← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 30178

تحفة السائل في بيان ما في عمدة الأحكام من المسائل

أبو بكر الحمادي

Полный текст (8 095 стр.). Показаны 4516–4555 · переход к 4521.

стр. 4516

وسلامه عليه وعلى آله أثبت خيار المجلس في البيع حكمة ومصلحة للمتعاقدين وليحصل تمام الرضي الذي شرطه تعالى فيه فإنَّ العقد قد يقع بغتة من غير ترو ولا نظر في القيمة فاقتضت محاسن هذه الشريعة الكاملة أن يجعل للعقد حريماً يتروى فيه المتبايعان ويعيدان النظر ويستدرك كل واحد منهما عيباً كان خفياً فلا أحسن من هذا الحكم ولا أرفق لمصلحة الخلق فلو مكن أحد المتعاقدين الغابن للآخر من النهوض في الحال والمبادرة إلى التفرق لفاتت مصلحة الآخر ومقصود الخيار بالنسبة إليه وهب أنَّك أنت اخترت إمضاء البيع فصاحبك لم يتسع له وقت ينظر فيه ويتروى فنهوضك حيلة على إسقاط حقه من الخيار فلا يجوز حتى يخيره فلو فارق المجلس لغير هذه الحاجة أو صلاة أو غير ذلك ولم يقصد إبطال حق الآخر من الخيار لم يدخل في هذا التحريم ولا يقال هو ذريعة إلى إسقاط حق الآخر من الخيار لأنَّ باب سد الذرائع متى فاتت به مصلحة راجحة أو تضمن مفسدة راجحة لم يلتفت إليه فلو منع العاقد من التفرق حتى يقوم الآخر لكان في ذلك إضرار به ومفسدة راجحة فالذي جاءت به الشريعة في ذلك أكمل شيء وأوفقه للمصلحة والحكمة ولله الحمد» اهـ. قُلْتُ: وقد ادعى ابن عبد البر ﵀ الإجماع على حل تعمد التفرق خشية الإقالة، فقال ﵀ في [التَّمْهِيْدِ] (١٤/ ١٦): «وبإجماع المسلمين على أن ذلك يحل لفاعله على ظاهر الحديث وقد كان ابن عمر وهو الذي روى حديث:

стр. 4517

"البيعان بالخيار ما لم يفترقا". إذا بايع أحدا وأحب أن ينفذ البيع مشى قليلاً ثم رجع» اهـ. قُلْتُ: دعوى الإجماع في ذلك لا تصح لما سبق من مخالفة الإمام أحمد ﵀ في ذلك. ٤ - وظاهره شمول خيار المجلس في كل بيع، وقد استثنى بعض العلماء ما إذا تولى رجلٌ واحد طرفي البيع. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٧/ ٤٣٣): «فإن كان المشتري هو البائع، مثل أن يشتري لنفسه من مال ولده، أو اشترى لولده من مال نفسه، لم يثبت فيه خيار المجلس؛ لأنَّه تولى طرفي العقد، فلم يثبت له خيار، كالشفيع، ويحتمل أن يثبت فيه، ويعتبر مفارقة مجلس العقد للزومه؛ لأنَّ الافتراق لا يمكن هاهنا، لكون البائع هو المشتري، ومتى حصل التفرق لزم» اهـ. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ عُثَيْمِيْنَ ﵀ فِي [الشَّرْحُ الْمُمْتِعِ] (٨/ ٢٧١): «مسألة ذكرها العلماء: قالوا: إذا تولى واحد طرفي العقد فمتى يكون الخيار؟ يقولون: ليس فيه خيار؛ لأننا لو قلنا له الخيار بقي البيع جائزاً؛ لأنَّه لا يمكن أن يفارق الشخص نفسه. مثاله: وكلتك أن تشتري لي كتاباً ووكلك آخر أن تبيعه له، فقُلْتُ: اشتريت الكتاب من فلان لفلان، فهنا تولى الوكيل طرفي العقد، والصحيح أن تولي طرفي العقد فيه الخيار ويكون المدار على مفارقة هذا الرجل للمكان الذي أمضى فيه

стр. 4518

البيع، فإذا قال الوكيل: اشتريت هذا الكتاب من فلان لفلان، ثم قام ومشى فالآن لزم البيع» اهـ. قُلْتُ: والقول الأول أظهر عندي، فإنَّ مفارقة المكان في هذه الصورة كمفارقته من جانب البائع والمشتري معاً وهذا لا يفيد، فإنَّ الغرض إنَّما هو مفارقة البائع للمشتري، والعكس لا مفارقة المكان مع عدم افتراقهما. ٥ - قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٧/ ٤٣٥): «والتفرق بالموت أعظم، ويحتمل أن لا يبطل؛ لأنَّ التفرق بالأبدان لم يحصل. فإن حمل الميت بطل الخيار؛ لأنَّ الفرقة حصلت بالبدن والروح معاً» اهـ. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْمَاوُرْدِي ﵀ فِي [الْحَاوِي] (٥/ ٥٧ - ٥٨): «ذَكَرَ الشَّافِعِيُّ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ مِنْ كِتَابِ الْبُيُوعِ أَنَّ خِيَارَ الْمَجْلِسِ لَا يَبْطُلُ بِالْمَوْتِ وَيَكُونُ مَوْرُوثًا. وَقَالَ فِي كِتَابِ الْمُكَاتَبِ: إِنْ مَاتَ الْمُكَاتَبُ وَقَدْ بَاعَ أَوِ اشْتَرَى قَبْلَ أَنْ يَتَفَرَّقَا، فَقَدْ وَجَبَ الْبَيْعُ. زَادَ أَبُو حَامِدٍ فِي جَامِعِهِ: وَلَمْ يَكُنْ لِلسَّيِّدِ الْخِيَارُ. فَظَاهِرُ قَوْلِهِ: فَقَدْ وَجَبَ الْبَيْعُ: يُوجِبُ قَطْعَ الْخِيَارِ بِالْمَوْتِ وَأَنْ لَا يَكُونَ مَوْرُوثًا لِسَيِّدِهِ، وَقَدْ صَرَّحَ بِهِ أَبُو حَامِدٍ فِي الزِّيَادَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا. وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي اخْتِلَافِ نَصِّهِ فِي هَذَيْنِ الْمَوْضِعَيْنِ عَلَى ثَلَاثَةِ مَذَاهِبَ:

стр. 4519

أَحَدُهَا: وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ: أَنَّ الْمَسْأَلَةَ عَلَى قَوْلَيْنِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْمَوْتَ يَقْطَعُ خِيَارَ الْمَجْلِسِ فِي بَيْعِ الْحُرِّ وَالْمُكَاتَبِ، وَلَا يَنْتَقِلُ إِلَى وَارِثِ الْحُرِّ وَلَا إِلَى سَيِّدِ الْمُكَاتَبِ، لِأَنَّهُ لَمَّا انْقَطَعَ الْخِيَارُ بِمُفَارَقَةِ الْأَبْدَانِ، فَأَوْلَى أَنْ يَنْقَطِعَ بِالْمَوْتِ الْمُفَرِّقِ بَيْنَ الْأَرْوَاحِ وَالْأَبْدَانِ. وَالْقَوْلُ الثَّانِي: إِنَّ الْخِيَارَ لَا يَنْقَطِعُ بِالْمَوْتِ، وَيَنْتَقِلُ إِلَى وَارِثِ الْحُرِّ وَسَيِّدِ الْمُكَاتَبِ - وَهُوَ أَصَحُّ الْقَوْلَيْنِ - لِأَنَّ الْخِيَارَ قَدْ ثَبَتَ فِي الْمَجْلِسِ بِالْعَقْدِ وَفِي الثَّلَاثِ بِالشَّرْطِ، فَلَمَّا لَمْ يَنْقَطِعْ خِيَارُ الثَّلَاثِ بِالْمَوْتِ وَكَانَ مَوْرُوثًا، وَجَبَ أَنْ لَا يَنْقَطِعَ خِيَارُ الْمَجْلِسِ بِالْمَوْتِ وَيَكُونَ مَوْرُوثًا. وَلِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَنْقَطِعْ خِيَارُ الْمَجْلِسِ بِالتَّفَرُّقِ عَلَى وَجْهِ الْإِكْرَاهِ، كَانَ أَوْلَى أَنْ لَا يَبْطُلَ بِالْمَوْتِ، لِأَنَّهُ أَكْثَرُ إِكْرَاهًا. وَالْمَذْهَبُ الثَّانِي مِنْ مَذَاهِبِ أَصْحَابِنَا: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ: إِنَّ الْمَسْأَلَةَ عَلَى قَوْلٍ وَاحِدٍ فِي الْمَوْضِعَيْنِ، وَأَنَّ الْخِيَارَ لَا يَنْقَطِعُ بِالْمَوْتِ، لِمَا ذَكَرْنَا، وَيَكُونُ مُتَنَقِّلًا إِلَى وَارِثِ الْحُرِّ وسيد المكاتب. وقوله فِي الْمُكَاتَبِ: فَقَدْ وَجَبَ الْبَيْعُ: قَصَدَ بِهِ الرَّدَّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْمُكَاتَبَ إِذَا مَاتَ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ بَطَلَ الْبَيْعُ، لِأَنَّهُ يموت عبداً.

