Полный текст (8 095 стр.). Показаны 4236–4275 · переход к 4241.
стр. 4236
قوله: ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ﴾، ولكن هذا يقتضي أنَّه إذا قتله عمداً وتاب جاز حكمه، ولم يذكر القاضي وأصحابه في خلافهم هذا الشرط» اهـ.
قُلْتُ: ومن جرح صيداً ضمنه بمثله من بهيمة الأنعام.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٣/ ٤٤٤ - ٤٤٥):
«فَصْلٌ: وَإِنْ أَتْلَفَ جُزْءًا مِنْ الصَّيْدِ، وَجَبَ ضَمَانُهُ؛ لِأَنَّ جُمْلَتَهُ مَضْمُونَةٌ، فَكَانَ بَعْضُهُ مَضْمُونًا كَالْآدَمِيِّ، وَالْأَمْوَالِ، وَلِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "لَا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا". فَالْجَرْحُ أَوْلَى بِالنَّهْيِ، وَالنَّهْيُ يَقْتَضِي تَحْرِيمَهُ. وَمَا كَانَ مُحَرَّمًا مِنْ الصَّيْدِ وَجَبَ ضَمَانُهُ كَنَفْسِهِ، وَيُضْمَن بِمِثْلِهِ مِنْ مِثْلِهِ، فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ؛ لِأَنَّ مَا وَجَبَ ضَمَانُ جُمْلَتِهِ بِالْمِثْلِ، وَجَبَ فِي بَعْضِهِ مِثْلُهُ، كَالْمَكِيلَاتِ. وَالْآخَرُ يَجِبُ قِيمَةُ مِقْدَارِهِ مِنْ مِثْلِهِ؛ لِأَنَّ الْجَزَاءَ يَشُقُّ إخْرَاجُهُ، فَيُمْنَعُ إيجَابُهُ، وَلِهَذَا عَدَلَ الشَّارِعُ عَنْ إيجَابِ جُزْءٍ مِنْ بَعِيرٍ فِي خَمْسٍ مِنْ الْإِبِلِ إلَى إيجَابِ شَاةٍ مِنْ غَيْرِ جِنْسِ الْإِبِلِ. وَالْأَوَّلُ أَوْلَى؛ لِأَنَّ الْمَشَقَّةَ هَاهُنَا غَيْرُ ثَابِتَةٍ؛ لِوُجُودِ الْخِيَرَةِ لَهُ فِي الْعُدُولِ عَنْ الْمِثْلِ إلَى عَدْلِهِ مِنْ الطَّعَامِ أَوْ الصِّيَامِ، فَيَنْتَفِي الْمَانِعُ فَيَثْبُتُ مُقْتَضَى الْأَصْلِ» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ أَبِي الْخَيْرِ الْشَّافِعِيِّ ﵀ فِي [الْبَيَانِ] (٤/ ١٧٦):
«ويحرم عليه جرح الصيد وإتلاف أجزائه؛ لأنَّ ما منع من إتلافه لحق الغير .. منع من جرحه وإتلاف أجزائه، كالآدمي. فإن جرحه أو أتلف جزءاً منه .. وجب عليه الجزاء.
стр. 4237
وقال مالك وأبو حنيفة وداود: لا جزاء عليه في جرح الصيد، ولا في قطع عضو منه» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْمَاوُرْدِي ﵀ فِي [الْحَاوِي] (٤/ ٢٩٨ - ٢٩٩):
«فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ جُرْحَ الصَّيْدِ وَقَطْعَ عُضْوٍ مِنْهُ مَضْمُونٌ كَضَمَانِ نَفْسِهِ وَجَبَ عَلَى جَارِحِ الصَّيْدِ أَنْ يُرَاعِيَ جُرْحَهُ، وَيَتَعَاهَدَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ فَإِذَا انْدَمَلَ الْجُرْحُ اسْتَقَرَّ الضَّمَانُ، فَيُقَوَّمُ الصَّيْدُ حينئذٍ وَهُوَ صَحِيحٌ لَا جُرْحَ بِهِ، فَإِذَا قِيلَ: قِيمَتُهُ مِائَةُ دِرْهَمٍ قُوِّمَ وَهُوَ مَجْرُوحٌ قَدِ انْدَمَلَ جُرْحُهُ، فَإِذَا قِيلَ: تِسْعُونَ دِرْهَمًا عُلِمَ أَنَّهُ قَدْ نَقَصَ بِالْجِرَاحَةِ الْعُشْرَ، قَالَ الشَّافِعِيُّ: فَيَكُونُ عَلَيْهِ عُشْرُ ثَمَنِ شَاةٍ؛ لِأَنَّ الصَّيْدَ ظَبْيٌ، لَوْ قَتَلَهُ لَافْتَدَاهُ بشاةٍ، فَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا، فَكَانَ أبو إبراهيم المزني يقول: عليه عشر شَاةٍ، فَأَوْجَبَ الْمِثْلَ فِي الْجِرَاحِ كَمَا أَوْجَبَ الْمِثْلَ فِي النَّفْسِ، وَسَاعَدَهُ بَعْضُ أَصْحَابِنَا عَلَى ذَلِكَ؛ لِأَنَّ كُلَّ جُمْلَةٍ كَانَتْ مَضْمُونَةً بِالْمِثْلِ كانت إحداها مَضْمُونَةً بِالْمِثْلِ، كَالطَّعَامِ الْمَغْصُوبِ إِذَا أَتْلَفَ جَمِيعَهُ ضَمِنَهُ بِمِثْلِهِ، وَلَوْ أَتْلَفَ قَفِيزًا مِنْهُ ضَمِنَهُ بِمِثْلِهِ، وَكَانَ أَبُو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيُّ وَأَبُو عَلِيِّ ابْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ وَسَائِرُ أَصْحَابِنَا يَحْمِلُونَ كَلَامَ الشَّافِعِيِّ عَلَى ظَاهِرِهِ، وَيُوجِبُونَ عَلَيْهِ عُشْرَ ثَمَنِ شَاةٍ لِأَمْرَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ كُلَّ جُمْلَةٍ مَضْمُونَةٍ بِالْمِثْلِ كَانَ النَّقْصُ الدَّاخِلُ عَلَيْهَا بِالْجِنَايَةِ مَضْمُونًا بِالْأَرْشِ مِنَ الْقِيمَةِ دُونَ الْمِثْلِ كَالطَّعَامِ الْمَغْصُوبِ إِذَا بَلَّهُ بِالْمَاءِ، أَوْ قَلَاهُ بِالنَّارِ، ضَمِنَ أَرْشَ نَقْصٍ دُونَ الْمِثْلِ.
стр. 4238
وَالثَّانِي: أَنَّ فِي إِيجَابِ عُشْرِ شَاةٍ إِضْرَارًا بِهِ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَاجُ إِلَى شُرَكَاءَ فِي الشَّاةِ لِيَكُونَ شَرِيكِهِمْ فِيهَا بالعشر، فهذا متعذر، وإلى أَنْ يَهْدِيَ شَاةً كَامِلَةً؛ لِيَصِلَ عُشْرُهَا إِلَى الْمَسَاكِينِ، وَفِي ذَلِكَ إِضْرَارٌ، فَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَانِ الْمَذْهَبَانِ فَعَلَى مَذْهَبِ الْمُزَنِيِّ أَنْ يَكُونَ مُخَيَّرًا بَيْنَ ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ بَيْنَ أَنْ يَهْدِيَ عُشْرَ شَاةٍ، أَوْ يُخْرِجَ قِيمَةَ الْعُشْرِ طَعَامًا، أَوْ يكفر بعدل الطَّعَامِ صِيَامًا، وَعَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَظَاهِرِ نَصِّهِ يَكُونُ مُخَيَّرًا بَيْنَ أَرْبَعَةِ أَشْيَاءَ بَيْنَ عُشْرِ ثمن الشاة، وَبَيْنَ أَنْ يَهْدِيَ عُشْرَ شَاةٍ، وَبَيْنَ أَنْ يُخْرِجَ قِيمَةَ الْعُشْرِ طَعَامًا، وَبَيْنَ أَنْ يُكَفِّرَ عَدْلَ الطَّعَامِ صِيَامًا» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [الرَّوْضَةِ] (٣/ ١٦٠ - ١٦١):
«قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀ فِي "الْمُخْتَصَرِ": إِنْ جَرَحَ ظَبْيًا نَقَصَ عُشْرُ قِيمَتِهِ، فَعَلَيْهِ عُشْرُ قِيمَةِ شَاةٍ. وَقَالَ الْمُزَنِيُّ تَخْرِيجًا عَلَيْهِ: عُشْرُ شَاةٍ. قَالَ جُمْهُورُ الْأَصْحَابِ: الْحُكْمُ مَا قَالَهُ الْمُزَنِيُّ، وَإِنَّمَا ذَكَرَ الشَّافِعِيُّ الْقِيمَةَ؛ لِأَنَّهُ قَدْ لَا يَجِدُ شَرِيكًا فِي ذَبْحِ شَاةٍ، فَأَرْشَدَهُ إِلَى مَا هُوَ أَسْهَلُ، فَإِنَّ جَزَاءَ الصَّيْدِ عَلَى التَّخْيِيرِ. فَعَلَى هَذَا، هُوَ مُخَيَّرٌ، إِنْ شَاءَ أَخْرَجَ الْعُشْرَ، وَإِنْ شَاءَ صَرَفَ قِيمَتَهُ فِي طَعَامٍ وَتَصَدَّقَ بِهِ، وَإِنْ شَاءَ صَامَ عَنْ كُلِّ مُدٍّ يَوْمًا. وَمِنْهُمْ مَنْ جَرَى عَلَى ظَاهِرِ النَّصِّ، وَقَالَ: الْوَاجِبُ عُشْرُ الْقِيمَةِ. وَجَعَلَ فِي الْمَسْأَلَةِ قَوْلَيْنِ: الْمَنْصُوصُ، وَتَخْرِيجُ الْمُزَنِيِّ. فَعَلَى هَذَا إِذَا قُلْنَا بِالْمَنْصُوصِ، فَأَوْجُهٌ: أَصَحُّهَا: تَتَعَيَّنُ الصَّدَقَةُ بِالدَّرَاهِمِ. وَالثَّانِي، لَا تُجْزِئَهُ الدَّرَاهِمُ، بَلْ يَتَصَدَّقُ بِالطَّعَامِ، أَوْ يَصُومُ.
стр. 4239
وَالثَّالِثُ: يَتَخَيَّرُ بَيْنَ عُشْرِ الْمِثْلِ، وَبَيْنَ إِخْرَاجِ الدَّرَاهِمِ. وَالرَّابِعُ: إِنْ وَجَدَ شَرِيكًا فِي الدَّمِ، أَخْرَجَهُ وَلَمْ تُجْزِئْهُ الدَّرَاهِمُ، وَإِلَّا، أَجْزَأَتْهُ. هَذَا فِي الصَّيْدِ الْمِثْلِيِّ. وَأَمَّا غَيْرُ الْمِثْلِيِّ، فَالْوَاجِبُ مَا نَقَصَ مِنْ قِيمَتِهِ قَطْعًا.
