Полный текст (8 095 стр.). Показаны 4026–4065 · переход к 4031.
стр. 4026
وكانت بمكة يومئذ، والأصل في هذا قول النبي ﷺ : "حتى أهل مكة يهلون منها". يعني للحج.
وقال أيضاً: "ومن كان أهله دون الميقات فمن حيث ينشئ، حتى يأتي ذلك على أهل مكة". وهذا في الحج.
فأمَّا في العمرة فميقاتها في حقهم الحل، من أي جوانب الحرم شاء؛ لأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أمر بإعمار عائشة من التنعيم، وهو أدنى الحل إلى مكة.
وقال ابن سيرين: بلغني أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وقت لأهل مكة التنعيم.
وقال ابن عباس: يا أهل مكة، من أتى منكم العمرة، فليجعل بينه وبينها بطن محسر.
يعني إذا أحرم بها من ناحية المزدلفة.
وإنَّما لزم الإحرام من الحل، ليجمع في النسك بين الحل والحرم، فإنَّه لو أحرم من الحرم، لما جمع بينهما فيه، لأنَّ أفعال العمرة كلها في الحرم، بخلاف الحج، فإنَّه يفتقر إلى الخروج إلى عرفة، فيجتمع له الحل والحرم، والعمرة بخلاف ذلك» اهـ.
قُلْتُ: قوله: «وقال ابن عباس: يا أهل مكة، من أتى منكم العمرة، فليجعل بينه وبينها بطن محسر.
يعني إذا أحرم بها من ناحية المزدلفة». لم أقف عليه مسنداً بهذا اللفظ، وهذا محمول على من أحرم من ناحية مزدلفة وليس من مزدلفة، وذلك أنَّ مزدلفة من جملة الحرم.
стр. 4027
ووجدت أثر ابن عباس بلفظ آخر رواه الفاكهي في [أَخْبَارِ مَكَّةَ] (١٨٢٠)
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عُمَرَ، قَالَ: ثنا سُفْيَانُ، عَنْ عُمَرَو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ طَاوُسِ بْنِ كَيْسَانَ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ، ﵄ يَقُولُ: «لَا يَضُرُّكُمُ يَا أَهْلَ مَكَّةَ أَنْ لَا تَعْتَمِرُوا، فَإِنْ كُنْتُمْ لَا بُدَّ فَاعِلِينَ، فَاجْعَلُوا بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الْحَرَمِ بَطْنَ وَادٍ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ حَسَنٌ. وَمُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عُمَرَ هو محمد بن يحيى بن أبي عمر العدني صدوق. والمراد بقوله: «بَطْنَ وَادٍ» أي من الحل.
وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢٦/ ٢٦٠):
«ولهذا لم يكن بد من أن يجمع في نسكه بين الحل والحرم حتى يكون قاصداً للحرم من الحل، فيظهر فيه معنى القصد إلى الله والتوجه إلى بيته وحرمه، فمن كان بيته خارج الحرم فهو قاصد من الحل إلى الحرم إلى البيت. وأمَّا من كان بالحرم كأهل مكة فهم في الحج لا بد لهم من الخروج إلى عرفات، وعرفات هي من الحل فإذا فاضوا من عرفات قصدوا حينئذ البيت من الحل. ولهذا كان الطواف المفروض لا يكون إلَّا بعد التعريف وهو القصد من الحل إلى الكعبة الذي هو حقيقة الحج» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ هُبَيْرَةَ ﵀ فِي [اخْتِلافِ الأَئِمَةِ الْعُلَمَاءِ] (١/ ٢٨٨):
«وَأَجْمعُوا على انه لَا يجوز الْإِحْرَام بِالْعُمْرَةِ من الْحرم. وَإِنَّمَا يكون من أدنى الْحل أَوْ مَا بعده، فَأَما من مَكَّة فَلَا» اهـ.
стр. 4028
قُلْتُ: وإذا اعتمر المكي من الحرم فعليه دم على الصحيح لأنَّه ترك واجب الإحرام من الحل ولا تفسد عمرته على الصحيح وهنالك من أفسدها.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ فِي [شَرْحِ الْعُمْدَةِ] (٢/ ٣٣٤):
«وَإِنْ أَحْرَمَ الْحَرَمِيُّ بِالْعُمْرَةِ مِنَ الْحَرَمِ: فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ أَحْرَمَ دُونَ الْمِيقَاتِ فَلَا يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ، وَإِذَا فَعَلَهُ فَعَلَيْهِ دَمٌ لِتَرْكِهِ بَعْضَ نُسُكِهِ.
وَلَا يَسْقُطُ الدَّمُ بِخُرُوجِهِ إِلَى الْحَرَمِ، كَمَا لَا يَسْقُطُ الدَّمُ بِعَوْدِهِ إِلَى الْمِيقَاتِ إِذَا أَحْرَمَ دُونَهُ، لَكِنَّهُ إِنْ خَرَجَ إِلَى الْحِلِّ قَبْلَ الطَّوَافِ وَرَجَعَ صَحَّتْ عُمْرَتُهُ، وَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ إِلَى الْحِلِّ حَتَّى طَافَ وَسَعَى وَقَصَّرَ: فَفِيهِ وَجْهَانِ خَرَّجَهُمَا الْقَاضِي وَغَيْرُهُ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لَا يُعْتَدُّ بِطَوَافِهِ وَسَعْيِهِ، بَلْ يَقَعُ بَاطِلًا لِأَنَّهُ نُسُكٌ فَكَانَ مِنْ شَرْطِهِ الْجَمْعُ بَيْنَ الْحِلِّ وَالْحَرَمِ كَالْحَجِّ.
وَلِأَنَّ الْحِلَّ لَوْ لَمْ يَجِبْ إِلَّا لِأَنَّهُ مِيقَاتٌ لَكَانَ مَنْ إِنْ شَاءَ الْعُمْرَةَ دُونَهُ تُجْزِئُهُ شرح كَمَوَاقِيتِ الْحَجِّ، وَلَمَّا أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ عَائِشَةَ أَنْ تَخْرُجَ إِلَى الْحِلِّ فَتُهِلَّ بِالْعُمْرَةِ: عُلِمَ أَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ الْعُمْرَةُ مِنَ الْحِلِّ.
فَعَلَى هَذَا وُجُودُ الطَّوَافِ وَمَا بَعْدَهُ كَعَدَمِهِ لَا يَتَحَلَّلُ بِذَلِكَ، بَلْ عَلَيْهِ أَنْ يَخْرُجَ إِلَى الْحِلِّ ثُمَّ يَطُوفَ بَعْدَ ذَلِكَ، فَإِنْ قَصَّرَ رَأْسَهُ كَانَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ قَصَّرَ قَبْلَ الطَّوَافِ فَعَلَيْهِ دَمٌ، وَإِنْ وَطِئَ لِاعْتِقَادِهِ أَنَّهُ تَحَلَّلَ كَانَ كَمَنْ وَطِئَ قَبْلَ الطَّوَافِ فَتَفْسُدُ بِذَلِكَ عُمْرَتُهُ وَعَلَيْهِ دَمُ الْإِفْسَادِ، وَإِتْمَامُهَا بِالْخُرُوجِ إِلَى الْحِلِّ وَالطَّوَافِ بَعْدَ ذَلِكَ وَقَضَاهَا بَعْدَ ذَلِكَ.
стр. 4029
وَالثَّانِي: وَهُوَ الْمَشْهُورُ وَهُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ أَبُو الْخَطَّابِ وَغَيْرُهُ: أَنَّ الْعُمْرَةَ صَحِيحَةٌ، وَعَلَيْهِ دَمٌ لِمَا تَرَكَهُ مِنَ الْإِحْرَامِ مِنَ الْمِيقَاتِ لِأَنَّ مَنْ تَرَكَ مِنْ نُسُكِهِ شَيْئًا فَعَلَيْهِ دَمٌ، لِأَنَّ أَكْثَرَ مَا فِيهِ أَنَّهُ تَرَكَ بَعْضَ الْمِيقَاتِ وَهَذَا لَا يُفْسِدُ الْحَجَّ، وَإِنَّمَا يُوجِبُ الدَّمَ» اهـ.
وقَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٨/ ١٥١ - ١٥٢):
«وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُحْرِمَ بِهَا مِنَ الْحَرَمِ فَإِنْ خَالَفَ وَأَحْرَمَ بِهَا مِنَ الْحَرَمِ وَخَرَجَ إِلَى الْحِلِّ قَبْلَ الطَّوَافِ أَجْزَأَهُ وَلَا دَمَ عَلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ وَطَافَ وَسَعَى وَحَلَقَ فَفِيهِ قَوْلَانِ أَحَدُهُمَا لَا تَصِحُّ عُمْرَتُهُ حَتَّى يَخْرُجَ إِلَى الْحِلِّ ثُمَّ يَطُوفُ وَيَسْعَى وَيَحْلِقُ وَالثَّانِي وَهُوَ الْأَصَحُّ يَصِحُّ وَعَلَيْهِ دَمٌ لِتَرْكِهِ الْمِيقَاتَ قَالَ الْعُلَمَاءُ وَإِنَّمَا وَجَبَ الْخُرُوجُ إِلَى الْحِلِّ لِيَجْمَعَ فِي نُسُكِهِ بَيْنَ الْحِلِّ وَالْحَرَمِ كَمَا أَنَّ الْحَاجَّ يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا فَإِنَّهُ يَقِفُ بِعَرَفَاتٍ وَهِيَ فِي الْحِلِّ ثُمَّ يَدْخُلُ مَكَّةَ لِلطَّوَافِ وَغَيْرِهِ هَذَا تَفْصِيلُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَهَكَذَا قَالَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُ يَجِبُ الْخُرُوجُ لِإِحْرَامِ الْعُمْرَةِ إِلَى أَدْنَى الْحِلِّ وَأَنَّهُ لَوْ أَحْرَمَ بِهَا فِي الْحَرَمِ وَلَمْ يَخْرُجْ لَزِمَهُ دَمٌ وَقَالَ عَطَاءٌ لا شيء عَلَيْهِ وَقَالَ مَالِكٌ لَا يُجْزِئُهُ حَتَّى يَخْرُجَ إِلَى الْحِلِّ قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ وَقَالَ مَالِكٌ لَا بُدَّ مِنْ إِحْرَامِهِ مِنَ التَّنْعِيمِ خَاصَّةً قَالُوا وَهُوَ مِيقَاتُ الْمُعْتَمِرِينَ مِنْ مَكَّةَ وَهَذَا شَاذٌّ مَرْدُودٌ وَالَّذِي عَلَيْهِ الْجَمَاهِيرُ أَنَّ جَمِيعَ جِهَاتِ الْحِلِّ سَوَاءٌ وَلَا تَخْتَصُّ بِالتَّنْعِيمِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ» اهـ.