стр. 4520

وَالْمَذْهَبُ الثَّالِثُ: أَنَّ الْجَوَابَ مُخْتَلِفٌ عَلَى اخْتِلَافِ نَصَّيْهِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ، فَيَكُونُ الْخِيَارُ مُنْتَقِلًا عَنِ الْحُرِّ إِلَى وَارِثِهِ، وَلَا يَنْقَطِعُ بِمَوْتِهِ. وَلَا يَنْتَقِلُ عَنِ الْمُكَاتَبِ إِلَى سَيِّدِهِ، وَيَنْقَطِعُ بِمَوْتِهِ. وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا: أَنَّ الْحُرَّ يَنْتَقِلُ مَالُهُ إِلَى وَارِثِهِ بِالْإِرْثِ وَحُدُوثِ الْمَوْتِ، فَقَامَ فِي الْخِيَارِ مَقَامَ مُوَرِّثِهِ، كَمَا قَامَ مَقَامَهُ فِي غَيْرِهِ. وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْمُكَاتَبُ، لِأَنَّهُ يَنْتَقِلُ مَالُهُ إِلَى سَيِّدِهِ بِالْمِلْكِ الْمُتَقَدِّمِ، لَا بِالْإِرْثِ، فَلَمَّا بَطَلَ خِيَارُ الْمُكَاتَبِ بِالْمَوْتِ لَمْ يَنْتَقِلْ إِلَى سَيِّدِهِ بِحَقِّ الْمِلْكِ، كَالْوَكِيلِ إِذَا مَاتَ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ لَمْ يَنْتَقِلِ الْخِيَارُ إِلَى مُوَكِّلِهِ، لِأَنَّهُ يَنْتَقِلُ إِلَيْهِ بِحَقِّ الْمِلْكِ لَا بِالْإِرْثِ» اهـ. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [الْمَجْمُوْع] (٩/ ٢٠٦ - ٢٠٩): «الْأَحْكَامُ: فَاتَّفَقَتْ نُصُوصُ الشَّافِعِيِّ وَطُرُقُ الْأَصْحَابِ عَلَى أَنَّ خِيَارَ الشَّرْطِ وَخِيَارَ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ يَنْتَقِلُ إلَى الْوَارِثِ بِمَوْتِ الْمُوَرِّثِ وَإِلَى السَّيِّدِ بِمَوْتِ الْمُكَاتَبِ فِي مُدَّتِهِ وَلَا خِلَافَ فِي هَذَا إلَّا أَنَّ الرَّافِعِيَّ حَكَى أَنَّ فِي خِيَارِ الشَّرْطِ قَوْلًا شَاذًّا أَنَّهُ يَسْقُطُ بِالْمَوْتِ مُخَرَّجًا مِنْ خِيَارِ الْمَجْلِسِ وَهَذَا ضَعِيفٌ جِدًّا وَمَرْدُودٌ فَإِذَا قُلْنَا بِالْمَذْهَبِ فَإِنْ كانت المدة باقية عند بلوع الْخَبَرِ ثَبَتَ لِلْوَارِثِ الْخِيَارُ إلَى انْقِضَائِهَا وَإِنْ كانت قد انقضت فأربعة أوجه الوجهان الْأَوَّلَانِ مِنْهَا مَشْهُورَانِ ذَكَرَهُمَا الْمُصَنِّفُ بِدَلِيلِهِمَا: أَصَحُّهُمَا: يَكُونُ عَلَى الْفَوْرِ قَالَ الرُّويَانِيُّ وَغَيْرُهُ هَذَا ظَاهِرُ نَصِّهِ فِي الْأُمِّ.

стр. 4521

وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يَثْبُتُ فِي الْقَدْرِ الَّذِي كَانَ بَقِيَ عِنْدَ الْمَوْتِ. والثالث: يبقى الخيار مادام الْمَجْلِسُ الَّذِي بَلَغَهُ فِيهِ الْخَبَرُ حَكَاهُ الْقَفَّالُ والروياني. وَآخَرُونَ مِنْ الْخُرَاسَانِيِّينَ. وَالْوَجْهُ الرَّابِعُ: يَسْقُطُ الْخِيَارُ وَيَلْزَمُ الْبَيْعُ بِمُجَرَّدِ مُضِيِّ الْمُدَّةِ حَكَاهُ الرُّويَانِيُّ وَبِهِ جَزَمَ الْمَاوَرْدِيُّ لِفَوَاتِ الْمُدَّةِ وَهَذَا شَاذٌّ مَرْدُودٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَأَمَّا خِيَارُ الْمَجْلِسِ فَإِذَا مَاتَ أَحَدُ الْمُتَعَاقِدَيْنِ فِي الْمَجْلِسِ نَصَّ الشَّافِعِيُّ أَنَّ الْخِيَارَ لِوَارِثِهِ، وَقَالَ فِي الْمُكَاتَبِ إذَا بَاعَ وَمَاتَ فِي الْمَجْلِسِ وَجَبَ الْبَيْعُ وَلِلْأَصْحَابِ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ ثَلَاثُ طُرُقٍ مَشْهُورَةٍ ذَكَرَهَا الْمُصَنِّفُ بدلائلها واضحة: أحدها: وهو قول أبي إسحاق الْمَرْوَزِيِّ وَأَكْثَرِ أَصْحَابِنَا الْمُتَقَدِّمِينَ وَهُوَ أَصَحُّهَا عِنْدَ الْأَصْحَابِ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ قَوْلَانِ: أَصَحُّهُمَا: يَثْبُتُ الْخِيَارُ لِلْوَارِثِ وَلِسَيِّدِ الْمُكَاتَبِ كَخِيَارِ الشَّرْطِ وَالرَّدِّ بِالْعَيْبِ. وَالثَّانِي: لَا يَثْبُتُ بَلْ يَلْزَمُ الْبَيْعُ بِمُجَرَّدِ الْمَوْتِ لِأَنَّهُ أَبْلَغُ فِي الْمُفَارَقَةِ مِنْ مُفَارَقَتِهِ بِالْبَدَنِ. وَالطَّرِيقُ الثَّانِي: يَثْبُتُ لَهُمَا قَطْعًا وَتَأْوِيلُ نَصِّ الْمُكَاتَبِ بِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَبِهَذَا الطَّرِيقِ قَالَ أَبُو عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ. وَالثَّالِثُ: تَقْرِيرُ النَّصَّيْنِ وَهُوَ ثُبُوتُ الْخِيَارِ لِلْوَارِثِ دُونَ السَّيِّدِ وَالْفَرْقُ أَنَّ الْوَارِثَ خَلِيفَةُ الْمَيِّتِ بِخِلَافِ السَّيِّدِ.

стр. 4522

وَلَوْ مَاتَ الْعَاقِدَانِ فِي الْمَجْلِسِ فَفِي انْتِقَالِ الْخِيَارِ إلَى وَارِثِهِمَا وَسَيِّدِ الْمُكَاتَبِ الْخِلَافُ الْمَذْكُورُ فِي مَوْتِ أَحَدِهِمَا صَرَّحَ بِهِ الدَّارِمِيُّ وَالْأَصْحَابُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. أَمَّا إذَا بَاعَ الْعَبْدَ الْمَأْذُونَ لَهُ أَوْ اشْتَرَى وَمَاتَ فِي الْمَجْلِسِ فَكَالْمُكَاتَبِ وَكَذَا الْوَكِيلُ بِالشِّرَاءِ إذَا مَاتَ فِي الْمَجْلِسِ هَلْ لَلْمُوَكِّلِ الْخِيَارُ فِيهِ الْخِلَافُ كَالْمُكَاتَبِ هَذَا إذَا فَرَّعْنَا عَلَى الصَّحِيحِ أَنَّ الِاعْتِبَارَ بِمَجْلِسِ الْوَكِيلِ وَفِي وَجْهٍ شَاذٍّ ضَعِيفٍ يُعْتَبَرُ مجلس الموكل وهو شاذ ليس بشيء. قَالَ أَصْحَابُنَا فَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ الْخِيَارُ لِلْوَارِثِ فَقَدْ انْقَطَعَ خِيَارُ الْمَيِّتِ. وَأَمَّا الْعَاقِدُ الْآخَرُ الْحَيُّ فَذَكَرَ الْبَغَوِيّ أَنَّ خِيَارَهُ لَا يَنْقَطِعُ حَتَّى يُفَارِقَ ذَلِكَ الْمَجْلِسَ وَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ: يَلْزَمُ الْعَقْدُ مِنْ الْجَانِبَيْنِ. قَالَ الرَّافِعِيُّ: وَيَجُوزُ تَقْرِيرُ خِلَافٍ لِمَا سَبَقَ أَنَّ هَذَا الْخِيَارَ لَا يَتَبَعَّضُ سُقُوطُهُ كَمَوْتِهِ وَذَكَرَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ فِيهِ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: يَمْتَدُّ إلَى أَنْ يُفَارِقَ مَجْلِسَهُ ثُمَّ يَنْقَطِعَ. وَالثَّانِي: يَبْقَى إلَى أَنْ يَجْتَمِعَ هُوَ وَالْوَارِثُ الْآخَرُ. وَالثَّالِثُ: يَمْتَدُّ إلَى مُفَارَقَتِهِ مَجْلِسَ الْعَقْدِ وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ وَهُوَ الَّذِي جَزَمَ بِهِ الْبَغَوِيّ وَحَكَى الرُّويَانِيُّ وَجْهًا رَابِعًا أَنَّهُ يَنْقَطِعُ خِيَارُهُ بِمَوْتِ صَاحِبِهِ فَإِذَا بَلَغَ الْخَبَرُ إلَى وَارِثِهِ حَدَثَ لِهَذَا الْحَيِّ الْخِيَارُ مَعَهُ وَهَذَا شَاذٌّ ضَعِيفٌ.

