← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 30178

تحفة السائل في بيان ما في عمدة الأحكام من المسائل

أبو بكر الحمادي

Полный текст (8 095 стр.). Показаны 4481–4520 · переход к 4486.

стр. 4481

ويدل على عدم وجوب المبيت جميع الليل في منى أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كان يأتي البيت ويطوف فيها في كل ليلة من ليالي منى. فقد روى الطبراني في [الْكَبِيْرِ] (١٢٧٣١)، والبيهقي في [الْكُبْرَى] (٩٤٣٣)، والطحاوي في [شَرْحِ مُشْكِلِ الْآثَارِ] (١٥٦٧) مِنْ طَرِيْقِ إبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَرْعَرَةَ، قَالَ: دَفَعَ إلَيَّ مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ كِتَابًا وَلَمْ أَسْمَعْهُ مِنْهُ وَقَالَ: سَمِعْتُهُ مِنْ أَبِي، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي حَسَّانَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَزُورُ الْبَيْتَ كُلَّ لَيْلَةٍ مِنْ لَيَالِي مِنًى». وذكره البخاري في "باب الزيارة يوم النحر" معلقاً بصيغة التمريض. قُلْتُ: هذه مناولة صحيحة، ويشهد له ما رواه ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (١٤٤٩٢) حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُفِيضُ كُلَّ لَيْلَةٍ». ورواه أبو داود في [الْمَرَاسِيْلِ] (١٦١) مِنْ طَرِيْقِ ابن جريج عن ابن طاووس عن أبيه به. قال العلامة الطحاوي ﵀ في [شَرْحِ مُشْكِلِ الْآثَارِ] (٤/ ٢٢٨): «وَكَذَلِكَ الْمُتَعَارَفُ فِي الْبَيْتُوتَاتِ، أَلَا تَرَى أَنَّ مَنْ حَلَفَ أَنْ لَا يَبِيتَ فِي هَذَا الْمَنْزِلِ هَذِهِ اللَّيْلَةَ فَأَقَامَ فِيهِ أَقَلَّ مِنْ نِصْفِهَا ثُمَّ خَرَجَ عَنْهُ إلَى غَيْرِهِ فَأَقَامَ فِيهِ بَقِيَّتَهَا حَتَّى أَصْبَحَ أَنَّهُ لَمْ يَحْنَثْ فِي يَمِينِهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَبِتْ فِيهِ، وَأَنَّهُ لَوْ كَانَ أَقَامَ فِيهِ أَكْثَرَ مِنْ نِصْفِهَا ثُمَّ خَرَجَ إلَى

стр. 4482

غَيْرِهِ فَأَقَامَ فِيهِ بَقِيَّتَهَا حَتَّى أَصْبَحَ أَنَّهُ قَدْ حَنِثَ؛ لِأَنَّهُ قَدْ بَاتَ فِيهِ هَكَذَا الْمُتَعَارَفُ أَلَا تَرَى أَنَّ مَنْ لَقِيَ رَجُلًا فِي اللَّيْلِ قَبْلَ أَنْ يَمْضِيَ نِصْفُهُ أَنَّهُ جَائِزٌ أَنْ يَقُولَ لَهُ: أَيْنَ تَبِيتُ اللَّيْلَةَ وَأَنَّهُ لَوْ لَقِيَهُ بَعْدَ أَنْ مَضَى نِصْفُهُ أَنَّهُ جَائِزٌ أَنْ يَقُولَ لَهُ: أَيْنَ بِتَّ اللَّيْلَةَ؟ فَكَذَلِكَ مَا ذَكَرْنَاهُ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ مِنْ زِيَارَتِهِ الْبَيْتَ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ لَيَالِي مِنًى هُوَ عِنْدَنَا وَاللهُ أَعْلَمُ عَلَى أَنَّهُ يَرْجِعُ مِنْهُ إلَى مِنًى قَبْلَ أَنْ يَمْضِيَ نِصْفُ اللَّيْلِ فَيَكُونَ بِهَا حَتَّى يُصْبِحَ فِيهَا، فَيَكُونُ بِذَلِكَ بَائِتًا فِيهَا فَاتَّفَقَ بِحَمْدِ اللهِ وَنِعْمَتِهِ هَذَا الْحَدِيثُ وَمَعْنَى الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ وَلَمْ يَخْتَلِفَا، وَاللهَ نَسْأَلُهُ التَّوْفِيقَ» اهـ. ٣ - استحباب سقاية الحجاج والمعتمرين. ٤ - إثبات السقاية للعباس، وهي لآله من بعده. قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ في [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٤/ ٤٥١): «واعلم أنَّ سقاية الناس حق لآل العباس كانت للعباس في الجاهلية، وأقرها النبي ﷺ له فهي لآل العباس أبداً» اهـ. ٥ - مشروعية تخصيص السقاية لأناس معينين. * * *

стр. 4483

٢٤٥ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: «جَمَعَ النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ بِـ"جَمْعٍ"، لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا إقَامَةٌ. وَلَمْ يُسَبِّحْ بَيْنَهُمَا، وَلا عَلَى إثْرِ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا». وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا: ١ - استحباب تأخير المغرب والعشاء إلى المزدلفة، والجمع بينهما جمع تأخير. وهذا الجمع من أجل السفر على الصحيح وهو مذهب الجمهور، وذهب أبو حنيفة إلى أنَّه من أجل النسك. ٢ - استحباب الإقامة لكل صلاة من صلاتي المغرب والعشاء، وهكذا السنة في كل صلاة تجمع مع أختها. وأمَّا الأذان فيقتصر فيه على أذان واحد للصلاتين. وقد جاء في ذلك ما رواه مسلم (١٢١٨) عن جابر في ذكره لصفة حجة الوداع وفيه: «حَتَّى أَتَى الْمُزْدَلِفَةَ، فَصَلَّى بِهَا الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ بِأَذَانٍ وَاحِدٍ وَإِقَامَتَيْنِ، وَلَمْ يُسَبِّحْ بَيْنَهُمَا شَيْئًا». ٣ - استحباب ترك الرواتب في السفر سوى ركعتي الفجر فقد دل الدليل على صلاتها في السفر. ٤ - إطلاق السبحة على صلاة النافلة. وسميت بذلك لما فيها من التسبيح.

стр. 4484

٥ - واحتج بذلك من قال بوجوب التسبيح في الصلاة، وذلك أنَّ إطلاق البعض على الكل يدل على وجوب ذلك البعض، وفي الحديث أطلق التسبيح على الصلاة. ٦ - واحتج به من قال بوجوب المولاة بين الصلاتين المجموعتين، ولا حجة فيه من وثلاثة أوجه: الأول: أنَّه مجرد فعل، والفعل المجرد لا يستفاد منه الوجوب فضلاً عن الشرطية. الثاني: الاحتمال قائم بأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لم يصلْ بينهما من أجل السفر، فإنَّ السنة فيه ترك الرواتب إلَّا راتبة الفجر كما سبق. الثالث: أنَّه قد ثبت فصل النبي ﷺ بين صلاتي المغرب والعشاء بإناخة البعير، وذلك فيما رواه مسلم (١٢٨٠) عَنْ كُرَيْبٍ، أَنَّهُ سَأَلَ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ، كَيْفَ صَنَعْتُمْ حِينَ رَدِفْتَ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ فَقَالَ: جِئْنَا الشِّعْبَ الَّذِي يُنِيخُ النَّاسُ فِيهِ لِلْمَغْرِبِ، فَأَنَاخَ رَسُولُ اللهِ ﷺ نَاقَتَهُ وَبَالَ - وَمَا: قَالَ: أَهَرَاقَ الْمَاءَ - ثُمَّ دَعَا بِالْوَضُوءِ، فَتَوَضَّأَ وُضُوءًا لَيْسَ بِالْبَالِغِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، الصَّلَاةَ، فَقَالَ: «الصَّلَاةُ أَمَامَكَ». فَرَكِبَ حَتَّى جِئْنَا الْمُزْدَلِفَةَ فَأَقَامَ الْمَغْرِبَ، ثُمَّ أَنَاخَ النَّاسُ فِي مَنَازِلِهِمْ، وَلَمْ يَحُلُّوا حَتَّى أَقَامَ الْعِشَاءَ الْآخِرَةَ، فَصَلَّى، ثُمَّ حَلُّوا، قُلْتُ: فَكَيْفَ فَعَلْتُمْ حِينَ أَصْبَحْتُمْ؟ قَالَ: رَدِفَهُ الْفَضْلُ بْنُ عَبَّاسٍ، وَانْطَلَقْتُ أَنَا فِي سُبَّاقِ قُرَيْشٍ عَلَى رِجْلَيَّ.

стр. 4485

قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢٤/ ٥١ - ٥٢): «ولا تشترط أيضاً "المقارنة" فإنَّه لما أباح أن تصلى العشاء قبل مغيب الشفق وعلله بأنَّه يجوز له الجمع لم يجز أن يراد به الشفق الأبيض لأنَّ مذهبه المتواتر عنه أنَّ المسافر يصلي العشاء بعد مغيب الشفق الأحمر وهو أول وقتها عنده وحينئذ يخرج وقت المغرب عنده فلم يكن مصلياً لها في وقت المغرب بل في وقتها الخاص. وأمَّا في الحضر فاستحب تأخيرها إلى أن يغيب الأبيض قال: لأنَّ الحمرة قد تسترها الحيطان فيظن أنَّ الأحمر قد غاب ولم يغب فإذا غاب البياض تيقن مغيب الحمرة. فالشفق عنده في الموضعين الحمرة لكن لما كان الشك في الحضر لاستتار الشفق بالحيطان احتاط بدخول الأبيض. فهذا مذهبه المتواتر من نصوصه الكثيرة. وقد حكى بعضهم رواية عنه أنَّ الشفق في الحضر الأبيض وفي السفر الأحمر. وهذه الرواية حقيقتها كما تقدم وإلَّا فلم يقل أحمد ولا غيره من علماء المسلمين: أنَّ الشفق في نفس الأمر يختلف بالحضر والسفر. وأحمد قد علل الفرق. فلو حكي عنه لفظ مجمل كان المفسر من كلامه يبينه. وقد حكى بعضهم رواية عنه أنَّ الشفق مطلق البياض. وما أظن هذا إلَّا غلطاً عليه. وإذا كان مذهبه أنَّ أول الشفق إذا غاب في السفر خرج وقت المغرب ودخل وقت العشاء - وهو يجوز للمسافر أن يصلي العشاء قبل مغيب الشفق وعلل ذلك