١٤ - واحتج به على أنَّ المكي إن أراد القران فيحرم من مكة لعموم الحديث خلافاً لمن منع ذلك من الحنفية، وبعض المالكية والشافعية.
стр. 4030
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [الْمَجْمُوْع] (٧/ ١٧٦): «هل يجب علي المكي إذا قرن إنشاء الإحرام من أدنى الحل كما لو أفرد العمرة، أم يجوز أن يحرم من جوف مكة إدراجاً للعمرة تحت الحج في الميقات كما أدرجت أفعالها في أفعاله فيه وجهان حكاهما … وآخرون. "أصحهما": الثاني وبه قطع الأكثرون» اهـ.
قُلْتُ: وأمَّا إذا أراد المكي أن يتمتع، فيجب عليه أن يهل بالعمرة من الحل. والدليل على جواز القران، والتمتع للمكي قول الله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [البقرة: ١٩٦].
قَالَ الْعَلَّامَةُ الشِّنْقِيطِيُّ ﵀ فِي [أَضْوَاءِ الْبَيَانِ] (٤/ ٤٨٩ - ٤٩١):
«واعلم أنَّ جماعة من أهل العلم يقولون: إنَّ أهل مكة ليس لهم التمتع، ولا القران، فالعمرة في التمتع، والقران ليست لهم، وإنَّما لهم أن يحجوا بلا خلاف والعمرة منهم في غير تمتع، ولا قران جائزة عند جل من لا يرون عمرة التمتع، والقران لأهل مكة، وممن قال: لا تمتع، ولا قران لأهل مكة: أبو حنيفة، وأصحابه، ونقله بعض الحنفية، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وابن عباس، وابن الزبير، وهو رأي البخاري ﵀ كما ذكره في صحيحه، ومنشأ الخلاف في أهل مكة هل لهم تمتع، أو قران، أو لا؟ هو اختلاف العلماء في مرجع الإشارة في قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ
стр. 4031
لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾. فالذين قالوا: لأهل مكة تمتع، وقران كغيرهم، قالوا: الإشارة راجعة إلى الهدي، والصوم، ومفهومه أنَّ من كان أهله حاضري المسجد الحرام إذا تمتع فلا هدي عليه، ولا صوم، والذين قالوا: ليس لأهل مكة تمتع ولا قران، قالوا: الإشارة راجعة إلى قوله: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ﴾؛ أي: ذلك التمتع لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام أمَّا من كان أهله حاضري المسجد الحرام، فلا تمتع له، والقران داخل في اسم التمتع في عرف الصحابة، كما تقدم إيضاحه، والذين قالوا هذا القول زعموا أنَّ في الآية بعض القرائن الدالة عليه، منها التعبير باللام في قوله: ﴿لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ﴾، لأنَّ اللام تستعمل فيما لنا لا فيما علينا، والتمتع لنا أن نفعله، وأن لا نفعله بخلاف الهدي، فهو علينا وكذلك الصوم عند العجز عن الهدي، ومنها: أنَّه جمع في الإشارة بين اللام والكاف، وذلك يدل على شدة البعد والتمتع أبعد في الذكر من الهدي والصوم.
وأجاب المخالفون: بأنَّ الإشارة ترجع إلى أقرب مذكور وهو الهدي، والصوم، وأنَّ الإشارة إلى القريب إشارة البعيد أسلوب عربي معروف، وقد ذكره البخاري عن أبي عبيدة معمر بن المثنى، ومنه قوله: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾؛ أي: هذا القرآن. لأنَّ الكتاب قريب، ولذا تكثر الإشارة إليه بإشارة القريب كقوله: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾، وقوله: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ﴾ الآية، وأمثال
стр. 4032
ذلك كثير في القرآن، ومن إطلاق إشارة البعيد على القريب قول خفاف بن ندبة السلمي:
فإن تك خيلي قد أصيب صميمها … فعمدا على عيني تيممت مالكا
أقول له والرمح يأطر متنه … تأمل خفافاً إنني أنا ذلكا
فقد أشار إلى نفسه إشارة البعيد، ومعلوم أنَّه لا يمكن أن يكون بعيداً من نفسه قالوا: واللام تأتي بمعنى على كقوله: ﴿وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾؛ أي: فعليها، وقوله تعالى: ﴿وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ﴾؛ أي: على الأذقان، ومنه قول الشاعر، وقد قدمناه في أول سورة هود:
هتكت له بالرمح جيب قميصه … فخر صريعاً لليدين وللفم.
وفي الحديث: "واشترطي لهم الولاء". أو أنَّ المراد ذلك الحكم بالهدي والصوم مشروع لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام.
قال مقيده - عفا الله عنه وغفر له -: أقرب أقوال أهل العلم عندي للصواب في هذه المسألة: أنَّ أهل مكة لهم أن يتمتعوا، ويقرنوا وليس عليهم هدي، لأنَّ قوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾ الآية، عام بلفظه في جميع الناس من أهل مكة، وغيرهم ولا يجوز تخصيص هذا العموم، إلَّا بمخصص يجب الرجوع إليه، وتخصيصه بقوله: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ لا يجب
стр. 4033
الرجوع إليه، لاحتمال رجوع الإشارة إلى الهدي والصوم، لا إلى التمتع كما أوضحناه» اهـ.
١٥ - واحتج بقوله: «وَمَنْ كَانَ دُونَ ذَلِكَ، فَمِنْ حَيْثُ أَنْشَأَ». من قال: من لم يكن في طريقه إلى مكة ميقات فله أن يحرم من حيث شاء، ولعله حمل "دون" على معنى سوى، فإنَّها تأتي على هذا المعنى كما في قوله تعالى: ﴿وَيَعْمَلُونَ عَمَلاً دُونَ ذَلِكَ﴾. أي سوى ذلك.
قُلْتُ: وتأتي بمعنى أقرب. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ مَنْظُورٍ ﵀ فِي [لِسَانِ الْعَرَبِ] (١٣/ ١٦٤): «دُونُ نقيضُ فوقَ». إلى أن قال: «ويقال هذا دون ذلك أَي أَقرب منه» اهـ. وهذا المراد في الحديث، أي من كان أقرب من هذه المواقيت إلى مكة ليس في طريقه ميقات من هذه المواقيت فمهله من حيث أنشأ.
قُلْتُ: ومما يدل على أنَّ من لم يمر بميقات من هذه المواقيت حاذى أقرب المواقيت إليه، ما رواه البخاري (١٥٣١) عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، قَالَ: لَمَّا فُتِحَ هَذَانِ المِصْرَانِ أَتَوْا عُمَرَ، فَقَالُوا: «يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ، أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ حَدَّ لِأَهْلِ نَجْدٍ قَرْنًا، وَهُوَ جَوْرٌ عَنْ طَرِيقِنَا، وَإِنَّا إِنْ أَرَدْنَا قَرْنًا شَقَّ عَلَيْنَا، قَالَ: فَانْظُرُوا حَذْوَهَا مِنْ طَرِيْقِكُمْ، فَحَدَّ لَهُمْ ذَاتَ عِرْقٍ».
قَالَ أَبُو زُرْعَةَ ابْنُ الْحَافِظِ الْعِرَاقِيِّ ﵀ فِي [تَكْمِلَةِ طَرْحِ الْتَثْرِيْبِ] (٥/ ٢٤٧): «سكت في الحديث عن قاصد مكة للنسك من غير أن يمر على شيء
стр. 4034
من هذه المواقيت وقد قال الجمهور: يلزمه الإحرام إذا حاذى أقرب المواقيت إليه وبه قال الأئمة الأربعة، قال أصحابنا: فإن لم يحاذ ميقاتاً لزم أن يحرم إذا لم يبق بينه وبين مكة إلَّا مرحلتان، وقال ابن حزم الظاهري: يحرم من حيث شاء فإن مر بعد ذلك على ميقات منها لزمه تجديد الإحرام منه وادعى دخول ذلك في قوله ﵊: "ومن كان دون ذلك فمن حيث أنشأ". وهو مردود لأنَّه ليس دون المواقيت المذكورة فلم يتناوله الحديث. وتمسك الجمهور في ذلك بقول عمر ﵁ لما شكا إليه أهل العراق جور قرن عن طريقهم: "انظروا حذوها مِنْ طَرِيْقِكم". والإحرام من محاذات الميقات أقرب الأمور إلى النص لأنَّ القصد البعد عن مكة بهذه المسافة فلزم اتباعه» اهـ.