قُلْتُ: لَوْ قَتَلَ نَعَامَةً فَأَرَادَ أَنْ يَعْدِلَ عَنِ الْبَدَنَةِ إِلَى بَقَرَةٍ، أَوْ سَبْعِ شِيَاهٍ، لَمْ يَجُزْ عَلَى الْأَصَحِّ ذَكَرَهُ فِي "الْبَحْرِ". وَاللَّهُ أَعْلَمُ» اهـ.
قُلْتُ: وظاهر قوله تعالى: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾. أنَّ الجزاء لا يكون إلَّا في مكة.
ولم يعين الله وقتاً لذبحه، فيشمل جميع الأوقات.
وظاهر قوله: ﴿هَدْيًا﴾. أنَّه لا يعطى فقراء الحرم إلَّا مذبوحاً؛ فإنَّ الهدي شأنَّه أن يذبح.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٧/ ٣٤٦):
«الفصل الثاني إذا اختار المثل، ذبحه، وتصدق به على مساكين الحرم؛ لأنَّ الله تعالى قال: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾.
ولا يجزئه أن يتصدق به حياً على المساكين؛ لأنَّ الله تعالى سماه هدياً، والهدي يجب ذبحه، وله ذبحه أي وقت شاء، ولا يختص ذلك بأيام النحر» اهـ.
قُلْتُ: وقوله: ﴿أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ﴾، فيه احتمالان:
الأول: أنَّ المثل يقدر بالدراهم، والدراهم بطعام يدفع للمساكين. وبه قال الشافعي، وأحمد.
стр. 4240
الآخر: أنَّ الصيد يقدر بالدراهم، والدراهم بطعام يدفع للمساكين. وبه قال مالك؛ لأنَّ التقويم إذا وجب لأجل الإتلاف، قوم المتلف، كالذي لا مثل له.
قُلْتُ: والصحيح الأول، لما رواه سعيد بن منصور في [سُنَنِه] (٨٣٢)، ومِنْ طَرِيْقِه البيهقي في [الْكُبْرَى] (٩٦٧٩) ثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ مِقْسَمٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة: ٩٥] قَالَ: «إِذَا أَصَابَ الْمُحْرِمُ الصَّيْدَ يُحْكَمُ عَلَيْهِ جَزَاؤُهُ، فَإِنْ كَانَ عِنْدَهُ جَزَاؤُهُ ذَبَحَهُ وَتَصَدَّقَ بِلَحْمِهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ جَزَاؤُهُ قُوِّمَ جَزَاؤُهُ دَرَاهِمَ، ثُمَّ قُوِّمَتِ الدَّرَاهِمُ طَعَامًا، فَصَامَ مَكَانَ كُلِّ نِصْفِ صَاعٍ يَوْمًا، وَإِنَّمَا أُرِيدَ بِالطَّعَامِ الصِّيَامُ أَنَّهُ إِذَا وَجَدَ الطَّعَامَ وَجَدَ جَزَاءَهُ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ فِي [شَرْحِ الْعُمْدَةِ] (٣/ ٣٢٢):
«ولا يعرف له في الصحابة مخالف» اهـ.
قُلْتُ: وهذا فيما له مثل، وأمَّا ما ليس له مثل فيقوم الصيد.
ولم يبين الله نوع الطعام، فيحمل على ما يقتاته أهل البلد.
ولم يبين الله مقدار ما يعطاه المسكين الواحد، فذهب الإمام مالك، والشافعي أنَّه يعطى كل مسكين مداً، وذهب أحمد إلى أنَّه يعطى كل مسكين نصف صاع، فيما عدا البر ففيه مد.
стр. 4241
قُلْتُ: والصحيح تقدير ذلك بنصف الصاع كما أفتى به ابن عباس كما مر.
ولم يبين الله مكان إخراج الطعام، وهو راجع إلى أصله وهو الهدي فلا يخرج في غير فقراء الحرم، وفقراء الحرم من كان فيه سواء من أهله، أو من غير أهله.
وهذا مذهب الشافعي، وأحمد، وهو الصحيح.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٧/ ٣٩٧):
«فصل: والطعام كالهدي، يختص بمساكين الحرم فيما يختص الهدي به.
وقال عطاء، والنخعي: ما كان من هدي فبمكة، وما كان من طعام وصيام فحيث شاء.
وهذا يقتضيه مذهب مالك، وأبي حنيفة ولنا، قول ابن عباس: الهدي والطعام بمكة، والصوم حيث شاء.
ولأنَّه نسك يتعدى نفعه إلى المساكين فاختص بالحرم، كالهدي» اهـ.
قُلْتُ: وإذا انتقل المفدي إلى الصيام جعل مقابل كل مسكين يوماً يصومه لقوله تعالى: ﴿أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾ [المائدة: ٩٥] فجعل الله عدل الإطعام صياماً ومقتضى ذلك أنَّ يصوم عن كل مسكين يوماً ككفارة الظهار والجماع في نهار رمضان.
стр. 4242
والصحيح أنَّه يجعل عن كل نصف صاع يوماً كما في أثر ابن عباس، وهو مذهب أبي حنيفة ورواية عن أحمد، ومذهب مالك والشافعي والرواية الأخرى عن أحمد عن كل مد يوماً.
١٤ - وفيه أنَّ لقطة الحرم لها شأن يخالف لقطة الحل وهي أنَّها لا تملك لآخذها بعد تعريفها سنة كاملة، وإنَّما يعرفها أبداً ولا يملكها بحال.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٣/ ٤٥٣ - ٤٥٤):
«وقوله ﷺ : "ولا يلتقط ساقطتها إلَّا من عرفها". وفى لفظ: "ولا تحل ساقطتها إلَّا لمنشد"، فيه دليل على أنَّ لقطة الحرم لا تملك بحال، وأنَّها لا تلتقط إلَّا للتعريف لا للتمليك، وإلَّا لم يكن لتخصيص مكة بذلك فائدة أصلاً، وقد اختلف في ذلك، فقال مالك وأبو حنيفة: لقطة الحل والحرم سواء، وهذا إحدى الروايتين عن أحمد، وأحد قولي الشافعي، ويروى عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وابن عباس، وعائشة ﵃، وقال أحمد في الرواية الأخرى، والشافعي في القول الآخر: لا يجوز التقاطها للتمليك، وإنَّما يجوز لحفظها لصاحبها، فإن التقطها، عرفها أبداً حتى يأتي صاحبها، وهذا قول عبد الرحمن بن مهدي، وأبي عبيد، وهذا هو الصحيح، والحديث صريح فيه، والمنشد: المعرف. والناشد: الطالب، ومنه قوله:
إصاخة الناشد للمنشد.
стр. 4243
وقد روى أبو داود في "سننه": أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ : "نهى عن لقطة الحاج"، وقال ابن وهب: يعنى يتركها حتى يجدها صاحبها.
قال شيخنا: وهذا من خصائص مكة، والفرق بينها وبين سائر الآفاق في ذلك، أنَّ الناس يتفرقون عنها إلى الأقطار المختلفة، فلا يتمكن صاحب الضالة من طلبها والسؤال عنها، بخلاف غيرها من البلاد» اهـ.
قُلْتُ: ولعل ذلك لأنَّ الحاج لا يعود إلى مكة إلَّا بعد سنين، فاحتيج إلى تطويل زمن التعريف من أجل ذلك. والله أعلم.
١٥ - وفيه النهي عن قطع خلى الحرم، والمراد به ما رطب من الكلاء. وأمَّا رعي الغنم في خلى الحرم فيجوز على الصحيح؛ لأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ومن معه ساقوا الهدي إلى الحرم، ولم يسدوا على أفواه الهدي، وما زال الرعاة يرعون في الحرم من غير نكير من النبي ﷺ ، ولا من الخلفاء من بعده.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٣/ ٤٥١ - ٤٥٢):
«وقوله ﷺ : "ولا يختلى خلاها" لا خلاف أنَّ المراد من ذلك ما ينبت بنفسه دون ما أنبته الآدميون، ولا يدخل اليابس في الحديث، بل هو للرطب خاصة، فإنَّ الخلى بالقصر: الحشيش الرطب ما دام رطباً، فإذا يبس، فهو حشيش، وأخلت الأرض، كثر خلاها، واختلاء الخلى: قطعه، ومنه الحديث: كان ابن عمر يختلى لفرسه، أي: يقطع لها الخلى، ومنه سميت المخلاة: وهى وعاء الخلى،
стр. 4244
والإذخر: مستثنى بالنص، وفى تخصيصه بالاستثناء دليل على إرادة العموم فيما سواه.
فإن قيل: فهل يتناول الحديث الرعي أم لا؟
قيل: هذا فيه قولان، أحدهما: لا يتناوله، فيجوز الرعي، وهذا قول الشافعي.
والثاني: يتناوله بمعناه، وإن لم يتناوله بلفظه، فلا يجوز الرعي، وهو مذهب أبى حنيفة، والقولان لأصحاب أحمد.
قال المحرمون: وأي فرق بين اختلائه وتقديمه للدابة، وبين إرسال الدابة عليه ترعاه؟
قال المبيحون: لما كانت عادة الهدايا أن تدخل الحرم، وتكثر فيه، ولم ينقل قط أنَّها كانت تسد أفواهها، دل على جواز الرعي.
قال المحرمون: الفرق بين أن يرسلها ترعى، ويسلطها على ذلك، وبين أن ترعى بطبعها من غير أن يسلطها صاحبها، وهو لا يجب عليه أن يسد أفواهها، كما لا يجب عليه أن يسد أنفه في الإحرام عن شم الطيب، وإن لم يجز له أن يتعمد شمه، وكذلك لا يجب عليه أن يمتنع من السير خشية أن يوطئ صيداً في طريقه، وإن لم يجز له أن يقصد ذلك، وكذلك نظائره. فإن قيل: فهل يدخل في الحديث أخذ الكمأة والفقع، وما كان مغيباً في الأرض؟
قيل: لا يدخل فيه، لأنَّه بمنزلة الثمرة، وقد قال أحمد: يؤكل من شجر الحرم الضغابيس والعشرق» اهـ.
стр. 4245
وقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٧/ ٣٢):
«وفي جواز رعيه وجهان؛ أحدهما، لا يجوز، وهو مذهب أبي حنيفة؛ لأنَّ ما حرم إتلافه، لم يجز أن يرسل عليه ما يتلفه، كالصيد.
والثاني، يجوز. وهو مذهب عطاء، والشافعي؛ لأنَّ الهدايا كانت تدخل الحرم، فتكثر فيه، فلم ينقل أنَّه كانت تسد أفواهها، ولأنَّ بهم حاجة إلى ذلك، أشبه قطع الإذخر» اهـ.
وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٤/ ٤٨):
«واستدل به على تحريم رعية لكونه أشد من الاحتشاش، وبه قال مالك والكوفيون واختاره الطبري، وقال الشافعي: لا بأس بالرعي لمصلحة البهائم وهو عمل الناس بخلاف الاحتشاش فإنَّه المنهي عنه فلا يتعدى ذلك إلى غيره» اهـ.
