Полный текст (8 095 стр.). Показаны 4551–4590 · переход к 4556.
стр. 4551
«وقال سائر العلماء لا يجوز ذلك والحجة لهم أنَّه كما دخل الذمي في النهي عن النجش وفي ربح ما لم يضمن ونحوه كذلك يدخل في هذا، وقد يقال هذا طريق المسلمين ولا يمنع ذلك أن يدخل فيه ويسلكه أهل الذمة. وقد أجمعوا على كراهية سوم الذمي على الذمي فدل على أنَّهم مرادون والله أعلم» اهـ.
وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ فِي [جَامِعِ الْعُلُوْمِ] (١/ ٣٣١):
«وهذا يدل على أنَّ هذا حق للمسلم على المسلم، فلا يساويه الكافر في ذلك، بل يجوز للمسلم أن يبتاع على بيع الكافر، ويخطب على خطبته، وهو قول الأوزاعي وأحمد، كما لا يثبت للكافر على المسلم حق الشفعة عنده، وكثير من الفقهاء ذهبوا إلى أنَّ النهي عام في حق المسلم والكافر» اهـ.
قُلْتُ: ويقوى المنع في حق الذمي والمعاهد ما في ذلك من الأذية والظلم وذلك مما لا يجوز فعله في حق الذمي والمعاهد. والله أعلم.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ عُثَيْمِيْنَ ﵀ فِي [الشَّرْحُ الْمُمْتِعِ] (٨/ ٢٠١ - ٢٠٢):
«والقول الثاني في المسألة: أنَّه يحرم البيع على بيع المعصوم، سواء كان مسلماً أو كافراً أو ذميّاً؛ لأنَّ العدوان على الكافر الذمي حرام لا يحل؛ إذ أنَّه معصوم الدم والعِرض والمال، وتقييد النبي ﷺ ذلك بالأخ بناءً على الأغلب، أو من أجل العطف على أخيك، وعدم التعرض له، وهذا القول أقرب للعدل» اهـ.
١٠ - وظاهر النهي تحريم بيع المسلم على بيع أخيه، وهو الصحيح.
стр. 4552
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ فِي [جَامِعِ الْعُلُوْمِ] (١/ ٣٣١):
«واختلفوا: هل النهي للتحريم، أو للتنزيه، فمن أصحابنا من قال: هو للتنزيه دون التحريم، والصحيح الذي عليه جمهور العلماء: أنَّه للتحريم» اهـ.
١١ - وظاهر النهي عن البيع والشراء على بيع أخيه وشراه أنَّه غير مختص بزمن الخيار.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ دَقِيْقِ الْعِيْدِ ﵀ فِي [إِحْكَامِ الْأَحْكَامِ] (٣٤٨):
«وهاتان الصورتان إنَّما تتصوران فيما إذا كان البيع في حالة الجواز وقبل اللزوم» اهـ.
وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ فِي [جَامِعِ الْعُلُوْمِ] (١/ ٣٣٢):
«ومعنى البيع على بيع أخيه: أن يكون قد باع منه شيئاً، فيبذل للمشتري سلعته ليشتريها، ويفسخ بيع الأول. وهل يختص ذلك بما إذا كان البذل في مدة الخيار، بحيث يتمكن المشتري من الفسخ فيه، أم هو عام في مدة الخيار وبعدها؟ فيه اختلاف بين العلماء، قد حكاه الإمام أحمد في رواية حرب، ومال إلى القول بأنَّه عام في الحالين، وهو قول طائفة من أصحابنا. ومنهم من خصه بما إذا كان ذلك في مدة الخيار، وهو ظاهر كلام أحمد في رواية ابن مشيش، ومنصوص الشافعي، والأول أظهر، لأنَّ المشتري وإن لم يتمكن من الفسخ بنفسه بعد انقضاء مدة الخيار فإنَّه إذا رغب في رد السلعة الأولى على بائعها، فإنَّه يتسبب في ردها عليه
стр. 4553
بأنواع من الطرق المقتضية لضرره، ولو بالإلحاح عليه في المسألة، وما أدى إلى ضرر المسلم، كان محرماً، والله أعلم» اهـ.
١٢ - وظاهر النهي عن بيع الشخص على بيع أخيه فساد هذا البيع، وصححه الشافعي وأبو حنيفة.
قَالَ أَبُو زُرْعَةَ ابْنُ الْحَافِظِ الْعِرَاقِيِّ ﵀ فِي [طَرْحِ الْتَثْرِيْبِ] (٦/ ٢٥٤):
«لو ارتكب المنهي في هذا وعقد فهو آثم بذلك والبيع صحيح لعدم اختلال الأركان والشروط والنهي عن سبب ذلك لأذى غيره ولا يرجع ذلك إلى العقد وبذلك قال الشافعي وأبو حنيفة والجمهور وقال داود وابن حزم الظاهريان: لا ينعقد؛ وعن مالك روايتان كالمذهبين وجزم ابن خويز منداد وابن عبد البر عن مالك بالبطلان.
وأنكر ابن الماجشون أن يكون مالك قاله في البيع. وقال: إنَّما قاله في الخطبة وهما وجهان عند الحنابلة» اهـ.
قُلْتُ: ظاهر النهي فساد ذلك. والله أعلم.
١٣ - واحتج به من منع من البيع فيمن يزيد.
قَالَ أَبُو زُرْعَةَ ابْنُ الْحَافِظِ الْعِرَاقِيِّ ﵀ فِي [طَرْحِ الْتَثْرِيْبِ] (٦/ ٢٥٤):
«وأمَّا السوم في السلعة التي تباع فيمن يزيد فليس بحرام.
وقال مالك والشافعي والجمهور بجواز البيع والشراء فيمن يزيد وكرهه بعض السلف ونقل ابن عبد البر الإجماع على الجواز» اهـ.
стр. 4554
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٨/ ٣٩٥): «وهذا أيضاً إجماع المسلمين، يبيعون في أسواقهم بالمزايدة» اهـ.
وروى ابن الجارود في [الْمُنْتَقَى] (٥٧٠)، والدارقطني في [سُنَنِهِ] (٢٨٢٧)، والبيهقي في [الْكُبْرَى] (١٠٦٦٩) مِنْ طَرِيْقِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكِيمِ، حَدَّثَنِي ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عُمَرُ بْنُ مَالِكٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، قَالَ: سَمِعْتُ رَجُلًا يُقَالُ لَهُ شَهْرٌ كَانَ تَاجِرًا وَهُوَ يَسْأَلُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ عَنْ بَيْعِ الْمُزَايَدَةِ، فَقَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَبِيعَ أَحَدُكُمْ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ حَتَّى يَذَرَ إِلَّا الْغَنَائِمَ وَالْمَوَارِيثَ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ، وعمر بن مالك وثقه أحمد بن صالح المصري.
قُلْتُ: وهو في مسند أحمد (٥٣٩٨) مِنْ طَرِيْقِ الحسن بن موسى الأشيب عن ابن لهيعة عن عبيد الله بن أبي جعفر به.
ورواه الدارقطني (٢٨٢٦) ثنا أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ إِمْلَاءً مِنْ حِفْظِهِ، نا كَامِلُ بْنُ طَلْحَةَ أَبُو يَحْيَى، نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ لَهِيعَةَ، نا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ بَيْعِ الْمُزَايَدَةِ وَلَا يَبِعْ أَحَدُكُمْ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ إِلَّا الْغَنَائِمَ وَالْمَوَارِيثَ».
стр. 4555
قُلْتُ: هذا الحديث صريح في نهي النبي ﷺ عن بيع المزايدة، لكن المحفوظ في الحديث هو ما روى الحسن بن موسى الأشيب عن ابن لهيعة. وكما روى ذلك أيضاً عمر بن مالك عن عبيد الله بن أبي جعفر.
قَالَ أَبُو زُرْعَةَ ابْنُ الْحَافِظِ الْعِرَاقِيِّ ﵀ فِي [طَرْحِ الْتَثْرِيْبِ] (٦/ ٣٢٥):
«رواية الدارقطني استثناء الغنائم والمواريث ومقتضاها جواز البيع على البيع فيهما خاصة، وحكى الترمذي في "جامعه" عن أهل العلم أنَّهم لم يروا بأساً ببيع من يزيد في الغنائم والمواريث، وقال القاضي أبو بكر بن العربي: الباب واحد والمعنى مشترك لا يختص به غنيمة ولا ميراث.
وقال والدي ﵀ في شرح الترمذي، وإنَّما قيد ذلك بالغنيمة والميراث تبعاً للحديث الوارد في ذلك فأورد هذا الحديث ثم قال: والظاهر أنَّ الحديث خرج على الغالب وعلى ما كانوا يعتادون البيع فيه مزايدة وهي الغنائم والمواريث فإن وقع البيع في غيرهما مزايدة فالمعنى واحد كما قال ابن العربي والله أعلم.
قُلْتُ: وقد يكون الميراث لواحد أو لجماعة ويتفقون على بيعه لشخص بثمن معين من غير طلب زيادة فلا تجوز الزيادة حينئذ وكذلك في الغنيمة فظهر أنَّ هذا الاستثناء لا يصح التمسك به في جميع الصور لا عكساً ولا طرداً، وإنَّما خرج على الغالب كما تقدم والله أعلم» اهـ.
وَقَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٤/ ٣٥٤):
стр. 4556
«وكأنَّه خرج على الغالب فيما يعتاد فيه البيع مزايدة وهي الغنائم والمواريث ويلتحق بهما غيرهما للاشتراك في الحكم وقد أخذ بظاهره الأوزاعي وإسحاق فخصا الجواز ببيع المغانم والمواريث وعن إبراهيم النخعي أنَّه كره بيع من يزيد» اهـ.
قُلْتُ: الذي يظهر لي صواب ما ذكره هؤلاء العلماء من كون الاستثناء خرج مخرج الغالب إذ لا معنى يقتضي تخصيص ما ذكر في الحكم دون غيره.
وحديث ابن عمر هذا يدل على أنَّه يرى أنَّ بيع المزايدة داخل في بيع الرجل على بيع أخيه لكنه مستثنى من النهي.
وجاء في البيع فيمن يزيد حديث لا يثبت، وهو ما رواه أحمد (١٢١٥٥)، وأبو داود (١٦٤١)، والترمذي (١٢١٨)، وابن ماجة (٢١٩٨) مِنْ طَرِيْقِ الْأَخْضَرِ بْنِ عَجْلَانَ، حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرٍ الْحَنَفِيُّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَشَكَا إِلَيْهِ الْحَاجَةَ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : «مَا عِنْدَكَ شَيْءٌ؟» فَأَتَاهُ بِحِلْسٍ وَقَدَحٍ، وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «مَنْ يَشْتَرِي هَذَا؟» فَقَالَ رَجُلٌ: أَنَا آخُذُهُمَا بِدِرْهَمٍ، قَالَ: «مَنْ يَزِيدُ عَلَى دِرْهَمٍ؟» فَسَكَتَ الْقَوْمُ، فَقَالَ: «مَنْ يَزِيدُ عَلَى دِرْهَمٍ؟» فَقَالَ رَجُلٌ: أَنَا آخُذُهُمَا بِدِرْهَمَيْنِ. قَالَ: «هُمَا لَكَ» ثُمَّ قَالَ: «إِنَّ الْمَسْأَلَةَ لَا تَحِلُّ إِلَّا لِأَحَدِ ثَلَاثٍ: ذِي دَمٍ مُوجِعٍ، أَوْ غُرْمٍ مُفْظِعٍ، أَوْ فَقْرٍ مُدْقِعٍ».
стр. 4557
قُلْتُ: فيه أبو بكر الحنفي قال البخاري: لا يصح حديثه، وقال ابن القطان الفاسي: عدالته لم تثبت، فحاله مجهولة.
١٤ - وفيه النهي عن التناجش، والتناجش أصله في اللغة الاستثارة والاستخراج، وسمي الصائد ناجشاً لأنَّه يستثير الصيد، وقيل: أصل النجش المدح والإطراء.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِي ﵀ فِي [الْمُفْهِم] (١٤/ ١٩):
«وقوله: "ولا تناجشوا"؛ أصل النجش: الاستثارة والاستخراج. ومنه سُمي الصَّائد: ناجشًا لاستخراجه الصيد من مكانه. والمرادُ به في الحديث: النهي عن أن يزيد في ثمن السلعة ليغرَّ غيره، وكأنَّه استخرج منه في ثمن السلعة ما لا يريد أن يخرجه. فإذا وقع؛ فمن رآه لحق الله تعالى فسخ. ومن رآه لحق المشتري خيره، فإمَّا رضي، وإمَّا فسخ.
قال أبو عبيد الهروي: قال أبو بكر: أصل النَّجش: مدح الشيء وإطراؤه. فالنَّاجش يغرُّ المشتري بمدحه ليزيد في الثمن.
والمراد به شرعاً أن يزيد في السلعة وهو لا يريد شراءها ليقع غيره فيها، وفيه مناسبة مع المعنى اللغوي، وذلك أنَّه يثير الغير في السلعة عند رفعه لثمنها» اهـ.
فائدة/ قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٤/ ٣٥٣):
«وقوله هنا: "ولا تناجشوا". ذكره بصيغة التفاعل لأنَّ التاجر إذا فعل لصاحبه ذلك كان بصدد أن يفعل له مثله» اهـ.
١٥ - واستدل به على فساد البيع الذي يحصل فيه النجش.
стр. 4558
قُلْتُ: لا يظهر لي صحة القول بفساد البيع الذي حصل فيه النجش، والذي يظهر لي هو صحة البيع مع ثبوت الخيار للمشتري إن حصل الغبن الفاحش كالتصرية وتلقي الركبان.
وغاية ما في الحديث النهي عن النجش في البيع، لا عن البيع الذي حصل فيه النجش، ولو كان النهي وارداً في هذا لحكمنا بفساده؛ لأنَّ الأصل في النهي الفساد، لكنه لم يرد في هذا.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِ ﵀ فِي [الْاسْتِذْكَارِ] (٦/ ٤٧٧ - ٤٧٨):
«وأجمعوا أنَّ فاعل ذلك عاص بفعله. واختلفوا في البيع على هذا إذا صح.
فقال مالك: لا يجوز النجش في البيع فمن اشترى سلعة منجوشة فهو بالخيار إذا علم وهو عيب من العيوب.
قال أبو عمر: الحجة في هذا لمالك ومن تابعه أنَّ النَّبي نهى عن التصرية والتحصيل في الشاة والبقرة والناقة ثم جعل المشتري بالخيار إذا علم بأنَّها كانت محفلة ولم يقض بفساد البيع.
ومعلوم أنَّ التصرية غش وخديعة فكذلك النجش يصح فيه البيع ويكون المبتاع بالخيار من أجل ذلك قياساً ونظراً والله أعلم.
стр. 4559
وقال الشافعي وأبو حنيفة وأصحابهما: بيع النجش مكروه والبيع لازم ولا خيار للمبتاع في ذلك لأنَّه ليس بعيب في نفس المبيع وإنَّما هي خديعة في الثمن وقد كان على المشتري أن يتحفظ ويحضر من يميز إن لم يكن يميز.
وقالت طائفة من أهل الحديث وأهل الظاهر: البيع في النجش مفسوخ مردود على بائعه لأنَّه طابق النهي ففسد.
وقال ابن حبيب: من فعل ذلك جاهلاً أو مختاراً فسد البيع إن أدرك قبل أن يفوت إلَّا أن يحب المشتري التمسك بالسلعة بذلك الثمن فإن فاتت في يده كانت عليه بالقيمة، هذا إذا كان البائع هو الناجش ولو كان بأمره وإذنه أو بسببه وإن لم يكن شيء من ذلك وكان أجنبياً لا يعرف فلا شيء على البائع وأمَّا البيع فهو صحيح» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٨/ ٣٩١):
«فإن اشترى مع النجش، فالشراء صحيح، في قول أكثر أهل العلم، منهم الشافعي وأصحاب الرأي وعن أحمد أنَّ البيع باطل. اختاره أبو بكر وهو قول مالك؛ لأنَّ النهي يقتضي الفساد.
ولنا، أنَّ النهي عاد إلى الناجش، لا إلى العاقد، فلم يؤثر في البيع.
ولأنَّ النهي لحق الآدمي، فلم يفسد العقد، كتلقي الركبان، وبيع المعيب، والمدلس، وفارق ما كان لحق الله تعالى؛ لأنَّ حق الآدمي يمكن جبره بالخيار، أو
стр. 4560
زيادة في الثمن، لكن إن كان في البيع غبن لم تجر العادة بمثله فللمشتري الخيار بين الفسخ والإمضاء، كما في تلقي الركبان، وإن كان يتغابن بمثله، فلا خيار له.
وسواء كان النجش بمواطأة من البائع، أو لم يكن» اهـ.
قُلْتُ: وما نقله عن مالك خلاف ما نقله الحافظ ابن عبد البر عنه، والأظهر صحة ما نقله ابن عبد البر.
وقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢٩/ ٢٨٥):
«فالمشتري مع النجش إن شاء رد المبيع فحصل بهذا مقصوده. وإن شاء رضي به إذا علم بالنجش. فأمَّا كونه فاسداً مردوداً وإن رضي به: فهذا لا وجه له» اهـ.
قُلْتُ: وإذا بلغ الناجش بالسلعة إلى قيمتها فالأظهر أنَّه لا يحرم عليه ذلك لأنَّه لم يغبن المشتري بفعله.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْخَرَشِيُّ الْمَالِكِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُخْتَصَرِ خَلِيْلٍ] (٥/ ٨٢):
«وَلِابْنِ الْعَرَبِيِّ الَّذِي عِنْدِي، إنْ بَلَّغَهَا بِهِ النَّاجِشُ قِيمَتَهَا وَرَفَعَ الْغَبْنَ عَنْ صَاحِبِهَا فَهُوَ مَأْجُورٌ وَلَا خِيَارَ لِمُبْتَاعِهَا» اهـ.
١٦ - وفيه النهي أن يبيع حاضر لباد.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٨/ ٣٩٨):
«والبادي هاهنا، من يدخل البلدة من غير أهلها، سواء كان بدوياً، أو من قرية، أو بلدة أخرى» اهـ.