стр. 4486

بأنَّه يجوز له الجمع - علم أنَّه صلاها قبل مغيبها لا بعد مغيب الأحمر فإنَّه حينئذ لا يجوز التعليل بجواز الجمع. الثاني: أنَّ ذلك من كلامه يدل على أن الجمع عنده هو الجمع في الوقت وإن لم يصل إحداهما بالأخرى كالجمع في وقت الثانية على المشهور من مذهبه ومذهب غيره وأنَّه إذا صلى المغرب في أول وقتها والعشاء في آخر وقت المغرب - حيث يجوز له الجمع - جاز ذلك وقد نص أيضاً على نظير هذا فقال: إذا صلى إحدى صلاتي الجمع في بيته والأخرى في المسجد فلا بأس. وهذا نص منه على أنَّ الجمع هو جمع في الوقت لا تشترط فيه المواصلة وقد تأول ذلك بعض أصحابه على قرب الفصل وهو خلاف النص» اهـ. وقال أيضاً ﵀ (٢٤/ ٥٤ - ٥٦): «والصحيح أنَّه لا تشترط الموالاة بحال لا في وقت الأولى ولا في وقت الثانية؛ فإنَّه ليس لذلك حد في الشرع ولأنَّ مراعاة ذلك يسقط مقصود الرخصة وهو شبيه بقول من حمل الجمع على الجمع بالفعل وهو أن يسلم من الأولى في آخر وقتها ويحرم بالثانية في أول وقتها كما تأول جمعه على ذلك طائفة من العلماء أصحاب أبي حنيفة وغيرهم ومراعاة هذا من أصعب الأشياء وأشقها؛ فإنَّه يريد أن يبتدئ فيها إذا بقي من الوقت مقدار أربع ركعات أو ثلاث في المغرب ويريد مع ذلك ألا يطيلها وإن كان بنية الإطالة تشرع في الوقت الذي يحتمل ذلك وإذا دخل في الصلاة ثم بدا له أن يطيلها أو أن ينتظر أحداً ليحصل الركوع والجماعة لم

стр. 4487

يشرع ذلك ويجتهد في أن يسلم قبل خروج الوقت ومعلوم أن مراعاة هذا من أصعب الأشياء علماً وعملاً وهو يشغل قلب المصلي عن مقصود الصلاة والجمع شرع رخصة ودفعاً للحرج عن الأمة فكيف لا يشرع إلَّا مع حرج شديد ومع ما ينقض مقصود الصلاة. فعلم أنَّه كان ﷺ إذا أخر الظهر وعجل العصر وأخر المغرب وعجل العشاء يفعل ذلك على الوجه الذي يحصل به التيسير ورفع الحرج له ولأمته ولا يلتزم أنه لا يسلم من الأولى إلَّا قبل خروج وقتها الخاص وكيف يعلم ذلك المصلي في الصلاة وآخر وقت الظهر وأول وقت العصر إنَّما يعرف على سبيل التحديد بالظل والمصلي في الصلاة لا يمكنه معرفة الظل ولم يكن مع النبي ﷺ آلات حسابية يعرف بها الوقت ولا موقت يعرف ذلك بالآلات الحسابية والمغرب إنَّما يعرف آخر وقتها بمغيب الشفق فيحتاج أن ينظر إلى جهة الغرب هل غرب الشفق الأحمر أو الأبيض والمصلي في الصلاة منهي عن مثل ذلك. وإذا كان يصلي في بيت أو فسطاط أو نحو ذلك مما يستره عن الغرب ويتعذر عليه في الصلاة النظر إلى المغرب فلا يمكنه في هذه الحال أن يتحرى السلام في آخر وقت المغرب؛ بل لا بد أن يسلم قبل خروج الوقت بزمن يعلم أنه معه يسلم قبل خروج الوقت. ثم الثانية لا يمكنه على قولهم أن يشرع فيها حتى يعلم دخول الوقت وذلك يحتاج إلى عمل وكلفة مما لم ينقل عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّه

стр. 4488

كان يراعيه؛ بل ولا أصحابه فهؤلاء لا يمكن الجمع على قولهم في غالب الأوقات لغالب الناس إلَّا مع تفريق الفعل وأولئك لا يكون الجمع عندهم إلا مع اقتران الفعل وهؤلاء فهموا من الجمع اقتران الفعلين في وقت واحد أو وقتين وأولئك قالوا لا يكون الجمع إلَّا في وقتين وذلك يحتاج إلى تفريق الفعل وكلا القولين ضعيف. والسنة جاءت بأوسع من هذا وهذا ولم تكلف الناس لا هذا ولا هذا والجمع جائز في الوقت المشترك فتارة يجمع في أول الوقت كما جمع بعرفة. وتارة يجمع في وقت الثانية كما جمع بمزدلفة وفي بعض أسفاره. وتارة يجمع فيما بينهما في وسط الوقتين وقد يقعان معاً في آخر وقت الأولى وقد يقعان معاً في أول وقت الثانية وقد تقع هذه في هذا وهذه في هذا؛ وكل هذا جائز؛ لأنَّ أصل هذه المسألة أنَّ الوقت عند الحاجة مشترك والتقديم والتوسط بحسب الحاجة والمصلحة ففي عرفة ونحوها يكون التقديم هو السنة» اهـ. وَقَالَ ﵀ كَمَا فِي [جَامِعِ الْمَسَائِلِ] (٦/ ٣٥٠ - ٣٥١): «وكذلك الموالاة بين الصلاتين، وقد أوجبها الشافعي ومن وافقه من أصحاب أحمد، وقد نص أحمد على أنَّ المسافر إذا صلى العشاء قبل غروب الشفق في السفر جاز، وجعله بذلك جامعاً. وليس مراده الأبيض، فإنَّ الوقت يدخل في حق المسافر بغروب الشفق الأحمر عنده بلا ريب، وكذلك الحاضر، وإنَّما اختار للحاضر أن يؤخرها إلى مغيب الأبيض ليتيقن مغيب الشفق الأحمر عنده بلا ريب، لأنَّ الجدران تواري الحمرة في الحضر دون السفر، وإن جوز أن يصلي قبل

стр. 4489

مغيب الأحمر في السفر، لأنَّ المسافر يجوز له الجمع، فلو أراد أن يصليها عقيب المغرب جاز، فإذا أخرها كان أولى بالجواز، لأنَّه أقرب إلى الوقت المختص، فكيف يسوغ أن يقال: يصلي في الوقت البعيد عن وقتها المختص دون المشترك. وإذا قال قائل: إنَّ ذلك لا يسمى جمعاً إلَّا مع الاقتران. قيل: هذا لا يجوز الاحتجاج به لوجهين: أحدهما: أنَّ الشارع لم يعلق الحكم بهذا اللفظ ولا معناه، ولكن دل الشرع على جوازه. الثاني: أنَّ الجمع سمي بذلك، لأنَّه جمع بينهما في وقت إحداهما المختص، لا لاقتران الفعل، بدليل أنَّه لو جمع في وقت الثانية لم يجب الاقتران بلا ريب، بل له أن يصلي الأولى في أول الوقت والثانية في آخره. وقد صلى النبي ﷺ ليلة جمع المغرب قبل إناخة الرحال، ثم أناخوها، ثم صلى العشاء بعد ذلك بفصل بينهما» اهـ. * * *

стр. 4490

بَابُ: الْمُحْرِمِ يَأْكُلُ مِنْ صَيْدِ الْحَلَالِ. ٢٤٦ - عَنْ أَبِي قَتَادَةَ الأَنْصَارِيِّ ﵁: أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ خَرَجَ حَاجَّاً. فَخَرَجُوا مَعَهُ. فَصَرَفَ طَائِفَةً مِنْهُمْ - فِيهِمْ أَبُو قَتَادَةَ - وَقَالَ: خُذُوا سَاحِلَ الْبَحْرِ، حَتَّى نَلْتَقِيَ. فَأَخَذُوا سَاحِلَ الْبَحْرِ فَلَمَّا انْصَرَفُوا أَحْرَمُوا كُلُّهُمْ، إلاَّ أَبَا قَتَادَةَ، فَلَمْ يُحْرِمْ. فَبَيْنَمَا هُمْ يَسِيرُونَ إذْ رَأَوْا حُمُرَ وَحْشٍ. فَحَمَلَ أَبُو قَتَادَةَ عَلَى الْحُمُرِ. فَعَقَرَ مِنْهَا أَتَانَاً. فَنَزَلْنَا فَأَكَلْنَا مِنْ لَحْمِهَا. ثُمَّ قُلْنَا: أَنَأْكُلُ لَحْمَ صَيْدٍ، وَنَحْنُ مُحْرِمُونَ؟ فَحَمَلْنَا مَا بَقِيَ مِنْ لَحْمِهَا فَأَدْرَكْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَسَأَلْنَاهُ عَنْ ذَلِكَ؟ فَقَالَ: مِنْكُمْ أَحَدٌ أَمَرَهُ أَنْ يَحْمِلَ عَلَيْهَا، أَوْ أَشَارَ إلَيْهَا؟ قَالُوا: لا. قَالَ: "فَكُلُوا مَا بَقِيَ مِنْ لَحْمِهَا". وَفِي رِوَايَةٍ: قَالَ: "هَلْ مَعَكُمْ مِنْهُ شَيْءٌ؟ ". فَقُلْت: نَعَمْ. فَنَاوَلْتُهُ الْعَضُدَ، فَأَكَلَ مِنْهَا». وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا: ١ - مشروعية مجاوزة الميقات لحاجة غير الإحرام. فأبو قتادة لعله تجاوز الميقات لحاجة غير الإحرام. وقد كان ذهاب أبي قتادة ومن معه إلى ساحل البحر من أجل جبي الصدقة فروى ابن حبان في [صَحِيْحِهِ] (٣٩٧٦)، والطبراني في [الْأَوْسَطِ] (٤٥٤٢) مِنْ طَرِيْقِ

стр. 4491

مُحَمَّدِ بْنِ عُثْمَانَ الْعُقَيْلِيُّ قَالَ: نَا عَبْدُ الْأَعْلَى، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ عِيَاضِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: «بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَبَا قَتَادَةَ الْأَنْصَارِيَّ عَلَى الصَّدَقَةِ، وَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابُهُ مُحْرِمُونَ … ». الحديث. قُلْتُ: محمد بن عثمان العقيلي لم يوثقه معتبر، لكن تابعه عياش بن الوليد وهو ثقة، وحديثه عند الطحاوي في [شَرْحِ مَعَانِي الْآثَارِ] (٣٨١٠). قُلْتُ: إِسْنَادَ الطَّحَاوِيِّ هَذَا صَحِيْحٌ. ٢ - مشروعية أكل لحم الحمر الوحشية. ٣ - أنَّ المحرم إذا أشار للحلال بالصيد، أو أمر الحلال به فلا يحل له أن يأكل منه. وهل على المحرم في ذلك الجزاء فيه نزاع، فأوجب الجزاء عطاء، وأحمد، وإسحاق، وذهب الشافعي وغيره من أهل العلم إلى عدم وجوب الجزاء؛ وذلك لأنَّ الدال ليس بمباشر للقتل، وقد قالوا: أنَّه لو دَلَّ حلال حلالاً على قتل صيد في الحرم لم يكن على الدال جزاء؛ لأنَّه لم يحصل منه قتل الصيد، فكذلك هاهنا، وهكذا لو دلَّ رجل على رجل مسلم فقتله المدلول، لم يجب على الدال ضمان، وحُرمة المسلم أعظم من حرمة الصيد. قُلْتُ: واحتج من أوجب الجزاء على المحرم بحجج ذكرها العلامة ابن قدامة ﵀ في [الْمُغْنِي] (٦/ ٤٤٤) فقال: «ولنا، قول النبي ﷺ

