← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 30178

تحفة السائل في بيان ما في عمدة الأحكام من المسائل

أبو بكر الحمادي

Полный текст (8 095 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

قلت: رواه الحافظ البيهقي في [السنن الكبرى] (٨/ ٣٢٥): من طريق عبدان، وقال بعد روايته لها: «هَذَا إِسْنَادٌ ضَعِيفٌ، وَالْمَحْفُوظُ مَوْقُوفٌ - (أَخْبَرَنَاهُ) هِلَالُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ الْحَفَّارُ، أنبأ الْحُسَيْنُ بْنُ يَحْيَى بْنِ عَيَّاشٍ الْقَطَّانُ، ثنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُجَشِّرٍ، ثنا وَكِيعُ بْنُ الْجَرَّاحِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ بَشِيرٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: " الْخِتَانُ سُنَّةٌ لِلرِّجَالِ، وَمَكْرُمَةٌ لِلنِّسَاءِ "» اهـ. قلت: الموقوف رواه أيضاً الطبراني في [المعجم الكبير] (١٢٨٢٨)، وفي [مسند الشاميين] من طريق وكيع به. قلت: ومما يحتج به على ختان النساء ما رواه مسلم (٧٨٣) من حديث عائشة ﵂ عن رسول الله ﷺ قال: «إِذَا جَلَسَ بَيْنَ شُعَبِهَا الْأَرْبَعِ وَمَسَّ الْخِتَانُ الْخِتَانَ فَقَدْ وَجَبَ الْغُسْلُ». وهو في البخاري (٢٩١) بلفظ: «إِذَا جَلَسَ بَيْنَ شُعَبِهَا الأَرْبَعِ ثُمَّ جَهَدَهَا فَقَدْ وَجَبَ الْغَسْلُ». وهذا أصح حديث في الباب. قلت: وقد اختلف العلماء في وجوب الختان واستحبابه. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في [شرح عمدة الفقه] (١/ ٢٤٣ - ٢٤٤): «وَأَمَّا الْخِتَانُ فَوَاجِبٌ عَلَى الرِّجَالِ فِي الْمَنْصُوصِ الْمَعْرُوفِ مِنَ الذَّهَبِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ أَمَرَنَا بِاتِّبَاعِ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ ﵇، وَالْخِتَانُ مِنْ مِلَّتِهِ لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "اخْتَتَنَ إِبْرَاهِيمُ خَلِيلُ الرَّحْمَنِ بَعْدَ مَا أَتَتْ عَلَيْهِ

стр. 457

ثَمَانُونَ سَنَةً وَاخْتَتَنَ بِالْقَدُومِ" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، فَإِنْ قِيلَ: ضَمَّنَ مِلَّتَهُ سَائِرَ خِصَالِ الْفِطْرَةِ وَهِيَ غَيْرُ وَاجِبَةٍ لَا سِيَّمَا وَقَدْ قَرَنَ النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا فِي نَسَقٍ وَاحِدٍ، قُلْنَا: إِزَالَةُ الشُّعُورِ وَالْأَظْفَارِ الْقَصْدُ بِهَا إِزَالَةُ مَا يَجْتَمِعُ بِسَبَبِهَا مِنَ الْعَرَقِ وَالْوَسَخِ وَالدَّرَنِ، وَإِزَالَةُ الْأَوْسَاخِ لَيْسَتْ وَاجِبَةً وَكَذَلِكَ مَا قُصِدَتْ بِهِ. وَأَمَّا قُلْفَةُ الذَّكَرِ فَالْمَقْصُودُ بِقَطْعِهَا التَّطْهِيرُ مِنَ النَّجَاسَةِ الَّتِي تَحْتَقِنُ فِيهَا، وَنَجَاسَةُ الْبَوْلِ تَجِبُ إِزَالَتُهَا وَعَامَّةُ عَذَابِ الْقَبْرِ مِنْهَا، فَلِذَلِكَ وَجَبَ إِزَالَةُ مَا يُوجِبُ احْتِقَانَهَا وَاجْتِمَاعَهَا، يُؤَيِّدُ ذَلِكَ أَنَّ الْمَقْطُوعَ هُنَا مِنْ أَصْلِ الْخِلْقَةِ، وَكَذَلِكَ يُحْشَرُ الْخَلْقُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ غُرْلًا، فَلَوْلَا أَنَّ إِزَالَتَهَا مِنَ الْوَاجِبَاتِ لَمَا تَكَلَّفَ قَطْعَهُ بِخِلَافِ الشَّعْرِ وَالظُّفُرِ؛ وَلِأَنَّ الْبَوْلَ الْمُحْتَقِنَ فِي الْقُلْفَةِ نَجَاسَةٌ شُرِعَ زَوَالُهَا، فَكَانَ وَاجِبًا كَسَائِرِ النَّجَاسَاتِ» اهـ. وقال العلامة ابن القيم ﵀ في [تحفة المودود] ص (١٦٢): «اختلف الفقهاء فقال الشعبي وربيعة والأوزاعي ويحيى بن سعيد الأنصاري ومالك والشافعي وأحمد هو واجب. وشدد فيه مالك حتى قال من لم يختتن لم تجز إمامته ولم تقبل شهادته. ونقل كثير من الفقهاء عن مالك أنَّه سنة حتى قال القاضي عياض: الاختتان عند مالك وعامة العلماء سنة ولكن السنة عندهم يأثم بتركها فهم يطلقونها على مرتبة بين الفرض وبين الندب وإلاَّ فقد صرح مالك بأنَّه لا تقبل شهادة الأقلف ولا تجوز إمامته. وقال الحسن البصري وأبو حنيفة لا يجب بل هو سنة وكذلك قال ابن أبي موسى من أصحاب أحمد هو سنة مؤكدة ونص أحمد في رواية أنَّه لا يجب على النساء» اهـ.

стр. 458

قلت: والصحيح في ذلك وجوب الختان على الرجال دون النساء، وذلك لعدة أوجه منها: الأول: أنَّ الختان من أظهر الشعائر التي يفرق بها بين المسلم والنصراني والمجوسي. الثاني: أنَّ فيه كشف العورات في شأن من اختتن كبيراً، والعورة لا تكشف إلَّا لضرورة أو تداوي، فلو لم يجب الختان لما جاز كشف العورة من أجل تحصيل مستحب. الثالث: أنَّ في الختان إيلام للصبي وتعريضه للتلف فلو لم يكن واجباً لما جاز ذلك. الرابع: أنَّ الأقلف معرض لفساد طهارته وصلاته فإنَّ القلفة تستر الذكر كله فيصيبها البول ولا يمكن الاستجمار لها، فتبين من هذا أنَّ فصحة الطهارة والصلاة موقوفة على الختان. قلت: فكل هذه الأوجه تقضي بوجوب الختان، وهذه الوجوه لا وجود لها في ختان المرأة فيبقى على الاستحباب. والله أعلم. فإن قيل: ختان المرأة فيه كشف للعورة كختان الرجل، وفيه أيضاً إيلام فلما لم يجب كما وجب ختان الرجل. فالجواب: أنَّه لم ينقل أنَّ النساء كنَّ يختن إذا أدركنَّ كما جاء هذا في الرجال، فلعل ختانهنَّ كان في الصغر قبل التمييز. وأمَّا ما يتعلق بالإيلام فهو شيء يسير أشبه ما يكون بإيلام الجارية عند ثقب أذنها، وأمَّا ختان الغلمان فإيلامه شديد. والله أعلم.

стр. 459

ووقت وجوبه عند البلوغ لأنَّه وقت وجوب العبادات عليه ولا يجب قبل ذلك. وقد روي البخاري (٦٢٩٩) عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ سُئِلَ ابْنُ عَبَّاسٍ مِثْلُ مَنْ أَنْتَ حِينَ قُبِضَ النَّبِيُّ ﷺ ؟ قَالَ: «أَنَا يَوْمَئِذٍ مَخْتُونٌ قَالَ وَكَانُوا لَا يَخْتِنُونَ الرَّجُلَ حَتَّى يُدْرِكَ». قلت: ومعنى يدرك أي يبلغ الحلم. والمراد به هنا مقاربة البلوغ. وقد كان عمر ابن عباس ﵁ عند وفاة النبي ﷺ ثلاثة عشرة سنة. قال العلامة ابن القيم ﵀ في [تحفة المودود] ص (١٨٢): «وعندي أنَّه يجب على الولي أن يختن الصبي قبل البلوغ بحيث يبلغ مختوناً فإنَّ ذلك لا يتم الواجب إلاَّ به وأمَّا قول ابن عباس: كانوا لا يختنون الرجل حتى يدرك. أي حتى يقارب البلوغ كقوله تعالى: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ (٢) [الطلاق: ٢]، وبعد بلوغ الأجل لا يتأتى الإمساك. وقد صرح ابن عباس أنَّه كان يوم موت النبي مختوناً وأخبر في حجة الوداع التي عاش بعدها رسول الله بضعة وثمانين يوماً أنَّه كان قد ناهز الاحتلام. وقد أمر النبي الآباء أن يأمروا أولادهم بالصلاة لسبع وأن يضربوهم على تركها لعشر فكيف يسوغ لهم ترك ختانهم حتى يجاوزوا البلوغ والله أعلم» اهـ. قلت: ويشرع قبل ذلك. قال العلامة ابن القيم ﵀ في [زاد المعاد] (٢/ ٣٠٤): «فأمَّا الختان فقال ابن عباس: كانوا لا يختنون الغلام حتى يدرك. قال الميموني: سمعت أحمد يقول: كان الحسن يكره أن يختن الصبي يوم سابعه. وقال حنبل: إنَّ أبا عبد الله

стр. 460

قال: وإن ختن يوم السابع فلا بأس وإنَّما كره الحسن ذلك لئلا يتشبه باليهود وليس في هذا شيء. قال مكحول: ختن إبراهيم ابنه إسحاق لسبعة أيام وختن إسماعيل لثلاث عشرة سنة ذكره الخلال. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: فصار ختان إسحاق سنة في ولده وختان إسماعيل سنة في ولده» اهـ. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في [شرح عمدة الفقه] (١/ ٢٤٥ - ٢٤٦): «وَإِنَّمَا يَجِبُ الْخِتَانُ إِذَا وَجَبَتِ الطَّهَارَةُ وَالصَّلَاةُ؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا شُرِّعَ لِذَلِكَ، وَالْخِتَانُ قَبْلَ ذَلِكَ أَفْضَلُ، وَهُوَ قَبْلَ التَّمْيِيزِ أَفْضَلُ مِنْ بَعْدِهِ فِي الْمَشْهُورِ؛ لِأَنَّهُ قُرْبَةٌ وَطُهْرَةٌ فَتَقْدِيمُهَا أَحْرَزُ؛ لِأَنَّ فِيهِ تَخْلِيصًا مِنْ مَسِّ الْعَوْرَةِ وَنَظَرِهَا، فَإِنَّ عَوْرَةَ الصَّغِيرِ لَا حُكْمَ لَهَا؛ وَلِذَلِكَ يَجُوزُ مَسُّهَا وَتَقْبِيلُهَا كَمَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُقَبِّلُ زَبِيبَةَ الْحَسَنِ. وَقِيلَ: التَّأْخِيرُ إِلَى سِنِّ التَّمْيِيزِ أَوْلَى؛ لِمَا رَوَى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، قَالَ: سُئِلَ ابْنُ عَبَّاسٍ مِثْلُ مَنْ أَنْتَ حِينَ قُبِضَ النَّبِيُّ ﷺ ؟ قَالَ: "أَنَا يَوْمَئِذٍ مَخْتُونٌ، قَالَ: وَكَانُوا لَا يَخْتِنُونَ الرَّجُلَ حَتَّى يُدْرِكَ". يَعْنِي وَاللَّهُ أَعْلَمُ حَتَّى يُقَارِبَ الْإِدْرَاكَ مِثْلَ تَرَاهَقَ، وَفِي رِوَايَةٍ لِأَحْمَدَ " تُوُفِّيَ النَّبِيُّ ﷺ وَأَنَا ابْنُ عَشْرِ سِنِينَ مَخْتُونٌ ". وَعَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ كَرِهَ أَنْ تَخْتَتِنَ الْجَارِيَةُ قَبْلَ سَبْعِ سِنِينَ، وَلَا يُكْرَهُ بَعْدَ سَبْعَةِ أَيَّامٍ، وَقَبْلَهَا فِيهِ رِوَايَتَانِ: إِحْدَاهُمَا: يُكْرَهُ لِأَنَّهُ فِعْلُ الْيَهُودِ، فَكُرِهَ التَّشَبُّهُ بِهِمْ، وَالْأُخْرَى: لَا يُكْرَهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ فِيهِ نَهْيٌ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ أَنَّ فَاطِمَةَ كَانْتَ " تَخْتِنُ