стр. 4561
قُلْتُ: والعلة في النهي مبينة فيما رواه مسلم (١٥٢٢) عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لَا يَبِعْ حَاضِرٌ لِبَادٍ، دَعُوا النَّاسَ يَرْزُقِ اللهُ بَعْضَهُمْ مِنْ بَعْضٍ».
قَالَ الْعَلَّامَةُ الطَّحَاوِيُّ ﵀ فِي [شَرْحِ مَعَانِي الْآثَارِ] (٤/ ١١):
«فعلمنا بذلك أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ إنَّما نهى الحاضر أن يبيع للبادي؛ لأنَّ الحاضر يعلم أسعار الأسواق فيستقصي على الحاضرين، فلا يكون لهم في ذلك ربح، وإذا باعهم الأعرابي على غرته وجهله بأسعار الأسواق ربح عليه الحاضرون. فأمر النبي ﷺ أن يخلى بين الحاضرين وبين الأعراب في البيوع، ومنع الحاضرين أن يدخلوا عليهم في ذلك» اهـ.
قُلْتُ: وقد حمل ذلك الإمام البخاري على ما كان بأجرة، وأمَّا ما كان بغير أجره فرأى ذلك داخل في النصيحة، فقال ﵀: «باب هل يبيع حاضر لباد بغير أجر وهل يعينه، أو ينصحه.
وقال النبي ﷺ : "إذا استنصح أحدكم أخاه فلينصح له". ورخص فيه عطاء» اهـ.
قُلْتُ: ويشهد لهذا القول ما رواه أحمد (١٨٣٠٨) حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ حَكِيمِ بْنِ أَبِي يَزِيدَ، عَنْ أَبِيهِ، عَمَّنْ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «دَعُوا النَّاسَ، فَلْيُصِبْ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ، فَإِذَا اسْتَنْصَحَ رَجُلٌ أَخَاهُ فَلْيَنْصَحْ لَهُ».
стр. 4562
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ ضَعِيْفٌ، وعطاء وإن كان اختلط، فقد رواه عنه حماد كما في [مَعْرِفَةِ الْصَحَابَةِ] (٦٤٣٨) لأبي نعيم، وحماد هذا إن كان هو ابن زيد فروايته عنه قبل الاختلاط، كما ذكر ذلك يحيى بن سعيد القطان، وأبو حاتم، والنسائي، وغيرهم، وإن كان حماد هو ابن سلمة فقد قَالَ ابْنُ الْكَيَّالِ ﵀ فِي [الْكَوَاكِبِ النَّيِّراتِ] (١/ ٣٢٥ - ٣٢٦):
«وقد استثنى الجمهور رواية حماد بن سلمة عنه أيضاً قاله ابن معين وأبو داود والطحاوي وحمزة الكناني وذكر ذلك عن ابن معين ابن عدي في" الكامل"، وعباس الدوري وأبي بكر بن أبي خيثمة.
وقال الطحاوي: وإنَّما حديث عطاء الذي كان منه قبل تغيره يؤخذ من أربعة لا من سواهم وهم شعبة وسفيان الثوري وحماد بن سلمة وحماد بن زيد.
وقال حمزة بن محمد الكناني في "أماليه": حماد بن سلمة قديم السماع من عطاء.
وقال عبد الحق في "الإحكام" أنَّ حماد بن سلمة سمع منه بعد الاختلاط كما قاله العقيلي.
قال الأبناسي: وقد تعقب الحافظ أبو عبد الله محمد بن أبي بكر بن المواق كلام عبد الحق يعني الذي ذكرناه وقال: لا نعلم من قاله غير العقيلي، وقد غلط من قال أنَّه قدم في آخر عمره إلى البصرة وإنَّما قدم عليهم مرتين فمن سمع منه في القدمة الأولى صح حديثه منه. واستثنى أبو داود أيضاً هشاماً الدستوائي فقال:
стр. 4563
وقال: غير أحمد قدم عطاء البصرة قدمتين سمع في القدمة الأولى منه الحمادان وهشام، والقدمة والثانية كان تغير فيها سمع منه وهيب وإسماعيل بن عليه وعبد الوارث فسماعهم منه ضعيف» اهـ.
قُلْتُ: وممن ذهب إلى أنَّ سماع حماد بن سلمة كان قديماً ابن الجارود، ويعقوب بن سفيان الفسوي، والدارقطني.
ورواه الطبراني في [الْكَبِيْرِ] (١٨٣٢٤)، وأبو نعيم في [مَعْرِفَةِ الْصَحَابَةِ] (٦٠٢١) مِنْ طَرِيْقِ حماد بن زيد عن عطاء به.
ورواه الطبراني في [الْكَبِيْرِ] (١٨٣٢٥) مِنْ طَرِيْقِ حماد بن سلمه عن عطاء به.
قُلْتُ: بقى أنَّ حكيم بن أبي يزيد هذا مجهول لم يوثقه معتبر، وقد ذكره ابن حبان في "الثقات". فهو علة الحديث.
والأمر بالنصيحة لمن طلبها أصله في مسلم (٢١٦٢) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ قَالَ: «حَقُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ سِتٌّ» قِيلَ: مَا هُنَّ يَا رَسُولَ اللهِ؟، قَالَ: «إِذَا لَقِيتَهُ فَسَلِّمْ عَلَيْهِ، وَإِذَا دَعَاكَ فَأَجِبْهُ، وَإِذَا اسْتَنْصَحَكَ فَانْصَحْ لَهُ، وَإِذَا عَطَسَ فَحَمِدَ اللهَ فَسَمِّتْهُ، وَإِذَا مَرِضَ فَعُدْهُ وَإِذَا مَاتَ فَاتَّبِعْهُ».
قُلْتُ: إذا استنصح البادي الحاضر في قيمة السلعة فعليه أن ينصح له عملاً بهذا الحديث، وأمَّا أن يتولى البيع له فلا، سواء كان بأجرة أو بغير أجرة للنهي عن ذلك. والله أعلم.
стр. 4564
وقد ذهب جمهور العلماء إلى المنع من بيع الحاضر للباد عملاً بهذا الحديث، وأجاز ذلك أبو حنيفة وغيره تمسكاً بأدلة النصيحة في الدين.
واشترط علماء الشافعية والحنابلة أربعة شروط في حرمة ذلك وهي:
الشرط الأول: أن يكون الحاضر قصد البادي؛ ليتولى البيع له، فأمَّا إذا أتى البادي إلى الحاضر وطلب منه ذلك فقالوا: لا يحرم عليه ذلك. وسيأتي نقد العلامة ابن دقيق العيد لهذا الشرط.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ عُثَيْمِيْنَ ﵀ فِي [شَرْحِهِ لِرِيَاضِ الصَّالِحِيْنَ] (٤/ ٤٢٥):
«واستدل العلماء رحمهم الله تعالى بالعلة على أنَّه إذا جاء البادي إلى الحاضر وقال: يا فلان بع هذه السلعة لي فإنَّه لا بأس بذلك لأنَّ البادي الآن يعلم أنَّه إذا باعه الحضري فهو غالباً أكثر ثمناً ولا يهمه أن يبقى يوماً أو يومين من أجل أن يأخذ الثمن، ولكن ظاهر الحديث العموم وأنَّ الحاضر لا يبيع للبادي وأنَّه إذا جاء إليه قال يا فلان خذ سلعتي بعها يقول: لا، بعها أنت» اهـ.
قُلْتُ: ووجه ذلك أنَّ المفسدة من بيع الحاضر للبادي حاصلة فيما إذا طلب الحاضر أن يبيع للبادي، أو كان الطلب من جهة البادي على حد سواء، فإنَّ العلة في ذلك أنَّ الحاضر سوف يستقصي في السعر لمعرفته بأسعار البلد، وهذه العلة موجودة في الصورتين على حدٍ سواء.
стр. 4565
لكن من اشترط هذا الشرط فقد فرق بين المسألتين بفرق آخر، وهو أنَّ التضييق حصل من البادي لا من الحاضر فأشبه ما لو امتنع هو من بيعها إلَّا بسعر غال. فالمنهي من ذلك أن يسعى الحاضر في التضييق على أهل البلد، فأمَّا إذا كان الاستقصاء في السعر من جهة البادي فهو الطالب لذلك فلا محذور حينئذ من بيع الحاضر له. ولهذا القول حظ من النظر، ولا سيما وقد تكون البضاعة كثيرة يشق على البادي أن يتولى بيعها بمفرده.
الشرط الثاني: أن يكون البادي جاهلاً بالسعر، فإذا كان البادي عارفاً بالسعر، لم يحرم.
قُلْتُ: وهذا الشرط من الشروط المعتبرة فيما يظهر لي، وذلك أنَّه إذا كان عالماً بسعر البلد فلا فرق بينه في ذلك وبين أهل البلد، فيستوي الحال حينئذ فيما إذا باع بنفسه، أو وكل رجلاً من أهل البلد بالبيع، لأنَّ الظاهر أنَّه لا يبيعها إلَّا بسعرها. والله أعلم.
الشرط الثالث: أن يكون قد جلب السلع للبيع. فأمَّا إن جاء بها ليأكلها أو يخزنها أو يهديها فليس في بيع الحاضر له تضييق، بل فيه توسعة.
