← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 30178

تحفة السائل في بيان ما في عمدة الأحكام من المسائل

أبو بكر الحمادي

Полный текст (8 095 стр.). Показаны 4446–4485 · переход к 4451.

стр. 4446

٢٣٩ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَو بْنِ الْعَاصِ ﵄: «أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ وَقَفَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ. فَجَعَلُوا يَسْأَلُونَهُ. فَقَالَ رَجُلٌ: لَمْ أَشْعُرْ، فَحَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَذْبَحَ؟ قَالَ: "اذْبَحْ وَلا حَرَجَ". وَجَاءَ آخَرُ، فَقَالَ: لَمْ أَشْعُرْ، فَنَحَرْتُ قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ؟ قَالَ: "ارْمِ وَلا حَرَجَ". فَمَا سُئِلَ يَوْمَئِذٍ عَنْ شَيْءٍ قُدِّمَ وَلا أُخِّرَ إلَّا قَالَ: "افْعَلْ وَلا حَرَجَ"». وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا: ١ - مشروعية تقديم المناسك يوم النحر بعضها على بعض. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ دَقِيْقِ الْعِيْدِ ﵀ فِي [إِحْكَامِ الْأَحْكَامِ] (١/ ٣٣١): «وإذا ثبت أنَّ الوظائف أربع في هذا اليوم فقد اختلفوا فيما لو تقدم بعضها على بعض فاختار الشافعي جواز التقديم: وجعل الترتيب مستحباً ومالك وأبو حنيفة يمنعان تقديم الحلق على الرمي لأنَّه حينئذ يكون حلقاً قبل وجود التحللين، وللشافعي قول مثله وقد بني القولان له على أنَّ الحلق نسك أو استباحة محظور فإن قلنا: إنَّه نسك جاز تقديمه على الرمي لأنَّه يكون من أسباب التحلل وإن قلنا: إنَّه استباحة محظور: لم يجز لما ذكرناه من وقوع الحلق قبل التحللين وفي هذا البناء نظر لأنَّه لا يلزم من كون الشيء نسكاً أن يكون من أسباب التحلل ومالك يرى أنَّ الحلق نسك ويرى - مع ذلك - أنَّه لا يقدم على الرمي إذ معنى كون

стр. 4447

الشيء نسكاً: أنَّه مطلوب مثاب عليه ولا يلزم من ذلك أن يكون سبباً للتحلل ونقل عن أحمد: أنَّه إن قدم بعض هذه الأشياء على بعض فلا شيء عليه إن كان جاهلاً وإن كان عالماً: ففي وجوب الدم روايتان» اهـ. ٢ - واحتج به على جواز تقديم السعي على الطواف، ولا حجة فيه، وقد مضى القول في ذلك. ٣ - واحتج به على جواز تقديم الحلق على النحر للقارن وغيره، وهو الصحيح، ومنع من ذلك النخعي وغيره واحتجوا بقول الله تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦]. وأجيب بأنَّ المراد ببلوغ محله وصوله إلى الموضع الذي يحل ذبحه فيه، وإنَّما يتم الاستدلال لهم لو قال: ولا تحلقوا حتى تنحروا. ٤ - واحتج بقوله: «لَمْ أَشْعُرْ» بأنَّ الرخصة تختص بمن نسي أو جهل لا بمن تعمد كما ذهب إليه الإمام أحمد وغيره. والجواب: أولاً: أنَّ الترتيب لو كان واجباً لبينه النبي ﷺ ، وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز. ثانياً: لو كان هذه الحكم مختص بالجاهل والناسي لقال للسائل: "لا حرج"، ولما قال له: "افعل ولا حرج" فإنَّ هذا يشعر بجواز تعمد هذا الفعل في المستقبل. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ عُثَيْمِيْنَ ﵀ فِي [الشَّرْحُ الْمُمْتِعِ] (٧/ ٣٣٦):

стр. 4448

«ولكن لما قال النبي ﷺ : "افعل ولا حرج" وهي للمستقبل، ولم يقتصر على قوله: "لا حرج" علم أنَّه لا فرق بين الناسي والجاهل وبين الذاكر والعالم، ولهذا قال النبي ﷺ لأبي بكرة حين أسرع وركع قبل الصف: "زادك الله حرصاً ولا تعد"، فلو كان الترتيب بين هذه الأنساك واجباً لقال النبي ﷺ للسائل: لا حرج ولا تعد وهذا الذي قررناه، كما أنَّه ظاهر الأدلة، فهو الموافق لمقاصد الدين الإسلامي في إرادة اليسر على العباد لا سيما في مثل هذه الأزمان؛ لأنَّ ذلك أيسر للناس» اهـ. ثالثاً: هذه اللفظة وهي قول السائل: «لَمْ أَشْعُرْ» لم ترد في سؤال جميع السائلين، فقد روى البخاري (١٧٣٥) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُسْأَلُ يَوْمَ النَّحْرِ بِمِنًى، فَيَقُولُ: «لَا حَرَجَ» فَسَأَلَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: حَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَذْبَحَ، قَالَ: «اذْبَحْ وَلَا حَرَجَ» وَقَالَ: رَمَيْتُ بَعْدَ مَا أَمْسَيْتُ، فَقَالَ: «لَا حَرَجَ». ورواه البخاري (١٧٣٤)، ومسلم (١٣٠٧) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قِيلَ لَهُ فِي الذَّبْحِ، وَالحَلْقِ، وَالرَّمْيِ، وَالتَّقْدِيمِ، وَالتَّأْخِيرِ فَقَالَ: «لَا حَرَجَ». وروى الدارمي (١٨٧٩)، وابن حبان (٣٨٧٨) مِنْ طَرِيْقِ عَطَاءٍ، عَنْ جَابِرٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَمَى، ثُمَّ قَعَدَ لِلنَّاسِ، فَجَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي حَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَنْحَرَ، قَالَ: «لَا حَرَجَ». ثُمَّ جَاءَهُ آخَرُ فَقَالَ: يَا

стр. 4449

رَسُولَ اللَّهِ، طُفْتُ قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ، قَالَ: «لَا حَرَجَ». قَالَ: فَمَا سُئِلَ عَنْ شَيْءٍ إِلَّا قَالَ: «لَا حَرَجَ». ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «كُلُّ عَرَفَةَ مَوْقِفٌ، وَكُلُّ مُزْدَلِفَةَ مَوْقِفٌ، وَمِنًى كُلُّهَا مَنْحَرٌ، وَكُلُّ فِجَاجِ مَكَّةَ طَرِيقٌ وَمَنْحَرٌ». قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ. ٥ - وفيه جواز القعود على الدواب عند الحاجة بحيث لا يشق عليها، وأمَّا ما رواه أبو داود (٢٥٦٧) حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ نَجْدَةَ، حَدَّثَنَا ابْنُ عَيَّاشٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي عَمْرٍو السَّيْبَانِيِّ، عَنِ أَبِي مَرْيَمَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: «إِيَّاكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا ظُهُورَ دَوَابِّكُمْ مَنَابِرَ، فَإِنَّ اللَّهَ إِنَّمَا سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُبَلِّغَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ، وَجَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فَعَلَيْهَا فَاقْضُوا حَاجَتَكُمْ». وإسناده محتمل للتحسين، والنهي عن اتخاذ ظهور الدواب منابر، جاء من مراسيل عطاء بن دينار عند ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٢٦٤٨٦). وهو محمول على من لم يكن له عذر شرعي مع إمكانه من النزول على الأرض. قَالَ الْعَلَّامَةُ الْخَطَّابِي ﵀ فِي [مَعَالِمِ الْسُّنَنِ] (٢/ ٢٥٣): «قُلْتُ قد ثبت عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّه خطب على راحلته واقفاً عليها فدل ذلك على أنَّ الوقوف على ظهورها إذا كان لأرب أو بلوغ وطر لا يدرك مع النزول إلى الأرض

стр. 4450

مباح جائز، وأنَّ النهي إنَّما انصرف في ذلك إلى الوقوف عليها لا لمعنى يوجبه لكن بأن يستوطنه الإنسان ويتخذه مقعداً فيتعب الدابة ويضر بها من غير طائل» اهـ. * * *