стр. 461

وَلَدَهَا يَوْمَ السَّابِعِ ". وَرُوِيَ عَنْ مَكْحُولٍ وَغَيْرِهِ " أَنَّ إِبْرَاهِيمَ خَتَنَ ابْنَهُ إِسْمَاعِيلَ لِثَلَاثَ عَشْرَةَ سَنَةً وَخَتَنَ ابْنَهُ إِسْحَاقَ لِسَبْعَةِ أَيَّامٍ "» اهـ. ٢ - استحباب حلق العانة. قال الحافظ ابن حجر ﵀ في [فتح الباري] (١٠/ ٣٤٣ - ٣٤٤): «قَالَ النَّوَوِيُّ: الْمُرَادُ بِالْعَانَةِ الشَّعْرُ الَّذِي فَوْقَ ذَكَرِ الرَّجُلِ وَحَوَالَيْهِ وَكَذَا الشَّعْرُ الَّذِي حَوَالَيْ فَرْجِ الْمَرْأَةِ وَنُقِلَ عَنْ أَبِي الْعَبَّاسِ بْنِ سُرَيْجٍ أَنَّهُ الشَّعْرُ النَّابِتُ حَوْلَ حَلْقَةِ الدُّبُرِ فَتَحَصَّلَ مِنْ مَجْمُوعِ هَذَا اسْتِحْبَابُ حَلْقِ جَمِيعِ مَا عَلَى الْقُبُلِ وَالدُّبُرِ وَحَوْلَهُمَا قَالَ: وَذَكَرَ الْحَلْقَ لِكَوْنِهِ هُوَ الْأَغْلَبُ وَإِلَّا فَيَجُوزُ الْإِزَالَةُ بِالنَّوْرَةِ وَالنَّتْفِ وَغَيْرِهِمَا. وَقَالَ أَبُو شَامَةَ: الْعَانَةُ الشَّعْرُ النَّابِتُ عَلَى الرَّكَبِ بِفَتْحِ الرَّاءِ وَالْكَافِ وَهُوَ مَا انْحَدَرَ مِنَ الْبَطْنِ فَكَانَ تَحْتَ الثَّنْيَةِ وَفَوْقَ الْفَرْجِ وَقِيلَ لِكُلِّ فَخِذٍ رَكَبٌ وَقِيلَ ظَاهِرُ الْفَرْجِ وَقِيلَ الْفَرْجُ بِنَفْسِهِ سَوَاءٌ كَانَ مِنْ رَجُلٍ أَوِ امْرَأَةٍ قَالَ: وَيُسْتَحَبُّ إِمَاطَةُ الشَّعْرِ عَنِ الْقُبُلِ وَالدُّبُرِ بَلْ هُوَ مِنَ الدُّبُرِ أَوْلَى خَوْفًا مِنْ أنْ يَعْلَقَ شَيْءٌ مِنَ الْغَائِطِ فَلَا يُزِيلُهُ الْمُسْتَنْجِي إِلَّا بِالْمَاءِ وَلَا يَتَمَكَّنُ مِنْ إِزَالَتِهِ بِالِاسْتِجْمَارِ قَالَ وَيَقُومُ التَّنَوُّرُ مَكَانَ الْحَلْقِ وَكَذَلِكَ النَّتْفُ وَالْقَصُّ. وَقَدْ سُئِلَ أَحْمَدُ عَنْ أَخْذِ الْعَانَةِ بِالْمِقْرَاضِ فَقَالَ: أَرْجُو أَنْ يُجْزِئَ قِيلَ فَالنَّتْفُ قَالَ وَهَلْ يَقْوَى عَلَى هَذَا أَحَدٌ. وَقَالَ ابن دَقِيقِ الْعِيدِ قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ الْعَانَةُ الشَّعْرُ النَّابِتُ عَلَى الْفَرْجِ وَقِيلَ هُوَ مَنْبَتُ الشَّعْرِ قَالَ وَهُوَ الْمُرَادُ فِي الْخَبَرِ وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ شَعْرُ الْعَانَةِ أَوْلَى

стр. 462

الشُّعُورِ بالازالة لِأَنَّهُ يكْشف وَيَتَلَبَّدُ فِيهِ الْوَسَخُ بِخِلَافِ شَعْرِ الْإِبْطِ. قَالَ: وَأَمَّا حَلْقُ مَا حَوْلَ الدُّبُرِ فَلَا يُشْرَعُ وَكَذَا قَالَ الْفَاكِهِيُّ فِي "شَرْحِ الْعُمْدَةِ" أَنَّهُ لَا يَجُوزُ كَذَا قَالَ وَلَمْ يَذْكُرْ لِلْمَنْعِ مُسْتَنَدًا وَالَّذِي اسْتَنَدَ إِلَيْهِ أَبُو شَامَةَ قَوِيٌّ بَلْ رُبَّمَا تُصُوِّرَ الْوُجُوبُ فِي حَقِّ مَنْ تَعَيَّنَ ذَلِكَ فِي حَقِّهِ كَمَنْ لَمْ يَجِدْ مِنَ الْمَاءِ إِلَّا الْقَلِيلَ وَأَمْكَنَهُ أَنْ لَوْ حَلَقَ الشَّعْرَ أَنْ لَا يَعْلَقَ بِهِ شَيْءٌ من الْغَائِط يَحْتَاجُ مَعَهُ إِلَى غَسْلِهِ وَلَيْسَ مَعَهُ مَاءٌ زَائِد على قدر الِاسْتِنْجَاء. وَقَالَ ابن دَقِيقِ الْعِيدِ: كَأَنَّ الَّذِي ذَهَبَ إِلَى اسْتِحْبَابِ حَلْقِ مَا حَوْلَ الدُّبُرِ ذَكَرَهُ بِطَرِيقِ الْقِيَاسِ قَالَ: وَالْأَوْلَى فِي إِزَالَةِ الشَّعْرِ هُنَا الْحَلْقُ اتِّبَاعًا وَيَجُوزُ النَّتْفُ بِخِلَافِ الْإِبْطِ فَإِنَّهُ بِالْعَكْسِ لِأَنَّهُ تُحْتَبَسُ تَحْتَهُ الْأَبْخِرَةُ بِخِلَافِ الْعَانَةِ وَالشَّعْرُ مِنَ الْإِبْطِ بِالنَّتْفِ يَضْعُفُ وَبِالْحَلْقِ يَقْوَى فَجَاءَ الْحُكْمُ فِي كُلٍّ مِنَ الْمَوْضِعَيْنِ بِالْمُنَاسِبِ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ وَغَيْرُهُ: السُّنَّةُ فِي إِزَالَةِ شَعْرِ الْعَانَةِ الْحَلْقُ بِالْمُوسَى فِي حَقِّ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ مَعًا وَقَدْ ثَبَتَ الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ عَنْ جَابِرٍ فِي النَّهْيِ عَنْ طُرُوقِ النِّسَاءِ لَيْلًا حَتَّى تَمْتَشِطَ الشَّعِثَةُ وَتَسْتَحِدَّ الْمُغِيبَةُ وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي النِّكَاحِ لَكِنْ يَتَأَدَّى أَصْلُ السُّنَّةِ بِالْإِزَالَةِ بِكُلِّ مُزِيلٍ وَقَالَ النَّوَوِيُّ أَيْضًا: وَالْأَوْلَى فِي حَقِّ الرَّجُلِ الْحَلْقُ وَفِي حَقِّ الْمَرْأَةِ النَّتْفُ وَاسْتَشْكَلَ بِأَنَّ فِيهِ ضَرَرًا عَلَى الْمَرْأَةِ بِالْأَلَمِ وَعَلَى الزَّوْجِ بِاسْتِرْخَاءِ الْمَحَلِّ فَإِنَّ النَّتْفَ يُرْخِي الْمَحَلَّ بِاتِّفَاق الْأَطِبَّاء وَمن ثمَّ قَالَ ابن دَقِيقِ الْعِيدِ: إِنَّ بَعْضَهُمْ مَالَ إِلَى تَرْجِيحِ الْحَلْقِ فِي حَقِّ الْمَرْأَةِ لِأَنَّ النَّتْفَ يُرْخِي الْمحل لَكِن قَالَ ابن الْعَرَبِيِّ إِنْ كَانَتْ شَابَّةً فَالنَّتْفُ فِي حَقِّهَا أَوْلَى لِأَنَّهُ يَرْبُو مَكَانَ النَّتْفِ وَإِنْ كَانَتْ كَهْلَةً فَالْأَوْلَى فِي حَقِّهَا الْحَلْقُ لِأَنَّ النَّتْفَ يُرْخِي الْمَحَلَّ وَلَوْ قِيلَ الْأَوْلَى فِي حَقِّهَا التَّنَوُّرُ مُطْلَقًا لِمَا كَانَ بَعِيدًا وَحَكَى النَّوَوِيُّ فِي وُجُوبِ الْإِزَالَةِ عَلَيْهَا إِذَا طُلِبَ ذَلِكَ مِنْهَا