الشرط الرابع: أن يكون البادي مريداً لبيعها بسعر يومها. فأمَّا إن أحضرها وفي نفسه أن لا يبيعها رخيصة بل يتربص بها حتى يبيعها بالسعر المرتفع فليس في بيع الحاضر للبادي من تضييق على الناس، بل التضييق جاء من جهة البادي.
قُلْتُ: وهذه الشروط الأربعة لها حظ من النظر.
стр. 4566
وأضاف بعض الحنابلة شرطاً خامساً وهو: أن يكون بالناس حاجة إلى متاعه، وضيق في تأخير بيعه.
قُلْتُ: وقد أشار إلى هذا الشرط شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ فَقَالَ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢٨/ ٧٥): «وهذا نهي عنه لما فيه من ضرر المشترين فإن المقيم إذا توكل للقادم في بيع سلعة يحتاج الناس إليها والقادم لا يعرف السعر ضر ذلك المشتري» اهـ.
وَقَالَ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢٩/ ١٩٢):
«والبيع والشراء في الأصل جائزان غير واجبين؛ لكن لحاجة الناس يجب البيع تارة ويحرم الشراء أخرى. هذا في نفس العقد. وأمَّا في مقدار الثمن فنهيه ﷺ عن أن يبيع حاضر لباد لما فيه من إضرار المشتري إذا توكل الحاضر للقادم بسلعته في البيع مع حاجة الناس إليها» اهـ.
وَقَالَ تِلْمِيْذُهُ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ حَيْثُ قَالَ فِي [الْطُرُقِ الْحُكْمِيَّةِ] (٣٥٤):
«وهذا النهي لما فيه من ضرر المشتري فإنَّ المقيم إذا وكله القادم في بيع سلعة يحتاج الناس إليها والقادم لا يعرف السعر أضر ذلك بالمشتري كما أنَّ النهي عن تلقي الجلب لما فيه من الإضرار بالبائعين» اهـ.
стр. 4567
قُلْتُ: ومن اشترط هذا الشرط فقد نظر إلى المعنى الذي من أجله ورد الحديث، وهو رفع الضرر عن المشترين، وهذا إنَّما يكون فيما يحتاجه الناس فإنَّه لا ضرر عليهم فيما لا يحتاجون إليه غالباً.
وقد نقد ذلك الْعَلَّامَةُ ابْنُ عُثَيْمِيْنَ ﵀ فِي [شَرْحِهِ لِرِيَاضِ الصَّالِحِيْنَ] (٤/ ٤٢٥): «واستنبط بعض العلماء من العلة أنَّه لابد أن تكون السلعة هذه للناس بها حاجة يعني مما تتعلق به حوائج الناس وأمَّا الشيء الذي لا يحتاجه الناس إلَّا نادراً فلا باس، لكن هذا الاستنباط ضعيف. والصواب أنَّه لا فرق بين السلعة التي يحتاجها الناس والسلعة التي لا يحتاجونها إلَّا نادراً» اهـ.
قُلْتُ: وقد قرر الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِي ﵀ مذهب الإمام مالك ﵀ في ذلك فقال في [الْمُفْهِم] (١٤/ ٢٠):
«وحمله مالك على أهل العمود من بعد منهم عن الحضر، ولا يعرف الأسعار، إذا كان الذي جلبوه من فوائد البادية بغير شراء. وإنَّما قيده مالك بهذه القيود نظرًا إلى المعنى المستفاد من قوله ﷺ : "دع الناس يرزق الله بعضهم من بعض". وذلك: أنَّ مقصوده أن يرتفق أهل الحاضرة بأهل البادية، بحيث لا يضر ذلك بأهل البادية ضررًا ظاهرًا. وهذا لا يحصل إلَّا بمجموع تلك القيود.
وبيانه: أنَّهم إذا لم يكونوا أهل عمود كانوا أهل بلاد وقرى، وغالبهم يعرف الأسعار. وإذا عرفوها صارت مقاديرها مقصودة لهم. فلهم أن يتوصلوا إلى تحصيلها بأنفسهم أو بغيرهم. وإذا كان الذي جلبوه عليهم بالشراء فهم تجار
стр. 4568
يقصدون الأرباح، فلا يحال بينهم وبينها. فلهم التوصل إليها بالسَّماسرة وغيرهم، وأمَّا أهل العمود، والموصوفون بالقيود المذكورة: فإن باع لهم السماسرة وغيرهم ضروا بأهل الحاضرة في استخراج غاية الأثمان، فيما أصله على أهل البادية بغير ثمن، فقصد الشرع أن يباشروا بيع سلعهم بأنفسهم ليرتفق أهل الحاضرة بالرخص فيما لا ضرر على أهل البادية فيه. وأعرض الشرع عمَّا يلحق أهل البادية في ذلك دفعًا لأشد الضررين، وترجيحًا لأعظم المصلحتين» اهـ.
وقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ دَقِيْقِ الْعِيْدِ ﵀ فِي [إِحْكَامِ الْأَحْكَامِ] (٣٤٩):
«اعلم أنَّ أكثر هذه الأحكام: قد تدور بين اعتبار المعنى واتباع اللفظ ولكن ينبغي أن ينظر في المعنى إلى الظهور والخفاء فحيث يظهر ظهوراً كثيراً فلا بأس باتباعه وتخصيص النص به أو تعميمه على قواعد القياسيين، وحيث يخفى ولا يظهر ظهوراً قوياً فاتباع اللفظ أولى، فأمَّا ما ذكر من اشتراط أن يلتمس البلدي ذلك: فلا يقوي لعدم دلالة اللفظ عليه وعدم ظهور المعنى فيه فإنَّ الضرر المذكور الذي علل به النهي لا يفترق الحال فيه بين سؤال البدوي وعدمه ظاهراً.
وأمَّا اشتراط أن يكون الطعام مما تدعو الحاجة إليه: فمتوسط في الظهور وعدمه لاحتمال أن يراعي مجرد ربح الناس في هذا الحكم على ما أشعر به التعليل من قوله ﷺ : "دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض".
стр. 4569
وأمَّا اشتراط أن يظهر لذلك المتاع المجلوب سعر في البلد فكذلك أيضاً أي إنَّه متوسط في الظهور لما ذكرناه من احتمال أن يكون المقصود مجرد تفويت الربح والرزق على أهل البلد.
وهذه الشروط منها ما يقوم الدليل الشرعي عليه كشرطنا العلم بالنهي ولا إشكال فيه ومنها ما يؤخذ باستنباط المعنى فيخرج على قاعدة أصولية وهي أنَّ النص إذا استنبط منه معنى يعود عليه بالتخصيص هل يصح أولا؟ ويظهر لك هذا باعتبار بعض ما ذكرناه من الشروط» اهـ.
قُلْتُ: والذي يظهر لي أنَّه إذا عين البادي السعر للحاضر، فلا بأس أن يبيعها له، لعدم المحذور في ذلك. والله أعلم.
١٧ - واحتج به على النهي عن شراء الحاضر للباد.
ووجه ذلك أنَّ البيع يطلق أيضاً على الشراء. وإلى هذا ذهب الإمام البخاري ﵀ حيث قال في "صحيحه": «باب لا يشتري حاضر لباد بالسمسرة. وكرهه ابن سيرين وإبراهيم للبائع والمشتري.
وقال إبراهيم: إنَّ العرب تقول بع لي ثوباً وهي تعني الشراء» اهـ.
قُلْتُ: ويدل على صحة ذلك ما رواه أبو عوانة في [مُسْتَخْرَجِهِ] (٤٠١٢)
حَدَّثَنَا الدَّنْدَانِيُّ، قثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ الْقَعْنَبِيُّ، قثنا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ عَلْقَمَةَ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، قَالَ: كَانَ يُقَالَ لَا يَبِيعُ حَاضِرٌ لِبَادٍ، قَالَ: فَلَقِيتُ أَنَسَ
стр. 4570
بْنَ مَالِكٍ فَقُلْتُ: نُهِيتُمْ أَنْ تَبِيعُونَ لَهُمْ أَوْ تَبْتَاعُوا لَهُمْ، قَالَ: «نُهِينَا أَنْ نَبِيعَ لَهُمْ، وَأَنْ نَبْتَاعَ لَهُمْ».
قَالَ مُحَمَّدٌ: وَصَدَقَ إِنَّهَا كَلِمَةٌ جَامِعَةٌ.
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ حَسَنٌ، والدنداني هو موسى بن سعيد.
ورواه أبو داود (٣٤٤٠) سَمِعْت حَفْصَ بْنَ عُمَرَ، يَقُولُ: حَدَّثَنَا أَبُو هِلَالٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: «كَانَ يُقَالُ: لَا يَبِيعُ حَاضِرٌ لِبَادٍ وَهِيَ كَلِمَةٌ جَامِعَةٌ لَا يَبِيعُ لَهُ شَيْئًا، وَلَا يَبْتَاعُ لَهُ شَيْئًا».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ حَسَنٌ أيضاً، وهو صحيح بهذين الوجهين.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ بَطَّالٍ ﵀ في [شَرْحِ الْبُخَارِي] (٦/ ٢٨٨):
«وأجازت طائفة الشراء لهم، وقالوا: إنَّ النهى إنَّما جاء في البيع خاصة ولم يعدوا ظاهر اللفظ، روي ذلك عن الحسن البصري. واختلف قول مالك في ذلك، فمرة قال: لا يشترى له ولا يشير عليه، ومرة أجاز الشراء له. وبهذا قال الليث والشافعي» اهـ.