стр. 4523

فَإِنْ قُلْنَا: يَثْبُتُ الْخِيَارُ لِلْوَارِثِ فَإِنْ كَانَ حَاضِرًا فِي الْمَجْلِسِ امْتَدَّ الْخِيَارُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْعَاقِدِ الْآخَرِ حَتَّى يَتَفَرَّقَا أَوْ يَتَخَايَرَا وَإِنْ كَانَ غَائِبًا فَلَهُ الْخِيَارُ إذَا وَصَلَهُ الْخَبَرُ وَهَلْ هُوَ عَلَى الْفَوْرِ أَمْ يَمْتَدُّ امْتِدَادَ مَجْلِسِ بُلُوغِ الْخَبَرِ إلَيْهِ فِيهِ وَجْهَانِ كَالْوَجْهَيْنِ فِي خِيَارِ الشَّرْطِ إذَا وَرِثَهُ الْوَارِثُ وَبَلَغَهُ الْخَبَرُ بَعْدَ مُضِيِّ مُدَّةِ الْخِيَارِ فَفِي وَجْهٍ هُوَ عَلَى الْفَوْرِ وَفِي وَجْهٍ يَمْتَدُّ كَمَا كَانَ يَمْتَدُّ لِلْمَيِّتِ لَوْ بَقِيَ. وَمِنْهُمْ مَنْ بَنَاهُمَا عَلَى الْوَجْهَيْنِ فِي كَيْفِيَّةِ ثُبُوتِهِ لِلْعَاقِدِ الْبَاقِي: أحدهما: له الخيار مادام فِي مَجْلِسِ الْعَقْدِ فَعَلَى هَذَا يَكُونُ خِيَارُ الْوَارِثِ ثَابِتًا فِي الْمَجْلِسِ الَّذِي يُشَاهِدُ فِيهِ الْمَبِيعَ. وَالثَّانِي: يَتَأَخَّرُ خِيَارُهُ إلَى أَنْ يَجْتَمِعَ هُوَ وَالْوَارِثُ فِي مَجْلِسٍ فَحِينَئِذٍ يَثْبُتُ الْخِيَارُ لِلْوَارِثِ وَجَمَعَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ فِي تَعْلِيقِهِ هَذَا الخلاف فحكى في المسألة ثلاثة أوجه أحدها: يَثْبُتُ لَهُ عَلَى الْفَوْرِ. وَالثَّانِي: مَا لَمْ يُفَارِقْ مَجْلِسَ بُلُوغِ الْخَبَرِ. وَالثَّالِثُ: مَا لَمْ يَجْتَمِعْ هُوَ وَالْعَاقِدُ الْآخَرُ وَحَكَى الرُّويَانِيُّ وَجْهًا رَابِعًا: أَنَّهُ يَثْبُتُ لَهُ الْخِيَارُ إذَا أَبْصَرَ السِّلْعَةَ وَلَا يَتَأَخَّرُ عَنْ ذَلِكَ. وَالْأَصَحُّ أَنَّ خيار الوارث يثبت مادام فِي مَجْلِسِ بُلُوغِ الْخَبَرِ إلَيْهِ وَبِهِ قَطَعَ الْمُصَنِّفُ وَشَيْخُهُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَالْمَاوَرْدِيُّ وَآخَرُونَ وهو قول أبي إسحاق الْمَرْوَزِيِّ (فَرْعٌ): إذَا وَرِثَ خِيَارَ الْمَجْلِسِ اثْنَانِ فَصَاعِدًا وَكَانُوا حُضُورًا فِي مَجْلِسِ الْعَقْدِ فَلَهُمْ الْخِيَارُ إلَى أَنْ يُفَارِقُوا الْعَاقِدَ الْآخَرَ وَلَا يَنْقَطِعُ بِمُفَارَقَةِ بَعْضِهِمْ عَلَى الْأَصَحِّ

стр. 4524

الْمَشْهُورِ وَبِهِ جَزَمَ الْأَكْثَرُونَ فَإِنْ كَانُوا غَائِبِينَ عَنْ الْمَجْلِسِ قَالَ الْمُتَوَلِّي إنْ قُلْنَا فِي الْوَارِثِ الْوَاحِدِ يَثْبُتُ الْخِيَارُ فِي مَجْلِسِ مُشَاهَدَةِ الْمَبِيعِ فَلَهُمْ الْخِيَارُ إذَا اجْتَمَعُوا فِي مَجْلِسٍ، وَإِنْ قُلْنَا: لَهُ الْخِيَارُ إذَا اجْتَمَعَ هُوَ وَالْعَاقِدُ وَكَذَا لَهُمْ الْخِيَارُ إذَا اجْتَمَعُوا هُمْ وَهُوَ وَمَتَى فَسَخَ بَعْضُهُمْ وَأَجَازَ بَعْضُهُمْ فَوَجْهَانِ مَشْهُورَانِ حَكَاهُمَا ابْنُ الْقَطَّانِ وَالْقَاضِي حُسَيْنٌ وَالْمُتَوَلِّي وَالرُّويَانِيُّ وَغَيْرُهُمْ: أحدهما: لا ينفسخ في شيء. وَأَصَحُّهُمَا: يَنْفَسِخُ فِي الْجَمِيعِ كَالْمُوَرِّثِ لَوْ فَسَخَ فِي حَيَاتِهِ فِي بَعْضِهِ وَأَجَازَ فِي بَعْضٍ قَالَ الْمُتَوَلِّي وَلَا خِلَافَ أَنَّهُ لَا يُبَعَّضُ الفسخ لأنَّ فيه إضراراً بِالْعَاقِدِ الْآخَرِ قَالَ: وَلَوْ حَضَرَ بَعْضُهُمْ وَغَابَ الْبَعْضُ فَلِلْحَاضِرِ الْخِيَارُ فَإِنْ فَسَخَ وَقُلْنَا يَغْلِبُ الْفَسْخُ نَفَذَ الْفَسْخُ فِي الْجَمِيعِ وَإِنْ أَجَازَ تَوَقَّفْنَا حَتَّى يَبْلُغَ الْخَبَرُ إلَى الْغَائِبِ هَذَا مَا نَقَلَهُ الْمُتَوَلِّي. وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ: إنْ مَاتَ الْبَائِعُ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ وَرَثَتِهِ أَنْ يَنْفَرِدَ بِالْفَسْخِ فِي حِصَّتِهِ بِلَا خِلَافٍ وَإِنْ مَاتَ الْمُشْتَرِي فَوَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: يَثْبُتُ الْفَسْخُ لِكُلٍّ مِنْ وَرَثَتِهِ كَعَكْسِهِ. وَأَصَحُّهُمَا: لَيْسَ لِأَحَدِهِمْ الْفَسْخُ وَالْفَرْقُ أَنَّ الْمُشْتَرِيَ يَثْبُتُ لَهُ الْخِيَارُ بِتَبْعِيضِ الصَّفْقَةِ عَلَيْهِ فَيَزُولُ عَنْهُ الضَّرَرُ بِخِلَافِ الْبَائِعِ وَالْمَذْهَبُ مَا ذَكَرَهُ المتولي.

стр. 4525

(فرع): لوجن الْعَاقِدَيْنِ أَوْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ لَمْ يَنْقَطِعْ الْخِيَارُ بَلْ يَقُومُ وَلِيُّهُ أَوْ الْحَاكِمُ مَقَامَهُ فَيَفْعَلُ مَا فِيهِ الْحَظُّ مِنْ الْفَسْخِ وَالْإِجَازَةِ. هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ وَبِهِ قَطَعَ الْمُصَنِّفُ وَالْأَصْحَابُ وَفِيهِ وَجْهٌ مُخَرَّجٌ مِنْ الْمَوْتِ أَنَّهُ يَنْقَطِعُ حَكَاهُ جَمَاعَةٌ مِنْ الْخُرَاسَانِيِّينَ مِنْهُمْ الْمُتَوَلِّي وَالرُّويَانِيُّ قَالَ وليس هو بشيء وَلَوْ خَرِسَ أَحَدُهُمَا فِي الْمَجْلِسِ قَالَ أَصْحَابُنَا إنْ كَانَتْ لَهُ إشَارَةٌ مَفْهُومَةٌ أَوْ كِتَابَةٌ فهو على خياره وإلَّا نصب الْحَاكِمُ نَائِبًا عَنْهُ وَهَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ عِنْدَ أَصْحَابِنَا. (فَرْعٌ): إذَا جُنَّ أَحَدُ الْعَاقِدَيْنِ أَوْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ وَأَقَامَ الْقَاضِي فِيمَا يَقُومُ مَقَامَهُ فِي الْخِيَارِ فَفَسَخَ الْقَيِّمُ أَوْ أَجَازَ فَأَفَاقَ الْعَاقِدُ وَادَّعَى أَنَّ الْغِبْطَةَ خِلَافُ مَا فَعَلَهُ الْقَيِّمُ قَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَغَيْرُهُ يَنْظُرُ الْحَاكِمُ فِي ذَلِكَ فَإِنْ وَجَدَ الْأَمْرَ كَمَا يَقُولُ الْمُفِيقُ مَكَّنَهُ مِنْ الْفَسْخِ وَالْإِجَازَةِ وَنَقَضَ فِعْلَ الْقَيِّمِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَا ادَّعَاهُ الْمُفِيقُ ظَاهِرًا فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْقَيِّمِ مَعَ يَمِينِهِ لِأَنَّهُ أَمِينٌ فِيمَا فَعَلَهُ إلَّا أَنْ يُقِيمَ الْمُفِيقُ بَيِّنَةً بِمَا ادَّعَاهُ. (فَرْعٌ): قَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ حَيْثُ أَثْبَتْنَا خِيَارَ الْمَجْلِسِ أَوْ الشَّرْطِ لِلْوَارِثِ وَكَانَ وَاحِدًا فَإِنْ قَالَ: أَجَزْتُ انْبَرَمَ الْعَقْدُ، وَإِنْ قَالَ: فَسَخْتُ انْفَسَخَ، وَإِنْ قَالَ: أَجَزْتُ وَفَسَخْتُ أَوْ فَسَخْتُ وَأَجَزْتُ فَالْحُكْمُ بِاللَّفْظِ الْمُتَقَدِّمِ مِنْهُمَا، وَإِنْ قَالَ: أَجَزْتُ في النصف وفسخت فِي النِّصْفِ غَلَبَ الْفَسْخُ كَمَا لَوْ فَسَخَ أَحَدُ الْعَاقِدَيْنِ وَأَجَازَ الْآخَرُ فَإِنَّهُ يُقَدَّمُ الْفَسْخُ كَمَا سَبَقَ» اهـ.