قُلْتُ: وقد جاء ما يدل على تحريم ما يبس من الكلأ أيضاً فيما رواه أبو أحمد الحاكم في [فَوَائِدِهِ] (٢٨) حدثنا أبو محمد يحيى بن محمد بن صاعد الهاشمي ببغداد، ثنا أبو إسحاق إبراهيم بن سلام مولى بني هاشم بمكة، ثنا عبد العزيز بن محمد يعني: الدراوردي، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ وقف على الحجون ثم قال: «إنَّك لخير أرض الله، ولولا أني لم أخرج عنك ما خرجت، وإنَّها لم تحل لأحدٍ كان قبلي ولم تحل لأحدٍ بعدي، وما
стр. 4246
أحلت لي إلَّا ساعة من نهارٍ، وهي ساعتي هذه، حرامٌ لا يعضد شجرها، ولا يحتش حشيشها، ولا تحل لقطتها إلَّا لمنشد»، وقال رجلٌ: يا رسول الله إلَّا الإذخر فإنَّه لقيوننا ولبيوتنا وقبورنا، فقال ﷺ : «إلَّا الإذخر».
قُلْتُ: وقد شذ بذكر الحشيش محمد بن عمرو، وهو الليثي، وخالف في ذلك يحيى بن أبي كثير، وحديثه في الصحيحين، وقد جاء الحديث أيضاً من طرق عن ابن عباس من غير ذكر الحشيش، وهذا هو المحفوظ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، والله أعلم.
وجاء أيضاً في حديث الحارث بن غزية عند أبي نعيم في [مَعْرِفَةِ الْصَحَابَةِ] (١٩٤٦)، لكن في إسناده إسحاق بن أبي فروة، وهو متروك الحديث.
ورواه ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٣٦٩٠٠) حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، وَيَحْيَى بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَاطِبٍ. به مرسلاً.
ورواه أبو طاهر المخلِّص في [الْمُخَلِّصِيَّاتِ] (٢٢٤) حدثنا يحيى قالَ: حدثنا إبراهيمُ بنُ سلَّامٍ مَولى بَني هاشمٍ أبو إسحاقَ بمكةَ قالَ: حدثنا عبدُ العزيزِ بنُ محمدٍ الدَّراورديُّ، عن محمدِ بنِ عَمرو، عن أبي سلمةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.
قُلْتُ: المحفوظ رواية يزيد بن هارون المرسلة.
١٦ - وفيه استثناء الإذخر مما يجوز قطعة لحاجة الناس إليه.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٤/ ٤٩):
стр. 4247
«والإذخر نبت معروف عند أهل مكة طيب الريح له أصل مندفن وقضبان دقاق ينبت في السهل والحزن. وبالمغرب صنف منه فيما قاله ابن البيطار. قال: والذي بمكة أجوده. وأهل مكة يسقفون به البيوت بين الخشب ويسدون به الخلل بين اللبنات في القبور ويستعملونه بدلاً من الحلفاء في الوقود، ولهذا قال العباس: فإنَّه لقينهم، وهو بفتح القاف وسكون التحتانية بعدها نون أي الحداد. وقال الطبري القين عند العرب كل ذي صناعة يعالجها بنفسه» اهـ.
١٧ - واستدل به على جواز الفصل بين المستثنى والمستثنى منه إذا لم ينتقل المتكلم إلى كلام آخر أو يفصله بسكوت طويل.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٤/ ٤٩):
«ومذهب الجمهور اشتراط الاتصال إمَّا لفظاً وإمَّا حكماً لجواز الفصل بالتنفس مثلاً» اهـ.
١٨ - ويدل الحديث على أنَّه لا يشترط في الاستثناء أن ينويه في أول الكلام، ولا قبل فراغه.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٣/ ٤٥٦ - ٤٥٧):
«وقوله ﷺ في الخطبة: "إلَّا الإذخر"، بعد قول العباس له: إلَّا الإذخر، يدل على مسألتين:
إحداهما: إباحة قطع الإذخر.
стр. 4248
والثانية: أنَّه لا يشترط في الاستثناء أن ينويه من أول الكلام، ولا قبل فراغه، لأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لو كان ناوياً لاستثناء الإذخر من أول كلامه، أو قبل تمامه، لم يتوقف استثناؤه له على سؤال العباس له ذلك، وإعلامه أنَّهم لا بد لهم منه لقينهم وبيوتهم، ونظير هذا استثناؤه ﷺ لسهيل ابن بيضاء من أسارى بدر بعد أن ذكره به ابن مسعود، فقال: "لا ينفلتن أحد منهم إلَّا بفداء أو ضربة عنق" فقال ابن مسعود: إلَّا سهيل ابن بيضاء، فإنِّي سمعته يذكر الإسلام، فقال: "إلَّا سهيل ابن بيضاء" ومن المعلوم أنَّه لم يكن قد نوى الاستثناء في الصورتين من أول كلامه.
ونظيره أيضاً قول الملك لسليمان لما قال: "لأطوفنَّ الليلة على مائة امرأة تلد كل امرأة غلاماً يقاتل في سبيل الله"، فقال له الملك: قل: إن شاء الله تعالى، فلم يقل، فقال النبي ﷺ : "لو قال: إن شاء الله تعالى، لقاتلوا في سبيل الله أجمعون"، وفي لفظ: "لكان دركاً لحاجته"، فأخبر أنَّ هذا الاستثناء لو وقع منه في هذه الحالة لنفعه، ومن يشترط النية يقول: لا ينفعه.
ونظير هذا قوله ﷺ : "والله لأغزونَّ قريشاً، والله لأغزون قريشاً" ثلاثاً، ثم سكت، ثم قال: "إن شاء الله"، فهذا استثناء بعد سكوت، وهو يتضمن إنشاء الاستثناء بعد الفراغ من الكلام والسكوت عليه، وقد نص أحمد على جوازه، وهو الصواب بلا ريب، والمصير إلى موجب هذه الأحاديث الصحيحة الصريحة أولى. وبالله التوفيق» اهـ.
стр. 4249
وَقَالَ شَيْخُهُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [الْاخْتِيَارِاتِ الْفِقْهِيَةِ] (٥٧٨): «وللعلماء في الاستثناء النافع قولان: أحدهما: لا ينفعه حتى ينويه قبل فراغ المستثنى منه، وهو قول الشافعي والقاضي أبي يعلى ومن تبعه.
والثاني: ينفعه وإن لم يرده إلَّا بعد الفراغ حتى لو قال له بعض الحاضرين قل إن شاء الله نفعه، وهذا هو مذهب أحمد الذي يدل عليه كلامه وعليه متقدموا أصحابه واختيار أبي محمد وغيره وهو مذهب مالك وهو الصواب» اهـ.
* * *
стр. 4250
بَابُ: مَا يَجُوْزُ قَتْلُهُ.
٢١٦ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ قَالَ:
«خَمْسٌ مِنْ الدَّوَابِّ كُلُّهُنَّ فَاسِقٌ، يُقْتَلْنَ فِي الْحَرَمِ: الْغُرَابُ، وَالْحِدَأَةُ، وَالْعَقْرَبُ، وَالْفَأْرَةُ، وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ».
وَلِمُسْلِمٍ: «يُقْتَلُ خَمْسٌ فَوَاسِقُ فِي الْحِلِّ وَالْحَرَمِ».
قُلْتُ: رواية مسلم ليست كما ذكر المؤلف، وإنَّما جاء عنده (١١٩٨) بلفظ: «خَمْسٌ فَوَاسِقُ، يُقْتَلْنَ فِي الْحِلِّ وَالْحَرَمِ».
وجاء عنده أيضاً: «أَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِقَتْلِ خَمْسِ فَوَاسِقَ فِي الْحِلِّ وَالْحَرَمِ».
والغراب سمي بذلك لسواده ومنه قول الله تعالى: ﴿وَغَرَابِيبُ سُودٌ﴾ [فاطر: ٢٧].
والحِدَأة بكسر الحاء، وبفتحها الفأس ذو الرأسين.
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
١ - جواز قتل هذه الحيوانات المذكورة في الحديث، في الحل، والحرم.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٧/ ١٠):
стр. 4251
«مسألة: قال: "وله أن يقتل الحدأة، والغراب، والفأرة، والعقرب، والكلب العقور، وكل ما عدا عليه، أو آذاه، ولا فداء عليه". هذا قول أكثر أهل العلم؛ منهم الثوري، والشافعي، وإسحاق، وأصحاب الرأي، وحكي عن النخعي أنَّه منع قتل الفأرة.
والحديث صريح في حل قتلها، فلا يعول على ما خالفه» اهـ.
٢ - وجاء تقييد الغراب بالأبقع، فيما رواه مسلم (١١٩٨) عَنْ عَائِشَةَ ﵂ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قَالَ: «خَمْسٌ فَوَاسِقُ، يُقْتَلْنَ فِي الْحِلِّ وَالْحَرَمِ: الْحَيَّةُ، وَالْغُرَابُ الْأَبْقَعُ، وَالْفَأْرَةُ، وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ، وَالْحُدَيَّا».
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٤/ ٣٨): «وهو الذي في ظهره أو بطنه بياض» اهـ.
قُلْتُ: وقد ذهب أكثر العلماء إلى أنَّ الحكم لا يختص به، وعدوه إلى سائر الغربان، واستثنوا منها غراب الزرع، الذي يقال له الزاغ، وهو أسود صغير، وقد يكون محمر المنقار والرجلين، وذلك لحل أكله، وقد اتفق الأئمة الأربعة على حل أكله.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٤/ ٣٨):
«وقد اتفق العلماء على إخراج الغراب الصغير الذي يأكل الحب من ذلك ويقال له غراب الزرع ويقال له الزاغ، وأفتوا بجواز أكله فبقي ما عداه من الغربان ملتحقاً
стр. 4252
بالأبقع، ومنها الغداف على الصحيح في "الروضة" بخلاف تصحيح الرافعي» اهـ.
وَقَالَ فِي [طَرْحِ الْتَثْرِيْبِ] (٥/ ٣٣٢): «فظهر بذلك أنَّ مذاهب الأئمة الأربعة متفقة على أنَّه يستثنى من الأمر بقتل الغراب غراب الزرع خاصة، فإمَّا أن يكونوا اعتمدوا التقييد الذي في حديث عائشة بالأبقع وألحقوا به ما في معناه في الأذى وأكل الجيف وهو الغداف، وإمَّا أن يكونوا أخذوا بالروايات المطلقة وجعلوا التقييد بالأبقع لغلبته لا لاختصاص الحكم به وأخرجوا عن ذلك غراب الزرع وهو الزاغ لحل أكله، فهو مستثنى بدليل منفصل والله أعلم» اهـ.
وَقَالَ ﵀ (٥/ ٦٦ - ٦٧):
«وَذَكَرَ أَصْحَابُنَا الشَّافِعِيَّةُ أَنَّ الْغُرَابَ أَرْبَعَةُ أَنْوَاعٍ:
أَحَدُهُمَا: الْأَبْقَعُ وَهُوَ فَاسِقٌ مُحَرَّمٌ بِلَا خِلَافٍ.
وَالثَّانِي: الْأَسْوَدُ الْكَبِيرُ وَيُقَالُ لَهُ الْغُدَافُ الْكَبِيرُ وَيُقَالُ لَهُ الْغُرَابُ الْجَبَلِيُّ لِأَنَّهُ يَسْكُنُ الْجِبَالَ.