وممن أجازه أيضاً الإمام أحمد ﵀ كما في [الْمُغْنِي] (٨/ ٤٠٠).
قُلْتُ: والصحيح المنع لما سبق. والله أعلم.
стр. 4571
١٨ - وفيه النهي عن تصرية الغنم، وإلى هذا ذهب جماهير العلماء، وأصل التصرية جمع الماء في الحوض، والمراد به هاهنا جمع اللبن في ضرع البهيمة من أجل إيهام المشتري أنَّها كثيرة اللبن.
١٩ - وفيه إثبات الخيار لمشتري المصرَّاة، وبه قال أكثر العلماء خلافاً لأبي حنيفة. فقد قال لا يردها بعد أن يحلبها، وإنَّما يرجع بنقصان العيب.
٢٠ - وأخذ بعمومه بعض الشافعية فقالوا: للمشتري الخيار سواء علم بالتصرية قبل الشراء أو لا.
قُلْتُ: وهذا قول ضعيف، وهو جمود على الظاهر دون نظر للمعنى.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٨/ ٢٤٤ - ٢٤٥):
«وقال أصحاب الشافعي: يثبت له الخيار في وجه؛ للخبر، ولأنَّ انقطاع اللبن لم يوجد، وقد يبقى على حاله، فلم يجعل ذلك رضى، كما لو تزوجت عنيناً، ثم طلبت الفسخ.
ولنا، أنَّه اشتراها عالماً بالتدليس، فلم يكن له خيار، كما لو اشترى من سود شعرها عالماً بذلك، ولأنَّه دخل على بصيرة فلم يثبت له الرد، كما لو اشترى معيباً يعلم عيبه، وبقاء اللبن على حاله نادر بعيد، لا يعلق عليه حكم، والأصل الذي قاسوا عليه ممنوع» اهـ.
٢١ - وفيه أنَّ المشتري إذا رد المصرَّاة لزمه أن يرد معها صاعاً من تمر.
стр. 4572
وبه قال الشافعي، وأحمد وغيرهما، وذهب مالك، وبعض الشافعية، والحنابلة، إلى أنَّ الواجب صاع من غالب قوت البلد.
واحتجوا بما رواه مسلم (١٥٢٤) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنِ اشْتَرَى شَاةً مُصَرَّاةً فَهُوَ بِالْخِيَارِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، فَإِنْ رَدَّهَا رَدَّ مَعَهَا صَاعًا مِنْ طَعَامٍ، لَا سَمْرَاءَ».
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِي ﵀ فِي [الْمُفْهِم] (١٤/ ٢٤):
«ووصفه بقوله: "لا سَمْرَاءَ" رفعًا للحرج في تكلُّف السمراء؛ لقلَّتها عندهم» اهـ.
ووجهه بعض العلماء بخلاف ذلك فقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٨/ ٢٤٦): «وفي لفظ له: "طعاماً لا سَمْرَاءَ" يعني لا يرد قمحاً» اهـ.
وَقَالَ أَبُو زُرْعَةَ ابْنُ الْحَافِظِ الْعِرَاقِيِّ ﵀ فِي [طَرْحِ الْتَثْرِيْبِ] (٦/ ٢٨٥):
«قوله في أحد لفظي رواية محمد بن سيرين عن أبي هريرة: "وصاعاً من تمر لا سَمْرَاءَ". تنصيص على أنَّ السمراء وهي القمح لا تجزئ في هذا، وإنَّما نص عليه دون غيره لفهم غيره مِنْ طَرِيْقِ الأولى فإنَّه أغلى الأقوات، وأنفسها فإذا لم يجزئ فغيره أولى بذلك» اهـ.
أقول: رواية مسلم مِنْ طَرِيْقِ قرة بن خالد عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة به.
ورواه أبو داود (٣٤٤٦) مِنْ طَرِيْقِ حماد عن أيوب، هشام بن حسان، وحبيب بن الشهيد عن ابن سيرين كرواية قرة.
стр. 4573
وحماد هو ابن سلمة كما صرح به الدارقطني (٣٠٧٠).
قُلْتُ: رواية حبيب ابن الشهيد جاءت عند أبي عوانة في [مُسْتَخْرَجِهِ] (٤٠٢٢) مِنْ طَرِيْقِ يونس بن محمد، قال: حدثنا حماد، عن حبيب، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة به بذكر التمر.
ورواه الدارمي (٢٥٥٣) مِنْ طَرِيْقِ يزيد بن زريع عن هشام به بذكر الطعام.
رواه مسلم (١٥٢٤) مِنْ طَرِيْقِ سُفْيَانَ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَنِ اشْتَرَى شَاةً مُصَرَّاةً فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ، إِنْ شَاءَ أَمْسَكَهَا، وَإِنْ شَاءَ رَدَّهَا وَصَاعًا مِنْ تَمْرٍ، لَا سَمْرَاءَ».
ورواه ابن ماجة (٢٢٣٩) مِنْ طَرِيْقِ أبي أسامة، عن هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة، وذكر في حديثه التمر.
وهو عند أحمد (١٠٥٩٤) مِنْ طَرِيْقِ يزيد بن هارون، ومحمد بن جعفر غندر عن هشام به.
وهكذا رواه أبو يعلى (٦٠٦٥) مِنْ طَرِيْقِ إسماعيل بن علية عن هشام به.
وهكذا رواه أبو عوانة في [مُسْتَخْرَجِهِ] (٤٠٢٦) مِنْ طَرِيْقِ النضر بن شميل عن هشام به.
ورواه ابن الجارود في [الْمُنْتَقَى] (٥٦٦) مِنْ طَرِيْقِ وهب بن جرير عن هشام به.
ورواه ابن الجعد في [مُسْنَدِهِ] (٢٩٩٥) مِنْ طَرِيْقِ أبي جعفر الرازي عن هشام به.
стр. 4574
ورواه أبو عوانة في [مُسْتَخْرَجِهِ] (٤٠٢٧) مِنْ طَرِيْقِ يونس بن عبيد، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة بذكر التمر.
ورواه تمام في [فَوَائِدِهِ] (١٤٢٦) مِنْ طَرِيْقِ الأوزاعي عن ابن سيرين بذكر التمر.
قُلْتُ: وتلخص من هذا أنَّ أكثر من روى عن هشام بن حسان بذكر التمر، وهم أبو أسامة، ويزيد بن هارون، ومحمد بن جعفر غندر، وإسماعيل بن علية، والنضر بن شميل، ووهب بن جرير، وأبو جعفر الرازي، وخالفهم حماد بن سلمة، ويزيد بن زريع فذكرا عنه الطعام.
وهكذا أكثر من روى عن ابن سيرين ذكر في حديثه التمر، ومنهم:
يونس بن عبيد، والأوزاعي.
وجاء ذكر الطعام في حديث أيوب، هشام بن حسان، وحبيب بن الشهيد، وقد اختلف الرواة في حديثهم فمنهم من ذكر التمر ومنهم من ذكر الطعام.
قال الإمام البخاري في "صحيحه" (٢١٤٨): «وقال بعضهم، عن ابن سيرين صاعاً من تمر ولم يذكر ثلاثاً والتمر أكثر» اهـ.
وهكذا أكثر من روى الحديث عن أبي هريرة إنَّما ذكروا في حديثهم التمر.
فهكذا رواه ثابت مولى عبد الرحمن بن زيد، وحديثه في البخاري (٢١٥١).
وموسى بن يسار، وحديثه في مسلم (١٥٢٤).
وأبو صالح السمان ذكوان، وحديثه في مسلم (١٥٢٤).
стр. 4575
وهمام بن منبه وحديثه في مسلم (١٥٢٤).
والأعرج عبد الرحمن بن هرمز، عند البخاري (٢١٥٠).
ومحمد بن زياد، عند أحمد (٩٥٥٥)، والترمذي (١٢٥١).
وموسى بن يسار، عند النسائي (٤٤٨٨).
وعبد الرحمن بن سعد المدني، وحديثه عند الطحاوي في [شَرْحِ مَعَانِي الْآثَارِ] (٥٥٤٨).
وعكرمة، عند الطحاوي في [شَرْحِ مَعَانِي الْآثَارِ] (٥٥٤٨).
والوليد بن رباح، عند أحمد (٩١٠٩).
ويعقوب بن أبي يعقوب، عند أحمد (١٠٢٧١).
ومجاهد، عند الطبراني في [الْكَبِيْرِ] (٩٣١)، و [الْأَوْسَطِ] (٧٤١١).
وسعيد بن المسيب، عند الطبراني في [الْكَبِيْرِ] (١٣٥١)، و [الْأَوْسَطِ] (٨٥٤٠).