стр. 463

وَجْهَيْنِ أَصَحُّهُمَا الْوُجُوبُ وَيَفْتَرِقُ الْحُكْمُ فِي نَتْفِ الْإِبْطِ وَحَلْقِ الْعَانَةِ أَيْضًا بِأَنَّ نَتْفَ الْإِبْطِ وَحَلْقَهُ يَجُوزُ أَنْ يَتَعَاطَاهُ الْأَجْنَبِيُّ بِخِلَافِ حَلْقِ الْعَانَةِ فَيَحْرُمُ إِلَّا فِي حَقِّ مَنْ يُبَاحُ لَهُ الْمَسُّ وَالنَّظَرُ كَالزَّوْجِ وَالزَّوْجَةِ وَأَمَّا التَّنَوُّرُ فَسُئِلَ عَنْهُ أَحْمَدُ فَأَجَازَهُ وَذَكَرَ أَنَّهُ يَفْعَلَهُ وَفِيهِ حَدِيثٌ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أَخْرَجَهُ بن مَاجَهْ وَالْبَيْهَقِيُّ وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ وَلَكِنَّهُ أَعَلَّهُ بِالْإِرْسَالِ وَأَنْكَرَ أَحْمَدُ صِحَّتَهُ وَلَفْظُهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ إِذَا طلى وَلِيَ عَانَتَهُ بِيَدِهِ وَمُقَابِلُهُ حَدِيثِ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ لَا يَتَنَوَّرُ وَكَانَ إِذَا كَثُرَ شَعْرُهُ حَلَقَهُ وَلَكِنْ سَنَدُهُ ضَعِيفٌ جِدًّا» اهـ. وقال العلامة النووي ﵀ في [المجموع] (١/ ٢٨٩): «وأمَّا حقيقة العانة التي يستحب حلقها فالمشهور أنَّها الشعر النابت حوالي ذكر الرجل وقبل المرأة وفوقهما: ورأيت في كتاب "الودائع" المنسوب إلى أبي العباس ابن سريج وما أظنه يصح عنه قال: العانة الشعر المستدير حول حلقة الدبر: وهذا الذي قاله غريب ولكن لا منع من حلق شعر الدبر وأمَّا استحبابه فلم أر فيه شيئاً لمن يعتمد غير هذا فإن قصد به التنظف وسهولة الاستنجاء فهو حسن محبوب والله أعلم» اهـ. قلت: وأمَّا حكم حلق العانة فقد قال الحافظ العراقي ﵀ في [طرح التثريب] (٢/ ٣٤): «وهو مستحب إجماعاً». وقال العلامة النووي ﵀ في [المجموع] (١/ ٢٨٩): «وأمَّا حلق العانة فمتفق علي أنَّه سنة أيضاً وهل يجب على الزوجة إذا أمرها زوجها: فيه قولان

стр. 464

مشهوران أصحهما الوجوب: وهذا إذا لم يفحش بحيث ينفر التواق فإن فحش بحيث نفره وجب قطعاً» اهـ. قلت: الاستحداد مستحب في حق الرجال والنساء، ومن استحب للنساء النتف دون الحلق كما ذهب إليه العلامة النووي ﵀ فليس معه في ذلك حجة معتبرة. وقد جاء في صحيح البخاري (٥٠٧٩)، ومسلم (٣٦٢٥) عن جابر بن عبد الله عن النبي ﷺ أنه قال: «أَمْهِلُوا حَتَّى تَدْخُلُوا لَيْلاً - أَيْ عِشَاءً - لِكَيْ تَمْتَشِطَ الشَّعِثَةُ وَتَسْتَحِدَّ الْمُغِيبَةُ». قلت: ويشرع أخذ شائر الجسد مما لم يأت الدليل بتحريم أخذه كشعر اليدين والساقين وغير ذلك. فروى البيهقي في [الكبرى] (٧٠٩) أَخْبَرَنَاهُ يَحْيَى بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى، ثنا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، ثنا بَحْرُ بْنُ نَصْرٍ، ثنا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ اللَّيْثِيُّ، عَنْ نَافِعٍ، أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ «كَانَ يَطَّلِي فَيَأْمُرُنِي أَطَّلِيَهُ حَتَّى إِذَا بَلَغَ سِفْلَتَهُ وَلِيَهَا هُوَ». قلت: إسناده حسن. وهو يدل على أنَّه كان يزيل سائر شعر بدنه بالنورة ولم يقتصر على العانة. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في [شرح عمدة الفقه] (١/ ٢٣٨ - ٢٣٩): «وَأَمَّا الِاسْتِحْدَادُ فَهُوَ اسْتِعْمَالُ الْحَدِيدِ فِي إِزَالَةِ شَعْرِ الْعَانَةِ وَلَوْ قَصَّهُ أَوْ نَتَفَهُ أَوْ تَنَوَّرَ جَازَ، وَالْحَلْقُ أَفْضَلُ، وَالْأَفْضَلُ فِي الْإِبِطِ أَنْ يَنْتِفَهُ وَلَوْ حَلَقَهُ أَوْ قَصَّهُ أَوْ نَوَّرَهُ جَازَ أَيْضًا، وَلَوْ نَوَّرَ غَيْرَ ذَلِكَ مِنْ شِعْرِ السَّاقَيْنِ وَالْفَخِذَيْنِ جَازَ أَيْضًا، نَصَّ عَلَيْهِ،

стр. 465

لِمَا رَوَتْ أُمُّ سَلَمَةَ "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا اطَّلَى بَدَأَ بِعَوْرَتِهِ فَطَلَاهَا بِالنُّورَةِ وَسَائِرَ جَسَدِهِ أَهْلُهُ"، رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَفِيهِ مَقَالٌ لَكِنْ لَا يُنَوِّرُ عَوْرَتَهُ إِلَّا هُوَ أَوْ مَنْ يَحِلُّ لَهُ مَسُّهَا مِنْ زَوْجَةٍ أَوْ أَمَةٍ. قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ النَّسَائِيُّ: "ضَرَبْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ نُورَةً وَنَوَّرْتُهُ بِهَا فَلَمَّا بَلَغَ إِلَى عَانَتِهِ نَوَّرَهَا هُوَ" وَقَالَ نَافِعٌ: "كُنْتُ أَطْلِي ابْنَ عُمَرَ فَإِذَا بَلَغَ عَوْرَتَهُ نَوَّرَهَا هُوَ بِيَدِهِ" رَوَاهُ الْخَلَّالُ، وَتَرْكُ التَّنُّورِ أَفْضَلُ، قَالَ ابْنُ عُمَرَ: "هُوَ مِمَّا أَحْدَثُوا مِنَ النَّعِيمِ"» اهـ. قلت: أثر ابن عمر وارد في دخول الحمام وليس في الإطلاء في النورة فقد رواه ابن أبي شيبة في [مصنفه] (١١٧١) حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَنْصُورٌ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: «لَا تَدْخُلَ الْحَمَّامَ، فَإِنَّهُ مِمَّا أَحْدَثُوا مِنَ النَّعِيمِ». قلت: إسناده صحيح. ٣ - استحباب قص الشارب. قال الإمام مالك ﵀: يؤخذ منه حتى يبدو طرف الشفة. واختلف العلماء في أيهما أفضل في الشارب الحلق أم التقصير. فذهب الإمام مالك ﵀ إلى القص، وكان يبالغ في الحلق ويراه من البدع، ويرى تأديب من فعل ذلك. وذهب الإمام أحمد إلى التخيير بين الحف والتقصير. وذهب أبو حنيفة إلى استحباب الحلق. وليس للشافعي في ذلك نص. وكان أصحاب الشافعي كالمزني والربيع يحفون شواربهم.

стр. 466

قال الحافظ ابن عبد البر ﵀ في [الاستذكار] (٨/ ٤٢٧): «واحتج بعض أصحابنا المتأخرين بأنَّ الشارب لا يقع إلَّا على ما يباشر به شرب الماء من الشفة وهو الإطار فذلك الذي يحفى» اهـ. وقال الحافظ العراقي ﵀ في [طرح التثريب] (٢/ ٣٥): «وهو مجمع على استحبابه وذهب بعض الظاهرية إلى وجوبه لقوله: "قصوا الشوارب" رواه أحمد من حديث أبي هريرة، وهو عند مسلم بلفظ: "جزوا"، وأخرجه الشيخان من حديث ابن عمر بلفظ: "أحفوا" وفي رواية للبخاري: "أنهكوا الشوارب". والمختار في صفة قصه أن يقص منه حتى يبدو طرف الشفة، وهو حمرتها ولا يحفيه من أصله، وهو قول مالك والشافعي، وكان مالك يرى حلقه مثلة ويأمر بأدب فاعله وكان يكره أن يأخذ من أعلاه وذهب ابن عمر وبعض التابعين إلى استحباب إحفائه واستئصاله، وهو قول الكوفيين واستدلوا بما تقدم من قوله "أحفوا" و"جزوا" وفي بعضها "أنهكوا" وبرواية النسائي في حديث الباب "وحلق الشارب" وحمل الأولون الجز، والإحفاء على القص، وحمله بعضهم على إحفاء ما طال على الشفتين. ويدل على أنَّ المراد التقصير لا استئصاله رواية النسائي من رواية سعيد المقبري عن أبي هريرة "وتقصير الشارب". ويدل على ذلك أيضاً: قصه ﷺ شارب المغيرة بن المغيرة على سواك كما رواه أبو داود، والنسائي، والترمذي في "الشمائل" فلو كان المراد استئصاله لما وضع السواك حتى يقطع ما زاد عليه وذهب بعض العلماء إلى أنَّه مخير بين الأمرين حكاه القاضي عياض» اهـ.

стр. 467

قلت: حديث المغيرة رواه أحمد (١٧٥٠٢، ١٧٥٢٦)، وأبو داود (١٦٠)، والترمذي في [الشمائل] (١٦٥) من طريق وكيع عن مسعر عن أبي صخرة جامع بن شداد عن مغيرة بن عبد الله عن المغيرة بن شعبة قال: «ضِفْتُ النَّبِىَّ ﷺ ذَاتَ لَيْلَةٍ فَأَمَرَ بِجَنْبٍ فَشُوِىَ وَأَخَذَ الشَّفْرَةَ فَجَعَلَ يَحُزُّ لِى بِهَا مِنْهُ - قَالَ - فَجَاءَ بِلَالٌ فَآذَنَهُ بِالصَّلَاةِ - قَالَ - فَأَلْقَى الشَّفْرَةَ وَقَالَ: " مَا لَهُ تَرِبَتْ يَدَاهُ " وَقَامَ يُصَلِّى». زَادَ الأَنْبَارِىُّ: «وَكَانَ شَارِبِى وَفَى فَقَصَّهُ لِى عَلَى سِوَاكٍ. أَوْ قَالَ: "أَقُصُّهُ لَكَ عَلَى سِوَاكٍ"». ورواه النسائي في [الكبرى] (٦٦٥٥) أخبرنا يوسف بن عيسى قال أنا الفضل بن موسى قال أنا مسعر به، وليس في حديثه ذكر السواك. قلت: هذا حديث صحيح، رجاله كلهم ثقات والمغيرة بن عبد الله أخرج له مسلم في الأصول. قلت: رواية النسائي بلفظ "الحلق" لا تصح. قال الحافظ ابن حجر ﵀ في [الفتح] (١٠/ ٣٩١): «وورد الخبر بلفظ الحلق وهي رواية النسائي عن محمد بن عبد الله بن يزيد عن سفيان بن عيينة بسند هذا الباب ورواه جمهور أصحاب بن عيينة بلفظ القص وكذا سائر الروايات عن شيخه الزهري» اهـ. قلت: الأحاديث الواردة في الشوارب واردة بلفظ القص، والجز، والحف، والنهك. وأكثر الروايات جاءت بلفظ "القص".