стр. 4492

لأصحاب أبي قتادة: "هل منكم أحد أمره أن يحمل عليها، أو أشار إليها؟ "؛ ولأنَّه سبب يتوصل به إلى إتلاف الصيد، فتعلق به الضمان، كما لو نصب أحبولة، ولأنَّه قول علي وابن عباس. ولا نعرف لهما مخالفاً في الصحابة» اهـ. قُلْتُ: غاية ما في الحديث معاونة المحرم للحلال على الصيد، وتحريم إشارته إلى الصيد، وليس للجزاء ذكر. وأمَّا أثر ابن عباس فرواه عبد الرزاق في [الْمُصَنَّفِ] (٨٣٥٥) عَنْ حُمَيْدِ بْنِ رُوَيْمَانَ - رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ -، عَنِ الْحَجَّاجِ بْنِ أَرْطَاةَ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ الْمُغِيرَةِ الطَّائِفِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمِقْدَامِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَبَشِيِّ قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ ابْنِ عَبَّاسِ فَجَاءَتِ امْرَأَةُ، وَقَالَتْ: أَشَرْتُ إِلَى أَرَنَبٍ فَرمَاهَا الْكَرِيُّ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [المائدة: ٩٥] قَالَ: فَقُلْتُ لِلْمَرْأَةِ: قَوْلِي: احْكُمْ أَنْتَ، فَقَالَتْ لَهُ، فَقَالَ: لَا بُدَّ مِنْ آخَرَ مَعِي فَقُلْتُ لَهَا: قُولِي لَهُ اخْتَرْ مَنْ شِئْتَ، فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَيَّ وَقَالَ: مَنْ هَذَا؟ قُلْتُ عَمْرُو بْنُ حَبَشِيٍّ قَالَ: أَفْتِنَا فِي دَابَّةٍ تَرْعَى الشَّجَرَ، وَتَشْرَبُ الْمَاءَ فِي كِرْشٍ لَمْ تُثْغِرْ قَالَ: فَقُلْتُ: تِلْكَ عِنْدَنَا الْفَطِيمَةُ، وَالتَّوَّالَةُ، وَالْجَذَعَةُ، فَقَالَ لَهَا: «اخْتَارِي مِنْ هَؤُلَاءِ إِنْ شِئْتِ». قَالَتْ: إِنِّي أَجِدُ مِنْ ذَلِكَ أَكْثَرَ قَالَ: «فَأَمْلِقِي مَا شِئْتِ».

стр. 4493

قُلْتُ: فيه حميد بن رويمان مجهول، والحجاج بن أرطأة لين الحديث، وهو مع ذلك مدلس وقد عنعن، عبد الله بن المقدام مجهول، عمرو بن الحبشي لا يعرف حاله، وذكره ابن حبان في "الثقات". وروى ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (١٥٧٦١) نا ابْنُ فُضَيْلٍ، عَنْ لَيْثٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: أَتَى رَجُلٌ ابْنَ عَبَّاسٍ فَقَالَ: إِنِّي أَشَرْتُ بِظَبْيٍ وَأَنَا مُحْرِمٌ، فَأَصِيدُ؟ قَالَ: «ضَمِنْتَ». قُلْتُ: ليث هو ابن أبي سليم ضعيف من أجل اختلاطه. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الطَّحَاوِيُّ ﵀ كَمَا فِي [مُخْتَصَرِ اخْتِلَافِ الْعُلَمَاءِ] (٢/ ٢١٥) «وَقد روى دَاوُد بن أبي هِنْد عَنْ بكر بن عبد الله الْمُزنِيّ قَالَ أَتَى رجل عمر بن الْخطاب فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِنِّي أَشرت إِلَى ظَبْي وَأَنا محرم فَقتله صَاحِبي فَقَالَ عمر لعبد الرَّحْمَن بن عَوْف: مَا ترى قَالَ شَاة قَالَ وَأَنا أرى ذَلِك» اهـ. قُلْتُ: أَثَرُ عُمَرَ مُنْقَطِعٌ. وأمَّا أثر علي فلم أقف عليه. وقد عزاه شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في [شَرْحِ الْعُمْدَةِ] (٣/ ١٨٤) إلى ابن النجاد، ولم أقف على كتابه. والله أعلم. فالذي يظهر لي هو عدم وجوب الجزاء. لعدم الدليل على ذلك. والله أعلم. ٤ - جواز أكل المحرم من صيد الحلال إذا لم يكن منه أمر بالصيد ولا إشارة إليه. ٥ - وفيه أنَّه لو أشار، أو أمر به بعضهم حرم على جميعهم.

стр. 4494

٦ - التوقف في الأمر عند الاشتباه حتى يتبين وجه. ٧ - سؤال أهل العلم فيما يشكل من الأمر. ٨ - أنَّ الأمر قد يأتي للإباحة، وذلك في قوله: «فَكُلُوا مَا بَقِيَ مِنْ لَحْمِهَا». قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٤/ ٣٠): «صيغة الأمر هنا للإباحة لا للوجوب لأنَّها وقعت جواباً عن سؤالهم عن الجواز لا عن الوجوب فوقعت الصيغة على مقتضى السؤال» اهـ. ٩ - وفيه مشروعية طلب الهبة من الأصدقاء إذا كان في ذلك تطييباً لنفوسهم. ١٠ - وفيه بيان الحل بالقول والفعل. ١١ - وفيه أنَّ ذكاة الصيد بعقره. * * *

стр. 4495

٢٤٧ - عَنْ الصَّعْبِ بْنِ جَثَّامَةَ اللَّيْثِيِّ ﵁: «أَنَّهُ أَهْدَى إلَى النَّبِيِّ ﷺ حِمَاراً وَحْشِيَّاً، وَهُوَ بِالأَبْوَاءِ أَوْ بِوَدَّانَ - فَرَدَّهُ عَلَيْهِ. فَلَمَّا رَأَى مَا فِي وَجْهِي، قَالَ: "إنَّا لَمْ نَرُدَّهُ عَلَيْكَ إلاَّ أَنَّا حُرُمٌ"». وَفِي لَفْظٍ لِمُسْلِمٍ: «رِجْلَ حِمَارٍ» وَفِي لَفْظٍ: «شِقَّ حِمَارٍ» وَفِي لَفْظٍ: «عَجُزَ حِمَارٍ». قَالَ الُمصَّنِفُ: وَجْهُ هَذَا الْحَدِيثِ: أَنَّهُ ظَنَّ أَنَّهُ صِيدَ لِأَجْلِهِ وَالْمُحْرِمُ لَا يَأْكُلُ مَا صِيدَ لِأَجْلِهِ. قُلْتُ: هذه الروايات عند مسلم (١١٩٤) في حديث ابن عباس وليست في حديث الصعب. وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا: ١ - احتج به من قال: إنَّ المحرم لا يجوز له أن يأكل من الصيد مطلقاً سواء صاده هو، أو غيره من المحرمين، وسواء صاده حلال لنفسه، أو لغيره من المحرمين. قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٤/ ٣٣): «وهو قول علي وابن عباس وابن عمر والليث والثوري وإسحاق» اهـ. قُلْتُ: الحديث محمول عند جمع من العلماء على أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ علم من حال الرجل أنَّه صاد من أجله، والمحرم لا يجوز أن يأكل ما صيد لأجله، كما

стр. 4496

ذكر ذلك المؤلف ﵀. وهذا هو الصحيح جمعاً بين هذا الحديث والحديث الماضي. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [تَهْذِيْبِ السُّنَنِ] (١/ ٢٤٨ - ٢٤٩): «وأشكلت عليهم الأحاديث فيها، فكان عطاء ومجاهد وسعيد بن جبير يرون للمحرم أكل ما صاده الحلال من الصيد، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه، وهو قول عمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان والزبير بن العوام وأبي هريرة، ذكر ذلك ابن عبد البر عنهم. وحجتهم: حديث أبي قتادة المتقدم، وحديث طلحة بن عبيد الله، وحديث البهزي. وقالت طائفة: لحم الصيد حرام على المحرم بكل حال، وهذا قول علي وابن عباس وابن عمر. قال ابن عباس: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ﴾ هي مبهمة. وروي عن طاووس، وجابر بن زيد، وسفيان الثوري المنع منه. وحجة هذا المذهب: حديث ابن عباس عن الصعب بن جثامة، وحديث علي في أول الباب، واحتجوا بظاهر الآية، وقالوا: تحريم الصيد يعم اصطياده وأكله. وقالت طائفة: ما صاده الحلال للمحرم ومن أجله، فلا يجوز له أكله، فأمَّا ما لم يصده من أجله، بل صاده لنفسه أو لحلال، لم يحرم على المحرم أكله، وهذا قول مالك والشافعي وأحمد بن حنبل وأصحابهم، وقول إسحاق وأبي ثور، قال ابن عبد البر: وهو الصحيح عن عثمان في هذا الباب. قال: وحجة من ذهب هذا المذهب أنَّه عليه تصح الأحاديث في هذا الباب، وإذا حملت على ذلك لم تتضاد ولم

стр. 4497

تختلف ولم تتدافع، وعلى هذا يجب أن تحمل السنن ولا يعارض بعضها ببعض ما وجد إلى استعمالها سبيل. تم كلامه. وآثار الصحابة كلها في هذا الباب إنَّما تدل على هذا التفصيل. فروى البيهقي من حديث عبد الله بن عامر بن ربيعة قال: "رأيت عثمان بن عفان بالعرج في يوم صائف وهو محرم وقد غطى وجهه بقطيفة أرجوان، ثم أتي بلحم صيد، فقال لأصحابه: كلوا، قالوا: ألا تأكل أنت؟ قال: إنِّي لست كهيئتكم، إنَّما صيد من أجلي". وحديث أبي قتادة والبهزي وطلحة بن عبيد الله قضايا أعيان، لا عموم لها، وهي تدل على جواز أكل المحرم من صيد الحلال، وحديث الصعب بن جثامة يدل على منعه منه، وحديث جابر صريح في التفريق. فحيث أكل علم أنَّه لم يصد لأجله، وحيث امتنع علم أنَّه صيد لأجله، فهذا فعله وقوله في حديث جابر يدل على الأمرين، فلا تعارض بين أحاديثه ﷺ بحال. وكذلك امتناع علي من أكله لعله ظن أنَّه صيد لأجله، وإباحة النبي ﷺ لأصحابه حمار البهزي ومنعهم من التعرض للظبي الحاقف، لأنَّ الحمار كان عقيراً في حد الموت، وأمَّا الظبي فكان سالماً، ولم يسقط إلى الأرض، فلم يتعرض له لأنَّه حيوان حي. والله أعلم» اهـ. وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٤/ ٣٣):