قُلْتُ: قوله: «قال أصحابنا: فإن لم يحاذ ميقاتاً لزم أن يحرم إذا لم يبق بينه وبين مكة إلَّا مرحلتان».
فقد قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [الْمَجْمُوْع] (٧/ ١٩٩):
«وأمَّا إذا أتى من ناحية ولم يمر بميقات ولا حاذاه فقال أصحابنا لزمه أن يحرم على مرحلتين من مكة اعتباراً بفعل عمر ﵁ في توقيته ذات عرق» اهـ.
قُلْتُ: الأصل إمكان المحاذاة؛ لأنَّ المواقيت محيطة بالبيت.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ فِي [شَرْحِ الْعُمْدَةِ] (٢/ ٣١٩):
«فإنَّ المواقيت محيطة بالبيت كإحاطة جوانب الحرم» اهـ.
قُلْتُ: لكن يمكن ذلك إذا تعذر للمار معرفة المحاذاة.
стр. 4035
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ مُفْلِحٍ ﵀ فِي [الْفُرُوْعِ] (٥/ ٣٠٩):
«قال في "الرعاية" والشافعية: ومن لم يحاذ ميقاتاً أحرم عن مكة بقدر مرحلتين.
وذكر الحنفية مثله إن تعذر معرفة المحاذاة. وهذا متجه» اهـ.
قُلْتُ: المرحلتان هي مقدار مسافة أقرب المواقيت إلى مكة، وهي قرن المنازل، وإنَّما اعتبر أقرب المواقيت إلى مكة ولم يعتبر أبعدها وذلك لأنَّ الأصل عدم وجوب الإحرام فيما سوى ذلك. والله أعلم.
ومن هؤلاء أهل "سواكن". من السودان، فقد قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ عُثَيْمِيْنَ ﵀ فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢٤/ ٢٦٢):
«ومن كان طريقه يميناً أو شمالاً من هذه المواقيت فإنَّه يحرم إذا حاذى أقرب المواقيت إليه، فإن لم يُحاذِ ميقاتاً مثل أهل سواكنَ في السودان ومن يمر مِنْ طَرِيْقِهم فإنَّهم يحرمون من جُدّة» اهـ.
وقال ﵀ في [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢١/ ٢٨٢):
«ولكن في بعض الجهات السودانية إذا اتجهوا إلى الحجاز لا يحاذون المواقيت إلَّا بعد نزولهم في جدة بمعنى أنهم يدخلون إلى جدة قبل محاذاة المواقيت مثل أهل "سواكن" فهؤلاء يحرمون من جدة كما قال ذلك أهل العلم، لكن الذي يأتي من جنوب السودان، أو من شمال السودان هؤلاء يمرون بالميقات قبل أن يصلوا إلى
стр. 4036
جدة فيلزمهم الإحرام من الميقات الذي مروا به ما داموا يريدون العمرة أو الحج» اهـ.
وقال ﵀ (٢١/ ٣٠٦): «لكن ذكر أهل العلم أنَّ بعض بلاد السودان يحرمون من جدة، وهم الذين يقدمون من جهة سواكن؛ لأنَّهم إذا أتوا من قبل سواكن وصلوا إلى جدة قبل أن يحاذوا يلملم، وقبل أن يحاذوا الجحفة فيحرمون من جدة ولا شيء عليهم» اهـ.
وقال ﵀ (٢١/ ٣٨٤): «فإنَّ أهل العلم يقولون: إنَّهم يصلون إلى جدة قبل أن يحاذوا رابغاً، أو يلملم؛ لأنَّ جدة في زاوية بالنسبة لهذين الميقاتين فعلى هذا فيحرم أهل سواكن ومن جاء من هذه الناحية من جدة» اهـ.
قُلْتُ: القادم من غرب جدة يصل إليها قبل محاذاة الجحفة ويلملم وهذا معلوم لمن ينظر في خريطة هذه الأماكن فيجب على هؤلاء أن يحرموا بمساقة مماثلة لأقرب المواقيت وهي مرحلتان.
وبين جدة ومكة مرحلتان، والمَرْحَلَة: الموضع الذي تنزل به من حيث ترتحل، وكل موضع نزلت به ثم ارتحلت عنه فهو مَرْحَلَة، والجمع مَراحل. وهي مسافة يقطعها المسافر في نحو يوم.
١٦ - تحديد النبي ﷺ لهذه المواقيت دون غيرها يدل على أنَّه لا يوجد غيرها.
стр. 4037
وقد جاء في بعض الأحاديث ذكر "ذات عرق" لأهل العراق، وقد اختلفوا فيمن وقته هل هو النبي ﷺ أم عمر بن الخطاب ﵁، فروى مسلم (١١٨٣) عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ ﵄، يُسْأَلُ عَنِ الْمُهَلِّ فَقَالَ: سَمِعْتُ - أَحْسَبُهُ رَفَعَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: «مُهَلُّ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ، وَالطَّرِيقُ الْآخَرُ الْجُحْفَةُ، وَمُهَلُّ أَهْلِ الْعِرَاقِ مِنْ ذَاتِ عِرْقٍ، وَمُهَلُّ أَهْلِ نَجْدٍ مِنْ قَرْنٍ، وَمُهَلُّ أَهْلِ الْيَمَنِ مِنْ يَلَمْلَمَ».
قُلْتُ: وقد جاءت أحاديث أخرى بذلك، لكن قَالَ الْإِمَامُ مُسْلِمٌ ﵀ فِي [التَّمْيِّيْزِ] (٤٨): «فأمَّا الأحاديث التي ذكرناها من قبل أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وقت لأهل العراق ذات عرق، فليس منها واحد يثبت» اهـ.
وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ خُزَيْمَةَ ﵀ فِي [صَحِيْحَهِ] (٤/ ١٥٩) (٢٥٩٢):
«قد روي في ذات عرق أنَّه ميقات أهل العراق أخبار غير ابن جريح لا يثبت عند أهل الحديث شيء منها» اهـ.
وروى البخاري (١٥٣١) عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، قَالَ: لَمَّا فُتِحَ هَذَانِ المِصْرَانِ أَتَوْا عُمَرَ، فَقَالُوا: «يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ، أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ حَدَّ لِأَهْلِ نَجْدٍ قَرْنًا، وَهُوَ جَوْرٌ عَنْ طَرِيقِنَا، وَإِنَّا إِنْ أَرَدْنَا قَرْنًا شَقَّ عَلَيْنَا، قَالَ: فَانْظُرُوا حَذْوَهَا مِنْ طَرِيْقِكُمْ، فَحَدَّ لَهُمْ ذَاتَ عِرْقٍ».
стр. 4038
وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٣/ ٣٨٩): «وروى الشافعي مِنْ طَرِيْقِ طاووس قال لم يوقت رسول الله ﷺ ذات عرق ولم يكن حينئذ أهل المشرق، وقال في "الأم": لم يثبت عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّه حد ذات عرق وإنَّما أجمع عليه الناس» اهـ.
قُلْتُ: وقد اتفق العلماء أنَّ من أحرم من ذات العرق أنَّ إحرامه صحيح.
وهذا الميقات وإن لم يثبت عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فقد ثبت عَنْ عُمَرَ وهو أحد الخلفاء الراشدين الذين أمرنا بالتمسك بسنتهم، ثم هو محاذي لذات قرن فله حكمه. والله أعلم.
قَالَ الشَّيْخُ الْبَسَّامُ ﵀ فِي [تَيْسِيْرِ الْعَلَّامِ] (١/ ٣٣٩): «وهذا الميقات مهجور الآن فلا يحرم منه أحد، لأنَّ الطرق المسفلتة في نجد وفي الشرق لا تمر عليه وإنَّما تمر على الطائف والسيل الكبير - قرن المنازل» اهـ.
فائدة أخرى: ومن لم يكن في طريقه ميقات فيجب أن يحرم من أقرب ميقات يحاذيه كما يدل عليه حديث عمر في توقيته لذات عرق فإن كان في كان في طريقه ميقاتان حاذى أقربهما فإن كانوا في القرب سواء حاذى أبعدهما احتياطاً وقياساً على من مر في طريقه بميقاتين أحدهما أقرب من الآخر فإنَّه يحرم من أبعدهما.
تنبيه: ذهب بعض المتأخرين إلى اعتبار جدة ميقاتاً مكانياً فيجوز للقادم من جميع الجهات أن يحرم منها سواء كان قدومه براً أو بحراً أو جوّاً ومن هؤلاء:
стр. 4039
عبد الله بن زيد آل محمود رئيس محاكم قطر، وعبد الله الأنصاري من قطر، وعدنان عرعور وألف رسالة سماها: "أدلة الثقات إلى أنَّ جدة ميقات"، وكل هذا شذوذ من القول فإنَّ جدة دون المواقيت وليست محاذية لأي ميقات، وقد رد عليهم كبار العلماء كاللجنة الدائمة، وابن باز وابن عثيمين وغيرهم.
* * *
стр. 4040
٢٠٨ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ قَالَ: «يُهِلُّ أَهْلُ الْمَدِينَةِ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ، وَأَهْلُ الشَّامِ مِنْ الْجُحْفَةِ، وَأَهْلُ نَجْدٍ مِنْ قَرْنٍ».
قَالَ عَبْدُ اللهِ: وَبَلَغَنِي أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ قال: «وَيُهِلُّ أَهْلُ الْيَمَنِ مِنْ يَلَمْلَمَ"».