стр. 468

قال الحافظ ابن حجر ﵀ في [الفتح] (١٠/ ٣٩١): «وأمَّا القص فهو الذي في أكثر الأحاديث كما هنا وفي حديث عائشة وحديث أنس كذلك كلاهما عند مسلم وكذا حديث حنظلة عن ابن عمر في أول الباب» اهـ. قلت: ورواية القص صريحة في المقصود، وأمَّا سائر الألفاظ فقد تنازع العلماء في المراد بها، فذهب بعض العلماء إلى أنَّ المراد بذلك الحلق، وذهب آخرون إلى أنَّ المراد بذلك المبالغة في القص، وذهب آخرون إلى أنَّ المراد بذلك حف، وجز، ونهك طرف الشارب حتى يبدو طرف الشفة. قال العلامة الباجي ﵀ في [المنتقى] (٧/ ٢٦٦): «وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ : "أَحْفُوا الشَّوَارِبَ" قَالَ: صَاحِبُ الْأَفْعَالِ مَعْنَاهُ قُصُّوهَا قَالَ: مَالِكٌ ﵀ وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ أَنَّهُ كَانَ إذَا أَحْزَنَهُ أَمْرٌ فَتَلَ شَارِبَهُ وَلَوْ كَانَ مَحْلُوقًا مَا كَانَ فِيهِ مَا يُفْتَلُ. وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ أَيْضًا مَا رَوَى سَعِيدٌ الْمَقْبُرِيُّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "خَمْسٌ مِنْ الْفِطْرَةِ تَقْلِيمُ الْأَظْفَارِ وَقَصُّ الشَّارِبِ". وَاحْتَجُّوا بِمَا رَوَى نَافِعٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "انْهَكُوا الشَّوَارِبَ" وَلَا حُجَّةَ فِيهِ؛ لِأَنَّ إنْهَاكَ الشَّيْءِ لَا يَقْتَضِي إزَالَةَ جَمِيعِهِ وَإِنَّمَا يَقْتَضِي إزَالَةَ بَعْضِهِ قَالَ: صَاحِبُ الْأَفْعَالِ نَهَكَتْهُ الْحُمَّى نَهْكًا أَثَّرَتْ فِيهِ وَكَذَلِكَ الْعِبَادَةُ» اهـ. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في [شرح عمدة الفقه] (١/ ٢٣٥ - ٢٣٦):

стр. 469

«وَتَحْصُلُ السُّنَّةُ بِقَبْضَةٍ حَتَّى يَبْدُوَ الْإِطَارُ وَهُوَ طَرَفُ الشَّفَةِ، وَكُلَّمَا أُخِذَ فَوْقَ ذَلِكَ فَهُوَ أَفْضَلُ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَلَا يُسْتَحَبُّ حَلْقُهُ؛ لِأَنَّ فِي لَفْظِ الْبُخَارِيِّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "انْهَكُوا الشَّوَارِبَ وَأَعْفُوا اللِّحَى". قَالَ الْبُخَارِيُّ: "وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يُحْفِي شَارِبَهُ حَتَّى يُنْظَرَ إِلَى مَوْضِعِ الْحَلْقِ" وَرَوَى حَرْبٌ فِي مَسَائِلِهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَافِعٍ قَالَ: رَأَيْتُ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ وَسَلَمَةَ بْنَ الْأَكْوَعِ، وَجَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، وَابْنَ عُمَرَ، وَأَبَا أُسَيْدٍ يَجُزُّونَ شَوَارِبَهُمْ أَخَا الْحَلْقِ» اهـ. قلت: لم يكن ابن عمر ﵁ يحلق شاربه ولكن كان يبالغ في قصه حتى يبدوا بياض الجلد فقد روى الطحاوي في [شرح معاني الآثار] (٦٥٦٨) حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي دَاوُدَ، قَالَ: ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ يُونُسَ، قَالَ: ثنا عَاصِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: «أَنَّهُ كَانَ يُحْفِي شَارِبَهُ، حَتَّى يُرَى بَيَاضُ الْجِلْدِ». قلت: هذا أثر صحيح، وابن أبي داود اسمه إبراهيم. وقد رواه البخاري معلقاً. قلت: ومما يدل على أنَّ المراد بالحف إزالة ما تدلى على الشفه من الشارب ما رواه ابن أبي عاصم في [الآحاد] (١٢٣٦، ٢٤١٣)، والطبراني في [الكبير] (٣٢١٨) من طريق أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ الْوَهَّابِ بْنِ نَجْدَةَ الْحَوْطِيُّ، ثنا أَبِي، ثنا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ، عَنْ شُرَحْبِيلَ بْنِ مُسْلِمٍ، قَالَ: «رَأَيْتُ خَمْسَةً مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ يُقْمُونَ شَوَارِبَهُمْ وَيُعْفُونَ لِحَاهُمْ وَيُصَفِّرُونَها. أَبُو أُمَامَةَ الْبَاهِلِيُّ

стр. 470

وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُسْرٍ الْمَازِنِيُّ، وَعُتْبَةُ بْنُ عَبْدٍ السَّلَمِيُّ، وَالْحَجَّاجُ بْنُ عَامِرٍ الثُّمَالِيُّ، وَالْمِقْدَامُ بْنُ مَعْدِي كَرِبَ ﵃ كَانُوا يُقْمُونَ مَعَ طَرَفِ الشَّفَةِ». قلت: إسناده حسن. قال العلامة ابن الأثير ﵀ في [النهاية] (٤/ ١٧٨) - في معنى: «يُقْمُونَ»: «أي يَسْتَأصِلُونها قَصّاً تَشْبيهاً بِقَمّ البيت وكَنْسه» اهـ. قلت: واختلف العلماء في السبالين هل يتركان، أم يقصان مع الشارب، والسبالان هما طرفا الشارب، وقد ذهب إلى تركهما الغزالي في "الإحياء". قال الحافظ العراقي ﵀ في [طرح التثريب] (٢/ ٣٧): «وكره بعضهم بقاء السبال لما فيه من التشبه بالأعاجم بل بالمجوس وأهل الكتاب وهذا أولى بالصواب لما رواه ابن حبان في صحيحه من حديث ابن عمر قال: "ذكر لرسول الله ﷺ المجوس فقال: إنَّهم يوفرون سبالهم ويحلقون لحاهم فخالفوهم " فكان ابن عمر يجز سباله كما تجز الشاة أو البعير. وروى أحمد في "مسنده" في أثناء حديث لأبي أمامة "فقلنا: يا رسول الله فإن أهل الكتاب يقصون عثانينهم ويوفرون سبالهم. فقال النبي ﷺ : قصوا سبالكم ووفروا عثانينكم وخالفوا أهل الكتاب"، والعثانين بالعين المهملة، والثاء المثلثة وتكرار النون جمع عثنون: اللحية» اهـ. قلت: حديث ابن عمر رواه الطبراني في [المعجم الأوسط] (١٠٥١، ١٦٢٢)، وابن حبان (٥٤٧٦)، والبيهقي في [الكبرى] (٦٧٩)، وابن حبان في [صحيحه] (٥٤٧٦)، وأبو نعيم في [الحلية] (٤/ ٩٤): من طريق معقل بن عبيد الله عن ميمون بن مهران عن ابن عمر به.

стр. 471

قلت: هذا إسناد حسن من أجل معقل فإنه حسن الحديث. وأمَّا حديث أبي أمامة فرواه أحمد (٢٢٣٣٧)، والطبراني في [المعجم الكبير] (٧٩٢٤)، والبيهقي في [الشعب] (٥٩٨٧) من طريق عبد الله بن العلاء بن زبر حدثني القاسم قال سمعت أبا أمامة يقول: «خَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى مَشْيَخَةٍ مِنَ الأَنْصَارٍ بِيضٌ لِحَاهُمْ فَقَالَ: "يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ حَمِّرُوا وَصَفِّرُوا، وَخَالِفُوا أَهْلَ الْكِتَابِ". قَالَ: فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ يَتَسَرْوَلَونَ وَلْا يَأْتَزِرُونَ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "تَسَرْوَلُوا وَائْتَزِرُوا وَخَالِفُوا أَهْلَ الْكِتَابِ". قَالَ: فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ يَتَخَفَّفُونَ وَلَا يَنْتَعِلُونَ. قَالَ: فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "فَتَخَفَّفُوا وَانْتَعِلُوا وَخَالِفُوا أَهْلَ الْكِتَابِ". قَالَ: فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ يَقُصُّونَ عَثَانِينَهُمْ وَيُوَفِّرُونَ سِبَالَهُمْ. قَالَ: فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "قُصُّوا سِبَالَكُمْ وَوَفِّرُوا عَثَانِينَكُمْ وَخَالِفُوا أَهْلَ الْكِتَابِ "». قلت: هذا إسناد حسن من أجل القاسم وهو ابن عبد الرحمن فإنه حسن الحديث. قلت: وقد تنازع العلماء في حكم الأخذ من الشارب فذهب أكثر العلماء إلى استحبابه، وذهب ابن حزم إلى وجوبه. ومما يحتج به على الوجوب ما رواه البخاري (٥٨٩٢)، ومسلم (٦٠١) عن ابن عمر ﵁: عن النبي صلى الله عليه و سلم قال: «خَالِفُوا الْمُشْرِكِينَ وَفِّرُوا اللِّحَى وَأَحْفُوا الشَّوَارِبَ». وفي لفظ عند البخاري (٥٨٩٣) «انْهَكُوا الشَّوَارِبَ وَأَعْفُوا اللِّحَى».

стр. 472

وروى مسلم (٦٠٢) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ «جُزُّوا الشَّوَارِبَ وَأَرْخُوا اللِّحَى خَالِفُوا الْمَجُوسَ». ووجه الدلالة في هذه الأحاديث على الوجوب من وجهين: الوجه الأول: الأمر بالحف، والنهك، والجز، والأصل فيه الوجوب. الوجه الآخر: أنَّ ذلك من مخالفة المشركين. قلت: وللمستحب أن يقول: هذه الأوامر مصروفة بأحاديث القص. ومخالفة الكفار منها ما هي مستحبة كصبغ اللحية، ولبس النعال، ومنها ما هي واجبة كمخالفتهم في شعائرهم التي يختصون بها دون غيرهم. ومما يحتج به أيضاً على الوجوب، ما رواه أحمد (١٩٢٨٣، ١٩٢٩٢)، الترمذي (٢٧٦١)، والنسائي في [الكبرى] (٩٢٩٣، ١٤) من طريق يوسف بن صهيب عن حبيب بن يسار عن زيد بن أرقم: أنَّ رسول الله ﷺ قال: «مَنْ لَمْ يَأْخُذْ مِنْ شَارِبِهِ فَلَيْسَ مِنَّا». قلت: هذا حديث صحيح. قلت: وللمُسْتَحِبِ أن يقول: إنَّ هذه العبارة تستعمل أيضاً، في ترك المستحبات، كما روى البخاري (٧٥٢٧) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَتَغَنَّ بِالْقُرْآنِ». والمراد بالتغني بالقرآن تحسين الصوت بالقراءة. قال العلامة ابن القيم ﵀ في [مدارج السالكين] (١/ ٤٨٩): «والصحيح: أنَّه من التغني بمعنى تحسين الصوت وبذلك فسره الإمام أحمد ﵀ فقال: يحسنه بصوته ما استطاع» اهـ.