وَالثَّالِثُ: غُرَابٌ صَغِيرٌ أَسْوَدُ أَوْ رَمَادِيُّ اللَّوْنِ وَقَدْ يُقَالُ لَهُ الْغُدَافُ الصَّغِيرُ وَالْأَصَحُّ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا التَّحْرِيمُ.
وَالرَّابِعُ: غُرَابُ الزَّرْعِ وَهُوَ أَسْوَدُ صَغِيرٌ يُقَالُ لَهُ الزَّاغُ وَقَدْ يَكُونُ مُحْمَرَّ الْمِنْقَارِ وَالرِّجْلَيْنِ وَهُوَ حَلَالٌ عَلَى الْأَصَحِّ وَمُقْتَضَى ذَلِكَ شُمُولُ الْحَدِيثِ لِلْكُلِّ إلَّا غُرَابَ الزَّرْعِ لِأَنَّهُ مَأْكُولٌ فَهُوَ مُوَافِقٌ لِلْحَنَابِلَةِ فِي عَدَمِ الِاقْتِصَارِ عَلَى الْأَبْقَعِ وَيُوَافِقُ أَيْضًا
стр. 4253
مَذْهَبَ مَالِكٍ الَّذِي حَكَاهُ عَنْهُ الْخَطَّابِيُّ فِي اسْتِثْنَاءِ الْغُرَابِ الصَّغِيرِ الَّذِي يَأْكُلُ الْحَبَّ وَقَالَ الْحَنَفِيَّةُ -وَهَذِهِ عِبَارَةُ صَاحِبِ الْهِدَايَةِ مِنْهُمْ-:
وَالْمُرَادُ بِالْغُرَابِ الَّذِي يَأْكُلُ الْجِيَفَ وَيَخْلِطُ لِأَنَّهُ يَبْتَدِئُ بِالْأَذَى أَمَّا الْعَقْعَقُ غَيْرُ مُسْتَثْنًى لِأَنَّهُ لَا يُسَمَّى غُرَابًا وَلَا يَبْتَدِئُ بِالْأَذَى وَقَالَ فِيمَا يَحِلُّ أَكْلُهُ وَمَا لَا يَحِلُّ وَلَا بَأْسَ بِغُرَابِ الزَّرْعِ لِأَنَّهُ يَأْكُلُ الْحَبَّ وَلَيْسَ مِنْ سِبَاعِ الطَّيْرِ وَلَا يُؤْكَلُ الْأَبْقَعُ الَّذِي يَأْكُلُ الْجِيَفَ وَكَذَا الْغُدَافُ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَا بَأْسَ بِأَكْلِ الْعَقْعَقِ لِأَنَّهُ يَخْلِطُ فَأَشْبَهَ الدَّجَاجَةَ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ يُكْرَهُ لِأَنَّ غَالِبُ أَكْلِهِ الْجِيَفُ انْتَهَى.
فَظَهَرَ بِذَلِكَ أَنَّ مَذَاهِبَ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ مُتَّفِقَةٌ عَلَى أَنَّهُ يُسْتَثْنَى مِنْ الْأَمْرِ بِقَتْلِ الْغُرَابِ غُرَابُ الزَّرْعِ خَاصَّةً فَأَمَّا أَنْ يَكُونُوا اعْتَمَدُوا التَّقْيِيدَ الَّذِي فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ بِالْأَبْقَعِ وَأَلْحَقُوا بِهِ مَا فِي مَعْنَاهُ فِي الْأَذَى وَأَكْلِ الْجِيَفِ وَهُوَ الْغُدَافُ وَإِمَّا أَنْ يَكُونُوا أَخَذُوا بِالرِّوَايَاتِ الْمُطْلَقَةِ وَجَعَلُوا التَّقْيِيدَ بِالْأَبْقَعِ لِغَلَبَتِهِ لَا لِاخْتِصَاصِ الْحُكْمِ بِهِ وَأَخْرَجُوا عَنْ ذَلِكَ غُرَابَ الزَّرْعِ وَهُوَ الزَّاغُ لِحِلِّ أَكْلِهِ فَهُوَ مُسْتَثْنًى بِدَلِيلٍ مُنْفَصِلٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ» اهـ.
قُلْتُ: وقد أخذ بقيد "الأبقع" الحافظ ابن خزيمة ﵀ فقد قال في [صَحِيْحِهِ] (٤/ ١٩١): «باب ذكر الخبر المفسر للفظة المجملة التي ذكرتها في بعض ما أبيح قتله للمحرم، والدليل على أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ إنَّما أباح للمحرم قتل
стр. 4254
بعض الغربان لا كلها، وإنَّه إنَّما أباح قتل الأبقع منها دون ما سواه من الغربان» اهـ.
وقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٧/ ١٠):
«ولنا، ما روت عائشة؛ قالت: "أمر رسول الله ﷺ بقتل خمس فواسق في الحل والحرم: الحدأة، والغراب، والفأرة، والعقرب، والكلب العقور".
وعَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ قال: "خمس من الدواب، ليس على المحرم جناح في قتلهن". وذكر مثل حديث عائشة. متفق عليه.
وفي لفظ لمسلم، في حديث ابن عمر: "خمس لا جناح على من قتلهن في الحرم والإحرام".
وهذا عام في الغراب، وهو أصح من الحديث الآخر.
ولأنَّ غراب البين محرم الأكل، يعدو على أموال الناس، فلا وجه لإخراجه من العموم.
وفارق ما أبيح أكله، فإنَّه مباح ليس هو في معنى ما أبيح قتله، فلا يلزم من تخصيصه تخصيص ما ليس في معناه» اهـ.
قُلْتُ: غراب البين هو الأبقع.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٤/ ٣٨):
стр. 4255
«وسمى ابن قُدَامَةَ الْغُدَافَ غُرَابَ الْبَيْنِ وَالْمَعْرُوفُ عِنْدَ أَهْلِ اللُّغَةِ أَنَّهُ الْأَبْقَعُ قِيلَ سُمِّيَ غُرَابُ الْبَيْنِ لِأَنَّهُ بَانَ عَنْ نُوحٍ لَمَّا أَرْسَلَهُ مِنَ السَّفِينَةِ لِيَكْشِفَ خَبَرَ الْأَرْضِ فَلَقِيَ جِيفَةً فَوَقَعَ عَلَيْهَا وَلَمْ يَرْجِعْ إِلَى نُوحٍ» اهـ.
وَقَالَ الْجَاحِظُ فِي [الْحَيِوَانِ] (٢/ ٤١٨):
«إنَّما لزمه هذا الاسم لأنَّ الغراب إذا بان أهل الدّار للنَّجعة، وقع في مرابض بيوتهم يلتمس ويتقمَّم، فيتشاءمون به ويتطيّرون منه، إذ كان لا يعتري منازلهم إلَّا إذا بانوا، فسمُّوه غراب البين» اهـ.
قُلْتُ: في أكثر الروايات تعدي الحكم إلى غير الأبقع، لمشاركة غير الأبقع له في المفسدة التي من أجلها أحل قتل الأبقع، ولعل هذا الوصف من الأوصاف الخارجة مخرج الغالب فلا مفهوم لها.
٣ - وفي الحديث تقييد الكلب بكونه عقوراً، والعقر الجرح.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٤/ ٢٥٢):
«واتفق العلماء على جواز قتل الكلب العقور للمحرم والحلال في الحل والحرم، واختلفوا في المراد به، فقيل: هذا الكلب المعروف خاصة، حكاه القاضي عن الأوزاعي وأبي حنيفة والحسن بن صالح، وألحقوا به الذئب، وحمل زفر معنى الكلب على الذئب وحده، وقال جمهور العلماء: ليس المراد بالكلب العقور تخصيص هذا الكلب المعروف، بل المراد هو كل عاد مفترس غالباً كالسبع والنمر
стр. 4256
والذئب والفهد ونحوها، وهذا قول زيد بن أسلم وسفيان الثوري وابن عيينة والشافعي وأحمد وغيرهم، وحكاه القاضي عياض عنهم وعن جمهور العلماء ومعنى "العقور" و"العاقر": الجارح» اهـ.
وقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٧/ ١١):
«قال مالك: الكلب العقور، ما عقر الناس وعدا عليهم، مثل الأسد والنمر والفهد والذئب.
فعلى هذا يباح قتل كل ما فيه أذى للناس في أنفسهم أو في أموالهم، مثل سباع البهائم كلها، المحرم أكلها، وجوارح الطير، كالبازي، والعقاب، والصقر، والشاهين، ونحوها، والحشرات المؤذية، والزنبور، والبق، والبعوض، والبراغيث، والذباب.
وبهذا قال الشافعي.
وقال أصحاب الرأي: يقتل ما جاء في الخبر، والذئب، قياساً عليه.
ولنا، أنَّ الخبر نص من كل جنس على صورة من أدناه، تنبيها على ما هو أعلى منها، ودلالة على ما كان في معناها، فنصه على الحدأة والغراب تنبيه على البازي ونحوه، وعلى الفأرة تنبيه على الحشرات، وعلى العقرب تنبيه على الحية، وعلى الكلب العقور تنبيه على السباع التي هي أعلى منه» اهـ.
قُلْتُ: ومما احتج به العلماء على أنَّ الكلب يطلق على سائر السباع، ما رواه الحاكم في [الْمُسْتَدْرَكِ] (٣٩٨٤)، والبغوي في [مُعْجَمِ الصَّحَابَةِ] (٢١٤١)، والبيهقي
стр. 4257
في [دَلَائَلِ النُّبُوَةِ] (٢/ ٣٣٨)، وأبو نعيم في [مَعْرِفَةِ الصَّحَابَةِ] (٥٤٦٥، ٦٣٠٦) مِنْ طَرِيْقِ الْعَبَّاسِ بْنِ الْفَضْلِ الْأَنْصَارِيُّ، ثنا الْأَسْوَدُ بْنُ شَيْبَانَ، عَنْ أَبِي نَوْفَلِ بْنِ أَبِي عَقْرَبٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: كَانَ لَهَبُ بْنُ أَبِي لَهَبٍ يَسُبُّ النَّبِيَّ ﷺ ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «اللَّهُمَّ سَلِّطْ عَلَيْهِ كَلْبَكَ» فَخَرَجَ فِي قَافِلَةٍ يُرِيدُ الشَّامَ فَنَزَلَ مَنْزِلًا، فَقَالَ: إِنِّي أَخَافُ دَعْوَةَ مُحَمَّدٍ ﷺ قَالُوا لَهُ: كَلَّا، فَحَطُّوا مَتَاعَهُمْ حَوْلَهُ وَقَعَدُوا يَحْرُسُونَهُ فَجَاءَ الْأَسَدُ فَانْتَزَعَهُ فَذَهَبَ بِهِ.