стр. 4451

٢٤٠ - عنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ النَّخَعِيِّ: «أَنَّهُ حَجَّ مَعَ ابْنِ مَسْعُودٍ. فَرَآهُ رَمَى الْجَمْرَةَ الْكُبْرَى بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ فَجَعَلَ الْبَيْتَ عَنْ يَسَارِهِ، وَمِنًى عَنْ يَمِينِهِ. ثُمَّ قَالَ: هَذَا مَقَامُ الَّذِي أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ سُورَةُ الْبَقَرَةِ ﷺ ». قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٣/ ٥٨١ - ٥٨٢): «قوله: "جمرة العقبة" هي الجمرة الكبرى وليست من منى بل هي حد منى من جهة مكة وهي التي بايع النبي ﷺ الأنصار عندها على الهجرة والجمرة اسم لمجتمع الحصى سميت بذلك لاجتماع الناس بها يقال: تجمر بنو فلان إذا اجتمعوا وقيل إن العرب تسمي الحصى الصغار جماراً فسميت تسمية الشيء بلازمه. وقيل لأنَّ آدم أو إبراهيم لما عرض له إبليس فحصبه جمر بين يديه أي أسرع فسميت بذلك» اهـ. وَقَالَ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٣/ ٥٨٢): «قوله: "مقام الذي أنزلت عليه سورة البقرة" قال ابن المنير: خص عبد الله سورة البقرة بالذكر لأنَّها التي ذكر الله فيها الرمي فأشار إلى أنَّ فعله ﷺ مبين لمراد كتاب الله تعالى. قُلْتُ: ولم أعرف موضع ذكر الرمي من سورة البقرة. والظاهر أنَّه أراد أن يقول أنَّ كثيراً من أفعال الحج مذكور فيها فكأنَّه قال: هذا مقام الذي أنزلت عليه أحكام

стр. 4452

المناسك منبهاً بذلك على أنَّ أفعال الحج توقيفية. وقيل: خص البقرة بذلك لطولها وعظم قدرها وكثرة ما فيها من الأحكام أو أشار بذلك إلى أنَّه يشرع الوقوف عندها بقدر سورة البقرة والله أعلم» اهـ. وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا: ١ - رمي جمرة العقبة في يوم النحر. ٢ - أنَّ الجمرة ترمى بسبع حصيات. قُلْتُ: ويشترط في رميها التتابع في قول أكثر العلماء فلو رمى السبع مرة واحدة لا يجزئه. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٧/ ١٧٨): «وإن رمى الحصيات دفعة واحدة، لم يجزه إلَّا عن واحدة. نص عليه أحمد. وهو قول مالك، والشافعي، وأصحاب الرأي. وقال عطاء: يجزئه، ويكبر لكل حصاة» اهـ. قُلْتُ: وقد كان النبي ﷺ يكبر مع كل حصاة، كما روى مسلم (١٢١٨) من حديث جابر وفيه: «حَتَّى أَتَى الْجَمْرَةَ الَّتِي عِنْدَ الشَّجَرَةِ، فَرَمَاهَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ مِنْهَا». وهذا يدل على أنَّ رميه كان متتابعاً. ولو أنقص عن السبع واحدة أو اثنتين ففي صحة ذلك نزاع. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٧/ ٢٢٠):

стр. 4453

«فصل: والأولى أن لا ينقص في الرمي عن سبع حصيات؛ لأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رمى بسبع حصيات. فإن نقص حصاة أو حصاتين، فلا بأس، ولا ينقص أكثر من ذلك. نص عليه. وهو قول مجاهد، وإسحاق. وعنه: إن رمى بست ناسياً فلا شيء عليه، ولا ينبغي أن يتعمده، فإن تعمد ذلك، تصدق بشيء. وكان ابن عمر يقول: ما أبالي رميت بست أو سبع. وقال ابن عباس: ما أدري رماها النبي ﷺ بست أو سبع. وعن أحمد، أنَّ عدد السبع شرط. ونسبه إلى مذهب الشافعي، وأصحاب الرأي؛ لأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رمى بسبع. وقال أبو حية: لا بأس بما رمى به الرجل من الحصى. فقال عبد الله بن عمرو: صدق أبو حية. وكان أبو حية بدرياً. ووجه الرواية الأولى: ما روى ابن أبي نجيح، قال: سئل طاووس عن رجل ترك حصاة؟ قال: يتصدق بتمرة أو لقمة.

стр. 4454

فذكرت ذلك لمجاهد، فقال: إنَّ أبا عبد الرحمن لم يسمع قول سعد، قال سعد: رجعنا من الحجة مع رسول الله ﷺ بعضنا يقول: رميت بست وبعضنا يقول: بسبع فلم يعب ذلك بعضنا على بعض رواه الأثرم، وغيره» اهـ. قُلْتُ: حديث سعد رواه أحمد (١٤٣٩)، والنسائي (٣٠٧٧) مِنْ طَرِيْقِ مُجَاهِدٍ قَالَ سَعْدٌ: «رَجَعْنَا فِي الْحَجَّةِ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ وَبَعْضُنَا يَقُولُ: رَمَيْتُ بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، وَبَعْضُنَا يَقُولُ: رَمَيْتُ بِسِتٍّ، فَلَمْ يَعِبْ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ». قُلْتُ: إِسْنَادُهُ مُنْقَطِعٌ بين مجاهد وسعد. والذي يظهر لي هو وجوب السبع. والله أعلم. ٣ - وفيه أنَّ الرمي يكون بالحصى دون غيره، وهو قول أكثر العلماء. وهو الصحيح. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٧/ ١٧١): «وقال أبو حنيفة: يجوز بالطين والمدر، وما كان من جنس الأرض. ونحوه قال الثوري» اهـ. ٤ - استحباب جعل البيت عن يساره، ومنى عن يمينه عند رمي جمرة العقبة الكبرى. قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٣/ ٥٨٢): «وقد أجمعوا على أنَّه من حيث رماها جاز سواء استقبلها أو جعلها عن يمينه أو يساره أو من فوقها أو من أسفلها أو وسطها والاختلاف في الأفضل» اهـ.

стр. 4455

٥ - جواز تسمية السورة بسورة البقرة، خلافاً للحجاج بن يوسف الثقفي فإنَّه رأى عدم إطلاق ذلك، وإنَّما يقال: السورة التي يذكر فيها البقرة. وقد جاء الحديث عند البخاري (١٧٥٠)، ومسلم (١٢٩٦) مِنْ طَرِيْقِ الأَعْمَشِ، قَالَ: سَمِعْتُ الحَجَّاجَ، يَقُولُ عَلَى المِنْبَرِ: السُّورَةُ الَّتِي يُذْكَرُ فِيهَا البَقَرَةُ، وَالسُّورَةُ الَّتِي يُذْكَرُ فِيهَا آلُ عِمْرَانَ، وَالسُّورَةُ الَّتِي يُذْكَرُ فِيهَا النِّسَاءُ، قَالَ: فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِإِبْرَاهِيمَ فَقَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَزِيدَ أَنَّهُ كَانَ مَعَ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ حِينَ رَمَى جَمْرَةَ العَقَبَةِ، فَاسْتَبْطَنَ الوَادِيَ حَتَّى إِذَا حَاذَى بِالشَّجَرَةِ اعْتَرَضَهَا، فَرَمَى بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ ثُمَّ قَالَ: «مِنْ هَا هُنَا وَالَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ قَامَ الَّذِي أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ سُورَةُ البَقَرَةِ ﷺ ». ٦ - وفيه حرص الصحابة على موافقة النبي ﷺ في كل هيئة وحال. ٧ - وفيه التعليم بالفعل. فائدة/ روى الأَزْرَقِيُّ في [أَخَبَارِ مَكَّةَ] (٢/ ١٦٩)، وابن عبد البر في [الْاسْتِذْكَارِ] (٤/ ٣٥٧) مِنْ طَرِيْقِ سُفْيَانَ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ أَبِي الْمُغِيرَةِ، عَنِ ابْنِ أَبِي نُعَيْمٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: «مَا تُقُبِّلَ مِنَ الْحَصَى رُفِعَ» يَعْنِي حَصَى الْجِمَارِ. قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ.

