. ويحرم من رابغ أهل لبنان وسوريا والأردن وفلسطين ومصر والسودان وحكومات المغرب الأربع وبلدان أفريقيا وبعض المنطقة الشمالية في المملكة العربية السعودية» اهـ.
قُلْتُ: ورابغ قبل الجحفة فالمحرم منها متقدم على الميقات.
٤ - أنَّ ميقات أهل نجد قرن المنازل.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٣/ ٣٨٥):
«أمَّا نجد: فهو كل مكان مرتفع وهو اسم لعشرة مواضع والمراد منها هنا التي أعلاها تهامة واليمن، وأسفلها الشام والعراق.
والمنازل بلفظ جمع المنزل والمركب الإضافي هو اسم المكان، ويقال له قرن أيضاً بلا إضافة، وهو بفتح القاف وسكون الراء بعدها نون، وضبطه صاحب الصحاح بفتح الراء وغلطوه، وبالغ النووي فحكى الاتفاق على تخطئته في ذلك؛ لكن حكى عياض تعليق القابسي أنَّ من قاله بالإسكان أراد الجبل ومن قاله بالفتح أراد الطريق. والجبل المذكور بينه وبين مكة من جهة المشرق مرحلتان.
وحكى الروياني عن بعض قدماء الشافعية أنَّ المكان الذي يقال له قرن موضعان أحدهما: في هبوط وهو الذي يقال له قرن المنازل، والآخر: في صعود وهو الذي يقال له قرن الثعالب والمعروف الأول.
стр. 3999
وفي "أخبار مكة" للفاكهي أنَّ قرن الثعالب جبل مشرف على أسفل منى بينه وبين مسجد منى ألف وخمسمائة ذراع. وقيل له قرن الثعالب لكثرة ما كان يأوي إليه من الثعالب. فظهر أنَّ قرن الثعالب ليس من المواقيت، وقد وقع ذكره في حديث عائشة في إتيان النبي ﷺ الطائف يدعوهم إلى الإسلام وردهم عليه قال: "فلم أستفق إلَّا وأنا بقرن الثعالب" الحديث» اهـ.
وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ ﵀ فِي [إِكْمَالِ الْمُعْلِمِ] (٤/ ٨٩):
«وأصله الجبل الصغير المستطيل المنقطع عن الجبل الكبير» اهـ.
وَقَالَ الشَّيْخُ الْبَسَّامُ ﵀ فِي [تَيْسِيْرِ الْعَلَّامِ] (١/ ٣٣٧):
«والقرن هو الجبل الصغير.
وهذا الميقات اشتهر اسمه الآن بالسيل الكبير ومسافته من بطن الوادي إلى مكة المكرمة ثمانية وسبعون كيلاً، ومن المقاهي والأمكنة التي اعتاد الناس أن يحرموا منها خمسة وسبعون كيلاً - والسيل الكبير الآن قرية كبيرة فيها محكمة وإمارة وجميع الدوائر والمرافق والخدمات والمدارس المنوعة.
ويحرم من قرن المنازل- أهل نجد وحاج الشرق كله من أهل الخليج والعراق وإيران وغيرهم.
وادي مَحْرَم: هذا هو أعلى "قرن المنازل" وهو قرية عامرة فيها مدرسة وكان لا يحرم منه إلَّا قلة حتى فتحت حكومتنا طريق الطائف - مكة المار بالهدا وجبل
стр. 4000
الكرى فصار محرماً هاماً مزدحماً فبنت فيه الحكومة مسجداً كبيراً جداً له طرقه المسفلتة الداخلة والخارجة ومواقف السيارات ومكان الراحة وأمكنة الاغتسال ودورات المياه بأحدث تصميم وبناء لهذا المحرم الهام.
وهو لا يعتبر ميقاتاً مستقلاً من حيث الاسم لأنَّه فرع قرن المنازل ويبعد عن مكة بخمسة وسبعين كيلاً. ولولا كثرة تعرجات جبل كرا لكان عن مكة نحو ستين كيلاً فقط» اهـ.
٥ - أنَّ ميقات أهل اليمن يلملم.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٣/ ٣٨٦):
«يلملم بفتح التحتانية واللام وسكون الميم بعدها لام مفتوحة، ثم ميم مكان على مرحلتين من مكة بينهما ثلاثون ميلاً، ويقال لها ألملم بالهمزة وهو الأصل والياء تسهيل لها، وحكى ابن السيد فيه يرمرم براءين بدل اللامين» اهـ.
وَقَالَ الشَّيْخُ الْبَسَّامُ ﵀ فِي [تَيْسِيْرِ الْعَلَّامِ] (١/ ٣٣٦ - ٣٣٧):
«يلملم: بفتح الياء المثناة التحتية فلام فميم فلام أخرى بعدها ميم أخرى ويقال ألملم - وسكان تلك المنطقة الآن يقولون لملم ولما سفلتت حكومتنا الطريق الآتي من ساحل المملكة العربية الجنوبي إلى مكة المكرمة والمار بوادي يلملم من غير مكان الإحرام القديم المسمى - السعدية - كنت أحد أعضاء لجنة شكلت لمعرفة مكان الإحرام مع الطريق الجديد فذهبنا إليه ومعنا أهل الخبرة والعارفون بالمسيات واجتمعنا بأعيان وكبار السن من سكان تلك المنطقة وسألناهم عن
стр. 4001
مسمى يلملم هل هو جبل أم واد فقالوا: إنَّ يلملم هو هذا الوادي الذي أمامكم وإننا لا نعرف جبلاً يسمى بهذا الاسم، وإنَّما الاسم خاص بهذا الوادي، وسيوله تنزل من جبال السداة ثم تمده الأودية في جانبيه وهو يعظم حتى صار هذا الوادي الفحل الذي تشاهدونه وإنَّ مجراه ممتد من الشرق إلى الغرب حتى يصب في البحر الأحمر عند مكان في الساحل يسمى- المجيرمة.
وإنَّه من سفوح جبال السداة حتى مصبه في البحر الأحمر يقدر بنحو مائة وخمسين كيلاً ونحن الآن في السعدية في نحو نصف مجراه. وبعد التجول في المنطقة والمشاهدة وتطبيق كلام العلماء وسؤال أهل الخبرة والسكان تقرر لدينا أنَّ مسمى يلملم الوارد في الحديث الشريف ميقاتاً لأهل اليمن ومن أتى عن طريقهم هو كل هذا الوادي المعترض لجميع طرق اليمن الساحلي وساحل المملكة العربية السعودية، وأنَّ الاسم عليه من فروعه في سفوح جبال السداة إلى مصبه في البحر الأحمر، وأنَّه لا يحل لمن أراد نسكاً ومر به أن يتجاوزه بلا إحرام من أي جهة من جهاته وطريق من طرقه.
وقد كان الطريق يمر بالسعدية وهي قرية فيها بئر السعدية وفيها إمارة ومدرسة ومسجد قديم جدد الآن ينسب إلى معاذ بن جبل. والسعدية تبعد عن مكة المكرمة اثنين وتسعين كيلاً. أمَّا الطريق الذي سفلتته حكومتنا فهو يقع عن
стр. 4002
السعدية غرباً بنحو عشرين كيلاً يمر على وادي يلملم وعند ممره إلى يلملم يكون وادي يلملم عن مكة مائة وعشرين كيلاً» اهـ.
٦ - توقيت النبي ﷺ لهذه المواقيت يدل على عدم جواز تجاوزها من غير إحرام لمريد الحج والعمرة؛ فإنَّ الأصل في الميقات أنَّه لا يجوز تعديه، ويدل على ذلك أيضاً ما رواه البخاري (١٣٣)، ومسلم (١١٨٢) عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَجُلًا، قَامَ فِي المَسْجِدِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مِنْ أَيْنَ تَأْمُرُنَا أَنْ نُهِلَّ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «يُهِلُّ أَهْلُ المَدِينَةِ مِنْ ذِي الحُلَيْفَةِ، وَيُهِلُّ أَهْلُ الشَّأْمِ مِنَ الجُحْفَةِ، وَيُهِلُّ أَهْلُ نَجْدٍ مِنْ قَرْنٍ» وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ وَيَزْعُمُونَ أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ قَالَ: «وَيُهِلُّ أَهْلُ اليَمَنِ مِنْ يَلَمْلَمَ» وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَقُولُ: لَمْ أَفْقَهْ هَذِهِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
قُلْتُ: ودليل وجوب الإحرام منها من وجهين:
الأول: أنَّ السائل قال للنَّبي ﷺ : «مِنْ أَيْنَ تَأْمُرُنَا أَنْ نُهِلَّ». وأقره النبي ﷺ على ذلك، وهذه اللفظ تفرد بها البخاري عن مسلم.