стр. 473

وروى أحمد (٢٣٠٦٩)، وأبو داود (١٤٢١) من طريق الفضل بن موسى عن عبيد الله العتكي عن عبد الله بن بريدة عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ : «الْوِتْرُ حَقٌّ فَمَنْ لَمْ يُوتِرْ فَلَيْسَ مِنَّا الْوِتْرُ حَقٌّ فَمَنْ لَمْ يُوتِرْ فَلَيْسَ مِنَّا الْوِتْرُ حَقٌّ فَمَنْ لَمْ يُوتِرْ فَلَيْسَ مِنَّا». قلت: هذا حديث حسن. رجاله ثقات غير عبيد الله العتكي فهو حسن الحديث. ورواه أحمد (٩٧١٥) ثنا وكيع قال ثنا خليل بن مرة عن معاوية بن قرة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «مَنْ لَمْ يُوتِرْ فَلَيْسَ مِنَّا». قال الحافظ ابن حجر ﵀ في [التلخيص الحبير] (٢/ ١١٥): «وفيه الخليل بن مرة وهو منكر الحديث، وفي الإسناد انقطاع بين معاوية بن قرة، وأبي هريرة كما قال أحمد» اهـ. ورواه عبد الرزاق في [مصنفه] (٤٥٧٩) عن معمر عن الحسن قال: قال رسول الله ﷺ «إِنَّ اللَّهَ وِتْرٌ يُحِبُّ الْوِتْرَ، فَمَنْ لَمْ يُوتِرْ فَلَيْسَ مِنَّا». قلت: هذا إسناد مرسل. ٤ - استحباب تقليم الأظفار. قال الحافظ ابن حجر ﵀ في [فتح الباري] (١٠/ ٣٨٩) «والمراد إزالة ما يزيد على ما يلابس رأس الأصبع من الظفر لأنَّ الوسخ يجتمع فيه فيستقذر وقد ينتهي إلى حد يمنع من وصول الماء إلى ما يجب غسله في الطهارة» اهـ. قلت: وهناك مفسدة أخرى في إطالة الأظفار ذكرها الحافظ ابن حجر ﵀ في المصدر السابق حيث قال:

стр. 474

«لكن قد يعلق بالظفر إذا طال النجو لمن استنجى بالماء ولم يمعن غسله فيكون إذا صلى حاملاً للنجاسة» اهـ. وأمَّا حكم تقليم الأظفار فهو مستحب قال العلامة الشوكاني ﵀ في [نيل الأوطار] (١/ ١٣٣): «وهو سنة بالاتفاق» اهـ. ٥ - السنة في الإبط النتف دون الحلق لأنَّ الشعر يغلظ بالحلق ويكثر ويكون أجلب للرائحة الكريهة. وقال العلامة النووي ﵀ في [المجموع] (١/ ٢٨٨): «وأمَّا نتف الإبط فمتفق أيضاً على أنَّه سنة» اهـ. قال الحافظ العراقي ﵀ في [طرح التثريب] (٢/ ٤٣): «وهو مجمع على استحبابه وسنيته وتحصل أصل السنة بإزالته بأي وجه كان من الحلق، والقص، والنورة. وحكي عن يونس بن عبد الأعلى قال: دخلت على الشافعي رحمه الله تعالى وعنده المزين يحلق إبطه فقال الشافعي: علمت أنَّ السنة النتف ولكن لا أقوى على الوجع. ويستحب الابتداء بالإبط الأيمن» اهـ. قلت: والإبط بسكون الموحدة على الأصح. قال العلامة الفيومي ﵀ في [المصباح المنير] (١/ ١): «الْإِبْطُ مَا تَحْتَ الْجَنَاحِ وَيُذَكَّرُ وَيُؤَنَّثُ فَيُقَالُ هُوَ الْإِبْطُ وَهِيَ الْإِبْطُ وَمِنْ كَلَامِهِمْ رَفَعَ السَّوْطَ حَتَّى بَرَقَتْ إبْطُهُ وَالْجَمْعُ آبَاطٌ مِثْلُ حِمْلٍ وَأَحْمَالٍ وَيَزْعُمُ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ أَنَّ كَسْرَ الْبَاءِ لُغَةٌ وَهُوَ غَيْرُ ثَابِتٍ لِمَا يَأْتِي فِي إبِلٍ» اهـ.

стр. 475

قلت: والأحسن ألَّا يتجاوز المرء أربعين يوماً في قص الأظفار والشارب، وحلق العانة، ونتف الإبط لما رواه مسلم (٢٥٨) عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ أَنَسٌ: «وُقِّتَ لَنَا فِي قَصِّ الشَّارِبِ وَتَقْلِيمِ الْأَظْفَارِ وَنَتْفِ الْإِبِطِ وَحَلْقِ الْعَانَةِ أَنْ لَا نَتْرُكَ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً». وإذا أخذ ذلك في كل جمعة فهو حسن لما رواه ابن وهب في [جامعه] (٢٢٠)، ومن طريقه البيهقي في [الكبرى] (٥٩٦٤) عن حَيَوَةَ بْنِ شُرَيْحٍ، عَنْ بَكْرِ بْنِ عَمْرّو، عَنْ بُكَيْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ نَافِعٍ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ: «كَانَ يُقَلِّمُ أَظَافِرَهُ، وَيَقُصُّ شَارِبَهُ فِي كُلِّ جُمُعَةٍ». قلت: هذا أثر صحيح. وقد جاء مرفوعاً ولا يثبت. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في [شرح عمدة الفقه] (١/ ٢٤١): «وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَأْخُذَ الظُّفْرَ فِي كُلِّ أُسْبُوعٍ» اهـ. فائدة: قال العلامة ابن القيم ﵀ في [التبيان] (ص: ٣١٧ - ٢١٨): «فصل: وأمَّا شعر العانة والأبط والأنف فمنفعته تنقية البدن من الفضلة ولهذا إذا أزيل من هذا الموضع وجد البدن خفة ونشاطاً وإذا وفر وجد ثقلاً وكسلاً وغماً ولهذا جاءت الشريعة بحلق العانة ونتف الإبط وكان حلق العانة أولى من نتفها لصلابة الشعر وتأذي صاحبها بنتفه وكان نتف الإبط أولى من حلقه لضعف الشعر هناك وشدته وتعجل نباته بالحلق فجاءت الشريعة بالأنفع في هذا وهذا» اهـ. * * *

стр. 476

قال المؤلف رحمه الله تعالى: باب الغسل من الجنابة ٢٩ - عنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَقِيَهُ في بعْضِ طُرُقِ المدينَةِ وهو جُنُبٌ، قالَ: فَانْخَنَسْتُ مِنْهُ، فَذَهَبْتُ فَاغْتَسَلْتُ ثُمَّ جِئْتُ، فقَالَ: "أَيْنَ كُنْتَ يا أَبا هُرَيْرَةَ؟ " قَالَ: كُنْتُ جُنُبَاً فَكَرِهْتُ أَنْ أُجالِسَكَ على غَيْرِ طَهارَةٍ، فَقَالَ: "سُبْحانَ اللهِ، إِنَّ المُؤْمِنَ لايَنْجُسُ"». قوله: «كُنْتُ جُنُبَاً» أي ذا جنابة قال العلامة ابن دقيق العيد ﵀ في [إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام] (١/ ٦٤): «الجنابة دالة على معنى البعد ومنه قوله تعالى: ﴿وَالْجَارِ الْجُنُبِ (٣٦)﴾ [النساء: ٣٦]، وعن الشافعي أنَّه قال: إنَّما سمي جنباً من المخالطة ومن كلام العرب: أجنب الرجل إذا خالط امرأته. قال بعضهم: وكأنَّ هذا ضد للمعنى الأول كأنَّه من القرب منها. وهذا لا يلزم فإن مخالطتها مؤدية إلى الجنابة التي معناها البعد على ما قدمناه» اهـ. قلت: وسمي جنباً لأنَّه يجتنب الصلاة والمسجد ويتباعد عنها، أو لابتعاد الماء عن محله. قوله: «فَانْخَنَسْتُ مِنْهُ» أي مضيت عنه مستخفياً. وفي الحديث مسائل منها:

стр. 477

١ - أنَّه يجوز للجنب الاختلاط بالناس ومصافحتهم ومحادثتهم. ٢ - ويدل على أنَّ المؤمن طاهر حياً وميتاً. وفي ميتة الآدمي خلاف فمذهب الشافعي وأحمد في إحدى الروايتين عنهما الطهارة وهو المعتمد عند المالكية، وفي الرواية الأخرى عنهما أنَّ بدن الميت نجس وهو مذهب الحنفية. والصحيح طهارته لحديث الباب. وقد روى ابن أبي شيبة في [مصنفه] (١١٢٤٦): حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «لَا تُنَجِّسُوا مَوْتَاكُمْ فَإِنَّ الْمُؤْمِنَ لَيْسَ بِنَجِسٍ حَيًّا، وَلَا مَيِّتًا». قلت: هذا أثر صحيح، وقد رواه البخاري معلقاً. ٣ - استدل بهذا الحديث القائلون بمشروعية الصلاة على الميت في المسجد، وهم الجمهور، وكرهه ابن أبي ذئب وأبو حنيفة ومالك في المشهور عنه، وكل من قال بنجاسة الميت. قلت: الصحيح المشروعية وقد روى مسلم (٩٧٣) عَنْ عَبَّادِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ: «أَنَّ عَائِشَةَ أَمَرَتْ أَنْ يَمُرَّ بِجَنَازَةِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ فِي الْمَسْجِدِ فَتُصَلِّيَ عَلَيْهِ فَأَنْكَرَ النَّاسُ ذَلِكَ عَلَيْهَا فَقَالَتْ: مَا أَسْرَعَ مَا نَسِيَ النَّاسُ مَا صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى سُهَيْلِ بْنِ الْبَيْضَاءِ إِلَّا فِي الْمَسْجِدِ». قال العلامة النووي ﵀ في [شرح مسلم] (٧/ ٤٣): «وفي هذا الحديث دليل للشافعي والأكثرين في جواز الصلاة على الميت في المسجد وممن قال به أحمد

стр. 478

وإسحاق. قال ابن عبد البر: ورواه المدنيون في الموطأ عن مالك، وبه قال ابن حبيب المالكي. وقال ابن أبي ذئب وأبو حنيفة ومالك على المشهور عنه لا تصح الصلاة عليه في المسجد» اهـ. ٤ - استدل بهذا الحديث القائلون بمشروعية مكث الجنب في المسجد. قلت: وهذه المسألة اختلف فيها العلماء قال العلامة النووي ﵀ في [المجموع] (٢/ ١٦٠): «"فرع" في مذاهب العلماء في مكث الجنب في المسجد وعبوره فيه بلا مكث: مذهبنا أنَّه يحرم عليه المكث في المسجد جالساً أو قائماً أو متردداً أو على أي حال كان متوضأ كان أو غيره، ويجوز له العبور من غير لبث سواء كان له حاجة أم لا. وحكي ابن المنذر مثل هذا عن عبد الله بن مسعود وابن عباس وسعيد بن المسيب والحسن البصري وسعيد بن جبير وعمرو بن دينار ومالك. وحكي عن سفيان الثوري وأبي حنيفة وأصحابه وإسحاق بن راهويه أنَّه لا يجوز له العبور إلَّا أن لا يجد بداً منه فيتوضأ ثم يمر. وقال أحمد يحرم المكث ويباح العبور لحاجة ولا يباح لغير حاجة، قال: ولو توضأ استباح المكث. وجمهور العلماء علي أنَّ الوضوء لا أثر له في هذا وقال المزني وداود وابن المنذر يجوز للجنب المكث في المسجد مطلقاً وحكاه الشيخ أبو حامد عن زيد بن أسلم» اهـ.