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ ضَعِيْفٌ جِدًّا فيه عباس بن الفضل الأزرق، قَالَ فِيْهِ الْبُخَارِيُّ ﵀ فِي [التَّارِيْخِ الْكَبِيْرِ] (٧/ ٥): «ذهب حديثه» اهـ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ ﵀ فِي [الْجَرْحِ وَالْتَعْدِيْلِ] (٦/ ٢١٣): «وسمعت أبي يقول ذهب حديثه، وترك أبو زرعة حديثه ولم يقرأه علينا» اهـ.
وذكر العقيلي ﵀ في [الْضُعَفَاءِ] (٣/ ٣٦١) عن أَحْمَدَ بْنِ أَصْرَمَ الْمُزَنِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ، وَسُئِلَ، عَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ الْفَضْلِ الْأَنْصَارِيِّ، فَقَالَ: «رَوَى حَدِيثًا، شَبِيهًا بِالْمَوْضُوعِ وَضَعَّفَهُ بِهِ، وَلَمْ يَحْمَدْهُ».
وعن ابن معين أنَّه قال فيه: «لَيْسَ بِثِقَةٍ». وعن البخاري أنَّه قال فيه: «مُنْكَرُ الْحَدِيثِ».
ورواه ابن قانع في [مُعْجَمِ الْصَحَابَةِ] (١١٨٨) فِي كِتَابِي بِخَطِّي عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْفَرَجِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ السَّوَّاقِ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْعُقَيْلِيِّ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ
стр. 4258
سَلَمَةَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ هَبَّارِ بْنِ الْأَسْوَدِ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾ [النجم: ٢] حَتَّى انْتَهَى إِلَى: ﴿دَنَا فَتَدَلَّى﴾ [النجم: ٨] قَالَ عُتْبَةُ بْنُ أَبِي لَهَبٍ: أَنَا أَكْفُرُ بِالَّذِي دَنَا فَتَدَلَّى فَقَالَ: يَعْنِي النَّبِيَّ ﷺ : «اللَّهُمَّ سَلِّطْ عَلَيْهِ كَلْبًا مِنْ كِلَابِكَ» فَخَرَجَ إِلَى الشَّامِ فَخَرَجَ عَلَيْهِ الْأَسَدُ فَافْتَرَسَهُ.
قُلْتُ: داود بن إبراهيم العقيلي، قال فيه الأزدي: مجهول كذاب.
وروى الدولابي في [الذُّرِيَّةِ الطَّاهِرَةِ] (٧٧) حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ يَعْقُوبَ بْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ حُدِّثْتُ عَنْ سَلَمَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ زِيَادِ بْنِ أَبِي زِيَادٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ، وَعُثْمَانَ بْنِ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، قَالَا: كَانَتْ زَيْنَبُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عِنْدَ عُتْبَةَ بْنِ أَبِي لَهَبٍ فَطَلَّقَهَا فَلَمَّا أَرَادَ الْخُرُوجَ إِلَى الشَّامِ قَالَ: لَآتِيَنَّ مُحَمَّدًا فَلَأُوذِيَنَّهُ، فَأَتَاهُ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ هُوَ يُكْفُرُ بِالَّذِي دَنَا فَتَدَلَّى فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى ثُمَّ قَفَلَ وَرَدَّ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ابْنَتَهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «اللَّهُمَّ سَلِّطْ عَلَيْهِ كَلْبًا مِنْ كِلَابِكَ»، وَأَبُو طَالِبٍ حَاضِرٌ فَوَجَمَ لَهَا فَقَالَ: مَا كَانَ أَغْنَاكَ عَنْ دَعْوَةِ ابْنِ أَخِي ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الشَّامِ فَنَزَلَ مَنْزِلًا فَأَشْرَفَ عَلَيْهِمْ رَاهِبٌ مِنَ الدَّيْرِ فَقَالَ: أَرْضُ مَسْبَعٍ فَقَالَ أَبُو لَهَبٍ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ أَعِينُوا بِهَذِهِ اللَّيْلَةِ فَإِنِّي أَخَافُ دَعْوَةَ مُحَمَّدٍ فَجَمَعُوا أَحْمَالَهُمْ فَفَرَشُوا لِعُتْبَةَ فِي
стр. 4259
أَعْلَاهَا وَنَامُوا حَوْلَهُ فَجَاءَ الْأَسَدُ فَجَعَلَ يَتَشَمَّمُ وُجُوهَهُمْ ثُمَّ ثَنَّى ذَنْبَهُ فَوَثَبَ فَضَرَبَهُ ضَرْبَةً وَاحِدَةً فَخَدَشَهُ فَقَالَ: قَتَلَنِي وَمَاتَ.
قُلْتُ: هَذَا مُرْسَلٌ ضَعِيْفٌ لم يسمِّ إبراهيم بن يعقوب من حدثه، وفيه ابن إسحاق مدلس، وقد عنعن.
ورواه أبو نعيم في [دَلَائَلِ النُّبُوَةِ] (٣٦٩)، وابن عساكر في [تَارِيْخِ دِمَشْق] (٣٨/ ٣٠١ - ٣٠٢) من طريق مُحَمَّدِ بْنِ حُمَيْدٍ ثنا سَلَمَةُ بْنُ الْفَضْلِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ هَبَّارِ بْنِ الْأَسْوَدِ قَالَ: فذكره.
قُلْتُ: هكذا وصله محمد بن حميد وهو ممن لا يعتمد عليه، وقد كذبه النسائي، وابن وارة.
فالذي يظهر لي عدم ثبوت هذا الحديث.
وتقييد الكلب بالعقور يقتضي أنَّ من لم يكن كذلك من سائر الكلاب والسباع لا يدخل في حل قتله. والله أعلم.
٤ - ويلحق بهذه المذكورات غيرها بجامع الأذى فما كان من الحيوانات مؤذياً بطبعه فله حكمها، وهذه الخمس سماهن النبي ﷺ فواسق لخروجهن عن سائر الحيوان بالأذية والعدوان. والفسق في اللغة الخروج.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ في [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٤/ ٢٥٢):
стр. 4260
«واتفقوا على أنَّه يجوز للمحرم أن يقتل ما في معناهن، ثم اختلفوا في المعنى فيهن، وما يكون في معناهن، فقال الشافعي: المعنى في جواز قتلهن كونهن مما لا يؤكل، وكل ما لا يؤكل ولا هو متولد من مأكول وغيره فقتله جائز للمحرم، ولا فدية عليه، وقال مالك: المعنى فيهن كونهن مؤذيات، فكل مؤذ يجوز للمحرم قتله، وما لا فلا» اهـ.
وقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ فِي [شَرْحِ الْعُمْدَةِ] (٣/ ١٣٩):
«فذكر النبي ﷺ ما يؤذي الناس في أنفسهم وأموالهم وسماهن فواسق لخروجهن على الناس.
ولم يكن قوله: "خمس" على سبيل الحصر لأنَّ في أحد الحديثين ذكر الحية، وفي الآخر ذكر العقرب، وفي آخر ذكرها وذكر السبع العادي، فعلم أنَّه قصد بيان ما تمس الحاجة إليه كثيراً وهو هذه الدواب وعلل ذلك بفسوقها؛ لأنَّ تعليق الحكم بالاسم المشتق المناسب يقتضي أنَّ ما منه الاشتقاق علة للحكم فحيث ما وجدت دابة فاسقة وهي التي تضر الناس وتؤذيهم جاز قتلها» اهـ.
وَقَالَ ﵀ (٣/ ١٤٠ - ١٤٩):
«فَأَمَّا مَا هُوَ مُضِرٌّ فِي الْجُمْلَةِ لَكِنْ لَيْسَ مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يَبْتَدِئَ النَّاسَ بِالْأَذَى فِي مَسَاكِنِهِمْ وَمَوَاضِعِهِمْ، وَإِنَّمَا إِذَا اجْتَمَعَ بِالنَّاسِ فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ، أَوْ أَتَاهُ النَّاسُ آذَاهُمْ، مِثْلَ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ وَكُلِّ ذِي مِخْلَبٍ مِنَ الطَّيْرِ، مِثْلِ الْأَسَدِ،
стр. 4261
وَالنَّمِرِ، وَالذِّئْبِ، وَالدُّبِّ، وَالْفَهْدِ، وَالْبَازِي، وَالصَّقْرِ، وَالشَّاهِينِ، وَالْبَاشِقِ، فَهَذَا كَالْقِسْمِ الْأَوَّلِ، وَالْمَشْهُورُ عِنْدَ أَصْحَابِنَا الْمُتَأَخِّرِينَ مِثْلِ الْقَاضِي وَمَنْ بَعْدَهُ.
وَقَدْ نَصَّ - فِي رِوَايَةِ أَبِي الْحَارِثِ - عَلَى أَنَّهُ يَقْتُلُ السَّبُعَ عَدَا عَلَيْهِ، أَوْ لَمْ يَعْدُ، وَكَذَلِكَ ذَكَرَ أَبُو بَكْرٍ وَغَيْرُهُ قَالُوا: لِأَنَّ اللَّهَ إِنَّمَا حَرَّمَ قَتْلَ الصَّيْدِ، وَالصَّيْدُ اسْمٌ لِلْمُبَاحِ كَمَا تَقَدَّمَ; لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَبَاحَ قَتْلَ السَّبُعِ الْعَادِي، وَالْعَادِي صِفَةٌ لِلسَّبُعِ سَوَاءٌ وُجِدَ مِنْهُ الْعُدْوَانُ، أَوْ لَمْ يُوجَدْ. كَمَا قَالَ: الْكَلْبُ الْعَقُورُ، وَكَمَا يُقَالُ: السَّيْفُ قَاطِعٌ، وَالْخُبْزُ مُشْبِعٌ، وَالْمَاءُ مُرْوٍ; لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ فَرْقٌ بَيْنَ السَّبُعِ وَبَيْنَ الصَّيْدِ، فَإِنَّ الصَّيْدَ إِذَا عَدَا عَلَيْهِ فَإِنَّهُ يَقْتُلُهُ، قَالُوا: وَلِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ذَكَرَ مِنْ كُلِّ جِنْسٍ أَدْنَاهُ ضَرَرًا لِيُنَبِّهَ بِإِبَاحَةِ قَتْلِهِ عَلَى إِبَاحَةِ مَا هُوَ أَعْلَى مِنْهُ ضَرَرًا، فَنَصَّ عَلَى الْفَأْرَةِ تَنْبِيهًا عَلَى مَا هُوَ أَكْبَرُ مِنْهَا مِنَ الْحَشَرَاتِ، وَذَكَرَ الْغُرَابَ تَنْبِيهًا بِهِ عَلَى مَا هُوَ أَكْبَرُ مِنْهُ مِنَ الْجَوَارِحِ، وَذَكَرَ الْكَلْبَ الْعَقُورَ، وَهُوَ أَدْنَى السِّبَاعِ تَنْبِيهًا بِهِ عَلَى سَائِرِ السِّبَاعِ.
قَالُوا: وَفَحْوَى الْخِطَابِ تَنْبِيهُهُ الَّذِي هُوَ مَفْهُومُ الْمُوَافَقَةِ أَقْوَى مِنْ دَلِيلِهِ الَّذِي هُوَ مَفْهُومُ الْمُخَالَفَةِ، وَرُبَّمَا قَالُوا: الْكَلْبُ الْعَقُورُ اسْمٌ لِجَمِيعِ السِّبَاعِ; لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ فِي دُعَائِهِ عَلَى عُتْبَةَ بْنِ أَبِي لَهَبٍ: "اللَّهُمَّ سَلِّطْ عَلَيْهِ كَلْبًا مِنْ كِلَابِكَ"، فَأَكَلَهُ السَّبُعُ.