стр. 4526

قُلْتُ: والذي يظهر لي هو انتفاء الخيار بمجرد الموت، فإنَّ المفارقة بالموت أعظم من مفارقة الأبدان في حال الحياة. والله أعلم. ٦ - قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ عُثَيْمِيْنَ ﵀ فِي [الشَّرْحُ الْمُمْتِعِ] (٨/ ٢٦٢): «وقوله: "وكانا جميعاً" تأكيد لعدم التفرق، وفيها فائدة وهي ما إذا تبايع رجلان بالهاتف فإنَّه في هذه الحال لا خيار، بمجرد ما يقول أحد: بعت والثاني يقول: اشتريت وجب البيع» اهـ. قُلْتُ: والذي يظهر لي هو نفوذ البيع بإغلاق الهاتف، وأمَّا قبل إغلاقه فهما كالمجتمعين. والله أعلم. * * *

стр. 4527

٢٤٩ - وَفِي مَعْنَاهُ مِنْ حَدِيْثِ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا - أَوْ قَالَ: حَتَّى يَتَفَرَّقَا - فَإِنْ صَدَقَا وَبَيَّنَا بُورِكَ لَهُمَا فِي بَيْعِهِمَا. وَإِنْ كَتَمَا وَكَذَبَا مُحِقَتْ بَرَكَةُ بَيْعِهِمَا». وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا: ١ - إثبات خيار المجلس إلى حين الافتراق، وقد مضى القول في ذلك. ٢ - أنَّ الصدق والبيان من أسباب البركة في البيع والشراء. قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٤/ ٣١١): «وقوله: "صدقا". أي من جانب البائع في السوم ومن جانب المشترى في الوفاء. وقوله: "وبينا" أي لما في الثمن والمثمن من عيب فهو من جانبيهما» اهـ. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِي ﵀ فِي [الْمُفْهِم] (١٤/ ٣٢): «وقوله: "فإن صدقا وبيَّنا"؛ أي: إن صدقا في الإخبار عن الثمن والمثمون فيما يباع مرابحة، وبيّنا ما فيها من العيوب» اهـ. ٣ - وفيه أنَّه إذا حصل عكس ذلك وهو الكتمان، والكذب كان ذلك من أسباب محق البركة. ٤ - وفيه أنَّ الطاعات من أسباب البركة في المعاش، وأنَّ المعاصي من أسباب المحق في المعاش.

стр. 4528

٥ - وفيه الحث على نصيحة المسلم لأخيه المسلم، وإن كانت في أمر الدنيا. * * *

стр. 4529

بَابُ مَا نَهَىَ اللهُ عَنْهُ مِنَ الْبُيُوعِ. ٢٥٠ - عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيَّ ﵁: «أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ نَهَى عَنْ الْمُنَابَذَةِ - وَهِيَ طَرْحُ الرَّجُلِ ثَوْبَهُ بِالْبَيْعِ إلَى الرَّجُلِ قَبْلَ أَنْ يُقَلِّبَهُ، أَوْ يَنْظُرَ إلَيْهِ - وَنَهَى عَنْ الْمُلامَسَةِ. وَالْمُلامَسَةُ: لَمْسُ الثَّوْبِ وَلا يُنْظَرُ إلَيْهِ». وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا: ١ - تحريم بيع المنابذة، والنهي عن ذلك لما في هذا البيع من جهالة المبيع وهذا هو المعنى الصحيح، وقيل: نهي عن ذلك من أجل عدم حصول الإيجاب والقبول، ووجه ذلك أنَّ البائع والمشتري جعلا مجرد النبذ عقداً للبيع، والصحيح الأول لقوله في الحديث: "وَلا يُنْظَرُ إلَيْهِ" وجاءت رواية عند البخاري (٥٨٢٠)، ومسلم (١٥١٢) من حديث أبي سعيد وفيها: «وَيَكُونَ ذَلِكَ بَيْعَهُمَا عَنْ غَيْرِ نَظَرٍ وَلَا تَرَاضٍ». وروى أبو عوانة (٤٨٦٧) أَخْبَرَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قثنا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، أَنَّهُ قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ بَيْعِ الْمُلَامَسَةِ وَالْمُنَابَذَةِ فِي الْبَيْعِ، وَذَلِكَ أَنْ يَتَبَايَعَ الْقَوْمُ السِّلَعَ لَا يَنْظُرُونَ إِلَيْهَا، وَلَا يُخْبِرُونَ عَنْهَا، وَالْمُنَابَذَةُ أَنْ يَتَنَابَذَ الْقَوْمُ السِّلَعَ لَا يَنْظُرُونَ إِلَيْهَا، وَلَا يُخْبِرُونَ عَنْهَا فَهَذَا مِنْ أَبْوَابِ الْقِمَارَ».

стр. 4530

قُلْتُ: وإِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ. وروى مسلم (١٥١١) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّهُ قَالَ: «نُهِيَ عَنْ بَيْعَتَيْنِ الْمُلَامَسَةِ، وَالْمُنَابَذَةِ، أَمَّا الْمُلَامَسَةُ: فَأَنْ يَلْمِسَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ثَوْبَ صَاحِبِهِ بِغَيْرِ تَأَمُّلٍ، وَالْمُنَابَذَةُ: أَنْ يَنْبِذَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ثَوْبَهُ إِلَى الْآخَرِ، وَلَمْ يَنْظُرْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا إِلَى ثَوْبِ صَاحِبِهِ». قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٤/ ٣٥٩): «وهذا التفسير الذي في حديث أبي هريرة أقعد بلفظ الملامسة والمنابذة لأنَّها مفاعلة فتستدعى وجود الفعل من الجانبين» اهـ. وروى النسائي (٤٥١٧) أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ: حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ قَالَ: سَمِعْتُ عُبَيْدَ اللَّهِ، عَنْ خُبَيْبٍ، عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ: «نَهَى عَنْ بَيْعَتَيْنِ، أَمَّا الْبَيْعَتَانِ: فَالْمُنَابَذَةُ وَالْمُلَامَسَةُ، وَزَعَمَ أَنَّ الْمُلَامَسَةَ أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ: أَبِيعُكَ ثَوْبِي بِثَوْبِكَ، وَلَا يَنْظُرُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا إِلَى ثَوْبِ الْآخَرِ، وَلَكِنْ يَلْمِسُهُ لَمْسًا، وَأَمَّا الْمُنَابَذَةُ أَنْ يَقُولُ: أَنْبِذُ مَا مَعِي، وَتَنْبِذُ مَا مَعَكَ لِيَشْتَرِيَ أَحَدُهُمَا مِنَ الْآخَرِ، وَلَا يَدْرِي كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا كَمْ مَعَ الْآخَرِ، وَنَحْوًا مِنْ هَذَا الْوَصْفِ». قُلْتُ: وإِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ أيضاً.

стр. 4531

وكل هذا صريح في المعنى الأول، وأمَّا المعنى الآخر فلا محذور فيه، ولا يشترط في الإيجاب والقبول أن يكون لفظاً، بل يصح بالفعل الدال عليه. وهناك معنى آخر فسر به الحديث وهو أن يجعل النبذ شرطاً في قطع خيار المجلس وغيره، وليس هذا بصحيح، والصحيح الأول. ٢ - تحريم بيع الملامسة. والقول فيه كالقول في المنابذة. ٣ - واحتج به على عدم صحة بيع المعاطاة، وهذا مبني على تفسير من فسر المنابذة والملامسة بأن يجعلا نفس اللمس والنبذ بيعاً بغير صيغة زائدة. وسبق بيان ضعف هذا التفسير. قُلْتُ: والصحيح جواز البيع بالمعاطاة وهو مذهب الجمهور خلافاً للشافعي. قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢٩/ ٢٢٦ - ٢٢٧): «وكذلك المشهور من مذهب الشافعي أنَّه لا بد في العقود من الصيغ فلا يصح بيع المعاطاة لكن الجمهور يخالفون هذا. فمذهب مالك أنَّ كل ما عده الناس بيعاً فهو بيع فيجوز بيع المعاطاة في القليل والكثير وكذلك ظاهر مذهب أحمد. ومذهب أبي حنيفة تجويز ذلك في المحقرات وهو قول آخر في مذهب أحمد وقول طائفة من أصحاب الشافعي. وأيضاً أنَّ العقود يرجع فيها إلى عرف الناس. فما عده الناس بيعاً أو إجارة أو هبة: كان بيعاً وإجارة وهبة؛ فإنَّ هذه الأسماء ليس لها

стр. 4532

حد في اللغة والشرع. وكل اسم ليس له حد في اللغة والشرع فإنَّه يرجع في حده إلى العرف» اهـ. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [بَدَائِعِ الْفَوَائِدِ] (٤/ ٨٧٥) «وهذه قاعدة من قواعد الشرع عظيمة النفع أنَّ كل ما يعلم أنَّه لا غنى بالأمة عنه ولم يزل يقع في الإسلام ولم يعلم من النبي تغييره ولا إنكاره ولا من الصحابة فهو من الدين وهذا كإجارة الإقطاع وبيع المعاطاة وقرض الخبز والخمير ورد أكثر منه وأصغر … » اهـ. وَقَالَ ﵀ فِي [الْطُرُقِ الْحُكْمِيَّةِ] (٣٠): «ومن ذلك انعقاد التبايع في سائر الأعصار والأمصار بمجرد المعاطاة من غير لفظ اكتفاء بالقرائن والأمارات الدالة على التراضي الذي هو شرط في صحة البيع» اهـ. ٤ - واحتج به على تحريم بيع الغائب مطلقاً، وهو مذهب الشافعي ﵀ في الجديد، ورواية عن أحمد، وصححه أبو حنيفة مطلقاً لكن أثبت له الخيار إذا رآه، وأجازه مالك وأحمد في الرواية الأخرى وغيرهما في الموصوف. وهذا هو الصحيح؛ ويدل على ذلك صحة بيع السلم وهو لا يكون إلَّا في غائب موصوف. وليس في الحديث النهي عن بيع كل غائب، وغاية ما فيه النهي عن المجهول. وبالرؤية، أو الوصف تزول الجهالة. والله أعلم.

стр. 4533

قُلْتُ: وهكذا يجوز على الصحيح بيع المغيب في الأرض، ويلحق المعدوم منها بالموجود، ويجوز بيع الشيء في قشره رفعاً للحرج، ولأنَّ الجهالة في ذلك يسيرة، وأهل المعرفة يستدلون بما ظهر على ما بطن، وما زال الناس يتعاملون في ذلك من قبل الإسلام وبعد الإسلام ولم يأت نهي عن ذلك، وقد جاء الشريعة بجواز بيع الغائب إذا كانت الحاجة ماسة إلى ذلك كبيع المنافع في الإجارة، وكبيع العقار كالبيت ونحوه مع الجهل بأساسه، وهذا نظيرها. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٨/ ١٥٥): «مسألة؛ قال: ولا يجوز بيع القثاء، والخيار، والباذنجان، وما أشبهه، إلَّا لقطة، لقطة. وجملة ذلك؛ أنَّه إذا باع ثمرة شيء من هذه البقول لم يجز إلَّا بيع الموجود منها، دون المعدوم. وبهذا قال أبو حنيفة، والشافعي. وقال مالك: يجوز بيع الجميع؛ لأنَّ ذلك يشق تمييزه، فجعل ما لم يظهر تبعاً لما ظهر، كما أنَّ ما لم يبد صلاحه تبع لما بدا» اهـ. وَقَالَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٨/ ١٥٧): «فصل: ولا يجوز بيع ما المقصود منه مستور في الأرض، كالجزر، والفجل، والبصل، والثوم حتى يقلع، ويشاهد. وهذا قول الشافعي، وابن المنذر، وأصحاب الرأي. وأباحه مالك، والأوزاعي، وإسحاق؛ لأنَّ الحاجة داعية إليه، فأشبه بيع ما لم يبد صلاحه تبعاً لما بدا» اهـ.