стр. 479

قلت: الصحيح في ذلك منع المكث دون العبور لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا (٤٣)﴾ [النساء: ٤٣]. واختلف العلماء في معناها على قولين: أحدهما: أنَّ الجنب لا يحل له المكث في المسجد، وله أن يجتاز. وهذا قول الجمهور، وألحقوا بذلك الحائض لأنَّ الحدث بها أغلظ. والآخر: أنَّ المراد بها المسافر إذا أجنب، ولم يجد الماء تيمم، وصلى. أقول: هذا القول وإن قال به بعض أهل العلم فلا يظهر لي أنَّه صواب، وذلك لعدة أمور: ١ - أنَّه على هذا التفسير يَصيِّر معنى الآية أنَّ الجنب له أن يصلي حال الجنابة إن كان مسافراً، من غير غسل، ولا تيمم، إذ ليس في الآية اشتراط التيمم، وهذا لا شك في فساده، وفساد هذا اللازم يدل على فساد هذا التفسير، فإن قيل: قد دلت الأدلة الأخرى على وجوب التيمم لمن لم يجد الماء، أو لم يتمكن من استعماله. فأقول: إنَّ التيمم يرفع الجنابة رفعاً مؤقتاً إلى وجود الماء، أو القدرة على استعماله، فلا يسمى المتيمم بعد التيمم جنباً، والله سماه في الآية جنباً فقال : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا (٤٣)﴾ [النساء: ٤٣]، فالآية إنَّما تدل على فعل يفعله الجنب حال جنابته، وهذا الفعل ليس هو الصلاة قطعاً، فإنَّ الصلاة لا

стр. 480

تصح مع الجنابة إلَّا لفاقد الطهورين، فتعين أنَّ المراد بالآية هو عبور الجنب في المسجد، فإنَّ هذا الفعل هو الذي يتصور حصوله من الجنب حال جنابته. ٢ - أنّ هذا التفسير يوهم أنَّ حكم التيمم مختص بالمسافر، والأمر أوسع من ذلك، قال تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٦)﴾ [المائدة: ٦]. وقال تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا (٤٣)﴾ [النساء: ٤٣]. ٣ - أنَّه يصير تفسير الآية على هذا القول: لكم أن تقربوا الصلاة وأنتم جنباً إذا كنتم عابري سبيل في سفركم وتيممتم. وهذا الحكم قد جاء بيانه بعد ذلك. قال الله : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا (٤٣)﴾ [النساء: ٤٣]. فإذا كان حكم تيمم الجنب إذا لم يجد الماء في سفره قد بُيِّن في آخر الآية، فلا يستقيم تفسير أولها بذلك، إذ يصير هذا من باب التكرار الذي ينزه عنه كلام الله .

стр. 481

فأمَّا إذا فسرنا العبور في الآية بالعبور في المسجد، فليس في الآية حينئذ تكرار. ويكون معنى الآية على هذا التفسير: لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون، ولا تقربوا أماكنها وأنتم جنب، إلَّا أن تكونوا عابري سبيل فيها، والصلاة تطلق على موضعها كقوله تعالى: ﴿لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ﴾ [الحج: ٤٠]. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في [شرح العمدة] (١/ ٣٩٠ - ٣٩١): «وقد فسرها آخرون بأنَّ المسافر إذا لم يجد الماء تيمم لأنَّ الصلاة هي الأفعال أنفسها. القول على ظاهره ضعيف لأنَّ المسافر قد ذكر في تمام الآية، فيكون تكريراً، ولأنَّ المسافر لا تجوز له صلاة مع الجنابة إلَّا في حال عدم الماء، وليس في قوله: ﴿إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ (٤٣)﴾ متعرض لذلك، ولأنَّه كما تجوز الصلاة مع الجنابة للمسافر، فكذلك للمريض، ولم يستثن كما استثني المسافر، فلو قصد ذلك ليبين كما بين في آخر الآية المريض والمسافر إذا لم يجد الماء، ولأنَّ في حمل الآية على ذلك لزوم التخصيص في قوله تعالى: ﴿عَابِرِي سَبِيلٍ (٤٣)﴾، ويكون المخصوص أكثر من الباقي فإنَّ واجد الماء أكثر من عادمه، ولا قوله: ﴿وَلَا جُنُباً﴾ لاستثناء المريض أيضاً، وفيه تخصيص أحد السببين بالذكر مع استوائهما في الحكم، ولأنَّ عبور السبيل حقيقته المرور، والاجتياز، والمسافر قد يكون لابثاً، وماشياً، فلو أريد المسافر لقيل إلَّا من سبيل كما في الآيات التي عني بها المسافرين» اهـ. قلت: إذا تبين هذا فهناك أدلة أخرى احتج بها الجمهور على تحريم مكث الجنب أو الحائض في المسجد منها:

стр. 482

١ - حديث أم عطية ﵂ قالت: «أُمِرْنَا أَنْ نُخْرِجَ الْحُيَّضَ يَوْمَ الْعِيدَيْنِ وَذَوَاتِ الْخُدُورِ فَيَشْهَدْنَ جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ وَدَعْوَتَهُمْ وَيَعْتَزِلُ الْحُيَّضُ عَنْ مُصَلاَّهُنَّ قَالَتِ امْرَأَةٌ يَا رَسُولَ اللهِ إِحْدَانَا لَيْسَ لَهَا جِلْبَابٌ قَالَ: "لِتُلْبِسْهَا صَاحِبَتُهَا مِنْ جِلْبَابِهَا"». أخرجه البخاري (٣٥١)، ومسلم (٨٩٠) وغيرهما. ووجه الشاهد من الحديث الأمر باعتزال الحيض للمصلى، فلما أمرت باعتزال المصلى كان اعتزالها للمسجد من باب أولى. قال ابن بطال في [شرح البخاري] (١/ ٤٩٩): «وأقوى ما يستدل به على طهارة الحائض مباشرته ﷺ لأزواجه وهن حيض فيما فوق المئزر، إلَّا أنَّها، وإن كانت طاهراً، فإنَّه لا يجوز لها دخول المسجد بإجماع، لأمره في العيدين باعتزال الحيض المصلى» اهـ. وقد تأول بعض أهل العلم المعاصرين الحديث على أنَّ المراد بالمصلى الصلاة، فيصير معنى الحديث على هذا التأويل: ويعتزل الحيض الصلاة. والذي دفعه إلى هذا التأويل هو أنَّ صلاة النبي ﷺ كانت في فلاة من الأرض، والفلاة أرض واسعة غير محدودة الأطراف، فلا يتصور حينئذ اعتزال المصلى من جهة الحيض من النساء، فلهذا تأول المصلى على الصلاة. قلت: وهذا التأويل غير صحيح لثلاثة أوجه: الأول: أنَّه صرف للكلام عن ظاهره، والأصل إجراء الكلام على ظاهره.

стр. 483

الثاني: أنِّي لم أقف على أحد ممن تقدم من أهل العلم ممن تكلم على هذا الحديث تأول فيه هذا التأويل. الثالث: القول بأنَّ مصلى العيد لم يكن محدوداً ليس بصواب، فقد بوب البخاري ﵀ في [صحيحه] باباً قال فيه: «باب العلم الذي في المصلى» ثم روى حديثاً (٩٧٧) عن عبد الرحمن بن عابس قال: «سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ قِيلَ لَهُ أَشَهِدْتَ الْعِيدَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: نَعَمْ وَلَوْلَا مَكَانِي مِنَ الصِّغَرِ مَا شَهِدْتُهُ حَتَّى أَتَى الْعَلَمَ الَّذِي عِنْدَ دَارِ كَثِيرِ بْنِ الصَّلْتِ فَصَلَّى ثمَّ خَطَبَ ثُمَّ أَتَى النِّسَاءَ وَمَعَهُ بِلَالٌ فَوَعَظَهُنَّ وَذَكَّرَهُنَّ وَأَمَرَهُنَّ بِالصَّدَقَةِ فَرَأَيْتُهُنَّ يُهْوِينَ بِأَيْدِيهِنَّ يَقْذِفْنَهُ فِي ثَوْبِ بِلَالٍ ثُمَّ انْطَلَقَ هُوَ وَبِلَالٌ إِلَى بَيْتِهِ». قلت: وهذا مما يدل على أنَّ مصلى العيد كان محدوداً معلوماً، وعلى فرض أنَّه لم يكن محدوداً، فالمراد بالحديث أن يعتزل الحيض المكان الذي تقام فيه الصلاة من الأرض، فيبتعدن عن مكان صلاتهم إلى مكان لا تصل إليه الصفوف، وهذا الأمر يمكن إدراكه، وإن لم يكن المصلى محدوداً. والله أعلم. ٢ - حديث عن عائشة ﵂ قالت: «خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ : لَا نَذْكُرُ إِلاَّ الْحَجَّ فَلَمَّا جِئْنَا سَرِفَ طَمِثْتُ فَدَخَلَ عَلَيَّ النَّبِيُّ ﷺ وَأَنَا أَبْكِي فَقَالَ: "مَا يُبْكِيكِ" قُلْتُ: لَوَدِدْتُ وَاللَّهِ أَنِّي لَمْ أَحُجَّ الْعَامَ. قَالَ: "لَعَلَّكِ نُفِسْتِ" قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: "فَإِنَّ ذَلِكَ شَيْءٌ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَى بَنَاتِ آدَمَ فَافْعَلِي مَا يَفْعَلُ الْحَاجُّ غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ حَتَّى تَطْهُرِي"». الحديث أخرجه البخاري (٣٠٥)، ومسلم (١٢١١)، وغيرهما.

стр. 484

قلت: نهي النبي ﷺ لها عن الطواف في البيت، إمَّا لحرمة المسجد الحرام، وإمَّا لأنَّ الطهارة شرط في الطواف قال شيخ الإسلام ابن تيمية كما في [مجموع الفتاوى] (٢١/ ٢٨٠): «وأما الحائض فقد قيل إنَّما منعت من الطواف لأجل المسجد، كما تمنع من الاعتكاف لأجل المسجد، والمسجد الحرام أفضل المساجد، وقد قال تعالى لإبراهيم: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (٢٦)﴾ [الحج: ٢٦]، فأمر بتطهيره فتمنع منه الحائض من الطواف وغير الطواف» اهـ. وقال أيضاً (٢٦/ ١٧٦): «فنهيه الحائض عن الطواف بالبيت إمَّا أن يكون لأجل المسجد لكونها منهية عن اللبث فيه وفي الطواف لبث، أو عن الدخول إليه مطلقاً لمرور، أو لبث، وإمَّا أن يكون لكون الطواف نفسه يحرم مع الحيض كما يحرم على الحائض الصلاة، والصيام بالنص والإجماع، ومس المصحف عند عامة العلماء» اهـ. قلت: ويترجح الأول لوجود ما يدل عليه من أدلة الشرع، كما مرَّ، وأمَّا الآخر فليس هناك ما يدل عليه فإنَّه لم ينقل أحد عن النبي ﷺ أنَّه أمر الطائفين بالوضوء، كما أمر المصلين بالوضوء. ويمكن حمل النهي على الأمرين. ٣ - قال العلامة ابن مفلح ﵀ في [الفروع] (٥/ ١٧٤): «رَوَى ابْنُ بَطَّةَ: حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ إسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ وَأَحْمَدُ بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ ابْنُ بَطَّةَ: حَدَّثَنَا إسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدٍ الصَّفَّارُ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنْصُورٍ الرَّمَادِيُّ قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ حَدَّثَنَا الثَّوْرِيُّ عَنْ الْمِقْدَامِ بْنِ شُرَيْحٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: "كُنَّ