هذا الحديث يدل على وجوب الإهلال، وهو مأخوذ من قوله: «يُهِلُّ». فإنَّه خبر بمعنى الأمر، والأمر يأتي بصيغة الخبر لتوكيد معنى الأمر كما سبق.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢٦/ ١٠٨):
«ولا يكون الرجل محرماً بمجرد ما في قلبه من قصد الحج ونيته فإنَّ القصد ما زال في القلب منذ خرج من بلده بل لا بد من قول أو عمل يصير به محرماً هذا هو الصحيح من القولين» اهـ.
وَقَالَ كما في [الْاخْتِيَارِاتِ الْفِقْهِيَةِ] (٤٦٥):
«وينعقد الإحرام بنية النسك مع التلبية أو سوق الهدي وهو قول أبي حنيفة ورواية عن أحمد وقاله جماعة من المالكية وحكي قولاً للشافعية» اهـ.
قُلْتُ: وفي ذلك نزاع بين أهل العلم.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٦/ ٣٨٥):
стр. 4041
«إنَّه يستحب للإنسان النطق بما أحرم به، ليزول الالتباس، فإن لم ينطق بشيء، واقتصر على مجرد النية، كفاه، في قول إمامنا، ومالك، والشافعي، وقال أبو حنيفة: لا ينعقد بمجرد النية، حتى تنضاف إليها التلبية، أو سوق الهدي» اهـ.
قُلْتُ: والصحيح ما قاله شيخ الإسلام؛ لما سبق، ولما رواه البخاري (١٥٣٤) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ عُمَرَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «اللَّيْلَةَ أَتَانِي آتٍ مِنْ رَبِّي، وَهُوَ بِالعَقِيقِ، أَنْ صَلِّ فِي هَذَا الوَادِي المُبَارَكِ، وَقُلْ: عُمْرَةٌ فِي حَجَّةٍ».
قُلْتُ: والأصل في الأمر الوجوب.
لكن ما ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ من أنَّ سوق الهدي مع النية يقوم مقام التلبية مع النية فلا أعلم حجة ذلك.
وسائر مسائل الحديث تقدمت في الحديث الذي قبله.
* * *
стр. 4042
بَابُ: مَا يَلْبَسُهُ الْمُحْرِمُ مِنَ الثِّيَابِ.
٢٠٩ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ رَجُلاً قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا يَلْبَسُ الْمُحْرِمُ مِنْ الثِّيَابِ؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لا يَلْبَسُ الْقَمِيصَ، وَلا الْعَمَائِمَ، وَلا السَّرَاوِيلاتِ، وَلا الْبَرَانِسَ، وَلا الْخِفَافَ، إلاَّ أَحَدٌ لا يَجِدُ نَعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسْ خُفَّيْنِ وَلْيَقْطَعْهُمَا أَسْفَلَ مِنْ الْكَعْبَيْنِ، وَلا يَلْبَسْ مِنْ الثِّيَابِ شَيْئاً مَسَّهُ زَعْفَرَانٌ أَوْ وَرْسٌ».
وَلِلْبُخَارِيِّ: «وَلا تَنْتَقِبِ الْمَرْأَةُ. وَلا تَلْبَسِ الْقُفَّازَيْنِ».
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
١ - النهي عن لبس المحرم للقميص، وما كان في معناه من الثياب التي تغطي أعلى الجسد مما هو مخيط أو نحوه على قدر الأعضاء فله حكمه.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢٦/ ١١٠ - ١١١): «فما كان في معنى القميص فهو مثله، وليس له أن يلبس القميص لا بكم ولا بغير كم وسواء أدخل فيه يديه أو لم يدخلهما وسواء كان سليماً أو مخروقاً، وكذلك لا يلبس الجبة، ولا القباء الذي يدخل يديه فيه، وكذلك الدرع الذي يسمى: "عرق جين" وأمثال ذلك باتفاق الأئمة. وأمَّا إذا طرح القباء على كتفيه
стр. 4043
من غير إدخال يديه ففيه نزاع. وهذا معنى قول الفقهاء: لا يلبس المخيط. والمخيط ما كان من اللباس على قدر العضو» اهـ.
قُلْتُ: ذهبت الحنفية إلى أنَّ من دخل القباء على كتفيه ولم يدخل فيه يديه فيكره ذلك ولا يحرم.
قَالَ [طَرْحِ الْتَثْرِيْبِ] (٥/ ٤٦):
«تَقَدَّمَ أَنَّ فِي رِوَايَةِ الْبَيْهَقِيّ زِيَادَةَ ذِكْرِ الْقَبَاءِ وَعَدَّهُ مِمَّا يُنْهَى عَنْهُ الْمُحْرِمُ وَظَاهِرُهَا أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يُدْخِلَ يَدَيْهِ فِي كُمَّيْهِ أَمْ لَا وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ وَحَكَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَاللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ وَزُفَرُ، وَرَخَّصَ أَبُو حَنِيفَةَ ذَلِكَ بِمَا إذَا أَدْخَلَ يَدَيْهِ فِي كُمَّيْهِ فَإِنْ اقْتَصَرَ عَلَى لُبْسِهِ عَلَى كَتِفَيْهِ لَمْ يَحْرُمْ وَبِهِ قَالَ إبْرَاهِيمُ النَّخَعِيّ وَحَكَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ أَبِي ثَوْرٍ وَبِهِ قَالَ الْخِرَقِيِّ مِنْ الْحَنَابِلَةِ» اهـ.
وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٣/ ٤٠٤):
«وَالْقَبَاءُ بِالْقَافِ وَالْمُوَحَّدَةِ مَعْرُوفٌ وَيُطْلَقُ عَلَى كُلِّ ثَوْبٍ مُفَرَّجٍ وَمَنْعُ لُبْسِهِ عَلَى الْمُحْرِمِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ إِلَّا أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ قَالَ يُشْتَرَطُ أَنْ يُدْخِلَ يَدَيْهِ فِي كُمَّيْهِ لَا إِذَا أَلْقَاهُ عَلَى كَتِفَيْهِ وَوَافَقَهُ أَبُو ثَوْرٍ وَالْخِرَقِيُّ مِنَ الْحَنَابِلَةِ وَحَكَى الْمَاوَرْدِيُّ نَظِيرَهُ إِنْ كَانَ كُمُّهُ ضَيِّقًا فَإِنْ كَانَ وَاسِعًا فَلَا» اهـ.
وقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٣/ ٢٨٦):
стр. 4044
«مَسْأَلَةٌ: قَالَ: "وَإِنْ طَرَحَ عَلَى كَتِفَيْهِ الْقَبَاءَ وَالدُّوَاجَ، فَلَا يُدْخِلْ يَدَيْهِ فِي الْكُمَّيْنِ" ظَاهِرُ هَذَا اللَّفْظِ إبَاحَةُ لُبْسِ الْقَبَاءِ، مَا لَمْ يُدْخِلْ يَدَيْهِ فِي كُمَّيْهِ، وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ، وَعَطَاءٍ، وَإِبْرَاهِيمَ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ.
وَقَالَ الْقَاضِي، وَأَبُو الْخَطَّابِ: إذَا أَدْخَلَ كَتِفَيْهِ فِي الْقَبَاءِ، فَعَلَيْهِ الْفِدْيَةُ، وَإِنْ لَمْ يُدْخِلْ يَدَيْهِ فِي كُمَّيْهِ. وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُ مَخِيطٌ لَبِسَهُ الْمُحْرِمُ عَلَى الْعَادَةِ فِي لُبْسِهِ، فَلَزِمَتْهُ الْفِدْيَةُ إذَا كَانَ عَامِدًا، كَالْقَمِيصِ. وَرَوَى ابْنُ الْمُنْذِرِ، "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ لُبْسِ الْأَقْبِيَةِ".
وَوَجْهُ قَوْلِ الْخِرَقِيِّ، مَا تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، فِي مَسْأَلَةِ إنْ لَمْ يَجِدْ إزَارًا لَبِسَ السَّرَاوِيلَ، وَإِنْ لَمْ يَجِدْ نَعْلَيْنِ لَبِسَ الْخُفَّيْنِ. وَلِأَنَّ الْقَبَاءَ لَا يُحِيطُ بِالْبَدَنِ، فَلَمْ تَلْزَمْهُ الْفِدْيَةُ بِوَضْعِهِ عَلَى كَتِفَيْهِ، إذَا لَمْ يُدْخِلْ يَدَيْهِ فِي كُمَّيْهِ، كَالْقَمِيصِ يَتَّشِحُ بِهِ، وَقِيَاسُهُمْ مَنْقُوضٌ بِالرِّدَاءِ الْمُوَصَّلِ، وَالْخَبَرُ مَحْمُولٌ عَلَى لُبْسِهِ مَعَ إدْخَالِ يَدَيْهِ فِي كُمَّيْهِ» اهـ.
قُلْتُ: الأظهر المنع لأنَّه إذا أدخل كتفيه بالقباء فقد لبس مخيطاً محيطاً بالكتفين، والمحيط على جميع العضو أو على بعضه مما يمنع منه ألا ترى أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نهي المحرم عن لبس السراويلات وألحق العلماء بها التبان مع أنَّ تغطيته دون تغطية السراويلات.
ورجح العلامة ابن عثيمين ﵀ الجواز.