وقد جاء في مسلم (١١٨٢) التصريح بالأمر ولفظه: عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قال: «أَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَهْلَ الْمَدِينَةِ أَنْ يُهِلُّوا مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ، وَأَهْلَ الشَّامِ مِنَ الْجُحْفَةِ، وَأَهْلَ نَجْدٍ، مِنْ قَرْنٍ».
الآخر: أنَّ الحديث جاء بلفظ «يُهِلُّ»، و «مُهَلُّ». فأتى به بلفظ الخبر وهو هنا بمعنى الأمر؛ وإنَّما يستعمل الأمر بصيغة الخبر لتأكده والأمر المتأكد للوجوب.
стр. 4003
وروى البخاري (١٥٢٢) مِنْ طَرِيْقِ زَيْدِ بْنِ جُبَيْرٍ، أَنَّهُ أَتَى عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ﵄ فِي مَنْزِلِهِ، وَلَهُ فُسْطَاطٌ وَسُرَادِقٌ، فَسَأَلْتُهُ مِنْ أَيْنَ يَجُوزُ أَنْ أَعْتَمِرَ؟ قَالَ: «فَرَضَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأَهْلِ نَجْدٍ قَرْنًا، وَلِأَهْلِ المَدِينَةِ ذَا الحُلَيْفَةِ، وَلِأَهْلِ الشَّأْمِ الجُحْفَةَ».
قُلْتُ: وهذا مذهب أكثر العلماء، ومنهم الأئمة الأربعة، وقالوا: لو تجاوزها وأحرم بعدها فعليه دم.
وأمَّا إذا تجاوزها من غير إحرام، ثم عاد إليها وأحرم منها فليس عليه دم لأنَّه لم يتلبس بالنسك، وإن رجع بعد أن أحرم فلا يسقط عنه الدم الذي وجب عليه؛ لعدم الدليل على سقوطه.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٦/ ٣٥٧ - ٣٥٨):
«وجملة ذلك أنَّ من جاوز الميقات مريداً للنسك غير محرم، فعليه أن يرجع إليه ليحرم منه، إن أمكنه، سواء تجاوزه عالماً به أو جاهلاً، علم تحريم ذلك أو جهله.
فإن رجع إليه، فأحرم منه، فلا شيء عليه. لا نعلم في ذلك خلافاً.
وبه يقول جابر بن زيد، والحسن، وسعيد بن جبير، والثوري، والشافعي، وغيرهم؛ لأنَّه أحرم من الميقات الذي أمر بالإحرام منه، فلم يلزمه شيء، كما لو لم يتجاوزه.
وإن أحرم من دون الميقات، فعليه دم، سواء رجع إلى الميقات أو لم يرجع.
стр. 4004
وبهذا قال مالك، وابن المبارك.
وظاهر مذهب الشافعي أنَّه إن رجع إلى الميقات، فلا شيء عليه، إلَّا أن يكون قد تلبس بشيء من أفعال الحج، كالوقوف، وطواف القدوم، فيستقر الدم عليه؛ لأنَّه حصل محرماً في الميقات قبل التلبس بأفعال الحج، فلم يلزمه دم، كما لو أحرم منه.
وعن أبي حنيفة: إن رجع إلى الميقات، فلبى، سقط عنه الدم، وإن لم يلب، لم يسقط.
وعن عطاء، والحسن، والنخعي: لا شيء على من ترك الميقات.
وعن سعيد بن جبير: لا حج لمن ترك الميقات.
ولنا ما روى ابن عباس، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنه قال: "من ترك نسكاً، فعليه دم".
روي موقوفاً ومرفوعاً.
ولأنَّه أحرم دون ميقاته، فاستقر عليه الدم، كما لو لم يرجع، أو كما لو طاف عند الشافعي، أو كما لو لم يلب عند أبي حنيفة، ولأنَّه ترك الإحرام من ميقاته، فلزمه الدم، كما ذكرنا، ولأنَّ الدم وجب لتركه الإحرام من الميقات، ولا يزول هذا برجوعه ولا بتلبيته، وفارق ما إذا رجع قبل إحرامه فأحرم منه، فإنَّه لم يترك الإحرام منه، ولم يهتكه» اهـ.
стр. 4005
قُلْتُ: حديث ابن عباس رواه مالك في [الْمُوَطَّأِ] (٩٤٠) عَنْ أَيُّوبَ بْنِ أَبِي تَمِيمَةَ السَّخْتِيَانِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «مَنْ نَسِيَ مِنْ نُسُكِهِ شَيْئًا، أَوْ تَرَكَهُ فَلْيُهْرِقْ دَمًا».
قَالَ أَيُّوبُ: لَا أَدْرِي قَالَ: تَرَكَ أَوْ نَسِيَ.
قُلْتُ: هَذَا أَثَرٌ مَوْقُوْفٌ صَحِيْحٌ.
وأمَّا المرفوع فَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْمُلَقِّنِ ﵀ في [الْبَدْرِ الْمُنِيْرِ] (٦/ ٩١):
«هذا الحديث لا أعلم من رواه مرفوعاً بعد البحث عنه، ووقفه عليه هو الذي نعرفه عن ابن عباس» اهـ.
وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [الْتَلْخِيْصِ] (٢/ ٥٠٢):
«وأمَّا المرفوع فرواه بن حزم مِنْ طَرِيْقِ علي بن الجعد عن بن عيينة عن أيوب به وأعله بالراوي عن علي بن الجعد أحمد بن علي بن سهل المروزي فقال إنه مجهول وكذا الراوي عنه علي بن أحمد المقدسي قال هما مجهولان» اهـ.
قُلْتُ: وبناءً على هذا فإنَّ الذين يعتمرون في أشهر الحج عمرة تمتع ثم يسافرون إلى المدينة لزيارة المسجد النبوي، فالواجب عليهم عند رجوعهم أن يحرموا إمَّا بحج أو بعمرة لأنَّهم في عودتهم ممن يريدون النسك فيشملهم الحديث.
وقد جاء في [فَتَاوَى نُورٌ عَلَى الدَّرْبِ لِلْعُثَيْمِيْنَ]:
стр. 4006
«هذه رسالة وصلت من السودان من آدم علي يقول: حاج متمتع أحرم من المكان الزماني للإحرام وبعد أداء العمرة قام بزيارة المسجد النبوي وقبر الرسول الكريم ﷺ وفي العودة ما بين المدينة ومكة رجع بآبار علي وهي ما بين المدينة ومكة وتعتبر مكان إحرام لمن يخرج من المدينة في أيام الإحرام ولم يحرم منه على أنَّه سيحرم من مكة لأنَّه متمتع ما الحكم في عدم إحرامه بمروره بالآبار هل عليه هدي علماً بأنَّه متمتع وسيذبح هدي في أيام التشريق بمنى على كونه متمتع؟
فأجاب رحمه الله تعالى: رسول الله ﷺ وقت المواقيت وقال: "هن لهن ولمن مر عليهن من غير أهلهن ممن يريد الحج أو العمرة" فإذا مررت بميقات وأنت تريد الحج أو العمرة فإنَّ الواجب عليك أن تحرم منه وأن لا تتجاوزه وبناء على هذا فإنَّ المشروع في حق هذا الرجل أن يحرم من أبيار علي أي من ذي الحليفة حين رجع من المدينة لأنَّه راجع بنية الحج فيكون ماراً بميقات وهو يريد الحج فيلزمه الإحرام فإذا لم يفعل فالمعروف عند أهل العلم أنَّه من ترك واجباً من واجبات الحج فعليه فدية يذبحها في مكة ويوزعها على الفقراء» اهـ.