стр. 4262
وَعَنْهُ رِوَايَةٌ أُخْرَى: أَنَّهُ إِنَّمَا يُقْتَلُ إِذَا عَدَا عَلَيْهِ بِالْفِعْلِ، فَإِذَا لَمْ يَعْدُ فَلَا يَنْبَغِي قَتْلُهُ; لِأَنَّهُ قَالَ - فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ -: فَإِنْ قَتَلَ شَيْئًا مِنْ هَذِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ تَعْدُوَ عَلَيْهِ فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ وَلَا يَنْبَغِي لَهُ.
وَقَالَ أَيْضًا -: يَقْتُلُ مَا عَدَا عَلَيْهِ مِنَ السِّبَاعِ وَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ.
فَخَصَّ قَتْلَهُ بِمَا إِذَا عَدَا عَلَيْهِ أَوْ بِمَا إِذَا عَدَا فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى، وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا يَقْتُلُهُ إِذَا لَمْ يَعْدُ. وَلَوْ أَرَادَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: أَنَّ الْعُدْوَانَ صِفَةٌ لَازِمَةٌ لِلسَّبُعِ لَمْ يَقُلْ: كُلُّ مَا عَدَا مِنَ السِّبَاعِ، فَإِنَّ جَمِيعَ السِّبَاعِ عَادِيَةٌ بِمَعْنَى أَنَّهَا تَفْتَرِسُ وَلِذَلِكَ حَرُمَ أَكْلُهَا، فَعُلِمَ أَنَّهُ أَرَادَ عُدْوَانًا تُنْشِئُهُ وَتَفْعَلُهُ، فَلَا تُقْصَدُ فِي مَوَاضِعِهَا وَمَسَاكِنِهَا فَتُقْتَلُ، إِلَّا أَنْ يُقْصَدَ مَا مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يَعْدُوَ عَلَى بَنِي آدَمَ كَالْأَسَدِ، فَيُقْتَلُ الَّذِي مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يَعْدُوَ دُونَ أَوْلَادِهَا الصِّغَارِ، وَدُونَ مَا لَا يَعْدُو عَلَى النَّاسِ. وَهَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ، فَيُنْظَرُ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ; لِأَنَّهُ قَالَ: يَقْتُلُ السَّبُعَ مُطْلَقًا.
وَقَالَ - فِي رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ -: وَيُقْتَلُ الْحَيَّةُ وَالْعَقْرَبُ وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ، وَكُلُّ سَبُعٍ عَدَا عَلَيْكَ أَوْ عَقَرَكَ.
فَنَصَّ عَلَى أَنَّ الْمَقْتُولَ مِنَ السِّبَاعِ هُوَ الَّذِي يَعْدُو عَلَى الْمُحْرِمِ وَيُرِيدُ عَقْرَهُ، وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ أَصَحُّ إِنْ شَاءَ اللَّهُ وَهِيَ اخْتِيَارُ .... لِوُجُوهٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَوْ أَرَادَ بِهَذَا الْحَدِيثِ الْإِذْنَ فِي قَتْلِ كُلِّ مَا لَا يُؤْكَلُ لَقَالَ: يَقْتُلُ كُلَّ مَا لَا يُؤْكَلُ، وَيَقْتُلُ كُلَّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ وَكُلَّ ذِي مِخْلَبٍ مِنَ الطَّيْرِ، فَإِنَّهُ ﷺ كَانَ قَدْ أُوتِيَ جَوَامِعَ الْكَلِمِ، أَلَا
стр. 4263
تَرَاهُ لَمَّا أَرَادَ النَّهْيَ عَنْهَا قَالَ: "كُلُّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ حَرَامٌ". وَلَمْ يُعَدِّدْ أَنْوَاعًا مِنْهَا.
الثَّانِي: أَنَّهُ سُئِلَ عَمَّا يَقْتُلُ الْمُحْرِمُ مِنَ الدَّوَابِّ.
الثَّالِثُ: أَنَّهُ عَلَّلَ الْحُكْمَ بِأَنَّهُنَّ فَوَاسِقُ، وَالْفَاسِقُ هُوَ الَّذِي يَخْرُجُ عَلَى غَيْرِهِ ابْتِدَاءً بِأَنْ يَقْصِدَهُ فِي مَوْضِعِهِ، أَمَّا مَنْ لَا يَخْرُجُ حَتَّى يُقْصَدَ فِي مَوْضِعِهِ فَلَيْسَ بِفَاسِقٍ.
الرَّابِعُ: أَنَّهُ خَصَّ الْكَلْبَ الْعَقُورَ، وَلَوْ قَصَدَ مَا لَا يُؤْكَلُ، أَوْ مَا هُوَ سَبُعٌ فِي الْجُمْلَةِ لَمْ يَخُصَّ الْعَقُورَ مِنْ غَيْرِهِ، فَإِنَّ الْكَلْبَ سَبُعٌ مِنَ السِّبَاعِ، وَأَكْلُهُ حَرَامٌ.
الْخَامِسُ: أَنَّهُ ذَكَرَ مِنَ الدَّوَابِّ وَالطَّيْرِ مَا يَأْتِي النَّاسَ فِي مَوَاضِعِهِمْ، وَيَعُمُّ بَلْوَاهُمْ بِهِ بِحَيْثُ لَا يُمْكِنُهُمُ الِاحْتِرَازُ مِنْهُ فِي الْغَالِبِ إِلَّا بِقَتْلِهِ، مِثْلُ الْحُدَيَّا، وَالْغُرَابِ، وَالْحَيَّةِ، وَالْعَقْرَبِ. وَمَعْلُومٌ أَنَّ هَذَا وَصْفٌ مُنَاسِبٌ لِلْحُكْمِ فَلَا يَجُوزُ إِهْدَارُهُ عَنِ الِاعْتِبَارِ، وَإِثْبَاتُ الْحُكْمِ بِدُونِهِ إِلَّا بِنَصٍّ آخَرَ.
السَّادِسُ: أَنَّهُ قَالَ: وَالسَّبُعُ الْعَادِي، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْعُدْوَانُ صِفَةً لَازِمَةً، بَلْ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِهِ السَّبُعَ الَّذِي يَعْتَدِي، أَوِ السَّبُعَ إِذَا اعْتَدَى وَنَحْوَ ذَلِكَ أَوِ السَّبُعَ الَّذِي مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يَعْتَدِيَ عَلَى النَّاسِ فَيَأْتِيَهُمْ فِي أَمَاكِنِهِمْ، وَنَحْوَ ذَلِكَ. كَمَا يُقَالُ: الرَّجُلُ الظَّالِمُ، كَمَا قَالَ: الْكَلْبُ الْعَقُورُ، فَكَانَ ذَلِكَ نَوْعًا خَاصًّا مِنَ الْكِلَابِ; فَلِذَلِكَ هَذَا يَجِبُ أَنْ يَكُونَ نَوْعًا خَاصًّا مِنَ السِّبَاعِ لِوُجُوهٍ:
стр. 4264
أَحَدُهَا: أَنَّهُ لَوْ كَانَ الْمُرَادُ بِهِ الْعُدْوَانَ الَّذِي فِي طِبَاعِ السِّبَاعِ وَهُوَ كَوْنُهُ يَفْتَرِسُ غَيْرَهُ مِنَ الْحَيَوَانِ لَكَانَتْ جَمِيعُ السِّبَاعِ عَادِيَةً بِهَذَا الِاعْتِبَارِ فَتَبْقَى الصِّفَةُ ضَائِعَةً، وَهَذَا وَإِنْ كَانَ قَدْ يَأْتِي لِلتَّوْكِيدِ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ، لَكِنَّ الْأَصْلَ فِيهِ التَّقْيِيدُ لَا سِيَّمَا وَهُوَ لَمْ يَذْكُرْ ذَلِكَ فِي الْحَيَّةِ وَالْعَقْرَبِ مَعَ أَنَّ الْعُدْوَانَ صِفَةٌ لَازِمَةٌ لَهُمَا، فَعُلِمَ أَنَّهُ أَرَادَ صِفَةً تَخُصُّ بَعْضَ السِّبَاعِ.
الثَّانِي: أَنَّ الْأَصْلَ فِي الصِّفَاتِ أَنْ تَكُونَ لِتَمْيِيزِ الْمَوْصُوفِ مِمَّا شَارَكَهُ فِي الِاسْمِ وَتَقْيِيدِ الْحُكْمِ بِهَا، وَقَدْ تَجِيءُ لِبَيَانِ حَالِ الْمَوْصُوفِ وَإِظْهَارِهِ وَإِيضَاحِهِ، لَكِنَّ هَذَا خِلَافٌ لِلْأَصْلِ، وَإِنَّمَا يَكُونُ إِذَا كَانَ فِي إِظْهَارِ الصِّفَةِ فَائِدَةٌ مِنْ مَدْحٍ أَوْ ذَمٍّ أَوْ تَنْبِيهٍ عَلَى شَيْءٍ خَفِيٍّ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ وَهُنَا قَالَ: الْعَادِي، فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْعَادِي تَقْيِيدًا لِلسَّبُعِ أَوْ إِخْرَاجًا لِلسَّبُعِ الَّذِي لَيْسَ بِعَادٍ، إِذْ إِرَادَةُ عُدْوَانٍ لَازِمٍ: مُخَالِفٌ لِلْأَصْلِ، ثُمَّ ذَلِكَ الْعُدْوَانُ الطَّبِيعِيُّ مَعْلُومٌ بِنَفْسِ قَوْلِهِ: سَبُعٌ، فَلَا فَائِدَةَ فِي ذِكْرِهِ.
الثَّالِثُ: أَنَّ الْعُدْوَانَ الَّذِي هُوَ فِعْلُ السَّبُعِ مَعْلُومٌ قَطْعًا، وَالْعُدْوَانُ الَّذِي هُوَ طَبْعُهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُرَادًا، وَيَجُوزُ أَنْ لَا يَكُونَ مُرَادًا فَلَا يَثْبُتُ بِالشَّكِّ.
السَّابِعُ: أَنَّ كَثِيرًا مِنَ الدَّوَابِّ قَدْ نُهِيَ عَنْ قَتْلِهَا فِي الْإِحْلَالِ، مِثْلُ الضِّفْدَعِ، وَالنَّمْلَةِ، وَالنَّحْلَةِ، وَالْهُدْهُدِ، وَالصُّرَدِ، فَكَيْفَ يَكُونُ فِي الْإِحْرَامِ؟ وَقَدْ قَالَ فِي الْفَوَاسِقِ: " يُقْتَلْنَ فِي الْحِلِّ وَالْحَرَمِ".