стр. 4498

«وبالجواز مطلقاً قال الكوفيون وطائفة من السلف وجمع الجمهور بين ما اختلف من ذلك بأنَّ أحاديث القبول محمولة على ما يصيده الحلال لنفسه ثم يهدى منه للمحرم وأحاديث الرد محمولة على ما صاده الحلال لأجل المحرم» اهـ. قُلْتُ: أثر عثمان رواه مالك في [الْمُوَطَّأِ] (٨٤) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ، قَالَ رَأَيْتُ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ بِالْعَرْجِ وَهُوَ مُحْرِمٌ، فِي يَوْمٍ صَائِفٍ قَدْ غَطَّى وَجْهَهُ بِقَطِيفَةِ أُرْجُوَانٍ، ثُمَّ أُتِيَ بِلَحْمِ صَيْدٍ، فَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: كُلُوا، فَقَالُوا: أَوَلَا تَأْكُلُ أَنْتَ؟ فَقَالَ: «إِنِّي لَسْتُ كَهَيْئَتِكُمْ إِنَّمَا صِيدَ مِنْ أَجْلِي». قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ. وهذا يدل على أنَّ من صاد صيداً لمحرم لم يحرم على غير المحرمين ممن لم يصد لهم أن يأكلوا منه. قَالَ صَالِحُ بْنُ أَحْمَدَ ﵀ فِي [مَسَائِلهِ لِأَبِيْهِ] (٢/ ١٥٥) «قلت مَا تَقول فِي أكل الصَّيْد للْمحرمِ؟. قَالَ: إِذا كَانَ يصاد لَهُ لم يَأْكُلهُ وَإِذا صيد لغيره فَلَا بَأْس أَنْ يَأْكُلهُ الْمحرم إِذا صيد فِي الْحل وَذبح فِي الْحل وَقد رُوِيَ عَنْ جَابر عَنْ النَّبِي ﷺ مَا صيد لكم فَلَا تأكلوه وَرُوِيَ عَنْ عُثْمَان أَنه قَالَ إِنَّمَا صيد من أَجلي فَلم نأكله» اهـ. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٣/ ٢٩١ - ٢٩٢): «وَهَلْ يُبَاحُ أَكْلُهُ لِمُحْرِمٍ آخَرَ؟ ظَاهِرُ الْحَدِيثِ إبَاحَتُهُ لَهُ؛ لِقَوْلِهِ: "صَيْدُ الْبَرِّ لَكُمْ حَلَالٌ، مَا لَمْ تَصِيدُوهُ، أَوْ يُصَدْ لَكُمْ". وَهُوَ قَوْلُ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ ﵁؛ لِأَنَّهُ رُوِيَ أَنَّهُ أُهْدِيَ إلَيْهِ صَيْدٌ، وَهُوَ مُحْرِمٌ، فَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: كُلُوا. وَلَمْ يَأْكُلْ هُوَ،

стр. 4499

وَقَالَ: إنَّمَا صِيدَ مِنْ أَجْلِي. وَلِأَنَّهُ لَمْ يُصَدْ مِنْ أَجْلِهِ، فَحَلَّ لَهُ كَمَا لَوْ صَادَهُ الْحَلَالُ لِنَفْسِهِ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَحْرُمَ عَلَيْهِ. وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِ عَلِيٍّ، ﵁؛ لِقَوْلِهِ: أَطْعِمُوهُ حَلَالًا، فَأَنَا حُرُمٌ. وَلِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ فِي حَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ: "هَلْ مِنْكُمْ أَحَدٌ أَمَرَهُ أَنْ يَحْمِلَ عَلَيْهَا، أَوْ أَشَارَ إلَيْهَا؟ قَالُوا: لَا، قَالَ: فَكُلُوهُ". فَمَفْهُومُهُ أَنَّ إشَارَةَ وَاحِدٍ مِنْهُمْ تُحَرِّمُهُ عَلَيْهِمْ» اهـ. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ مُفْلِحٍ ﵀ فِي [الْفُرُوْعِ] (٥/ ٤٧٩): «وَمَا حَرُمَ عَلَى الْمُحْرِمِ لِدَلَالَةٍ أَوْ إعَانَةٍ وَصَيْدٍ لَهُ لَا يَحْرُمُ عَلَى محرم الفروع وتصحيح الفروع غَيْرِهِ، كَحَلَالٍ، لِمَا سَبَقَ، وَلَنَا قَوْلٌ: يَحْرُمُ; لِأَنَّ ظَاهِرَ خَبَرِ أَبِي قَتَادَةَ تَحْرِيمُهُ إشَارَةٌ وَاحِدٌ قُلْنَا: نَعَمْ، عَلَى الْمُشِيرِ» اهـ. قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ فِي كتاب الصيام من [شَرْحِ الْعُمْدَةِ] (٣/ ١٧٨ - ١٨٢): «وَدَلَّ عَلَى ذَلِكَ أَشْيَاءُ: أَحَدُهَا: أَنَّهُ إِنَّمَا حُرِّمَ أَكْلُ الصَّيْدِ; لِأَنَّ إِبَاحَتَهُ تُفْضِي إِلَى قَتْلِهِ، وَلِهَذَا بَدَأَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ بِالنَّهْيِ عَنْ قَتْلِهِ، فَقَالَ: ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: ٩٥] ثُمَّ أَتْبَعَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ [المائدة: ٩٦] فَالْمَقْصُودُ مِنَ التَّحْرِيمِ: اسْتِحْيَاءُ الصَّيْدِ وَاسْتِبْقَاؤُهُ مِنَ الْمُحْرِمِينَ، وَأَنْ لَا يَتَعَرَّضُوا لَهُ بِأَذًى، وَلِهَذَا إِذَا قَتَلُوهُ حَرُمَ عَلَيْهِمْ وَعَلَى غَيْرِهِمْ قَطْعًا لِطَمَعِ الِانْتِفَاعِ بِهِ إِذَا قَتَلَهُ الْمُحْرِمُ بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ، فَإِذَا كَانَ الْحَلَالُ هُوَ الَّذِي قَدْ صَادَهُ كَمَا أَبَاحَهُ اللَّهُ لَهُ وَذَكَّاهُ لَمْ

стр. 4500

يَقَعْ شَيْءٌ مِنَ الْفِعْلِ الْمَكْرُوهِ، فَلَا وَجْهَ لِلتَّحْرِيمِ عَلَى الْمُحْرِمِ، وَخَرَجَ عَلَى هَذَا مَا إِذَا كَانَ قَصَدَ الْحَلَالُ اصْطِيَادَهُ لِلْحَرَامِ، فَإِنَّ الْمُحْرِمَ صَارَ لَهُ سَبَبٌ فِي قَتْلِ الصَّيْدِ وَإِنْ لَمْ يَقْصِدْهُ، فَإِذَا عَلِمَ الْحَلَالُ أَنَّمَا صَادَهُ الْحَلَالُ لَا يَحِلُّ كَفُّ الْحَلَالِ عَنِ الِاصْطِيَادِ لِأَجْلِ الْحَرَامِ، فَلَمْ يَبْقَ لِلْمُحْرِمِ سَبَبٌ فِي قَتْلِهِ بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ، وَصَارَ وُجُودُ الْمُحْرِمِ فِي قَتْلِ الصَّيْدِ كَعَدَمِهِ. الثَّانِي: أَنَّ الصَّيْدَ اسْمٌ لِلْحَيَوَانِ الَّذِي يُصَادُ، وَهَذَا إِنَّمَا يَتَنَاوَلُهُ إِذَا كَانَ حَيًّا، فَأَمَّا بَعْدَ الْمَوْتِ فَلَمْ يَبْقَ يُصَدْ، فَإِذَا صَادَ الْمُحْرِمُ الصَّيْدَ وَأَكَلَهُ، فَقَدْ أَكَلَ لَحْمَ الصَّيْدِ وَهُوَ مُحْرِمٌ، أَمَّا إِذَا كَانَ قَدْ صِيدَ قَبْلَ إِحْرَامِهِ، أَوْ صَادَهُ حَلَالٌ لِنَفْسِهِ ثُمَّ جَاءَ بِهِ قَدِيدًا أَوْ شِوَاءً أَوْ قَدِيرًا، فَلَمْ يَعْتَرِضِ الْمُحْرِمُ لِصَيْدِ الْبَرِّ، وَإِنَّمَا تَعَرَّضَ لِطَعَامِهِ، وَقَدْ فَرَّقَ اللَّهُ بَيْنَ صَيْدِ الْبَحْرِ وَطَعَامِهِ، فَعُلِمَ أَنَّ الصَّيْدَ هُوَ مَا اصْطِيدَ مِنْهُ وَالطَّعَامَ مَا لَمْ يُصْطَدْ مِنْهُ، إِمَّا لِكَوْنِهِ قَدْ طَفَا أَوْ لِكَوْنِهِ قَدْ مُلِّحَ، ثُمَّ إِنَّ مَا حُرِّمَ عَلَى الْمُحْرِمِ صَيْدُ الْبَرِّ خَاصَّةً دُونَ طَعَامِ صَيْدٍ فَعُلِمَ أَنَّهُ إِنَّمَا حُرِّمَ مَا اصْطِيدَ فِي حَالِ الْإِحْرَامِ. فَإِذَا كَانَ قَدْ اصْطَادَهُ هُوَ أَوْ صِيدَ لِأَجْلِهِ فَقَدْ صَارَ لِلْمُحْرِمِ سَبَبٌ فِي قَتْلِهِ حِينَ هُوَ صِيدَ فَلَا يَحِلُّ، أَمَّا إِذَا صَادَهُ الْحَلَالُ وَذَبَحَهُ لِنَفْسِهِ، ثُمَّ أَهْدَاهُ أَوْ بَاعَهُ لِلْمُحْرِمِ فَلَمْ يُصَادِفْهُ الْمُحْرِمُ إِلَّا وَهُوَ طَعَامٌ لَا صَيْدٌ فَلَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ، وَهَذَا بَيِّنٌ حَسَنٌ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُرْوَةٍ عَنِ الزُّبَيْرِ أَنَّهُ كَانَ يَتَزَوَّدُ صَفِيفَ الظِّبَاءِ فِي الْإِحْرَامِ، رَوَاهُ مَالِكٌ. الثَّالِثُ: أَنَّ اللَّهَ إِنَّمَا حَرَّمَ الصَّيْدَ مَا دُمْنَا حُرُمًا، وَلَوْ أَحَلَّ الرَّجُلُ وَقَدْ صَادَ صَيْدًا أَوْ قَتَلَهُ وَهُوَ مُحْرِمٌ لَحَرُمَ عَلَيْهِ بَعْدَ الْإِحْرَامِ، فَعُلِمَ أَنَّ الْمَقْصُودَ تَحْرِيمُهُ إِذَا كَانَ صَيْدًا وَقْتَ الْإِحْرَامِ، فَإِذَا صِيدَ قَبْلَ الْإِحْرَامِ أَوْ صَادَهُ غَيْرُ مُحْرِمٍ، فَلَمْ يَتَنَاوَلِ الصَّيْدَ وَقْتَ