وجاء في [لِقَاءِ الْبَابِ الْمَفْتُوْحِ]:
«السؤال: أسرة من الرياض ذهبوا إلى مكة وكان رب الأسرة يريد الحج متمتعاً، فلما اعتمروا وأنهوا عمرتهم وحلوا جميعاً ذهب بهم جميعاً إلى الجنوب، وبعد ذلك عاد إلى مكة فهل يجب عليه أن يحرم إذا مر بالميقات؟ هذه واحدة، والأمر الثاني: ولو سافر دون الميقات هل عليه -أيضاً- أن يحرم؟
стр. 4007
الجواب: هذا الرجل قَدِمَ من الرياض بأهله واعتمروا، ثم ذهب بأهله إلى الجنوب ولعل الجنوب هو مقرهم، ثم رجع، هو محرم بالحج وكان حين اعتماره يريد الحج، فهذا متمتع، إذا رجع فإن كان في غير وقت الحج فلابد أن يحرم يعني: -مثلاً- إذا بقيت أيام على الحج فإنه يحرم بعمرة ثانية؛ لئلا يتجاوز الميقات بلا إحرام» اهـ.
وجاء في [فَتَاوَى الْلَّجْنَةِ الْدَّائِمَةِ]- ٢ (١٠/ ١١١):
«والدي القادم من القاهرة وهو محرم مثلنا بنية العمرة متمتعاً للحج. وقد تركنا أولادي الثلاثة لدى أقاربنا في جدة يوم الاثنين ٤ ذو الحجة، وذهبنا إلى مكة المكرمة، وأدينا العمرة، ثم تحللنا من العمرة وذهبنا إلى المدينة المنورة للسلام على رسول الله ﷺ ورجعنا إلى جدة يوم الثلاثاء الموافق ٥ ذو الحجة الساعة ٢ ظهراً، وجلسنا أنا وزوجتي ووالدي مع أطفالي في جدة يوم الجمعة الموافق ٨ ذو الحجة، بعد صلاة الجمعة أحرمنا للحج من جدة، وتركنا أولادنا في جدة، وأدينا مناسك الحج، وذبح كل واحد منَّا هدي التمتع، فهل إحرامي من جدة للحج أنا وزوجتي ووالدي فيه مخالفة، وهل علينا أي شيء آخر؟ جزاكم الله خيراً.
ج: الواجب على كل واحد منكم دم عن ترك الإحرام من ميقات المدينة حين الرجوع منها؛ لأنَّكم راجعون بنية الحج، والدم هو رأس من الغنم يجزئ في الأضحية يذبح في مكة ويوزع على الفقراء فيها.
стр. 4008
والمشروع لمن يسافر إلى المدينة أن يقصد بسفره زيارة المسجد النبوي والصلاة فيه، ويكون السلام على النبي ﷺ وعلى صاحبيه ﵄ تبعاً لذلك، ولا يجوز أن يقصد المسلم بزيارة المدينة السلام على النبي ﷺ وعلى صاحبيه؛ لقول النبي ﷺ في الحديث الصحيح: "لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى".
وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو … عضو … عضو … نائب الرئيس … الرئيس
بكر أبو زيد … صالح الفوزان … عبد الله بن غديان … عبد العزيز آل الشيخ … عبد العزيز بن عبد الله بن باز» اهـ.
وجاء في [فَتَاوَى الْلَّجْنَةِ الْدَّائِمَةِ]- ٢ (١٠/ ١١٦):
«س ١: شخص ذهب إلى الحج وأحرم متمتعاً وبعد فراغه من العمرة أراد أن يذهب إلى المدينة للزيارة، فماذا يفعل؛ هل يدخل الحرم مرة أخرى بملابسه العادية، ثم يحرم بالحج في وقته مع الناس، أم يدخل محرماً ويبني حجه على هذه العمرة الجديدة؟
ج ١: من سافر إلى المدينة بعد أداء العمرة لزيارة المسجد النبوي الشريف، ويريد أن يرجع إلى مكة لأداء الحج متمتعاً فإنَّه عند مروره بميقات المدينة يحرم بعمرة
стр. 4009
ثانية أو يحرم بالحج، ويبقى على إحرامه حتى يحج، ولا يتجاوز الميقات بدون إحرام وهو قد مر به يريد الحج، هذا هو الأحوط.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو … عضو … عضو … عضو … نائب الرئيس … الرئيس
بكر أبو زيد .. عبد العزيز آل الشيخ .. صالح الفوزان .. عبد الله بن غديان .. عبد الرزاق عفيفي .. عبد العزيز بن عبد الله بن باز» اهـ.
قُلْتُ: وللشيخ ابن عثيمين ﵀ فتوى أخرى خلاف الفتوى الأولى، فقد قال ﵀ كما في [فَتَاوَى نُورٌ عَلَى الدَّرْبِ]، وفي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢١/ ٣٤٤): «أمَّا ما صنعه من كونه حج متمتعاً ثم أدى العمرة تامة ثم خرج إلى المدينة بنية الرجوع إلى مكة للحج ثم رجع إلى مكة ولم يحرم إلَّا يوم التروية مع الناس فلا أرى في ذلك بأساً عليه لأنَّه إنَّما مر بميقات أهل المدينة قاصداً مكة التي هي محط رحله والتي لا ينوي الإحرام إلَّا منها لكونه متمتعاً بالعمرة إلى الحج» اهـ.
قُلْتُ: وأمَّا الإحرام قبل هذه المواقيت، فذهب أكثر العلماء إلى صحته، ونقل غير واحد على ذلك الإجماع، كابن المنذر والخطابي.
وذهب إسحاق وداود وابن حزم الظاهريان إلى عدم صحته.
стр. 4010
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٣/ ٣٨٣):
«وقد نقل ابن المنذر وغيره الإجماع على الجواز وفيه نظر فقد نقل عن إسحاق وداود وغيرهما عدم الجواز وهو ظاهر جواب ابن عمر ويؤيده القياس على الميقات الزماني فقد أجمعوا على أنَّه لا يجوز التقدم عليه، وفرق الجمهور بين الزماني والمكاني فلم يجيزوا التقدم على الزماني وأجازوا في المكاني، وذهب طائفة كالحنفية وبعض الشافعية إلى ترجيح التقدم وقال مالك يكره» اهـ.
قُلْتُ: حديث ابن عمر هو ما رواه البخاري (١٥٢٢) مِنْ طَرِيْقِ زَيْدِ بْنِ جُبَيْرٍ، أَنَّهُ أَتَى عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ﵄ فِي مَنْزِلِهِ، وَلَهُ فُسْطَاطٌ وَسُرَادِقٌ، فَسَأَلْتُهُ مِنْ أَيْنَ يَجُوزُ أَنْ أَعْتَمِرَ؟ قَالَ: «فَرَضَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأَهْلِ نَجْدٍ قَرْنًا، وَلِأَهْلِ المَدِينَةِ ذَا الحُلَيْفَةِ، وَلِأَهْلِ الشَّأْمِ الجُحْفَةَ».
قُلْتُ: وروى مالك في [الْمُوَطَّأِ] (٧٢٨) عَنْ الثِّقَةِ عِنْدَهُ: «أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ أَهَلَّ مِنْ إِيلْيَاءَ».
قُلْتُ: الثقة الذي أبهمه الإمام مالك هو نافع، فقد روى هذا الأثر الإمام الشافعي في [الْأُمِ] (٧/ ٢٥٣)
فقال: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ: «أَنَّهُ أَهَلَّ مِنْ إيلْيَاءُ».
قُلْتُ: هَذَا أَثَرٌ صَحِيْحٌ.
وروى ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (١٢٨١٩) ثنا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، «أَنَّهُ أَحْرَمَ مِنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ».
стр. 4011
قُلْتُ: هَذَا أَثَرٌ صَحِيْحٌ.
وهذا يدل على أنَّ ابن عمر ﵁ لا يرى وجوب الإحرام من الميقات.
وجاءت آثار أخرى في جواز الإحرام من الأماكن البعيدة عَنْ عُمَرَان بن حصين، وابن مسعود، وابن عباس ﵃، ولا تصح وهي مروية في مصنف ابن أبي شيبة وغيره.