ورواه البزار (٩٩٧١) حدثنا أحمد بن عبد الله أبو بكر البلالي قال: حدثنا جعفر بن سلمة، حدثنا حماد بن الجعد، عن قتادة، عن محمد بن سيرين، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ اشْتَرَى مُصَرَّاةً، فَهُوَ بِالْخِيَارِ إِنْ شَاءَ أَخَذَهَا فَإِنْ رَدَّهَا رَدَّ مَعَهَا صَاعًا مِنْ بُرٍ لَا سَمْرَاءَ».
قُلْتُ: حماد بن الجعد ضعيف الحديث.
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٤/ ٣٦٤):
стр. 4576
«والذي يظهر في الجمع بينها أنَّ من زاد الثلاث معه زيادة علم وهو حافظ ويحمل الأمر فيمن لم يذكرها على أنَّه لم يحفظها أو اختصرها وتحمل الرواية التي فيها الطعام على التمر» اهـ.
قُلْتُ: لكن روى أحمد (١٨٨٤١)، وابن أبي شيبة في [مُسْنَدِهِ] (٩٦٧) مِنْ طَرِيْقِ وَكِيعٍ، قَالَ: نا شُعْبَةُ، عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ رَجُلٍ، مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنِ اشْتَرَى مُصَرَّاةً فَهُوَ فِيهَا بِأَحَدِ النَّظَرَيْنِ إِنْ رَدَّهَا، رَدَّ مَعَهَا صَاعًا مِنْ طَعَامٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ.
قَالَ الْحِافِظُ الْبَيْهَقِيُّ ﵀ فِي [الْكُبْرَى] (٥/ ٣١٩):
«يحتمل أن يكون هذا شكاً من بعض الرواة فقال: صاعاً من هذا، أو من ذلك لا أنَّه من وجه التخيير ليكون موافقاً للأحاديث الثابتة في هذا الباب والله أعلم» اهـ.
وَقَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٤/ ٣٦٤):
«لكن يعكر على هذا ما رواه أحمد بإسناد صحيح عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن رجل من الصحابة نحو حديث الباب وفيه: "فإن ردها رد معها صاعاً من طعام أو صاعاً من تمر". فإنَّ ظاهره يقتضى التخيير بين التمر والطعام وأنَّ الطعام غير التمر، ويحتمل أن تكون أو شكاً من الراوي لا تخييراً وإذا وقع الاحتمال في هذه
стр. 4577
الروايات لم يصح الاستدلال بشيء منها فيرجع إلى الروايات التي لم يختلف فيها وهي التمر فهي الراجحة كما أشار إليه البخاري» اهـ.
قُلْتُ: وقد اختار العلامة ابن القيم ﵀ عدم تعيين التمر في ذلك، بل يجزئ عنده غيره من قوت البلد، فقال ﵀ في [إِعْلَامِ الْمُوَقِعِيْنَ] (٣/ ١٣ - ١٤):
«المثال الخامس: أنَّ النَّبي ﷺ نص في المصرَّاة على رد صاع من تمر بدل اللبن فقيل هذا حكم عام في جميع الأمصار حتى في المصر الذي لم يسمع أهله بالتمر قط ولا رأوه فيجب إخراج قيمة الصاع في موضع التمر ولا يجزئهم إخراج صاع من قوتهم، وهذا قول أكثر الشافعية والحنابلة وجعل هؤلاء التمر في المصرَّاة كالتمر في زكاة التمر لا يجزى سواه فجعلوه تعبداً فعينوه اتباعاً للفظ النص. وخالفهم آخرون فقالوا: بل يخرج في كل موضع صاعاً من قوت ذلك البلد الغالب فيخرج في البلاد التي قوتهم البر صاعاً من بر وإن كان قوتهم الأرز فصاعاً من أرز وإن كان الزبيب والتين عندهم كالتمر في موضعه أجزأ صاع منه وهذا هو الصحيح وهو اختيار أبي المحاسن الروياني وبعض أصحاب أحمد وهو الذي ذكره أصحاب مالك قال القاضي أبو الوليد: روى ابن القاسم أنَّ الصاع يكون من غالب قوت البلد. قال صاحب الجواهر بعد حكاية ذلك: ووجهه أنَّه ورد في ألفاظ هذا الحديث صاعاً من طعام فيحمل تعيين صاع التمر في الرواية المشهورة على أنَّه غالب قوت ذلك البلد انتهى.
стр. 4578
ولا ريب أنَّ هذا أقرب إلى مقصود الشارع ومصلحة المتعاقدين من إيجاب قيمة صاع من التمر في موضعه والله أعلم.
وكذلك حكم ما نص عليه الشارع من الأعيان التي يقوم غيرها مقامها من كل وجه أو يكون أولى منها كنصه على الأحجار في الاستجمار ومن المعلوم أنَّ الخرق والقطن والصوف أولى منها بالجواز. وكذلك نصه على التراب في الغسل من ولوغ الكلب والأشنان أولى منه هذا فيما علم مقصود الشارع منه وحصول ذلك المقصود على أتم الوجوه بنظيره وما هو أولى منه» اهـ.
قُلْتُ: إنَّما عين النبي ﷺ الصاع من التمر قطعاً للنزاع، ولو أجزنا غير التمر من أي نوع من أنواع القوت لما انقطع بذلك النزاع، فإنَّ الأقوات تختلف اختلافاً بيناً فمنها الثمين ومنها ما ليس كذلك، فلا يرتفع النزاع إلَّا بتعيين نوع واحد من القوت، وأكثر الروايات واردة في التمر، وما جاء في بعض الروايات في مسلم وغيره بذكر الطعام إن لم نحكم بشذوذها فهي محمولة على التمر، وأمَّا حديث الرجل من أصحاب النبي ﷺ فالشك فيه محتمل من الراوي، وما كان كذلك فلا يقدم على الروايات الصريحة بذكر التمر. هذا ما يظهر لي. والله أعلم.
قُلْتُ: وإذا لم يوجد التمر فينتقل إلى قيمته في موضعه.
стр. 4579
وليس في حديث المصرَّاة ما يخالف الأصول كما تدعيه الحنفية، ولا ما يخالف القياس كما بيَّن ذلك أهل العلم أتم بيان.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٤/ ٥٣٧ - ٥٣٧): «السابع: أن يقال: المخالف لحديث أبي هريرة في "المصرَّاة" يقول: إنَّه يخالف الأصول، أو قياس الأصول.
فيقال له: بل القول فيه كالقول في نظائره التي اتبعت فيها النصوص فهذا الحديث ورد فيما يخالف غيره لا فيما يماثل غيره؛ والقياس هو التسوية بين المتماثلين والتفريق بين المختلفين؛ وذلك أنَّ من خالفه يقول: إنَّه أثبت الرد بالمعيب وقدر بدل المتلف؛ بل إن كان من المثليات ضمن بمثله وإلَّا فقيمته وهذا مضمون بغير مثل ولا قيمة وجعل الضمان على المشتري والخراج بالضمان. فيقال له: الرد يثبت بالتدليس ويثبت باختلاف الصفة باتفاق الأئمة "والمدلس" الذي أظهر أنَّ المبيع على صفة وليس هو عليها كالواصف لها بلسانه وهذا النوع من الخيار غير خيار الرد بالعيب.
ويقال له: المشتري لم يضمن اللبن الحادث على ملكه. ولكن ضمن ما في الضرع؛ فإنَّه لما اشترى المصرَّاة وفيها لبن تلف عنده: كان عليه ضمانه؛ وإنَّما قدر الشارع البدل لأنَّه اختلط اللبن القديم باللبن الحادث فلم يبق يعرف مقدار اللبن القديم. فلهذا لم يمكن ضمانه بمثله ولا بقيمته فقدر الشارع في ذلك بدلاً يقطع به النزاع كما قدر ديات النفس وديات الأعضاء ومنافعها ونحو ذلك من المقدرات التي
стр. 4580
يقطع بها نزاع الناس فإنَّه إذا أمكن العلم بمقدار الحق: كان هو الواجب. وإذا تعذر ذلك شرع الشارع ما هو أمثل الطرق وأقربها إلى الحق. فتارة يأمر بالخرص إذا تعذر الكيل أو الوزن؛ إقامة للظن مقام العلم عند تعذر العلم ويأمر بالاستهام لتعيين المستحق عند كمال الإبهام. وتارة يقدر بدل الاستحقاق إذا لم يكن طريق آخر لقطع الشقاق؛ ورد المشتري للصاع بدل ما أخذ من اللبن من هذا الباب» اهـ.
وَقَالَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢٠/ ٥٥٦ - ٥٥٨):
«فقال قائلون: هذا يخالف قياس الأصول من وجوه:
منها: أنَّه رد المبيع بلا عيب ولا خلف في صفة. ومنها: أنَّ الخراج بالضمان فاللبن الذي يحدث عند المشتري غير مضمون عليه وهنا قد ضمنه.
ومنها: أنَّ اللبن من ذوات الأمثال فهو مضمون بمثله.
ومنها: أنَّ ما لا مثل له يضمن بالقيمة من النقد وهنا ضمنه بالتمر.
ومنها: أنَّ المال المضمون يضمن بقدره لا بقدر بدله بالشرع وهنا قدر بالشرع.