стр. 4456

وروى الأَزْرَقِيُّ أيضاً في [أَخَبَارِ مَكَّةَ] (٢/ ١٦٩) حَدَّثَنِي جَدِّي، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمٍ، عَنِ ابْنِ خَيْثَمٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، قَالَ: قُلْتُ لَهُ: يَا أَبَا الطُّفَيْلِ، هَذِهِ الْجِمَارُ تُرْمَى فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَالْإِسْلَامِ، كَيْفَ لَا تَكُونُ هِضَابًا تَسُدُّ الطَّرِيقَ؟ قَالَ: سَأَلْتُ عَنْهَا ابْنَ عَبَّاسٍ فَقَالَ: «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى وَكَّلَ بِهَا مَلَكًا، فَمَا تَقَبَّلَ مِنْهُ رَفَعَ، وَمَا لَمْ يَتَقَبَّلْ مِنْهُ تَرَكَ». قُلْتُ: هَذَا إِسْنَادٌ حَسَنٌ. وجد الأزرقي هو أحمد بن محمد بن الوليد الأزرقي. ورواه ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (١٥٣٣٦) نا ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ فِطْرٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ قَالَ: قُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ رَمْيٌ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَالْإِسْلَامِ؟ فَقَالَ: «مَا يُقْبَلُ مِنْهُ رُفِعَ، وَإِلَّا ذَلِكَ كَانَ أَعْظَمَ مِنْ ثَبِيرٍ». قُلْتُ: فطر هو ابن خليفة ثقة. وهذا الأثران لهما حكم الرفع. والله أعلم. * * *

стр. 4457

٢٤١ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ قَالَ: «"اللَّهُمَّ ارْحَمْ الْمُحَلِّقِينَ". قَالُوا: وَالْمُقَصِّرِينَ يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: "اللَّهُمَّ ارْحَمْ الْمُحَلِّقِينَ". قَالُوا وَالْمُقَصِّرِينَ يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: "وَالْمُقَصِّرِينَ"». وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا: ١ - أنَّ التحلل بالحلق أفضل من التقصير، وهذا في غير المتمتع الذي قرب وقت حجه فإنَّه يستحب في حقه التحلل من عمرته بالتقصير دون الحلق ليبقى شيء من شعره لتحلله من حجه، وقد مضى القول في هذه المسألة. والحلق مختص بالرجال اتفاقاً فلا يشرع للنساء. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ بَطَّالٍ ﵀ في [شَرْحِ الْبُخَارِي] (٤/ ٤٠٣): «واجمعوا أنَّ النساء لا يحلقن، وأنَّ سنتهن التقصير» اهـ. قُلْتُ: والحلق استئصال الشعر بالموسى. قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [الْمَجْمُوْع] (٨/ ٢٠٦): «أمَّا من نذر الحلق في وقته فيلزمه حلقه كله ولا يجزئه التقصير، ولا حلق بعض الرأس، ولا النتف والإحراق، ولا استئصال الشعر بالمقصين ولا أخذه بالنورة لأنَّ هذا كله لا يسمى حلقاً.

стр. 4458

وذكر إمام الحرمين في استئصال الشعر بالمقصين وإمرار الُموسَى من غير استئصال احتمالاً والمذهب الأول لأنَّه لا يسمي حلقاً» اهـ. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ النَّجْمِيُّ ﵀ فِي [تَأْسِيْسِ الْأَحْكَامِ] (٣/ ٣٤٠): «الحلق هو استئصال الشعر بالموسَى وفاعله في الحج والعمرة مثاب ومحمود، أمَّا التقصير فهو أن يبقى شيئاً من أصول الشعر فالحلق بالمكينة يعد تقصيراً ولو كان على الصفر» اهـ. ٢ - مشروعية التحلل بالتقصير. وهذا الذي عليه عامة العلماء إلَّا ما نقل عن الحسن البصري من وجوب الحلق في أول حجة يحجها ثم يستحب له بعد ذلك الحلق ولا يجب. ٣ - أنَّ الحلق أو التقصير نسك من مناسك الحج والعمرة وليس مجرد إطلاق من محظور، ودلالة الحديث على ذلك من وجهين: الأول: الدعاء للمحلقين والمقصرين، وهذا يدل على استحباب هذا الفعل؛ وذلك إنَّ الدعاء يشعر بالثواب والثواب لا يكون إلَّا على العبادة لا على المباحات. والآخر: التفضيل بينه وبين التقصير يدل على ذلك أيضاً؛ فإنَّ المباح لا تفضيل لبعضه على بعض.

стр. 4459

قُلْتُ: القول بأنَّ الحق والتقصير من مناسك الحج والعمرة هو الأصح من قولي الشافعي وبه قال مالك وأبو حنيفة وأحمد والجمهور وللشافعي قول آخر أنَّه استباحة محظور وليس بنسك، وهي رواية عن أحمد. وقد مضت هذه المسألة. واختلف العلماء في الحلق والتقصير، فذهب الجمهور أنَّه واجب من الواجبات، وذهب أكثر الشافعية إلى أنَّه ركن من أركان الحج لا يتم الحج إلَّا بفعله، والصحيح مذهب الجمهور لعدم ما يدل على الركنية. وأمَّا الأمر به فجاء في أحاديث سبق بعضها. ٤ - وفيه الدعاء لمن فعل خيراً. ٥ - ويستدل من صيغة المبالغة في "المحلقين" على حلق جميع الرأس إذ لا تستقيم المبالغة في الصيغة مع إرادة حلق البعض. قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٣/ ٥٦٤ - ٥٦٥): «واستدل بقوله المحلقين على مشروعية حلق جميع الرأس لأنَّه الذي تقتضيه الصيغة وقال بوجوب حلق جميعه مالك وأحمد، واستحبه الكوفيون والشافعي. ويجزئ البعض عندهم واختلفوا فيه فعن الحنفية الربع إلَّا أبا يوسف فقال: النصف. وقال الشافعي: أقل ما يجب حلق ثلاث شعرات، وفي وجه لبعض أصحابه شعرة واحدة.

стр. 4460

والتقصير كالحلق فالأفضل أن يقصر من جميع شعر رأسه ويستحب أن لا ينقص عن قدر الأنملة، وإن اقتصر على دونها أجزأ هذا للشافعية وهو مرتب عند غيرهم على الحلق وهذا كله في حق الرجال وأمَّا النساء فالمشروع في حقهن التقصير بالإجماع» اهـ. قُلْتُ: ظاهر القرآن أنَّ الحلق والتقصير يكون لجميع الرأس، قال الله تعالى: ﴿مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ﴾ [الفتح: ٢٧]. * * *

стр. 4461

٢٤٢ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: حَجَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فَأَفَضْنَا يَوْمَ النَّحْرِ. فَحَاضَتْ صَفِيَّةُ. فَأَرَادَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْهَا مَا يُرِيدُ الرَّجُلُ مِنْ أَهْلِهِ. فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّهَا حَائِضٌ. قَالَ: "أَحَابِسَتُنَا هِيَ؟ " قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّهَا قَدْ أَفَاضَتْ يَوْمَ النَّحْرِ قَالَ: "اُخْرُجُوا"». وَفِي لَفْظٍ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «"عَقْرَى، حَلْقَى. أَطَافَتْ يَوْمَ النَّحْرِ؟ " قِيلَ: نَعَمْ. قَالَ: "فَانْفِرِي"». قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٣/ ٥٨٩): «قوله: "عقرى، حلقى". بالفتح فيهما ثم السكون وبالقصر بغير تنوين في الرواية ويجوز في اللغة التنوين وصوبه أبو عبيد، لأنَّ معناه الدعاء بالعقر والحلق كما يقال سقياً ورعياً ونحو ذلك من المصادر التي يدعى بها. وعلى الأول هو نعت لا دعاء. ثم معنى "عقرى" عقرها الله أي جرحها، وقيل جعلها عاقراً لا تلد، وقيل عقر قومها. ومعنى "حلقى" حلق شعرها وهو زينة المرأة، أو أصابها وجع في حلقها، أو حلق قومها بشؤمها أي أهلكهم. وحكى القرطبي أنَّها كلمة تقولها اليهود للحائض فهذا أصل هاتين الكلمتين ثم اتسع العرب في قولهما بغير إرادة حقيقتهما كما قالوا قاتله الله وتربت يداه ونحو ذلك» اهـ. وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:

стр. 4462

١ - استحباب طواف الإفاضة في يوم النحر. ٢ - أنَّ طواف الإفاضة ركن، ودليل ذلك قول النبي ﷺ : «أَحَابِسَتُنَا هِيَ؟». فإنَّه يدل على أنَّه لا بد منه، وأنَّه حابس لمن لم يأت به. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٧/ ١٩٧): «وهو ركن للحج، لا يتم إلَّا به لا نعلم فيه خلافاً» اهـ. قُلْتُ: وقد نقل غير واحد الإجماع في ذلك. وليس لآخره وقت لا يصح بعده. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٧/ ١٩٨): «والصحيح أنَّ آخر وقته غير محدود؛ فإنَّه متى أتى به صح بغير خلاف، وإنَّما الخلاف في وجوب الدم» اهـ. قُلْتُ: فذهب أبو حنيفة إلى وجوب الدم في حق من أخرج طواف الإفاضة عن أيام التشريق، وذهب الإمام مالك إلى وجوب الدم في حق من أخره وتطاول في تأخيره، ولم ير الدم في ذلك الشافعي وأحمد. والصحيح عدم وجوب الدم أيضاً. ٣ - مشروعية إتيان الرجل أهله في السفر بعد التحلل من الإحرام. ٤ - أنَّ الحائض ليس لها أن تطوف بالبيت حتى تطهر.