وأمَّا ما جاء عن جماعة من السلف كعلي ﵁ وغيره من تفسير إتمام الحج والعمرة، بأن يحرم الشخص من دويرة أهله، فمعناه أن يفرد للعمرة سفرة، وللحج سفرة أخرى.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٦/ ٣٥٥):
«وأمَّا قول عمر وعلي، فإنَّهما قالا: إتمام العمرة أن تنشئها من بلدك. ومعناه أن تنشئ لها سفراً من بلدك، تقصد له، ليس أن تحرم بها من أهلك.
قال أحمد: كان سفيان يفسره بهذا. وكذلك فسره به أحمد.
ولا يصح أن يفسر بنفس الإحرام، لأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وأصحابه ما أحرموا بها من بيوتهم، وقد أمرهم الله بإتمام العمرة، فلو حمل قولهم على ذلك لكان النبي ﷺ وأصحابه تاركين لأمر الله.
ثم إنَّ عمر وعلياً ما كانا يحرمان إلَّا من الميقات، أفتراهما يريان أنَّ ذلك ليس بإتمام لها ويفعلانه، هذا لا ينبغي أن يتوهمه أحد.
стр. 4012
ولذلك أنكر عمر على عمران إحرامه من مصره، واشتد عليه، وكره أن يتسامع الناس، مخافة أن يؤخذ به.
أفتراه كره إتمام العمرة واشتد عليه أن يأخذ الناس بالأفضل، هذا لا يجوز، فيتعين حمل قولهما في ذلك على ما حمله عليه الأئمة، والله أعلم» اهـ.
قُلْتُ: القول بوجوب الإحرام من الميقات قول قوي. وما احتج به الجمهور على تحريم الإحرام بعد الميقات؛ فإنَّه يدل بمنطوقه على وجوب الإحرام من الميقات؛ لكن فعل ابن عمر في إحرامه من بيت المقدس مع روايته للحديث يدل على أنَّه لم يفهم من الحديث النهي عن التقدم عن الميقات، فبناء على هذا تكون هذه المواقيت حداً لآخر مكان يحرم منه بحيث لا يجوز الإحرام بعدها، وليست بحد لابتداء الإحرام. ويدل على ذلك اتفاق العلماء على مشروعية الإحرام من رابغ وهي متقدمة على الجحفة. والله أعلم.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْخَطَّابِي ﵀ فِي [مَعَالِمِ الْسُّنَنِ] (٢/ ١٤٧):
«قُلْتُ: معنى التحديد في هذه المواقيت أن لا تتعدى ولا تتجاوز إلَّا باستصحاب الإحرام وقد أجمعوا أنَّه لو أحرم دونها حتى يوافي الميقات محرماً أجزأه وليس هذا كتحديد مواقيت الصلاة فإنَّها إنَّما ضربت حداً لئلا تقدم الصلاة عليها» اهـ.
وقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٦/ ٣٥٣):
«مسألة: قال: "والاختيار أن لا يحرم قبل ميقاته، فإن فعل فهو محرم". لا خلاف في أنَّ من أحرم قبل الميقات يصير محرماً، تثبت في حقه أحكام الإحرام.
стр. 4013
قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أنَّ من أحرم قبل الميقات أنَّه محرم.
ولكن الأفضل الإحرام من الميقات، ويكره قبله.
روي نحو ذلك عَنْ عُمَرَ، وعثمان. ﵄ وبه قال الحسن، وعطاء، ومالك، وإسحاق.
وقال أبو حنيفة: الأفضل الإحرام من بلده. وعن الشافعي كالمذهبين.
وكان علقمة، والأسود، وعبد الرحمن، وأبو إسحاق، يحرمون من بيوتهم» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [الْمَجْمُوْع] (٧/ ٢٠٠):
«فاجمع من يعتد به من السلف والخلف من الصحابة فمن بعدهم على أنَّه يجوز الإحرام من الميقات ومما فوقه وحكى العبدري وغيره عن داود أنَّه قال: لا يجوز الإحرام مما فوق الميقات، وأنَّه لو أحرم مما قبله لم يصح إحرامه ويلزمه أن يرجع ويحرم من الميقات، وهذا الذي قاله مردود عليه بإجماع من قبله» اهـ.
قُلْتُ: الإحرام من الميقات لا شك عندي أنَّه الأحسن؛ لأنَّه الميقات الذي وقته النبي ﷺ للناس؛ ولأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وسائر الخلفاء الراشدين إنَّما كانوا يحرمون من الميقات ولا يتقدمون عليه. والله أعلم.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ فِي [شَرْحِ الْعُمْدَةِ] (٢/ ٣٦٢ - ٣٦٣):
«وذلك لأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ حج حجة الوداع هو وعامة المسلمون واعتمر عمرة الحديبية وعمرة القضاء هو وخلق كثير من أصحابه وفي كل ذلك
стр. 4014
يحرم هو والمسلمون من الميقات ولم يندب أحداً إلى الإحرام قبل ذلك ولا رغب فيه ولا فعله أحد على عهده، فلو كان ذلك أفضل لكان أولى الخلق بالفضائل أفضل الخلائق وخير القرون ولو كان خير لسبقونا إليه وكانوا به أولى وبفضل لو كان فيه أحرى ولندب رسول الله ﷺ إلى ذلك كما ندب إلى جميع الفضائل إذ هو القائل: "وما تركت من شيء يقربكم إلى الجنة إلَّا وقد أمرتكم به ولا من شيء يبعدكم عن النار إلَّا وقد نهيتكم عنه"» اهـ.
٧ - أنَّ من مرَّ بهذه المواقيت من غير أهلها لزمه الإحرام منها.
٨ - ويدل على أنَّ من مرَّ في طريقه على ميقات أبعد من ميقات أهل بلده، فلا يجوز له أن يؤخر الإحرام إلى ميقات أهل بلده، كالشامي إذا مرَّ بميقات أهل المدينة، فلا يجوز له أن يؤخر الإحرام إلى ميقات أهل بلده وهو الجحفة.
وهذا ما ذهب إليه أكثر العلماء، وأجاز مالك وأبو ثور وأبو حنيفة وابن المنذر وشيخ الإسلام ابن تيمية تأخير الإحرام إلى ميقات أهل بلده، والصحيح الأول. والله أعلم.
وتوسعت الحنفية في ذلك فأجزوا تأخير الإحرام إلى الميقات القريب وإن لم يكن ميقاتاً لأهل بلده.
فَقَالَ ابْنُ عَابِدِيْنَ ﵀ فِي [حَاشِيَتِهِ] (٢/ ٤٧٦):
«قَوْلُهُ: "وَقَالُوا" أَيْ عُلَمَاؤُنَا الْحَنَفِيَّةُ قَوْلُهُ: "وَلَوْ مَرَّ بِمِيقَاتَيْنِ" كَالْمَدَنِيِّ يَمُرُّ بِذِي الْحُلَيْفَةِ ثُمَّ بِالْجُحْفَةِ فَإِحْرَامُهُ مِنْ الْأَبْعَدِ أَفْضَلُ أَيْ الْأَبْعَدِ عَنْ مَكَّةَ، وَهُوَ ذُو
стр. 4015
الْحُلَيْفَةِ لَكِنْ ذَكَرَ فِي شَرْحِ اللُّبَابِ عَنْ ابْنِ أَمِيرْ حَاجّْ أَنَّ الْأَفْضَلَ تَأْخِيرُ الْإِحْرَامِ، ثُمَّ وَفَّقَ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ أَفْضَلِيَّةَ الْأَوَّلِ لِمَا فِيهِ مِنْ الْخُرُوجِ عَنْ الْخِلَافِ وَسُرْعَةِ الْمُسَارَعَةِ إلَى الطَّاعَةِ، وَالثَّانِي لِمَا فِيهِ مِنْ الْأَمْنِ مِنْ قِلَّةِ الْوُقُوعِ فِي الْمَحْظُورَاتِ لِفَسَادِ الزَّمَانِ بِكَثْرَةِ الْعِصْيَانِ، فَلَا يُنَافِي مَا مَرَّ وَلَا مَا فِي الْبَدَائِعِ مِنْ قَوْلِهِ مَنْ جَاوَزَ مِيقَاتًا بِلَا إحْرَامٍ إلَى آخَرَ جَازَ إلَّا أَنَّ الْمُسْتَحَبَّ أَنْ يُحْرِمَ مِنْ الْأَوَّلِ كَذَا رُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ قَالَ فِي غَيْرِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ إذَا مَرُّوا بِهَا فَجَاوَزُوهَا إلَى الْجُحْفَةِ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ وَأَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يُحْرِمُوا مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ لِأَنَّهُمْ لَمَّا وَصَلُوا إلَى الْمِيقَاتِ الْأَوَّلِ لَزِمَهُمْ مُحَافَظَةُ حُرْمَتِهِ، فَيُكْرَهُ لَهُمْ تَرْكُهَا. اهـ.