стр. 485

الْمُعْتَكِفَاتُ إذَا حِضْنَ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِإِخْرَاجِهِنَّ عَنْ الْمَسْجِدِ وَأَنْ يَضْرِبْنَ الْأَخْبِيَةَ فِي رَحَبَةِ الْمَسْجِدِ حَتَّى يَطْهُرْنَ"، إسْنَادٌ جَيِّدٌ، وَرَوَاهُ أَبُو حَفْصٍ الْعُكْبَرِيُّ أَيْضًا، وَنَقَلَهُ يَعْقُوبُ بْنُ بُخْتَانَ عَنْ أَحْمَدَ. وَقَالَ أَحْمَدُ: النَّبِيُّ ﷺ قَدْ أَمَرَ أَنْ تُضْرَبَ قُبَّةٌ فِي رَحَبَةِ الْمَسْجِدِ، رَوَاهُ ابْنُ بَطَّةَ بِإِسْنَادِهِ عَنْ يَعْقُوبَ، قَالَ صَاحِبُ الْمُحَرَّرِ: وَهَذَا مِنْ أَحْمَدَ دَلِيلٌ عَلَى ثُبُوتِ الْخَبَرِ عِنْدَهُ» اهـ. قلت: وهذا الحديث صريح الدلالة في منع الحائض من المكث في المسجد لكن ابن بطة متكلم في حفظه قال العلامة الذهبي ﵀ في [المغني في الضعفاء] (٢/ ٤١٧): «عبيد الله بن محمد بن بطة العكبري إمام لكنه لين صاحب أوهام» اهـ. وقال الحافظ الذهبي ﵀ في [ميزان الاعتدال] (٣/ ١٥): «عبيد الله بن محمد بن بطة العكبري الفقيه. إمام لكنه ذو أوهام. لحق البغوي، وابن صاعد. قال ابن أبي الفوارس: روى ابن بطة، عن البغوي، عن مصعب، عن مالك، عن الزهري، عن أنس - مرفوعا: "طلب العلم فريضة على كل مسلم". وهذا باطل. العتيقي، حدثنا ابن بطة، حدثنا البغوي، حدثنا مصعب، حدثنا مالك، عن هشام، عن أبيه … فذكر حديث قبض العلم. وهو بهذا الإسناد باطل.

стр. 486

وقد روى ابن بطة عن النجاد، عن العطاردي، فأنكر عليه على بن ينال، وأساء القول فيه حتى همت العامة بابن ينال فاختفى. وقال أبو القاسم الأزهري: ابن بطة ضعيف ضعيف. قلت: ومع قلة إتقان ابن بطة في الرواية - فكان إماماً في السنة، إماماً في الفقه، صاحب أحوال وإجابة دعوة ﵁». قلت: وعبد الرزاق الصنعاني قال فيه أحمد بن حنبل: عمي في آخر عمره وكان يلقن فيتلقن فسماع من سمع منه بعد المائتين لا شيء. وقال أيضاً: أتيته قبل المائتين وهو صحيح البصر ومن سمع منه بعدما ذهب بصره فهو ضعيف السماع» اهـ. قلت: ابن بطة لم ينفرد بالحديث، فقد رواه أيضاً أبو حفص الْعُكْبَرِيُّ كما سبق، ومما يقوي أمره إثبات الإمام أحمد له. وقد أعله بعضهم بأنَّ سماع أحمد بن منصور الرمادي كان بعد المائتين. قال الحافظ الذهبي ﵀ في [سير أعلام النبلاء] (٢٣/ ٣٨١): «وقال في "تاريخه": سمعت من عبد الرزاق سنة أربع ومائتين» اهـ. لكن قال الحافظ الذهبي ﵀ في [سير أعلام النبلاء] (٢٣/ ٣٨١): «حدث عن: عبد الرزاق بكتبه» اهـ. وقد قال الإمام أحمد ﵀: «من سمع من الكتب فهو أصح» اهـ. وأضف إلى هذا أنَّه تابعه على ذلك زهير بن محمد بن قمير وهو من الثقات ولم يذكر في ترجمته أنَّه روى عن عبد الرزاق بعد ما عمي.

стр. 487

قلت: فالذي يظهر لي ثبوت الحديث. والله أعلم. ٤ - قول الله تعالى ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا (٢٨)﴾ [التوبة/ ٢٨] ووجه الشاهد من الآية أنَّ الله علل المنع من دخول المشركين المسجد الحرام بأنَّهم نَجَس فيستفاد من ذلك منع إدخال النجاسات إلى المسجد. قال العلامة ابن بطال ﵀ في [شرح صحيح البخارى] (٤/ ٣٣٠): «قال المهلب: وإنَّما منعت الحائض الطواف على غير طهارة؛ تنزيهًا للمسجد من النجاسات لقوله : ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا (٢٨)﴾» اهـ. قلت: وفي هذا نظر لأنَّ مقتضى ذلك أن تمنع الحائض من سائر الحرم لأنَّه داخل في مسمى المسجد الحرام وهي لا تمنع من ذلك. وأيضاً لازم ذلك أنَّ المستحاضة وإن تحفظت من وقوع الدم في المسجد تمنع من دخوله، وليس هذا بصحيح فقد كنَّ المستحاضات يعتكفن في المسجد في عهد رسول الله ﷺ . ٥ - روى ابن أبي حاتم في [تَفْسِيرِهِ] (٦٥١٠) حَدَّثَنَا كَثِيرُ بْنُ شِهَابٍ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ سَابِقٍ، ثنا عَمْرُو بْنُ أَبِي قَيْسٍ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ، عَنْ عِيَاضٍ، أَنَّ عُمَرَ، أَمَرَ أَبَا مُوسَى الْأَشْعَرِيَّ أَنْ يَرْفَعَ إِلَيْهِ مَا أَخَذَ وَمَا أَعْطَى فِي أَدِيمٍ وَاحِدٍ وَكَانَ لَهُ كَاتِبٌ نَصْرَانِيٌّ، فَرَفَعَ إِلَيْهِ ذَلِكَ فَعَجِبَ عُمَرُ وَقَالَ: إِنَّ هَذَا لَحَفِيظٌ هَلْ أَنْتَ قَارِئٌ لَنَا كِتَابًا فِي الْمَسْجِدِ جَاءَ مِنَ الشَّامِ؟ فَقَالَ إِنَّهُ لَا يَسْتَطِيعُ، قَالَ عُمَرُ: أَجُنُبٌ

стр. 488

هُوَ؟ قَالَ: لَا بَلْ نَصْرَانِيٌّ، قَالَ: فَانْتَهَرَنِي وَضَرَبَ فَخِذِي قَالَ: أَخْرِجُوهُ، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة: ٥١]. قُلْتُ: إِسْنَادُهُ حَسَنٌ، وعياض هو ابن عمرو الأشعري مختلف في صحبته، وهذا الأثر يدل على أنَّ المتقرر بين الصحابة هو أنَّ الجنب لا يمكث في المسجد. ومما احتج به القائلون بمشروعية مكث الحائض في المسجد. ١ - ما أخرجه البخاري (٤٥٨)، ومسلم (٩٥٦) عن أبي هريرة ﵁: «أَنَّ رَجُلاً أَسْوَدَ، أَوِ امْرَأَةً سَوْدَاءَ - كَانَ يَقُمُّ الْمَسْجِدَ فَمَاتَ فَسَأَلَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْهُ فَقَالُوا مَاتَ قَالَ: " أَفَلَا كُنْتُمْ آذَنْتُمُونِي بِهِ دُلُّونِي عَلَى قَبْرِهِ، أَوْ قَالَ قَبْرِهَا" - فَأَتَى قَبْرَهُ فَصَلَّى عَلَيْهِ». قلت: ولا يتم الاستدلال بهذا الحديث إلَّا بعد إثبات أنَّ هذه المرأة كانت ذات حيض، وأنَّها لم ينقطع حيضها لكبر، أو غيره. هذا الأمر الأول، والأمر الثاني: أنَّه لا بد من إثبات أنَّ هذه المرأة كانت تمكث في المسجد أثناء حيضها، وهذا مما لا يمكن إثباته. الأمر الثالث: أنَّها على فرض مكثها في المسجد حال حيضها، فذلك لأنَّه لا مأوى لها غير المسجد. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كما في [مجموع الفتاوى] (٢٦/ ١٧٧):

стр. 489

«فإنَّ لبثها في المسجد لضرورة جائز كما لو خافت من يقتلها إذا لم تدخل المسجد أو كان البرد شديداً أو ليس لها مأوى إلَّا المسجد» اهـ. قلت: فإذا كان الأمر كذلك فلا يصح الاحتجاج بهذا الحديث على هذه المسألة كما هو ظاهر. والله أعلم. ٢ - ما أخرجه البخاري (٣٨٣٥) عن عائشة ﵂ قالت: «أَسْلَمَتِ امْرَأَةٌ سَوْدَاءُ لِبَعْضِ الْعَرَبِ، وَكَانَ لَهَا حِفْشٌ فِي الْمَسْجِدِ قَالَتْ فَكَانَتْ تَأْتِينَا فَتَحَدَّثُ عِنْدَنَا فَإِذَا فَرَغَتْ مِنْ حَدِيثِهَا قَالَتْ: وَيَوْمُ الْوِشَاحِ مِنْ تَعَاجِيبِ رَبِّنَا … أَلَا إِنَّهُ مِنْ بَلْدَةِ الْكُفْرِ أَنْجَانِي. فَلَمَّا أَكْثَرَتْ قَالَتْ لَهَا عَائِشَةُ: وَمَا يَوْمُ الْوِشَاحِ؟ قَالَتْ: خَرَجَتْ جُوَيْرِيَةٌ لِبَعْضِ أَهْلِي وَعَلَيْهَا وِشَاحٌ مِنْ أَدَمٍ فَسَقَطَ مِنْهَا فَانْحَطَّتْ عَلَيْهِ الْحُدَيَّا وَهْيَ تَحْسِبُهُ لَحْمًا فَأَخَذَتْ فَاتَّهَمُونِي بِهِ فَعَذَّبُونِي حَتَّى بَلَغَ مِنْ أَمْرِي أَنَّهُمْ طَلَبُوا فِي قُبُلِي فَبَيْنَا هُمْ حَوْلِي وَأَنَا فِي كَرْبِي إِذْ أَقْبَلَتِ الْحُدَيَّا حَتَّى وَازَتْ بِرُؤُوسِنَا ثمَّ أَلْقَتْهُ فَأَخَذُوهُ فَقُلْتُ لَهُمْ هَذَا الَّذِي اتَّهَمْتُمُونِي بِهِ وَأَنَا مِنْهُ بَرِيئَةٌ». قلت: الحفش هو البيت الضيق الصغير. وفي رواية للبخاري (٤٣٩) قالت عائشة: «فَكَانَ لَهَا خِبَاءٌ فِي الْمَسْجِدِ، أَوْ حِفْشٌ». قلت: الكلام في هذا الحديث كالكلام في الحديث الذي قبله تماماً. ٣ - ما رواه مسلم (٦٨٧) عن عائشة قالت: «قال لي رسول الله ﷺ "نَاوِلِينِى الْخُمْرَةَ مِنَ الْمَسْجِدِ". قَالَتْ فَقُلْتُ إِنِّي حَائِضٌ. فَقَالَ: " إِنَّ حَيْضَتَكِ لَيْسَتْ فِي يَدِكِ"».