стр. 4501

الْإِحْرَامِ، وَلَا تَنَاوَلَهُ أَحَدٌ بِسَبَبٍ مُحَرَّمٍ، فَلَا يَكُونُ حَرَامًا فِي حَالِ الْإِحْرَامِ، كَمَا أَنَّهُ لَوْ تَنَاوَلَهُ أَحَدٌ فِي حَالِ الْإِحْرَامِ كَانَ حَرَامًا فِي حَالِ الْإِحْلَالِ. الرَّابِعُ: أَنَّ الصَّيْدَ اسْمٌ مُشْتَقٌّ مِنْ فِعْلٍ; لِأَنَّ مَعْنَاهُ الْمَصِيدُ. الْخَامِسُ: أَنَّ اللَّهَ لَوْ أَرَادَ تَحْرِيمَ أَكْلِهِ لَقَالَ: وَلَحْمَ الصَّيْدِ، كَمَا قَالَ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾ [المائدة: ٣] وَذَلِكَ أَنَّ الْمُحَرَّمَ إِذَا كَانَ لَا حَيَاةَ فِيهِ كَالدَّمِ وَالْمَيْتَةِ وَالْمُنْخَنِقَةِ وَالْمَوْقُوذَةِ وَالْمُتَرَدِّيَةِ وَالنَّطِيحَةِ أُضِيفَ التَّحْرِيمُ إِلَى عَيْنِهِ؛ لِلْعِلْمِ بِأَنَّ الْمُرَادَ الْأَكْلُ وَنَحْوُهُ، أَمَّا إِذَا كَانَ حَيًّا فَلَوْ قِيلَ: وَالْخِنْزِيرُ، لَمْ يُدْرَ مَا الْمُحَرَّمُ مِنْهُ؛ أَهُوَ قَتْلُهُ أَوْ أَكْلُهُ أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ، فَلَمَّا قِيلَ: وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ عُلِمَ أَنَّ الْمُرَادَ تَحْرِيمُ الْأَكْلِ وَنَحْوِهُ، فَلَمَّا قَالَ فِي الصَّيْدِ: وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ؛ عُلِمَ أَنَّ الْمُرَادَ تَحْرِيمُ قَتْلِهِ، وَتَحْرِيمُ الْأَكْلِ الَّذِي يُفْضِي إِبَاحَتُهُ إِلَى قَتْلِهِ، لَا مُطْلَقُ تَحْرِيمِ أَكْلِ لَحْمِهِ، وَهَذَا حَسَنٌ لِمَنْ تَأَمَّلَهُ. فَعَلَى هَذَا إِذَا صِيدَ مِنْ أَجْلِ مُحْرِمٍ بِعَيْنِهِ جَازَ لِغَيْرِهِ مِنَ الْمُحْرِمِينَ الْأَكْلُ مِنْهُ. ذَكَرَهُ أَصْحَابُنَا، الْقَاضِي قَالَ - فِي رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ - الْمُحْرِمُ إِذَا أُصِيدَ الصَّيْدُ مِنْ أَجْلِهِ لَا يَأْكُلُهُ الْمُحْرِمُ; لِأَنَّهُ مِنْ أَجْلِهِ صِيدَ، وَيَأْكُلُهُ غَيْرُهُ، وَلَا بَأْسَ أَنْ يَأْكُلَ الْمُحْرِمُ مِنَ الصَّيْدِ الَّذِي لَمْ يُصَدْ مِنْ أَجْلِهِ إِذَا صَادَهُ حَلَالٌ. وَقَدْ أَخَذَ بِحَدِيثِ عُثْمَانَ وَفِيهِ: " أَنَّهُ أَمَرَ أَصْحَابَهُ بِأَكْلِهِ وَلَمْ يَأْكُلْ هُوَ " وَكَذَلِكَ فِي الْحَدِيثِ الْمَرْفُوعِ إِنْ كَانَ مَحْفُوظًا، وَلِأَنَّ قَوْلَهُ ﷺ : "صَيْدُ الْبَرِّ حَلَالٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ مَا لَمْ تَصِيدُوهُ أَوْ يُصَدْ لَكُمْ" دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمُحْرِمَ إِذَا لَمْ يَصِدْهُ

стр. 4502

وَلَا صِيدَ لَهُ، فَهُوَ حَلَالٌ وَإِنْ صِيدَ لِمُحْرِمٍ آخَرَ; وَلِأَنَّهُ إِذَا لَمْ يُصَدْ لِهَذَا الْمُحْرِمِ لَمْ يَكُنْ لَهُ سَبَبٌ فِي قَتْلِهِ. فَأَمَّا إِنْ كَانَ الصَّيْدُ لِنَوْعِ الْمُحْرِمِينَ مِثْلَ أَنْ يَكُونَ أَهْلُ الْمِيَاهِ وَالْأَعْرَابُ وَغَيْرُهُمْ يُعِدُّونَ لَحْمَ الصَّيْدِ لِمَنْ يَمُرُّ بِهِمْ مِنَ الْمُحْرِمِينَ يَبِيعُونَهُمْ أَوْ يُهْدُونَ لَهُمْ … ، وَكَذَلِكَ إِذَا صَادُوهُ لِلرَّئِيسِ وَأَصْحَابِهِ. وَإِنْ كَانُوا قَدْ صَادُوهُ لِيَبِيعُوهُ عَلَى الْمُحْرِمِينَ وَغَيْرِهِمْ إِذَا اتَّفَقَ، وَإِنَّمَا يَتَّفِقُ غَالِبًا الْمُحْرِمُ، مِثْلُ مَرَارَةِ الضَّبُعِ الَّتِي تَشْتَرِيهِ النَّاسُ مِنَ الْأَعْرَابِ. فَإِذَا أَكَلَ الصَّيْدَ مَنْ صِيدَ لِأَجْلِهِ مِنَ الْمُحْرِمِينَ وَجَبَ عَلَيْهِ الْجَزَاءُ كَمَا لَوْ أَعَانَ عَلَى قَتْلِهِ بِدَلَالَةٍ أَوْ إِشَارَةٍ; لِأَنَّ هَذَا الْأَكْلَ إِتْلَافٌ مَمْنُوعٌ مِنْهُ لِحَقِّ الْإِحْرَامِ. فَضَمِنَهُ بِالْجَزَاءِ كَمَا لَوْ قَتَلَهُ، بِخِلَافِ أَكْلِ لَحْمِ الصَّيْدِ الَّذِي قَتَلَهُ، فَإِنَّ ذَاكَ إِنَّمَا يَحْرُمُ لِكَوْنِهِ مَيْتَةً. فَإِنْ أَتْلَفَ الصَّيْدَ الَّذِي صِيدَ لِأَجْلِهِ بِإِحْرَاقٍ وَنَحْوِهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ فَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: يَضْمَنُهُ كَالْأَكْلِ. وَالثَّانِي: وَهُوَ أَظْهَرُ، لَا يَضْمَنُهُ; لِأَنَّهُ لَمْ يَنْتَفِعْ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي قُصِدَ لِأَجْلِهِ، وَهُوَ نَفْسُهُ لَيْسَ بِصَيْدٍ مُحْتَرَمٍ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ حَرَقَ الطِّيبَ وَلَمْ يَتَطَيَّبْ بِهِ، وَهَذَا لِأَنَّهُ إِذَا أَكَلَهُ فَكَأَنَّهُ قَدْ أَعَانَ عَلَى قَتْلِهِ بِمُوَافَقَةِ قَصْدِ الصَّائِدِ، فَيَصِيرُ ذَلِكَ ذَرِيعَةً إِلَى قَتْلِ الصَّيْدِ بِسَبَبِ الْمُحْرِمِينَ. أَمَّا إِذَا أَحْرَقَهُ فَلَيْسَ ذَلِكَ مَقْصُودَ الصَّائِدِ، وَسَائِرُ وُجُوهِ الِانْتِفَاعِ مِنَ اللُّبْسِ وَالتَّدَاوِي وَنَحْوِ ذَلِكَ، مِثْلُ الْأَكْلِ، وَمَا لَا مَنْفَعَةَ أَصْلًا مِثْلُ الْإِحْرَاقِ» اهـ.

стр. 4503

قَالَ الْعَلَّامَةُ سَحْنُونُ الْمَالِكِيُّ ﵀ فِي [الْمُدَوَنَةِ الْكُبْرَى] (١/ ٤٤٦ - ٤٤٧): «قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: مَا ذُبِحَ لِلْمُحْرِمِ مَنْ الصَّيْدِ فَلَا يَأْكُلُهُ حَلَالٌ وَلَا حَرَامٌ، وَإِنْ كَانَ الَّذِي ذَبَحَهُ حَلَالًا أَوْ حَرَامًا فَهُوَ سَوَاءٌ لَا يَأْكُلُهُ حَلَالٌ وَلَا حَرَامٌ، لِأَنَّهُ إنَّمَا جَاءَ ذَبْحُهُ لِهَذَا الْمُحْرِمِ وَمِنْ أَجْلِهِ، قَالَ مَالِكٌ: وَسَوَاءٌ إنْ كَانَ أَمَرَهُ هَذَا الْمُحْرِمُ أَنْ يَذْبَحَهُ لَهُ أَوْ لَمْ يَأْمُرْهُ، فَهُوَ سَوَاءٌ إذَا كَانَ إنَّمَا ذَبَحَ الصَّيْدَ مِنْ أَجْلِ هَذَا الْمُحْرِمِ فَلَا يُؤْكَلُ. قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَكَانَ مَالِكٌ لَا يَأْخُذُ بِحَدِيثِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ حِينَ قَالَ لِأَصْحَابِهِ: كُلُوا، وَأَبَى أَنْ يَأْكُلَ، وَقَالَ عُثْمَانُ لِأَصْحَابِهِ: إنَّمَا صِيدَ مِنْ أَجْلِي. قُلْت: مَا قَوْلُ مَالِكٍ فِي مُحْرِمٍ ذَبَحَ صَيْدًا فَأَدَّى جَزَاءَهُ ثُمَّ أَكَلَ مَنْ لَحْمِهِ، أَيَكُونُ عَلَيْهِ جَزَاءٌ آخَرُ، أَمْ قِيمَةُ مَا أَكَلَ مِنْ لَحْمِهِ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا قِيمَةَ عَلَيْهِ وَلَا جَزَاءَ فِي لَحْمِهِ، وَإِنَّمَا لَحْمُهُ جِيفَةُ غَيْرِ ذَكِيٍّ، فَإِنَّمَا أَكَلَ حِينَ أَكَلَ مِنْهُ لَحْمَ مَيْتَةٍ وَمَا لَا يَحِلُّ» اهـ. قُلْتُ: الأظهر في ذلك مذهب عثمان ﵁، فإنَّ من لم يصاد لأجله ولم يعن عليه فلا معنى لمنعه من أكل لحمه. والله أعلم. ٢ - وفيه ما يدل على عدم تحريمه في حق الصائد وإن صاد من أجل المحرم، وذلك أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لم ينهه عن أكله، ولو كان محرماً عليه لنهاه فإنَّ تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز وهذا مذهب الجمهور وخالف في ذلك الإمام مالك ﵀ فحرم أكله على المحرم وغيره.