وَذَكَرَ مِثْلَهُ الْقُدُورِيُّ فِي شَرْحِهِ إلَّا أَنَّ فِي قَوْلِ الْإِمَامِ فِي غَيْرِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الْمَدَنِيَّ لَيْسَ كَذَلِكَ وَبِهِ يُجْمَعُ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ الْإِمَامِ بِوُجُوبِ الدَّمِ وَعَدَمِهِ، بِحَمْلِ رِوَايَةِ الْوُجُوبِ عَلَى الْمَدَنِيِّ وَعَدَمِهِ عَلَى غَيْرِهِ. اهـ.
قُلْت: لَكِنْ نَقَلَ فِي الْفَتْحِ أَنَّ الْمَدَنِيَّ إذَا جَاوَزَ إلَى الْجُحْفَةِ فَأَحْرَمَ عِنْدَهَا فَلَا بَأْسَ بِهِ، وَالْأَفْضَلُ أَنْ يُحْرِمَ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ، وَنَقَلَ قَبْلَهُ عَنْ كَافِي الْحَاكِمِ الَّذِي هُوَ جَمْعُ كَلَامِ مُحَمَّدٍ فِي كُتُبِ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ، وَمَنْ جَاوَزَ وَقْتَهُ غَيْرَ مُحْرِمٍ ثُمَّ أَتَى وَقْتًا آخَرَ فَأَحْرَمَ مِنْهُ أَجْزَأَهُ، وَلَوْ كَانَ أَحْرَمَ مِنْ وَقْتِهِ كَانَ أَحَبَّ إلَيَّ اهـ فَالْأَوَّلُ صَرِيحٌ، وَالثَّانِي ظَاهِرٌ فِي الْمَدَنِيِّ أَنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ.
стр. 4016
فَعُلِمَ أَنَّ قَوْلَ الْإِمَامِ الْمَارَّ فِي غَيْرِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ اتِّفَاقِيٌّ لَا احْتِرَازِيٌّ، وَأَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ بَيْنَ الْمَدَنِيِّ وَغَيْرِهِ» اهـ.
٩ - وقوله: «لِمَنْ أَرَادَ الْحَجَّ أَوِ الْعُمْرَةَ». يدل على أنَّ وجوب الإحرام من هذه المواقيت لمن أراد النسك، وأمَّا من لم يرد النسك فلا يلزمه الإحرام منها، حتى ولو أراد دخول الحرم على الصحيح، لعدم ورود ما يدل على وجوب الإحرام لمن أراد دخول الحرم.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٣/ ٣٨٦):
«قوله: "ممن أراد الحج والعمرة" فيه دلالة على جواز دخول مكة بغير إحرام» اهـ.
قُلْتُ: وفي ذلك نزاع بين أهل العلم.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٦/ ٣٦٠ - ٣٦٢):
«فصل: فأمَّا المجاوز للميقات، ممن لا يريد النسك، فعلى قسمين؛ أحدهما: لا يريد دخول الحرم، بل يريد حاجة فيما سواه، فهذا لا يلزمه الإحرام بغير خلاف، ولا شيء عليه في ترك الإحرام، وقد أتى النبي ﷺ وأصحابه بدراً مرتين، وكانوا يسافرون للجهاد وغيره، فيمرون بذي الحليفة، فلا يحرمون، ولا يرون بذلك بأساً.
ثم متى بدا لهذا الإحرام، وتجدد له العزم عليه، أحرم من موضعه، ولا شيء عليه. هذا ظاهر كلام الخرقي. وبه يقول مالك، والثوري، والشافعي، وصاحبا أبي حنيفة.
стр. 4017
وحكى ابن المنذر، عن أحمد، في الرجل يخرج لحاجة، وهو لا يريد الحج، فجاوز ذا الحليفة، ثم أراد الحج، يرجع إلى ذي الحليفة، فيحرم. وبه قال إسحاق.
ولأنَّه أحرم من دون الميقات، فلزمه الدم، كالذي يريد دخول الحرم.
والأول أصح.
وكلام أحمد يحمل على من يجاوز الميقات ممن يجب عليه الإحرام؛ لقول النبي ﷺ : "فهن لهن، ولمن أتى عليهن من غير أهلهن ممن كان يريد حجاً أو عمرة".
ولأنَّه حصل دون الميقات على وجه مباح. فكان له الإحرام منه، كأهل ذلك المكان.
ولأنَّ هذا القول يفضي إلى أنَّ من كان منزله دون الميقات، إذا خرج إلى الميقات، ثم عاد إلى منزله، وأراد الإحرام، لزمه الخروج إلى الميقات، ولا قائل به.
وهو مخالف لقول رسول الله ﷺ : "ومن كان منزله دون الميقات، فمهله من أهله".
القسم الثاني: من يريد دخول الحرم، إمَّا إلى مكة أو غيرها، فهم على ثلاثة أضرب؛ أحدها: من يدخلها لقتال مباح، أو من خوف، أو لحاجة متكررة، كالحشاش، والحطاب، وناقل الميرة والفيح، ومن كانت له ضيعة يتكرر دخوله وخروجه إليها، فهؤلاء لا إحرام عليهم؛ لأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دخل يوم الفتح
стр. 4018
مكة حلالاً وعلى رأسه المغفر، وكذلك أصحابه، ولم نعلم أحداً منهم أحرم يومئذ، ولو أوجبنا الإحرام على كل من يتكرر دخوله، أفضى إلى أن يكون جميع زمانه محرماً، فسقط للحرج.
وبهذا قال الشافعي.
وقال أبو حنيفة: لا يجوز لأحد دخول الحرم بغير إحرام، إلَّا من كان دون الميقات؛ لأنَّه يجاوز الميقات مريداً للحرم، فلم يجز بغير إحرام كغيره.
ولنا، ما ذكرناه، وقد روى الترمذي، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دخل يوم الفتح مكة وعلى رأسه عمامة سوداء. وقال: هذا حديث حسن صحيح.
ومتى أراد هذا النسك بعد مجاوزة الميقات أحرم من موضعه كالقسم الذي قبله، وفيه من الخلاف ما فيه.
النوع الثاني: من لا يكلف الحج كالعبد، والصبي، والكافر إذا أسلم بعد مجاوزة الميقات، أو عتق العبد، وبلغ الصبي، وأرادوا الإحرام، فإنَّهم يحرمون من موضعهم، ولا دم عليهم.
وبهذا قال عطاء، ومالك، والثوري، والأوزاعي، وإسحاق، وهو قول أصحاب الرأي في الكافر يسلم، والصبي يبلغ، وقالوا في العبد: عليه دم وقال الشافعي في جميعهم: على كل واحد منهم دم.
стр. 4019
وعن أحمد، في الكافر يسلم، كقوله. ويتخرج في الصبي والعبد كذلك، قياساً على الكافر يسلم؛ لأنَّهم تجاوزوا الميقات بغير إحرام وأحرموا دونه، فلزمهم الدم، كالمسلم البالغ العاقل.
ولنا، أنَّهم أحرموا من الموضع الذي وجب عليهم الإحرام منه، فأشبهوا المكي، ومن قريته دون الميقات إذا أحرم منها، وفارق من يجب عليه الإحرام إذا تركه؛ لأنَّه ترك الواجب عليه.
النوع الثالث: المكلف الذي يدخل لغير قتال ولا حاجة متكررة، فلا يجوز له تجاوز الميقات غير محرم.