стр. 4045
ولا يشترط في اللباس الذي نُهي عنه المحرم الخياطة، بل الغرض أن يكون على قدر العضو سواء خيط بخيط أو بغير ذلك.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ فِي [شَرْحِ الْعُمْدَةِ] (٣/ ١٥ - ١٦):
«وكذلك لو وضع على مقدار العضو بغير خياطة، مثل أن ينسج نسجاً أو يلصق بلصوق أو يربط بخيوط أو يخلل بخلال أو يزر، ونحو ذلك مما يوصل به الثوب المقطع حتى يصير كالمخيط فإنَّ حكمه حكم المخيط، وإنَّما يقول الفقهاء المخيط بناء على الغالب» اهـ.
قُلْتُ: والنهي عن لبس القميص وارد فيما إذا لبسه على الوجه المعتاد، فأمَّا إذا لبسه على هيئة الرداء، أو الإزار فلا بأس بذلك.
قال في [طَرْحِ الْتَثْرِيْبِ] (٥/ ٣٠٢):
«المراد باللبس المنهي عنه اللبس المعتاد فلو ارتدى القميص ونحوه لم يمنع منه فإنَّه لا يعد لابساً له في العرف» اهـ.
فائدة/ قَالَ فِي [طَرْحِ الْتَثْرِيْبِ] (٥/ ٢٩٤):
«القميص معروف وجمعه قمص بضم القاف والميم ويجوز تخفيف ميمه وهو قياس مطرد في الجمع الذي على وزن فعل وجاء في الرواية الأولى بالإفراد وفي الثانية بالجمع وكذا بقية المذكورات معه، وكأنَّه مأخوذ من الجلدة التي هي غلاف القلب اسمها القميص» اهـ.
стр. 4046
٢ - وفيه النهي عن لبس العمائم، ويلحق به كل غطاء للرأس كالقلنسوة وغيرها. ويدل على ذلك ما رواه البخاري (١٢٦٦)، ومسلم (١٢٠٦) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: بَيْنَمَا رَجُلٌ وَاقِفٌ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِعَرَفَةَ، إِذْ وَقَعَ مِنْ رَاحِلَتِهِ، فَأَقْصَعَتْهُ - أَوْ قَالَ: فَأَقْعَصَتْهُ - فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْنِ، وَلَا تُحَنِّطُوهُ، وَلَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ، فَإِنَّ اللَّهَ يَبْعَثُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ مُلَبِّيًا».
قُلْتُ: وأمَّا إذا احتاج إلى حمل المتاع على رأسه فلا بأس بذلك؛ لأنَّ ذلك لا يريد منه تغطية الرأس، نعم إذا أراد بذلك تغطية الرأس فلا يجوز له ذلك.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ فِي [شَرْحِ الْعُمْدَةِ] (٣/ ٥٦):
«قال أصحابنا: وله أن يحمل فوق رأسه شيئاً مثل الكبك والطبق ونحوه، وحرره ابن عقيل فقال: إذا احتاج لحمل متاع من موضعه إلى غيره فحمله فغطى رأسه لم تجب الفدية لأنَّ الحمل لا يقصد به التغطية بل النقل.
وإن تعمد لحمل شيء على رأسه تحيلاً للتغطية لم تسقط الفدية وكان مأثوماً وهذا مقتضى تعليل بقيتهم أن يفرق بين أن يقصد الحمل فقط أو يقصد مع الحمل التغطية.
وعلله القاضي في موضع بأنَّه لا يستدام في العادة فهو كما لو وضع على رأسه يده.
قالوا: وله أن يضع يده على رأسه وأن يقلب ذوائبه على رأسه» اهـ.
стр. 4047
قُلْتُ: وأمَّا تغطية الرأس بشيء منفصل عنه فالصحيح جوازه مطلقاً؛ وذلك لما رواه مسلم (١٢١٨) في حديث جابر الطويل في حجة الوداع قال فيه: «فَوَجَدَ الْقُبَّةَ قَدْ ضُرِبَتْ لَهُ بِنَمِرَةَ».
وما رواه مسلم (١٢٩٨) عَنْ أُمِّ الْحُصَيْنِ، قَالَتْ: حَجَجْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ حَجَّةَ الْوَدَاعِ، فَرَأَيْتُهُ حِينَ رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ، وَانْصَرَفَ وَهُوَ عَلَى رَاحِلَتِهِ وَمَعَهُ بِلَالٌ وَأُسَامَةُ أَحَدُهُمَا يَقُودُ بِهِ رَاحِلَتَهُ، وَالْآخَرُ رَافِعٌ ثَوْبَهُ عَلَى رَأْسِ رَسُولِ اللهِ ﷺ مِنَ الشَّمْسِ، قَالَتْ: فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَوْلًا كَثِيرًا، ثُمَّ سَمِعْتُهُ يَقُولُ: «إِنْ أُمِّرَ عَلَيْكُمْ عَبْدٌ مُجَدَّعٌ - حَسِبْتُهَا قَالَتْ - أَسْوَدُ، يَقُودُكُمْ بِكِتَابِ اللهِ تَعَالَى، فَاسْمَعُوا لَهُ وَأَطِيعُوا».
وفي لفظ آخر عنده من حديثها أنَّها قالت: «حَجَجْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ حَجَّةَ الْوَدَاعِ، فَرَأَيْتُ أُسَامَةَ وَبِلَالًا، وَأَحَدُهُمَا آخِذٌ بِخِطَامِ نَاقَةِ النَّبِيِّ ﷺ وَالْآخَرُ رَافِعٌ ثَوْبَهُ يَسْتُرُهُ مِنَ الْحَرِّ، حَتَّى رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ».
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْخَطَّابِي ﵀ فِي [مَعَالِمِ الْسُّنَنِ] (٢/ ١٧٩):
«قُلْتُ: فيه من الفقه أنَّ للمحرم أن يستظل بالمظال نازلاً بالأرض وراكباً على ظهور الدواب ورخص فيه أكثر أهل العلم، إلَّا أنَّ مالك بن أنس وأحمد بن حنبل كانا يكرهان للمحرم أن يستظل راكباً» اهـ.
стр. 4048
قُلْتُ: وهذا الاستظلال يحتمل أن يكون في يوم النحر، ويحتمل أن يكون ذلك في أيام منى بعد التحلل، ولا حجة فيه حينئذ على مشروعية ذلك.
لكن قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ فِي [شَرْحِ الْعُمْدَةِ] (٣/ ٦٢ - ٦٤):
«فإن قيل: هذا التظليل إن كان يوم النحر ففيه مستدل وإن كان في أحد أيام منى فلا حجة فيه لأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ حل من إحرامه يوم النحر وليس فيه بيان أنَّ ذلك كان يوم النحر بل فيه ما يشعر أنَّه كان في أيام منى؛ لأنَّ الجمرة ترمى أيام منى بعد الزوال حين اشتداد الحر فأمَّا يوم النحر فإنَّ النَّبِيَّ ﷺ رماها ضحى وليس ذلك الوقت للشمس حر يحتاج إلى تظليل. قيل: قد روى ابن عمر عَنِ النَّبِيِّ ﷺ كان إذا رمى الجمار مشى إليها ذاهباً راجعاً رواه الترمذي وصححه، ورواه أبو داود عَنِ ابْنِ عُمَرَ أنَّه كان يأتي الجمار في الأيام الثلاثة بعد يوم النحر ماشياً ذاهباً وراجعاً ويخبر أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كان يفعل ذلك. ورواه أحمد فقال: كان يرمي الجمرة يوم النحر راكباً وسائر ذلك ماشياً ويخبرهم أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كان يفعل ذلك.
ففي هذا ما يدل أنَّ ذلك الرمي كان يوم النحر لأنَّه كان راكباً وهو ﷺ لم يفض من جمع حتى كادت الشمس تطلع وما بين أن يفيض إلى أن يجيء إلى جمرة العقبة يصير للشمس مس وحر فإنَّ حجته ﷺ كانت في … ويبين ذلك وقد أخبرت أم حصين أنَّه خطب عند جمرة العقبة وإنَّما خطب عند جمرة العقبة يوم النحر … » اهـ.
стр. 4049
وقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٦/ ٤٣٩):
«والحديث ذهب إليه أحمد، فلم يكره أن يستتر بثوب ونحوه، فإنَّ ذلك لا يقصد للاستدامة، والهودج بخلافه، والخيمة والبيت يرادان لجمع الرحل وحفظه، لا للترفه. وظاهر كلام أحمد، أنَّه إنما كره ذلك كراهة تنزيه لوقوع الخلاف فيه».
وقال ﵀ (٦/ ٤٤١):
«فصل: ولا بأس أن يستظل بالسقف والحائط والشجرة والخباء، وإن نزل تحت شجرة، فلا بأس أن يطرح عليها ثوباً يستظل به، عند جميع أهل العلم.
وقد صح به النقل، فإنَّ جابراً قال في حديث حجة النبي ﷺ : "وأمر بقبة من شعر، فضربت له بنمرة، فأتى عرفة، فوجد القبة قد ضربت له بنمرة، فنزل بها، حتى إذا زاغت الشمس".
رواه مسلم، وابن ماجه، وغيرهما.
ولا بأس أيضاً أن ينصب حياله ثوباً يقيه الشمس والبرد، إمَّا أن يمسكه إنسان، أو يرفعه على عود، على نحو ما روي في حديث أم الحصين: "أنَّ بلالاً أو أسامة كان رافعاً ثوباً يستر به النبي ﷺ من الحر". ولأنَّ ذلك لا يقصد به الاستدامة، فلم يكن به بأس، كالاستظلال بحائط» اهـ.