стр. 4463

وذهب مالك والشافعي وأحمد وأكثر العلماء من السلف والخلف إلى أنَّ الطهارة شرط في صحة الطواف، وقال أبو حنيفة: الطهارة ليست بشرط للطواف فلو طاف وعليه نجاسة أو محدثاً أو جنباً صح طوافه. ووافقه على ذلك جماعة من السلف، فروى ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (١٤٥٦٢) حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، عَنْ شُعْبَةَ قَالَ: سَأَلْتُ حَمَّادًا، وَمَنْصُورًا، وَسُلَيْمَانَ، عَنْ الرَّجُلِ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ، «فَلَمْ يَرَوْا بِهِ بَأْسًا». قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ. والحكم هو ابن عتيبة، وحماد هو ابن أبي سليمان، ومنصور هو ابن المعتمر، وسليمان لم أعرفه، ولعله التيمي. وفي رواية عن أحمد أنَّ الطهارة واجبة تجبر بالدم. ٥ - أنَّ الحائض لا يجب عليها طواف الوداع. وهذا مذهب عامة العلماء، وخالف في ذلك عمر بن الخطاب ﵁، ولعله لم تبلغه السنة في ذلك، وجاء ذلك عن غيره من الصحابة، وجاء عنهم التراجع عن ذلك. ٦ - وفيه احتباس أمراء الحج للحيض حتى يطهرن ويطفن. ٧ - وفيه استحباب التكني في الأمر الذي يستحي منه. * * *

стр. 4464

٢٤٣ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: «أُمِرَ النَّاسُ أَنْ يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِمْ بِالْبَيْتِ، إلاَّ أَنَّهُ خُفِّفَ عَنْ الْمَرْأَةِ الْحَائِضِ». وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا: ١ - وجوب طواف الوداع على غير الحائض. وذهب إلى وجوبه جمهور العلماء، وخالف في ذلك الإمام مالك فذهب إلى عدم وجوبه وهو أحد القولين للشافعي. ٢ - سقوط طواف الوداع عن الحائض، ومثلها النفساء. ٣ - أنَّ طواف الوداع لا يجب على المكي. لأنَّه باقٍ عند البيت. وأصرح من ذلك رواية مسلم (١٣٢٧) لهذا الحديث عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: كَانَ النَّاسُ يَنْصَرِفُونَ فِي كُلِّ وَجْهٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لَا يَنْفِرَنَّ أَحَدٌ حَتَّى يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِ بِالْبَيْتِ». ٤ - وفيه حجة لمن قال: إنَّ من ودع ثم أقام، لزمه إعادة الوداع، وهو مذهب الجمهور خلافاً لأبي حنيفة فإنَّه قال: لو ودع بعد حل النفر وأقام شهرًا أو أكثر أجزأه، ولم يكن عليه إعادته. قُلْتُ: أمَّا إن انشغل ببعض أمور الخروج فلا يلزمه أن يعيد الوداع. قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢٦/ ١٤٢):

стр. 4465

«وهذا الطواف يؤخره الصادر من مكة حتى يكون بعد جميع أموره فلا يشتغل بعده بتجارة ونحوها، لكن إن قضى حاجته أو اشترى شيئاً في طريقه بعد الوداع، أو دخل إلى المنزل الذي هو فيه ليحمل المتاع على دابته ونحو ذلك مما هو من أسباب الرحيل فلا إعادة عليه، وإن أقام بعد الوداع أعاده وهذا الطواف واجب عند الجمهور لكن يسقط عن الحائض» اهـ. وقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٧/ ٢٣١): «أمَّا إن قضى حاجة في طريقه، أو اشترى زاداً أو شيئاً لنفسه في طريقه، لم يعده؛ لأنَّ ذلك ليس بإقامة تخرج طوافه عن أن يكون آخر عهده بالبيت، وبهذا قال مالك، والشافعي، ولا نعلم مخالفاً لهما» اهـ. ٥ - واحتج به من أوجب طواف الوداع للمعتمر. قَالَ ابْنُ حَزْمٍ ﵀ فِي [الْمُحَلَى] (٧/ ١٧١): «وأمَّا قولنا: من أراد أن يخرج من مكة من معتمر أو قارن أو متمتع بالعمرة إلى الحج ففرض عليه أن يجعل آخر عمله الطواف بالبيت، فإن تردد بمكة بعد ذلك أعاد الطواف، ولا بد، فإن خرج ولم يطف بالبيت ففرض عليه الرجوع، ولو كان بلده بأقصى الدنيا حتى يطوف بالبيت، فإن خرج، عن منازل مكة فتردد خارجاً ماشياً، فليس عليه أن يعيد الطواف إلَّا التي تحيض بعد أن تطوف طواف الإفاضة فليس عليها أن تنتظر طهرها لتطوف لكن تخرج كما هي، فإن حاضت قبل طواف

стр. 4466

الإفاضة فلا بد لها أن تنتظر حتى تطهر، وتطوف، وتحبس عليها الكرى والرفقة: فلما رويناه مِنْ طَرِيْقِ مسلم قال: نا سعيد بن منصور، نا سفيان، عن سليمان الأحول، عن طاووس، عن ابن عباس قال: كان الناس ينصرفون في كل وجه، فقال رسول الله ﷺ : "لا ينفرن أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت"» اهـ. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ عُثَيْمِيْنَ ﵀ فِي [الشَّرْحُ الْمُمْتِعِ] (٧/ ٣٩٨ - ٤٠٠): «والراجح عندي أنَّه واجب على المعتمر أن يطوف للوداع كما هو واجب على الحاج لما يلي: أولاً: عموم قوله ﷺ : "لا ينفرن أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت". فإن قال قائل: هذا القول قاله النبي ﷺ في حجة الوداع في الحج ولم يقله في العمرة؟ قلنا: نعم نسلم ذلك، ولكن لأنَّه لم يوجبه الله إلَّا في ذلك الوقت وما قبل ذلك لم يجب أصلاً، والشرع كما نعلم يتجدد، فقد يجب في هذا الوقت ما لم يكن واجباً من قبل. ثانياً: قوله ﷺ ليعلى بن أمية ﵁: "اصنع في عمرتك ما أنت صانع في حجك".

стр. 4467

وهذا العموم يفيد أن كل ما يفعل في الحج يفعل في العمرة إلَّا ما قام النص أو الإجماع على أنَّه مستثنى، كالوقوف بعرفة، والمبيت بالمزدلفة، أو بمنى، ورمي الجمار، فهذا مستثنى بالإجماع، وإلَّا فالأصل مشاركة العمرة الحج في أفعاله. ثالثاً: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سماها في حديث عمرو بن حزم الذي تلقته الأمة بالقبول الحج الأصغر فقال: "العمرة الحج الأصغر". فسماها حجاً، وإذا سميت باسمه كان الأصل موافقتها له في الأحكام إلَّا ما استثني. رابعاً: أنَّه لا فرق بين الحج والعمرة من حيث المعنى، بل لو قيل: إيجاب طواف الوداع في العمرة أولى من إيجابه في الحج؛ لأنَّ أفعالها أقل وأخف. خامساً: أنَّ هذا الرجل دخل إلى البيت بطواف فليخرج منه بطواف. فإن قيل: ما الجواب على من قال: إنَّه لم يثبت عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، أنَّه طاف للوداع في عُمَره؟ فالجواب: أمَّا عمرة الجعرانة فهو قد طاف وسعى وخرج في ليلته ولهذا كثير من الصحابة لم يعلم بها، وهذا لا إشكال فيه، وأمَّا عمرة القضاء فيقال: إنَّ أصل إيجاب طواف الوداع كان متأخراً؛ لأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لم يذكره إلَّا في حجة الوداع، نعم لو فرض أنَّه قاله قبل عمرة القضاء ثم اعتمر ولم يطف للوداع قلنا: العمرة لا طواف لها، لكن أصل الإيجاب لم يجب إلَّا متأخراً.