الثَّامِنُ: أَنَّهُ ﷺ قَالَ فِي الْكِلَابِ: "لَوْلَا أَنَّهَا أُمَّةٌ مِنَ الْأُمَمِ لَأَمَرْتُ بِقَتْلِهَا، فَاقْتُلُوا مِنْهَا كُلَّ أَسْوَدَ بَهِيمٍ" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
стр. 4265
وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ كَوْنَهَا أُمَّةً وَصْفٌ يَمْنَعُ مِنِ اسْتِيعَابِهَا بِالْقَتْلِ لِتَبْقَى هَذِهِ الْأُمَّةُ تَعْبُدُ اللَّهَ وَتُسَبِّحُهُ، نَعَمْ خَصَّ مِنْهَا مَا يَضُرُّ بَنِي آدَمَ وَيَشُقُّ عَلَيْهِمُ الِاحْتِرَازُ مِنْهُ; لِأَنَّ رِعَايَةَ جَانِبِهِمْ أَوْلَى مِنْ رِعَايَةِ جَانِبِهِ، وَيَبْقَى مَا يُمْكِنُهُمُ الِاحْتِرَازُ مِنْهُ عَلَى الْعُمُومِ.
فَعَلَى هَذَا قَتْلُهُ: حَرَامٌ، أَوْ مَكْرُوهٌ، وَبِكُلِّ حَالٍ لَا جَزَاءَ فِيهِ. نَصَّ عَلَيْهِ.
وَإِذَا لَمْ يُقْتَلْ هَذَا، فَغَيْرُهُ مِمَّا لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ وَلَا فِي طَبْعِهِ الْأَذَى أَوْلَى أَنْ لَا يُقْتَلَ.
قَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى: لِلْمُحْرِمِ أَنْ يَقْتُلَ الْحَيَّةَ، وَالْعَقْرَبَ، وَالْفَأْرَةَ، وَالْكَلْبَ الْعَقُورَ، وَالْأَسْوَدَ الْبَهِيمَ، وَالسَّبُعَ، وَالذِّئْبَ، وَالْحِدَأَةَ، وَالْغُرَابَ الْأَبْقَعَ، وَالزُّنْبُورَ، وَالْقِرْدَ، وَالنَّسْرَ، وَالْعُقَابَ إِذَا وَثَبَ عَلَيْهِ، وَالْبَقَّ، وَالْبَعُوضَ، وَالْحَلَمَ، وَالْقِرْدَانَ، وَكُلَّ مَا عَدَا عَلَيْهِ وَآذَاهُ وَلَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ.
فَأَمَّا عَلَى الرِّوَايَةِ الْأُولَى: فَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: يُبَاحُ قَتْلُ كُلِّ مَا فِيهِ مَضَرَّةٌ كَالْحَيَّةِ وَالْعَقْرَبِ، وَسَمَّى مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، وَقَالَ: وَالْبُرْغُوثُ وَالْبَقُّ وَالْبَعُوضُ وَالْقُرَادُ وَالْوَزَغُ وَسَائِرُ الْحَشَرَاتِ وَالذُّبَابِ، وَيَقْتُلُ النَّمْلَ إِذَا آذَاهُ.
وَقَالَ الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ: الْحَيَوَانَاتُ الَّتِي لَا تُؤْكَلُ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ:
قِسْمٌ يَضُرُّ وَلَا يَنْفَعُ: كَالْأَسَدِ وَالذِّئْبِ وَالْجِرْجِسِ وَالْبَقِّ وَالْبُرْغُوثِ وَالْبَعُوضِ وَالْعَلَقِ وَالْقُرَادِ، فَهَذَا يُسْتَحَبُّ قَتْلُهُ.
الثَّانِي: مَا يَضُرُّ وَيَنْفَعُ: كَالْبَازِي وَالْفَهْدِ وَسَائِرِ الْجَوَارِحِ مِنَ الطَّيْرِ وَالْمِخْلَبِ الَّذِي لَيْسَ بِمُعَلَّمٍ، فَقَتْلُهُ جَائِزٌ لَا يُكْرَهُ وَلَا يُسْتَحَبُّ.
стр. 4266
الثَّالِثُ: مَا لَا يَضُرُّ وَلَا يَنْفَعُ: كَالْخَنَافِسِ وَالْجِعْلَانِ وَبَنَاتِ وَرْدَانَ وَالرَّخَمِ وَالذُّبَابِ وَالنَّحْلِ، وَالنَّمْلِ إِذَا لَمْ يَلْسَعْهُ يُكْرَهُ قَتْلُهُ وَلَا يَحْرُمُ.
وَأَمَّا الذُّبَابُ: فَذَكَرَهُ ابْنُ عَقِيلٍ فِي الْقِسْمِ … ، وَهُوَ مَا يَضُرُّ وَلَا يَنْفَعُ، وَذَكَرَهُ الْقَاضِي فِي الْقِسْمِ الثَّالِثِ، وَهُوَ مَا لَا يَضُرُّ وَلَا يَنْفَعُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى الْقِسْمِ الْأَوَّلِ وَذَكَرْنَا الرِّوَايَتَيْنِ فِيهِ.
وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّانِي وَالثَّالِثُ: فَالْمَنْصُوصُ عَنْهُ الْمَنْعُ مِنْ قَتْلِهِ كَمَا تَقَدَّمَ مَا لَمْ يَضُرَّ، ثُمَّ قَدْ أَدْخَلُوا فِيهِ الْكَلْبَ، وَالْمَذْهَبُ أَنَّ قَتْلَهُ حَرَامٌ.
وَأَمَّا الذُّبَابُ: فَقَدْ ذَكَرَهُ أَبُو الْخَطَّابِ وَابْنُ عَقِيلٍ: مِنَ الْمُؤْذِي، وَذَكَرَهُ الْقَاضِي: فِيمَا لَا يُؤْذِي وَهَذَا عَلَى قَوْلِنَا لَا يَجُوزُ أَكْلُهُ، فَأَمَّا إِذَا قُلْنَا يَجُوزُ أَكْلُهُ فَيَنْبَغِي أَنْ يُضْمَنَ.
وَأَمَّا الذَّرُّ: فَقَدْ رَوَى عَنْهُ لَا بَأْسَ أَنْ يَقْتُلَهُ، وَقَالَ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى: قَدْ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ قَتْلِ الذَّرِّ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى: " وَيُكْرَهُ لَهُ أَنْ يَقْتُلَ الْقَمْلَةَ، وَلَا يَقْتُلَ النَّمْلَةَ فِي حِلٍّ وَلَا حَرَمٍ وَلَا يَقْتُلُ الضِّفْدَعَ، وَهَذِهِ الْمَنْهِيَّاتُ عَنْ قَتْلِهَا، مِثْلُ الصُّرَدِ وَالنَّحْلَةِ وَالنَّمْلَةِ، مَرَدُّ .... هَلْ هُوَ مَنْعُ تَنْزِيهٍ أَوْ تَحْرِيمٍ؟ قَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى: وَلَا يَقْتُلُ النَّمْلَ فِي حِلٍّ وَلَا حَرَمٍ وَلَا الضِّفْدَعَ، وَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ التَّحْرِيمُ، قَالَ - فِي رِوَايَةِ مُهَنَّا - وَقَدْ سَأَلَهُ عَنْ قَتْلِ النَّحْلَةِ وَالنَّمْلَةِ، فَقَالَ: "إِذَا آذَتْهُ قَتَلَهَا"، فَقِيلَ لَهُ: أَلَيْسَ قَدْ نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ قَتْلِ النَّحْلَةِ؟ قَالَ: نَعَمْ قَدْ نَهَى عَنْ قَتْلِ النَّحْلِ وَالصُّرَدِ وَهُوَ طَيْرٌ ".
стр. 4267
وَقَالَ - فِي رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ وَأَبِي الْحَارِثِ - فِي الضَّفَادِعِ لَا تُؤْكَلُ وَلَا تُقْتَلُ: نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ قَتْلِ الضِّفْدَعِ.
وَقَالَ - فِي رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ - وَقَالَ لَهُ يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ الضِّفْدَعُ لَا يُؤْكَلُ؟ فَغَضِبَ وَقَالَ: النَّبِيُّ ﷺ نَهَى عَنْ أَنْ يُجْعَلَ فِي الدَّوَاءِ مَنْ يَأْكُلُهُ!. فَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ قَتْلَهَا وَأَكْلَهَا سَوَاءٌ وَأَنَّهُ مُحَرَّمٌ.
فَأَمَّا إِذَا عَضَّتْهُ النَّحْلَةُ أَوِ النَّمْلَةُ أَوْ تَعَلَّقَ الْقُرَادُ بِبَعِيرِهِ، وَنَحْوُ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ يَقْتُلُهُ، وَإِنْ أَمْكَنَ دَفْعُ أَدْنَاهُ بِدُونِ ذَلِكَ بِحَيْثُ لَهُ أَنْ يَقْتُلَ النَّمْلَةَ بَعْدَ أَنْ تَقْرُصَهُ» اهـ.
قُلْتُ: هذا تحرير نفيس.
٥ - واحتج به لمذهب الإمام مالك والشافعي على قتل من قتل خارج الحرم ثم لاذ به إلحاقاً له بالفواسق المذكورة في الحديث بجامع الفسق.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِي ﵀ فِي [الْمُفْهِم] (١٠/ ٥٠):
«وقد استدل مالك، والشافعي، وأصحابهما بإباحة قتل هذه الفواسق في الحرم؛ على أنَّ الحرم لا يعيذ عاصياً ولا فاراً بحد» اهـ.
وقد أجاب على ذلك العلامة ابن القيم ﵀ فَقَالَ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٣/ ٤٤٨):
«وأمَّا قولكم: إنَّه حيوان مفسد، فأبيح قتله في الحل والحرم كالكلب العقور، فلا يصح القياس، فإنَّ الكلب العقور طبعه الأذى، فلم يحرمه الحرم ليدفع أذاه عن أهله، وأمَّا الآدمي فالأصل فيه الحرمة، وحرمته عظيمة، وإنَّما أبيح لعارض،
стр. 4268
فأشبه الصائل من الحيوانات المباحة من المأكولات، فإنَّ الحرم يعصمها. وأيضاً فإنَّ حاجة أهل الحرم إلى قتل الكلب العقور، والحية، والحدأة كحاجة أهل الحل سواء، فلو أعاذها الحرم لعظم عليهم الضرر بها» اهـ.
٦ - والأمر في هذا الحديث محمول على الندب عند جماعة من أهل العلم.
٧ - وظاهر الحديث الندب إلى قتل هذه المذكورات ابتداءً وإن لم تبدأ بالعدوان في مذهب جماهير العلماء، ونقل عن أشهب خلاف ذلك.
قَالَ فِي [طَرْحِ الْتَثْرِيْبِ] (٥/ ٣٢٩): «ومذهب الشافعية والحنابلة والظاهرية استحباب قتل المؤذيات وهي الخمس المذكورة وما في معناها وتمسكوا بالأمر به في هذا الحديث» اهـ.
٨ - وظاهر الحديث شمول كبار هذه الحيوانات وصغارها. والمشهور عن أهل العلم أنَّهم لا يفرقون، والتفريق مذكور في مذهب المالكية. فقد اختلفوا في قتل ما صغر من الحيات والعقارب التي لا يمكن منها الأذى.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ كَثِيْرٍ ﵀ فِي [تَفْسِيْرِهِ] (٣/ ١٩١):
«قال مالك: وكذا يستثنى من ذلك صغار هذه الخمس المنصوص عليها، وصغار الملحق بها من السباع العوادي» اهـ.