стр. 4534

وَقَالَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٨/ ١٥٨): «فصل: ويجوز بيع الجوز واللوز والباقلاء الأخضر في قشرته مقطوعاً، وفي شجره، وبيع الحب المشتد في سنبله، وبيع الطلع قبل تشققه، مقطوعاً على وجه الأرض، وفي شجره. وبهذا قال أبو حنيفة، ومالك. وقال الشافعي: لا يجوز، حتى ينزع عنه قشره الأعلى، إلَّا في الطلع والسنبل» اهـ. قُلْتُ: والصحيح جواز كل ذلك كما سبق. قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢٠/ ٣٤٦): «ومن هذا الباب أنَّ مالكاً يجوز بيع المغيب في الأرض كالجزر واللفت وبيع المقاثي جملة، كما يجوز هو والجمهور بيع الباقلاء ونحوه في قشره. ولا ريب أنَّ هذا هو الذي عليه عمل المسلمين من زمن نبيهم ﷺ وإلى هذا التاريخ ولا تقوم مصلحة الناس بدون هذا وما يظن أنَّ هذا نوع غرر فمثله جائز في غيره من البيوع لأنَّه يسير والحاجة داعية إليه وكل واحد من هذين يبيح ذلك فكيف إذا اجتمعا؟!» اهـ. وَقَالَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢٩/ ٣٦): «والثاني: أنَّه يجوز بيعها مطلقاً كمذهب مالك إلحاقاً لها بلب الجوز. وهذا القول هو قياس أصول أحمد وغيره لوجهين:

стр. 4535

أحدهما: أنَّ أهل الخبرة يستدلون برؤية ورق هذه المدفونات على حقيقتها ويعلمون ذلك أجود مما يعلمون العبد برؤية وجهه. والمرجع في كل شيء إلى الصالحين من أهل الخبرة به وهم يقرون بأنَّهم يعرفون هذه الأشياء كما يعرف غيرها مما اتفق المسلمون على جواز بيعه وأولى. الثاني: أنَّ هذا مما تمس حاجة الناس إلى بيعه؛ فإنَّه إذا لم يبع حتى يقلع حصل على أصحابه ضرر عظيم؛ فإنَّه قد يتعذر عليهم مباشرة القلع والاستنابة فيه. وإن قلعوه جملة فسد بالقلع. فبقاؤه في الأرض كبقاء الجوز واللوز ونحوهما في قشره الأخضر. وأحمد وغيره من فقهاء الحديث يجوزون العرايا مع ما فيها من المزابنة لحاجة المشتري إلى أكل الرطب أو البائع إلى أكل التمر، فحاجة البائع هنا أوكد بكثير. وسنقرر ذلك إن شاء الله تعالى» اهـ. وَقَالَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢٩/ ٤٨٤ - ٤٨٥): «وأمَّا بيع المقاثي كالبطيخ والخيار والقثاء ونحو ذلك: فإنَّه وإن كان من العلماء في مذهب أبي حنيفة والشافعي وأحمد من قال: لا يباع إلَّا لقطة، لقطة جعلا ذلك من باب بيع الثمر قبل بدو صلاحه. والصحيح أنَّه يجوز بيعها بعروقها جملة كما يقول ذلك من يقوله من أصحاب الشافعي وأحمد وهو مذهب مالك وغيره؛ لكن هذا القول له مأخذان:

стр. 4536

أحدهما: أنَّ العروق كأصول الشجر. فبيع الخضراوات بعروقها قبل بدو صلاحها كبيع الشجر بثمره قبل بدو صلاحه يجوز تبعاً. وهذا مأخذ طائفة من أصحاب الشافعي وأحمد وإن كان هذا على خلاف أصوله. والمأخذ الثاني: - وهو الصحيح - أنَّ هذه لم تدخل في نهي النَّبي ﷺ بل تصح مع العقود الذي هو اللقطة الموجودة واللقطة المعدومة إلى أن تيبس المقثاة وإن كانت تلك معدومة لم توجد؛ لأنَّ الحاجة داعية إلى ذلك ولا يمكن بيعها إلَّا كذلك وبيعها لقطة لقطة متعذر أو متعسر لعدم التمييز وكلاهما منتف شرعاً والشريعة استقرت على أنَّ ما يحتاج إلى بيعه يجوز بيعه وإن كان معدوماً كالمنافع وأجر الثمر الذي لم يبد صلاحه مع الأصل والذي بدا صلاحه مطلقاً. وأيضاً فإنَّهم يقولون: هذه معلومة في العرف والعادة كالعلم بالثمار وتلفها بعد ذلك كتلف الثمار بالجائحة وتلف منافع الإجارة من جنسه. وثبت بالنص أنَّ الجوائح توضع بلا محذور في ذلك أصلاً بل المنع من بيع ذلك من الفساد والله لا يحب الفساد، وإن كان بيع ذلك قد يفضي إلى نوع من الفساد فالفساد في تحريم ذلك أعظم فيجب دفع أعظم الفسادين باحتمال أدناهما إذ ذلك قاعدة مستقرة في الشريعة» اهـ. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [إِعْلَامِ الْمُوَقِعِيْنَ] (١/ ٣١١ - ٣١٢):

стр. 4537

«وقالت الحنابلة والشافعية والحنفية: لا يصح بيع المقاثي والمباطخ والباذنجان إلَّا لقطة ولم يجعلوا المعدوم تبعاً للموجود مع شدة الحاجة إلى ذلك وجعلوا المعدوم منزلاً منزلة الموجود في منافع الإجارة للحاجة إلى ذلك وهذا مثله من وجه لأنَّه يستخلف كما تستخلف المنافع وما يقدر من عروض الخطر له فهو مشترك بينه وبين المنافع وقد جوزوا بيع الثمرة إذا بدا الصلاح في واحدة منها ومعلوم أنَّ بقية الأجزاء معدومة فجاز بيعها تبعاً للموجود. فإن فرقوا بأنَّ هذه أجزاء متصلة وتلك أعيان منفصلة فهو فرق فاسد من وجهين: أحدهما: أنَّ هذا لا تأثير له البتة. الثاني: أنَّ الثمرة التي بدا صلاحها ما يخرج أثماراً متعددة كالتوت والتين فهو كالبطيخ والباذنجان من كل وجه فالتفريق خروج عن القياس والمصلحة وإلزام بما لا يقدر عليه إلَّا بأعظم كلفة ومشقة وفيه مفسدة عظيمة يردها القياس فإنَّ اللقطة لا ضابطاً لها فإنَّه يكون في المقثأة الكبار والصغار وبين ذلك فالمشتري يريد استقصاءها والبائع يمنعه من أخذ الصغار فيقع بينهما من التنازع والاختلاف والتشاحن ما لا تأتي به شريعة فأين هذه المفسدة العظيمة التي هي منشأ النزاع التي من تأمل مقاصد الشريعة علم قصد الشارع لإبطالها وإعدامها إلى المفسدة اليسيرة التي في جعل ما لم يوجد تبعاً لما وجد لما فيه من المصلحة وقد اعتبرها الشارع ولم يأت عنه حرف واحد أنَّه نهى عن بيع المعدوم وإنَّما نهى عن بيع الغرر والغرر شيء وهذا شيء ولا يسمى هذا البيع غرراً لا لغة ولا عرفاً ولا شرعاً» اهـ.

стр. 4538

وَقَالَ ﵀ فِي [إِعْلَامِ الْمُوَقِعِيْنَ] (٣/ ٤٠٢ - ٤٠٣): «المثال السادس والستون: يجوز بيع المقاثي والباذنجان ونحوها بعد أن يبدو صلاحها كما تباع الثمار في رؤوس الأشجار ولا يمنع من صحة البيع تلاحق المبيع شيئاً بعد شيء كما لم يمنع ذلك صحة بيع التوت والتين وسائر ما يخرج شيئاً بعد شيء هذا محض القياس وعليه تقوم مصالح بني آدم ولا بد لهم منه ومن منع بيع ذلك إلَّا لقطة، لقطة فمع أنَّ ذلك متعذر في الغالب لا سبيل إليه إذ هو في غاية الحرج والعسر فهو مجهول لا ينضبط ولا ما هي اللقطة المبيعة أهي الكبار أو الصغار أو المتوسط أو بعض ذلك وتكون المقثأة كبيرة جداً لا يمكن أخذ اللقطة الواحدة إلَّا في أيام متعددة فيحدث كل يوم لقطة أخرى تختلط بالمبيع ولا يمكن تميزها منه ولا سبيل إلى الاحتراز من ذلك إلَّا أن يجمع دواب المصر كلها في يوم واحد ومن أمكنه من القطافين ثم يقطع الجميع في يوم واحد ويعرضه للتلف والضياع وحاشا أكمل الشرائع بل غيرها من الشرائع أن تأتى بمثل هذا وإنَّما هذا من الأغلاط الواقعة بالاجتهاد وأين حرم الله ورسوله على الأمة ما هم أحوج الناس إليه ثم أباح لهم نظيره. فإن كان هذا غرراً فبيع الثمار المتلاحقة الأجزاء غرر وإن لم يكن ذلك غرراً فهذا مثله، والصواب أنَّ كليهما ليس غرراً لا لغة ولا عرفاً ولا شرعاً ودعوى أنَّ ذلك غرر دعوى بلا برهان فإن ادعى ذلك على اللغة طولب بالنقل ولن يجد إليه سبيلاً، وإن ادعى ذلك على العرف فالعرف شاهد