وبه قال أبو حنيفة، وبعض أصحاب الشافعي.
وقال بعضهم: لا يجب الإحرام عليه. وعن أحمد ما يدل على ذلك. وقد روي عَنِ ابْنِ عُمَرَ أنَّه دخلها بغير إحرام.
ولأنَّه أحد الحرمين، فلم يلزم الإحرام لدخوله، كحرم المدينة، ولأنَّ الوجوب من الشرع، ولم يرد من الشارع إيجاب ذلك على كل داخل، فبقي على الأصل» اهـ.
قُلْتُ: وبناء على هذا فإنَّ الذي يأتي من بلده بنية الزيارة للمسجد النبوي ثم الحج بعد ذلك فليس عليه حرج إذا تجاوز ميقات بلده، لأنَّه تجاوزه لحاجة غير النسك، ولم يرد دخول الحرم، وقد قال العلامة ابن قدامة ﵀ في كلامه السابق:
стр. 4020
«أحدهما: لا يريد دخول الحرم، بل يريد حاجة فيما سواه، فهذا لا يلزمه الإحرام بغير خلاف، ولا شيء عليه في ترك الإحرام» اهـ.
وجاء في [مَجْمُوْعِ فَتَاوِى وَرَسَائِل ابْنِ عُثَيْمِيْن] (٢١/ ٣١٣):
«سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى- رجل قدم من بلده بالطائرة يريد الحج ومر بالميقات، ولكنه يريد إذا نزل إلى جدة أن يذهب إلى المدينة أولاً فلم يحرم في الطائرة ولما نزلت الطائرة ذهب بالسيارة إلى المدينة ثم رجع من المدينة محرمًا فما حكم ذلك؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا بأس بهذا، فمن قدم من بلده قاصدًا المدينة أولاً ونزل في جدة ثم سافر من جدة إلى المدينة ثم رجع من المدينة محرمًا من ميقات أهل المدينة فلا بأس» اهـ.
وجاء أيضاً في [مَجْمُوْعِ فَتَاوِى وَرَسَائِل ابْنِ عُثَيْمِيْن] (٢١/ ٣٤٥):
«س ٤٠٩: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: رجل قدم للحج وميقاته يلملم ولكنه لم يحرم من الميقات ونزل بجدة وذهب إلى المدينة للزيارة ثم عاد إلى مكة وأحرم من ذي الحليفة فيهل عليه
شيء؟
فأجاب فضيلته بقوله-: هذا فيه تفصيل إن كان قصده المدينة من الأصل ثم يرجع فيحرم من ذي الحليفة فلا شيء عليه، وإن لم يقصد بأن كان يريد أن يذهب
стр. 4021
إلى مكة، لكن طرأ عليه في جدة أن يذهب إلى المدينة فهذا عليه دم لتركه الإحرام من الميقات الذي مر به وهو مريد للحج» اهـ.
وسئلت اللجنة الدائمة كما في [فَتَاوَى الْلَّجْنَةِ الْدَّائِمَةِ] (١١/ ١٣٨ - ١٣٩):
«بعض الحجاج يسيرون إلى المدينة فوراً لدى الوصول إلى المملكة، دون الدخول في حالة الإحرام، ثم يلبسون الإحرام من المدينة فيما بعد قبل الحركة إلى مكة، رجاء التكرم بالتوجيه إذا كان هذا جائزاً.
فأجابت اللجنة: خامساً: إذا تجاوز الحاج أو المعتمر ميقات بلده بدون إحرام، ثم أحرم من ميقات بلد آخر غير ميقات بلده، فعليه دم؛ لأنَّه تجاوز ميقات بلده وأحرم دونه. وأمَّا ما ذكرت من إحرام أهل بلدك من ميقات المدينة ذي الحليفة فلا حرج …
وبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو … نائب رئيس اللجنة … الرئيس
عبد الله بن غديان … عبد الرزاق عفيفي … عبد العزيز بن عبد الله بن باز». اهـ مع شيء من التصرف.
وجاء في [فَتَاوَى الْلَّجْنَةِ الْدَّائِمَةِ] (١١/ ١٥٥):
стр. 4022
«س ٢: حاج ينوي الحج ولكنه له غرض في مكة ثم إلى المدينة، وجاوز السيل ولم يحرم، ودخل مكة ثم سافر إلى المدينة وأحرم من المدينة حاجاً. فما حكم تصرفه هذا، وما هو الحكم الشرعي في هذه المسألة؟
ج ٢: ما دام أن الحاج خرج إلى ميقات أهل المدينة، وأتى محرماً فلا شيء عليه في دخوله بدون إحرام، وكان الأولى له أن يدخل من السيل محرماً.
وبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو … نائب رئيس اللجنة … الرئيس
عبد الله بن غديان … عبد الرزاق عفيفي … عبد العزيز بن عبد الله بن باز» اهـ.
١٠ - ويدل قوله: «وَمَنْ كَانَ دُونَ ذَلِكَ، فَمِنْ حَيْثُ أَنْشَأَ». أنَّ من كان دون المواقيت، فإنَّه يحرم من مكانه الذي هو فيه.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٣/ ٣٨٦):
«وهذا متفق عليه إلَّا ما روي عن مجاهد أنَّه قال ميقات هؤلاء نفس مكة واستدل به ابن حزم على أنَّ من ليس له ميقات فميقاته من حيث شاء، ولا دلالة فيه لأنَّه يختص بمن كان دون الميقات أي إلى جهة مكة» اهـ.
١١ - قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٣/ ٣٨٦):
стр. 4023
«ويؤخذ منه أن من سافر غير قاصد للنسك فجاوز الميقات ثم بدا له بعد ذلك النسك أنَّه يحرم من حيث تجدد له القصد ولا يجب عليه الرجوع إلى الميقات لقوله: "فمن حيث أنشأ"» اهـ.
١٢ - واحتج بقوله: «حَتَّى أَهْلُ مَكَّةَ مِنْ مَكَّةَ». على أنَّ أهل مكة يحرمون من مكة لا من غيرها.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٤/ ٢٢١):
«فمن كان في مكة من أهلها أو وارداً إليها وأراد الإحرام بالحج، فميقاته نفس مكة ولا يجوز له ترك مكة والإحرام بالحج من خارجها، سواء الحرم والحل هذا هو الصحيح عند أصحابنا، وقال بعض أصحابنا: يجوز له أن يحرم به من الحرم، كما يجوز من مكة؛ لأنَّ حكم الحرم حكم مكة، والصحيح الأول؛ لهذا الحديث» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الشِّنْقِيطِيُّ ﵀ في [أَضْوَاءِ الْبَيَانِ] (٤/ ٤٨٧ - ٤٨٨):
«الفرع الثالث: اعلم أنَّ أهل مكة يهلون من مكة، وفي حديث ابن عباس المتفق عليه المذكور آنفاً: "حتى أهل مكة، يهلون منها"، وفي لفظ: "حتى أهل مكة يهلون من مكة"، وكلا اللفظين في الصحيحين من حديث ابن عباس المذكور، وهذا بالنسبة إلى الإهلال بالحج، لا خلاف فيه بين أهل العلم إلَّا ما ذكره بعضهم من
стр. 4024
أنَّ المكي يجوز له أن يحرم من أي وضع من الحرم، ولو خارجاً عن مكة وهو ظاهر السقوط لمخالفته للنص الصريح، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ » اهـ.
قُلْتُ: وما حكم عليه بأنَّه ظاهر السقوط هو مذهب الجمهور.
١٣ - قد يتوهم متوهم من الحديث أنَّ المعتمر المكي يحرم من مكة؛ لأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ذكر في الحديث مواقيت الحج والعمرة حيث قال: «لِمَنْ أَرَادَ الْحَجَّ أَوِ الْعُمْرَةَ». ثم قال: «حَتَّى أَهْلُ مَكَّةَ مِنْ مَكَّةَ».