قُلْتُ: جواز ذلك مطلقاً هو الصحيح، وليس في التفريق بين هذه الصور حجة قوية، ولا معنى ظاهر. والله أعلم.
стр. 4050
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ فِي [شَرْحِ الْعُمْدَةِ] (٣/ ٦٠ - ٦٢):
«الثاني: المحمل والعمارية والقبة والهودج ونحو ذلك مما يصنع على الإبل وغيرها من المراكب لأجل الاستظلال شفعاً كانت أو وتراً فهذا إذا كان متجافياً عن رأسه فالمشهور عن أحمد الكراهة وعنه لا بأس به ذكرها ابن أبي موسى لأنَّ المنع من الاستظلال والبروز للسماء إنَّما كان يعتقده براً أهل الجاهلية كما تقدم عنهم وقد رد الله ذلك كما تقدم.
ولأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لما رأى أبا إسرائيل قائما في الشمس سأل عنه فقيل نذر أن يقوم ولا يتكلم ولا يستظل ويصوم قال: "مروه فليقعد وليستظل وليتكلم وليتم صومه". رواه البخاري.
فبين النبي ﷺ أنَّ الضحى للشمس مثل الصمت والقيام ليس مشروعاً ولا مسنوناً ولا بر فيه.
وأيضاً: فليس في المنع منه كتاب ولا سنة ولا إجماع فوجب أن يبقى على أصل الإباحة.
وأيضاً: فإنَّه يجوز له الاستظلال بالخيمة والسقف والشجر وغير ذلك وهذا في معناه ولا يقال هذه الأشياء المقصود بها جمع المتاع فإنَّه لو دخل البيت لقصد الاستظلال أو نصب له خيمة لمجرد الاستظلال جاز بلا تردد» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٢/ ٢٤٣):
стр. 4051
«الحكم العاشر: أنَّ المحرم ممنوع من تغطية رأسه، والمراتب فيه ثلاث: ممنوع منه بالاتفاق، وجائز بالاتفاق، ومختلف فيه، فالأول: كل متصل ملامس يراد لستر الرأس، كالعمامة، والقبعة، والطاقية، والخوذة، وغيرها.
والثاني: كالخيمة، والبيت، والشجرة، ونحوها، وقد صح عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، أنَّه ضربت له قبة بنمرة وهو محرم، إلَّا أنَّ مالكاً منع المحرم أن يضع ثوبه على شجرة ليستظل به، وخالفه الأكثرون، ومنع أصحابه المحرم أن يمشي في ظل المحمل.
والثالث: كالمحمل، والمحارة، والهودج، فيه ثلاثة أقوال: الجواز، وهو قول الشافعي وأبي حنيفة رحمهما الله، والثاني: المنع. فإن فعل، افتدى، وهو مذهب مالك ﵀. والثالث: المنع، فإن فعل، فلا فدية عليه، والثلاثة روايات عن أحمد ﵀» اهـ.
قُلْتُ: واختلف العلماء في تغطية الوجه للمحرم، وحجة من منع من ذلك ما رواه مسلم (١٢٠٦) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، أَنَّ رَجُلًا أَوْقَصَتْهُ رَاحِلَتُهُ وَهُوَ مُحْرِمٌ فَمَاتَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْهِ، وَلَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ وَلَا وَجْهَهُ، فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِّيًا».
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٢/ ٢٤٤):
стр. 4052
«الحكم الحادي عشر: منع المحرم من تغطية وجهه، وقد اختلف في هذه المسألة. فمذهب الشافعي وأحمد في رواية: إباحته، ومذهب مالك، وأبي حنيفة، وأحمد في رواية: المنع منه، وبإباحته قال ستة من الصحابة: عثمان، وعبد الرحمن بن عوف، وزيد بن ثابت، والزبير، وسعد بن أبي وقاص، وجابر ﵃. وفيه قول ثالث شاذ: إن كان حياً، فله تغطية وجهه، وإن كان ميتاً، لم يجز تغطية وجهه، قاله ابن حزم، وهو اللائق بظاهريته.
واحتج المبيحون بأقوال هؤلاء الصحابة، وبأصل الإباحة، وبمفهوم قوله: "ولا تخمروا رأسه"، وأجابوا عن قوله: "ولا تخمروا وجهه"، بأنَّ هذه اللفظة غير محفوظة فيه. قال شعبة: حدثنيه أبو بشر، ثم سألته عنه بعد عشر سنين، فجاء بالحديث كما كان، إلَّا أنَّه قال: "لا تخمروا رأسه، ولا وجهه". قالوا: وهذا يدل على ضعفها. قالوا: وقد روى في هذا الحديث: "خمروا وجهه، ولا تخمروا رأسه"» اهـ.
قُلْتُ: سبق الكلام على هذه المسألة في كتاب الجنائز، وبيَّنا هناك عدم صحة هذه اللفظة.
٣ - وفيه نهي المحرم عن لبس السراويلات.
قُلْتُ: ويلحق به كل ما غطى الفخذين، أو بعضهما مما صنع على قدر العضو، فيلحق به التُّبَّانُ ونحوه، ومن ذلك الحافظات التي تستعمل للمرضى، والأطفال.
٤ - واحتج به الإمام أحمد على مشروعية لبس السراويل لغير المحرم.
стр. 4053
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٢/ ١٧٥):
«وسئل الإمام أحمد: السراويل أحب إليك أم الميازر؟ فقال: السراويل محدث لكنَّه استر. وقال أيضاً: الأزر كانت لباس القوم، والسراويل أستر.
قال: والحديث: "من لم يجد الإزار فليلبس السراويل"، وهذا دليل أنَّ القوم قد لبسوا السراويلات» اهـ.
٥ - وفيه تحريم لبس البرنس على المحرم.
والبرنس قَالَ فيه الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْأَثِيْرِ ﵀ فِي [الْنِّهَايَةِ] (١/ ٣٠٨):
«هو كل ثوب رأسه منه ملتزق به من دراعة أو جبة أو ممطر أو غيره. وقال الجوهري: هو قلنسوة طويلة كان النساك يلبسونها في صدر الإسلام وهو من البرس - بكسر الباء - القطن والنون زائدة. وقيل إنَّه غير عربي» اهـ.
٦ - وفيه جواز لبس البرنس لغير المحرم، فإنَّ النهي عنه للمحرم يفهم منه جوازه لغيره.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (١٠/ ٢٧٢):
«وقد كره بعض السلف لبس البرنس لأنَّه كان من لباس الرهبان وقد سئل مالك عنه فقال: لا بأس به. قيل: فإنَّه من لبوس النصارى. قال: كان يلبس ها هنا، وقال عبد الله بن أبي بكر ما كان أحد من القراء إلَّا له برنس» اهـ.
стр. 4054
٧ - وفيه منع المحرم من لبس الخفين إلَّا إذا لم يجد النعلين بشرط أن يقطعهما أسفل من الكعبين.
قُلْتُ: والأمر بقطع منسوخ على الصحيح من أقوال العلماء.
ويدل على ذلك أنَّ حديث ابن عمر هذا كان في المدينة قبل الإحرام كما روى ذلك أحمد (٤٨٦٨) حَدَّثَنَا يَزِيدُ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدٌ يَعْنِي ابْنَ إِسْحَاقَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ عَلَى هَذَا الْمِنْبَرِ، وَهُوَ يَنْهَى النَّاسَ إِذَا أَحْرَمُوا عَمَّا يُكْرَهُ لَهُمْ: «لَا تَلْبَسُوا الْعَمَائِمَ، وَلَا الْقُمُصَ، وَلَا السَّرَاوِيلَاتِ، وَلَا الْبَرَانِسَ، وَلَا الْخُفَّيْنِ إِلَّا أَنْ يُضْطَرَّ مُضْطَرٌّ إِلَيْهِمَا، فَيَقْطَعَهُمَا أَسْفَلَ مِنَ الْكَعْبَيْنِ، وَلَا ثَوْبًا مَسَّهُ الْوَرْسُ، وَلَا الزَّعْفَرَانُ».
قُلْتُ: وفيه عنعنة ابن إسحاق، وهو من المدلسين. لكن يدل لمعناه ما رواه البخاري (٥٨٠٥) عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَامَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا تَأْمُرُنَا أَنْ نَلْبَسَ إِذَا أَحْرَمْنَا؟ .. الحديث، فقوله:
«إِذَا أَحْرَمْنَا». يدل على أنَّ السؤال كان قبل الإحرام.
ونسخ الأمر بالقطع بما رواه البخاري (١٨٤١)، ومسلم (١١٧٨) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَخْطُبُ بِعَرَفَاتٍ: «مَنْ لَمْ يَجِدِ النَّعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسِ الخُفَّيْنِ، وَمَنْ لَمْ يَجِدْ إِزَارًا فَلْيَلْبَسْ سَرَاوِيلَ لِلْمُحْرِمِ».