قُلْتُ: الأخذ بعموم الحديث هو الأرجح، وصغار هذه الحيوانات سوف تصير كباراً، ويحصل منها ما يحصل من كبارها، فيقطع شرها قبل حصوله. والله أعلم.
فائدة/ جاء في مسلم (١٢٠٠) من حديث ابن عمر ذكر الحية بدل العقرب.
стр. 4269
وجاء عند أحمد (١١٠٠٣)، ومِنْ طَرِيْقِه أبو داود (١٨٤٨)، ورواه ابن ماجة (٣٠٨٩) كلهم مِنْ طَرِيْقِ يَزِيدَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي نُعْمٍ الْبَجَلِيُّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سُئِلَ عَمَّا يَقْتُلُ الْمُحْرِمُ؟ قَالَ: «الْحَيَّةُ، وَالْعَقْرَبُ، وَالْفُوَيْسِقَةُ، وَيَرْمِي الْغُرَابَ وَلَا يَقْتُلُهُ، وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ، وَالْحِدَأَةُ، وَالسَّبُعُ الْعَادِي».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ ضَعِيْفٌ، فيه يزيد بن أبي زياد ضعيف الحديث.
واختلف العلماء في قتل الأوزاغ في الحرم، فذهب الأكثر على جواز ذلك، واحتجوا بما رواه مسلم (٢٢٣٨) عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ﵁: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ بِقَتْلِ الْوَزَغِ وَسَمَّاهُ فُوَيْسِقًا».
ورواه البخاري (٣٣٠٦) عَنْ عَائِشَةَ ﵂، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ، قَالَ لِلْوَزَغِ: «الفُوَيْسِقُ» وَلَمْ أَسْمَعْهُ أَمَرَ بِقَتْلِهِ وَزَعَمَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ بِقَتْلِهِ.
وبما رواه البخاري (٣٣٠٧)، ومسلم (٢٢٣٧) عَنْ أُمِّ شَرِيكٍ، «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَهَا بِقَتْلِ الْأَوْزَاغِ».
وقد نازع في ذلك الإمام مالك ﵀، قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ ﵀ فِي [إِكْمَالِ الْمُعْلِمِ] (٤/ ١٠٧): «قال مالك: لا يقتل المحرم الوزغ فإن قتله فداه» اهـ.
وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٤/ ٤١):
стр. 4270
«ونقل ابن عبد البر الاتفاق على جواز قتله في الحل والحرم، لكن نقل بن عبد الحكم وغيره عن مالك لا يقتل المحرم الوزغ. زاد ابن القاسم: وإن قتله يتصدق؛ لأنَّه ليس من الخمس المأمور بقتلها.
وروى بن أبي شيبة أنَّ عطاء سئل عن قتل الوزغ في الحرم فقال: إذا آذاك فلا بأس بقتله وهذا يفهم توقف قتله على أذاه» اهـ.
وَقَالَ فِي [طَرْحِ الْتَثْرِيْبِ] (٥/ ٣٣٥): «وحكى ابن حزم عن الطحاوي أنَّه قال: لا يقتل المحرم الحية ولا الوزغ ولا شيئاً غير الخمس المنصوص عليها» اهـ.
* * *
стр. 4271
بَابُ: دُخُوْلِ مَكَّةَ وَالْبَيْتِ.
٢١٧ - عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁: «أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ دَخَلَ مَكَّةَ عَامَ الْفَتْحِ، وَعَلَى رَأْسِهِ الْمِغْفَرُ، فَلَمَّا نَزَعَهُ جَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: ابْنُ خَطَلٍ مُتَعَلِّقٌ بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ فَقَالَ: "اُقْتُلُوهُ"».
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٤/ ٦٠):
«قوله: "عام الفتح وعلى رأسه المغفر" بكسر الميم وسكون المعجمة وفتح الفاء زرد ينسج من الدروع على قدر الرأس، وقيل هو رفرف البيضة، قاله في "المحكم"، وفي "المشارق": هو ما يجعل من فضل دروع الحديد على الرأس مثل القلنسوة» اهـ.
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
١ - أنَّ مكة فتحت عنوة.
٢ - جواز دخول مكة بغير إحرام. وقد سبق الكلام على هذه المسألة في أول المواقيت من كتاب الحج.
٣ - واستدل بأمر النبي ﷺ بقتل ابن خطل على أنَّ المرتد الساب للنبي ﷺ يقتل من غير استتابة، وابن خطل كان قد أسلم ثم
стр. 4272
ارتد وكان يقول الشعر يهجو به رسول الله ﷺ ويأمر جاريتيه أن تغنيا به.
٤ - واستدل به على أنَّ من سب النبي ﷺ من المسلمين يقتل حداً وإن أسلم.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ فِي [الصَّارِمِ الْمَسْلُوْلِ] (١٣٦):
«وقد استدل بقصة ابن خطل طائفة من الفقهاء على أنَّ من سب النبي ﷺ من المسلمين يقتل وإن أسلم حداً.
واعترض عليهم بأنَّ ابن خطل كان حربياً فقتل لذلك وصوابه أنَّه كان مرتداً بلا خلاف بين أهل العلم بالسير وحتم قتله بدون استتابة مع كونه مستسلماً منقاداً قد ألقى السلم كالأسير، فعلم أنَّ من ارتد وسب يقتل بلا استتابة بخلاف من ارتد فقط. يؤيده أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ آمن عام الفتح جميع المحاربين إلَّا ذوي جرائم مخصوصة وكان ممن أهدر دمه دون غيره، فعلم أنَّه لم يقتل لمجرد الكفر والحراب» اهـ.
وقال ﵀ ص (١٦٦): «فإذا تقرر بما ذكرناه من سنة رسول الله ﷺ وسيرة أصحابه وغير ذلك أنَّ الساب للرسول يتعين قتله فنقول: إنَّما يكون تعين قتله لكونه كافراً حربياً أو للسبب المضموم إلى ذلك، والأول باطل لأنَّ الأحاديث نص في أنَّه لم يقتل لمجرد كونه كافراً حربياً بل عامتها قد نص فيه على أنَّ موجب قتله إنَّما هو السب فنقول: إذا تعين قتل الحربي لأجل أنَّه سب
стр. 4273
رسول الله ﷺ فكذلك المسلم والذمي أولى، لأنَّ الموجب للقتل هو السب لا مجرد الكفر والمحاربة كما تبين فحيثما وجد هذا الموجب وجب القتل» اهـ.
قُلْتُ: أمَّا من سب ثم تاب قبل القدرة عليه من المسلمين، والكفار فلا يقام عليه الحد، فإنَّ الحدود لا تقام على من تاب قبل القدرة عليه، إلَّا لمن طلب ذلك، كماعز والغامدية.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ فِي [الصَّارِمِ الْمَسْلُوْلِ] (١٥٣ - ١٥٤): «هذه الأحاديث كلها تدل على أنَّ من كان يسب النبي ﷺ ويؤذيه من الكفار فإنَّه كان يقصد قتله ويحض عليه لأجل ذلك وكذلك أصحابه بأمره يفعلون ذلك مع كفه عن غيره ممن هو على مثل حاله في أنَّه كافر غير معاهد بل مع أمانه لأولئك أو إحسانه إليهم من غير عهد بينه وبينهم ثم من هؤلاء من قتل ومنهم من جاء مسلماً تائباً فعصم دمه لثلاثة أسباب:
أحدها: أنَّه جاء تائباً قبل القدرة عليه والمسلم الذي وجب عليه حد لو جاء تائباً قبل القدرة عليه لسقط عنه فالحربي أولى.
الثاني: أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ كان من خلقه أن يعفو عنه.
стр. 4274
الثالث: أنَّ الحربي إذا أسلم لم يؤخذ بشيء مما عمله في الجاهلية لا من حقوق الله ولا من حقوق العباد من غير خلاف نعلمه لقوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَف﴾.
ولقوله ﷺ : "الإسلام يجب ما قبله" رواه مسلم، ولقوله ﷺ : "من أحسن في الإسلام لم يؤاخذ بما عمل في الجاهلية" متفق عليه.
ولهذا أسلم خلق كثير وقد قتلوا رجالاً يعرفون فلم يطلب أحداً منه بقود ولا دية ولا كفارة.
أسلم وحشي قاتل حمزة وابن العاص قاتل ابن قوقل وعقبة بن الحارث قاتل خبيب بن عدي ومن لا يحصى ممن ثبت في الصحيح أنَّه أسلم وقد علم أنَّه قتل رجلاً بعينه من المسلمين فلم يوجب النبي ﷺ على أحد منهم قصاصاً، بل قال ﷺ : "يضحك الله تعالى إلى رجلين يقتل أحدهما صاحبه كلاهما يدخل الجنة يقتل هذا في سبيل الله فيدخل الجنة ثم يتوب الله على القاتل فيسلم ويقتل في سبيل الله فيدخل الجنة" متفق عليه.
وكذلك أيضاً لم يضمن النبي ﷺ أحداً منهم مالا أتلفه للمسلمين، ولا أقام على أحد حد زنا أو سرقة أو شرب أو قذف سواء كان قد أسلم بعد الأسر أو قبل الأسر وهذا مما لا نعلم بين المسلمين فيه خلافاً لا في روايته ولا في الفتوى به» اهـ.
стр. 4275
٥ - واحتج به على إقامة الحدود في الحرم لمن وقع في حد خارج الحرم ولاذ به.
وأجيب بأنَّ ذلك كان في الساعة التي أبيح للنبي ﷺ فيها بالقتال.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٣/ ٤٤٦): «وأمَّا قتل ابن خطل، فقد تقدم أنَّه كان في وقت الحل، والنبي ﷺ قطع الإلحاق، ونص على أنَّ ذلك من خصائصه، وقوله ﷺ : "وإنَّما أحلت لي ساعة من نهار" صريح في أنَّه إنَّما أحل له سفك دم حلال في غير الحرم في تلك الساعة خاصة، إذ لو كان حلالاً في كل وقت، لم يختص بتلك الساعة، وهذا صريح في أنَّ الدم الحلال في غيرها حرام فيها، فيما عدا تلك الساعة» اهـ.
قُلْتُ: وقد سبقت هذه المسألة فيما مضى.
٦ - في لبس النبي ﷺ للمغفر دليل على استحباب الأخذ بأسباب الحيطة عند مواجهة الأعداء وأنَّ ذلك لا ينافي التوكل على الله .
قُلْتُ: وقد عارض هذا الحديث ما رواه مسلم (١٣٥٨) عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ، وَعَلَيْهِ عِمَامَةٌ سَوْدَاءُ».
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِ ﵀ فِي [التَّمْهِيْدِ] (٦/ ١٧٣):
«ليس هذا عندي بمعارض لحديث ابن شهاب لأنَّه قد يمكن أن يكون على رأسه عمامة سوداء وعليها المغفر فلا يتعارض الحديثان» اهـ.
следующие страницы →