قُلْتُ: والذي عليه العلماء هو أنَّ العمرة لا تكون إلَّا من الحل، ودليل ذلك ما رواه البخاري (١٥٦١)، ومسلم (١٢١١) عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَلَا نَرَى إِلَّا أَنَّهُ الْحَجُّ، فَلَمَّا قَدِمْنَا مَكَّةَ تَطَوَّفْنَا بِالْبَيْتِ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مَنْ لَمْ يَكُنْ سَاقَ الْهَدْيَ، أَنْ يَحِلَّ، قَالَتْ: فَحَلَّ مَنْ لَمْ يَكُنْ سَاقَ الْهَدْيَ، وَنِسَاؤُهُ لَمْ يَسُقْنَ الْهَدْيَ، فَأَحْلَلْنَ، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَحِضْتُ، فَلَمْ أَطُفْ بِالْبَيْتِ، فَلَمَّا كَانَتْ لَيْلَةُ الْحَصْبَةِ قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، يَرْجِعُ النَّاسُ بِعُمْرَةٍ وَحَجَّةٍ، وَأَرْجِعُ أَنَا بِحَجَّةٍ؟ قَالَ: «أَوْ مَا كُنْتِ طُفْتِ لَيَالِيَ قَدِمْنَا مَكَّةَ؟» قَالَتْ: قُلْتُ: لَا، قَالَ: «فَاذْهَبِي مَعَ أَخِيكِ إِلَى التَّنْعِيمِ، فَأَهِلِّي بِعُمْرَةٍ، ثُمَّ مَوْعِدُكِ مَكَانَ كَذَا وَكَذَا» قَالَتْ صَفِيَّةُ: مَا أُرَانِي إِلَّا حَابِسَتَكُمْ، قَالَ: «عَقْرَى حَلْقَى، أَوْ مَا كُنْتِ طُفْتِ يَوْمَ النَّحْرِ». قَالَتْ: بَلَى، قَالَ: «لَا بَأْسَ، انْفِرِي» قَالَتْ عَائِشَةُ: فَلَقِيَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ وَهُوَ مُصْعِدٌ مِنْ مَكَّةَ وَأَنَا مُنْهَبِطَةٌ عَلَيْهَا، أَوْ أَنَا مُصْعِدَةٌ وَهُوَ مُنْهَبِطٌ مِنْهَا.
стр. 4025
قُلْتُ: فلو كانت العمرة جائزة من الحرم لأمر النبي ﷺ عائشة أن تحرم بها من الحرم، ولما كلفها الذهاب إلى التنعيم، لا سيما وقد كان في عجله من أمره، ولهذا لم ينتظرها في مكة، بل قال لها: «ثُمَّ مَوْعِدُكِ مَكَانَ كَذَا وَكَذَا».
ولأنَّ النسك يحتاج أن يُجمع فيه بين الحل والحرم، وأفعال العمرة جميعها في الحرم فاحتاج إلى أن يحرم بها من الحل، وأمَّا الحج فمناسكه دائرة بين الحل والحرم، فإنَّ الوقوف في عرفة هو ركن الحج الأكبر، ولا يكون إلَّا في الحل؛ ولهذا كان إحرام المكي بالحج يكون من الحرم لإمكانه أن يجمع فيه بين الحل والحرم، بعكس العمرة فلا يمكن فيها ذلك.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٦/ ٣٤٢):
«مسألة: قال: "وأهل مكة إذا أرادوا العمرة، فمن الحل، وإذا أرادوا الحج، فمن مكة". أهل مكة، من كان بها، سواء كان مقيماً بها أو غير مقيم؛ لأنَّ كل من أتى على ميقات كان ميقاتاً له، فكذلك كل من كان بمكة فهي ميقاته للحج؛ وإن أراد العمرة فمن الحل.
لا نعلم في هذا خلافاً.
ولذلك أمر النبي ﷺ عبد الرحمن بن أبي بكر أن يعمر عائشة من التنعيم. متفق عليه.
стр. 4026
وكانت بمكة يومئذ، والأصل في هذا قول النبي ﷺ : "حتى أهل مكة يهلون منها". يعني للحج.
وقال أيضاً: "ومن كان أهله دون الميقات فمن حيث ينشئ، حتى يأتي ذلك على أهل مكة". وهذا في الحج.
فأمَّا في العمرة فميقاتها في حقهم الحل، من أي جوانب الحرم شاء؛ لأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أمر بإعمار عائشة من التنعيم، وهو أدنى الحل إلى مكة.
وقال ابن سيرين: بلغني أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وقت لأهل مكة التنعيم.
وقال ابن عباس: يا أهل مكة، من أتى منكم العمرة، فليجعل بينه وبينها بطن محسر.
يعني إذا أحرم بها من ناحية المزدلفة.
وإنَّما لزم الإحرام من الحل، ليجمع في النسك بين الحل والحرم، فإنَّه لو أحرم من الحرم، لما جمع بينهما فيه، لأنَّ أفعال العمرة كلها في الحرم، بخلاف الحج، فإنَّه يفتقر إلى الخروج إلى عرفة، فيجتمع له الحل والحرم، والعمرة بخلاف ذلك» اهـ.
قُلْتُ: قوله: «وقال ابن عباس: يا أهل مكة، من أتى منكم العمرة، فليجعل بينه وبينها بطن محسر.
يعني إذا أحرم بها من ناحية المزدلفة». لم أقف عليه مسنداً بهذا اللفظ، وهذا محمول على من أحرم من ناحية مزدلفة وليس من مزدلفة، وذلك أنَّ مزدلفة من جملة الحرم.
стр. 4027
ووجدت أثر ابن عباس بلفظ آخر رواه الفاكهي في [أَخْبَارِ مَكَّةَ] (١٨٢٠)
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عُمَرَ، قَالَ: ثنا سُفْيَانُ، عَنْ عُمَرَو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ طَاوُسِ بْنِ كَيْسَانَ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ، ﵄ يَقُولُ: «لَا يَضُرُّكُمُ يَا أَهْلَ مَكَّةَ أَنْ لَا تَعْتَمِرُوا، فَإِنْ كُنْتُمْ لَا بُدَّ فَاعِلِينَ، فَاجْعَلُوا بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الْحَرَمِ بَطْنَ وَادٍ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ حَسَنٌ. وَمُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عُمَرَ هو محمد بن يحيى بن أبي عمر العدني صدوق. والمراد بقوله: «بَطْنَ وَادٍ» أي من الحل.
وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢٦/ ٢٦٠):
«ولهذا لم يكن بد من أن يجمع في نسكه بين الحل والحرم حتى يكون قاصداً للحرم من الحل، فيظهر فيه معنى القصد إلى الله والتوجه إلى بيته وحرمه، فمن كان بيته خارج الحرم فهو قاصد من الحل إلى الحرم إلى البيت. وأمَّا من كان بالحرم كأهل مكة فهم في الحج لا بد لهم من الخروج إلى عرفات، وعرفات هي من الحل فإذا فاضوا من عرفات قصدوا حينئذ البيت من الحل. ولهذا كان الطواف المفروض لا يكون إلَّا بعد التعريف وهو القصد من الحل إلى الكعبة الذي هو حقيقة الحج» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ هُبَيْرَةَ ﵀ فِي [اخْتِلافِ الأَئِمَةِ الْعُلَمَاءِ] (١/ ٢٨٨):
«وَأَجْمعُوا على انه لَا يجوز الْإِحْرَام بِالْعُمْرَةِ من الْحرم. وَإِنَّمَا يكون من أدنى الْحل أَوْ مَا بعده، فَأَما من مَكَّة فَلَا» اهـ.
стр. 4028
قُلْتُ: وإذا اعتمر المكي من الحرم فعليه دم على الصحيح لأنَّه ترك واجب الإحرام من الحل ولا تفسد عمرته على الصحيح وهنالك من أفسدها.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ فِي [شَرْحِ الْعُمْدَةِ] (٢/ ٣٣٤):
«وَإِنْ أَحْرَمَ الْحَرَمِيُّ بِالْعُمْرَةِ مِنَ الْحَرَمِ: فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ أَحْرَمَ دُونَ الْمِيقَاتِ فَلَا يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ، وَإِذَا فَعَلَهُ فَعَلَيْهِ دَمٌ لِتَرْكِهِ بَعْضَ نُسُكِهِ.