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢١/ ١٩١ - ١٩٢): «ثم إنَّه في عرفات بعد ذلك قال: "السراويل لمن لم يجد الإزار والخفاف
стр. 4055
لمن لم يجد النعلين". هكذا رواه ابن عباس وحديثه في الصحيحين، ورواه جابر وحديثه في مسلم فأرخص لهم بعرفات في البدل فأجاز لهم لبس السراويل إذا لم يجدوا الإزار بلا فتق وعليه جمهور العلماء فمن اشترط فتقه خالف النص. وأجاز لهم حينئذ لبس الخفين إذا لم يجدوا النعلين بلا قطع فمن اشترط القطع فقد خالف النص فإنَّ السراويل المفتوق والخف المقطوع لا يدخل في مسمى السراويل والخف عند الإطلاق كما أنَّ القميص إذا فتق وصار قطعاً لم يسم سراويل، وكذلك البرنس وغير ذلك. فإنَّما أمر بالقطع أولاً لأنَّ رخصة البدل لم تكن شرعت فأمرهم بالقطع حينئذ لأنَّ المقطوع يصير كالنعلين، فإنَّه ليس بخف. ولهذا لا يجوز المسح عليه باتفاق المسلمين فلم يدخل في إذنه في المسح على الخفين. ودل هذا على أنَّ كل ما يلبس تحت الكعبين من مداس وجمجم وغيرهما كالخف المقطوع تحت الكعبين أولى بالجواز فتكون إباحته أصلية كما تباح النعلان لا أنَّه أبيح على طريق البدل وإنَّما المباح على طريق البدل هو الخف المطلق والسراويل» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [تَهْذِيْبِ السُّنَنِ] (١/ ٢٣٤ - ٢٣٨):
«الحكم الرابع: أنَّه أمر لابس الخفين بقطعهما أسفل من كعبيه، في حديث ابن عمر، لأنَّه إذا قطعهما أسفل من الكعبين صارا شبيهين بالنعل. فاختلف الفقهاء في هذا القطع، هل هو واجب أم لا؟ على قولين:
стр. 4056
أحدهما: أنَّه واجب، وهذا قول الشافعي وأبي حنيفة ومالك والثوري وإسحاق وابن المنذر، وإحدى الروايتين عن أحمد، لأمر رسول الله ﷺ بقطعهما، وتعجب الخطابي من أحمد فقال: العجب من أحمد في هذا! فإنَّه لا يكاد يخالف سنة تبلغه. وَقَلَّتْ سنة لم تبلغه. وعلى هذه الرواية إذا لم يقطعهما تلزمه الفدية.
والثاني: أنَّ القطع ليس بواجب، وهو أصح الروايتين عن أحمد، ويروى عن علي بن أبي طالب، وهو قول أصحاب ابن عباس، وعطاء، وعكرمة. وهذه الرواية أصح، لما في الصحيحين عن ابن عباس قال: سمعت النبي ﷺ يخطب بعرفات: "من لم يجد إزارا فليلبس سراويل، ومن لم يجد نعلين فليلبس خفين". فأطلق الإذن في لبس الخفين ولم يشترط القطع وهذا كان بعرفات، والحاضرون معه إذ ذاك أكثرهم لم يشهدوا خطبته بالمدينة، فإنَّه كان معه من أهل مكة واليمن والبوادي من لا يحصيهم إلَّا الله تعالى، وتأخير البيان عن وقت الحاجة ممتنع. وفي صحيح مسلم عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : "من لم يجد نعلين فليلبس خفين، ومن لم يجد إزارا فليلبس سراويل"، فهذا كلام مبتدأ من النبي ﷺ ، بين فيه في عرفات في أعظم جمع كان له، أنَّ من لم يجد الإزار فليلبس السراويل، ومن لم يجد النعلين فليلبس الخفين، ولم يأمر بقطع ولا فتق، وأكثر الحاضرين بعرفات لم يسمعوا خطبته بالمدينة ولا سمعوه يأمر بقطع الخفين، وتأخير البيان عن وقته ممتنع. فدل هذا على أنَّ هذا
стр. 4057
الجواز لم يكن شرع بالمدينة، وأنَّ الذي شرع بالمدينة هو لبس الخف المقطوع، ثم شرع بعرفات لبس الخف من غير قطع. فإن قيل: فحديث ابن عمر مقيد: وحديث ابن عباس مطلق، والحكم والسبب واحد، وفي مثل هذا يتعين حمل المطلق على المقيد، وقد أمر في حديث ابن عمر بالقطع.
فالجواب من وجهين: أحدهما: أنَّ قوله في حديث ابن عمر: "وليقطعهما" قد قيل: إنَّه مدرج من كلام نافع. قال صاحب المغني: كذلك روي في أمالي أبي القاسم بن بشران بإسناد صحيح: أنَّ نافعاً قال بعد روايته للحديث: "وليقطع الخفين أسفل من الكعبين"، والإدراج فيه محتمل، لأنَّ الجملة الثانية يستقل الكلام الأول بدونها، فالإدراج فيه ممكن، فإذا جاء مصرحاً به أنَّ نافعاً قاله زال الإشكال. ويدل على صحة هذا أنَّ ابن عمر كان يفتي بقطعهما للنساء، فأخبرته صفية بنت أبي عبيد عَنْ عَائِشَةَ: " أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ رخص للمحرم أن يلبس الخفين ولا يقطعهما، قالت صفية: فلما أخبرته بهذا رجع".
الجواب الثاني: أنَّ الأمر بالقطع كان بالمدينة ورسول الله ﷺ يخطب على المنبر، فناداه رجل فقال: "ما يلبس المحرم من الثياب"؟ فأجابه بذلك، وفيه الأمر بالقطع وحديث ابن عباس وجابر بعده وعمرو بن دينار روى الحديثين معاً ثم قال: "انظروا أيهما كان قبل"، وهذا يدل على أنَّهم علموا نسخ الأمر بحديث ابن عباس.
стр. 4058
وقال الدارقطني: قال أبو بكر النيسابوري: حديث ابن عمر قبل، لأنَّه قال: "نادى رجل رسول الله ﷺ وهو في المسجد". فذكره، وابن عباس يقول: "سمعت رسول الله ﷺ يخطب بعرفات". فإن قيل: حديث ابن عباس رواه أيوب والثوري وابن عيينة وابن زيد وابن جريج وهشيم كلهم عَنْ عُمَرَو بن دينار عن جابر بن زيد عن ابن عباس، ولم يقل أحد منهم "بعرفات" غير شعبة، ورواية الجماعة أولى من رواية الواحد.
قيل: هذا عبث، فإنَّ هذه اللفظة متفق عليها في الصحيحين، وناهيك برواية شعبة لها، وشعبة حفظها وغيره لم ينفها، بل هي في حكم جملة أخرى في الحديث مستقلة، وليست تتضمن مخالفة للآخرين، ومثل هذا يقبل ولا يرد، ولهذا رواه الشيخان. وقد قال علي: "قطع الخفين فساد يلبسهما كما هما". وهذا مقتضى القياس فإنَّ النَّبِيَّ ﷺ سوى بين السراويل وبين الخف في لبس كل منهما عند عدم الإزار والنعل، ولم يأمر بفتق السراويل، لا في حديث ابن عمر ولا في حديث ابن عباس ولا غيرهما. ولهذا كان مذهب الأكثرين أنَّه يلبس السراويل بلا فتق عند عدم الإزار، فكذلك الخف يلبس ولا يقطع، ولا فرق بينهما، وأبو حنيفة طرد القياس وقال: يفتق السراويل، حتى يصير كالإزار، والجمهور قالوا: هذا خلاف النص، لأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال: "السراويل لمن لم يجد الإزار". وإذا فتق لم يبق سراويل، ومن اشترط قطع الخف خالف القياس مع مخالفته النص المطلق بالجواز. ولا يسلم من مخالفة النص
стр. 4059
والقياس إلَّا من جوز لبسهما بلا قطع، أمَّا القياس فظاهر، وأمَّا النص فما تقدم تقديره» اهـ.
٨ - جواز لبس ما كان أسفل من الكعبين.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ فِي [شَرْحِ الْعُمْدَةِ] (٣/ ٤٤ - ٤٩):
«وأمَّا المقطوع دون الخف والجمجم والمداس ونحو ذلك مما يصنع على مقدار القدم فالمشهور في المذهب أنَّ حكمه حكم الخف لا يجوز إلَّا عند عدم النعل وهو المنصوص عنه.
قال في رواية ابن إبراهيم وقد سئل عن لبس الخفين دون الكعبين فقال: يلبسه ما لم يقدر على النعلين إذا اضطر إلى لبسهما.
وقال في رواية الأثرم: لا يلبس نعلاً لها قيد وهو السير يجعل في الزمام معترضاً فقيل له فالخف المقطوع قال هذا أشد.
وقال في رواية المروذي: أكره المحمل الذي على النعل والعقب وكان عطاء يقول: فيه دم.
فإذا منع من أن يجعل على النعل سيراً فأن يمنع من الجمجم ونحوه أولى.
وسواء نصب عقبه أو طواه فإن عقبه فإن لبسه فذكر القاضي والشريف وأبو الخطاب وابن عقيل وغيرهم أنَّه يفدي لأنَّ أحمد منع منه وممنوعات الإحرام فيها
стр. 4060
الفدية ولأنَّه قد نقل عنه أنَّ في النعال المكلفة والمعقبة الفدية فهذا أولى وقد حكى قول عطاء كالمفتي به.
وذكر القاضي في المجرد وابن عقيل في بعض المواضع من الفصول أنَّه ليس له لباس المقطوعين وأنَّه يكره النعال المكلفة ونحو ذلك. قال: ولا فدية في ذلك. قال: لأنَّه أخف حكماً من الخف المقطوع وقد أباح النبي ﷺ لبسه وسقطت الفدية فيه.