стр. 4468

ولكن لو أن أحداً قدم مكة وطاف وسعى وقصر وانصرف وخرج، فإنَّ هذا يجزئه عن طواف الوداع، كما ذكر ذلك البخاري في صحيحه بأنَّ المعتمر إذا طاف وسعى فإنَّه يكفيه عن طواف الوداع، واستدل بحديث عائشة ﵂ لما اعتمرت من التنعيم، فلا يقال: إنَّ هذا لم يجعل آخر عهده بالبيت، نقول في الجواب: لأنَّ السعي تابع للطواف؛ ولهذا ذكر الفقهاء أنَّه لو أخر طواف الإفاضة فطافه عند الوداع وسعى فإنَّه يجزئه ولم يعتبروا السعي فاصلاً؛ لأنَّه يثبت في التابع ما لا يثبت في المستقل، ولأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ طاف للوداع في حجة الوداع، وبعد أن طاف صلى الفجر ثم انصرف، ولأنَّ الفصل يسير، وإن كانت فإنَّ هذه الصلاة فيما يظهر ليست تابعة للطواف بمعنى أنَّ الرسول ﷺ لم ينو كونها نائبة عن صلاة ركعتين بعد الطواف، وعلى كل حال إذا طاف الإنسان فإنَّه مثاب على القولين جميعاً، لكن إذا تركه فهل يأثم أو لا؟ ينبني على القول بالوجوب أو عدمه؟ إن قلنا بالوجوب فهو آثم وإلا فليس بآثم» اهـ. قُلْتُ: والذي يظهر لي هو عدم وجوب طواف الوداع على المعتمر، لعدم ثبوت ذلك عَنِ النَّبِيِّ ﷺ لا قولاً ولا فعلاً، وأمَّا حديث الأمر به فإنَّه وارد في الحج لا في العمرة. وأمَّا قوله ﷺ ليعلى بن أمية ﵁: «وَاصْنَعْ فِي عُمْرَتِكَ مَا أَنْتَ صَانِعٌ فِي حَجِّكَ». فهو وارد في اجتناب المحرمات لا في فعل المناسك، وسياق الحديث يدل على ذلك، ولفظه عند البخاري (٤٣٢٩) عَنْ يَعْلَى

стр. 4469

بْنِ أُمَيَّةَ ﵁، كَانَ يَقُولُ: لَيْتَنِي أَرَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حِينَ يُنْزَلُ عَلَيْهِ، قَالَ: فَبَيْنَا النَّبِيُّ ﷺ بِالْجِعْرَانَةِ وَعَلَيْهِ ثَوْبٌ قَدْ أُظِلَّ بِهِ، مَعَهُ فِيهِ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، إِذْ جَاءَهُ أَعْرَابِيٌّ عَلَيْهِ جُبَّةٌ مُتَضَمِّخٌ بِطِيبٍ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ تَرَى فِي رَجُلٍ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ فِي جُبَّةٍ بَعْدَمَا تَضَمَّخَ بِالطِّيبِ؟ فَأَشَارَ عُمَرُ إِلَى يَعْلَى بِيَدِهِ: أَنْ تَعَالَ، فَجَاءَ يَعْلَى فَأَدْخَلَ رَأْسَهُ، فَإِذَا النَّبِيُّ ﷺ مُحْمَرُّ الوَجْهِ، يَغِطُّ كَذَلِكَ سَاعَةً، ثُمَّ سُرِّيَ عَنْهُ، فَقَالَ: «أَيْنَ الَّذِي يَسْأَلُنِي عَنِ العُمْرَةِ آنِفًا» فَالْتُمِسَ الرَّجُلُ فَأُتِيَ بِهِ، فَقَالَ: «أَمَّا الطِّيبُ الَّذِي بِكَ فَاغْسِلْهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَأَمَّا الجُبَّةُ فَانْزِعْهَا، ثُمَّ اصْنَعْ فِي عُمْرَتِكَ كَمَا تَصْنَعُ فِي حَجِّكَ». ورواه مسلم (١١٨٠) بلفظ أصرح في الدلالة على ما ذكرناه، ولفظه: عَنْ صَفْوَانَ بْنِ يَعْلَى، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: أَتَى النَّبِيَّ ﷺ رَجُلٌ وَهُوَ بِالْجِعْرَانَةِ، وَأَنَا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ ، وَعَلَيْهِ مُقَطَّعَاتٌ - يَعْنِي جُبَّةً - وَهُوَ مُتَضَمِّخٌ بِالْخَلُوقِ، فَقَالَ: إِنِّي أَحْرَمْتُ بِالْعُمْرَةِ وَعَلَيَّ هَذَا، وَأَنَا مُتَضَمِّخٌ بِالْخَلُوقِ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : «مَا كُنْتَ صَانِعًا فِي حَجِّكَ؟» قَالَ: أَنْزِعُ عَنِّي هَذِهِ الثِّيَابَ، وَأَغْسِلُ عَنِّي هَذَا الْخَلُوقَ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : «مَا كُنْتَ صَانِعًا فِي حَجِّكَ، فَاصْنَعْهُ فِي عُمْرَتِكَ». قَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِي ﵀ فِي [الْمُفْهِم] (١٠/ ٣٣):

стр. 4470

«وهذا سياق حسن. ومعنى واضح، تلخيصه: أنَّ الرجل كان يعرف: أنَّ المحرم بالحج يجتنب المخيط، والطيب. وظن أنَّ حكم المحرم بالعمرة ليس كذلك، فلبس، وتطيب، ثم أحرم وهو كذلك، ثم وقع في نفسه من ذلك شيء، فسأل النبي ﷺ عن ذلك؛ فقال له: "ما كنت صانعًا في حجك فاصنعه في عمرتك"؛ يعني: من اجتناب ما كنت تَجْتَنِبُه فيه. وهذا معنى واضح، ومساق حسن للحديث، فَلْيُغْتَبَطْ به» اهـ. وأمَّا حديث: «الْعُمْرَةُ الْحَجُّ الْأَصْغَرُ». فرواه الدارقطني (٢٧٢٣)، والحاكم (١٤٤٧)، والبيهقي في الْكُبْرَى] (٧٠٤٧)، وابن حبان (٦٥٥٩) مِنْ طَرِيْقِ الْحَكَمِ بْنِ مُوسَى، نا يَحْيَى بْنُ حَمْزَةَ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ، حَدَّثَنِي الزُّهْرِيُّ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَتَبَ إِلَى أَهْلِ الْيَمَنِ كِتَابًا وَبَعَثَ بِهِ مَعَ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ فِيهِ: «وَأَنَّ الْعُمْرَةَ الْحَجُّ الْأَصْغَرُ وَلَا يَمَسَّ الْقُرْآنَ إِلَّا طَاهِرٌ». فلا يثبت منه الشطر الأول. قال الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْهَادِي ﵀ في [تَنْقِيْحِ الْتَحْقِيْقِ] (٣/ ٤٢٩): «قد قال غير واحد من الأئمة أنَّ سليمان راوي هذا الحديث إنَّما هو سليمان بن أرقم، وهو متروك الحديث» اهـ. قُلْتُ: وذهب اللجنة الدائمة إلى عدم وجوب طواف الوداع للمعتمر، فقد جاء في [فَتَاوَى الْلَّجْنَةِ الْدَّائِمَةِ] (١١/ ٣٣٦ - ٣٣٧):

стр. 4471

«أمَّا المعتمر فلا يجب عليه طواف الوداع، لكن يسن له أن يطوفه عند سفره؛ لعدم الدليل على الوجوب، ولأنَّه ﷺ لم يطف للوداع عند خروجه من مكة بعد عمرة القضاء فيما علمنا من سنته في ذلك. وبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم. اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء عضو … نائب رئيس اللجنة … الرئيس عبد الله بن قعود … عبد الرزاق عفيفي … عبد العزيز بن عبد الله بن باز» اهـ. وَقَالَ العَلَّامَةُ ابْنُ بَازٍ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوعِ الْفَتَاوَى] (٢٦/ ٢٨٣ - ٢٨٤): «حديث الحارث بن عبد الله بن أوس عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنه قال: "من حج أو اعتمر فليكن آخر عهده بالبيت" ضعيف. خرجه الإمام أحمد والترمذي بإسناد ضعيف؛ لأنَّ في إسناده عبد الرحمن بن البيلماني وهو ضعيف، كما في التقريب، وقال العلامة المباركفوري في تحفة الأحوذي ج ٢ ص ١١٨ ما نصه: وليست هذه الزيادة بمحفوظة يعني قوله: "أو أعتمر" وهو كما قال، وإنَّما المحفوظ قوله ﷺ للحجاج: "لا ينفرن أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت". وكانوا يتفرقون في كل وجه، خرجه مسلم في صحيحه من حديث ابن عباس ﵄ وأخرجه الشيخان عنه بلفظ: "أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت إلَّا أنَّه خفف عن المرأة