стр. 4539

بخلافه وأهل العرف لا يعدون ذلك غرراً وإن ادعاه على الشرع طولب بالدليل الشرعي فإن بلي بمن يقول هكذا في الكتاب وهكذا قالوا فالحيلة في الجواز أن يشتري ذلك بعروقه فإذا استوفى ثمرته تصرف في العروق بما يريد والمانعون يجوزون هذه الحيلة ومن المعلوم أنَّ العروق غير مقصودة وإنَّما المقصود الثمرة فإن امتنع البيع لأجل الغرر لم يزل بملك العروق وهذا في غاية الظهور وبيع ذلك كبيع الثمار وهو قول أهل المدينة واحد الوجهين في مذهب الإمام أحمد واختاره شيخنا» اهـ. وَقَالَ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٥/ ٨٠٨): «والمعدوم ثلاثة أقسام: معدوم موصوف في الذمة، فهذا يجوز بيعه اتفاقاً، وإن كان أبو حنيفة شرط في هذا النوع أن يكون وقت العقد في الوجود من حيث الجملة، وهذا هو السلم، وسيأتي ذكره إن شاء الله تعالى. والثاني: معدوم تبع للموجود، وإن كان أكثر منه وهو نوعان: نوع متفق عليه ونوع مختلف فيه، فالمتفق عليه بيع الثمار بعد بدو صلاح ثمرة واحدة منها، فاتفق الناس على جواز بيع ذلك الصنف الذي بدا صلاح واحدة منه، وإن كانت بقية أجزاء الثمار معدومة وقت العقد، ولكن جاز بيعها للموجود، وقد يكون المعدوم متصلاً بالموجود، وقد يكون أعياناً أخر منفصلة عن الوجود لم تخلق بعد.

стр. 4540

والنوع المختلف فيه كبيع المقاثي والمباطخ إذا طابت، فهذا فيه قولان، أحدهما: أنَّه يجوز بيعها جملة، ويأخذها المشترى شيئاً بعد شيء، كما جرت به العادة، ويجرى مجرى بيع الثمرة بعد بدو صلاحها، وهذا هو الصحيح من القولين الذي استقر عليه عمل الأمة، ولا غنى لهم عنه، ولم يأت بالمنع منه كتاب ولا سنة ولا إجماع، ولا أثر ولا قياس صحيح، وهو مذهب مالك وأهل المدينة، وأحد القولين في مذهب أحمد، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية. والذين قالوا: لا يباع إلَّا لقطة لا ينضبط قولهم شرعاً ولا عرفاً ويتعذر العمل به غالباً، وإن أمكن، ففي غاية العسر، ويؤدى إلى التنازع والاختلاف الشديد، فإنَّ المشترى يريد أخذ الصغار والكبار، ولا سيما إذا كان صغاره أطيب من كباره والبائع لا يؤثر ذلك، وليس في ذلك عرف منضبط، وقد تكون المقثأة كثيرة، فلا يستوعب المشترى اللقطة الظاهرة حتى يحدث فيها لقطة أخرى، ويختلط المبيع بغيره، ويتعذر تمييزه، ويتعذر أو يتعسر على صاحب المقثأة أن يحضر لها كل وقت من يشترى ما تجدد فيها، ويفرده بعقد، وما كان هكذا، فإنَّ الشريعة، لا تأتى به، فهذا غير مقدور ولا مشروع، ولو ألزم الناس به، لفسدت أموالهم وتعطلت مصالحهم ثم إنَّه يتضمن التفريق بين متماثلين من كل الوجوه، فإنَّ بدو الصلاح في المقاثي بمنزلة بدو الصلاح في الثمار، وتلاحق أجزائها كتلاحق أجزاء الثمار،

стр. 4541

وجعل ما لم يخلق منها تبعاً لما خلق في الصورتين واحد، فالتفريق بينهما تفريق بين متماثلين. ولما رأى هؤلاء ما في بيعها لقطة، لقطة من الفساد والتعذر قالوا: طريق رفع ذلك بأن يبيع أصلها معها، ويقال: إذا كان بيعها جملة مفسدة عندكم، وهو بيع معدوم وغرر، فإنَّ هذا لا يرتفع ببيع العروق التي لا قيمة لها، وإن كان لها قيمة، فيسيرة جداً بالنسبة إلى الثمن المبذول، وليس للمشتري قصد في العروق، ولا يدفع فيها الجملة من المال، وما الذي حصل ببيع العروق معها من المصلحة لهما حتى شرط، وإذا لم يكن بيع أصول الثمار شرطاً في صحة بيع الثمرة المتلاحقة كالتين والتوت وهي مقصودة، فكيف يكون بيع أصول المقاثي شرطاً في صحة بيعها وهي غير مقصودة، والمقصود أنَّ هذا المعدوم يجوز بيعه تبعاً للموجود، ولا تأثير للمعدوم، وهذا كالمنافع المعقود عليها في الإجارة، فإنَّها معدومة، وهي مورد العقد، لأنَّها لا يمكن أن تحدث دفعة واحدة، والشرائع مبناها على رعاية مصالح العباد، وعدم الحجر عليهم فيما لا بد لهم منه، ولا تتم مصالحهم في معاشهم إلَّا به. فصل: الثالث: معدوم لا يدرى يحصل أو لا يحصل، ولا ثقة لبائعه بحصوله، بل يكون المشتري منه على خطر، فهذا الذي منع الشارع بيعه لا لكونه معدوماً، بل لكونه غرراً، فمنه صورة النهي التي تضمنها حديث حكيم بن حزام وابن عمر رضي

стр. 4542

الله عنهما، فإنَّ البائع إذا باع ما ليس في ملكه، ولا له قدرة على تسليمه، ليذهب ويحصله، ويسلمه إلى المشتري، كان ذلك شبيهاً بالقمار والمخاطرة من غير حاجة بهما إلى هذا العقد، ولا تتوقف مصلحتهما عليه، وكذلك بيع حبل الحبلة- وهو بيع حمل ما تحمل ناقته-، ولا يختص هذا النهي بحمل الحمل، بل لو باعه ما تحمل ناقته أو بقرته أو أمته، كان من بيوع الجاهلية التي يعتادونها» اهـ. قُلْتُ: وقد أطلنا بذكر كلام شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، وتلميذه العلامة ابن القيم ﵀ في هذه المسألة لأنَّهما حررا القول في هذه المسألة أتم تحرير، وأتيا بنفائس من القول مما لا يستغني الناظر عنه. ٥ - واحتج بالحديث على تحريم بيع الأعمى، لأنَّ المعنى الذي من أجله حرمت المنابذة والملامسة وهي عدم الرؤية للمبيع موجودة في الأعمى. قُلْتُ: والصحيح جواز بيع وشراء الأعمى إذا أمكنه العلم بذلك وذلك عن طريق سائر الحواس غير النظر، كالذوق إذا كان من الطعام، أو بالمس إذا كان مما يعرف بذلك كالثياب مثلاً، أو بالشم إذا كان مما يدرك بذلك كالطيب مثلاً، أو بالسمع إذا كان مما يتميز بصوته، ويدخل في ذلك أيضاً الوصف. والقول بأنَّ بيع المنابذة والملامسة نهي عنهما من أجل عدم الرؤية ليس بصحيح، وإنَّما من أجل الجهالة، فإذا انتفت جاز البيع، وهي قد تنتفي بغير الرؤية كما سبق. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٨/ ٣٨٨):

стр. 4543

«فصل: فأمَّا بيع الأعمى وشراؤه فإن أمكنه معرفة المبيع، بالذوق إن كان مطعوماً، أو بالشم إن كان مشموماً، صح بيعه وشراؤه. وإن لم يمكن، جاز بيعه، كالبصير، وله خيار الخلف في الصفة. وبهذا قال مالك وأبو حنيفة وأثبت أبو حنيفة له الخيار، إلى معرفته بالمبيع، إمَّا بحسه أو ذوقه أو وصفه، وقال عبيد الله بن الحسن شراؤه جائز، وإذا أمر إنساناً بالنظر إليه، لزمه. وقال الشافعي لا يجوز إلَّا على الوجه الذي يجوز فيه بيع المجهول، أو يكون قد رآه بصيراً، ثم اشتراه قبل مضي زمن يتغير المبيع فيه؛ لأنَّه مجهول الصفة عند العاقد، فلم يصح كبيع البيض في الدجاج، والنوى في التمر. ولنا، أنَّه يمكن الاطلاع على المقصود ومعرفته، فأشبه بيع البصير، ولأنَّ إشارة الأخرس تقوم مقام نطقه، فكذلك شم الأعمى وذوقه، وأما البيض والنوى، فلا يمكن الاطلاع عليه، ولا وصفه، بخلاف مسألتنا» اهـ. * * *

стр. 4544

٢٥١ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ قَالَ: «لا تَلَقَّوْا الرُّكْبَانَ، وَلا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ، وَلا تَنَاجَشُوا، وَلا يَبِعْ حَاضِرٌ لِبَادٍ، وَلا تُصَرُّوا الْغَنَمَ، وَمَنْ ابْتَاعَهَا فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ، بَعْدَ أَنْ يَحْلُبَهَا، وَإِنْ رَضِيَهَا أَمْسَكَهَا، وَإِنْ سَخِطَهَا رَدَّهَا وَصَاعاً مِنْ تَمْرٍ». وَفِي لَفْظٍ: «هُوَ بِالْخِيَارِ ثَلاثَاً». وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا: ١ - النهي عن تلقي الركبان. وهم الجالبون للطعام إلى البلد، وذكر الركوب خرج مخرج الغالب فلا مفهوم له، فلو كانوا مشاةً نهي أيضاً عن تلقيهم، والمراد بالنهي عن تلقيهم أي للشراء منهم قبل وصولهم السوق. قُلْتُ: والنهي عن ذلك هو مذهب الجمهور، وخالف في ذلك بعض العلماء. قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِ ﵀ فِي [الْاسْتِذْكَارِ] (٦/ ٤٧٥): «وقال أبو حنيفة وأصحابه: إذا كان التلقي في أرض لا يضر بأهلها فلا بأس به وإن كان يضر بأهلها فهو مكروه. وقال الأوزاعي: إذا كان الناس من ذلك شباعاً فلا بأس به وإن كانوا محتاجين فلا يقربوا السلع حتى يهبط بها إلى الأسواق» اهـ.