وَلَا يَسْقُطُ الدَّمُ بِخُرُوجِهِ إِلَى الْحَرَمِ، كَمَا لَا يَسْقُطُ الدَّمُ بِعَوْدِهِ إِلَى الْمِيقَاتِ إِذَا أَحْرَمَ دُونَهُ، لَكِنَّهُ إِنْ خَرَجَ إِلَى الْحِلِّ قَبْلَ الطَّوَافِ وَرَجَعَ صَحَّتْ عُمْرَتُهُ، وَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ إِلَى الْحِلِّ حَتَّى طَافَ وَسَعَى وَقَصَّرَ: فَفِيهِ وَجْهَانِ خَرَّجَهُمَا الْقَاضِي وَغَيْرُهُ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لَا يُعْتَدُّ بِطَوَافِهِ وَسَعْيِهِ، بَلْ يَقَعُ بَاطِلًا لِأَنَّهُ نُسُكٌ فَكَانَ مِنْ شَرْطِهِ الْجَمْعُ بَيْنَ الْحِلِّ وَالْحَرَمِ كَالْحَجِّ.
وَلِأَنَّ الْحِلَّ لَوْ لَمْ يَجِبْ إِلَّا لِأَنَّهُ مِيقَاتٌ لَكَانَ مَنْ إِنْ شَاءَ الْعُمْرَةَ دُونَهُ تُجْزِئُهُ شرح كَمَوَاقِيتِ الْحَجِّ، وَلَمَّا أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ عَائِشَةَ أَنْ تَخْرُجَ إِلَى الْحِلِّ فَتُهِلَّ بِالْعُمْرَةِ: عُلِمَ أَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ الْعُمْرَةُ مِنَ الْحِلِّ.
فَعَلَى هَذَا وُجُودُ الطَّوَافِ وَمَا بَعْدَهُ كَعَدَمِهِ لَا يَتَحَلَّلُ بِذَلِكَ، بَلْ عَلَيْهِ أَنْ يَخْرُجَ إِلَى الْحِلِّ ثُمَّ يَطُوفَ بَعْدَ ذَلِكَ، فَإِنْ قَصَّرَ رَأْسَهُ كَانَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ قَصَّرَ قَبْلَ الطَّوَافِ فَعَلَيْهِ دَمٌ، وَإِنْ وَطِئَ لِاعْتِقَادِهِ أَنَّهُ تَحَلَّلَ كَانَ كَمَنْ وَطِئَ قَبْلَ الطَّوَافِ فَتَفْسُدُ بِذَلِكَ عُمْرَتُهُ وَعَلَيْهِ دَمُ الْإِفْسَادِ، وَإِتْمَامُهَا بِالْخُرُوجِ إِلَى الْحِلِّ وَالطَّوَافِ بَعْدَ ذَلِكَ وَقَضَاهَا بَعْدَ ذَلِكَ.
стр. 4029
وَالثَّانِي: وَهُوَ الْمَشْهُورُ وَهُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ أَبُو الْخَطَّابِ وَغَيْرُهُ: أَنَّ الْعُمْرَةَ صَحِيحَةٌ، وَعَلَيْهِ دَمٌ لِمَا تَرَكَهُ مِنَ الْإِحْرَامِ مِنَ الْمِيقَاتِ لِأَنَّ مَنْ تَرَكَ مِنْ نُسُكِهِ شَيْئًا فَعَلَيْهِ دَمٌ، لِأَنَّ أَكْثَرَ مَا فِيهِ أَنَّهُ تَرَكَ بَعْضَ الْمِيقَاتِ وَهَذَا لَا يُفْسِدُ الْحَجَّ، وَإِنَّمَا يُوجِبُ الدَّمَ» اهـ.
وقَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٨/ ١٥١ - ١٥٢):
«وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُحْرِمَ بِهَا مِنَ الْحَرَمِ فَإِنْ خَالَفَ وَأَحْرَمَ بِهَا مِنَ الْحَرَمِ وَخَرَجَ إِلَى الْحِلِّ قَبْلَ الطَّوَافِ أَجْزَأَهُ وَلَا دَمَ عَلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ وَطَافَ وَسَعَى وَحَلَقَ فَفِيهِ قَوْلَانِ أَحَدُهُمَا لَا تَصِحُّ عُمْرَتُهُ حَتَّى يَخْرُجَ إِلَى الْحِلِّ ثُمَّ يَطُوفُ وَيَسْعَى وَيَحْلِقُ وَالثَّانِي وَهُوَ الْأَصَحُّ يَصِحُّ وَعَلَيْهِ دَمٌ لِتَرْكِهِ الْمِيقَاتَ قَالَ الْعُلَمَاءُ وَإِنَّمَا وَجَبَ الْخُرُوجُ إِلَى الْحِلِّ لِيَجْمَعَ فِي نُسُكِهِ بَيْنَ الْحِلِّ وَالْحَرَمِ كَمَا أَنَّ الْحَاجَّ يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا فَإِنَّهُ يَقِفُ بِعَرَفَاتٍ وَهِيَ فِي الْحِلِّ ثُمَّ يَدْخُلُ مَكَّةَ لِلطَّوَافِ وَغَيْرِهِ هَذَا تَفْصِيلُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَهَكَذَا قَالَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُ يَجِبُ الْخُرُوجُ لِإِحْرَامِ الْعُمْرَةِ إِلَى أَدْنَى الْحِلِّ وَأَنَّهُ لَوْ أَحْرَمَ بِهَا فِي الْحَرَمِ وَلَمْ يَخْرُجْ لَزِمَهُ دَمٌ وَقَالَ عَطَاءٌ لا شيء عَلَيْهِ وَقَالَ مَالِكٌ لَا يُجْزِئُهُ حَتَّى يَخْرُجَ إِلَى الْحِلِّ قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ وَقَالَ مَالِكٌ لَا بُدَّ مِنْ إِحْرَامِهِ مِنَ التَّنْعِيمِ خَاصَّةً قَالُوا وَهُوَ مِيقَاتُ الْمُعْتَمِرِينَ مِنْ مَكَّةَ وَهَذَا شَاذٌّ مَرْدُودٌ وَالَّذِي عَلَيْهِ الْجَمَاهِيرُ أَنَّ جَمِيعَ جِهَاتِ الْحِلِّ سَوَاءٌ وَلَا تَخْتَصُّ بِالتَّنْعِيمِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ» اهـ.
١٤ - واحتج به على أنَّ المكي إن أراد القران فيحرم من مكة لعموم الحديث خلافاً لمن منع ذلك من الحنفية، وبعض المالكية والشافعية.
стр. 4030
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [الْمَجْمُوْع] (٧/ ١٧٦): «هل يجب علي المكي إذا قرن إنشاء الإحرام من أدنى الحل كما لو أفرد العمرة، أم يجوز أن يحرم من جوف مكة إدراجاً للعمرة تحت الحج في الميقات كما أدرجت أفعالها في أفعاله فيه وجهان حكاهما … وآخرون. "أصحهما": الثاني وبه قطع الأكثرون» اهـ.
قُلْتُ: وأمَّا إذا أراد المكي أن يتمتع، فيجب عليه أن يهل بالعمرة من الحل. والدليل على جواز القران، والتمتع للمكي قول الله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [البقرة: ١٩٦].
قَالَ الْعَلَّامَةُ الشِّنْقِيطِيُّ ﵀ فِي [أَضْوَاءِ الْبَيَانِ] (٤/ ٤٨٩ - ٤٩١):
«واعلم أنَّ جماعة من أهل العلم يقولون: إنَّ أهل مكة ليس لهم التمتع، ولا القران، فالعمرة في التمتع، والقران ليست لهم، وإنَّما لهم أن يحجوا بلا خلاف والعمرة منهم في غير تمتع، ولا قران جائزة عند جل من لا يرون عمرة التمتع، والقران لأهل مكة، وممن قال: لا تمتع، ولا قران لأهل مكة: أبو حنيفة، وأصحابه، ونقله بعض الحنفية، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وابن عباس، وابن الزبير، وهو رأي البخاري ﵀ كما ذكره في صحيحه، ومنشأ الخلاف في أهل مكة هل لهم تمتع، أو قران، أو لا؟ هو اختلاف العلماء في مرجع الإشارة في قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ
следующие страницы →