فقال المتبعون للحديث: بل ما ذكرتموه خطأ والحديث موافق للأصول ولو خالفها لكان هو أصلاً كما أنَّ غيره أصل فلا تضرب الأصول بعضها ببعض بل يجب إتباعها كلها فإنَّها كلها من عند الله.
стр. 4581
أمَّا قولهم: رد بلا عيب ولا فوات صفة فليس في الأصول ما يوجب انحصار الرد في هذين الشيئين بل التدليس نوع ثبت به الرد وهو من جنس الخلف في الصفة فإنَّ البيع تارة تظهر صفاته بالقول وتارة بالفعل فإذا ظهر أنَّه على صفة وكان على خلافها فهو تدليس وقد أثبت النبي ﷺ الخيار للركبان إذا تلقوا واشترى منهم قبل أن يهبطوا السوق ويعلموا السعر وليس كذلك واحد من الأمرين ولكن فيه نوع تدليس.
وأمَّا قوله: "الخراج بالضمان". فأولاً حديث المصرَّاة أصح منه باتفاق أهل العلم مع أنَّه لا منافاة بينهما فإنَّ الخراج ما يحدث في ملك المشتري ولفظ الخراج اسم للغلة: مثل كسب العبد وأمَّا اللبن ونحوه فملحق بذلك وهنا كان اللبن موجوداً في الضرع فصار جزءاً من المبيع ولم يجعل الصاع عوضاً عمَّا حدث بعد العقد بل عوضاً عن اللبن الموجود في الضرع وقت العقد وأمَّا تضمين اللبن بغيره وتقديره بالشرع فلأنَّ اللبن المضمون اختلط باللبن الحادث بعد العقد فتعذرت معرفة قدره فلهذا قدر الشارع البدل قطعاً للنزاع وقدر بغير الجنس لأنَّ التقدير بالجنس قد يكون أكثر من الأول أو أقل فيفضي إلى الربا بخلاف غير الجنس فإنَّه كأنَّه ابتاع لذلك اللبن الذي تعذرت معرفة قدره بالصاع من التمر والتمر كان طعام أهل المدينة وهو مكيل مطعوم يقتات به كما أنَّ اللبن مكيل مقتات وهو أيضاً يقتات به بلا صنعة بخلاف الحنطة والشعير فإنَّه لا يقتات به إلَّا بصنعة فهو أقرب الأجناس التي كانوا يقتاتون بها إلى اللبن. ولهذا كان من موارد الاجتهاد أنَّ جميع
стр. 4582
الأمصار يضمنون ذلك بصاع من تمر أو يكون ذلك لمن يقتات التمر فهذا من موارد الاجتهاد كأمره في صدقة الفطر بصاع من شعير أو تمر» اهـ.
٢٢ - وفيه إثبات خيار التدليس، وهو غير خيار العيب، فإنَّ خيار العيب يكون عند كتم عيب في السلعة، وأمَّا خيار التدليس فيكون عند إيهام صفة كمال في السلعة، كالتصرية، وتسويد شعر الأمة الشمطاء، ونحو ذلك.
٢٣ - واحتج بعمومه من ذهب إلى ثبوت الخيار في المصرَّاة وإن استمر اللبن على حاله بعد التصرية.
قُلْتُ: وهذا من الجمود على الظاهر دون نظر للمعنى الذي من أجله ثبت الخيار.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٨/ ٢٤٥):
«ولو اشترى مصراة فصار لبنها عادة، واستمر على كثرته، لم يكن له الرد.
وقال أصحاب الشافعي له الرد، في أحد الوجهين؛ للخبر، ولأنَّ التدليس كان موجوداً حال العقد، فأثبت الرد، كما لو نقص اللبن.
ولنا، أنَّ الرد جعل لدفع الضرر بنقص اللبن، ولم يوجد، فامتنع الرد، ولأنَّ العيب لم يوجد، ولم تختلف صفة المبيع عن حالة العقد، فلم يثبت التدليس، ولأنَّ الخيار ثبت لدفع الضرر، ولم يوجد ضرر» اهـ.
стр. 4583
٢٤ - وفيه ما يدل على إثبات الصاع من التمر فيما إذا احتلبها، وأمَّا إذا علم بالتصرية قبل حلبها فلم يحتلبها، بل ردها بما فيها من اللبن فليس عليه أن يدفع صاعاً من تمر.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٨/ ٢٤٧):
«فصل: وإن علم بالتصرية قبل حلبها، مثل أن أقر به البائع، أو شهد به من تقبل شهادته، فله ردها، ولا شيء معها؛ لأنَّ التمر إنَّما وجب بدلاً للبن المحتلب، ولذلك قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "من اشترى غنماً مصراة فاحتلبها، فإن رضيها أمسكها، وإن سخطها، ففي حلبتها صاع من تمر".
ولم يأخذ لها لبنا هاهنا، فلم يلزمه رد شيء معها.
وهذا قول مالك.
قال ابن عبد البر: هذا ما لا خلاف فيه» اهـ.
٢٥ - وظاهر الحديث أنَّه إذا احتلبها وجب عليه الصاع من التمر حتى ولو بقي بعد حلبه على حاله، فلا يجزئه رده.
قُلْتُ: وفي ذلك نزاع بين أهل العلم، والذي يظهر لي أنَّه إذا بقي على حاله ولم يتغير فيجزئه رده ولا يلزمه الصاع من التمر. والله أعلم.
وقد روى البخاري (٢١٥١) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنِ اشْتَرَى غَنَمًا مُصَرَّاةً، فَاحْتَلَبَهَا، فَإِنْ رَضِيَهَا أَمْسَكَهَا، وَإِنْ سَخِطَهَا فَفِي حَلْبَتِهَا صَاعٌ مِنْ تَمْرٍ».
стр. 4584
وفي هذا الحديث إثبات الصاع من التمر مقابل الحلب، وهذا يدل على لزوم الصاع بفوات اللبن، فإنَّ البدل لا يلزم مع وجود المبدل منه، فأمَّا مع وجود المبدل فالحكم متعلق به دون بدله. والله أعلم.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٨/ ٢٤٧ - ٢٤٨):
«وأمَّا لو احتلبها وترك اللبن بحاله ثم ردها، رد لبنها، ولا يلزمه أيضاً بشيء؛ لأنَّ المبيع إذا كان موجوداً فرده، لم يلزمه بدله.
فإن أبى البائع قبوله، وطلب التمر، لم يكن له ذلك، إذا كان بحاله لم يتغير.
وقيل: لا يلزمه قبوله؛ لظاهر الخبر، ولأنَّه قد نقص بالحلب، وكونه في الضرع أحفظ له.
ولنا، أنَّه قدر على رد المبدل، فلم يلزمه البدل، كسائر المبدلات مع أبدالها.
والحديث المراد به رد التمر حالة عدم اللبن؛ لقوله: "ففي حلبتها صاع من تمر". ولما ذكرنا من المعنى.
وقولهم إنَّ الضرع أحفظ له. لا يصح؛ لأنَّه لا يمكن إبقاؤه في الضرع على الدوام، وبقاؤه يضر بالحيوان.
وإن كان اللبن قد تغير، ففيه وجهان؛ أحدهما، لا يلزمه قبوله.
وهذا قول مالك؛ للخبر، ولأنَّه قد نقص بالحموضة، أشبه ما لو أتلفه.
стр. 4585
والثاني، يلزمه قبوله لأنَّ النقص حصل بإسلام المبيع، وبتغرير البائع، وتسليطه على حلبه، فلم يمنع الرد، كلبن غير المصرَّاة» اهـ.
٢٦ - وفيه أنَّ مدة الخيار مقدرة بثلاثة أيام، وتقدير ذلك جاء في مسلم دون البخاري، وقد رواه مسلم (١٥٢٤) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ قَالَ: «مَنِ ابْتَاعَ شَاةً مُصَرَّاةً فَهُوَ فِيهَا بِالْخِيَارِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، إِنْ شَاءَ أَمْسَكَهَا، وَإِنْ شَاءَ رَدَّهَا، وَرَدَّ مَعَهَا صَاعًا مِنْ تَمْرٍ».
٢٧ - وظاهر الحديث أنَّ الخيار يثبت من بعد الحلب.
قُلْتُ: والذي يظهر لي أنَّ ذكر الحلب قيد أغلبي فإنَّ الغالب في التصرية أنَّه لا تعرف إلَّا بعد الحلب، وإلَّا فلو علم بالتصرية قبل الحلب فيبدأ في حقه الخيار من وقت علمه بذلك.
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٤/ ٣٦٢):
«والجمهور على أنَّه إذا علم بالتصرية ثبت له الخيار ولو لم يحلب لكن لما كانت التصرية لا تعرف غالباً إلَّا بعد الحلب ذكر قيداً في ثبوت الخيار فلو ظهرت التصرية بغير الحلب فالخيار ثابت» اهـ.
قُلْتُ: وهناك جواب آخر لِلْعَلَّامَةِ ابْنِ دَقِيْقِ الْعِيْدِ ﵀ فِي [إِحْكَامِ الْأَحْكَامِ] (٣٥٢) حيث قال: «قوله ﵇: "فهو بخير النظرين بعد أن يحلبها" وقد يقال هاهنا سؤال وهو: أنَّ الحديث يقتضي إثبات الخيار بعد الحلب، والخيار ثابت قبل الحلب إذا علمت التصرية.