стр. 4545

قُلْتُ: وليس في الحديث بيان متى ينتهي النهي عن التلقي، والظاهر أنَّه ينتهي عند زوال العلة التي من أجلها نهي عن التلقي، وذلك بدخول السوق إذا وجد في البلد، أو دخول البلد إذا لم يكن في البلد سوق. وقد روى البخاري (٢١٦٥) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄، أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ ، قَالَ: «لَا يَبِيعُ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ، وَلَا تَلَقَّوْا السِّلَعَ حَتَّى يُهْبَطَ بِهَا إِلَى السُّوقِ». قُلْتُ: وليس في الحديث ذكر مبدأ التلقي المنهي عنه، والمعنى يقتضي النهي عن ذلك مطلقاً يشمل ما قرب، وما بعد حتى يصلوا إلى الموضع الذي أرادوا البيع فيه في البلد، كالسوق ونحوه. وتنازع العلماء في سبب النهي هل المراد به نفع أصحاب السلع، أم نفع أهل السوق؟. فذهب الشافعي، وأبو حنيفة، إلى الأول، وذهب مالك إلى الآخر. والذي يظهر لي أنَّ النهي من أجل أصحاب السلع، ويدل على ذلك إثبات الخيار لهم إذا أتوا السوق، وذلك فيما رواه مسلم (١٥١٩) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، يَقُولُ: أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ قَالَ: «لَا تَلَقَّوْا الْجَلَبَ، فَمَنْ تَلَقَّاهُ فَاشْتَرَى مِنْهُ، فَإِذَا أَتَى سَيِّدُهُ السُّوقَ، فَهُوَ بِالْخِيَارِ». قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٨/ ٤٠٤):

стр. 4546

«وجعل النَّبي ﷺ الخيار له يدل على أنَّ النهي عن تلقي الركبان لحقه، لا لحق غيره» اهـ. قُلْتُ: وبناءً على هذا فلو كان أصحاب السلع عالمين بسعر السوق في البلد فلا بأس بتلقيهم لانتفاء المحذور. والله أعلم. ٢ - وظاهر النهي عن التلقي أنَّه في حق المتعمد، أمَّا غير المتعمد فلا ذكر له والمعنى يقتضي التسوية بينهما، لما في ذلك من الإضرار بهم إذا اشترى منهم. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٨/ ٤٠٧): «فصل: فإن خرج لغير قصد التلقي، فلقي ركباً، فقال القاضي: ليس له الابتياع منهم، ولا الشراء. وهذا أحد الوجهين لأصحاب الشافعي. ويحتمل أن لا يحرم عليه ذلك. وهو قول الليث بن سعد. والوجه الثاني لأصحاب الشافعي؛ لأنَّه لم يقصد التلقي، فلم يتناوله النهي ووجه الأول، أنَّه إنَّما نهى عن التلقي دفعاً للخديعة والغبن عنهم، وهذا متحقق، سواء قصد التلقي، أو لم يقصده، فوجب المنع منه، كما لو قصد» اهـ. قُلْتُ: وهذا هو الراجح. والله أعلم. ٣ - ومفهومه أنَّه إذا لم يحصل التلقي، وإنَّما ابتدأ الجالب بطلب البيع أنَّه يجوز ذلك.

стр. 4547

٤ - وظاهر النهي يقتضي فساد هذا البيع الذي حصل فيه التلقي، وهي رواية عن أحمد، والأكثر على الصحة، وهو الصحيح لإثبات النَّبي ﷺ الخيار لأصحاب السلع، وإثبات الخيار فرع عن صحة البيع. ٥ - واحتج به على شمول النهي أيضاً لمن تلقاهم من أجل أن يبيع لهم، ولما في ذلك من الغبن لهم. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٨/ ٤٠٦): «فصل: فإن تلقى الركبان، فباعهم شيئاً، فهو بمنزلة الشراء منهم، ولهم الخيار إذا غبنهم غبناً يخرج عن العادة. وهذا أحد الوجهين لأصحاب الشافعي. وقالوا في الآخر: النهي عن الشراء دون البيع، فلا يدخل البيع فيه. وهذا مقتضى قول أصحاب مالك؛ لأنَّهم عللوا ذلك بما ذكرنا عنهم، ولا يتحقق ذلك في البيع لهم. ولنا، قول النبي ﷺ : "لا تلقوا الركبان". والبائع داخل في هذا. ولأنَّ النهي عنه لما فيه من خديعتهم وغبنهم، وهذا في البيع كهو في الشراء، والحديث قد جاء مطلقاً، ولو كان مختصاً بالشراء لألحق به ما في معناه، وهذا في معناه» اهـ. قُلْتُ: هذا كلام سديد. والله أعلم.

стр. 4548

٦ - وظاهر النهي عن تلقي الركبان يشمل من تلقاهم من أجل القوت أو التجارة وحكى ابن حزم عن مالك أنَّه لا يجوز فعله للتجارة ولا بأس به لابتياع القوت من الطعام والأضحية. لكن قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِ ﵀ فِي [التَّمْهِيْدِ] (١٣/ ٣١٩): «وقال ابن وهب سمعنا مالكاً وسئل عن الرجل يخرج في الأضحى إلى مثل الإسطبل وهو نحو من ميل يشتري ضحايا وهو موضع فيه الغنم والناس يخرجون إليهم يشترون منهم هناك فقال مالك لا يعجبني ذلك وقد نهى عن تلقي السلع فلا أرى أن يشتري شيء منها حتى يهبط بها إلى الأسواق قال مالك والضحايا أفضل ما احتيط فيه لأنَّها نسك يتقرب به إلى الله تعالى فلا أرى ذلك» اهـ. ٧ - نهي المسلم أن يبيع على بيع أخيه. ولا يجوز ذلك أيضاً في السوم كما يدل عليه حديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ التَّلَقِّي، وَأَنْ يَبْتَاعَ المُهَاجِرُ لِلْأَعْرَابِيِّ، وَأَنْ تَشْتَرِطَ المَرْأَةُ طَلَاقَ أُخْتِهَا، وَأَنْ يَسْتَامَ الرَّجُلُ عَلَى سَوْمِ أَخِيهِ، وَنَهَى عَنِ النَّجْشِ، وَعَنِ التَّصْرِيَةِ». رواه البخاري (٢٧٢٧)، ومسلم (١٤١٣). وروى مسلم (١٤٠٨) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا يَخْطُبُ الرَّجُلُ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ، وَلَا يَسُومُ عَلَى سَوْمِ أَخِيهِ، وَلَا تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ عَلَى

стр. 4549

عَمَّتِهَا وَلَا عَلَى خَالَتِهَا، وَلَا تَسْأَلُ الْمَرْأَةُ طَلَاقَ أُخْتِهَا لِتَكْتَفِئَ صَحْفَتَهَا وَلْتَنْكِحْ، فَإِنَّمَا لَهَا مَا كَتَبَ اللهُ لَهَا». قُلْتُ: وإنَّما ينهى عنه في السوم إذا حصل الرضا من جهة البائع تصريحاً أو تلميحاً، وأمَّا إذا لم يحصل الرضا فلا محذور في ذلك. وإذا لم يعلم الرضا ولا عدمه فَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٨/ ٣٩٥): «الثالث، أن لا يوجد منه ما يدل على الرضا ولا على عدمه، فلا يجوز له السوم أيضاً، ولا الزيادة؛ استدلالاً بحديث فاطمة بنت قيس، حين ذكرت للنَّبي ﷺ أنَّ معاوية وأبا جهم خطباها، فأمرها أن تنكح أسامة وقد نهى عن الخطبة على خطبة أخيه، كما نهى عن السوم على سوم أخيه، فما أبيح في أحدهما أبيح في الآخر» اهـ. قُلْتُ: حديث فاطمة بنت قيس رواه مسلم (١٤٨٠) عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ، أَنَّ أَبَا عَمْرِو بْنَ حَفْصٍ طَلَّقَهَا الْبَتَّةَ، وَهُوَ غَائِبٌ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا وَكِيلُهُ بِشَعِيرٍ، فَسَخِطَتْهُ، فَقَالَ: وَاللهِ مَا لَكِ عَلَيْنَا مِنْ شَيْءٍ، فَجَاءَتْ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ: «لَيْسَ لَكِ عَلَيْهِ نَفَقَةٌ»، فَأَمَرَهَا أَنْ تَعْتَدَّ فِي بَيْتِ أُمِّ شَرِيكٍ، ثُمَّ قَالَ: «تِلْكِ امْرَأَةٌ يَغْشَاهَا أَصْحَابِي، اعْتَدِّي عِنْدَ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ، فَإِنَّهُ رَجُلٌ أَعْمَى تَضَعِينَ ثِيَابَكِ، فَإِذَا حَلَلْتِ فَآذِنِينِي»، قَالَتْ: فَلَمَّا حَلَلْتُ ذَكَرْتُ لَهُ أَنَّ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ، وَأَبَا جَهْمٍ خَطَبَانِي، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «أَمَّا أَبُو جَهْمٍ، فَلَا يَضَعُ عَصَاهُ عَنْ عَاتِقِهِ، وَأَمَّا مُعَاوِيَةُ فَصُعْلُوكٌ لَا مَالَ لَهُ، انْكِحِي أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ» فَكَرِهْتُهُ، ثُمَّ قَالَ: «انْكِحِي