стр. 4504

هكذا نقله الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِي ﵀ فِي [الْمُفْهِمِ] (١٠/ ٤٥) عن مالك، وقد سبق أن نقلنا عنه ذلك قريباً في كتاب "المدونة". ٣ - وفيه جواز رد الهدية لعذر شرعي. ٤ - وفيه استحباب ذكر السبب لمن رد هدية الغير حتى تطيب نفسه، ولا يكون للشيطان إلى قلبه منفذ. ٥ - وفيه أنَّ الهدية لا تدخل في ملك من أهديت إليه بمجرد الإهداء، بل لا بد من قبول المُهدى إليه. ٦ - واحتج به على أنَّ المحرم إن كان في يده صيد يجب عليه إطلاق يده الظاهرة عنه. قُلْتُ: وهذا على رواية أنَّ المُهدى كان حماراً أي حياً، وأمَّا سائر الروايات التي فيها أنَّ المُهدى كان جزءًا من حمار الوحش فلا يستقيم مثل هذا التأويل. وقد جمع بين هذه الروايات المختلفة الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِي ﵀ فِي [الْمُفْهِمِ] (١٠/ ٤٦) فقال: «ويصح الجمع بين هذه الروايات المختلفة؛ إمَّا على القول: بأنَّه ميت، فإنَّه جاء بالحمار ميتًا فوضعه بقرب النبي ﷺ ، ثم قطع منه ذلك العضو، فأتاه به، فصدق اللفظان. أو يكون أطلق اسم الحمار، وهو يريد بعضه، وهذا سائغ، وهو من باب التوسع والتجوز. وأمَّا إن تنزلنا على أنَّ الحمار كان حيًّا، فيكون قد أتاه به، فلما رده عليه، وأقره بيده ذكاه ثم أتاه منه بالعضو المذكور، ولعل الصعب ظن أنَّه إنَّما رده عليه لمعنى يخص

стр. 4505

الحمار بجملته، فلما جاءه بجزئه أعلمه بامتناعه أنَّ حكم الجزء من الصيد كحكم الصيد، لا يحل للمحرم قبوله، ولا تملُّكه. وإنَّما احتجنا إلى هذه التكلفات لنرفع الاضطراب اللازم من تلك الروايات المختلفة على طريقتنا في لزوم الجمع بين الروايات المختلفة، فإنَّه الأحسن إذا أمكن، والله أعلم» اهـ. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٢/ ١٦٤): «وأمَّا الاختلاف في كون الذي أهداه حياً، أو لحماً، فرواية من روى لحماً أولى لثلاثة أوجه: أحدها: أنَّ راويها قد حفظها، وضبط الواقعة حتى ضبطها: أنَّه يقطر دماً، وهذا يدل على حفظه للقصة حتى لهذا الأمر الذي لا يؤبه له. الثاني: أنَّ هذا صريح في كونه بعض الحمار، وأنَّه لحم منه، فلا يناقض قوله: أهدى له حماراً، بل يمكن حمله على رواية من روى لحماً، تسمية للحم باسم الحيوان، وهذا مما لا تأباه اللغة. الثالث: أنَّ سائر الروايات متفقة على أنَّه بعض من أبعاضه، وإنَّما اختلفوا في ذلك البعض، هل هو عجزه، أو شقه، أو رجله، أو لحم منه؟ ولا تناقض بين هذه الروايات، إذ يمكن أن يكون الشق هو الذي فيه العجز، وفيه الرجل، فصح التعبير عنه بهذا وهذا، وقد رجع ابن عيينة عن قوله: "حماراً" وثبت على قوله: "لحم حمار" حتى مات وهذا يدل على أنَّه تبين له أنَّه إنَّما أهدى له لحماً لا حيواناً» اهـ.

стр. 4506

٧ - وفيه بيان أنَّ حمار الوحش مما يجوز أكله. ٨ - وفيه بيان أنَّ بعض الصيد كمجموعه في حرمة أكله على المحرم إذا صيد لأجله. * * *

стр. 4507

كِتَابُ الْبُيُوعِ. ٢٤٨ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «إذَا تَبَايَعَ الرَّجُلانِ، فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا وَكَانَا جَمِيعاً، أَوْ يُخَيِّرُ أَحَدُهُمَا الآخَرَ. فَتَبَايَعَا عَلَى ذَلِكَ. فَقَدْ وَجَبَ الْبَيْعُ». البيوع جمع بيع وهو في اللغة: مبادلة المال بالمال، تمليكاً، وتملكاً. وهو مشتق من الباع؛ لأنَّ كل واحد من المتعاقدين يمد باعه للأخذ والإعطاء. وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا: ١ - إثبات خيار المجلس في البيع، وهو من محاسن هذه الشريعة. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [إِعْلَامِ الْمُوَقِعِيْنَ] (٣/ ١٦٤): «فإنَّ الشارع صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله أثبت خيار المجلس في البيع حكمة ومصلحة للمتعاقدين وليحصل تمام الرضي الذي شرطه تعالى فيه، فإنَّ العقد قد يقع بغتة من غير ترو ولا نظر في القيمة فاقتضت محاسن هذه الشريعة الكاملة أن يجعل للعقد حريماً يتروى فيه المتبايعان ويعيدان النظر ويستدرك كل واحد منهما عيباً كان خفياً، فلا أحسن من هذا الحكم ولا أرفق لمصلحة الخلق» اهـ. ٢ - أنَّ خيار المجلس ينتهي بأحد أمرين:

стр. 4508

الأول: التخيير. وهو أن يخير أحدهما الآخر بإمضاء البيع أو فسخه، فأيهما اختارا تم، ولا خيار مجلس حينئذٍ. وهو مذهب الثوري والأوزاعي والشافعي وإسحاق، وأحمد في إحدى الروايتين، وغيرهم، وقال أحمد في الرواية الأخرى: لا يتم البيع حتى يتفرقا. قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٥/ ٣٣٦): «وأمَّا قوله ﷺ : "إلَّا بيع الخيار". فيه ثلاثة أقوال ذكرها أصحابنا وغيرهم من العلماء: وأصحها: أنَّ المراد التخيير بعد تمام العقد قبل مفارقة المجلس، وتقديره يثبت لهما الخيار ما لم يتفرقا إلَّا أن يتخايرا في المجلس ويختارا إمضاء البيع فيلزم البيع بنفس التخاير ولا يدوم إلى المفارقة. والقول الثاني: أنَّ معناه إلَّا بيعاً شرط فيه خيار الشرط ثلاثة أيام أو دونها فلا ينقضي الخيار فيه بالمفارقة بل يبقى حتى تنقضي المدة المشروطة. والثالث: معناه إلَّا بيعاً شرط فيه ألَّا خيار لهما في المجلس فيلزم البيع بنفس البيع ولا يكون فيه خيار وهذا تأويل من يصحح البيع على هذا الوجه. والأصح عند أصحابنا بطلانه بهذا الشرط فهذا تنقيح الخلاف في تفسير هذا الحديث. واتفق أصحابنا على ترجيح القول الأول وهو المنصوص للشافعي ونقلوه عنه وأبطل كثير منهم ما سواه وغلطوا قائله» اهـ.

стр. 4509

والآخر: التفرق، والمراد به التفرق بالأبدان على الصحيح، وهو مذهب الجمهور. وحمله آخرون على التفرق بالأقوال. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ بَطَّالٍ ﵀ فِي [شَرْحِ الْبُخَارِي] (٦/ ٢٣٩): «وذهبت طائفة إلى أنَّ البيع يتم بالقول دون الافتراق بالأبدان، ومعنى قوله ﵇: "البيعان بالخيار ما لم يفترقا" أنَّ البائع إذا قال له: قد بعتك، فله أن يرجع ما لم يقل المشترى: قد قبلت. والمتبايعان هما المتساومان. روى هذا القول عن النخعي، وهو قول ربيعة ومالك وأبي حنيفة ومحمد» اهـ. قُلْتُ: وهذا تأويل لا يستقيم لوجوه: الأول: أنَّ راويا الحديث ابن عمر، وأبو برزة الأسلمي فسرا الحديث بالتفرق بالأبدان لا الأقوال. فروى البخاري (٢١٠٧) عَنْ نَافِعٍ قَالَ: «وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ إِذَا اشْتَرَى شَيْئًا يُعْجِبُهُ فَارَقَ صَاحِبَهُ». ورواية مسلم (١٥٣١): «فَكَانَ إِذَا بَايَعَ رَجُلًا، فَأَرَادَ أَنْ لَا يُقِيلَهُ، قَامَ فَمَشَى هُنَيَّةً، ثُمَّ رَجَعَ إِلَيْهِ». وروى أبو داود (٣٤٥٧) حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ جَمِيلِ بْنِ مُرَّةَ، عَنْ أَبِي الْوَضِيءِ، قَالَ: غَزَوْنَا غَزْوَةً لَنَا، فَنَزَلْنَا مَنْزِلًا فَبَاعَ صَاحِبٌ لَنَا فَرَسًا بِغُلَامٍ، ثُمَّ أَقَامَا بَقِيَّةَ يَوْمِهِمَا وَلَيْلَتِهِمَا فَلَمَّا أَصْبَحَا مِنَ الْغَدِ حَضَرَ الرَّحِيلُ، فَقَامَ إِلَى فَرَسِهِ يُسْرِجُهُ فَنَدِمَ، فَأَتَى الرَّجُلَ وَأَخَذَهُ بِالْبَيْعِ فَأَبَى الرَّجُلُ أَنْ يَدْفَعَهُ إِلَيْهِ، فَقَالَ: بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَبُو

стр. 4510

بَرْزَةَ صَاحِبُ النَّبِيِّ ﷺ فَأَتَيَا أَبَا بَرْزَةَ فِي نَاحِيَةِ الْعَسْكَرِ فَقَالَا لَهُ: هَذِهِ الْقِصَّةَ، فَقَالَ: أَتَرْضَيَانِ أَنْ أَقْضِيَ بَيْنَكُمَا بِقَضَاءِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا». قَالَ هِشَامُ بْنُ حَسَّانَ: حَدَّثَ جَمِيلٌ أَنَّهُ، قَالَ: مَا أَرَاكُمَا افْتَرَقْتُمَا. قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ. الثاني: قوله في الحديث: «وَكَانَا جَمِيعًا». ظاهر في حمل التفرق على التفرق في الأبدان. الثالث: جاء الحديث في البخاري (٢١١٢)، ومسلم (١٥٣١) عن ابن عمر، ﵄ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّه قال: « … وَإِنْ تَفَرَّقَا بَعْدَ أَنْ يَتَبَايَعَا وَلَمْ يَتْرُكْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا البَيْعَ، فَقَدْ وَجَبَ البَيْعُ». وهو ظاهر في التفرق بالأبدان، وذلك أنَّ التفرق بعد التبايع هو التفرق بالأبدان، والتفرق بالأقوال هو حقيقة التبايع المتقدم. الرابع: أنَّ حمل المتبايعين على المتساومين حمل للكلام على غير ظاهره، وهذا مما لا يقبل من غير دليل يدل عليه. الخامس: أنَّ حمل التفرق على التفرق بالإيجاب من جهة البائع، والقبول من جهة المشتري غير مستقيم؛ فإنَّ حقيقة ذلك التوافق لا الافتراق.