стр. 4472

الحائض". ومن تأمل الأحاديث الواردة في هذا الباب اتضح له أنَّ العمرة لا يجب لها وداع؛ لأنَّها مشروعة في جميع العام، ولأنَّه ﷺ لم يأمر المتمتعين بالعمرة بالوداع، إذا أرادوا الخروج من مكة لما حلقوا صبيحة الرابعة من ذي الحجة في حجة الوداع، وقياس العمرة على الحج ليس بوجيه لعدم مساواة الفرع للأصل. أمَّا الحديث المذكور فضعيف؛ لأنَّه مِنْ طَرِيْقِ عبد الرحمن بن البيلماني، وهو ضعيف كما سبق عند التقريب. وقال الحافظ في تهذيب التهذيب: قال أبو حاتم: لين وذكره ابن حبان في الثقات، وقال الدارقطني: ضعيف لا تقوم به حجة، وقال الأزدي: منكر الحديث يروي عَنِ ابْنِ عُمَرَ بواطيل، وقال صالح جزرة: حديثه منكر وبهذا يعلم أنَّ حديثه لا يعول عليه، ولا يحتج به؛ لتضعيف الأئمة المذكورين له. أمَّا توثيق ابن حبان له فلا يعول عليه؛ كما عرف من تساهله ﵀؛ ولأنَّ الجرح مقدم على التعديل إذا صدر مبيناً من إمام عارف بأسبابه، وإذا كان الجارحون أكثر كما هنا صار الضعف أشد. والله ولي التوفيق» اهـ. قُلْتُ: قول الشيخ ﵀: «ولأنَّه ﷺ لم يأمر المتمتعين بالعمرة بالوداع، إذا أرادوا الخروج من مكة لما حلقوا صبيحة الرابعة من ذي الحجة في حجة الوداع». قد يجاب عنه بأنَّ عمرة التمتع داخلة في الحج وإنَّما يلزم الحاج طواف الوداع بعد فراغه من حجه وإرادته للخروج من مكة لا قبل ذلك.

стр. 4473

وقد استحب طواف الوداع للمعتمر جماعة من العلماء. فقد جاء في [الْمُدَوَّنَةِ] (١/ ٤٩٤): «قُلْتُ: أرأيت العمرة هل فيها طواف الوداع في قول مالك؟ قال: نعم إذا أقام ثم أراد الخروج طاف طواف الوداع، قال: وقد قال مالك في المكي إذا أراد الخروج إلى سفر من الأسفار، أنَّه يطوف طواف الوداع فهذا مثله، فإن خرج مكانه فلا شيء عليه ويجزئه طوافه ذلك عند مالك» اهـ. وقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٧/ ٢٣٣): «فأمَّا إن رجع القريب، فظاهر قول من ذكرنا قوله، أنَّه لا يلزمه إحرام؛ لأنَّه رجع لإتمام نسك مأمور به، فأشبه من رجع لطواف الزيارة. فإن ودع وخرج، ثم دخل مكة لحاجة، فقال أحمد: أحب إليَّ ألَّا يدخل إلَّا محرماً، وأحب إليَّ إذا خرج أن يودع البيت بالطواف. وهذا لأنَّه لم يدخل لإتمام النسك، إنَّما دخل لحاجة غير متكررة، فأشبه من يدخلها للإقامة بها» اهـ. ٦ - واحتج بعمومه على استحباب طواف الوداع لكل خارج من مكة من حاج أو معتمر أو غيرهما. وهو مذهب الإمام مالك كما سبق.

стр. 4474

٧ - واحتج به على أنَّ من أخر طواف الزيارة فله أن يستغني به عن طواف الوداع، لأنَّه يصدق عليه أنَّه جعل آخر عهده بالبيت. وهذا هو الصحيح، وهو إحدى الروايتين عن أحمد. ٨ - وعموم الحديث يشمل من خرج إلى غير بلده، وسواء أراد الرجوع إلى مكة أو لا. قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [الْمَجْمُوْع] (٨/ ٢٥٤): «وان أراد الخروج من مكة إلى وطنه أو غيره طاف للوداع» اهـ. وقال ﵀ (٨/ ٢٥٦): «ذكرنا في هذه المسألة السادسة عن البغوي أنَّ طواف الوداع يتوجه على كل من أراد مفارقة مكة إلى مسافة القصر قال ولو أراد دون مسافة القصر لا وداع عليه. والصحيح المشهور أنَّه يتوجه على من أراد مسافة القصر ودونها سواء كانت مسافة بعيدة أم قريبة لعموم الأحاديث وممن صرح بهذا صاحب البيان وغيره» اهـ. * * *

стр. 4475

٢٤٤ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: «اسْتَأْذَنَ الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَبِيتَ بِمَكَّةَ لَيَالِيَ مِنىً، مِنْ أَجْلِ سِقَايَتِهِ فَأَذِنَ لَهُ». وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا: ١ - سقوط المبيت في منى لأهل السقاية ويلحق بذلك غيره من الأعذار. كالرعاة، والمرضى، ومن كان مرافقاً لمريض يخشى عليه إن تركه، وغير ذلك من الأعذار. وقد جاء الترخيص لرعاء الإبل فيما رواه مالك في [الْمُوَطَّأِ] (٩١٩)، ومِنْ طَرِيْقِه أحمد (٢٣٨٢٦، ٢٣٨٢٧)، وأبو داود (١٩٧٥)، والنسائي (٣٠٦٩)، والترمذي (٩٥٥)، وابن ماجة (٣٠٣٧) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ أَبَا الْبَدَّاحِ بْنَ عَاصِمِ بْنِ عَدِيٍّ، أَخْبَرَهُ: عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ «أَرْخَصَ لِرِعَاءِ الْإِبِلِ فِي الْبَيْتُوتَةِ. خَارِجِينَ عَنْ مِنًى. يَرْمُونَ يَوْمَ النَّحْرِ. ثُمَّ يَرْمُونَ الْغَدَ، وَمِنْ بَعْدِ الْغَدِ لِيَوْمَيْنِ. ثُمَّ يَرْمُونَ يَوْمَ النَّفْرِ». قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ. قَالَ الْعَلَّامَةُ الْخَطَّابِي ﵀ فِي [مَعَالِمِ الْسُّنَنِ] (٢/ ٢١٢):

стр. 4476

«وقد اختلف الناس في تعيين اليوم الذي يرمي فيه فكان مالك يقول يرمون يوم النحر وإذا مضى اليوم الذي يلي يوم النحر رموا من الغد وذاك يوم النفر الأول يرمون لليوم الذي مضى ويرمون ليومهم ذلك، وذلك أنَّه لا يقضي أحد شيئاً حتى يجب عليه. وقال الشافعي نحواً من قول مالك، وقال بعضهم هم بالخيار إن شاؤوا قدموا وإن شاؤوا أخروا» اهـ. قُلْتُ: الأمر في ذلك واسع، وقد جاء في رواية الترمذي وابن ماجة: «رَخَّصَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِرِعَاءِ الْإِبِلِ فِي الْبَيْتُوتَةِ، أَنْ يَرْمُوا يَوْمَ النَّحْرِ، ثُمَّ يَجْمَعُوا رَمْيَ يَوْمَيْنِ بَعْدَ النَّحْرِ، فَيَرْمُونَهُ فِي أَحَدِهِمَا». لكن قال مالك: ظننت أنَّه قال في الأول منها (ثم يرمونه يوم النفر). ورواية النسائي: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، رَخَّصَ لِلرُّعَاةِ فِي الْبَيْتُوتَةِ يَرْمُونَ يَوْمَ النَّحْرِ، وَالْيَوْمَيْنِ اللَّذَيْنِ بَعْدَهُ يَجْمَعُونَهُمَا فِي أَحَدِهِمَا». قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٢/ ٢٩٠): «وإذا كان النبي ﷺ قد رخص لأهل السقاية، وللرعاء في البيتوتة، فمن له مال يخاف ضياعه، أو مريض يخاف من تخلفه عنه، أو كان مريضاً لا تمكنه البيتوتة، سقطت عنه بتنبيه النص على هؤلاء، والله أعلم» اهـ. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ عُثَيْمِيْنَ ﵀ فِي [الشَّرْحُ الْمُمْتِعِ] (٧/ ٣٩١): «مسألة: هل يلحق بهؤلاء من يماثلهم ممن يشتغلون بمصالح الحجيج العامة كرجال المرور، وصيانة أنابيب المياه، والمستشفيات وغيرها أو لا؟