стр. 4550

أُسَامَةَ»، فَنَكَحْتُهُ، فَجَعَلَ اللهُ فِيهِ خَيْرًا، وَاغْتَبَطْتُ بِهِ. ٨ - ويدخل في ذلك الشراء على شراء أخيه، فإنَّ الشراء داخل في مسمى البيع. قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٥/ ٢٩٨): «أمَّا البيع على بيع أخيه فمثاله أن يقول لمن اشترى شيئاً في مدة الخيار: افسخ هذا البيع وأنا أبيعك مثله بأرخص من ثمنه أو أجود منه بثمنه. ونحو ذلك، وهذا حرام. يحرم أيضاً الشراء على شراء أخيه وهو أن يقول للبائع في مدة الخيار: افسخ هذا البيع وأنا أشتريه منك بأكثر من هذا الثمن ونحو هذا» اهـ. قُلْتُ: وتدخل أيضاً الإجارة في ذلك لأنَّها من جملة البيع فهي بيع للمنافع. ٩ - وظاهر النهي اختصاصه بالمسلم دون الكافر. وأصرح منها ما رواه مسلم (١٤١٣، ١٥١٥) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ ، قَالَ: «لَا يَسُمِ الْمُسْلِمُ عَلَى سَوْمِ أَخِيهِ، وَلَا يَخْطُبْ عَلَى خِطْبَتِهِ». وبه قال الأوزاعي ورواية عن أحمد، وذهب الجمهور إلى تحريم ذلك مطلقاً، وقالوا ذكر الأخ ونظيره المسلم خرج مخرج الغالب، فلا مفهوم له. قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِ ﵀ فِي [التَّمْهِيْدِ] (١٣/ ٣١٩):

стр. 4551

«وقال سائر العلماء لا يجوز ذلك والحجة لهم أنَّه كما دخل الذمي في النهي عن النجش وفي ربح ما لم يضمن ونحوه كذلك يدخل في هذا، وقد يقال هذا طريق المسلمين ولا يمنع ذلك أن يدخل فيه ويسلكه أهل الذمة. وقد أجمعوا على كراهية سوم الذمي على الذمي فدل على أنَّهم مرادون والله أعلم» اهـ. وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ فِي [جَامِعِ الْعُلُوْمِ] (١/ ٣٣١): «وهذا يدل على أنَّ هذا حق للمسلم على المسلم، فلا يساويه الكافر في ذلك، بل يجوز للمسلم أن يبتاع على بيع الكافر، ويخطب على خطبته، وهو قول الأوزاعي وأحمد، كما لا يثبت للكافر على المسلم حق الشفعة عنده، وكثير من الفقهاء ذهبوا إلى أنَّ النهي عام في حق المسلم والكافر» اهـ. قُلْتُ: ويقوى المنع في حق الذمي والمعاهد ما في ذلك من الأذية والظلم وذلك مما لا يجوز فعله في حق الذمي والمعاهد. والله أعلم. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ عُثَيْمِيْنَ ﵀ فِي [الشَّرْحُ الْمُمْتِعِ] (٨/ ٢٠١ - ٢٠٢): «والقول الثاني في المسألة: أنَّه يحرم البيع على بيع المعصوم، سواء كان مسلماً أو كافراً أو ذميّاً؛ لأنَّ العدوان على الكافر الذمي حرام لا يحل؛ إذ أنَّه معصوم الدم والعِرض والمال، وتقييد النبي ﷺ ذلك بالأخ بناءً على الأغلب، أو من أجل العطف على أخيك، وعدم التعرض له، وهذا القول أقرب للعدل» اهـ. ١٠ - وظاهر النهي تحريم بيع المسلم على بيع أخيه، وهو الصحيح.

стр. 4552

قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ فِي [جَامِعِ الْعُلُوْمِ] (١/ ٣٣١): «واختلفوا: هل النهي للتحريم، أو للتنزيه، فمن أصحابنا من قال: هو للتنزيه دون التحريم، والصحيح الذي عليه جمهور العلماء: أنَّه للتحريم» اهـ. ١١ - وظاهر النهي عن البيع والشراء على بيع أخيه وشراه أنَّه غير مختص بزمن الخيار. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ دَقِيْقِ الْعِيْدِ ﵀ فِي [إِحْكَامِ الْأَحْكَامِ] (٣٤٨): «وهاتان الصورتان إنَّما تتصوران فيما إذا كان البيع في حالة الجواز وقبل اللزوم» اهـ. وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ فِي [جَامِعِ الْعُلُوْمِ] (١/ ٣٣٢): «ومعنى البيع على بيع أخيه: أن يكون قد باع منه شيئاً، فيبذل للمشتري سلعته ليشتريها، ويفسخ بيع الأول. وهل يختص ذلك بما إذا كان البذل في مدة الخيار، بحيث يتمكن المشتري من الفسخ فيه، أم هو عام في مدة الخيار وبعدها؟ فيه اختلاف بين العلماء، قد حكاه الإمام أحمد في رواية حرب، ومال إلى القول بأنَّه عام في الحالين، وهو قول طائفة من أصحابنا. ومنهم من خصه بما إذا كان ذلك في مدة الخيار، وهو ظاهر كلام أحمد في رواية ابن مشيش، ومنصوص الشافعي، والأول أظهر، لأنَّ المشتري وإن لم يتمكن من الفسخ بنفسه بعد انقضاء مدة الخيار فإنَّه إذا رغب في رد السلعة الأولى على بائعها، فإنَّه يتسبب في ردها عليه

стр. 4553

بأنواع من الطرق المقتضية لضرره، ولو بالإلحاح عليه في المسألة، وما أدى إلى ضرر المسلم، كان محرماً، والله أعلم» اهـ. ١٢ - وظاهر النهي عن بيع الشخص على بيع أخيه فساد هذا البيع، وصححه الشافعي وأبو حنيفة. قَالَ أَبُو زُرْعَةَ ابْنُ الْحَافِظِ الْعِرَاقِيِّ ﵀ فِي [طَرْحِ الْتَثْرِيْبِ] (٦/ ٢٥٤): «لو ارتكب المنهي في هذا وعقد فهو آثم بذلك والبيع صحيح لعدم اختلال الأركان والشروط والنهي عن سبب ذلك لأذى غيره ولا يرجع ذلك إلى العقد وبذلك قال الشافعي وأبو حنيفة والجمهور وقال داود وابن حزم الظاهريان: لا ينعقد؛ وعن مالك روايتان كالمذهبين وجزم ابن خويز منداد وابن عبد البر عن مالك بالبطلان. وأنكر ابن الماجشون أن يكون مالك قاله في البيع. وقال: إنَّما قاله في الخطبة وهما وجهان عند الحنابلة» اهـ. قُلْتُ: ظاهر النهي فساد ذلك. والله أعلم. ١٣ - واحتج به من منع من البيع فيمن يزيد. قَالَ أَبُو زُرْعَةَ ابْنُ الْحَافِظِ الْعِرَاقِيِّ ﵀ فِي [طَرْحِ الْتَثْرِيْبِ] (٦/ ٢٥٤): «وأمَّا السوم في السلعة التي تباع فيمن يزيد فليس بحرام. وقال مالك والشافعي والجمهور بجواز البيع والشراء فيمن يزيد وكرهه بعض السلف ونقل ابن عبد البر الإجماع على الجواز» اهـ.

стр. 4554

وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٨/ ٣٩٥): «وهذا أيضاً إجماع المسلمين، يبيعون في أسواقهم بالمزايدة» اهـ. وروى ابن الجارود في [الْمُنْتَقَى] (٥٧٠)، والدارقطني في [سُنَنِهِ] (٢٨٢٧)، والبيهقي في [الْكُبْرَى] (١٠٦٦٩) مِنْ طَرِيْقِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكِيمِ، حَدَّثَنِي ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عُمَرُ بْنُ مَالِكٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، قَالَ: سَمِعْتُ رَجُلًا يُقَالُ لَهُ شَهْرٌ كَانَ تَاجِرًا وَهُوَ يَسْأَلُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ عَنْ بَيْعِ الْمُزَايَدَةِ، فَقَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَبِيعَ أَحَدُكُمْ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ حَتَّى يَذَرَ إِلَّا الْغَنَائِمَ وَالْمَوَارِيثَ». قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ، وعمر بن مالك وثقه أحمد بن صالح المصري. قُلْتُ: وهو في مسند أحمد (٥٣٩٨) مِنْ طَرِيْقِ الحسن بن موسى الأشيب عن ابن لهيعة عن عبيد الله بن أبي جعفر به. ورواه الدارقطني (٢٨٢٦) ثنا أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ إِمْلَاءً مِنْ حِفْظِهِ، نا كَامِلُ بْنُ طَلْحَةَ أَبُو يَحْيَى، نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ لَهِيعَةَ، نا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ بَيْعِ الْمُزَايَدَةِ وَلَا يَبِعْ أَحَدُكُمْ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ إِلَّا الْغَنَائِمَ وَالْمَوَارِيثَ».

стр. 4555

قُلْتُ: هذا الحديث صريح في نهي النبي ﷺ عن بيع المزايدة، لكن المحفوظ في الحديث هو ما روى الحسن بن موسى الأشيب عن ابن لهيعة. وكما روى ذلك أيضاً عمر بن مالك عن عبيد الله بن أبي جعفر. قَالَ أَبُو زُرْعَةَ ابْنُ الْحَافِظِ الْعِرَاقِيِّ ﵀ فِي [طَرْحِ الْتَثْرِيْبِ] (٦/ ٣٢٥): «رواية الدارقطني استثناء الغنائم والمواريث ومقتضاها جواز البيع على البيع فيهما خاصة، وحكى الترمذي في "جامعه" عن أهل العلم أنَّهم لم يروا بأساً ببيع من يزيد في الغنائم والمواريث، وقال القاضي أبو بكر بن العربي: الباب واحد والمعنى مشترك لا يختص به غنيمة ولا ميراث. وقال والدي ﵀ في شرح الترمذي، وإنَّما قيد ذلك بالغنيمة والميراث تبعاً للحديث الوارد في ذلك فأورد هذا الحديث ثم قال: والظاهر أنَّ الحديث خرج على الغالب وعلى ما كانوا يعتادون البيع فيه مزايدة وهي الغنائم والمواريث فإن وقع البيع في غيرهما مزايدة فالمعنى واحد كما قال ابن العربي والله أعلم. قُلْتُ: وقد يكون الميراث لواحد أو لجماعة ويتفقون على بيعه لشخص بثمن معين من غير طلب زيادة فلا تجوز الزيادة حينئذ وكذلك في الغنيمة فظهر أنَّ هذا الاستثناء لا يصح التمسك به في جميع الصور لا عكساً ولا طرداً، وإنَّما خرج على الغالب كما تقدم والله أعلم» اهـ. وَقَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٤/ ٣٥٤):
следующие страницы →