стр. 4511

السادس: روى أحمد (٦٧٢١)، وأبو داود (٣٤٥٨)، والترمذي (١٢٤٧)، والنسائي (٤٤٨٣) مِنْ طَرِيْقِ ابْنِ عَجْلَانَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ قَالَ: «الْمُتَبَايِعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَفْتَرِقَا، إِلَّا أَنْ تَكُونَ صَفْقَةَ خِيَارٍ، وَلَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يُفَارِقَ صَاحِبَهُ خَشْيَةَ أَنْ يَسْتَقِيلَهُ». قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ حَسَنٌ. وهذا الحديث صريح على المفارقة بالأبدان، فإنَّ المفارقة بالأقوال لا ينهى عنها. السابع: حمل الخيار في الفسخ أو الإمضاء على ما كان قبل قبول المشتري مما لا يحتاج إلى التنصيص عليه، فإنَّ كل شخص يعلم أنَّه لا إلزام في البيع قبل انعقاده فأي فائدة في التنصيص على مثل ذلك. قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِ ﵀ فِي [التَّمْهِيْدِ] (١٤/ ١٨ - ١٩): «وأمَّا ما اعتلوا به من أنَّ الافتراق قد يكون بالكلام وأنَّه جائز أن يكون أريد بذكر الافتراق في هذا الحديث الافتراق بالكلام، فيقال لهم خبرونا عن الكلام الذي وقع به الاجتماع وتم به البيع أهو الكلام الذي أريد به الافتراق أم غيره، فإن قالوا هو غيره فقد أحالوا وجاءوا بما لا يعقل لأنَّه ليس ثم كلام غير ذلك، وإن قالوا هو ذلك الكلام بعينه قيل لهم: كيف يجوز أن يكون الكلام الذي به اجتمعا وتم بيعهما به افترقا وبه انفسخ بيعهما هذا ما لا يفهم ولا يعقل والاجتماع ضد

стр. 4512

الافتراق فكيف يجوز أن يكون الكلام الذي اجتمعا به افتراقا به نفسه هذا عين المحال والفاسد من المقال. وأمَّا قولهم المتساومان في معنى المتبايعين فلا وجه له لأنَّه لا تكون حينئذ في الكلام فائدة ومعلوم أنَّ المتساومين بالخيار كل واحد منهما على صاحبه ما لم يقع الإيجاب بالبيع والعقد والتراضي فكيف يرد الخبر بما لا يفيد فائدة وهذا ما لا يظنه ذو لب على رسول الله ﷺ » اهـ. وَقَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٤/ ٣٣١): «قال البيضاوي ومن نفى خيار المجلس أرتكب مجازين بحمله التفرق على الأقوال وحمله المتبايعين على المتساومين، وأيضاً فكلام الشارع يصان عن الحمل عليه لأنَّه يصير تقديره أنَّ المتساومين إن شاءا عقدا البيع وإن شاءا لم يعقداه وهو تحصيل الحاصل، لأنَّ كل أحد يعرف ذلك، ويقال لمن زعم أنَّ التفرق بالكلام ما هو الكلام الذي يقع به التفرق أهو الكلام الذي وقع به العقد أم غيره فإن كان غيره فما هو فليس بين المتعاقدين كلام غيره، وإن كان هو ذلك الكلام بعينه لزم أن يكون الكلام الذي اتفقا عليه وتم بيعهما به هو الكلام الذي افترقا به وانفسخ بيعهما به وهذا في غاية الفساد» اهـ. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٧/ ٤٣١):

стр. 4513

«فإن قيل: المراد بالتفرق هاهنا التفرق بالأقوال، كما قال الله تعالى: ﴿وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾. وقال النبي ﷺ : "ستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة". أي بالأقوال والاعتقادات. قلنا: هذا باطل لوجوه: منها: أنَّ اللفظ لا يحتمل ما قالوه؛ إذ ليس بين المتبايعين تفرق بلفظ ولا اعتقاد، إنَّما بينهما اتفاق على الثمن والمبيع بعد الاختلاف فيه. الثاني: أنَّ هذا يبطل فائدة الحديث؛ إذ قد علم أنَّهما بالخيار قبل العقد في إنشائه وإتمامه، أو تركه. الثالث: أنَّه قال في الحديث: "إذا تبايع الرجلان، فكل واحد منهما بالخيار". فجعل لهما الخيار بعد تبايعهما، وقال: "وإن تفرقا بعد أن تبايعا، ولم يترك أحدهما البيع، فقد وجب البيع". الرابع: أنَّه يرده تفسير ابن عمر للحديث بفعله، فإنَّه كان إذا بايع رجلاً مشى خطوات؛ ليلزم البيع، وتفسير أبي برزة له، بقوله على مثل قولنا، وهما راويا الحديث، وأعلم بمعناه» اهـ. قُلْتُ: ومرجع التفرق إلى العرف. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٧/ ٤٣٣):

стр. 4514

«والمرجع في التفرق إلى عرف الناس وعادتهم، فيما يعدونه تفرقا؛ لأنَّ الشارع علق عليه حكماً، ولم يبينه، فدل ذلك على أنَّه أراد ما يعرفه الناس، كالقبض، والإحراز، فإن كانا في فضاء واسع، كالمسجد الكبير، والصحراء، فبأن يمشي أحدهما مستدبراً لصاحبه خطوات، وقيل: هو أن يبعد منه بحيث لا يسمع كلامه الذي يتكلم به في العادة. قال أبو الحارث: سئل أحمد عن تفرقة الأبدان؟ فقال: إذا أخذ هذا كذا، وهذا كذا، فقد تفرقا. وروى مسلم، عن نافع، قال: فكان ابن عمر إذا بايع، فأراد أن لا يقيله، مشى هنيهة، ثم رجع. وإن كانا في دار كبيرة، ذات مجالس وبيوت، فالمفارقة أن يفارقه من بيت إلى بيت، أو إلى مجلس، أو صفة، أو من مجلس إلى بيت، أو نحو ذلك. فإن كانا في دار صغيرة، فإذا صعد أحدهما السطح، أو خرج منها، فقد فارقه. وإن كانا في سفينة صغيرة، خرج أحدهما منها ومشى، وإن كانت كبيرة صعد أحدهما على أعلاها، ونزل الآخر في أسفلها. وهذا كله مذهب الشافعي» اهـ. ٣ - إطلاق الحديث يشمل من تعمد التفرق خشية الإقالة، وبه أخذ ابن عمر، لكن روى أحمد (٦٧٢١)، وأبو داود (٣٤٥٨)، والترمذي (١٢٤٧)، والنسائي

стр. 4515

(٤٤٨٣) مِنْ طَرِيْقِ ابْنِ عَجْلَانَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ قَالَ: «الْمُتَبَايِعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَفْتَرِقَا، إِلَّا أَنْ تَكُونَ صَفْقَةَ خِيَارٍ، وَلَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يُفَارِقَ صَاحِبَهُ خَشْيَةَ أَنْ يَسْتَقِيلَهُ». قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ حَسَنٌ كما سبق. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٧/ ٤٣٦): «وظاهر الحديث تحريم مفارقة أحد المتبايعين لصاحبه خشية من فسخ البيع، وهذا ظاهر كلام أحمد في رواية الأثرم، فإنَّه ذكر له فعل ابن عمر، وحديث عمرو بن شعيب، فقال: هذا الآن قول النبي ﷺ ، وهذا اختيار أبي بكر. وذكر القاضي، أنَّ ظاهر كلام أحمد، جواز ذلك؛ لأنَّ ابن عمر كان إذا اشترى شيئاً يعجبه فارق صاحبه. متفق عليه. والأول أصح؛ لأنَّ قول النبي ﷺ يقدم على فعل ابن عمر. والظاهر أنَّ ابن عمر لم يبلغه هذا، ولو علمه لما خالفه» اهـ. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [إِعْلَامِ الْمُوَقِعِيْنَ] (٣/ ١٦٤ - ١٦٥): «وقد قال النبي ﷺ : "البيعان بالخيار حتى يتفرقا إلَّا أن تكون صفقة خيار ولا يحل له أن يفارقه خشية أن يستقيله". فاستدل به الإمام أحمد وقال: فيه إبطال الحيل، وقد أشكل هذا على كثير من الفقهاء بفعل ابن عمر فإنَّه كان إذا أراد أن يلزم البيع مشى خطوات ولا إشكال بحمد الله في الحديث وهو من أظهر الأدلة على بطلان التحيل لإسقاط حق من له حق فإنَّ الشارع صلوات الله

стр. 4516

وسلامه عليه وعلى آله أثبت خيار المجلس في البيع حكمة ومصلحة للمتعاقدين وليحصل تمام الرضي الذي شرطه تعالى فيه فإنَّ العقد قد يقع بغتة من غير ترو ولا نظر في القيمة فاقتضت محاسن هذه الشريعة الكاملة أن يجعل للعقد حريماً يتروى فيه المتبايعان ويعيدان النظر ويستدرك كل واحد منهما عيباً كان خفياً فلا أحسن من هذا الحكم ولا أرفق لمصلحة الخلق فلو مكن أحد المتعاقدين الغابن للآخر من النهوض في الحال والمبادرة إلى التفرق لفاتت مصلحة الآخر ومقصود الخيار بالنسبة إليه وهب أنَّك أنت اخترت إمضاء البيع فصاحبك لم يتسع له وقت ينظر فيه ويتروى فنهوضك حيلة على إسقاط حقه من الخيار فلا يجوز حتى يخيره فلو فارق المجلس لغير هذه الحاجة أو صلاة أو غير ذلك ولم يقصد إبطال حق الآخر من الخيار لم يدخل في هذا التحريم ولا يقال هو ذريعة إلى إسقاط حق الآخر من الخيار لأنَّ باب سد الذرائع متى فاتت به مصلحة راجحة أو تضمن مفسدة راجحة لم يلتفت إليه فلو منع العاقد من التفرق حتى يقوم الآخر لكان في ذلك إضرار به ومفسدة راجحة فالذي جاءت به الشريعة في ذلك أكمل شيء وأوفقه للمصلحة والحكمة ولله الحمد» اهـ. قُلْتُ: وقد ادعى ابن عبد البر ﵀ الإجماع على حل تعمد التفرق خشية الإقالة، فقال ﵀ في [التَّمْهِيْدِ] (١٤/ ١٦): «وبإجماع المسلمين على أن ذلك يحل لفاعله على ظاهر الحديث وقد كان ابن عمر وهو الذي روى حديث:

стр. 4517

"البيعان بالخيار ما لم يفترقا". إذا بايع أحدا وأحب أن ينفذ البيع مشى قليلاً ثم رجع» اهـ. قُلْتُ: دعوى الإجماع في ذلك لا تصح لما سبق من مخالفة الإمام أحمد ﵀ في ذلك. ٤ - وظاهره شمول خيار المجلس في كل بيع، وقد استثنى بعض العلماء ما إذا تولى رجلٌ واحد طرفي البيع. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٧/ ٤٣٣): «فإن كان المشتري هو البائع، مثل أن يشتري لنفسه من مال ولده، أو اشترى لولده من مال نفسه، لم يثبت فيه خيار المجلس؛ لأنَّه تولى طرفي العقد، فلم يثبت له خيار، كالشفيع، ويحتمل أن يثبت فيه، ويعتبر مفارقة مجلس العقد للزومه؛ لأنَّ الافتراق لا يمكن هاهنا، لكون البائع هو المشتري، ومتى حصل التفرق لزم» اهـ. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ عُثَيْمِيْنَ ﵀ فِي [الشَّرْحُ الْمُمْتِعِ] (٨/ ٢٧١): «مسألة ذكرها العلماء: قالوا: إذا تولى واحد طرفي العقد فمتى يكون الخيار؟ يقولون: ليس فيه خيار؛ لأننا لو قلنا له الخيار بقي البيع جائزاً؛ لأنَّه لا يمكن أن يفارق الشخص نفسه. مثاله: وكلتك أن تشتري لي كتاباً ووكلك آخر أن تبيعه له، فقُلْتُ: اشتريت الكتاب من فلان لفلان، فهنا تولى الوكيل طرفي العقد، والصحيح أن تولي طرفي العقد فيه الخيار ويكون المدار على مفارقة هذا الرجل للمكان الذي أمضى فيه

стр. 4518

البيع، فإذا قال الوكيل: اشتريت هذا الكتاب من فلان لفلان، ثم قام ومشى فالآن لزم البيع» اهـ. قُلْتُ: والقول الأول أظهر عندي، فإنَّ مفارقة المكان في هذه الصورة كمفارقته من جانب البائع والمشتري معاً وهذا لا يفيد، فإنَّ الغرض إنَّما هو مفارقة البائع للمشتري، والعكس لا مفارقة المكان مع عدم افتراقهما. ٥ - قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٧/ ٤٣٥): «والتفرق بالموت أعظم، ويحتمل أن لا يبطل؛ لأنَّ التفرق بالأبدان لم يحصل. فإن حمل الميت بطل الخيار؛ لأنَّ الفرقة حصلت بالبدن والروح معاً» اهـ. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْمَاوُرْدِي ﵀ فِي [الْحَاوِي] (٥/ ٥٧ - ٥٨): «ذَكَرَ الشَّافِعِيُّ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ مِنْ كِتَابِ الْبُيُوعِ أَنَّ خِيَارَ الْمَجْلِسِ لَا يَبْطُلُ بِالْمَوْتِ وَيَكُونُ مَوْرُوثًا. وَقَالَ فِي كِتَابِ الْمُكَاتَبِ: إِنْ مَاتَ الْمُكَاتَبُ وَقَدْ بَاعَ أَوِ اشْتَرَى قَبْلَ أَنْ يَتَفَرَّقَا، فَقَدْ وَجَبَ الْبَيْعُ. زَادَ أَبُو حَامِدٍ فِي جَامِعِهِ: وَلَمْ يَكُنْ لِلسَّيِّدِ الْخِيَارُ. فَظَاهِرُ قَوْلِهِ: فَقَدْ وَجَبَ الْبَيْعُ: يُوجِبُ قَطْعَ الْخِيَارِ بِالْمَوْتِ وَأَنْ لَا يَكُونَ مَوْرُوثًا لِسَيِّدِهِ، وَقَدْ صَرَّحَ بِهِ أَبُو حَامِدٍ فِي الزِّيَادَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا. وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي اخْتِلَافِ نَصِّهِ فِي هَذَيْنِ الْمَوْضِعَيْنِ عَلَى ثَلَاثَةِ مَذَاهِبَ:

стр. 4519

أَحَدُهَا: وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ: أَنَّ الْمَسْأَلَةَ عَلَى قَوْلَيْنِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْمَوْتَ يَقْطَعُ خِيَارَ الْمَجْلِسِ فِي بَيْعِ الْحُرِّ وَالْمُكَاتَبِ، وَلَا يَنْتَقِلُ إِلَى وَارِثِ الْحُرِّ وَلَا إِلَى سَيِّدِ الْمُكَاتَبِ، لِأَنَّهُ لَمَّا انْقَطَعَ الْخِيَارُ بِمُفَارَقَةِ الْأَبْدَانِ، فَأَوْلَى أَنْ يَنْقَطِعَ بِالْمَوْتِ الْمُفَرِّقِ بَيْنَ الْأَرْوَاحِ وَالْأَبْدَانِ. وَالْقَوْلُ الثَّانِي: إِنَّ الْخِيَارَ لَا يَنْقَطِعُ بِالْمَوْتِ، وَيَنْتَقِلُ إِلَى وَارِثِ الْحُرِّ وَسَيِّدِ الْمُكَاتَبِ - وَهُوَ أَصَحُّ الْقَوْلَيْنِ - لِأَنَّ الْخِيَارَ قَدْ ثَبَتَ فِي الْمَجْلِسِ بِالْعَقْدِ وَفِي الثَّلَاثِ بِالشَّرْطِ، فَلَمَّا لَمْ يَنْقَطِعْ خِيَارُ الثَّلَاثِ بِالْمَوْتِ وَكَانَ مَوْرُوثًا، وَجَبَ أَنْ لَا يَنْقَطِعَ خِيَارُ الْمَجْلِسِ بِالْمَوْتِ وَيَكُونَ مَوْرُوثًا. وَلِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَنْقَطِعْ خِيَارُ الْمَجْلِسِ بِالتَّفَرُّقِ عَلَى وَجْهِ الْإِكْرَاهِ، كَانَ أَوْلَى أَنْ لَا يَبْطُلَ بِالْمَوْتِ، لِأَنَّهُ أَكْثَرُ إِكْرَاهًا. وَالْمَذْهَبُ الثَّانِي مِنْ مَذَاهِبِ أَصْحَابِنَا: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ: إِنَّ الْمَسْأَلَةَ عَلَى قَوْلٍ وَاحِدٍ فِي الْمَوْضِعَيْنِ، وَأَنَّ الْخِيَارَ لَا يَنْقَطِعُ بِالْمَوْتِ، لِمَا ذَكَرْنَا، وَيَكُونُ مُتَنَقِّلًا إِلَى وَارِثِ الْحُرِّ وسيد المكاتب. وقوله فِي الْمُكَاتَبِ: فَقَدْ وَجَبَ الْبَيْعُ: قَصَدَ بِهِ الرَّدَّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْمُكَاتَبَ إِذَا مَاتَ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ بَطَلَ الْبَيْعُ، لِأَنَّهُ يموت عبداً.

стр. 4520

وَالْمَذْهَبُ الثَّالِثُ: أَنَّ الْجَوَابَ مُخْتَلِفٌ عَلَى اخْتِلَافِ نَصَّيْهِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ، فَيَكُونُ الْخِيَارُ مُنْتَقِلًا عَنِ الْحُرِّ إِلَى وَارِثِهِ، وَلَا يَنْقَطِعُ بِمَوْتِهِ. وَلَا يَنْتَقِلُ عَنِ الْمُكَاتَبِ إِلَى سَيِّدِهِ، وَيَنْقَطِعُ بِمَوْتِهِ. وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا: أَنَّ الْحُرَّ يَنْتَقِلُ مَالُهُ إِلَى وَارِثِهِ بِالْإِرْثِ وَحُدُوثِ الْمَوْتِ، فَقَامَ فِي الْخِيَارِ مَقَامَ مُوَرِّثِهِ، كَمَا قَامَ مَقَامَهُ فِي غَيْرِهِ. وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْمُكَاتَبُ، لِأَنَّهُ يَنْتَقِلُ مَالُهُ إِلَى سَيِّدِهِ بِالْمِلْكِ الْمُتَقَدِّمِ، لَا بِالْإِرْثِ، فَلَمَّا بَطَلَ خِيَارُ الْمُكَاتَبِ بِالْمَوْتِ لَمْ يَنْتَقِلْ إِلَى سَيِّدِهِ بِحَقِّ الْمِلْكِ، كَالْوَكِيلِ إِذَا مَاتَ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ لَمْ يَنْتَقِلِ الْخِيَارُ إِلَى مُوَكِّلِهِ، لِأَنَّهُ يَنْتَقِلُ إِلَيْهِ بِحَقِّ الْمِلْكِ لَا بِالْإِرْثِ» اهـ. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [الْمَجْمُوْع] (٩/ ٢٠٦ - ٢٠٩): «الْأَحْكَامُ: فَاتَّفَقَتْ نُصُوصُ الشَّافِعِيِّ وَطُرُقُ الْأَصْحَابِ عَلَى أَنَّ خِيَارَ الشَّرْطِ وَخِيَارَ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ يَنْتَقِلُ إلَى الْوَارِثِ بِمَوْتِ الْمُوَرِّثِ وَإِلَى السَّيِّدِ بِمَوْتِ الْمُكَاتَبِ فِي مُدَّتِهِ وَلَا خِلَافَ فِي هَذَا إلَّا أَنَّ الرَّافِعِيَّ حَكَى أَنَّ فِي خِيَارِ الشَّرْطِ قَوْلًا شَاذًّا أَنَّهُ يَسْقُطُ بِالْمَوْتِ مُخَرَّجًا مِنْ خِيَارِ الْمَجْلِسِ وَهَذَا ضَعِيفٌ جِدًّا وَمَرْدُودٌ فَإِذَا قُلْنَا بِالْمَذْهَبِ فَإِنْ كانت المدة باقية عند بلوع الْخَبَرِ ثَبَتَ لِلْوَارِثِ الْخِيَارُ إلَى انْقِضَائِهَا وَإِنْ كانت قد انقضت فأربعة أوجه الوجهان الْأَوَّلَانِ مِنْهَا مَشْهُورَانِ ذَكَرَهُمَا الْمُصَنِّفُ بِدَلِيلِهِمَا: أَصَحُّهُمَا: يَكُونُ عَلَى الْفَوْرِ قَالَ الرُّويَانِيُّ وَغَيْرُهُ هَذَا ظَاهِرُ نَصِّهِ فِي الْأُمِّ.
следующие страницы →