стр. 4477

الجواب: نعم يلحقون بهؤلاء لتمام أركان القياس، فإنَّ القياس إلحاق فرع بأصل في حكم لعلة جامعة، وهذا موجود تماماً فيمن يشتغلون بمصالح الحجيج، وعليه فيقاس على الرعاة والسقاة من يشتغلون بمصالح الناس في هذه الأيام، فيرخص لهم أن يبيتوا خارج منى. ومن له عذر خاص كمريض ينقل للمستشفى خارج منى، هل يقاس على هؤلاء أو لا يقاس؟ قال بعض أهل العلم: إنَّه يقاس بجامع العذر في كل منهم. وقال بعض العلماء: إنَّه لا يقاس على هؤلاء؛ لأنَّ هذا عذره خاص، والسقاة والرعاة عذرهم عام للمصلحة العامة، فهو لا يشبه الرعاية والولاية، والذي عذره خاص فهذا ينظر في أمره هل يرخص له في ترك المبيت ويقال: إنَّ عليك فدية لترك المبيت، أو يقال لا فدية عليك؟ ولكن قياسه على الرعاة والسقاة قياس مع الفارق» اهـ. وقال ﵀ كما في [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢٣/ ٢٣٨): «وأمَّا من بهم عذر خاص كالمريض والممرض له وما أشبه، ذلك فهل يلحقون بهؤلاء؟ على قولين للعلماء: فمن العلماء من يقول: إنَّهم يلحقون لوجود العذر.

стр. 4478

ومن العلماء من يقول: إنَّهم لا يلحقون، لأنَّ عذر هؤلاء خاص، وعذر أولئك عام. والذي يظهر لي أنَّ أصحاب الأعذار يلحقون بهؤلاء كمثل إنسان مريض احتاج أن يرقد في المستشفى هاتين الليلتين إحدى عشرة واثنتي عشرة فلا حرج عليه، ولا فدية لأنَّ هذا عذر، وكون الرسول ﷺ يرخص للعباس- ﵄ مع إمكانه أن ينيب أحداً من أهل مكة الذين لم يحجوا يدل على أنَّ مسألة المبيت أمرها خفيف يعني ليس وجوبها بذلك الوجوب المحتم، حتى إنَّ الإمام أحمد- ﵀ رأى أن من ترك ليلة من ليالي منى فإنَّه لا فدية عليه، وإنَّما يتصدق بشيء. يعني عشرة ريالات أو خمسة ريالات حسب الحال» اهـ. قُلْتُ: المريض الذي لا يتمكن من المبيت في منى، وإن لم يوافق أهل السقاية، فإنَّه موافق لرخصة النبي ﷺ لرعاء الإبل، فإنَّه يدخل في رعاة الإبل من يرعى لنفسه، أو لغيره. والله أعلم. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ النَّجْمِيُّ ﵀ فِي [تَأْسِيْسِ الْأَحْكَامِ] (٣/ ٣٤٤): «إذن النبي ﷺ للعباس أن يبيت بمكة لمصلحة الحجاج هل هو إذن عام لمن له حاجة كحاجة العباس أو أنَّه للعباس فقط قولان لأهل العلم والمرجح أنَّ ذلك عام في كل من له حاجة تتعلق بالحجاج؛ ذلك لأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أذن للرعاة أيضاً فمن له حاجة في هذا الزمن أو غيره تتعلق

стр. 4479

بمصلحة الحج أو الحجاج كالعاملين في المستشفيات، وأصحاب الأوتوبيسات الذين لو توقفوا لأضر ذلك بمصلحة الحجاج والحج وما إلى ذلك من هذه الأمور كل ذلك يبيح التخلف عن المبيت بمنى ما دام يقوم بمصلحة للحج والحجاج» اهـ. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ مُحَمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيْمَ آل الْشَّيْخِ ﵀ كَمَا فِي [فَتَاوَى وَرَسَائِلَ مُحَمَدِ بْنِ إِبْرَاهِيْمَ آل الْشَّيْخِ] (٦/ ٦) في شأن الجنود: «وكذلك إذا دعت المصلحة أيضاً إلى تركهم المبيت بمنى فلا يأثمون كذلك» اهـ. ٢ - وجوب المبيت في منى ليالي التشريق لغير أهل الأعذار، إذ لو لم يكن ذلك واجباً لما كان في الرخصة للعباس معنىً. وبالوجوب قال الجمهور، واستحب ذلك أبو حنيفة، وهو قول للشافعي ورواية عن أحمد. قُلْتُ: وإن ترك المبيت في منى في الثلاث الليالي لزمه دم، وليس فيما دون ذلك دم، بل الواجب عليه أن يتوب إلى الله ، وهذا رواية عن أحمد، وهو الصحيح إن شاء الله. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٧/ ٢١٤): «فصل: فإن ترك المبيت بمنى، فعن أحمد: لا شيء عليه، وقد أساء. وهو قول أصحاب الرأي؛ لأنَّ الشرع لم يرد فيه بشيء. وعنه يطعم شيئاً.

стр. 4480

وخففه، ثم قال: قد قال بعضهم: ليس عليه. وقال إبراهيم: عليه دم. وضحك، ثم قال: دم بمرة، ثم شدد بمرة. قُلْتُ: ليس إلا أن يطعم شيئاً؟ قال: نعم، يطعم شيئاً تمراً أو نحوه. فعلى هذا أي شيء تصدق به، أجزأه، ولا فرق بين ليلة وأكثر؛ ولا تقدير فيه. وعنه: في الليالي الثلاث دم؛ لقول ابن عباس: من ترك من نسكه شيئاً، أو نسيه فليهرق دماً. وفيما دون الثلاث ثلاث روايات، وقال عطاء: في كل حصاة درهم. وهو قول الشافعي. وهذا لا نظير له، فإننا لا نعلم في ترك شيء من المناسك درهماً، ولا نصف درهم، فإيجابه بغير نص تحكم لا وجه له. والله أعلم» اهـ. قُلْتُ: والواجب من المبيت أكثر الليل ولا يلزم جميعه. وفي ذلك نزاع بين العلماء قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ في [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٤/ ٤٥١): «وفي قدر الواجب من هذا المبيت قولان للشافعي أصحهما: الواجب معظم الليل، والثاني: ساعة» اهـ. وهكذا عند المالكية والحنابلة في كتبهم أنَّ الواجب في البيت معظم الليل.

стр. 4481

ويدل على عدم وجوب المبيت جميع الليل في منى أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كان يأتي البيت ويطوف فيها في كل ليلة من ليالي منى. فقد روى الطبراني في [الْكَبِيْرِ] (١٢٧٣١)، والبيهقي في [الْكُبْرَى] (٩٤٣٣)، والطحاوي في [شَرْحِ مُشْكِلِ الْآثَارِ] (١٥٦٧) مِنْ طَرِيْقِ إبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَرْعَرَةَ، قَالَ: دَفَعَ إلَيَّ مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ كِتَابًا وَلَمْ أَسْمَعْهُ مِنْهُ وَقَالَ: سَمِعْتُهُ مِنْ أَبِي، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي حَسَّانَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَزُورُ الْبَيْتَ كُلَّ لَيْلَةٍ مِنْ لَيَالِي مِنًى». وذكره البخاري في "باب الزيارة يوم النحر" معلقاً بصيغة التمريض. قُلْتُ: هذه مناولة صحيحة، ويشهد له ما رواه ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (١٤٤٩٢) حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُفِيضُ كُلَّ لَيْلَةٍ». ورواه أبو داود في [الْمَرَاسِيْلِ] (١٦١) مِنْ طَرِيْقِ ابن جريج عن ابن طاووس عن أبيه به. قال العلامة الطحاوي ﵀ في [شَرْحِ مُشْكِلِ الْآثَارِ] (٤/ ٢٢٨): «وَكَذَلِكَ الْمُتَعَارَفُ فِي الْبَيْتُوتَاتِ، أَلَا تَرَى أَنَّ مَنْ حَلَفَ أَنْ لَا يَبِيتَ فِي هَذَا الْمَنْزِلِ هَذِهِ اللَّيْلَةَ فَأَقَامَ فِيهِ أَقَلَّ مِنْ نِصْفِهَا ثُمَّ خَرَجَ عَنْهُ إلَى غَيْرِهِ فَأَقَامَ فِيهِ بَقِيَّتَهَا حَتَّى أَصْبَحَ أَنَّهُ لَمْ يَحْنَثْ فِي يَمِينِهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَبِتْ فِيهِ، وَأَنَّهُ لَوْ كَانَ أَقَامَ فِيهِ أَكْثَرَ مِنْ نِصْفِهَا ثُمَّ خَرَجَ إلَى