стр. 490

قلت: ولا يتم الاستدلال بهذا الحديث إلَّا بعد إثبات دخولها إلى المسجد، وليس في الحديث إلَّا ذكر طلب المناولة للخمرة. قال العلامة النووي ﵀ في [شرح مسلم] (٣/ ٢٠٠): «قال القاضي عياض ﵁ معناه: أنَّ النبي ﷺ قال لها ذلك من المسجد أي وهو في المسجد لتناوله إياها من خارج المسجد لا أنَّ النبي ﷺ أمرها أن تخرجها له من المسجد لأنَّه ﷺ كان في المسجد معتكفاً وكانت عائشة في حجرتها وهي حائض لقوله ﷺ " إنَّ حيضتك ليست في يدك" فإنَّما خافت من ادخال يدها المسجد ولو كان أمرها بدخول المسجد لم يكن لتخصيص اليد معنى والله أعلم» اهـ. قلت: ومما يؤيد ما قاله القاضي عياض ما رواه مسلم (٦٨٩) عن أبي هريرة قال: «بَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الْمَسْجِدِ فَقَالَ: "يَا عَائِشَةُ نَاوِلِينِي الثَّوْبَ". فَقَالَتْ: إِنِّي حَائِضٌ. فَقَالَ: "إِنَّ حَيْضَتَكِ لَيْسَتْ فِي يَدِكِ" فَنَاوَلَتْهُ». قلت: فهذه الرواية تدل على أنَّ النبي ﷺ طلب من عائشة ﵂ أن تناوله الخمرة بيدها من خارج المسجد. ثم الحديث إنَّما هو وارد في مرور الحائض في المسجد لا في مكثها فيه، والممنوع إنَّما هو مكث الحائض في المسجد، وبهذا يتبين أنَّ الحديث لا حجة فيه على مشروعية مكث الحائض في المسجد بأي وجه من الوجوه.

стр. 491

بل الحديث يدل على أنَّ الذي كان مقرراً عند عائشة ﵂ هو المنع، ولم ينكر عليها النبي ﷺ ذلك وإنَّما أنكر عليها ظنها أنَّ الحائض ليس لها أن تدخل يدها إلى المسجد. فالحديث في الحقيقة يصح أن يكون من جملة حجج المانعين لمكث الحائض في المسجد. ٤ - عدم منع النبي ﷺ الكافرين من دخول مسجده، والكافر لا يغتسل من الجنابة. وأجاب عن ذلك العلامة ابن القيم ﵀ في [أحكام أهل الذمة] (١/ ٤٠٧ - ٤٠٨) فقال: «وَأَمَّا دُخُولُ الْكُفَّارِ مَسْجِدَ النَّبِيِّ ﷺ فَكَانَ ذَلِكَ لَمَّا كَانَ بِالْمُسْلِمِينَ حَاجَةٌ إِلَى ذَلِكَ، وَلِأَنَّهُمْ كَانُوا يُخَاطِبُونَ النَّبِيَّ ﷺ فِي عُهُودِهِمْ، وَيُؤَدُّونَ إِلَيْهِ الرَّسَائِلَ، وَيَحْمِلُونَ مِنْهُ الْأَجْوِبَةَ وَيَسْمَعُونَ مِنْهُ الدَّعْوَةَ، وَلَمْ يَكُنِ النَّبِيُّ ﷺ لِيَخْرُجَ مِنَ الْمَسْجِدِ لِكُلِّ مَنْ قَصَدَهُ مِنَ الْكُفَّارِ، فَكَانَتِ الْمَصْلَحَةُ فِي دُخُولِهِمْ - إِذْ ذَاكَ - الْمَسْجِدَ لِكُلِّ مَنْ قَصَدَهُ مِنَ الْكُفَّارِ، فَكَانَتِ الْمَصْلَحَةُ فِي دُخُولِهِمْ إِذْ ذَاكَ أَعْظَمَ مِنَ الْمَفْسَدَةِ الَّتِي فِيهِ، بِخِلَافِ الْجُنُبِ وَالْحَائِضِ فَإِنَّهُ كَانَ يُمْكِنُهُمَا التَّطَهُّرُ وَالدُّخُولُ إِلَى الْمَسْجِدِ. وَأَمَّا الْآنَ فَلَا مَصْلَحَةَ لِلْمُسْلِمِينَ فِي دُخُولِهِمْ مَسَاجِدَهُمْ وَالْجُلُوسِ فِيهَا، فَإِنْ دَعَتْ إِلَى ذَلِكَ مَصْلَحَةٌ رَاجِحَةٌ جَازَ دُخُولُهَا بِلَا إِذْنٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ» اهـ. قلت: وهذا ما يظهر لي في هذه المسألة والله أعلم. والذي يظهر لي أنَّ الجنب إذا توضأ له أن يمكث في المسجد، وذلك لأنَّ وضوء الجنب يخفف الجنابة، ويدل على ذلك ما رواه سعيد بن منصور في [التفسير]

стр. 492

(٦٤٦) قَالَ: نا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَار، قَالَ: «رَأَيْتُ رِجَالًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَجْلِسُونَ فِي الْمَسْجِدِ وَهُمْ مُجْنِبُون؛ إِذَا تَوَضَّئُوا وُضُوءَ الصَّلَاةِ». قلت: إسناده حسن من أجل عبد العزيز الدراوردي. وقال الحافظ ابن كثير ﵀ في [تفسيره] (٢/ ٣١٣): «وَهَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ». وهذا مذهب أحمد، والجمهور يمنعون من ذلك مطلقاً. ٥ - واستدل به القائلون بمشروعية مس المصحف للمحدث. وهذه المسألة اختلف فيها العلماء إلى أربعة مذاهب: المذهب الأول: المنع مطلقاً وهو مذهب سلمان، وسعد بن أبي وقاص، وابن عمر، ولا يعلم لهم مخالف من الصحابة كما ذكر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كما في [مجموع الفتاوى] (٢١/ ٢٦٦)، وهو مذهب الأئمة الأربعة وأكثر السلف. المذهب الثاني: الجواز مطلقاً وهو مذهب داود الظاهري، وابن حزم، والشوكاني. المذهب الثالث: جواز المس لمن كان محدثاً الحدث الأصغر دون الأكبر، وهو مذهب الشعبي، والضحاك. المذهب الرابع: جواز المس بظهر الكف دون بطنه، وهو مذهب الحكم وحماد. قلت: والصحيح المذهب الأول لثلاثة أوجه:

стр. 493

الوجه الأول: دلالة القرآن عليه في قوله تعالى: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (٧٩)﴾ [الواقعة: ٧٩]. قلت: والآية وإن كانت واردة في شأن الملائكة على القول الصحيح من أقوال العلماء إلَّا أنَّها تدل على منع المحدث من مس القرآن بدلالة الإيماء والتنبيه، وهي: أن يذكر وصف مقترن بحكم في نص من نصوص الشرع على وجه لو لم يكن ذلك الوصف علة لذلك الحكم لكان الكلام معيباً. كما في [المذكرة] ص (٤٦٢) للعلامة الشنقيطي ﵀. قلت: وهذه الدلالة متحققة في هذه الآية فالوصف في قوله: ﴿الْمُطَهَّرُونَ (٧٩)﴾، والحكم المقترن بذلك الوصف في قوله: ﴿لَا يَمَسُّهُ (٧٩)﴾، وذلك الوصف لو لم يكن هو علة الحكم لكان الكلام معيباً، فإنَّ الملائكة مذكورون في الكتاب والسنة باسم الملائكة، فالعدول عن هذا الاسم المشهور، إلى ذكر الوصف في الطهارة يومئ إلى أنَّه علة الحكم. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ [شرح العمدة] (١/ ٣٨٤): «فإذا كان من حكم الكتاب الذي في السماء أن لا يمسه إلا المطهرون وجب أن يكون الكتاب الذي في الأرض كذلك لأنَّ حرمته كحرمته» اهـ. وقال العلامة ابن القيم ﵀ في [التبيان في أقسام القرآن] ص (١٤٠): «وسمعت شيخ الإسلام يقرر الاستدلال بالآية على أنَّ المصحف لا يمسه المحدث بوجه آخر فقال: هذا من باب التنبيه والإشارة إذا كانت الصحف التي

стр. 494

في السماء لا يمسها إلاَّ المطهرون فكذلك الصحف التي بأيدينا من القرآن لا ينبغي أن يمسها إلَّا طاهر والحديث مشتق من هذه الآية» اهـ. الوجه الثاني: دلالة السنة على ذلك في قول النبي ﷺ : «لَا يَمَسُّ الْقُرْآنَ إِلَّا طَاهِرٌ». قلت: وهذا الحديث ثابت بشواهده فقد جاء من طرق أحسنها مرسل أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، وحديث ابن عمر، وحديث حكيم بن حزام. أمَّا مرسل أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم فأخرجه عبد الرزاق في [مصنفه] (١٣٨٢)، ومن طريقه الدارقطني (٤٢٩)، والبيهقي في [سننه الكبرى] (١/ ٨٧)، وابن المنذر في [الأوسط] (٦٠٩) من طريق معمر عن عبد الله بن أبي بكر عن أبيه قال في كتاب النبي ﷺ لعمرو بن حزم: «لَا يُمَسُّ الْقُرْآنُ إِلَّا عَلَى طُهْرٍ». قال الحافظ الدارقطني ﵀: «مرسل ورواته ثقات» اهـ. قلت: وهو كما قال ﵀. وأخرجه البيهقي في [الخلافيات] (٢٩٥) من طريق أبي مسعود عن عبد الرزاق عن معمر عن عبد الله بن أبي بكر بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده أنّ النبي صلى الله عليه وسلم كتب في عهده: «وَلَا يَمَسُّ الْقُرْآنَ إِلَّا طَاهِرٌ» هكذا رواه موصولاً.

стр. 495

قال البيهقي ﵀: «كذا في كتابي "عن جده" ولم يذكر غيره عن عبد الرزاق». قال الحافظ الزيلعي في [نصب الراية] (١/ ٢٥٩): «قلت: لم أجده عند عبد الرزاق في "مصنفه" وفي تفسيره إلَّا مرسلاً» اهـ. قلت: الصواب في الحديث الإرسال من هذا الوجه. وأخرجه مالك في [الموطأ] (٤٦٨) عن عبد الله بن أبي بكر بن حزم أنّ في الكتاب الذي كتبه رسول الله ﷺ لعمرو بن حزم «أَنْ لا يَمَسَّ الْقُرْآنَ إِلَّا طَاهِرٌ» هكذا جعله من مرسل عبد الله بن أبي بكر ولم يجعله من مرسل أبيه، وتابعه أيضاً محمد بن إسحاق كما في [فضائل القرآن] (١١٤، ٧٥٤) للقاسم بن سلام. قال الزيلعي في [نصب الراية] (١/ ٢٥٩): «رواه الدارقطني في" غرائب مالك" من حديث أبي ثور هاشم بن ناجية عن مبشر بن إسماعيل عن مالك عن عبد اللّه بن أبي بكر عن أبيه عن جده، قال: "كان فيما أخذ عليه رسول اللّه ﷺ أن لا يمس القرآن إلا طاهر"، قال الدارقطني: تفرد به أبو ثور عن مبشر عن مالك، فأسنده عن جده، ثم رواه من حديث إسحاق الطباع، أخبرني مالك عن عبد اللّه بن أبي بكر عن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه، قال: "كان في الكتاب الذي كتبه رسول اللّه ﷺ أن لا يمس القرآن إلا طاهر"، قال: وهذا الصواب عن مالك، ليس فيه عن جده، انتهى» اهـ.
следующие страницы →