стр. 4586
وجوابه: أنَّه يقتضي إثبات الخيار في هذين الأمرين أعني الإمساك والرد مع الصاع وهذا إنَّما يكون بعد الحلب لتوقف هذين المعنيين على الحب لأنَّ الصاع عوض عن اللبن ومن ضرورة ذلك: الحلب» اهـ.
٢٨ - وفيه رد على من ذهب إلى أنَّ ابتداء الخيار يكون من وقت العقد، أو التفرق كما هو مذهب الشافعية.
قُلْتُ: والذي يظهر لي أنَّ الخيار يبدأ من وقت العلم بالتصرية.
قَالَ أَبُو زُرْعَةَ ابْنُ الْحَافِظِ الْعِرَاقِيِّ ﵀ فِي [طَرْحِ الْتَثْرِيْبِ] (٦/ ٢٧٠):
«القائلون بامتداد الخيار ثلاثة أيام اختلفوا في ابتدائها وللشافعية في ذلك وجهان: أحدهما: أنَّ ابتداءها من العقد.
والثاني: أنَّه من التفرق وشبهوا الوجهين بالوجهين في خيار الشرط، ومقتضى ذلك أنَّ الراجح أن ابتداءها من العقد وقال الحنابلة: إن ابتداءها من حين تبينت التصرية» اهـ.
وقال ﵀ (٦/ ٢٧١): «والظاهر أنَّ الشارع إنَّما اعتبر المدة من حين معرفة سبب الخيار».
إلى أن قال ﵀ (٦/ ٢٧١): «وهذا مما يقوي مذهب الحنابلة في ذلك وهو عندي أظهر، وأوفق للحديث وللمعنى والله أعلم» اهـ.
стр. 4587
٢٩ - وظاهر الحديث أنَّ الخيار مختص بتصرية الغنم دون غيرها، لكن جاء في رواية للبخاري (٢١٤٨)، ومسلم (١٥١٥) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ قَالَ: «لَا تُصَرُّوا الإِبِلَ وَالغَنَمَ، فَمَنِ ابْتَاعَهَا بَعْدُ فَإِنَّهُ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ بَعْدَ أَنْ يَحْتَلِبَهَا: إِنْ شَاءَ أَمْسَكَ، وَإِنْ شَاءَ رَدَّهَا وَصَاعَ تَمْرٍ».
قُلْتُ: واحتج بذلك داود الظاهري على اختصاص ذلك بالإبل، والغنم.
قُلْتُ: ذهب جمهور العلماء إلى تعدي ذلك إلى البقر أيضاً. وهو الصحيح لعموم قول النبي ﷺ : «مَنْ اشْتَرَى مُصَرَّاةً فَهُوَ بِالخِيَارِ إِذَا حَلَبَهَا، إِنْ شَاءَ رَدَّهَا وَرَدَّ مَعَهَا صَاعًا مِنْ تَمْرٍ».
رواه أحمد (١٠٢٧١، ١٠٥٩٤)، والترمذي (١٢٥١)، والنسائي (٤٤٨٨)، وابن ماجة (٢٢٣٩) من طرق عن أبي هريرة، وهو حديث صحيح. كما مرَّ.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٨/ ٢٥٢):
«ولأنَّه تصرية بلبن من بهيمة الأنعام، أشبه الإبل والغنم، والخبر فيه تنبيه على تصرية البقر؛ لأنَّ لبنها أغزر وأكثر نفعاً» اهـ.
قُلْتُ: وتنازع العلماء في إثبات حكم التصرية في غير بهيمة الأنعام، والذي يظهر لي عدم ثبوت ذلك.
وقد أثبته الإمام الشافعي ﵀.
стр. 4588
٣٠ - واحتج بقوله: «وَلَا تُصَرُّوا الغَنَمَ». من قال بتحريم التصرية مطلقاً سواء أراد البيع أو لا وعللوا النهي عن ذلك من أجل ما في ذلك من أذية البهيمة. وهو مذهب المتولي من علماء الشافعية.
قُلْتُ: وليس هذا بصحيح، وقول النبي ﷺ في آخر الحديث:
«وَمَنِ ابْتَاعَهَا فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ بَعْدَ أَنْ يَحْتَلِبَهَا، إِنْ رَضِيَهَا أَمْسَكَهَا، وَإِنْ سَخِطَهَا رَدَّهَا وَصَاعًا مِنْ تَمْرٍ». يدل على أنَّ النهي عن ذلك من أجل البيع.
وأصرح من ذلك ما رواه الحميدي في [مُسْنَدِهِ] (١٠٧٦)، والدارقطني (٣٠٧٤) مِنْ طَرِيْقِ سُفْيَانَ، قَالَ: ثنا أَبُو الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ ﷺ : «لَا تَصَرُّوا الْإِبِلَ وَالْغَنَمَ لِلْبَيْعِ، مَنِ اشْتَرَى مِنْكُمْ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا، فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ، إِنْ شَاءَ أَمْسَكَهَا، وَإِنْ شَاءَ رَدَّهَا، وَصَاعًا مِنْ تَمْرٍ لَا سَمُرَاءَ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ.
وبناءً على ما سبق فيجوز تصرية البهيمة من أجل ولدها، أو من أجل ضيف قادم، بشرط أن لا يبلغ إلى حد الإضرار بالبهيمة. والله أعلم.
٣١ - وإثبات الخيار لمشتري المصرَّاة دليل على صحة البيع، فإنَّ الخيار لا يثبت في البيع الفاسد.
стр. 4589
قَالَ أَبُو زُرْعَةَ ابْنُ الْحَافِظِ الْعِرَاقِيِّ ﵀ فِي [طَرْحِ الْتَثْرِيْبِ] (٦/ ٢٦٩): «وهو مجمع عليه» اهـ.
٣٢ - وظاهر الحديث أنَّ البائع إذا لم يتعمد التصرية فلا خيار للمشتري وقد قال بذلك بعض علماء الشافعية كالغزالي وغيره.
قُلْتُ: والذي يظهر لي أنَّ التصرية ثابتة للمشتري سواء تعمد ذلك البائع أو لا، كأن يحصل ذلك لانشغال البائع عن حلبها ونحوه، وذلك لأنَّ المفسدة حاصلة للمشتري في الصورتين، والشارع لا يفرق بين المتماثلين.
٣٣ - وفيه أنَّ الصاع من التمر يشمل جميع المصرَّاة فلا يختلف ذلك باختلاف مقدار اللبن في كل مصراة.
وخالف في ذلك بعض علماء الشافعية فذهبوا إلى اختلاف مقدار التمر باختلاف مقدار اللبن، وليس هذا بصحيح.
٣٤ - واحتج بظاهر هذه الرواية من قال: إنَّ الصاع الواحد من التمر يجزئ عن الجماعة من المصرَّاة، وذلك لأنَّ النبي ﷺ نهى عن تصرية الغنم ثم ذكر أنَّ المشتري إذا حلبها أي الغنم المصرَّاة وأراد ردها جعل معها صاعاً من تمر، وظاهر ذلك أنَّه عن الجميع. وهذا مذهب ابن حزم، وبعض المالكية.
قُلْتُ: ولا يظهر لي صحة هذا القول، وهذه الرواية مفسرة بغيرها، وذلك فيما رواه مسلم (١٥٢٤) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ قَالَ: «مَنِ ابْتَاعَ شَاةً مُصَرَّاةً فَهُوَ فِيهَا بِالْخِيَارِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، إِنْ شَاءَ أَمْسَكَهَا، وَإِنْ شَاءَ رَدَّهَا، وَرَدَّ
стр. 4590
مَعَهَا صَاعًا مِنْ تَمْرٍ». فبيَّن النَّبي ﷺ في هذه الرواية أنَّ الصاع من التمر يكون في الشاة الواحدة.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٨/ ٢٥٣):
«فصل: إذا اشترى مصرَّاتين أو أكثر في عقد واحد، فردهن، رد مع كل مصراة صاعاً.
وبهذا قال الشافعي، وبعض أصحاب مالك.
وقال بعضهم: في الجميع صاع واحد؛ لأَنَّ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ قَالَ: "من اشترى غنماً مصرَّاة فاحتلبها فإن رضيها أمسكها، وإن سخطها ففي حلبتها صاع من تمر".
ولنا، عموم قوله: "من اشترى مصراة ومن اشترى محفلة". وهذا يتناول الواحدة.
ولأنَّ ما جعل عوضاً عن الشيء في صفقتين، وجب إذا كان في صفقة واحدة، كأرش العيب، وأمَّا الحديث فإنَّ الضمير يعود إلى الواحدة» اهـ.
٣٥ - وظاهره اختصاص الصاع من التمر فيما إذا رد البهيمة بعلة التصرية، لكن إن رضيها، ثم ظهر له عيب في البهيمة غير التصرية فأراد ردها بذلك العيب، فهل يردها مع صاع من تمر أو لا.
قُلْتُ: في ذلك نزاع والقياس يقتضي ردها مع صاعٍ من التمر، لأنَّ الشارع جعل الصاع بدلاً من اللبن في التصرية فكذلك هاهنا.
следующие страницы →