стр. 4482

غَيْرِهِ فَأَقَامَ فِيهِ بَقِيَّتَهَا حَتَّى أَصْبَحَ أَنَّهُ قَدْ حَنِثَ؛ لِأَنَّهُ قَدْ بَاتَ فِيهِ هَكَذَا الْمُتَعَارَفُ أَلَا تَرَى أَنَّ مَنْ لَقِيَ رَجُلًا فِي اللَّيْلِ قَبْلَ أَنْ يَمْضِيَ نِصْفُهُ أَنَّهُ جَائِزٌ أَنْ يَقُولَ لَهُ: أَيْنَ تَبِيتُ اللَّيْلَةَ وَأَنَّهُ لَوْ لَقِيَهُ بَعْدَ أَنْ مَضَى نِصْفُهُ أَنَّهُ جَائِزٌ أَنْ يَقُولَ لَهُ: أَيْنَ بِتَّ اللَّيْلَةَ؟ فَكَذَلِكَ مَا ذَكَرْنَاهُ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ مِنْ زِيَارَتِهِ الْبَيْتَ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ لَيَالِي مِنًى هُوَ عِنْدَنَا وَاللهُ أَعْلَمُ عَلَى أَنَّهُ يَرْجِعُ مِنْهُ إلَى مِنًى قَبْلَ أَنْ يَمْضِيَ نِصْفُ اللَّيْلِ فَيَكُونَ بِهَا حَتَّى يُصْبِحَ فِيهَا، فَيَكُونُ بِذَلِكَ بَائِتًا فِيهَا فَاتَّفَقَ بِحَمْدِ اللهِ وَنِعْمَتِهِ هَذَا الْحَدِيثُ وَمَعْنَى الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ وَلَمْ يَخْتَلِفَا، وَاللهَ نَسْأَلُهُ التَّوْفِيقَ» اهـ. ٣ - استحباب سقاية الحجاج والمعتمرين. ٤ - إثبات السقاية للعباس، وهي لآله من بعده. قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ في [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٤/ ٤٥١): «واعلم أنَّ سقاية الناس حق لآل العباس كانت للعباس في الجاهلية، وأقرها النبي ﷺ له فهي لآل العباس أبداً» اهـ. ٥ - مشروعية تخصيص السقاية لأناس معينين. * * *

стр. 4483

٢٤٥ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: «جَمَعَ النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ بِـ"جَمْعٍ"، لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا إقَامَةٌ. وَلَمْ يُسَبِّحْ بَيْنَهُمَا، وَلا عَلَى إثْرِ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا». وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا: ١ - استحباب تأخير المغرب والعشاء إلى المزدلفة، والجمع بينهما جمع تأخير. وهذا الجمع من أجل السفر على الصحيح وهو مذهب الجمهور، وذهب أبو حنيفة إلى أنَّه من أجل النسك. ٢ - استحباب الإقامة لكل صلاة من صلاتي المغرب والعشاء، وهكذا السنة في كل صلاة تجمع مع أختها. وأمَّا الأذان فيقتصر فيه على أذان واحد للصلاتين. وقد جاء في ذلك ما رواه مسلم (١٢١٨) عن جابر في ذكره لصفة حجة الوداع وفيه: «حَتَّى أَتَى الْمُزْدَلِفَةَ، فَصَلَّى بِهَا الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ بِأَذَانٍ وَاحِدٍ وَإِقَامَتَيْنِ، وَلَمْ يُسَبِّحْ بَيْنَهُمَا شَيْئًا». ٣ - استحباب ترك الرواتب في السفر سوى ركعتي الفجر فقد دل الدليل على صلاتها في السفر. ٤ - إطلاق السبحة على صلاة النافلة. وسميت بذلك لما فيها من التسبيح.

стр. 4484

٥ - واحتج بذلك من قال بوجوب التسبيح في الصلاة، وذلك أنَّ إطلاق البعض على الكل يدل على وجوب ذلك البعض، وفي الحديث أطلق التسبيح على الصلاة. ٦ - واحتج به من قال بوجوب المولاة بين الصلاتين المجموعتين، ولا حجة فيه من وثلاثة أوجه: الأول: أنَّه مجرد فعل، والفعل المجرد لا يستفاد منه الوجوب فضلاً عن الشرطية. الثاني: الاحتمال قائم بأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لم يصلْ بينهما من أجل السفر، فإنَّ السنة فيه ترك الرواتب إلَّا راتبة الفجر كما سبق. الثالث: أنَّه قد ثبت فصل النبي ﷺ بين صلاتي المغرب والعشاء بإناخة البعير، وذلك فيما رواه مسلم (١٢٨٠) عَنْ كُرَيْبٍ، أَنَّهُ سَأَلَ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ، كَيْفَ صَنَعْتُمْ حِينَ رَدِفْتَ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ فَقَالَ: جِئْنَا الشِّعْبَ الَّذِي يُنِيخُ النَّاسُ فِيهِ لِلْمَغْرِبِ، فَأَنَاخَ رَسُولُ اللهِ ﷺ نَاقَتَهُ وَبَالَ - وَمَا: قَالَ: أَهَرَاقَ الْمَاءَ - ثُمَّ دَعَا بِالْوَضُوءِ، فَتَوَضَّأَ وُضُوءًا لَيْسَ بِالْبَالِغِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، الصَّلَاةَ، فَقَالَ: «الصَّلَاةُ أَمَامَكَ». فَرَكِبَ حَتَّى جِئْنَا الْمُزْدَلِفَةَ فَأَقَامَ الْمَغْرِبَ، ثُمَّ أَنَاخَ النَّاسُ فِي مَنَازِلِهِمْ، وَلَمْ يَحُلُّوا حَتَّى أَقَامَ الْعِشَاءَ الْآخِرَةَ، فَصَلَّى، ثُمَّ حَلُّوا، قُلْتُ: فَكَيْفَ فَعَلْتُمْ حِينَ أَصْبَحْتُمْ؟ قَالَ: رَدِفَهُ الْفَضْلُ بْنُ عَبَّاسٍ، وَانْطَلَقْتُ أَنَا فِي سُبَّاقِ قُرَيْشٍ عَلَى رِجْلَيَّ.

стр. 4485

قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢٤/ ٥١ - ٥٢): «ولا تشترط أيضاً "المقارنة" فإنَّه لما أباح أن تصلى العشاء قبل مغيب الشفق وعلله بأنَّه يجوز له الجمع لم يجز أن يراد به الشفق الأبيض لأنَّ مذهبه المتواتر عنه أنَّ المسافر يصلي العشاء بعد مغيب الشفق الأحمر وهو أول وقتها عنده وحينئذ يخرج وقت المغرب عنده فلم يكن مصلياً لها في وقت المغرب بل في وقتها الخاص. وأمَّا في الحضر فاستحب تأخيرها إلى أن يغيب الأبيض قال: لأنَّ الحمرة قد تسترها الحيطان فيظن أنَّ الأحمر قد غاب ولم يغب فإذا غاب البياض تيقن مغيب الحمرة. فالشفق عنده في الموضعين الحمرة لكن لما كان الشك في الحضر لاستتار الشفق بالحيطان احتاط بدخول الأبيض. فهذا مذهبه المتواتر من نصوصه الكثيرة. وقد حكى بعضهم رواية عنه أنَّ الشفق في الحضر الأبيض وفي السفر الأحمر. وهذه الرواية حقيقتها كما تقدم وإلَّا فلم يقل أحمد ولا غيره من علماء المسلمين: أنَّ الشفق في نفس الأمر يختلف بالحضر والسفر. وأحمد قد علل الفرق. فلو حكي عنه لفظ مجمل كان المفسر من كلامه يبينه. وقد حكى بعضهم رواية عنه أنَّ الشفق مطلق البياض. وما أظن هذا إلَّا غلطاً عليه. وإذا كان مذهبه أنَّ أول الشفق إذا غاب في السفر خرج وقت المغرب ودخل وقت العشاء - وهو يجوز للمسافر أن يصلي العشاء قبل مغيب الشفق وعلل ذلك
следующие страницы →