وذكر القاضي وابن عقيل في موضع من خلافهما أنَّه إذا قطع الخفين جاز لبسهما وإن وجد النعلين لأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ جوز لبسهما بعد القطع في حديث ابن عمر فلولا أنَّ قطعهما يخرجهما عن المنع لم يكن في القطع فائدة وإنَّما ذكر جواز لبسهما مقطوعين لمن لم يجد النعل لأنَّه إذا وجد النعل لم يجز له أن يقطع الخف ويفسده وإن كان لبس المقطوع جائزاً فإذا عدم النعل صار مضطراً إلى قطعها ويؤيد هذا أنَّه قد تقدم أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لم يرخص في حديث ابن عمر في لبس السراويل ولا الخف وإنَّما رخص بعد عرفات فعلم أنَّ قوله: "فليلبس الخفين ويقطعهما حتى يكونا أسفل الكعبين". بيان لما يجوز لبسه ويخرج به عن حد الخف الممنوع ويصير بمنزلة النعل المباح وإلَّا لم يكن فرق بين لبسهما مقطوعين وصحيحين وجعل ذلك لمن لم يجد النعل لما تقدم ثم إنَّه رخص بعد ذلك في لبس الخف والسراويل للعادم فبقى المقطوع كالسراويل المفتوق يجوز لبسه بكل حال.
стр. 4061
وأيضاً: فإنَّ النَّبِيَّ ﷺ إنَّما نهى المحرم عن الخف كما رخص في المسح على الخف والمقطوع وما أشبه من الجمجم والحذاء ونحوهما ليس بخف ولا في معنى الخف فلا يدخل في المنع كما لم يدخل في المسح لا سيما ونهيه عن الخف إذن فيما سواه لأنَّه سئل عما يلبس المحرم من الثياب فقال: لا يلبس كذا فحصر المحرم فما لم يذكره فهو مباح.
وأيضاً: فإنَّه إمَّا أن يلحق بالخف أو بالنعل وهو بالنعل أشبه فإنَّه لا يجوز المسح عليه كالنعل.
وأيضاً: فإنَّ القدم عضو يحتاج إلى لبس فلا بد أن يباح ما تدعو إليه الحاجة وكثير من الناس لا يتمكن من المشي في النعل فلا بد أن يرخص لهم فيما يشبهه من الجمجم والمداس ونحوهما وهو في ذلك بخلاف اليد فإنَّها لا تستر بالقفاز ونحوه لعدم الحاجة.
ووجه الأول: قوله في حديث ابن عمر: "ولا الخفين إلَّا أن لا يجد نعلين فليقطعهما حتى يكونا أسفل من الكعبين". وفي لفظ صحيح: "إلَّا أن يضطر يقطعه من عند الكعبين". وفي رواية: "إلَّا أن يضطر مضطر فيقطعها أسفل من الكعبين". وفي روايات متعددة: "ولا الخفين إلَّا أحد لا يجد نعلين فليلبسهما أسفل من الكعبين". فلم يرخص في لبس المقطوع إلَّا لعادم النعل وعلقه باضطراره إلى ذلك وهذا صريح في نهيه عنه إذا لم يضطر وإذا كان واجداً وليس بمفهوم.
стр. 4062
قالوا: وإنَّما أمر أولا بالقطع ليقارب النعل لا ليصير مثله من كل وجه إذ لو كان مثله من كل وجه لم ينه عنه إلَّا في الضرورة ثم إنَّه نسخ ذلك كما تقدم. ويؤيد ذلك أنَّه قال في حديث ابن عمر: "وليحرم أحدكم في إزار ورداء ونعلين". فلما كانت الأعضاء التي يحتاج إلى سترها ثلاثة ذكر لكل واحد نوعاً غير مخيط على قدره والأمر بالشيء نهى عن ضده فعلم أنَّه لا يجز الإحرام إلَّا في ذلك ولأنَّه مخيط مصنوع على قدر العضو فمنع منه المحرم كالمخيط لجميع الأعضاء والحاجة إنَّما تدعو إلى شيء يقيه مس قدمه الأرض وذلك يحصل بالنعل لما لم يثبت بنفسه رخصة له في سيور تمسكه كما يرخص في عقد الإزار لما لم يثبت إلَّا بالعقد.
فأمَّا ستر جوانب قدمه وظهرها وعقيبته فلا حاجة إليه فلبس ما صنع لستره ترفه ودخول في لباس العادة كلبس القفاز والسراويل ولأنَّ نسبة الجمجم ونحوه إلى النعل كنسبة السراويل إلى الإزار فإنَّ السراويل ..
فعلى هذا قال أحمد في رواية الأثرم: لا يلبس نعلاً لها قيد وهو السير في الزمام معترضاً. فقيل له فالخف المقطوع. فقال: هذا أشد.
وقال حرب سئل أحمد عن النعل يوضع عليها شراك بالعرض على ظهر القدم كما يفعله المحرس يلبسه المحرم فكرهه.
وقال في رواية المروذي أكره المحمل والعقب الذي يجعل للنعل وكان عطاء يقول فيه دم والقيد والمحمل واحد.
стр. 4063
قال القاضي وغيره هي النعال المكلفات. واختلف أصحابنا فمنهم من حمله على التحريم بكل حال على عموم كلامه قال ابن أبي موسى ويزيل ما على نعله من قيد أو عقب فإن لم يفعل فعليه دم. وقد روي عن أحمد في القيد في النعل يفتدي لأنَّا لا نعرف النعال هكذا.
ومعنى القيد سير ثان على ظهر القدم والعقب الذي يكون في مؤخر القدم وهذا لأنَّ القدر الذي يحتاج إليه النعل من السيور الزمام لأنَّه يمنع النعل من التقدم والتأخر والشراك فإنَّه إذا عقده امتنع من أن ينتحي يميناً وشمالاً فأمَّا سير ثان على ظهر القدم مع الشراك أو عقب بإزاء الزمام فلا حاجة إليه ولأنَّه ستر ظهر القدم وجانبه بما صنع له مما لا حاجة إليه فهو كما لو ستره بظهر قدم الجمجم وعقبه وهذا لأنَّ الظهر والعقب يصير بهما بمنزلة المداس ويصير القدم في مثل الخف فأشبه ما لو صنع قميصاً مشبكاً أو لبس خفاً مخرقاً فإنَّه بمنزلة القميص والخف السليمين.
ولأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أباح النعال وأذن فيها فخرج كلامه على النعال التي يعرفونها والقيد والعقب محدثان يصير بهما النعل شبيها بالحذاء كالرداء إذا زرره أو خلله فإنَّه يصير كالبقير من القمصان وهذا القول مقتضي كلامه وهو أقيس على قول من يمنع المحرم من الجمجم وهو أتبع للأثر.
стр. 4064
وقال القاضي وابن عقيل وغيرهما إنَّما كره ذلك إذا كان العقب والقيد عريضاً يستر بعض الرجل قالوا ولا فدية في ذلك قالوا لأنَّه أخف حكماً من الخف المقطوع وقد أباح النبي ﷺ لبسه وسقطت الفدية فيه وتخصيصهم الكلام بالعريضة ليس في كلام أحمد تعرض له فإنَّ الرقيق أيضاً يستر بحسبه ولا حاجة إليه.
وأمَّا إسقاط الفدية فيحتمله كلام أحمد حيث نطق بالكراهة وحكى عن عطاء أنَّ فيه دماً ولم يجزم به» اهـ.
وقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٦/ ٤٢٨):
«فصل: فإن لبس المقطوع، مع وجود النعل، فعليه الفدية، وليس له لبسه. نص عليه أحمد، وبهذا قال مالك.
وقال أبو حنيفة: لا فدية عليه؛ لأنَّه لو كان لبسه محرماً، وفيه فدية، لم يأمر النبي ﷺ بقطعهما، لعدم الفائدة فيه، وعن الشافعي كالمذهبين.
ولنا، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ شرط في إباحة لبسهما عدم النعلين، فدل على أنَّه لا يجوز مع وجودهما، ولأنَّه مخيط لعضو على قدره، فوجبت على المحرم الفدية بلبسه، كالقفازين» اهـ.
وقال ﵀ (٦/ ٤٣٠): «فصل: فأمَّا النعل، فيباح لبسها كيفما كانت، ولا يجب قطع شيء منها؛ لأنَّ إباحتها وردت مطلقاً.
وروي عن أحمد في القيد في النعل: يفتدي؛ لأننا لا نعرف النعال هكذا.
стр. 4065
وقال: إذا أحرمت فاقطع المحمل الذي على النعال، والعقب الذي يجعل للنعل، فقد كان عطاء يقول: فيه دم.
وقال ابن أبي موسى، في "الإرشاد": في القيد والعقب الفدية، والقيد: هو السير المعترض على الزمام.
قال القاضي: إنَّما كرههما إذا كانا عريضين.
وهذا هو الصحيح؛ فإنَّه إذا لم يجب قطع الخفين الساترين للقدمين والساقين فقطع سير النعل أولى أن لا يجب.
ولأنَّ ذلك معتاد في النعل، فلم تجب إزالته، كسائر سيورها، ولأنَّ قطع القيد والعقب ربما تعذر معه المشي في النعلين؛ لسقوطهما بزوال ذلك، فلم يجب، كقطع القبال» اهـ.
قُلْتُ: الذي يظهر لي أنَّه لا بأس بلبس الأحذية التي لا تغطي جميع القدم، وأمَّا ما غطى القدم دون الكعب فالأظهر جواز لبسه، فإن قيل: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ إنَّما أذن بقطع الخفين أسفل من الكعبين بشرط عدم وجود النعل لا مطلقاً؛ لما رواه البخاري (١٥٤٢)، ومسلم (١١٧٧) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄، أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا يَلْبَسُ المُحْرِمُ مِنَ الثِّيَابِ؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا يَلْبَسُ القُمُصَ، وَلَا العَمَائِمَ، وَلَا السَّرَاوِيلَاتِ، وَلَا
следующие страницы →